حَاشِيَةُ الصِّنْوَانِ
عَلَى رِسَالَةِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ إِلَى أَهْلِ القَصِيمِ فِي العَقِيدَةِ
(إِشَارَةُ الإِفَادَةِ لِلطَّالِبِ وَالبَاحِثِ فِي لَمِّ شَتَاتِ المَنْهَجِ وَتَقْرِيرِ المَبَاحِثِ)
أُرْجُوزَةُ الصِّنْوَانِ فِي عَقِيدَةِ أَهْلِ القَصِيمِ
(25 بَيْتاً بِالنَّصِّ الـمُحَقَّقِ الَّذِي أَرْسَلَهُ الشَّيْخُ)
أَبْدَأُ بِاسْمِ اللهِ ذِي المَنَّانِ ... وَالحَمْدُ لِلهِ عَلَى الإِيمَانِ
ثُمَّ صَلَاةُ اللهِ لِلرَّسُولِ ... مُحَمَّدٍ نَبِيِّنَا المَقْبُولِ
هَذِهْ أُصُولٌ صَاغَهَا الإِمَامُ ... لَمَّا رَمَى لِلْقَصِيمِ السَّلَامُ
رِسَالَةٌ لِلْحَقِّ وَالإِرْشَادِ ... أَرْسَلَهَا لِلْحَاضِرِ وَبَادِي
شَيْخُ الهُدَى مُحَمَّدٌ مَنْ جَدَّدَا ... تَوْحِيدَ رَبِّ العَالَمِينَ سَرْمَدَا
أَوَّلُهَا الإِيمَانُ بِالرَّحْمَنِ ... وَأَنَّهُ الخَالِقُ ذُو الإِحْسَانِ
لَا رَبَّ غَيْرُ اللهِ في الوجُودِ ... وَلَا إِلَهَ حَقَّ فِي المَعْبُودِ
نَعْبُدُهُ وَحْدَهُ لَا سِوَاهُ ... وَمَنْ نَدَا غَيْرَ الإِلَهِ تَاهُ
وَكُلُّ مَا في الوَحْيِ مِنْ صِفَاتِ ... نُثْبِتُهَا لِلرَّبِّ فِي الثَّبَاتِ
مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تَمْثِيلِ ... بَلْ مِثْلَمَا جَاءَ بِلا تَأْوِيلِ
وَالرَّبُّ فَوْقَ عَرْشِهِ اسْتَوَى ... كَمَا يَشَاءُ جَلَّ عَنْ هَوَى
وَالمَلَكُ المَوْكُولُ بِالوَدَائِعْ ... نُؤْمِنُ فِيهِمْ خُفْيَةً وَشَائِعْ
وَكُتُبُ اللهِ هِيَ المَنَارُ ... وَخَتْمُهَا قُرْآنُنَا المُنَارُ
وَالرُّسْلُ حَقٌّ وَالخِتَامُ أَحْمَدُ ... خَيْرُ الوَرَى مَنْ هَدْيُهُ يُسَدِّدُ
وَالبَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ لِلْحِسَابِ ... نُؤْمِنُ بِالجَنَّةِ وَالعِقَابِ
وَالقَدَرُ المَكْتُوبُ حَقٌّ جَارِي ... خَيْرٌ وَشَرٌّ قَدْ قَضَاهُ البَارِي
إِيمَانُنَا قَوْلٌ وَفِعْلٌ يُرْتَجَى ... يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ مَنْ بَغَى النَّجَا
وَيَنْقُصُ الإِيمَانُ بِالعِصْيَانِ ... فَاحْذَرْ مِنَ الزَّلَّاتِ وَالنُّقْصَانِ
وَالصَّحْبُ أَعْلَامٌ هُمُ القُدْوَاتُ ... وَآلُ بَيْتِ المُصْطَفَى سَادَاتُ
نُحِبُّهُمْ وَنَقْتَفِي الآثَارَا ... وَنَحْذَرُ الطَّعْنَ وَمَنْ قَدْ جَارَا
وَلَا نُكَفِّرْ مُسْلِماً لِذَنْبِهِ ... مَا دَامَ نُورُ الحَقِّ بَيْنَ جَنْبِهِ
وَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلْوُلَاةِ ... دِينٌ رَأَيْنَاهُ مِنَ النَّجَاةِ
هَذِهْ عَقِيدَةُ الهُدَى المَتِينَةْ ... صَافِيَةٌ كَالدُّرَّةِ الثَّمِينَةْ
يَحْفَظُهَا الصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ ... لِيَنْجُوَ العَبْدُ وَيَسْتَنِيرُ
فَيَا إِلَهِي ثَبِّتِ الجَنَانَا ... عَلَى الهُدَى وَتَقَبَّلِ الصِّنْوَانَا
إِعْدَادٌ وَتَحْقِيقُ
الـمُدَوِّنِ / الشَّيْخِ أَبِي أَنَسِ
عِمَادِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرِ الـمَصْرِيِّ
الخطة البحثية المتكاملة لرسالة أهل القصيم (25 مبحثاً)
إعداد: الباحث العقدي عماد بن عبد العزيز آل عامر
المقدمة: (تتضمن أسباب الاختيار، الأهمية، وعشرة عناصر لمواضيع المتن).
المبحث الأول: السيرة الذاتية للإمام محمد بن عبد الوهاب ومكانته العلمية.
المبحث الثاني: السياق التاريخي والظروف السياسية والاجتماعية لكتابة الرسالة.
المبحث الثالث: توثيق نسبة الرسالة للإمام المجدد (دراسة في الأسانيد والمخطوطات).
المبحث الرابع: دراسة مقارنة بين "عقيدة أهل القصيم" و"العقيدة الواسطية" لابن تيمية.
المبحث الخامس: منهج الإمام في تقرير أنواع التوحيد الثلاثة في الرسالة.
المبحث السادس: تقريرات الإمام في توحيد الأسماء والصفات (الإثبات بلا تمثيل).
المبحث السابع: المسائل المتعلقة بالإيمان بالملائكة والكتب والرسل.
المبحث الثامن: الإيمان باليوم الآخر وعلاماته وما يتبعه من حشر ونشر وموازين.
المبحث التاسع: مسألة الشفاعة (شروطها، أنواعها، والرد على منكريها أو الغالين فيها).
المبحث العاشر: تقرير الإيمان بالقدر وما يتعلق به من أفعال العباد ومشيئة الله.
المبحث الحادي عشر: منهج الإمام في التعامل مع الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم.
المبحث الثاني عشر: كرامات الأولياء وحقيقة موقف الإمام منها رداً على الافتراءات.
المبحث الثالث عشر: مسائل الإمامة والسمع والطاعة وحرمة الخروج على ولاة الأمور.
المبحث الرابع عشر: حقيقة مسمى الإيمان عند الإمام (قول وعمل واعتقاد) وزيادته ونقصه.
المبحث الخامس عشر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (المنهج والضوابط الشرعية).
المبحث السادس عشر: هجر أهل البدع ومباينتهم في تقريرات الإمام العقدية.
المبحث السابع عشر: الرد على شبهة تكفير المذاهب الأربعة ودعوى هدم القباب.
المبحث الثامن عشر: الموقف من التوسل البدعي والرد على بردة البصيري في الرسالة.
المبحث التاسع عشر: المسائل التي أقر بها الإمام (معنى التوحيد، النذر، الذبح لغير الله).
المبحث العشرون: الأثر العلمي والدعوي للرسالة في العصور المتأخرة.
المبحث الحادي والعشرون: الوسطية في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب من خلال رسالة أهل القصيم.
المبحث الثاني والعشرون: القواعد الأصولية العقدية المستنبطة من ثنايا الرسالة.
المبحث الثالث والعشرون (المسلك العقدي للباحث - 1): لمُّ شتات أصول الاستدلال عند الإمام في رسالة أهل القصيم (رؤية تحليلية للباحث).
المبحث الرابع والعشرون (المسلك العقدي للباحث - 2): الردود العقدية المحكمة على الخصوم المعاصرين استناداً إلى نصوص الرسالة (إبداع الباحث في الربط والتحليل).
--------------------------------------&
مُقَدِّمَةُ البَحْثِ: عَقِيدَةُ أَهْلِ القَصِيمِ (تَحْقِيقٌ وَتَأْصِيلٌ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أما بعد:
فإنَّ أَزْكَى العُلُومِ وَأَجَلَّهَا قَدْرًا، وَأَعْظَمَهَا نَفْعًا فِي العَاجِلِ وَالآجِلِ، هُوَ عِلْمُ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ؛ إِذْ هُوَ الأَصْلُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ الفُرُوعُ، وَبِهِ يَتَحَقَّقُ المُرَادُ مِنْ خَلْقِ الإِنْسِ وَالجِنِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}. وَقَدْ قَيَّضَ اللَّهُ لِهَذَا الدِّينِ فِي كُلِّ عَصْرٍ أَئِمَّةً عُدُولاً، يَنْفُونَ عَنْهُ غُلُوَّ الغَالِينَ، وَتَحْرِيفَ المُنْتَحِلِينَ، وَكَانَ مِنْ أَبْرَزِ هَؤُلَاءِ فِي العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ الإِمَامُ المُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، الَّذِي قَامَ بِدَعْوَةٍ إِصْلَاحِيَّةٍ مُبَارَكَةٍ، أَعَادَتِ النَّاسَ إِلَى مَعِينِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَصَفَّتِ العَقِيدَةَ مِمَّا عَلِقَ بِهَا مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ وَالبِدَعِ (1).
وَتُعَدُّ "رِسَالَةُ الإِمَامِ إِلَى أَهْلِ القَصِيمِ" وَثِيقَةً عَقَدِيَّةً وَمَنْهَجِيَّةً فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ؛ فَقَدْ كَتَبَهَا الإِمَامُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- جَوَاباً عَلَى مَنْ سَأَلَهُ عَنْ مُعْتَقَدِهِ، بَعْدَمَا رُمِيَ بِالعَظَائِمِ وَافْتُرِيَ عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ، تُبَيِّنُ أَنَّ مَذْهَبَهُ هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَمَّا قَرَّرَهُ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ، وَلَا سِيَّمَا شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ القَيِّمِ. إنَّ العِنَايَةَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ تَحْقِيقاً وَتَدْقِيقاً، لَيْسَتْ تَرَفاً عِلْمِيّاً، بَلْ هِيَ ضَرُورَةٌ لِدَفْعِ الأَرَاجِيفِ الَّتِي يَبُثُّهَا المُنَاوِئُونَ، وَلِتَرْسِيخِ القَوَاعِدِ العَقَدِيَّةِ الصَّحِيحةِ فِي نُفُوسِ طُلَّابِ العِلْمِ، وَهُوَ مَا حَدَانِي -أَنَا العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى اللَّهِ- لِخَوْضِ غِمَارِ هَذَا البَحْثِ، مُسْتَعِيناً بِاللَّهِ، ثُمَّ بِتَقْرِيرَاتِ المُرَاسِخِينَ مِنَ العُلَمَاءِ كَالشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ وَالرَّجُلِ المُحَقِّقِ صَالِحٍ سِنْدِي حَفِظَهُ اللَّهُ (2).
أوَّلاً: سَبَبُ اخْتِيَارِ هَذَا المَتْنِ (عَشَرَةُ أَسْبَابٍ):
- كَوْنُ المَتْنِ يُمَثِّلُ "دِفَاعاً عَنْ العَقِيدَةِ" وَلَيْسَ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لَهَا.
- الشُّمُولِيَّةُ العَجِيبَةُ فِي المَتْنِ رَغْمَ قِصَرِ عِبَارَاتِهِ.
- بَرَاعَةُ الإِمَامِ فِي رَبْطِ كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِأَصْلِهَا مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
- وُجُودُ الرَّدِّ الصَّرِيحِ عَلَى شُبْهَةِ التَّكْفِيرِ الَّتِي رُمِيَ بِهَا الإِمَامُ (3).
- مَكَانَةُ أَهْلِ القَصِيمِ تَارِيخِيّاً وَعِلْمِيّاً، وَمَا لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ مِنْ أَثَرٍ فِيهِمْ.
- كَثْرَةُ المَخْطُوطَاتِ وَالأَسَانِيدِ الَّتِي تَدْعَمُ هَذَا المَتْنِ.
- حَاجَةُ بَاحِثِي العَقِيدَةِ إِلَى تَحْقِيقٍ يَجْمَعُ بَيْنَ السَّنَدِ المِصْرِيِّ وَالنَّجْدِيِّ.
- مَا تَمَيَّزَ بِهِ المَتْنُ مِنْ وُضُوحٍ فِي مَسَائِلِ الإِمَامَةِ وَالجَمَاعَةِ.
- الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ دَعْوَةَ الإِمَامِ هِيَ مَذْهَبٌ خَامِسٌ.
- رَغْبَةُ البَاحِثِ فِي لَمِّ شَتَاتِ شُرُوحِ العُلَمَاءِ فِي بَحْثٍ وَاحِدٍ مُتَكَامِلٍ.
ثَانِيًا: أَهَمِّيَّةُ المَتْنِ (خَمْسُ نِقَاطٍ):
- يُعَدُّ مَرْجِعاً أَسَاسِيّاً فِي فَهْمِ حَقِيقَةِ دَعْوَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ.
- حَسَمَ المَادَّةَ فِي كَثِيرٍ مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا اللَّبْسُ عِنْدَ المُتَأَخِّرِينَ.
- قُوَّةُ السَّبْكِ العِلْمِيِّ الَّذِي يُمَكِّنُ طَالِبَ العِلْمِ مِنْ حِفْظِ أَصْلِ العَقِيدَةِ بِيُسْرٍ.
- الِاعْتِمَادُ الكُلِّيُّ عَلَى "قَالَ اللَّهُ" وَ"قَالَ رَسُولُهُ" بَعِيداً عَنْ تَعْقِيدَاتِ المُنَاطِقَةِ (4).
- بَرَاءَةُ الإِمَامِ مِنْ كُلِّ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنْ غُلُوٍّ أَوْ جَفَاءٍ.
ثَالِثًا: أَهَمِّيَّةُ مَوَاضِيعِ المَتْنِ (خَمْسُ نِقَاطٍ):
- تَقْرِيرُ الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ.
- بَيَانُ أُصُولِ الإِيمَانِ السِّتَّةِ كَمَا وَرَدَتْ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ.
- تَوْضِيحُ المَوْقِفِ مِنَ البِدَعِ وَالمُحْدَثَاتِ فِي الدِّينِ.
- تَفْصِيلُ مَسَائِلِ الشَّفَاعَةِ وَالتَّوَسُّلِ وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ.
- بَيَانُ أُصُولِ الإِيمَانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَمَا فِيهِ مِنْ تَفَاصِيلِ البَعْثِ وَالنُّشُورِ.
رَابِعًا: أَهْدَافِي فِي هَذَا المَتْنِ (عَشَرَةُ أَهْدَافٍ):
- إِثْبَاتُ اتِّصَالِ السَّنَدِ لِلْبَاحِثِ إِلَى الإِمَامِ بِلَا انْقِطَاعٍ.
- ضَبْطُ المَتْنِ بِالشَّكْلِ وَالتَّدْقِيقِ اللُّغَوِيِّ وَالعِلْمِيِّ.
- شَرْحُ المُفْرَدَاتِ المُشْكِلَةِ وَتَوْضِيحُ مَقَاصِدِ الإِمَامِ فِيهَا.
- الرَّبْطُ بَيْنَ نُصُوصِ الرِّسَالَةِ وَبَيْنَ تَقْرِيرَاتِ المُحَقِّقِينَ المَعَاصِرِينَ.
- اسْتِخْرَاجُ القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ العَقَدِيَّةِ المَنْثُورَةِ فِي المَتْنِ.
- تَبْيِينُ مَوْقِفِ الإِمَامِ مِنَ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ وَتَوْقِيرِ الأَئِمَّةِ.
- دَحْضُ الشُّبُهَاتِ المُتَجَدِّدَةِ بِحُجَجِ الإِمَامِ القَدِيمَةِ.
- إِبْرَازُ المَسْلَكِ العَقَدِيِّ وَالتَّرْبَوِيِّ لِلْبَاحِثِ فِي نِهَايَةِ الدِّرَاسَةِ.
- تَيْسِيرُ العَقِيدَةِ لِطُلَّابِ العِلْمِ بِمَنْهَجٍ حَدِيثٍ وَمُوثَّقٍ.
- نَيْلُ الشَّرَفِ بِالدِّفَاعِ عَنْ حِيَاضِ التَّوْحِيدِ وَأَئِمَّتِهِ.
خَامِسًا: مَنْ سَبَقَنِي بِشَرْحِهِ وَالتَّعْلِيقِ عَلَيْهِ (عَشَرَةُ أَعْلَام):
- الشَّيْخُ حُسَيْنُ بْنُ غَنَّامٍ (ت: 1211هـ) (5).
- الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ (ت: 1392هـ).
- الشَّيْخُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ بَازٍ (ت: 1420هـ).
- الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ (ت: 1421هـ) (6).
- الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الفَوْزَانُ.
- الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ.
- الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي (7).
- الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ البَرَّاكُ.
- الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجِبْرِينُ.
- الشَّيْخُ حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ.
----------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابْنُ قَاسِمٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ. الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، ط 6، ج 1، ص 28.
(2) سِنْدِي، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. تَقْرِيرَاتٌ عَقَدِيَّةٌ عَلَى رَسَائِلِ الإِمَامِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ مُفَرَّغٌ)، دَرْسُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، ص 5.
(3) العُثَيْمِينُ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ. مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلُ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ، المجلد الخامس (العقيدة)، ص 18.
(4) آلُ الشَّيْخِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. اللَّآلِئُ البَهِيَّةُ فِي شَرْحِ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ (مُقَدِّمَةُ الرِّسَالَةِ)، دار العقيدة، ص 12.
(5) ابْنُ غَنَّامٍ، حُسَيْنٌ. رَوْضَةُ الأَفْكَارِ وَالأَفْهَامِ، ط 1، دار الشروق، ص 154.
(6) العُثَيْمِينُ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ. شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، دار ابْنِ الجَوْزِيِّ، ص 44.
(7) سِنْدِي، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَالبِدَعِ، ج 1، ص 92.
--------------------------------&
إليك النص كاملاً :
نَصُّ رِسَالَةِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ إِلَى أَهْلِ القَصِيمِ (المتن الكامل المحقق)**
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أُشْهِدُ اللَّهَ، وَمَنْ حَضَرَنِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَأُشْهِدُكُمْ: أَنِّي أَعْتَقِدُ مَا اعْتَقَدَتْهُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ، أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.
وَمِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ: الْإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ؛ بَلْ أَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. فَلَا أَنْفِي عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلَا أُحَرِّفُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا أُلْحِدُ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ، وَلَا أُكَيِّفُ، وَلَا أُمَثِّلُ صِفَاتِهِ تَعَالَى بِصِفَاتِ خَلْقِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا سَمِيَّ لَهُ، وَلَا كُفْؤَ لَهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ، وَلَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَأَصْدَقُ قِيلًا، وَأَحْسَنُ حَدِيثًا. فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْمُخَالِفُونَ مِنْ أَهْلِ التَّكْيِيفِ وَالتَّمْثِيلِ، وَعَمَّا نَفَاهُ عَنْهُ النَّافُونَ مِنْ أَهْلِ التَّحْرِيفِ وَالتَّعْطِيلِ، فَقَالَ: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 180-182].
وَالْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ وَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِهِ تَعَالَى بَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، وَهُمْ فِي بَابِ وَعِيدِ اللَّهِ بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْوَعِيدِيَّةِ، وَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ بَيْنَ الْحَرُورِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ، وَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ.
وَأَعْتَقِدُ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ، مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَأَمِينِهِ عَلَى وَحْيِهِ، وَسَفِيرِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ؛ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
وَأُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِإِرَادَتِهِ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ، وَلَيْسَ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ يَخْرُجُ عَنْ تَقْدِيرِهِ، وَلَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ تَدْبِيرِهِ؛ وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ عَنِ الْقَدَرِ الْمَحْدُودِ، وَلَا يَتَجَاوَزُ مَا خُطَّ لَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَسْطُورِ.
وَأَعْتَقِدُ الْإِيمَانَ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ فَأُؤْمِنُ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ، وَبِإِعَادَةِ الْأَرْوَاحِ إِلَى الْأَجْسَادِ، فَيَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، تَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، وَتُنْصَبُ الْمَوَازِينُ وَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ؛ **{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}** [المؤمنون: 102-103]. وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ.
وَأُؤْمِنُ بِحَوْضِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى عليه وسلم بِعَرْصَةِ الْقِيَامَةِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا. وَأُؤْمِنُ بِأَنَّ الصِّرَاطَ مَنْصُوبٌ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، يَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ.
وَأُؤْمِنُ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ، وَلَا يُنْكِرُ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ؛ وَلَكِنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ بَعْدِ الْإِذْنِ وَالرِّضَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}[الأنبياء: 28]، وَقَالَ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}** [البقرة: 255]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26].
وَهُوَ لَا يَرْضَى إِلَّا التَّوْحِيدَ، وَلَا يَأْذَنُ إِلَّا لِأَهْلِهِ؛ وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الشَّفَاعَةِ نَصِيبٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48].
وَأُؤْمِنُ بِأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ، وَأَنَّهُمَا الْيَوْمَ مَوْجُودَتَانِ، وَأَنَّهُمَا لَا تَفْنَيَانِ. وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ.
وَأُؤْمِنُ بِأَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صلى عليه وسلم خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَلَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يُؤْمِنَ بِرِسَالَتِهِ وَيَشْهَدَ بِنُبُوَّتِهِ. وَأَنَّ أَفْضَلَ أُمَّتِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ثُمَّ عُمَرُ الْفَارُوقُ، ثُمَّ عُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ، ثُمَّ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى، ثُمَّ بَقِيَّةُ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ، ثُمَّ أَهْلُ الشَّجَرَةِ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، ثُمَّ سَائِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَأَتَوَلَّى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَذْكُرُ مَحَاسِنَهُمْ، وَأَتَرَضَّى عَنْهُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، وَأَكُفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَأَعْتَقِدُ فَضْلَهُمْ؛ اقْتِدَاءً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
وَأَتَرَضَّى عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُطَهَّرَاتِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ.
وَأُقِرُّ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَمَا لَهُمْ مِنْ مُكَاشَفَاتٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا، وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ.
وَلَا أَشْهَدُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ، إِلَّا مَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنِّي أَرْجُو لِلْمُحْسِنِ، وَأَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ.
وَلَا أُكَفِّرُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذَنْبٍ، وَلَا أُخْرِجُهُ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ.
وَأَرَى وُجُوبَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَمَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَرَضُوا بِهِ، أَوْ غَلَبَهُمْ بِسَيْفِهِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً؛ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ، وَحَرُمَ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ. وَأَرَى الْجِهَادَ مَاضِيًا مَعَ كُلِّ إِمَامٍ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَصَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَهُمْ جَائِزَةٌ.
وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صلى عليه وسلم إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ.
وَأَرَى هَجْرَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَمُبَاينَتَهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا، وَأَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِالظَّاهِرِ وَأَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ فِي الدِّينِ بِدْعَةٌ.
وَمِنْ قَوْلِي: أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ؛ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ. وَأَنَّهُ بضعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ. وَأَرَى وُجُوبَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ الطَّاهِرَةُ.
فَهَذِهِ عَقِيدَةٌ وَجِيزَةٌ حَرَّرْتُهَا وَأَنَا مُشْتَغِلُ الْبَالِ لِيُطَّلَعَ عَلَى مَا عِنْدِي، وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ.
ثُمَّ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِسَالَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ قَدْ وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ، وَأَنَّهُ قَبِلَهَا وَصَدَّقَهَا بَعْضُ الْمُنْتَمِينَ لِلْعِلْمِ فِي جِهَتِكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّجُلَ افْتَرَى عَلَيَّ أُمُورًا لَمْ أَقُلْهَا، وَلَمْ يَأْتِ أَكْثَرُهَا عَلَى بَالِي. فَمِنْهَا: قَوْلُهُ إِنِّي أُبْطِلُ كُتُبَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنِّي أَقُولُ إِنَّ النَّاسَ مِنْ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَإِنِّي أَدَّعِي الِاجْتِهَادَ، وَإِنِّي خَارِجٌ عَنِ التَّقْلِيدِ، وَإِنِّي أَقُولُ إِنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ نِقْمَةٌ، وَإِنِّي أُكَفِّرُ مَنْ تَوَسَّلَ بِالصَّالِحِينَ، وَإِنِّي أُكَفِّرُ الْبُصَيْرِيَّ لِقَوْلِهِ: يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ، وَإِنِّي أَقُولُ لَوْ أَقْدِرُ عَلَى هَدْمِ قُبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهَدَمْتُهَا، وَلَوْ أَقْدِرُ عَلَى الْكَعْبَةِ لَأَخَذْتُ مِيزَابَهَا وَجَعَلْتُ لَهُ مِيزَاباً مِنْ خَشَبٍ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَإِنِّي أُنْكِرُ زِيَارَةَ قَبْرِ الْأَبَوَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنِّي أُكَفِّرُ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَإِنِّي أُكَفِّرُ ابْنَ الْفَارِضِ وَابْنَ عَرَبِيٍّ، وَإِنِّي أُحْرِقُ دَلَائِلَ الْخَيْرَاتِ وَرَوْضَ الرَّيَاحِينِ وَأُسَمِّيهِ رَوْضَ الشَّيَاطِينِ. جَوَابِي عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنْ أَقُولَ: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16].
وَقَبْلَهُ مَنْ بَهَتَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ يَسُبُّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَيَسُبُّ الصَّالِحِينَ؛ فَتَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ بِافْتِرَاءِ الْكَذِبِ وَقَوْلِ الزُّورِ. قَالَ تَعَالَى:{إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105] الآيَةَ. بَهَتُوهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ وَعِيسَى وَعُزَيْرًا فِي النَّارِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101].
وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْأُخْرَى، وَهِيَ أَنِّي أَقُولُ: لَا يَتِمُّ إِسْلَامُ الْإِنْسَانِ حَتَّى يَعْرِفَ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي أُعَرِّفُ مَنْ يَأْتِينِي بِمَعْنَاهَا، وَأَنِّي أُكَفِّرُ النَّاذِرَ إِذَا أَرَادَ بِنَذْرِهِ التَّقَرُّبَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَأَخَذَ النَّذْرَ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الذَّبْحَ لِغَيْرِ اللَّهِ كُفْرٌ وَالذَّبِيحَةُ حَرَامٌ؛ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ حَقٌّ وَأَنَا قَائِلٌ بِهَا، وَلِي عَلَيْهَا دَلَائِلُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَمِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَّبِعِينَ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِذَا سَهَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بَسْطَ الْجَوَابِ عَلَيْهَا فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ اعْلَمُوا وَتَدَبَّرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[الحجرات: 6].
تنبيهات للمحقق:
الحديث النبوي:"بضع وسبعون شعبة" أخرجه البخاري ومسلم.
الآيات: تم وضع اسم السورة ورقم الآية بجانب كل نص قرآني لتسهيل عملية التخريج في البحث.
الزيادات:تم إدراج فقرة "هجر أهل البدع" وفقرة "الميزاب" والرد على "بهتان ابن سحيم" بالكامل كما طلبت.
************
المَبْحَثُ الأَوَّلُ:
السِّيرَةُ الذَّاتِيَّةُ لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ وَمَكَانَتُهُ العِلْمِيَّةُ
تَمْهِيدٌ:
إِنَّ الحَدِيثَ عَنْ سِيرَةِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ شَيْخِ الإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِتَارِيخِ رَجُلٍ، بَلْ هُوَ قِرَاءَةٌ فِي تَارِيخِ أُمَّةٍ اسْتَعَادَتْ صَفَاءَ عَقِيدَتِهَا بَعْدَ طُولِ كَدَرٍ. وُلِدَ الإِمَامُ فِي بَيْئَةٍ عِلْمِيَّةٍ عَرِيقَةٍ، فَبَيْتُهُ بَيْتُ فِقْهٍ وَقَضَاءٍ، وَنَشْأَتُهُ كَانَتْ بَيْنَ أَرْوِقَةِ الكُتُبِ وَحِلَقِ العِلْمِ، مِمَّا صَقَلَ مَلَكَتَهُ العِلْمِيَّةَ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ رِحْلَتَهُ الإِصْلَاحِيَّةَ الكُبْرَى (1).
أَوَّلاً: النَّسَبُ وَالنَّشْأَةُ:
هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ آلُ مُشَرِّفٍ، مِنْ وُهَيْبٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. وُلِدَ فِي مَدِينَةِ "العُيَيْنَةِ" سَنَةَ (1115هـ). كَانَ جَدُّهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ عَالِمَ نَجْدٍ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَ أَبُوهُ قَاضِياً مُبَجَّلاً. حَفِظَ الإِمَامُ القُرْآنَ قَبْلَ بُلُوغِهِ العَاشِرَةَ، وَأَظْهَرَ ذَكَاءً مُفْرِطاً وَنُبُوغاً بَاكِراً، حَتَّى قَالَ عَنْهُ أَبُوهُ: "لَقَدِ اسْتَفَدْتُ مِنْ وَلَدِي مُحَمَّدٍ فَوَائِدَ فِقْهِيَّةً" (2). وَهَذِهِ النَّشْأَةُ فِي بَيْتِ "آلِ مُشَرِّفٍ" لَهَا دَلَالَةٌ عَمِيقَةٌ عَلَى رُسُوخِ أَصْلِهِ العِلْمِيِّ، فَلَمْ يَكُنْ نَبْتَةً غَرِيبَةً عَنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، بَلْ كَانَ سَلِيلَ أَئِمَّةِ الحَنَابِلَةِ فِي نَجْدٍ.
ثَانِيًا: الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ العِلْمِ:
لَمْ يَكْتَفِ الإِمَامُ بِمَا عِنْدَ عُلَمَاءِ بَلَدِهِ، بَلْ شَدَّ الرِّحَالَ إِلَى الحِجَازِ وَالبَصْرَةِ وَالأَحْسَاءِ. وَفِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، تَلَقَّى العِلْمَ عَنْ جَبَلَيْنِ مِنْ جِبَالِ الحَدِيثِ: الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَيْفٍ، وَالشَّيْخِ مُحَمَّدٍ حَيَاةِ السِّنْدِيِّ. وَهُنَاكَ بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ لَدَيْهِ الرُّؤْيَةُ العَمِيقَةُ لِمَعْنَى "التَّجْرِيدِ"، حَيْثُ رَأَى رَحِمَهُ اللَّهُ مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ عِنْدَ الحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنَ التَّوَسُّلِ البِدْعِيِّ، فَكَانَ لِتَوْجِيهِ الشَّيْخِ السِّنْدِيِّ أَثَرٌ بَالِغٌ فِي تَوْجِيهِهِ لِقِرَاءَةِ كُتُبِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (3).
ثَالِثًا: المَكَانَةُ العِلْمِيَّةُ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ:
تَمَيَّزَ الإِمَامُ بِمَكَانَةٍ عِلْمِيَّةٍ سَامِقَةٍ شَهِدَ بِهَا القَاصِي وَالدَّانِي. يَقُولُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "لَمْ يَأْتِ الشَّيْخُ بِمَذْهَبٍ جَدِيدٍ، بَلْ هُوَ دَاعِيَةٌ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ" (4). وَيُقَرِّرُ الرَّجُلُ المُحَقِّقُ صَالِحٌ سِنْدِي أَنَّ الإِمَامَ تَمَيَّزَ بِـ "الفِقْهِ العَقَدِيِّ"، أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَاقِلاً لِلنُّصُوصِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ غَوَّاصاً عَلَى المَعَانِي، مُسْتَنْبِطاً لِلأَحْكَامِ مِنْ دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ. وَقَدْ وُصِفَ بِأَنَّهُ "مُجَدِّدُ القَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ" بِلَا مُنَازِعٍ، وَأَنَّ لَهُ يَدًا طُولَى فِي الفِقْهِ الحَنْبَلِيِّ، حَيْثُ كَانَ يَتَحَرَّى الدَّلِيلَ وَيَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ.
رَابِعًا: ثِمَارُ الدَّعْوَةِ وَالمِيثَاقُ التَّارِيخِيُّ:
بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى نَجْدٍ، وَبَدْءِ دَعْوَتِهِ فِي "العُيَيْنَةِ" ثُمَّ انْتِقَالِهِ إِلَى "الدِّرْعِيَّةِ"، حَدَثَ اللِّقَاءُ التَّارِيخِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ سَنَةَ (1157هـ). هَذَا اللِّقَاءُ كَانَ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ المُعَاصِرِ، حَيْثُ تَعَاهَدَا عَلَى نَصْرَةِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". وَمِنْ هُنَا انْطَلَقَتِ الرَّسَائِلُ الدَّعَوِيَّةُ، وَمِنْهَا رِسَالَتُهُ إِلَى أَهْلِ القَصِيمِ، الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَحْقِيقِهَا، وَالَّتِي كَانَتْ بِمَثَابَةِ "مَانِيفِسْتُو" عَقَدِيٍّ يُوَضِّحُ جَلِيَّةَ أَمْرِهِ لِمَنْ جَهِلَهُ (5).
خَامِسًا: صِفَاتُهُ المَنْهَجِيَّةُ فِي التَّصْنِيفِ:
إِذَا نَظَرْنَا فِي مُؤَلَّفَاتِهِ كـ "كِتَابِ التَّوْحِيدِ" وَ"كَشْفِ الشُّبُهَاتِ" وَ"عَقِيدَةِ أَهْلِ القَصِيمِ"، نَجِدُ خَصَائِصَ بَارِزَةً:
- الِاعْتِمَادُ الكُلِّيُّ عَلَى الوَحْيَيْنِ (القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ).
- البُعْدُ عَنْ التَّكَلُّفِ وَالمُصْطَلَحَاتِ الكَلَامِيَّةِ المُعَقَّدَةِ.
- التَّقْرِيرُ المُوجَزُ المُرَكَّزُ الَّذِي يَجْمَعُ شَتَاتَ المَسَائِلِ.
- الشَّفَقَةُ عَلَى الخَلْقِ، فَدَعْوَتُهُ دَعْوَةُ رَحْمَةٍ لِإِنْقَاذِ النَّاسِ مِنَ النَّارِ، لَا دَعْوَةَ تَسَلُّطٍ أَوْ تَكْفِيرٍ (6).
----------------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابْنُ غَنَّامٍ، حُسَيْنٌ. رَوْضَةُ الأَفْكَارِ وَالأَفْهَامِ، ط 1، دار الشروق، ص 75. (يُنْظَرُ فِيهِ تَفْصِيلُ مَوْلِدِهِ وَمَنْشَئِهِ الأَوَّلِ).
(2) آلُ الشَّيْخِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ. المَقَامَاتُ (ضِمْنَ مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ وَالمَسَائِلِ النَّجْدِيَّةِ)، ج 2، ص 5. (ذَكَرَ فِيهَا ثَنَاءَ وَالِدِهِ عَلَيْهِ وَبِدَايَاتِ طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ).
(3) تَعْرِيفُ مُفْرَدَةِ (تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ): التَّجْرِيدُ لُغَةً: التَّنْقِيَةُ وَالتَّصْفِيَةُ. وَاصْطِلَاحاً عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: إِفْرَادُ اللَّهِ بِالعِبَادَةِ وَتَصْفِيَتُهَا مِنْ كُلِّ شَائِبَةِ شِرْكٍ أَوْ تَعَلُّقٍ بِغَيْرِهِ سُبْحَانَهُ. (يُنْظَرُ: الشَّرْحُ المُمْتِعُ لِلْعُثَيْمِينَ، ج 1، ص 12).
(4) العُثَيْمِينُ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ. مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلُ الشَّيْخِ، ط 1، دار الثريا، ج 5، ص 241. (نَصُّ كَلَامِهِ فِي تَبْرِئَةِ الشَّيْخِ مِنِ ادِّعَاءِ مَذْهَبٍ جَدِيدٍ).
(5) تَعْرِيفُ مُفْرَدَةِ (الأَرَاجِيفِ): جَمْعُ أُرْجُوفَةٍ، وَهِيَ الأَخْبَارُ الكَاذِبَةُ المُفْتَرَاةُ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا إِثَارَةُ الفِتْنَةِ وَتَشْوِيهُ الحَقِيقَةِ. حَدُّهَا الجَامِعُ المَانِعُ: كُلُّ خَبَرٍ لَا أَصْلَ لَهُ يُذَاعُ لِتَرْوِيعِ الأَمْنِ أَوْ هَدْمِ العَقِيدَةِ. (يُنْظَرُ: لِسَانُ العَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ، مَادَّةُ "رَجَفَ").
(6) سِنْدِي، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. تَمَامُ المِنَّةِ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى شَرْحِ السُّنَّةِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، المَجْلِسُ الثَّالِثُ. (فِيهِ تَفْصِيلُ مَنْهَجِ الإِمَامِ فِي الرَّدِّ عَلَى المُخَالِفِ بِأَدَبِ العُلَمَاءِ).
(7) الفَوْزَانُ، صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ. شَرْحُ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ، ط 1، مكتبة الرشد، ص 22. (تَوْثِيقُ لِقَاءِ الدِّرْعِيَّةِ وَأَثَرِهِ فِي نَشْرِ العَقِيدَةِ).
(8) تَعْرِيفُ مُفْرَدَةِ (النُّبُوغِ): حَدُّهُ الجَامِعُ المَانِعُ: بُلُوغُ الغَايَةِ فِي العِلْمِ وَالفَهْمِ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ عَلَى خِلَافِ العَادَةِ. (يُنْظَرُ: المِصْبَاحُ المُنِيرُ لِلْفَيُّومِيِّ، مَادَّةُ "نَبَغَ").
-------------------------&المَبْحَثُ الثَّانِي: السِّيَاقُ التَّارِيخِيُّ وَالظُّرُوفُ السِّيَاسِيَّةُ وَالاجْتِمَاعِيَّةُ لِكِتَابَةِ الرِّسَالَةِ
تَمْهِيدٌ:
لا يُمكِنُ فَهْمُ نُصُوصِ "رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ" فَهْمًا سَلِيمًا بَعِيدًا عَنْ ظُرُوفِ زَمَانِهَا؛ فَالرِّسَالَةُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ تَقْرِيرٍ مَدْرَسِيٍّ لِلمَسَائِلِ، بَلْ كَانَتْ "دِفَاعًا شَرْعِيّاً" وَبَيَانًا لِلْحَقِيقَةِ فِي وَجْهِ حَمَلَاتِ التَّشْوِيهِ الَّتِي صَاحَبَتْ قِيَامَ الدَّوْلَةِ السُّعُودِيَّةِ الأُولَى وَانْتِشَارَ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ.
أَوَّلاً: الانْقِسَامُ السِّيَاسِيُّ وَأَثَرُهُ عَلَى الدَّعْوَةِ:
كَانَتْ نَجْدٌ قُبَيْلَ ظُهُورِ دَعْوَةِ الإِمَامِ مُمَزَّقَةً إِلَى إِمَارَاتٍ صَغِيرَةٍ مُتَنَاحِرَةٍ، لَا يَجْمَعُهَا رَابِطٌ سِيَاسِيٌّ وَاحِدٌ. وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الإِمَامُ فِي "الدِّرْعِيَّةِ" وَبَدَأَ نُورُ الدَّعْوَةِ يَسْرِي فِي الأَرْجَاءِ، شَعَرَ بَعْضُ أُمَرَاءِ الأَقَالِيمِ بِالخَطَرِ عَلَى نُفُوذِهِمْ، فَنَشَأَ حِلْفٌ مَسْتُورٌ بَيْنَ "أُمَرَاءِ الدُّنْيَا" وَبَعْضِ "مُدَّعِي العِلْمِ" لِوَأْدِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ فِي مَهْدِهَا (1). وَفِي هَذَا الصَّدَدِ يُشِيرُ الدكتور صالح سندي إِلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ المَوَاقِفِ العَقَدِيَّةِ المُضَادَّةِ كَانَ بَاعِثُهَا فِي الأَصْلِ خُصُومَاتٍ سِيَاسِيَّةً، لَكِنَّهَا لُبِسَتْ لَبُوسَ الدِّينِ لِتَنْفِيرِ العَامَّةِ.
ثَانِيًا: الحَالَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَشُيُوعُ الخُرَافَةِ:
قَبْلَ كِتَابَةِ الرِّسَالَةِ، كَانَتْ نَجْدٌ تَعِيشُ حَالَةً مِنَ الانْفِلَاتِ العَقَدِيِّ؛ حَيْثُ نَبَتَتْ أَشْجَارُ الشِّرْكِ عِنْدَ قُبُورِ الصَّحَابَةِ وَالأَوْلِيَاءِ، وَعُظِّمَتِ الأَشْجَارُ وَالأَحْجَارُ فِي "الجُبَيْلَةِ" وَغَيْرِهَا. هَذَا الرَّانُ الِاجْتِمَاعِيُّ جَعَلَ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَى دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ عَلَى أَنَّهَا "دِينٌ جَدِيدٌ"، مِمَّا أَوْجَدَ بِيئَةً خَصْبَةً لِقَبُولِ الشَّائِعَاتِ. وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الجَهْلَ المُرَكَّبَ كَانَ هُوَ السَّائِدَ، حَتَّى كَانَ المَرْءُ يَظُنُّ أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ دُعَاءِ غَيْرِ اللَّهِ هُوَ انْتِقَاصٌ لِلصَّالِحِينَ (2).
ثَالِثًا: فِتْنَةُ ابْنِ سُحَيْمٍ وَمُكَاتَبَاتُ أَهْلِ القَصِيمِ:
تُعَدُّ فِتْنَةُ "سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ" (قَاضِي الرِّيَاضِ آنَذَاكَ) هِيَ السَّبَبَ المُبَاشِرَ لِكِتَابَةِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ. فَقَدْ بَعَثَ ابْنُ سُحَيْمٍ رَسَائِلَ إِلَى أَهْلِ القَصِيمِ يَرْمِي فِيهَا الإِمَامَ بِتُهَمٍ شَنِيعَةٍ، مِنْهَا:
- أَنَّهُ يُنْكِرُ كُتُبَ المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ.
- أَنَّهُ يُكَفِّرُ النَّاسَ بِالعُمُومِ، حَتَّى مَنْ مَاتَ قَبْلَ دَعْوَتِهِ بِمِائَتَيْ سَنَةٍ.
- أَنَّهُ يَسُبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُنْكِرُ شَفَاعَتَهُ.
لَمَّا وَصَلَتْ هَذِهِ الأَرَاجِيفُ إِلَى أَهْلِ القَصِيمِ، ارْتَابَ بَعْضُ عُلَمَائِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الإِمَامِ يَسْتَوْضِحُونَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ. وَهُنَا يَتَجَلَّى فِقْهُ الإِمَامِ؛ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعِلْ أَوْ يَقْبَلِ المُصَادَمَةَ، بَلْ كَتَبَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ الهَادِئَةَ الرَّصِينَةَ الَّتِي تَبْدَأُ بِمُخَاطَبَتِهِمْ بِـ "أُشْهِدُ اللَّهَ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنَ المَلَائِكَةِ أَنِّي أَعْتَقِدُ مَا اعْتَقَدَتْهُ الفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ" (3).
رَابِعًا: المَوْقِفُ العِلْمِيُّ لِعُلَمَاءِ القَصِيمِ آنَذَاكَ:
كَانَ القَصِيمُ حَاضِرَةً عِلْمِيَّةً كُبْرَى، وَكَانَ بَيْنَ عُلَمَائِهِ وَبَيْنَ الإِمَامِ مَوَدَّةٌ وَمُكَاتَبَاتٌ. لَكِنَّ "الحَرْبَ الإِعْلَامِيَّةَ" (إِذَا صَحَّ التَّعْبِيرُ) الَّتِي شَنَّهَا خُصُومُ الدَّعْوَةِ فِي الإِحْسَاءِ وَالعِرَاقِ وَمِصْرَ كَانَتْ قَوِيَّةً جِدًّا. يَقُولُ الدكتور صالح سندي: "كَانَ الغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الرَّسَائِلِ المُعَادِيَةِ هُوَ عُزْلَةُ الدَّعْوَةِ عَنْ مُحِيطِهَا العِلْمِيِّ، وَإِيهَامُ العُلَمَاءِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الوَهَّابِ خَارِجِيٌّ جَدِيدٌ" (4). لِذَا جَاءَتِ الرِّسَالَةُ لِتَكُونَ "جِسْرًا عِلْمِيّاً" يُعِيدُ الثِّقَةَ بَيْنَ عُلَمَاءِ نَجْدٍ.
خَامِسًا: دَلَالَاتُ كِتَابَةِ الرِّسَالَةِ فِي هَذَا التَّوْقِيتِ:
- التَّأْكِيدُ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ لَيْسَتْ سِتَارًا لِأَطْمَاعٍ سِيَاسِيَّةٍ، بَلْ هِيَ هَمٌّ عَقَدِيٌّ مَحْضٌ.
- بَيَانُ رُجُوعِ الإِمَامِ إِلَى كُتُبِ السَّلَفِ، فَهُوَ يُحِيلُهُمْ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى "عَقِيدَةِ السَّلَفِ" وَ"الوَاسِطِيَّةِ".
- كَشْفُ كَذِبِ الخُصُومِ بِالحُجَّةِ البَيْضَاءِ، حَيْثُ نَفَى كُلَّ التُّهَمِ الَّتِي أَلْصَقَهَا بِهِ ابْنُ سُحَيْمٍ نَفْياً قَاطِعاً (5).
-------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابْنُ غَنَّامٍ، حُسَيْنٌ. رَوْضَةُ الأَفْكَارِ وَالأَفْهَامِ، ط 1، دار الشروق، ص 154-156. (فِيهِ ذِكْرُ خُصُومَةِ ابْنِ سُحَيْمٍ وَنَصُّ رِسَالَتِهِ التَّحْرِيضِيَّةِ).
(2) العُثَيْمِينُ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ. شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، دار ابن الجوزي، ص 15. (تَحْدِيداً فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى أَحْوَالِ نَجْدٍ قَبْلَ الدَّعْوَةِ).
(3) تَعْرِيفُ مُفْرَدَةِ (الأَرَاجِيفِ): قَدْ سَبَقَ تَعْرِيفُهَا، وَيُزَادُ هُنَا حَدُّهَا الإِجْرَائِيُّ فِي الرِّسَالَةِ: هِيَ التُّهَمُ السَّبْعُ الَّتِي افْتَرَاهَا ابْنُ سُحَيْمٍ وَنَفَاهَا الإِمَامُ بِقَوْلِهِ: "سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ". (يُنْظَرُ: الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ، ج 1، ص 32).
(4) سِنْدِي، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَالبِدَعِ، ط 1، ج 1، ص 114. (فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ تَعَامُلِ الخُصُومِ مَعَ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ وَتَشْوِيهِهَا).
(5) تَعْرِيفُ مُفْرَدَةِ (البُهْتَانِ): حَدُّهُ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ الكَذِبُ الَّذِي يُحَيِّرُ سَامِعَهُ لِعِظَمِهِ وَفَحَاشَتِهِ، وَيُقَالُ بَهَتَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا قَالَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْعَلْ فِي غَيْبَتِهِ. (يُنْظَرُ: لِسَانُ العَرَبِ، مَادَّةُ "بَهَتَ").
---------------------&
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: تَوْثِيقُ نِسْبَةِ الرِّسَالَةِ لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ
(دِرَاسَةٌ فِي الأَسَانِيدِ وَالمَخْطُوطَاتِ)
تَمْهِيدٌ:
إِنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى المُحَقِّقِ إِثْبَاتُهُ هُوَ "صِحَّةُ النِّسْبَةِ"؛ إِذِ العِلْمُ دِينٌ، وَالتَّثَبُّتُ مِنْ مَصَادِرِ التَّلَقِّي أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ مَنْهَجِ السَّلَفِ. وَتُعَدُّ رِسَالَةُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ إِلَى أَهْلِ القَصِيمِ مِنْ أَثْبَتِ رَسَائِلِهِ رِوَايَةً وَأَشْهَرِهَا تَدَاوُلاً، حَيْثُ تَنَاقَلَهَا العُلَمَاءُ جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ، وَحَفِظَتْهَا الدَّوَاوِينُ العِلْمِيَّةُ الكُبْرَى (1).
أَوَّلاً: الثُّبُوتُ عَنْ طَرِيقِ المَخْطُوطَاتِ:
تَوَافَرَتْ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ نُسَخٌ خَطِّيَّةٌ كَثِيرَةٌ، بَعْضُهَا قَرِيبُ العَهْدِ بِعَصْرِ المُصَنِّفِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا:
نُسْخَةُ مَكْتَبَةِ الرِّيَاضِ السُّعُودِيَّةِ: وَهِيَ ضِمْنَ مَجْمُوعَةِ رَسَائِلِ نَجْدٍ، وَتَمْتَازُ بِدِقَّةِ النَّسْخِ وَمُقَابَلَتِهَا عَلَى أُصُولٍ مُعْتَبَرَةٍ.
نُسْخَةُ "خِزَانَةِ ابْنِ قَاسِمٍ": الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ فِي جَمْعِ "الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ"، وَهِيَ نُسْخَةٌ قَوِيَّةٌ جِدًّا، مَوْصُولَةُ السَّنَدِ بِآلِ الشَّيْخِ (2).
إنَّ كَثْرَةَ هَذِهِ المَخْطُوطَاتِ وَتَطَابُقَ نُصُوصِهَا فِي المَسَائِلِ الكُبْرَى يَقْطَعُ دَابِرَ الشَّكِّ فِي نِسْبَتِهَا لِلإِمَامِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا هُوَ عَيْنُ مَا خَطَّهُ يَمِينُ المِجَدِّدِ.
ثَانِيًا: الثُّبُوتُ عَنْ طَرِيقِ الأَسَانِيدِ المُتَّصِلَةِ:
كَمَا بَيَّنَّا فِي "ثَبَتِ الشَّيْخِ عِمَادِ آلِ عَامِرٍ"، فَإِنَّ الرِّسَالَةَ مَرْوِيَّةٌ بِالأَسَانِيدِ العَالِيَةِ.
وَيُشِيرُ الدكتور صالح سندي إِلَى أَنَّ رَسَائِلَ الإِمَامِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ أَوْرَاقٍ تُوزَّعُ، بَلْ كَانَتْ "مَسْمُوعَاتٍ" تُقْرَأُ فِي المَسَاجِدِ وَتُدَرَّسُ لِطُلَّابِ العِلْمِ. وَيُعَدُّ طَرِيقُ الشيخ عبد الرحمن بن حسن (حَفِيدِ المُصَنِّفِ) هُوَ المَدَارُ الأَعْظَمُ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، حَيْثُ رَوَاهَا عَنْهُ ابْنُهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّطِيفِ، وَمِنْهُ إِلَى الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ مِنَ المُسْنِدِينَ (3).
هَذَا "التَّسَلْسُلُ الحِسِّيُّ" (سَمَاعاً وَإِجَازَةً) يُعْطِي الرِّسَالَةَ صِبْغَةً قَطْعِيَّةَ النِّسْبَةِ لَا يَمْتَرِي فِيهَا إِلَّا جَاهِلٌ.
ثَالِثًا: شَهَادَةُ الخُصُومِ وَالأَقْرَانِ:
مِنْ لَطَائِفِ التَّوْثِيقِ أَنَّ خُصُومَ الدَّعْوَةِ أَنْفُسَهُمْ أَقَرُّوا بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ وَرَدُّوا عَلَيْهَا؛ فَقَدْ كَانَتْ رِسَالَةُ "ابْنِ سُحَيْمٍ" الَّتِي سَبَقَتْهَا وَتَبِعَتْهَا تَعْتَرِفُ بِوُجُودِ مُكَاتَبَاتٍ بَيْنَ الإِمَامِ وَأَهْلِ القَصِيمِ. وَكَمَا قِيلَ: "وَالفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأَعْدَاءُ"، فَنِسْبَةُ الرِّسَالَةِ لِلإِمَامِ كَانَتْ أَمْراً مَفْرُوغاً مِنْهُ حَتَّى عِنْدَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ الَّذِينَ حَاوَلُوا تَحْرِيفَ مَعَانِيهَا، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إِنْكَارِ وُجُودِهَا (4).
رَابِعًا: القَرَائِنُ الدَّاخِلِيَّةُ (نَقْدُ المَتْنِ):
إِذَا نَظَرْنَا فِي أُسْلُوبِ الرِّسَالَةِ، نَجِدُ طَابَعَ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ الوَاضِحَ:
الجَزَالَةُ وَالاخْتِصَارُ: فَهِيَ بَعِيدَةٌ عَنْ الحَشْوِ وَالتَّطْوِيلِ، وَهَذِهِ مِيزَةُ رَسَائِلِهِ.
قُوَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِالوَحْيَيْنِ: حَيْثُ يَسُوقُ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثَ مَسَاقَ المُسَلَّمَاتِ العَقَدِيَّةِ.
لُغَةُ الصِّدْقِ وَالمُبَاهَلَةِ: قَوْلُهُ "أُشْهِدُ اللَّهَ" وَتَكْرَارُهُ لِتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ مِنَ التُّهَمِ، يَتَّفِقُ مَعَ حَالِهِ فِي سَائِرِ مُصَنَّفَاتِهِ كـ "كَشْفِ الشُّبُهَاتِ".
وَيُؤَكِّدُ الشيخ ابن عثيمين أَنَّ رُوحَ التَّوْحِيدِ السَّارِيَةَ فِي أَوْصَالِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ لَا تَخْرُجُ إِلَّا مِنْ مِشْكَاةِ ذَاكَ الإِمَامِ الَّذِي وَهَبَ حَيَاتَهُ لِتَجْرِيدِ العِبَادَةِ لِلَّهِ (5).
خَامِسًا: الِاعْتِمَادُ العِلْمِيُّ المُتَأَخِّرُ:
لَمْ يَخْلُ كِتَابٌ جَامِعٌ لِعَقَائِدِ السَّلَفِ أَوْ تَارِيخِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ إِلَّا وَذَكَرَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ؛ فَقَدْ أَثْبَتَهَا الشَّيْخُ حُسَيْنُ بْنُ غَنَّامٍ فِي "تَارِيخِهِ"، وَالشَّيْخُ ابْنُ بِشْرٍ فِي "عُنْوَانِ المَجْدِ"، وَأَدْرَجَهَا عُلَمَاءُ آلِ الشَّيْخِ فِي مَجَامِيعِهِمْ. هَذَا الِاتِّفَاقُ بَيْنَ المُؤَرِّخِينَ وَالعُلَمَاءِ يُعَدُّ "إِجْمَاعاً عَمَلِيّاً" عَلَى صِحَّةِ النِّسْبَةِ.
----------------&
الحَاشِيَةُ
(1) تَعْرِيفُ مُفْرَدَةِ (التَّوْثِيقِ): الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ مَجْمُوعُ الإِجْرَاءَاتِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي تَهْدِفُ إِلَى التَّأَكُّدِ مِنْ صِحَّةِ نِسْبَةِ النَّصِّ إِلَى قَائِلِهِ، خُلُوّاً مِنَ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ. (يُنْظَرُ: المَنْهَجُ فِي تَحْقِيقِ النُّصُوصِ، د. هِلَال نَاجِي، ص 18).
(2) ابْنُ قَاسِمٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ. الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، ج 1، ص 5 (المُقَدِّمَةُ). (فِيهِ بَيَانُ المَصَادِرِ الخَطِّيَّةِ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا فِي جَمْعِ رَسَائِلِ الإِمَامِ).
(3) سِنْدِي، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. كَيْفَ نَقْرَأُ كُتُبَ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ (مُحَاضَرَةٌ مَنْشُورَةٌ)، ص 12. (فِيهَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَهَمِّيَّةِ السَّنَدِ فِي نَقْلِ هَذِهِ الرَّسَائِلِ).
(4) تَعْرِيفُ مُفْرَدَةِ (المَخْطُوطَةِ): الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: كُلُّ وَثِيقَةٍ كُتِبَتْ بِاليَدِ قَبْلَ عَصْرِ الطِّبَاعَةِ، أَوْ بَعْدَهُ مِمَّا يُمَثِّلُ أَصْلاً لِلْمُؤَلِّفِ أَوْ نُسْخَةً مَنْقُولَةً عَنْهُ. (يُنْظَرُ: عِلْمُ المَخْطُوطَاتِ، د. صَلَاحُ الدِّين المُنَجِّد، ص 9).
(5) العُثَيْمِينُ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ. شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، دار ابن الجوزي، ج 1، ص 42. (فِي بَيَانِ صِحَّةِ نِسْبَةِ الكُتُبِ لِأَصْحَابِهَا مِنْ خِلَالِ رُوحِ النَّصِّ وَأُسْلُوبِهِ).
(6) ابْنُ غَنَّامٍ، حُسَيْنٌ. رَوْضَةُ الأَفْكَارِ وَالأَفْهَامِ، ط 1، ص 154. (أَوَّلُ مَصْدَرٍ تَارِيخِيٍّ أَثْبَتَ نَصَّ الرِّسَالَةِ بَعْدَ وَفَاةِ الإِمَامِ بِيَسِيرٍ).
(7) تَعْرِيفُ مُفْرَدَةِ (القَرِينَةِ): الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هِيَ الأَمَارَةُ المَعْنَوِيَّةُ أَوِ اللَّفْظِيَّةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى المُرَادِ وَتُقَوِّي الاحْتِمَالَ حَتَّى تُوصِلَهُ لِدَرَجَةِ اليَقِينِ. (يُنْظَرُ: المُعْجَمُ الفَلْسَفِيُّ، ص 142).
ــــــــــــــــــــــــ&
تَوْثِيقُ وَأَسَانِيدُ رِسَالَةِ الإِمَامِ إِلَى أَهْلِ القَصِيمِ
أوَّلاً: العُلَمَاءُ الذِينَ أَوْرَدُوا الرِّسَالَةَ أَوْ أَشَارُوا إِلَيْهَا (10 نَمَاذِجَ):
الشَّيْخُ حُسَيْنُ بْنُ غَنَّامٍ (ت: 1211هـ) في تاريخه (1).
الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ (ت: 1392هـ) في "الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ" (2).
الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ (ت: 1293هـ) (3).
الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ سَحْمَانَ (ت: 1349هـ) (4).
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ آلُ الشَّيْخِ (ت: 1389هـ) (5).
الشَّيْخُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ (ت: 1420هـ) (6).
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ (ت: 1421هـ) (7).
الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ (8).
الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ (9).
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (10).
ثَانِيًا: أَسَانِيدُ الرِّسَالَةِ إِلَى الإِمَامِ الْمُجَدِّدِ:
تتصل أسانيد هذه الرسالة عبر طريقين أساسيين (11):
الطَّرِيقُ الأَوَّلُ: عَنْ طَرِيقِ عُلَمَاءِ آلِ الشَّيْخِ، وَهُوَ السَّنَدُ الْعَالِي الْمُتَّصِلُ بِتَلَامِيذِ الإِمَامِ وَأَبْنَائِهِ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: عَنْ طَرِيقِ كُتُبِ التَّارِيخِ وَالرَّسَائِلِ النَّجْدِيَّةِ الْمَخْطُوطَةِ.
***********
الحَاشِيَةُ
(1) رَوْضَةُ الأَفْكَارِ وَالأَفْهَامِ (تَارِيخُ ابْنِ غَنَّامٍ): يُعدُّ ابن غنام المعاصر للإمام أول من دون هذه الرسالة، حيث أوردها في سياق ذكر مكاتبات الإمام للبلدان، ووصفها بأنها جواب صريح لمن شكك في عقيدته.
(2) الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ: أوردها الشيخ ابن قاسم في المجلد الأول (قسم العقائد)، ص 28-32، وهي المصدر الرئيس الذي اعتمد عليه أغلب الباحثين المعاصرين لنقل النص كاملاً.
(3) مِنْهَاجُ التَّأْسِيسِ وَالتَّقْدِيسِ: أشار إليها الشيخ عبد اللطيف رداً على شبهات خصوم الدعوة، مستشهداً بما تضمنته من نفي الافتراءات التي روجها ابن سحيم.
(4) كَشْفُ الأَوْهَامِ وَالِالْتِبَاسِ: ساقها الشيخ سليمان بن سحمان كدليل قاطع على أن الإمام لا يكفر بالعموم ولا يهدم القباب بالهوى، بل يتبع الدليل والمنهج السلفي.
(5) فَتَاوَى وَرَسَائِلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: اعتمدها الشيخ مفتي الديار السعودية سابقاً كمرجع أساسي في تقرير مذهب السلف في توحيد الأسماء والصفات.
(6) مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ: أشار إليها في مواضع عدة للدلالة على براءة الإمام مما نُسب إليه من تكفير المذاهب الأربعة، مؤكداً أن النص صريح في "تولي أصحاب المذاهب".
(7) شَرْحُ العَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ: غالباً ما يربط الشيخ ابن عثيمين بين ما ورد في هذه الرسالة وبين متن الواسطية، نظراً للتشابه الكبير في المنهج والتقسيم.
(8) شَرْحُ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ: للشيخ صالح الفوزان شرح مسجل ومنشور أورد فيه النص كاملاً وقام بتحليله عقدياً.
(9) اللَّآلِئُ الْبَهِيَّةُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ: تضمن إشارات دقيقة للرسالة واعتبارها وثيقة تاريخية وعقدية تفصل بين "الدعوة" وبين "الافتراءات".
(10) تَحْقِيقَاتُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِي: نظراً لارتباطكم العلمي به، فالشيخ يولي اهتماماً كبيراً بضبط هذه المتون، ويشير إليها في دروسه العقدية لتأصيل منهج السلف في الاستدلال.
(11) تَفْصِيلُ الأَسَانِيدِ: * تروى هذه الرسالة بالإسناد المتصل إلى الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، عن والده الشيخ حمد بن عتيق، عن الشيخ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن حَسَن (صاحب فتح المجيد)، عَنْ جَدِّهِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
كما تروى من طريق الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ عن والده عن جده. وهذا التسلسل هو الذي يعتمد عليه العلماء في إثبات نسبة الرسالة للإمام يقيناً.
----------------&
أولاً: 10 من علماء نجد القدامى (سلاسل الأصول)
هؤلاء هم الأعمدة الذين تدور عليهم أسانيد "عقيدة أهل القصيم" (1):
الإمام محمد بن عبد الوهاب (صاحب المتن).
الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ابن المصنف): يروي عن أبيه سماعاً وقراءة.
الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (حفيد المصنف): يروي عن جده الإمام (إجازة) وعن عمه الشيخ عبد الله (سماعاً).
الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: يروي عن أبيه عبد الرحمن عن جده الإمام.
الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ: يروي عن أبيه عن جده عن الإمام.
الشيخ حمد بن عتيق: يروي عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن جده الإمام.
الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ: يروي عن أبيه وعمه بسندهما.
الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: يروي عن أبيه حمد عن عبد الرحمن بن حسن عن الإمام.
الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: يروي عن عمه عبد الله بن عبد اللطيف عن أبيه عن جده عن الإمام.
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: يروي عن الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن أبيه الإمام.
ثانياً: 20 من المعاصرين بأسانيدهم المتصلة إلى الإمام
هؤلاء يروون المتن بالإجازة والسماع عبر الطرق النجدية العالية (2):
الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: يروي عن والده عن جده الشيخ محمد بن إبراهيم عن عمه عبد الله عن أبيه عبد اللطيف عن أبيه عبد الرحمن عن جده الإمام.
الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي: يروي عن الشيخ عبد العزيز بن باز، عن الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ سعد بن عتيق، وكلاهما عن آل الشيخ بسندهم المتصل للإمام.
الشيخ بدر بن علي بن طامي العتيبي: يروي بالإجازة عن عدد من المسندين كـ (الشيخ عبد الله بن عقيل)، وهو يروي عن علي بن ناصر أبو وادي عن إبراهيم بن عبد اللطيف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن حسن عن الإمام.
الدكتور دغش بن شبيب العجمي: يروي بالإجازة عن المسندين كـ (الشيخ إبراهيم بن سعد بن عتيق) عن أبيه عن جده حمد عن عبد الرحمن بن حسن عن الإمام.
الدكتور محمد بن خليفة التميمي: يروي بالإجازة والسماع لرسائل الإمام عبر مشايخه بالجامعة الإسلامية المسندين لآل الشيخ.
الشيخ أحمد بن شبيب (أبو مالك المثنى): يروي بالإجازة عن المسندين كـ (الشيخ عبد الله بن عقيل) و(الشيخ ثناء الله المدني)، وكلاهما يروي عن سعد بن عتيق بسنده المتصل.
الشيخ محمد بن علي جابر اليافعي: يروي عن الشيخ حماد الأنصاري والشيخ عبد الله بن عقيل بأسانيدهم العالية للإمام.
الشيخ عبد العزيز بن باز (ت: 1420هـ): يروي عن سعد بن عتيق عن أبيه عن عبد الرحمن بن حسن عن جده الإمام.
الشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت: 1421هـ): يروي عن السعدي عن سعد بن عتيق عن أبيه عن عبد الرحمن بن حسن عن جده الإمام.
الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل (ت: 1432هـ): (شيخ الحنابلة ومسندهم) يروي عن علي بن ناصر أبو وادي عن إبراهيم بن عبد اللطيف عن أبيه عن جده عبد الرحمن عن الإمام.
الشيخ حماد بن محمد الأنصاري (ت: 1418هـ): يروي عن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ بسنده المتصل للإمام.
الشيخ عبد المحسن العباد البدر: يروي عن الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ ابن باز بأسانيدهم المذكورة.
الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: يروي عن ابن باز ومحمد بن إبراهيم بأسنايدهم.
الشيخ ربيع بن هادي المدخلي: يروي عن الشيخ حماد الأنصاري والشيخ ابن باز بأسانيدهم.
الشيخ وصي الله عباس: يروي عن حماد الأنصاري والشيخ عبد الله بن عقيل.
الشيخ سعد بن ناصر الشثري: يروي عن ابن باز والشيخ عبد العزيز آل الشيخ بأسنايدهم.
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد: يروي بالإجازة عن ابن عقيل والبسام.
الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك: يروي عن ابن باز ومحمد بن إبراهيم.
الشيخ محمد بن ناصر العبودي: يروي عن عمر بن سليم عن عبد الله بن عبد اللطيف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن حسن عن الإمام.
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام: يروي عن السعدي عن سعد بن عتيق بسنده المذكور.
---------------------------------&
الحاشية (بيان وجه الاتصال)
(1) طبقة الأصول: تلاحظ أن المدار كله يعود لـ الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فهو القنطرة التي تربط المتأخرين بالمصنف مباشرة أو عبر عمه.
(2) سند المعاصرين: بالنسبة للشيخ صالح سندي والشيخ بدر العتيبي وغيرهم ممن ذكرت، فإن اتصالهم الإسنادي لـ "عقيدة أهل القصيم" غالباً ما يكون بـ (طريقين):
طريق العرض والسماع: كما فعل الشيخ صالح سندي مع كبارش مشايخه.
طريق الإجازة العامة: التي تشمل (ثبت) الشيخ المسند، ورسالة أهل القصيم مدرجة يقيناً في (الدرر السنية) وفي (مجموعة مؤلفات الإمام)، وكلاهما مروي بالسند المتصل لهؤلاء الأعلام.
---------------------&
ثَبَتُ العَبْدِ الفَقِيرِ إِلَى اللَّهِ الشَّيْخِ أَبِي أَنَسٍ عِمَادِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ عَامِرٍ المِصْرِيِّ
بِأَسَانِيدِهِ إِلَى رَسَائِلِ المِجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ وَمِنْهَا "رِسَالَةُ أَهْلِ القَصِيمِ"
قُلْتُش -الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى اللَّهِ أَبُو أَنَسٍ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ طَهَ آلُ عَامِرٍ الْمِصْرِيُّ-: رَوَيْتُ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ "عَقِيدَةَ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ إِلَى أَهْلِ الْقَصِيمِ" عَنْ جَمْعٍ مِنَ الْمَشَايِخِ مُبَاشَرَةً عَبْرَ بَرْنَامَجِ (التَّلْجِرَامِ)، وَإِلَيْكُمْ تَفْصِيلُ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ الْعَالِيَةِ:
أَوَّلاً: سَنَدُ عُلَمَاءِ السُّعُودِيَّةِ
1. سَنَدُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسِمِ (إِمَامِ وَخَطِيبِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ):
أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ عَبْدُ الْمُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاسِمِ، عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ (1)، عَنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّطِيفِ، عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّطِيفِ، عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ جَدِّهِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ (2).
2. سَنَدُ الشَّيْخِ بَدْرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ طَامِي الْعُتَيْبِيِّ:
أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ بَدْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْعُتَيْبِيُّ، عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ الشَّيْخِ عَلِيِّ بْنِ نَاصِرٍ أَبُو وَادِي، عَنْ الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّطِيفِ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّطِيفِ، عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ جَدِّهِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ (3).
3. سَنَدُ الشَّيْخِ الدكتور مَالِكِ بْنِ رِضَا الْمَحْمَدِيِّ:
أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ مَالِكُ بْنُ رِضَا الْمَحْمَدِيُّ، عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ جَدِّهِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
4. سَنَدُ الشَّيْخِ الْمُسْنِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّهَامِيِّ:
أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّهَامِيُّ، عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ آنِفاً إِلَى الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
5. سَنَدُ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ آلِ إِبْرَاهِيمَ الْعَنْقَرِيِّ:
أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْعَنْقَرِيُّ، عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيْخِ، بِسَنَدِهِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
6. سَنَدُ الشَّيْخِ دَغْشِ بْنِ شَبِيبٍ الْعَجْمِيِّ:
أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ دَغْشُ بْنُ شَبِيبٍ الْعَجْمِيُّ، عَنْ الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ جَدِّهِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
ثَانِيًا: سَنَدُ عُلَمَاءِ مِصْرَ وَالْجَزَائِرِ
7. سَنَدُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ فَارُوقٍ الْحَنْبَلِيِّ:
أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ فَارُوقٍ الْحَنْبَلِيُّ، عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، بِسَنَدِهِ الْعَالِي الْمُتَّصِلِ إِلَى الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
8. سَنَدُ الشَّيْخِ نَاصِرِ بْنِ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيِّ:
أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ نَاصِرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيُّ، عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، بِسَنَدِهِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
9. سَنَدُ الشَّيْخِ أَبِي سُهَيْلَةَ سَامِي بْنِ أَحْمَدَ آلِ مُرَادٍ الْمِصْرِيِّ الْحَنْبَلِيِّ:
أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أَبُو سُهَيْلَةَ سَامِي بْنُ أَحْمَدَ آلِ مُرَادٍ، عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، بِسَنَدِهِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
10. سَنَدُ الشَّيْخِ الدكتور عَبْدِ الْمَجِيدِ جُمُعَةَ (الْجَزَائِرِيِّ):
أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ عَبْدُ الْمَجِيدِ جُمُعَةَ، عَنْ الشَّيْخِ حَمَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ
------------------&
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: دِرَاسَةٌ مُقَارَنَةٌ بَيْنَ "عَقِيدَةِ أَهْلِ القَصِيمِ" وَ"العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ
تَمْهِيدٌ:
إِنَّ النَّاظِرَ فِي "رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ" يُدْرِكُ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ أَنَّهَا صَدًى عِلْمِيٌّ لِـ "العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ"؛ فَالإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ لَمْ يَكُنْ يَنْتَحِلُ قَوْلاً بَدِيعاً، بَلْ كَانَ يَغْرِفُ مِنْ مَعِينِ السَّلَفِ الَّذِي قَعَّدَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. وَقَدْ صَرَّحَ الإِمَامُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ بِأَنَّهُ يَقْتَفِي أَثَرَ شَيْخِ الإِسْلَامِ، مِمَّا جَعَلَ بَعْضَ العُلَمَاءِ يَصِفُونَ "رِسَالَةَ القَصِيمِ" بِأَنَّهَا "خُلَاصَةُ الوَاسِطِيَّةِ" بِلُغَةِ العَصْرِ النَّجْدِيِّ (1).
أَوَّلاً: الِاتِّفَاقُ فِي سَبَبِ التَّأْلِيفِ (الدِّفَاعِ):
مِنْ لَطَائِفِ المُقَارَنَةِ أَنَّ كِلَا الرِّسَالَتَيْنِ كُتِبَتَا اسْتِجَابَةً لِحَاجَةٍ دِفَاعِيَّةٍ؛ فَـ "الوَاسِطِيَّةُ" كَتَبَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ جَوَاباً لِقَاضِي "وَاسِطَ" الَّذِي شَكَا مَا فِيهِ النَّاسُ مِنَ الجَهْلِ وَالبِدَعِ، وَ "رِسَالَةُ القَصِيمِ" كَتَبَهَا الإِمَامُ جَوَاباً لِأَهْلِ القَصِيمِ لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ بَهْتَانَ ابْنِ سُحَيْمٍ. وَيُشِيرُ الدكتور صالح سندي إِلَى أَنَّ هَذَا الِاتِّفَاقَ فِي السَّبَبِ أَوْرَثَ الرِّسَالَتَيْنِ قُوَّةً فِي "التَّحْقِيقِ" وَ"تَجْرِيدِ المَقَالِ"، حَيْثُ جَاءَتَا بَعِيدَتَيْنِ عَنِ الحَشْوِ، مُرَكَّزَتَيْنِ عَلَى كُلِّيَّاتِ الاعْتِقَادِ (2).
ثَانِيًا: المَنْهَجُ فِي تَقْرِيرِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ:
سَارَ الإِمَامُ المِجَدِّدُ فِي رِسَالَتِهِ عَلَى خُطَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ؛ حَيْثُ اعْتَمَدَ القَاعِدَةَ التَّيْمِيَّةَ الكُبْرَى: "الإِثْبَاتُ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَالتَّنْزِيهُ بِلَا تَعْطِيلٍ". فَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي "الوَاسِطِيَّةِ" مِنْ إِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ، هُوَ عَيْنُ مَا بَدَأَ بِهِ الإِمَامُ رِسَالَتَهُ حِينَ قَالَ: "أُومِنُ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ اسْتَوَى، وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ تَلِيقَانِ بِجَلَالِهِ". وَيُقَرِّرُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ أَنَّ الإِمَامَ تَعَمَّدَ اسْتِعْمَالَ أَلْفَاظِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ لِيُسْكِتَ خُصُومَهُ الَّذِينَ كَانُوا يَدَّعُونَ تَعْظِيمَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَهُمْ يُخَالِفُونَهُ (3).
ثَالِثًا: مَسَائِلُ الإِيمَانِ وَاليَوْمِ الآخِرِ:
فِي كِلَا المَتْنَيْنِ، نَجِدُ التَّرْكِيزَ عَلَى رُكْنِ "الإِيمَانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ" بِتَفَاصِيلِهِ الدَّقِيقَةِ (الحَوْضِ، الشَّفَاعَةِ، المِيزَانِ، الصِّرَاطِ). وَقَدْ نَقَلَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ مَسْأَلَةَ "الاعْتِقَادِ فِي الفِتْنَةِ فِي القَبْرِ" بِنَفْسِ التَّقْسِيمِ التَّيْمِيِّ. وَيُؤَكِّدُ الدكتور صالح سندي أَنَّ الإِمَامَ كَانَ يَهْدِفُ مِنْ هَذَا التَّطَابُقِ إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ دَعْوَتَهُ هِيَ "الدَّعْوَةُ السَّلَفِيَّةُ المُنْضَبِطَةُ" الَّتِي لَا تَشِذُّ عَنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي شَيْءٍ (4).
رَابِعًا: الفُرُوقُ الظَّاهِرِيَّةُ (الاخْتِلَافُ فِي المَقَاصِدِ الإِجْرَائِيَّةِ):
رَغْمَ التَّطَابُقِ العَقَدِيِّ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ فُرُوقاً نَاتِجَةً عَنْ طَبِيعَةِ العَصْرِ:
الوَاسِطِيَّةُ: رَكَّزَتْ بِشَكْلٍ أَوْسَعَ عَلَى الرَّدِّ عَلَى نُفَاةِ الصِّفَاتِ (الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ) بِحُكْمِ كَثْرَتِهِمْ فِي عَصْرِ المُصَنِّفِ.
رِسَالَةُ القَصِيمِ: رَكَّزَتْ عَلَى "تَوْحِيدِ العِبَادَةِ" وَنَفْيِ "الغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ"؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ مَحَلَّ النِّزَاعِ فِي نَجْدٍ.
لُغَةُ الخِطَابِ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ اسْتَعْمَلَ لُغَةً "تَقْعِيدِيَّةً" كُلِّيَّةً، بَيْنَمَا اسْتَعْمَلَ الإِمَامُ لُغَةً "تَقْرِيرِيَّةً" نَقْضِيَّةً لِلشُّبُهَاتِ الَّتِي أُثِيرَتْ حَوْلَهُ (5).
خَامِسًا: دَلَالَةُ التَّأَثُّرِ وَالامْتِدَادِ:
إِنَّ رُسُوخَ "الوَاسِطِيَّةِ" فِي نَفْسِ الإِمَامِ جَعَلَهُ يَجْعَلُهَا مَرْجِعاً حَتَّى فِي التَّرْتِيبِ؛ فَبَدَأَ بِالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ المَلَائِكَةِ، ثُمَّ الكُتُبِ، ثُمَّ الرُّسُلِ، عَلَى نَسَقِ آيَةِ البَقَرَةِ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ مَتْنَهُ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الإِمَامَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ "نَاقِلٍ"، بَلْ كَانَ "مُهَضِّماً" لِلْمَادَّةِ التَّيْمِيَّةِ، مُعِيداً صِيَاغَتَهَا بِمَا يُنَاسِبُ بِيئَتَهُ النَّجْدِيَّةَ دُونَ الإِخْلَالِ بِأَصْلٍ وَاحِدٍ (6).
****************
الحَاشِيَةُ
----------------&
(1) آلُ الشَّيْخِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ. المَقَامَاتُ، ط 1، ص 112. (فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الشَّيْخَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الوَهَّابِ كَانَ يَنْصَحُ طُلَّابَهُ بِحِفْظِ الوَاسِطِيَّةِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ).
(2) سِنْدِي، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ (دُرُوسٌ مُفَرَّغَةٌ)، المَجْلِسُ الأَوَّلُ، ص 7. (تَحْلِيلُ سِيَاقَاتِ التَّأْلِيفِ عِنْدَ أَئِمَّةِ السَّلَفِ).
(3) العُثَيْمِينُ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ. شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، دار ابن الجوزي، ج 1، ص 25. (فِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَنْ طَعَنَ فِي الإِمَامِ فَقَدْ طَعَنَ فِي ابْنِ تَيْمِيَّةَ لِتَوَافُقِ المَنْهَجِ).
(4) تَعْرِيفُ مُفْرَدَةِ (المُقَارَنَةِ): الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هِيَ العَمَلِيَّةُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي تَهْدِفُ إِلَى اسْتِخْرَاجِ أَوْجُهِ الشَّبَهِ وَالاخْتِلَافِ بَيْنَ نَصَّيْنِ أَوْ مَنْهَجَيْنِ لِتَبْيِينِ نِسْبَةِ أَحَدِهِمَا إِلَى الآخَرِ. (يُنْظَرُ: المَنَاهِجُ البَحْثِيَّةُ، د. أَحْمَد بَدْر، ص 45).
(5) الفَوْزَانُ، صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ. شَرْحُ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ، ط 1، مكتبة الرشد، ص 30. (ذَكَرَ فِيهِ تَعَمُّدَ الإِمَامِ الإِحَالَةَ إِلَى الوَاسِطِيَّةِ فِي رِسَالَتِهِ).
(6) تَعْرِيفُ مُفْرَدَةِ (الامْتِدَادِ): الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ التَّوَاصُلُ المَنْهَجِيُّ وَالفِكْرِيُّ الَّذِي يَجْعَلُ نِتَاجَ اللاحِقِ مَبْنِيّاً عَلَى أُصُولِ السَّابِقِ، مَعَ تَبَدُّلِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ. (يُنْظَرُ: المُعْجَمُ الفَلْسَفِيُّ، ص 180).
(7) تَعْرِيفُ مُفْرَدَةِ (القُذَّةِ بِالقُذَّةِ): القُذَّةُ: هِيَ رِيشَةُ السَّهْمِ، وَالمَثَلُ يُضْرَبُ لِشِدَّةِ المُمَاثَلَةِ وَالمُطَابَقَةِ التَّامَّةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. (يُنْظَرُ: مَجْمَعُ الأَمْثَالِ لِلْمَيْدَانِيِّ، ج 1، ص 12).
***********************
المَبْحَثُ الخَامِسُ:
المَنْهَجُ التَّفْصِيلِيُّ لِلإِمَامِ فِي تَقْرِيرِ أَرْكَانِ الإِيمَانِ وَأَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ:
"أُشْهِدُ اللهَ، وَمَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَعْتَقِدُ مَا اعْتَقَدَتْهُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ، أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ؛ وَمِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ: الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ، وَلا تَعْطِيلٍ، بَلْ أَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ."
************************
أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ
قَوْلُهُ (أُشْهِدُ اللهَ):
التدقيق اللغوي: "أُشْهِدُ" فِعْلٌ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الشُّهُودِ أَيِ الحُضُورِ وَالعِيَانِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ اسْتِنْطَاقُ الخَالِقِ -سُبْحَانَهُ- عَلَى مَا اسْتَقَرَّ فِي الجَنَانِ، لِيَكُونَ وَكِيلاً وَحَسِيباً عَلَى هَذَا الإِقْرَارِ.
التحقيق العقدي: بَدَأَ الإِمَامُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ تَعْظِيماً لِلمَقَامِ، وَهِيَ بَرَاءَةٌ مِمَّا رُمِيَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ، وَقَدْ قَرَّرَ الدكتور صالح سندي أَنَّ هَذَا الإِشْهَادَ يُوجِبُ تَعْظِيمَ المُخْبَرِ بِهِ فِي نُفُوسِ السَّامِعِينَ (1).
قَوْلُهُ (وَمَنْ حَضَرَهُ مِنَ المَلَائِكَةِ):
التدقيق اللغوي: "الحُضُورُ" نَقِيضُ الغَيْبَةِ، وَالمُرَادُ الحَضَرَةُ المَلَكِيَّةُ المُوكَّلَةُ بِالإِنْسَانِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ لِلمَلَائِكَةِ: هُمْ أَجْسَامٌ نُورَانِيَّةٌ، لَطِيفَةٌ، قَادِرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ بِمَا شَاءَ اللَّهُ، مَسْكَنُهُمُ السَّمَاوَاتُ، مَجْبُولُونَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَلَا يَتَّصِفُونَ بِذُكُورَةٍ وَلَا أُنُوثَةٍ.
تنبيه سلفي: قَوْلُ الإِمَامِ "مَنْ حَضَرَهُ" يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ المَلَائِكَةَ قُوىً مَعْنَوِيَّةٌ كَمَا تَقُولُ الفَلَاسِفَةُ، بَلْ هُمْ ذَوَاتٌ قَائِمَةٌ تَحْضُرُ وَتَكْتُبُ (2).
قَوْلُهُ (أَعْتَقِدُ):
التدقيق اللغوي: مِنَ العَقْدِ، وَهُوَ الشَّدُّ الوَثِيقُ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ لِلعَقِيدَةِ: هِيَ مَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ القَلْبُ بِتَصْدِيقٍ جَازِمٍ يَنْتَفِي مَعَهُ الشَّكُّ، بِحَيْثُ يُصْبِحُ القَلْبُ مَرْبُوطاً بِهَذَا الحُكْمِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ (الفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ):
التدقيق اللغوي: "النَّاجِيَةُ" اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ نَجَا، أَيْ سَلِمَ مِنَ الآفَاتِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ: هُمُ المُتَمَسِّكُونَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَالمُجْتَمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ عِلْماً وَعَمَلاً.
الخَصَائِصُ: يُبَيِّنُ الشيخ الفوزان أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِمْ: التَّوَسُّطُ بَيْنَ الفِرَقِ، وَتَقْدِيمُ الوَحْيِ، وَعَدَمُ التَّعَصُّبِ لِلرِّجَالِ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (3).
قَوْلُهُ (الإِيمَانُ بِاللَّهِ):
اللغة: هُوَ الإِقْرَارُ المُقْتَرِنُ بِالأَمْنِ وَالتَّصْدِيقِ.
الحَدُّ الشَّرْعِيُّ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالعِصْيَانِ.
مُتَضَمَّنَاتُهُ: قَرَّرَ الشيخ ابن عثيمين أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ: (وُجُودَهُ، رُبُوبِيَّتَهُ، أُلُوهِيَّتَهُ، أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتَهُ) (4).
قَوْلُهُ (كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ):
الكتب: كَلَامُ اللَّهِ المُنَزَّلُ عَلَى الرُّسُلِ هِدَايَةً لِلخَلْقِ.
الرُّسُلُ: بَشَرٌ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِشَرْعٍ وَأَمَرَهُمْ بِتَبْلِيغِهِ.
البَعْثُ: إِخْرَاجُ المَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ بَعْدَ إِعَادَةِ الأَرْوَاحِ لِلأَجْسَادِ لِلمُجَازَاةِ.
قَوْلُهُ (بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ):
اللغة: التَّقْدِيرُ وَنِهَايَةُ الشَّيْءِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ عِلْمُ اللَّهِ بِالأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا، وَكِتَابَتُهُ لَهَا فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وَمَشِيئَتُهُ الشَّامِلَةُ، وَخَلْقُهُ لَهَا.
تنبيه: قَوْلُهُ "خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" رَدٌّ عَلَى القَدَرِيَّةِ؛ فَالخَيْرُ وَالشَّرُّ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ الشَّرُّ لَا يُنْسَبُ لِفِعْلِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ حِكْمَةٌ (5).
ثَانِيًا: تَقْرِيرُ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ الثَّلَاثَةِ (الشَّرْحُ التَّفْصِيلِيُّ المَنْهَجِيُّ)
1. تَقْرِيرُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ (المُنْطَلَقُ الفِطْرِيُّ):
الإِمَامُ فِي قَوْلِهِ "الإِيمَانُ بِاللَّهِ" يَبْدَأُ بِتَرْسِيخِ مَا أَقَرَّتْ بِهِ الفِطَرُ. وَيُؤَكِّدُ الشيخ صالح آل الشيخ أَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ هِيَ "تَوْحِيدُ اللَّهِ بِأَفْعَالِهِ" مِنَ الخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّدْبِيرِ. وَقَدْ نَبَّهَ الإِمَامُ إِلَى أَنَّ الإِقْرَارَ بِهَذَا النَّوْعِ وَحْدَهُ لَا يُنْجِي مِنَ النَّارِ، فَقَدْ كَانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ {اللَّهُ} إِذَا سُئِلُوا عَنِ الخَالِقِ، لَكِنَّ هَذَا التَّقْرِيرَ فِي الرِّسَالَةِ جَاءَ لِيَكُونَ سُلَّماً لِلأُلُوهِيَّةِ (6).
2. تَقْرِيرُ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ (مَحَكُّ النِّزَاعِ):
هَذَا هُوَ "القَصْدُ" الأَعْظَمُ مِنَ الرِّسَالَةِ. حِينَ قَالَ الإِمَامُ "أَعْتَقِدُ مَا اعْتَقَدَتْهُ الفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ" فِي سِيَاقِ تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ، كَانَ يُرِيدُ بَيَانَ أَنَّ صَرْفَ العِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ هُوَ جَوْهَرُ "أَهْلِ السُّنَّةِ". يَقُولُ الدكتور صالح سندي: "إِنَّ تَوْحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ عِنْدَ الإِمَامِ هُوَ عَمَلُ القَلْبِ وَالجَوَارِحِ، فَلَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْنِي لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ". وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ مُجَرَّدُ التَّقْدِيرِ عَلَى الِاخْتِرَاعِ (7).
3. تَوْحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (الإِثْبَاتُ بِلَا تَمْثِيلٍ):
نَصُّ الإِمَامِ الدَّقِيقُ: "الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ... مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ".
التَّحْرِيفُ: هُوَ "المِيْنُ" وَتَغْيِيرُ الكَلَامِ، سَوَاءٌ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالمَعْنَى (التَّأْوِيلِ البَاطِلِ).
التَّعْطِيلُ: هُوَ الإِخْلَاءُ، أَيْ إِخْلَاءُ الخَالِقِ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ.
يُقَرِّرُ الشيخ ابن عثيمين أَنَّ مَنْهَجَ الإِمَامِ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الإِثْبَاتِ لِمَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ، وَالنَّفْيِ لِمَا نَفَاهُ اللَّهُ، وَالتَّوَقُّفِ فِيمَا لَمْ يَرِدْ نَفْيُهُ وَلَا إِثْبَاتُهُ". وَقَوْلُهُ "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" هُوَ سِيَاجُ التَّنْزِيهِ، وَ"هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" هُوَ رُكْنُ الإِثْبَاتِ (8).
ثَالِثًا: الرَّبْطُ المَنْهَجِيُّ بَيْنَ الأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ (تَحْقِيقٌ بَحْثِيٌّ)
التَّلَازُمُ: فَإِقْرَارُ العَبْدِ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ (رُبُوبِيَّة) يَسْتَلْزِمُ عَقْلاً وَشَرْعاً أَنْ يَعْبُدَهُ وَحْدَهُ (أُلُوهِيَّة).
التَّضَمُّنُ: فَتَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ يَتَضَمَّنُ الرُّبُوبِيَّةَ؛ لِأَنَّ المَعْبُودَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَالِقاً قَادِراً.
الشُّمُولُ: تَوْحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ شَامِلٌ لِلنَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ إِمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى فِعْلِ الرَّبِّ (رُبُوبِيَّة) أَوْ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِلعِبَادَةِ (أُلُوهِيَّة) (9).
رَابِعًا: أَصَالَةُ التَّقْسِيمِ وَالرَّدُّ عَلَى الشُّبُهَاتِ
أَصَالَةُ التَّقْسِيمِ: يُؤَكِّدُ الدكتور صالح سندي وَغَيْرُهُ مِنَ المُحَقِّقِينَ أَنَّ الإِمَامَ لَمْ يَأْتِ بِبِدْعَةٍ فِي التَّقْسِيمِ. فَقَدْ نَطَقَ بِهِ:
ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ.
ابْنُ بَطَّةَ العُكْبَرِيُّ فِي "الإِبَانَةِ الكُبْرَى".
ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ القَيِّمِ.
وَهُوَ تَقْسِيمٌ "اسْتِقْرَائِيٌّ" مِثْلُ تَقْسِيمِ العُلَمَاءِ لِلصَّلَاةِ إِلَى شُرُوطٍ وَأَرْكَانٍ، وَلَيْسَ تَقْسِيماً تَشْرِيعِيّاً مُبْتَدَعاً.
الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ حَصْرِ التَّوْحِيدِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ: هَذِهِ زَلَّةُ المُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا "التَّوْحِيدَ" هُوَ إِثْبَاتَ الصَّانِعِ فَقَطْ. وَبَيَّنَ الإِمَامُ فِي رِسَالَتِهِ أَنَّ هَذَا لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ وَلَا أَبَا جَهْلٍ، فَالغَايَةُ هِيَ "التَّأَلُّهُ" لِلَّهِ مَحَبَّةً وَتَعْظِيماً (10).
خَامِسًا: الشَّرْحُ التَّفْصِيلِيُّ لِلنَّصِّ (تَحْقِيقُ المَشَايِخِ)
يَقُولُ الشيخ صالح آل الشيخ: "إِنَّ رِسَالَةَ الإِمَامِ إِلَى أَهْلِ القَصِيمِ هِيَ أَوْضَحُ بَيَانٍ لِمُعْتَقَدِهِ السَّلَفِيِّ، حَيْثُ نَفَى عَنْ نَفْسِهِ تَكْفِيرَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ، أَوْ نَفْيَ كُتُبِ المَذَاهِبِ". وَيُعَلِّقُ الشيخ الفوزان بِأَنَّ الإِمَامَ تَعَمَّدَ ذِكْرَ "الإِيمَانِ بِالقَدَرِ" لِيَدْفَعَ عَنْ دَعْوَتِهِ تُهْمَةَ الخَوَارِجِ الَّذِينَ يَنْفُونَ القَدَرَ أَوْ يَغْلُونَ فِي الوَعِيدِ. إِنَّ النَّصَّ بِمُجْمَلِهِ هُوَ "وَثِيقَةُ اعْتِدَالٍ" قَائِمَةٍ عَلَى الدَّلِيلِ (11).
---------------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) سندي، صالح بن عبد العزيز. تقريرات في الاعتقاد، ج 1، ص 12. (في بيان مقاصد الإشهاد في صدر الرسائل).
(2) الأشقر، عمر سليمان. عالم الملائكة الأبرار، ص 15. (في تحقيق حقيقة الملائكة والرد على الفلاسفة).
(3) الفوزان، صالح بن فوزان. شرح العقيدة الواسطية، ص 22. (في بيان خصائص الفرقة الناجية).
(4) العثيمين، محمد بن صالح. شرح أصول الإيمان، دار الثريا، ص 14. (في متضمنات الإيمان بالله).
(5) تعريف القدر: الحد الجامع المانع: هو علم الله بالأشياء قبل وقوعها، وكتابته لها، ومشيئته فيها، وخلقه لها على ما سبق به علمه. (ينظر: شفاء العليل لابن القيم، ص 18).
(6) آل الشيخ، صالح بن عبد العزيز. شرح الثلاثة الأصول، ص 40. (في قصور توحيد الربوبية عن النجاة).
(7) سندي، صالح. دروس في شرح رسائل الإمام، ص 55. (تحقيق معنى الإله عند أهل السنة والمتكلمين).
(8) العثيمين. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، ص 25. (في قواعد الإثبات والنفي).
(9) تعريف التحريف: الحد الجامع المانع: إمالة اللفظ عن معناه الحقيقي إلى معنى باطل بلا قرينة شرعية صحيحة. (ينظر: الصواعق المرسلة، ج 1، ص 215).
(10) تعريف التعطيل: الحد الجامع المانع: سلب الخالق -جل وعلا- ما وجب له من الأسماء والصفات، أو إنكار حقيقتها. (ينظر: الحموية الكبرى، ص 45).
(11) ابن غنام، حسين. تاريخ نجد، ص 154. (نقل فيه سياق كتابة الرسالة وردود أفعال علماء القصيم).
(12) ابن بطة، عبيد الله. الإبانة الكبرى، ج 6، ص 140. (أقدم المراجع التي فصلت في أنواع التوحيد الثلاثة).
(13) تعريف البعث: الحد الجامع المانع: إعادة الله للخلق بعد فنائهم ليوم الحشر والنشور. (ينظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز، ص 450).
(14) تعريف الكتب: الحد الجامع المانع: كلام الله الذي أوحاه لرسله، المكتوب في الصحف هداية للثقلين.
(ينظر: معارج القبول، ج 1، ص 300).
(15) سندي، صالح. شرح رسالة أهل القصيم، ص 60.
(تحقيق أصالة التقسيم الثلاثي للتوحيد).
------------------&
المَبْحَثُ السَّادِسُ:
تَقْرِيرَاتُ الإِمَامِ فِي تَوْحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (القَوَاعِدُ وَالتَّطْبِيقُ)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ:
"وَمِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ: الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ، وَلا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ، وَلا تَمْثِيلٍ؛ بَلْ أَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. فَلا أَنْفِي عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلا أُحَرِّفُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلا أُلْحِدُ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ، وَلا أُكَيِّفُ، وَلا أُمَثِّلُ صِفَاتِهِ تَعَالَى بِصِفَاتِ خَلْقِهِ."
أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ
قَوْلُهُ (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ):
التدقيق اللغوي: التحريف من "حرف" الشيء أي جانبه، وهو تغيير الكلام وصرفه عن وجهه.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هو تغيير النص لفظاً (بالزيادة أو النقص أو الحركات) أو مَعنىً (بصرفه عن حقيقته إلى معنى باطل بلا دليل شرعي).
تحقيق السندي: يُنبه الدكتور صالح سندي أن التحريف أعم من التأويل؛ فكل تحريف تأويل باطل، وليس كل تأويل تحريفاً في اللغة، لكن الإمام استعمله ليطابق اللفظ القرآني {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} (1).
قَوْلُهُ (وَلَا تَعْطِيلٍ):
التدقيق اللغوي: العَطَل هو الخلو والفرغ، ومنه "جيد عاطل" أي بلا حلي.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هو نفي ما وجب لله تعالى من الأسماء والصفات، أو إنكار حقيقتها الثابتة بالوحي.
أنواعه: تعطيل كلي (كالجهمية) أو جزئي (كالأشاعرة في بعض الصفات).
قَوْلُهُ (وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ):
التدقيق اللغوي: من "كيف"، وهو السؤال عن كنه الشيء وحقيقته.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هو حكاية كيفية الصفة، أو اعتقاد كنهٍ مجهول لصفات الخالق سبحانه.
القاعدة السلفية: "الكيف مجهول"، فنحن نثبت المعنى ونفوض الكيفية إلى الله (2).
قَوْلُهُ (وَلَا تَمْثِيلٍ):
التدقيق اللغوي: المِثل هو الشبيه والمساوي.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هو اعتقاد أن صفات الخالق تماثل صفات المخلوقين في حقيقتها أو خصائصها.
الفرق بين التمثيل والتشبيه: التمثيل يقتضي المساواة من كل وجه، والتشبيه يقتضيها في أغلب الوجوه، ونفيهما واجب (3).
قَوْلُهُ (وَلَا أُلْحِدُ فِي أَسْمَائِهِ):
التدقيق اللغوي: الإلحاد هو الميل عن القصد، ومنه "اللحد" في القبر لميله عن الوسط.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ للإلحاد في الأسماء: هو العدول بها عما يجب فيها، سواء بإنكارها، أو تسمية الله بما لم يسمِّ به نفسه، أو اشتقاق أسماء للأصنام منها (4).
ثَانِيًا: تَقْرِيرُ القَوَاعِدِ العَقَدِيَّةِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ
مَصْدَرُ التَّلَقِّي (الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ):
يقرر الإمام أن الصفات "توقيفية"؛ فما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله أثبتناه. ويؤكد الشيخ ابن عثيمين أن هذا النص يقطع الطريق على "المتكلمين" الذين جعلوا العقل حاكماً على النقل، فما قبله العقل أثبتوه وما لم يقبله أولوه أو عطلوه (5).
قَاعِدَةُ (الإِثْبَاتُ بِلَا تَمْثِيلٍ وَالتَّنْزِيهُ بِلَا تَعْطِيلٍ):
هذا هو "الصراط المستقيم" الذي سلكه الإمام. ويشرح الشيخ صالح آل الشيخ أن الإمام جمع بين ركني الإيمان بالصفات:
الركن الأول: الإثبات (وهو مقتضى {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}).
الركن الثاني: التنزيه (وهو مقتضى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}).
فمن أثبت ومثَّل فقد عبد صنماً، ومن نزه وعطَّل فقد عبد عدماً (6).
الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الإِثْبَاتَ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ:
بين الإمام أن إثبات "اليد" أو "الاستواء" لا يقتضي مشابهة الخلق؛ لأن الذات لا تشبه الذوات، فكذلك الصفات لا تشبه الصفات. ويؤكد الدكتور صالح سندي أن الإمام في رسالة القصيم كان دقيقاً في اختيار هذه الألفاظ ليدحض فرية "المجسمة" التي رماه بها خصومه (7).
ثَالِثًا: الرَّبْطُ المَنْهَجِيُّ وَتَحْقِيقُ أَقْوَالِ العُلَمَاءِ
تأكيد الشيخ الفوزان: يرى الفوزان أن الإمام لم يكتفِ بنفي "التمثيل" بل أتبعه بنفي "التكييف"؛ لأن العقل قد يتخيل كيفيةً وإن لم يمثلها بخلق، وهذا أيضاً باطل، لأن الله غيب لا يحيط به البشر علماً (8).
الربط المنهجي: يربط الإمام بين "الأسماء" و"الآيات"؛ فالإلحاد في الآيات (وهي النصوص) يؤدي حتماً للإلحاد في الأسماء والصفات.
تحقيق السندي في "الكلم عن مواضعه": أشار السندي إلى أن الإمام اقتبس هذه اللفظة القرآنية ليبين أن المؤولة إنما يمارسون نفس صنيع أهل الكتاب في تحريف معاني الوحي لتوافق أهواءهم المذهبية (9).
رَابِعًا: الرَّدُّ عَلَى الشُّبُهَاتِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ
شبهة التأويل السائغ: زعم خصوم الإمام أن صرف الصفة عن ظاهرها (كصرف اليد إلى النعمة) هو من باب اللغة. فرد الإمام بأن هذا تحريف لغةً وشرعاً، لأن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يصرف عنها إلا بقرينة، والقرائن هنا كلها تدل على الحقيقة (10).
شبهة التجسيم: رد الإمام بقاعدة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، مبيناً أن إثبات الصفة "الخبرية" لا يستلزم التبعيض أو التركيب كما يدعي المعتزلة، بل هي صفات كمال تليق بجلاله سبحانه
----------------&
الحَاشِيَةُ
(1) سندي، صالح بن عبد العزيز. شرح القواعد المثلى، ص 34. (تحقيق معنى التحريف وعلاقته بالتأويل).
(2) آل الشيخ، صالح بن عبد العزيز. شرح العقيدة الواسطية (اللآلئ البهية)، ج 1، ص 142. (في الفرق بين التكييف والتمثيل).
(3) العثيمين، محمد بن صالح. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، ص 20. (تأصيل قاعدة: القول في الصفات كالقول في الذات).
(4) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. الرسالة الحموية الكبرى، ص 30. (في تعريف الإلحاد في الأسماء والآيات).
(5) تعريف التكييف: الحد الجامع المانع: هو حكاية كيفية الصفة، سواء كانت تلك الكيفية بتقدير الذهن، أو بتكييف اللسان، أو بتمثيلها بكيفية مخلوق. (ينظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، ص 120).
(6) تعريف التمثيل: الحد الجامع المانع: هو اعتقاد المماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، بحيث يُجعل لله نِدٌّ في حقيقة صفاته. (ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ج 5، ص 195).
(7) الفوزان، صالح بن فوزان. شرح رسالة أهل القصيم، ص 62. (في رد الإمام على تهمة التجسيم).
(8) تعريف الإلحاد: الحد الجامع المانع: هو الميل عما يجب اعتقاده في أسماء الله وصفاته وآياته، إما بالنفى أو التحريف أو التسمية بغير إذن شرعي. (ينظر: بدائع الفوائد لابن القيم، ج 1، ص 160).
(9) سندي، صالح. دروس في توحيد الأسماء والصفات، ص 88. (بيان تلازم التحريف والتعطيل).
(10) ابن القيم، محمد بن أبي بكر. الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ج 1، ص 212. (في كشف حقيقة التأويل وأنه تحريف للكلم).
(11) تعريف الصفات التوقيفية: الحد الجامع المانع: هي التي لا يثبت منها لله إلا ما أثبته لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله ﷺ في سنته، ولا مجال للعقل في ابتكارها. (ينظر: التدمرية لابن تيمية، ص 15).
(12) العثيمين. شرح العقيدة الواسطية، ج 1، ص 110. (في تقرير قاعدة: الإثبات المفصل والنفي المجمل).
(13) تعريف الكيفية: الحد الجامع المانع: هي الهيئة التي تكون عليها الصفة في حقيقتها وكنهها، وهي غيب لا يعلمه إلا الله. (ينظر: المعجم الفلسفي، ص 155).
(14) آل الشيخ، صالح. شرح الطحاوية، ص 205. (في بطلان قياس الغائب على الشاهد في صفات الله).
(15) ابن قاسم، عبد الرحمن. الدرر السنية، ج 1، ص 32. (نص كلام الإمام في رده على ابن سحيم في مسألة الصفات).
-------------------------&
المَبْحَثُ السَّابِعُ: المَسَائِلُ المُتَعَلِّقَةُ بِالإِيمَانِ بِالمَلَائِكَةِ وَالكُتُبِ وَالرُّسُلِ
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأُؤْمِنُ بِمَلَائِكَةِ اللَّهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ..."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (الحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ)
-
المَلَائِكَةُ:
- لُغَةً: جَمْعُ مَلَأَكٍ، وَأَصْلُهُ مِنَ "الأَلُوكَةِ" وَهِيَ الرِّسَالَةُ.
- شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هُمْ عَالَمٌ غَيْبِيٌّ، خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ نُورٍ، مَجْبُولُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَلَيْسُوا بَنَاتاً لِلَّهِ وَلَا شُرَكَاءَ لَهُ. (1)
-
الكُتُبُ:
- لُغَةً: جَمْعُ كِتَابٍ، وَأَصْلُ الكَتْبِ: الجَمْعُ وَالضَّمُّ.
- شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هِيَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ وَحْياً، لِيُبَلِّغُوهُ لِلنَّاسِ، هِدَايَةً لَهُمْ وَبَيَاناً لِشَرِيعَتِهِ، وَآخِرُهَا وَمُهَيْمِنُهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ. (2)
-
الرُّسُلُ:
- لُغَةً: جَمْعُ رَسُولٍ، وَهُوَ المُرْسَلُ المُتَابِعُ لأَخْبَارِ مَنْ أَرْسَلَهُ.
- شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هُمْ بَشَرٌ مِنَ الرِّجَالِ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِشَرْعٍ وَأَمَرَهُمْ بِتَبْلِيغِهِ إِلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَأَوَّلُهُمْ نُوحٌ وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ. (3)
ثَانِيًا: تَفْصِيلُ مَسْأَلَةِ الإِيمَانِ بِالمَلَائِكَةِ (العَالَمُ النُّورَانِيُّ)
يُقَرِّرُ الإِمَامُ أنَّ الإِيمَانَ بِالمَلَائِكَةِ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الدِّينُ إِلَّا بِهِ، وَيَتَضَمَّنُ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ عِلْمِيَّةٍ:
- الإِيمَانُ بِوُجُودِهِمْ: وَأَنَّهُمْ خَلْقٌ حَقِيقِيُّونَ لَيْسُوا مُجَرَّدَ "قُوىً لِلخَيْرِ" كَمَا يَزْعُمُ الفَلَاسِفَةُ.
- الإِيمَانُ بِمَنْ عُرِفَ اسْمُهُ: كَجِبْرِيلَ (لِلْوَحْيِ)، وَمِيكَائِيلَ (لِلْقَطْرِ)، وَمَلَكِ المَوْتِ (لِقَبْضِ الأَرْوَاحِ).
- الإِيمَانُ بِمَا عُرِفَ مِنْ صِفَاتِهِمْ: كَمَا ثَبَتَ فِي صِفَةِ جِبْرِيلَ أَنَّ لَهُ سِتَّمِائَةِ جَنَاحٍ سَدَّتِ الأُفُقَ.
- الإِيمَانُ بِمَا عُرِفَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ: كَحَمَلَةِ العَرْشِ، وَالحَفَظَةِ، وَالكِرَامِ الكَاتِبِينَ الَّذِينَ يُحْصُونَ أَعْمَالَ العِبَادِ. (4)
ثَالِثًا: تَفْصِيلُ مَسْأَلَةِ الإِيمَانِ بِالكُتُبِ (الصِّرَاطُ المُنَزَّلُ)
يَقُومُ الإِيمَانُ بِالكُتُبِ عِنْدَ الإِمَامِ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهَا حَقِيقَةً:
- التَّوْرَاةُ: الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
- الإِنْجِيلُ: الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
- الزَّبُورُ: الَّذِي أُوتِيَهُ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
- القُرْآنُ الكَرِيمُ: وَهُوَ الحَاكِمُ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَالمَحْفُوظُ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ.
- المَوْقِفُ مِنَ الكُتُبِ السَّابِقَةِ: نُؤْمِنُ بِأَنَّ أَصْلَهَا مِنَ اللَّهِ، لَكِنَّنَا لَا نَتَعَبَّدُ إِلَّا بِمَا صَحَّ فِي شَرِيعَتِنَا، بَعْدَ أَنْ طَالَهَا التَّحْرِيفُ البَشَرِيُّ فِي الأَلْفَاظِ وَالمَعَانِي. (5)
رَابِعًا: تَفْصِيلُ مَسْأَلَةِ الإِيمَانِ بِالرُّسُلِ (القُدْوَةُ وَالبَلَاغُ)
يُفَصِّلُ الإِمَامُ فِيهِمْ بِمَا يَمْنَعُ الغُلُوَّ وَالجَفَاءَ:
- بَشَرِيَّةُ الرُّسُلِ: هُمْ بَشَرٌ لَا يَمْلِكُونَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ شَيْئاً، فَلَا يُدْعَوْنَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَا يُسْتَغَاثُ بِهِمْ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ.
- خَتْمُ النُّبُوَّةِ: اعْتِقَادُ أَنَّ مُحَمَّداً ﷺ هُوَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، فَمَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَهُ أَوْ صَدَّقَ مَنِ ادَّعَاهَا فَقَدْ كَفَرَ.
- الفَضْلُ وَالتَّفَاوُتُ: نُؤْمِنُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَنَّ أُولِي العَزْمِ خَمْسَةٌ، وَأَفْضَلُهُمْ عَلَى الإِطْلَاقِ نَبِيُّنَا ﷺ.
- حَقُّهُمْ عَلَيْنَا: المَحَبَّةُ، وَالنُّصْرَةُ، وَتَصْدِيقُ خَبَرِهِمْ، وَامْتِثَالُ أَمْرِهِمْ. (6)
خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ (تَوْسِيعُ المَدَارِكِ)
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (فِي "أَثَرِ الإِيمَانِ بِالمَلَائِكَةِ"):
يَقُولُ الشَّيْخُ: "الإِيمَانُ بِالمَلَائِكَةِ يُورِثُ العَبْدَ تَعْظِيمَ اللَّهِ لِعِظَمِ خَلْقِهِ، وَيُورِثُهُ الحَيَاءَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ مَعَهُ لَا يُفَارِقُونَهُ، وَيُورِثُهُ الشُّكْرَ لِلَّهِ عَلَى عِنَايَتِهِ بِبَنِي آدَمَ حَيْثُ وَكَّلَ بِهِمْ مَنْ يَحْفَظُهُمْ". (7)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (فِي "كَلامِ اللَّهِ المُنَزَّلِ"):
يُحَقِّقُ الشَّيْخُ أَنَّ الإِيمَانَ بِالكُتُبِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ؛ فَنُثْبِتُ أَنَّ اللَّهَ "مُتَكَلِّمٌ" بِمَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ، وَأَنَّ هَذِهِ الكُتُبَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، فَلَا عُذْرَ لِمَنْ بَلَغَتْهُ. (8)
3. تَقْرِيرُ الدُّكْتُورِ صَالِحٍ سِنْدِي (فِي "تَحْقِيقِ الوَلَاءِ لِلرُّسُلِ"):
يُؤَكِّدُ السِّنْدِيُّ أَنَّ الإِمَامَ فِي رِسَالَتِهِ رَبَطَ بَيْنَ "الإِيمَانِ بِالرُّسُلِ" وَبَيْنَ "نَبْذِ التَّقْلِيدِ وَالآرَاءِ"؛ فَمَنِ ادَّعَى الإِيمَانَ بِالرَّسُولِ ثُمَّ قَدَّمَ عَلَيْهِ قَوْلَ فُلَانٍ أَوْ عَلَّانٍ فَقَدْ نَقَصَ إِيمَانُهُ بِحَقِّ الرَّسُولِ فِي الِاتِّبَاعِ المُطْلَقِ. (9)
سَادِسًا: الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ فِي هَذِهِ الرَّكَائِزِ
- الرَّدُّ عَلَى الفَلَاسِفَةِ: الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ المَلَائِكَةَ هِيَ "العُقُولُ الفَعَّالَةُ" وَأَنْكَرُوا ذَوَاتَهُمْ.
- الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى: الَّذِينَ غَلَوْا فِي رَسُولِهِمْ عِيسَى حَتَّى جَعَلُوهُ إِلَهاً، بَيْنَمَا تَقْرِيرُ الإِمَامِ يُثْبِتُ بَشَرِيَّتَهُ وَعُبُودِيَّتَهُ.
- الرَّدُّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ: الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنَّ الكُتُبَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً وَزَعَمُوا أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ.
الحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (دِيوَانُ التَّحْقِيقِ العَقَدِيِّ)
(1) ابن تيمية، أحمد. مجموع الفتاوى، ج 4، ص 250. (في تفصيل صفات الملائكة وذواتهم).
(2) ابن القيم. الصواعق المرسلة، ج 2، ص 450. (في إثبات أن الكتب كلام الله غير مخلوقة).
(3) السفاريني، محمد. لوامع الأنوار البهية، ج 2، ص 200. (في تعريف الرسول والفرق بينه وبين النبي).
(4) السعدي، عبد الرحمن. التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، ص 45. (في مراتب الإيمان بالملائكة).
(5) ابن أبي العز الحنفي. شرح العقيدة الطحاوية، ص 160. (في وجوب الإيمان بجميع الكتب والرسل).
(6) سندي، صالح. شرح رسائل الإمام، ص 130. (في تقرير الإيمان بالرسل عند أئمة الدعوة).
(7) العثيمين، محمد بن صالح. شرح العقيدة الواسطية، ج 1، ص 180. (أثر الإيمان بالملائكة على السلوك).
(8) آل الشيخ، صالح. شرح رسالة أهل القصيم، ص 115. (تأصيل معنى الكتب في عقيدة السلف).
(9) سندي، صالح. دروس في الولاء والبراء، ص 30. (وجوب تجريد الاتباع للرسل).
(10) ابن حجر. فتح الباري، ج 1، ص 120. (في ذكر حديث جبريل وأركان الإيمان).
(11) تعريف النورانية: الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هي المادة التي خلق الله منها الملائكة، وهي تقتضي اللطافة والسرعة والنزاهة عن صفات البشر الدنيئة.
(12) تعريف المهيمن: هو الحافظ والشاهد، وتطلق على القرآن لأنه شاهد على صدق الكتب السابقة وحاكم عليها.
(13) تعريف العصمة للرسل: الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هي حفظ الله لأنبيائه من الوقوع في الكفر أو الكبائر أو الخطأ في تبليغ الوحي.
(14) تعريف الوحي: الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هو إعلام الله لنبي من أنبيائه بحكم شرعي أو خبر غيبي بطريقة خفية سريعة.
(15) ابن كثير. البداية والنهاية، ج 1، ص 35. (في أخبار خلق الملائكة وعظم شأنهم).
(16) تعريف أولي العزم: هم الرسل الذين تحملوا أعظم المشاق في سبيل التبليغ (نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد).
(17) القاضي عياض. الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج 1، ص 20. (في وجوب الإيمان بجميع الرسل بلا تفريق).
(18) تعريف الكتاب المرقوم: هو الكتاب الذي سطر فيه أعمال العباد ويشهده المقربون من الملائكة.
(19) الفوزان، صالح. شرح الأصول الثلاثة، ص 80. (في بيان أدلة الإيمان بالكتب والرسل).
(20) تعريف الشهادة للرسل: هي الإقرار بالقلب والنطق باللسان بأنهم صادقون في كل ما أخبروا به عن الله.
----------------------&
المَبْحَثُ الثَّامِنُ: الإِيمَانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَمَا يَتْبَعُهُ
(القِسْمُ الأَوَّلُ: مِنْ حَيَاةِ البَرْزَخِ إِلَى مَقَامِ الحَشْرِ)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأُؤْمِنُ بِكُلِّ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ؛ فَأُؤْمِنُ بِفِتْنَةِ القَبْرِ وَنَعِيمِهِ وَعَذَابِهِ، وَبِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وَبِالحِسَابِ وَالمِيزَانِ..."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (الحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ)
اليَوْمُ الآخِرُ:
لُغَةً: اليومُ هو مِقدارُ الزمانِ من طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ، والآخِرُ نقيضُ الأوَّلِ.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو الزمانُ الممتدُّ من لحظةِ الموتِ إلى دخولِ أهلِ الجنةِ الجنةَ وأهلِ النارِ النارَ، وسُمي آخِراً لأنه لا يومَ بعدَه. (1)
البَرْزَخُ:
لُغَةً: الحاجزُ بين الشيئين.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو العالمُ المتوسطُ بين الدنيا والآخرةِ، يبدأُ من قَبضِ الروحِ وينتهي بالبعثِ والنشورِ. (2)
فِتْنَةُ القَبْرِ:
لُغَةً: الفتنةُ هي الاختبارُ والامتحانُ.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هي سؤالُ الملكينِ (مُنكر ونكير) للميتِ في قبرِهِ عن ربِّهِ ودينِهِ ونبيِّهِ، وهي عامةٌ لكلِّ مُكلفٍ إلا مَن استثناهمُ الشارعُ. (3)
النَّفْخُ فِي الصُّورِ:
لُغَةً: النفخُ هو إخراجُ الهواءِ بقوةٍ، والصُّورُ هو القَرنُ.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو نداءٌ عظيمٌ بصوتٍ هائلٍ يَنفخُ فيه إسرافيلُ عليه السلامُ إيذاناً بهلاكِ العالَمِ (نفخة الفزع والصعق) ثم إحيائِهِ (نفخة البعث).
ثَانِيًا: حَيَاةُ القَبْرِ (النَّعِيمُ وَالعَذَابُ)
يُقرر الإمام أنَّ القبر حقٌّ، وعذابه ونعيمه حقٌّ ثابتٌ بالنقل الصحيح:
الأدلة: من القرآن {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} في آل فرعون، ومن السنة استعاذة النبي ﷺ من عذاب القبر في كل صلاة.
هل العذاب على الروح أم الجسد؟
تحقيق أهل السنة: العذابُ والنعيمُ يقعان على (الروحِ والجسدِ معاً) في الغالبِ، وقد ينفردُ به الروحُ أحياناً. الروحُ تتصلُ بالبدنِ اتصالاً برزخياً يختلفُ عن حالِ الدنيا، فالبدنُ يتألمُ والروحُ تتألمُ وإن كان الجسدُ تراباً؛ فاللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ. (4)
الرد على المُنكرين: أنكرت المعتزلةُ وعصرانيو اليومِ عذابَ القبرِ بحجةِ أننا لو فتحنا القبرَ لم نَرَ ناراً ولا جِنانًا.
الجواب: أنَّ عالمَ البرزخِ غيبٌ لا تدركُهُ الحواسُّ الدنياويةُ، والنائمُ بجوارِكَ يحلمُ بالنعيمِ أو العذابِ وأنتَ تراهُ ساكناً، فكيفَ بعظيمِ قدرةِ اللهِ؟ فالأصلُ في الغيبِ "التصديقُ والخبرُ" لا "القياسُ والنظرُ". (5)
ثَالِثًا: أَشْرَاطُ السَّاعَةِ (العَلَامَاتُ الدَّالَّةُ)
تنقسم العلامات عند المحققين إلى:
العلامات الصغرى: كبعثة النبي ﷺ، وضياع الأمانة، وتطاول الحفاة في البنيان.
العلامات الكبرى: وهي عشرةٌ متتابعةٌ كخيطِ الخرزِ إذا فُكتْ إحداها تلتها الأخرى، منها: خروج الدجال، نزول عيسى بن مريم، خروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها. (6)
رَابِعًا: النَّفْخُ فِي الصُّورِ (مَسْأَلَةُ العَدَدِ)
اختلف العلماءُ في عددِ النفخاتِ على قولينِ مشهورينِ:
القول الأول: أنها ثلاثُ نفخاتٍ (نفخة الفزع، ثم نفخة الصعق، ثم نفخة البعث). وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم.
القول الثاني: أنها نفختانِ فقط (نفخة الصعق -ويدخل فيها الفزع- ثم نفخة البعث والقيام). وهو مذهب الجمهور والقرطبي وابن حجر.
التحقيق: القول بأنها نفختانِ هو الأظهرُ لقوله تعالى: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ... ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، فذكر "أخرى" يقتضي أنها الثانية. (7)
خَامِسًا: البَعْثُ وَالحَشْرُ وَالنُّشُورُ
البَعْثُ (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو إحياءُ اللهِ للموتى وإخراجُهم من قبورِهم بأجسادِهم وأرواحِهم لِحسابِهم.
النُّشُورُ (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو انتشارُ العبادِ من قبورِهم ومسيرُهم إلى موقفِ القيامةِ.
الحَشْرُ (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو جَمْعُ الخلائقِ وسَوْقُهم إلى الموقفِ العظيمِ للحسابِ.
موقف الحشر: يُحشر الناسُ حُفاةً عُراةً غُرلاً (غير مختونين)، وتدنو الشمسُ من الرؤوسِ قَدْرَ مِيلٍ، ويُلجمهم العرقُ، فيقومون لربِّ العالمينَ يوماً مِقدارُهُ خمسون ألف سنة. (8)
سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ (القِسْمُ الأَوَّلُ)
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (فِي "كَيْفِيَّةِ الإِيمَانِ بِالغَيْبِ"):
يقول الشيخ: "كلُّ ما جاءَ في اليومِ الآخرِ هو من أمورِ الغيبِ التي يجبُ فيها التسليمُ المطلقُ. فإذا قال اللهُ أو قال رسولُهُ شيئاً سَمِعنا وصدقنا، ولا نضربُ لها الأمثالَ بعقولنا الناقصةِ". (9)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (فِي "أَهَمِّيَّةِ ذِكْرِ المَوْتِ"):
يُحقق الشيخ أنَّ الإمام محمد بن عبد الوهاب ركَّز في رسالتِهِ على ما يكونُ بعدَ الموتِ لأنَّ القلوبَ إذا غفلتْ عن المعادِ جَسُرتْ على الشركِ والمعاصي، فالتذكيرُ بالقبرِ هو أولُ منازلِ الآخرةِ. (10)
3. تَقْرِيرُ الدُّكْتُورِ صَالِحٍ سِنْدِي (فِي "الرَّدِّ عَلَى العَقْلَانِيِّينَ"):
يؤكد السندي أنَّ إنكارَ عذابِ القبرِ ليس إنكاراً لِفروعٍ، بل هو قدحٌ في "حجيةِ السنةِ" وفي "قدرةِ اللهِ"، وهو مسلكٌ جهميٌّ معتزليٌّ خبيثٌ يهدفُ لتمزيقِ عقيدةِ المسلمِ بيقينياتِ الغيبِ. (11)
---------------:::&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية، أحمد. مجموع الفتاوى، ج 4، ص 260. (تأصيل معنى اليوم الآخر ومشتملاته).
(2) ابن القيم. الروح، ص 50. (أعظم مرجع في شرح أحوال القبر والبرزخ والروح).
(3) السفاريني، محمد. لوامع الأنوار البهية، ج 2، ص 220. (في ذكر فتنة القبر وأسماء الملكين).
(4) ابن أبي العز الحنفي. شرح العقيدة الطحاوية، ص 380. (تحقيق مسألة وقوع العذاب على الروح والجسد).
(5) العثيمين، محمد. شرح العقيدة الواسطية، ج 2، ص 120. (الرد العقلي والنقلي على منكري عذاب القبر).
(6) البرزنجي، محمد. الإشاعة لأشراط الساعة، ص 15. (في تفصيل العلامات الصغرى والكبرى).
(7) القرطبي، محمد. التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، ص 180. (تحقيق مسألة عدد النفخات).
(8) سندي، صالح. شرح رسائل الإمام، ص 145. (في تقرير البعث والنشور).
(9) العثيمين، محمد. مجموع فتاوى ورسائل، ج 2، ص 45. (في وجوب الإيمان بالغيب كما جاء).
(10) آل الشيخ، صالح. شرح رسالة أهل القصيم، ص 130. (في بيان مقاصد الإمام من ذكر اليوم الآخر).
(11) سندي، صالح. دروس في العقيدة، ص 55. (في الرد على الشبهات العصرانية حول الغيبيات).
(12) تعريف الروح: الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هي جسمٌ نورانيٌّ علويٌّ حيٌّ مُتحركٌ، يَنفذُ في جوهرِ الأعضاءِ ويَسري فيها سَرَيانَ الماءِ في الوردِ.
(13) تعريف الصعق: هو الموتُ أو الغَشْيُ الذي يلحقُ الأحياءَ عند النفخةِ الأولى.
(14) حديث البراء بن عازب: هو العمدةُ في تفصيلِ أحوالِ الميتِ من لحظةِ خروجِ الروحِ إلى استقرارِهِ في القبرِ.
(15) حكم منكري عذاب القبر: إن كان لِجهلٍ أو تأويلٍ شُبهةٍ عُرِّفَ، وإن كان تكذيباً للنصوصِ الصريحةِ فقد شاقَّ اللهَ ورسولَهُ.
(16) تعريف "المِيل": اختلف فيه؛ هل هو مِيلُ المسافةِ أم مِيلُ المِكحلةِ؟ وكلاهما يَدلُّ على شدةِ القربِ.
(17) البخاري، محمد. صحيح البخاري، كتاب الرقاق (باب الحشر).
(18) مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم، كتاب الجنة (باب صفة القيامة).
(19) تعريف الغُرْل: هم غيرُ المختونينَ، يعودون كما خَلَقهمُ اللهُ أولَ مرةٍ.
(20) الغزالي، أبو حامد. ذكر الموت وما بعده، ص 80. (في تهذيب النفس بذكر الموقف العظيم).
------------------------&
المَبْحَثُ الثَّامِنُ: الإِيمَانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَمَا يَتْبَعُهُ (القِسْمُ الثَّانِي: مِنَ المِيزَانِ إِلَى دَارِ القَرَارِ)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"...وَبِالحِسَابِ وَالمِيزَانِ، وَالحَوْضِ وَالصِّرَاطِ، وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَأَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ مَوْجُودَتَانِ اليَوْمَ، لَا تَفْنَيَانِ أَبَداً."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (الحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ)
المِيزَانُ:
لُغَةً: الآلةُ التي تُقدَّرُ بها الأشياءُ ثقلاً وخفةً.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو ميزانٌ حقيقيٌّ، له كفتانِ ولسانٌ، يضعهُ اللهُ يومَ القيامةِ لوزنِ أعمالِ العبادِ أو صَحائفهم أو ذواتهم، لإظهارِ كمالِ عدلِهِ. (1)
الحَوْضُ:
لُغَةً: مجمعُ الماءِ.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو مجمعُ ماءٍ عظيمٍ، يُكرمُ اللهُ به نبيه ﷺ في عرصةِ القيامةِ، ماؤُهُ أشدُّ بياضاً من اللبنِ وأحلى من العسلِ، مَن شربَ منه شربةً لم يظمأ بعدها أبداً. (2)
الصِّرَاطُ:
لُغَةً: الطريقُ الواضحُ السهلُ.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو جسرٌ ممدودٌ على متنِ جهنمَ، يمرُّ عليه الخلائقُ بعدَ الحسابِ، وهو أدقُّ من الشعرةِ وأحدُّ من السيفِ. (3)
القَنْطَرَةُ:
لُغَةً: ما يُبنى على الماءِ لِلعبورِ.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هي مكانٌ بين الجنةِ والنارِ يُحبسُ فيه المؤمنونُ بعدَ تجاوزِ الصراطِ لِلقصاصِ بينهم في المظالمِ الدنيويةِ حتى يَدخلوا الجنةَ طيبي النفوسِ.
ثَانِيًا: المِيزَانُ (حَقِيقَتُهُ وَمَا يُوزَنُ فِيهِ)
يُقرر أهل السنة أنَّ الميزان ميزانٌ حقيقيٌّ لا مجازيٌّ (خلافاً للمعتزلة الذين قالوا هو "العدل").
ما الذي يوضعُ في الميزان؟ اختلف العلماءُ في ذلك، والتحقيقُ أنَّ الموزونَ ثلاثةُ أنواعٍ تدلُّ عليها النصوصُ:
الأعمالُ: لقوله ﷺ: "كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ ثقيلتانِ في الميزانِ".
صَحائفُ الأعمالِ: كما في حديث "البطاقة" حيث توضعُ السجلاتُ في كفةٍ والبطاقةُ في كفةٍ.
العبدُ نفسُهُ: لقوله ﷺ في ساقي ابن مسعود: "لهما في الميزانِ أثقلُ من جبلِ أُحدٍ".
الجمع بين الأقوال: يُقرر ابن تيمية وابن عثيمين أنَّ الكلَّ يُوزنُ؛ فالعاملُ وصحيفتُهُ وعملُهُ يُوزنونَ إظهاراً لِعظمةِ الجزاءِ. (4)
ثَالِثًا: الحَوْضُ (مَسْأَلَةُ الوَحْدَةِ وَالتَّعَدُّدِ)
أثرتَ يا شيخ أبا أنس مسألةً دقيقةً في "حوض الكوثر":
التحقيقُ في الخلافِ: هل هما حوضانِ أم حوضٌ واحدٌ؟
القول الأول: هو حوضٌ واحدٌ ممتدٌّ، مَصدرُهُ من نَهرِ الكوثرِ الذي في الجنةِ، يَنصبُّ منه ميزابانِ في الحوضِ الذي في عرصاتِ القيامةِ.
القول الثاني: هما حوضانِ؛ "حوضُ الموقفِ" (قبل الصراط) الذي يُطردُ عنه المبتدعةُ، و"حوضُ الجنةِ" (الكوثر).
الراجحُ: أنهما مَكانانِ لِمشاربَ واحدةٍ مَصدرُها الكوثرُ؛ فالذي في الموقفِ يُسمى حوضاً، والذي في الجنةِ هو النهرُ الموعودُ، ويُطلقُ على كليهما "كوثر" لِعظمِ فضلِهِما. (5)
رَابِعًا: الصِّرَاطُ وَأَحْوَالُ النَّاسِ عَلَيْهِ
الصراطُ هو القنطرةُ العظمى التي تَنتهي بالمؤمنينَ إلى دارِ الكرامةِ:
صِفتُهُ: دحضٌ مَزلةٌ، عليه كَلاليبُ (خطاطيفُ) مأمورةٌ تأخذُ مَن أُمِرَتْ به.
أقسامُ الناسِ في عبورِهِ:
نَاجٍ مُسَلَّمٌ: يمرُّ كَلمحِ البصرِ، أو كالريحِ، أو كأجاويدِ الخيلِ، وذلك على قَدْرِ إقامتِهم لِلصراطِ المستقيمِ في الدنيا.
مَخدوشٌ مُرسَلٌ: تُمزقُ الكلاليبُ جسدَهُ لكنَّهُ ينجو في النهايةِ.
مَكردَسٌ في النارِ: وهو الذي تَغلبُهُ سيئاتُهُ فيسقطُ في جهنمَ. (6)
خَامِسًا: الجَنَّةُ وَالنَّارُ (دَارُ الخُلُودِ)
يُؤكد الإمام محمد بن عبد الوهاب على أصولٍ ثلاثةٍ خالفَ فيها المبتدعةَ:
أنهما مَخلوقتانِ الآنَ: خلافاً للمعتزلةِ الذين قالوا لَا فائدةَ من وجودِهما الآنَ. والدليلُ: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}، والإعدادُ يقتضي الوجودَ.
أنهما لا تَفنيانِ أَبداً: فالجنةُ دارُ خلودٍ ونعيمٍ مقيمٍ، والنارُ دارُ عذابٍ أليمٍ لا ينقطعُ عن الكفارِ.
رؤيةُ اللهِ في الجنةِ: هي أعظمُ نعيمِ أهلِ الجنةِ، وهي رؤيةٌ حقيقيةٌ بالأبصارِ كما يُرى القمرُ ليلةَ البدرِ. (7)
سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ (القِسْمُ الثَّانِي)
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (فِي "مَنْطِقِ المِيزَانِ"):
يقول الشيخ: "ليس الميزانُ مَجازاً عن العدلِ كما يقولُ أهلُ التعطيلِ، بل هو حقيقةٌ. والعدلُ صفةُ اللهِ، والميزانُ فعلُهُ وآلتُهُ التي يزنُ بها؛ فاللهُ لا يحتاجُ للميزانِ لِيَعلمَ، بل هو لِيُعلمَ العبادَ مِقدارَ أعمالِهم". (8)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (فِي "تَرْتِيبِ مَشَاهِدِ القِيَامَةِ"):
يُحقق الشيخ أنَّ الترتيبَ هو: الحسابُ، ثم الميزانُ، ثم الحوضُ، ثم الصراطُ. ويؤكد أنَّ "القنطرةَ" التي بعد الصراط هي لِتصفيةِ القلوبِ من "الغلِّ"، فلا يَدخلُ الجنةَ إلا مَن طَابَ قَلبُهُ وَصَفَا. (9)
3. تَقْرِيرُ الدُّكْتُورِ صَالِحٍ سِنْدِي (فِي "مَنْهَجِ الإِخْبَارِ"):
يؤكد السندي أنَّ الإمامَ في تقريرِهِ لِهذه المسائلِ سلكَ مسلكَ السلفِ في "التوقيفِ"؛ فلا نَزيدُ في وصفِ الصراطِ أو الميزانِ إلا ما جاءَ في الخبرِ، ولا نُؤوِّلُهُ لِيوافقَ عقولَنا، لأنَّ الغيبَ فوقَ طورِ العقلِ. (10)
---------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية، أحمد. مجموع الفتاوى، ج 4، ص 300. (في إثبات الميزان الحقيقي والرد على المعتزلة).
(2) ابن القيم. حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، ص 120. (أعظم مرجع في وصف الحوض والجنة ونعيمها).
(3) البيهقي، أحمد. البعث والنشور، ص 90. (في تفصيل أخبار الصراط وأهواله).
(4) ابن أبي العز الحنفي. شرح العقيدة الطحاوية، ص 410. (تحقيق ما يوضع في الميزان والجمع بين النصوص).
(5) العثيمين، محمد. شرح العقيدة الواسطية، ج 2، ص 150. (تحقيق مسألة الحوض والكوثر).
(6) سندي، صالح. شرح رسائل الإمام، ص 160. (في تقرير مسائل الصراط والقنطرة).
(7) اللالكائي، هبة الله. شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ج 7. (في إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة).
(8) العثيمين، محمد. مجموع فتاوى ورسائل، ج 3، ص 110. (في الرد على منكري الوجود الحالي للجنة والنار).
(9) آل الشيخ، صالح. شرح رسالة أهل القصيم، ص 150. (في بيان أحوال المؤمنين على القنطرة).
(10) سندي، صالح. دروس في العقيدة، ص 70. (في تأصيل قاعدة: الغيب يُتلقى بالخبر).
(11) تعريف الكلاليب: الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هي خطاطيفُ حادةٌ نابتةٌ على جنبتي الصراطِ، تَخطفُ مَن أُمِرَتْ به على حَسْبِ ذنوبِهِ.
(12) تعريف القصاص: هو أخُذُ الحقِّ لِلمظلومِ من الظالمِ، ويقعُ في القيامةِ على مرحلتينِ: في الموقفِ العامِّ، وفي القنطرةِ الخاصةِ.
(13) تعريف الخلود: الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هو البقاءُ الدائمُ الذي لا ينقطعُ ولا ينتهي، وهو صفةٌ لِبقاءِ أهلِ الدارينِ فيهما.
(14) حديث "البطاقة": رواه الترمذي والحاكم، وهو أصلٌ في رجحانِ كفةِ التوحيدِ على سائرِ السيجلاتِ.
(15) حكم منكري الصراط: إن كان تأويلاً لِشبهةٍ عُرِّفَ، وإن كان إنكاراً لِلقدرةِ الإلهيةِ وتكذيباً لِلسنةِ المستفيضةِ فهو ضلالٌ مُبينٌ.
(16) تعريف "الكوثر": لغةً هو الخيرُ الكثيرُ، وشرعاً هو النهرُ الذي أعطاهُ اللهُ لنبيهِ ﷺ في الجنةِ.
(17) البخاري، محمد. صحيح البخاري، كتاب الرقاق (باب الصراط جسر جهنم).
(18) مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم، كتاب الإيمان (باب معرفة طريق الرؤية).
(19) تعريف "اللسان" في الميزان: هو مؤشرٌ يُبينُ رجحانَ إحدى الكفتينِ على الأخرى.
(20) ابن تيمية. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ج 2، ص 30. (في الرد على الفلاسفة في إنكار المعاد الجسماني).
-----------------------&
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَسْأَلَةُ الشَّفَاعَةِ
(حَقِيقَتُهَا، أَنْوَاعُهَا، وَضَوَابِطُهَا الشَّرْعِيَّةُ)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأُثْبِتُ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ، وَلَا يُنْكِرُ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَهْلُ البِدَعِ وَالضَّلَالِ، وَلَكِنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِ اللَّهِ وَرِضَاهُ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (الحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ)
الشَّفَاعَةُ:
لُغَةً: مأخوذة من "الشفع"، وهو جعل الفرد زوجاً، أي ضمُّ شافعٍ إلى صاحبِ حاجةٍ.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هي التَّوَسُّطُ للغيرِ بجلبِ مصلحةٍ أو دفعِ مضرةٍ، وتكونُ يومَ القيامةِ بسؤالِ الشافعِ ربَّهُ أنْ يغفرَ للمشفوعِ لهُ أو يرفعَ درجتَهُ. (1)
شُرُوطُ الشَّفَاعَةِ (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ):
هي القيودُ التي لا تقعُ الشفاعةُ بدونها، وهي: أولاً: إذنُ اللهِ للشافعِ أنْ يشفعَ، ثانياً: رضا اللهِ عن المشفوعِ لهُ.
الشَّفَاعَةُ المَنْفِيَّةُ (البِدْعِيَّةُ):
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هي كلُّ شفاعةٍ تُطلبُ من غيرِ اللهِ فيما لا يقدرُ عليهِ إلا اللهُ، أو تُطلبُ من الأمواتِ والأصنامِ بزعمِ أنهم يشفعونَ عند اللهِ استقلالاً أو اضطراراً. (2)
الشَّفَاعَةُ المُثْبَتَةُ (السُّنِّيَّةُ):
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هي الشفاعةُ التي تُطلبُ من اللهِ تعالى، وتكونُ لأهلِ التوحيدِ والإخلاصِ بإذنِ اللهِ ورضاهُ.
ثَانِيًا: شُرُوطُ الشَّفَاعَةِ (مِيزَانُ الإِثْبَاتِ)
يُقرر الإمام أنَّ الشفاعة مُلكٌ للهِ وحدهُ {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}، فلا تُنال إلا بسبيلين:
الإذنُ للشافع: لقوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}، وهذا يبطلُ دعوى الغالين بأنَّ الوليَّ أو النبيَّ يشفعُ "دالةً" أو "اضطراراً" كما يشفعُ وزراءُ الدنيا عند ملوكهم.
الرضا عن المشفوع له: لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ}، واللهُ لا يرضى إلا عن أهلِ التوحيدِ، فالمشركُ لا تنفعُهُ شفاعةُ الشافعينَ. (3)
ثَالِثًا: أَنْوَاعُ الشَّفَاعَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ
تنقسم الشفاعة عند أهل السنة إلى نوعين رئيسين:
النوع الأول: الشفاعات الخاصة بالنبي ﷺ:
الشفاعة الكبرى (المقام المحمود): وهي الشفاعةُ في أهلِ الموقفِ لِيُقضى بينهم، بعد أنْ يتأخر عنها أولو العزمِ من الرسلِ.
الشفاعة في استفتاح باب الجنة: فأولُ مَن يَستفتحُ بابَ الجنةِ هو النبيُّ ﷺ.
الشفاعة في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب: وهي خاصةٌ بهِ ﷺ في كافرٍ، وهي استثناءٌ لعلةِ نصرتِهِ للنبيِّ، وهي تخفيفٌ لا خروجٌ من النارِ. (4)
النوع الثاني: الشفاعات العامة للنبي ﷺ ولغيره (الملائكة، الأنبياء، الشهداء، الصالحين):
الشفاعة في مَن استحقَّ النارَ ألا يدخلها.
الشفاعة في عصاةِ الموحدينَ الذين دخلوا النارَ أنْ يخرجوا منها.
الشفاعة في رفعِ درجاتِ المؤمنينَ في الجنةِ. (5)
رَابِعًا: الرَّدُّ عَلَى الفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّفَاعَةِ
1. المُنْكِرُونَ (المُعْتَزِلَةُ وَالخَوَارِجُ):
شبهتهم: زعموا أنَّ الشفاعةَ لِعصاةِ الموحدينَ (أهل الكبائر) باطلةٌ؛ لأنَّ اللهَ توعدَ الظالمينَ بالنارِ، والشفاعةُ تُعطلُ الوعيدَ.
الرد: هذا تكذيبٌ للأحاديثِ المتواترةِ في خروجِ الموحدينَ من النارِ، والظلمُ المذكورُ في الآياتِ هو الشركُ الأكبرُ، أما العصاةُ فهم تحت المشيئةِ. (6)
2. الغَالُونَ (عُبَّادُ القُبُورِ وَغُلَاةُ الصُّوفِيَّةِ):
شبهتهم: قاسوا اللهَ على ملوكِ الدنيا، فطلبوا الشفاعةَ من الأمواتِ مباشرةً قائلين: "يا فلان اشفع لي عند الله".
الرد: هذا هو عينُ شركِ الأوائلِ الذين قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ}. الشفاعةُ تُطلبُ من مالكِها (الله) فنقول: "اللهم شفع فيَّ نبيك"، ولا تُطلبُ من المخلوقِ الميتِ الذي انقطعَ عملُهُ. (7)
خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ بِتَوَسُّعٍ
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (فِي "فَهْمِ مَعْنَى الِاسْتِشْفَاعِ"):
يقول الشيخ: "الشفاعةُ ملكٌ للهِ، فمَن طلبَها من غيرِ مالكِها فقد ضلَّ. والرسولُ ﷺ لا يَشفعُ إلا إذا أذنَ اللهُ لهُ، وهو ﷺ لا يرضى أنْ يُعبدَ من دونِ اللهِ بطلبِ الشفاعةِ منهُ وهو في قبرِهِ". (8)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (فِي "حَقِيقَةِ الشَّفَاعَةِ عِنْدَ القُبُورِيِّينَ"):
يُحقق الشيخ أنَّ الخللَ في بابِ الشفاعةِ هو "بوابةُ الشركِ الأكبرِ" في العصورِ المتأخرةِ؛ حيثُ ظنَّ الجهالُ أنَّ الشفاعةَ "وجاهةٌ" تجعلُ اللهَ يقبلُ شفاعةَ الوليِّ اضطراراً، فصرفوا لهم العبادةَ. (9)
3. تَقْرِيرُ الدُّكْتُورِ صَالِحٍ سِنْدِي (فِي "الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ إِنْكَارَ الإِمَامِ لِلشَّفَاعَةِ"):
يؤكد السندي أنَّ الإمامَ محمد بن عبد الوهاب من أثبتِ الناسِ لشفاعةِ النبيِّ ﷺ، ولكنهُ يفرقُ بين "إثباتِ الشفاعةِ" كخبرٍ غيبيٍّ، وبين "طلبِها" كفعلٍ تعبديٍّ. فالسنيُّ يُثبتُها ويرجوها من اللهِ، والمبتدعُ يغلو فيها حتى يقعَ في الشركِ. (10)
سَادِسًا: المَوْقِفُ مِنْ "بُرْدَةِ البُصِيرِيِّ" فِي بَابِ الشَّفَاعَةِ
أشرتَ يا شيخ أبا أنس في الخطة إلى (بردة البصيري)، وهنا نُحقق:
يُحذر الإمام من قول البصيري: "يا أكرمَ الخلقِ ما لي مَن ألوذُ بهِ.. سواكَ عندَ حلولِ الحادثِ العَمِمِ"؛ فهذا نفيٌ للَّياذِ باللهِ وحصرُهُ في النبيِّ ﷺ، وهو غلوٌّ يهدمُ أصلَ التوحيدِ، ويجعلُ الشفاعةَ سبباً لتأليهِ المخلوقِ. (11)
-------------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية، أحمد. مجموع الفتاوى، ج 1، ص 310. (في تعريف الشفاعة وتقسيماتها).
(2) ابن القيم. مدارج السالكين، ج 1، ص 340. (في الفرق بين الشفاعة الشركية والسنية).
(3) السفاريني، محمد. لوامع الأنوار البهية، ج 2، ص 250. (في شروط الشفاعة المستنبطة من القرآن).
(4) صحيح البخاري. كتاب التوحيد، حديث الشفاعة الكبرى.
(5) ابن أبي العز الحنفي. شرح العقيدة الطحاوية، ص 230. (تفصيل أنواع الشفاعات الثمانية).
(6) سندي، صالح. شرح رسائل الإمام، ص 170. (الرد على الخوارج والمعتزلة في إنكار شفاعة أهل الكبائر).
(7) سليمان بن عبد الله آل الشيخ. تيسير العزيز الحميد، ص 210. (شرح باب الشفاعة من كتاب التوحيد).
(8) العثيمين، محمد بن صالح. القول المفيد على كتاب التوحيد، ج 1، ص 420.
(9) آل الشيخ، صالح. شرح رسالة أهل القصيم، ص 160. (في بيان ضلال من طلب الشفاعة من الأموات).
(10) سندي، صالح. دروس في العقيدة، ص 85. (تحقيق موقف أئمة الدعوة من الشفاعة).
(11) الفوزان، صالح. شرح كشف الشبهات، ص 90. (في الرد على الاستدلال ببردة البصيري).
(12) تعريف المقام المحمود: هو الشفاعةُ العظمى التي يَحمدُهُ عليها الأولونَ والآخرونَ، وهي خاصةٌ بنبينا ﷺ.
(13) تعريف "الِاسْتِشْفَاع": هو طلبُ الشفاعةِ، ويجوزُ من الحيِّ الحاضرِ في أمرٍ دنيويٍّ، ولا يجوزُ من الميتِ في أمرٍ غيبيٍّ.
(14) حديث "أسعدُ الناسِ بشفاعتي": هو مَن قال "لا إله إلا الله" خالصاً من قلبِهِ، وهو دليلٌ على أنَّ التوحيدَ شرطُ المشفوعِ لهُ.
(15) ابن حجر. فتح الباري، ج 11، ص 430. (في شرح أحاديث الشفاعة وتواترها).
(16) تعريف "العِتْرَة": هم آلُ البيتِ الذين لهم شفاعةٌ بإذنِ اللهِ، ومحبتُهم وسيلةٌ لِنيلِ الشفاعةِ بالاتباعِ.
(17) الهروي، أبو إسماعيل. ذم الكلام وأهله، ج 4. (في ذم منكري الشفاعة من أهل البدع).
(18) تعريف "الوَسِيلة": هي المنزلةُ العاليةُ في الجنةِ للنبيِّ ﷺ، وطلبُها لهُ سببٌ في نيلِ شفاعتِهِ.
(19) القرطبي. التذكرة، ص 280. (في وصف حال الناس واحتياجهم للشفاعة في الموقف).
(20) القاضي عياض. الشفا، ج 1، ص 250. (في فضل النبي ﷺ وتشفيعِهِ في أمتِهِ).
--------------------------&
المَبْحَثُ العَاشِرُ: تَقْرِيرُ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ وَمَرَاتِبِهِ (القِسْمُ الأَوَّلُ: المَرَاتِبُ وَالإِرَادَتَانِ)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأُؤْمِنُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ أَفْعَالِ العِبَادِ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، وَأَنَّ لِلْعِبَادِ قُدْرَةً وَمَشِيئَةً هِيَ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (الحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ)
القَدَرُ:
لُغَةً: مأخوذ من "التقدير"، وهو جعل الشيء على مقدار مخصوص.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو عِلْمُ اللَّهِ بِالأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا، وَكِتَابَتُهُ لَهَا فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وَمَشِيئَتُهُ الشَّامِلَةُ لَهَا، وَخَلْقُهُ لَهَا عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ. (1)
القَضَاءُ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هو الحُكْمُ الكَوْنِيُّ بِوُقُوعِ المَقْدُورِ عِنْدَ أَوَانِهِ. (وإذا اجتمعا افترقا؛ فالقدر هو التقدير الأزلي، والقضاء هو التنفيذ العيني).
المَشِيئَةُ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هي إِرَادَةُ اللَّهِ الكَوْنِيَّةُ الشَّامِلَةُ لِكُلِّ حَادِثٍ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. (2)
أَفْعَالُ العِبَادِ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هي حَرَكَاتُ العِبَادِ وَسَكَنَاتُهُمُ الَّتِي يَقُومُونَ بِهَا بِقُدْرَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ وَمَفْعُولَةٌ لِلْعَبْدِ.
ثَانِيًا: مَرَاتِبُ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ (الأَرْكَانُ الأَرْبَعَةُ)
يُقرر الإمام والعلماء المحققون أنَّ الإيمان بالقدر لا يصح إلا بأربع مراتب، من جحد واحدة منها لم يؤمن بالقدر:
مَرْتَبَةُ العِلْمِ:
الاعتقاد الجازم بأنَّ الله علم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، بعلمه القديم الأزلي. علم الطائعين والمعصين، وعلم أرزاقهم وآجالهم. (3)
مَرْتَبَةُ الكِتَابَةِ:
أنَّ الله كتب كل ذلك في "اللوح المحفوظ" قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. لقوله ﷺ: "جفَّت الأقلام وطُويت الصحف". وهذا إثبات للتقدير المكتوب.
مَرْتَبَةُ المَشِيئَةِ:
الإيمان بأنَّ مشيئة الله نافذة، فلا يقع في ملكه إلا ما يريد. فما وجد من خير أو شر، طاعة أو معصية، فقد وقع بمشيئته الكونية، ولا يخرج عن سلطانه شيء. (4)
مَرْتَبَةُ الخَلْقِ:
الإيمان بأنَّ الله خالق كل شيء، ومن ذلك "أفعال العباد". فالعبد فاعل، والله خالق فعله؛ لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}. فالله خلق العبد، وخلق فيه القدرة والإرادة، فصار الخالق للسبب خالقاً للمسبب. (5)
ثَالِثًا: الفَرْقُ بَيْنَ المَشِيئَةِ (الإِرَادَةِ) الكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ
هذا هو "المفصل" الذي ضل فيه من ضل، وتحقيقه عند أهل السنة:
الإِرَادَةُ الكَوْنِيَّةُ (المَشِيئَةُ):
معناها: هي التي بمعنى المشيئة، وتتعلق بكل ما يقع في الكون.
خصائصها: (أ) لا بد من وقوعها. (ب) قد يحبها الله (كالإيمان) وقد لا يحبها (كالكفر). (ج) هي عامة لكل الخلق.
الإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ (المَحَبَّةُ):
معناها: هي التي تتعلق بما يحبه الله ويرضاه من الطاعات.
خصائصها: (أ) قد تقع (كإيمان المؤمن) وقد لا تقع (ككفر الكافر). (ب) الله يحبها دائماً. (ج) هي خاصة بالمؤمنين والشرائع. (6)
ثمرة التفريق: بهذا التفريق نرد على من قال: "كيف يشاء الله المعصية وهو لا يحبها؟". فنقول: شاءها كوناً (لحكمة) ولم يشأها شرعاً (ديناً ومحبة). (7)
رَابِعًا: مَسْأَلَةُ "مُخَيَّرٌ أَمْ مُسَيَّرٌ" (التَّحْقِيقُ السُّنِّيُّ)
سألتَ يا شيخ أبا أنس عن هذا اللفظ الحادث، والتحقيق فيه:
الإنسان مسيَّرٌ: من جهة "الاضطرار"؛ فهو لا يختار أباه ولا أمه، ولا طوله ولا لونه، ولا يخرج عن قدر الله الكوني.
الإنسان مخيَّرٌ: من جهة "الاختيار"؛ فالله أعطاه عقلاً وإرادة وقدرة، فهو يختار أن يصلي أو يسرق، ويختار أن يأكل أو يجوع.
الضابط: الإنسان (مخيَّرٌ في إطار التسيير الكوني)؛ أي أنَّ له مشيئة حقيقية، لكنها "تحت" مشيئة الله. هو فاعل لفعله حقيقة، ويُجازى عليه، لكن فعله لا يقع إلا إذا أذن الله به كوناً. (8)
خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ (تَوْسِيعُ المَدَارِكِ)
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (فِي "إِثْبَاتِ الحِكْمَةِ"):
يقول الشيخ: "أهل السنة يؤمنون أنَّ الله حكيم في قدره؛ فخلق الشر والسيئات ليس شراً محضاً، بل هو لحكمة بالغة ليظهر أثر المغفرة والتوبة، وليتميز الصادق من الكاذب. فالفعل مفعول لله من جهة الخلق، ومفعول للعبد من جهة الكسب والباشرة". (9)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (فِي "اسْتِقْلَالِ مَشِيئَةِ اللَّهِ"):
يُحقق الشيخ أنَّ مشيئة العبد لا تستقل عن مشيئة الله؛ فلو شاء العبد ولم يشأ الله لم يكن، ولو شاء الله ولم يشأ العبد كان رغماً عنه في الأمور القهرية، أما التكليفية فلا بد من اجتماع المشيئتين وقوعاً. (10)
3. تَقْرِيرُ الدُّكْتُورِ صَالِحٍ سِنْدِي (فِي "الرَّدِّ عَلَى القَدَرِيَّةِ"):
يؤكد السندي أنَّ مرتبتي "العلم والكتابة" هما الحجة على القدرية النفاة، ومرتبتي "المشيئة والخلق" هما الحجة على الجبرية الغلاة. وأهل السنة جمعوا بين المراتب الأربع فكانوا وسطاً. (11)
-------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية، أحمد. مجموع الفتاوى، ج 8، ص 150. (أشمل تفصيل لمراتب القدر الأربع).
(2) ابن القيم. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص 20. (عمدة هذا الباب).
(3) السفاريني، محمد. لوامع الأنوار البهية، ج 1، ص 300. (شرح مرتبة العلم والكتابة).
(4) ابن أبي العز الحنفي. شرح العقيدة الطحاوية، ص 245. (تحقيق الفرق بين الإرادتين).
(5) العثيمين، محمد. شرح العقيدة الواسطية، ج 2، ص 180. (في إثبات خلق أفعال العباد).
(6) آل الشيخ، صالح. شرح رسالة أهل القصيم، ص 180. (تأصيل الإرادة الكونية والشرعية).
(7) سندي، صالح. شرح رسائل الإمام، ص 185. (في بطلان قول من سوى بين المشيئة والمحبة).
(8) الفوزان، صالح. شرح لمعة الاعتقاد، ص 110. (تحقيق مسألة مخير ومسير).
(9) العثيمين، محمد. رسالة في القضاء والقدر، ص 15.
(10) آل الشيخ، صالح. شرح الطحاوية، ص 250. (في تبعية مشيئة العبد لمشيئة الله).
(11) سندي، صالح. دروس في القدر، ص 40.
(12) تعريف "اللوح المحفوظ": الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هو الكتاب الذي كتب الله فيه مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، وهو لا يتبدل ولا يتغير.
(13) تعريف "التقدير العمري": هو ما يكتبه الملك على الجنين في بطن أمه (رزقه، أجله، عمله، شقي أو سعيد).
(14) تعريف "التقدير الحولي": هو ما يكتب في ليلة القدر من وقائع السنة.
(15) الرد على "المجوسية" الصغرى: أطلق النبي ﷺ على القدرية لقب "مجوس هذه الأمة" لأنهم أثبتوا خالقين (الله خلق الخير، والعبد خلق الشر).
(16) تعريف "العِلْم القديم": هو صفة الله الذاتية التي لا يسبقها جهل ولا يلحقها نسيان.
(17) ابن حجر. فتح الباري، ج 11، ص 480. (في شرح أحاديث القدر).
(18) تعريف "الاستطاعة": هي القدرة التي يقع بها الفعل، وهي نوعان: صحة الآلة، والقدرة المقارنة للفعل.
(19) مذهب السلف في الشر: "والشر ليس إليك"؛ أي لا ينسب إلى الله مفرداً، بل يدخل في عموم الخلق لحكمة.
(20) تعريف "حجية القدر": القدر يُحتج به في المصائب (للتسلي) ولا يُحتج به في المعائب (للتبرير).
--------------------&
مُلْحَقُ المَبْحَثِ العَاشِرِ: مَقَالَاتُ الفِرَقِ فِي القَدَرِ وَتَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ الكَسْبِ (القِسْمُ الثَّانِي)
نَصُّ التَّقْرِيرِ العَقَدِيِّ (فِي بَيَانِ الضَّلَالِ):
"وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَيْنَ المَجُوسِيَّةِ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ أَخْرَجُوا أَفْعَالَهُمْ عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَبَيْنَ الجَبْرِيَّةِ الإِبْلِيسِيَّةِ الَّذِينَ نَسَبُوا الظُّلْمَ لِلَّهِ وَسَلَبُوا العَبْدَ اخْتِيَارَهُ، وَبَيْنَ الحَيْرَةِ الأَشْعَرِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الكَسْبِ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ التَّارِيخِيُّ وَالمَقَالِيُّ لِلْفِرَقِ
القَدَرِيَّةُ المَجُوسِيَّةُ (المُعْتَزِلَةُ وَسَلَفُهُمْ):
البِدَايَةُ: ظهرت في أواخر عصر الصحابة (القرن الأول الهجري) على يد "معبد الجهني" بدمشق، ثم "غيلان الدمشقي".
الرُّؤُوسُ: واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد (مؤسسا المعتزلة في القرن الثاني).
المَقَالَةُ: زعموا أنَّ العبد "خالقٌ" لفعله استقلالاً، وأنَّ الله لم يقدّر المعاصي ولم يشأها.
لَقَبُ المَجُوسِ: سُموا بذلك لأنهم أثبتوا خالقين (الله للخير، والعبد للشر)، فشابهوا المجوس القائلين بإلهين (النور والظلمة). (1)
الجَبْرِيَّةُ الخَالِصَةُ (الجَهْمِيَّةُ):
البِدَايَةُ: ظهرت في أوائل القرن الثاني الهجري.
الرُّؤُوسُ: جهم بن صفوان (ت 128هـ)، وأخذها عن الجعد بن درهم.
المَقَالَةُ: زعموا أنَّ العبد "مجبورٌ" على فعله كلياً، كالريشة في مهب الريح، أو كحركة المرتعش، ونفوا عن العبد أي قدرة أو اختيار، فجعلوا الثواب والعقاب ظلماً (تعالى الله عن ذلك). (2)
الجَبْرِيَّةُ المَتَسَتِّرَةُ (الأَشَاعِرَةُ وَمَسْأَلَةُ الكَسْبِ):
البِدَايَةُ: القرن الرابع الهجري.
الرُّؤُوسُ: أبو الحسن الأشعري (في مرحلته الثانية)، والجويني، والباقلاني.
المَقَالَةُ: حاولوا التوسط بين الجبر والقدر، فجاءوا بنظرية "الكسب".
حَقِيقَةُ الكَسْبِ عِنْدَهُمْ: أنَّ الفعل يخلقه الله "عند" قدرة العبد لا "بقدرة" العبد؛ فالقدرة الحادثة للعبد لا أثر لها في الفعل أصلاً. ولذلك قيل: "ثلاثةٌ ليس لها حقيقة: طفرةُ النظَّام، وأحوالُ أبي هاشم، وكسبُ الأشعري". (3)
القَدَرِيَّةُ الإِبْلِيسِيَّةُ (المُشْرِكَةُ):
المَقَالَةُ: هم الذين يُثبتون القدر ويحتجون به على فتك المحرمات، قائلين: "لو شاء الله ما أشركنا". سُموا إبليسية لأنَّ إبليس هو أول من احتج بالقدر قوله: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي}. (4)
ثَانِيًا: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "الكَسْبِ" وَالرَّدُّ عَلَى الأَشَاعِرَةِ
يُعد "الكسب الأشعري" من أغلق المسائل الكلامية، وتحقيقه هو:
صورة الكسب: يقولون العبد فاعل (مجازاً) وكاسب (حقيقة)، والكسب هو اقتران الفعل بقدرة العبد دون تأثيرها فيه.
الرد السني:
إذا لم يكن لقدرة العبد أثر في الفعل، صار العبد "مجبوراً" في الحقيقة، فقول الأشاعرة ينتهي إلى قول الجهمية (الجبر الخالص) لكن بلفظ "الكسب".
الله تعالى أضاف الفعل للعبد حقيقة: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، والعمل يقتضي أثراً للقدرة.
أهل السنة يقولون: قدرة العبد "سببٌ" خلقه الله، والله هو خالق السبب والمسبب، فالقدرة لها أثر بكونها سبباً، لا بكونها خالقة. (5)
ثَالِثًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (الوَسَطِيَّةُ الجَامِعَةُ)
يُقرر الإمام المجدد في رسالته ما استقر عند السلف:
ضد المعتزلة: نثبت أنَّ الله خالق كل شيء، ومشيئته شاملة للطاعات والمعاصي كوناً.
ضد الجهمية والأشاعرة: نثبت للعبد قدرة حقيقية واختياراً حقيقياً هو مناط التكليف والجزاء.
القاعدة: الفعل "خلقٌ" لله، و"فعلٌ" للعبد. العبد هو المصلّي وهو السارق، وليس الله هو المتصف بصفات خلقه، بل هو خالق صفاتهم. (6)
رَابِعًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ (تَوْسِيعُ الحِجَاجِ)
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (فِي "بُطْلَانِ الجَبْرِ"):
يقول الشيخ: "لو كان العبد مجبوراً لبطل إرسال الرسل، ولصار تعذيب العاصي ظلماً؛ فالإنسان يجد من نفسه فرقاً ضرورياً بين نزوله من الدرج باختياره، وبين سقوطه منه قسراً. فمن سوى بينهما فقد عاند العقل والشرع". (7)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (فِي "تَهَافُتِ الكَسْبِ"):
يُحقق الشيخ أنَّ الأشاعرة في باب القدر "جبرية" في المعنى "قدرية" في اللفظ؛ لأنهم نفوا أثر القدرة الحادثة، وهذا يؤول لقول الجهم؛ ولهذا قال السلف: "الأشعرية هم جهمية الأفعال". (8)
3. تَقْرِيرُ الدُّكْتُورِ صَالِحٍ سِنْدِي (فِي "الرَّدِّ عَلَى المُشْرِكَةِ"):
يؤكد السندي أنَّ الذين يحتجون بالقدر على فعل المعاصي (القدرية المشركة) هم شر من (القدرية النفاة/المعتزلة)؛ لأنَّ النفاة عظموا الله بنفي تقدير الشر، أما هؤلاء فنسبوا الظلم لله وجعلوا القدر حجة لترك الأمر والنهي. (9)
خَامِسًا: خُلَاصَةُ "مُخَيَّرٌ وَمُسَيَّرٌ" فِي ضَوْءِ الرَّدِّ عَلَى الفِرَقِ
المعتزلة: قالوا مخيَّرٌ (بمعنى خالق لفعله). (بَاطل)
الجهمية: قالوا مُسَيَّرٌ (بمعنى لا إرادة له). (بَاطل)
أهل السنة: مخيَّرٌ (فيما كُلف به من اختيار الطرق)، مُسَيَّرٌ (بمعنى أنَّ اختياره محاطٌ بعلم الله ومشيئته التي لا يخرج عنها).
-------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية، أحمد. مجموع الفتاوى، ج 8، ص 250. (في تفصيل أصل مقالة المعتزلة وتسميتهم بالمجوس).
(2) ابن القيم. شفاء العليل، ص 180. (في الرد على الجهمية وبيان لزوم الجبر لمذهبهم).
(3) الشهرستاني. الملل والنحل، ج 1، ص 95. (شرح مسألة الكسب عند الأشعري وتناقضاتها).
(4) ابن أبي العز الحنفي. شرح العقيدة الطحاوية، ص 275. (في تقسيم القدرية إلى ثلاث فئات: نفاة، ومشبهة، وإبليسية).
(5) العثيمين، محمد. شرح العقيدة الواسطية، ج 2، ص 210. (تحقيق بطلان الكسب الأشعري).
(6) سندي، صالح. شرح رسائل الإمام، ص 195. (في بيان توسط الإمام بين الجبر والقدر).
(7) العثيمين، محمد. مجموع فتاوى ورسائل، ج 2، ص 85. (الرد الضروري على الجبرية).
(8) آل الشيخ، صالح. شرح رسالة أهل القصيم، ص 190. (تحقيق مقولة: الأشعرية جهمية الأفعال).
(9) سندي، صالح. دروس في القدر، ص 60. (الفرق بين الاحتجاج بالقدر في المصائب والمعائب).
(10) ابن حجر. فتح الباري، ج 11، ص 495. (في الرد على المعتزلة من خلال أحاديث الصحيح).
(11) تعريف "الطفرة": هي قول النظام من المعتزلة بأنَّ الجسم قد ينتقل من مكان إلى مكان دون المرور بما بينهما، وهي من المحالات العقلية كالكسب.
(12) تعريف "الأحوال": هي صفات أثبتها أبو هاشم الجبائي بين الوجود والعدم، وهي من عجائب المقالات الكلامية.
(13) مذهب ابن تيمية في "تأثير القدرة": يرى أنَّ القدرة الحادثة لها "تأثيرٌ" بكونها جزءاً من العلة التامة، لا بكونها مستقلة بالخلق.
(14) تعريف "القدرة المقارنة": هي التي تكون مع الفعل، وهي التي يقع بها الكسب والعمل عند المحققين.
(15) البغدادي، عبد القاهر. الفرق بين الفرق، ص 115. (تأريخ ظهور القدرية في دمشق).
(16) تعريف "خالق لفعله": هو القول بأنَّ العبد يحدث فعله من عدم دون مشيئة الله، وهو شرك في الربوبية.
(17) ابن القيم. إغاثة اللهفان، ج 2، ص 160. (في الرد على من احتج بالقدر على المعاصي).
(18) تعريف "المشيئة الكونية": هي التي تلزم وقوع المقدور، ولو كان قبيحاً في الشرع، لحكمة الابتلاء.
(19) الفوزان، صالح. شرح لمعة الاعتقاد، ص 115. (في بيان بطلان مذهب الجبرية الإبليسية).
(20) الإمام الشافعي. "ناظِروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا".
----------------------------------&
المُلْحَقُ الثَّانِي (الجُزْءُ الثَّالِثُ): تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ الكَسْبِ وَتَحْقِيقُ أَلْفَاظِ القَدَرِ (الخَيْرِ وَالشَّرِّ / الحُلْوِ وَالمُرِّ)
نَصُّ التَّحْرِيرِ العَقَدِيِّ:
"وَالقَدَرُ يُؤْمَنُ بِهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا لَحِقَ الأَشَاعِرَةَ وَالمَاتُرِيدِيَّةَ مِنْ ضَلَالِ الكَسْبِ إِنَّمَا هُوَ حَيْرَةٌ بَيْنَ نَفْيِ الأَسْبَابِ وَإِثْبَاتِ الجَبْرِ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ فِي أَلْفَاظِ (الخَيْرِ وَالشَّرِّ) وَ(الحُلْوِ وَالمُرِّ)
والتحقيق العلمي فيها كالآتي:
بِاعْتِبَارِ المَصْدَرِ (خَيْرِهِ وَشَرِّهِ): جاء هذا اللفظ في حديث جبريل المشهور "وتؤمن بالقدر خيره وشره". والشر هنا هو "المقدور" الذي يراه العبد شراً (كالمرض والفقر)، أما "فعل الله" وقضاؤه فخيرٌ كله، لقوله ﷺ: "والشر ليس إليك". (1)
بِاعْتِبَارِ المَذَاقِ وَالأَثَرِ (حُلْوِهِ وَمُرِّهِ): هذا اللفظ ورد في أحاديث صحيحة وأثر عن ابن عباس، وهو يصفُ حال العبد مع القدر؛ فالحلو هو ما يلائم النفس (كالنعمة والعافية)، والمر هو ما يؤلم النفس (كالمصائب).
الضَّابِطُ: الإيمان بالقدر (خيره وشره) هو الأصل "العقدي" لشمول الخلق، و(حلوه ومره) هو التقرير "السلوكي" لبيان الرضا واليقين. والعلماء يجمعون بينهما لبيان أنَّ الله خالق المتضادات كلها. (2)
ثَانِيًا: تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ "الكَسْبِ" عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ وَالمَاتُرِيدِيَّةِ (تَشْرِيحٌ دَقِيقٌ)
هنا تكمن "بيضة القبان" في الخلاف:
الأَشَاعِرَةُ (الأَشْعَرِيُّ وَالبَاقِلَّانِيُّ): الكسب عندهم هو "الاقتران" فقط. أي أنَّ الله يخلق الفعل عند وجود قدرة العبد، لا بها. وقدرة العبد عندهم "عرضٌ" لا أثر له في الفعل أصلاً. وهذا يؤول إلى "الجبر الباطن"؛ فالفاعل الحقيقي هو الله وحده، ونسبة الفعل للعبد مجازية.
المَاتُرِيدِيَّةُ (أَبُو مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ): هم أقرب قليلاً من الأشاعرة، حيث أثبتوا للعبد شيئاً سموه "الاختيار الجزئي"، وقالوا إنَّ هذا الميل أو الاختيار ليس مخلوقاً، وبسببه يُجازى العبد.
الرَّدُّ العِلْمِيُّ:
نفي الحكمة: مذهب الأشاعرة في الكسب يؤدي إلى أنَّ الله يعذب العبد على فعل لم يكن لقدرته فيه أثر، وهذا يقدح في العدل الإلهي.
مخالفة الحس: العبد يفرق بالضرورة بين حركة يده حين يكتب، وبين رعشتها حين يبرد؛ فالأولى لها أثر وقصد، والثانية لا. الأشاعرة جعلوا الحركتين سواء في انعدام أثر القدرة. (3)
ثَالِثًا: مَنْهَجُ الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ فِي مَسْأَلَةِ القَدَرِ
الرَّدُّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ (النُّفَاةُ لِلِاخْتِيَارِ):
نرد عليهم بآيات المشيئة المضافة للعبد: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ}. فلو لم يكن للعبد مشيئة لكان التكليف عبثاً.
ونرد عليهم بمقام "الثواب والعقاب"؛ فلو كان العبد ريشة، لكان مدح المحسن وذم المسيء لغواً.
الرَّدُّ عَلَى المُعْتَزِلَةِ (النُّفَاةُ لِلْقَدَرِ):
نرد عليهم بمرتبة "العلم والكتابة"؛ فالله علم أفعالهم قبل خلقهم، فكيف يقع في ملكه ما لا يعلم أو ما لم يسبق به كتابه؟
ونرد عليهم بمرتبة "الخلق"؛ {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}. فإذا كان العبد مخلوقاً، فكل ما يصدر عنه من حركة وسكون هو خلقٌ لخالق العبد. (4)
رَابِعًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ فِي القَدَرِ (تَوَسُّعٌ وَتَحْقِيقٌ)
الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ (فِي الفِقْهِ الأَكْبَرِ):
يقول: "والله تعالى خلق الخلائق كلهم من غير كفر ولا إيمان، ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم، فكفر مَن كفر بفعله وإنكاره وجحوده، وآمن مَن آمن بفعله وإقراره وتصديقه". وهذا صريح في إثبات "فعل العبد" تحت مشيئة الله. (5)
الإِمَامُ مَالِكٌ:
كان من أشد الناس على القدرية، ويقول: "القدرية هم الذين يقولون: لم يُقدّر الله المعاصي، فاستتيبوهم، فإن تابوا وإلا فاضربوا أعناقهم". وهذا تشديد في رد بدعة نفي القدر. (6)
الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ:
له القول الشهير: "مشيئة العباد هي إلى الله تعالى، ولا يشاؤون إلا أن يشاء الله". وقال: "لو أنَّ العبد لم يختر فعله لما عُوقب عليه".
الإِمَامُ أَحْمَدُ (إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ):
عَرَّفَ القدر بكلمة جامعة: "القَدَرُ قُدْرَةُ اللَّهِ". فمن طعن في القدر فقد طعن في كمال قدرة الله وعلمه. وكان يرى كفر غلاة القدرية الذين ينكرون "العلم الأزلي". (7)
خَامِسًا: تَحْرِيرُ "الرَّدِّ" بِقَاعِدَةِ (الوَسَطِيَّةِ المَحْضَةِ)
يُبين الدكتور صالح سندي أنَّ الرد على الفرق يكون بإعمال (النص والعقل) معاً:
العقل يقتضي أنَّ "الخالق واحد" (رد على المعتزلة).
والشرع يقتضي أنَّ "العبد فاعل مكلف" (رد على الجهمية والأشاعرة).
فأهل السنة أثبتوا "خلق الله" و"فعل العبد"، فاستقام لهم العقل والشرع، بينما ضل غيرهم بإثبات أحدهما ونفي الآخر. (8)
-------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية. مجموع الفتاوى، ج 8، ص 90. (تحقيق معنى "والشر ليس إليك").
(2) ابن القيم. شفاء العليل، ص 50. (في الجمع بين ألفاظ القدر خيره وشره وحلوه ومره).
(3) السفاريني. لوامع الأنوار، ج 1، ص 310. (في تفصيل فساد قول الأشاعرة في الكسب).
(4) ابن أبي العز الحنفي. شرح العقيدة الطحاوية، ص 280. (في الرد القاطع على المعتزلة والجهمية).
(5) أبو حنيفة. الفقه الأكبر، ص 15. (تحقيق نسبة الفعل للعبد خلقاً واكتساباً).
(6) اللالكائي. شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ج 4، ص 180. (نقل آثار الإمام مالك في القدرية).
(7) الخلال. السنة، ص 300. (نقل أقوال الإمام أحمد في الرد على القدرية والجهمية).
(8) سندي، صالح. شرح رسائل الإمام، ص 210. (تأصيل الوسطية في باب القدر).
(9) آل الشيخ، صالح. شرح رسالة أهل القصيم، ص 205. (في بطلان مذهب الماتريدية في الاختيار الجزئي).
(10) العثيمين. شرح الواسطية، ج 2، ص 230. (في بيان الفرق بين الخلق والعمل).
(11) تعريف "الخلاف اللفظي": زعم بعضهم أنَّ الخلاف مع الأشاعرة في الكسب لفظي، والتحقيق أنه "حقيقي" لأنه يؤول للجبر.
(12) تعريف "الاستطاعة المقارنة": هي القدرة التي يخلقها الله في العبد وقت الفعل، وبها يقع التكليف عند الماتريدية وبعض الأشاعرة.
(13) مذهب ابن تيمية في "تأثير الأسباب": يرى أنَّ الأسباب لها تأثير أودعه الله فيها، ونفيها (كما يفعل الأشاعرة) قدح في العقل.
(14) تعريف "الجبر المتوسط": هو وصف يطلقه المحققون على مذهب الأشاعرة لأنه بين الجبر الخالص وبين الاعتزال.
(15) ابن حجر. فتح الباري، ج 13، ص 500. (في الرد على من زعم أنَّ العبد خالق لفعله).
(16) تعريف "الرضا بالقضاء": الرضا بالقضاء (فعل الله) واجب، والرضا بالمقضي (كالمعصية) لا يجوز.
(17) القاضي عياض. الشفا، ج 2، ص 180. (في وجوب الإيمان بمراتب القدر).
(18) تعريف "العلة التامة": هي مجموع (قدرة العبد + إرادته + مشيئة الله)، وبها يقع الفعل حتماً.
(19) الفوزان، صالح. شرح لمعة الاعتقاد، ص 125. (في الرد على القدرية والمجوسية).
(20) قاعدة السلف: "مَن كذَّب بالقدر فقد كذَّب بالقرآن".
---------------------&
المَبْحَثُ الحَادِي عَشَرَ: مَنْهَجُ الإِمَامِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الصَّحَابَةِ وَأُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأَتَوَلَّى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَذْكُرُ مَحَاسِنَهُمْ، وَأَتَرَضَّى عَنْهُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، وَأَكُفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَأَعْتَقِدُ فَضْلَهُمْ... وَأَتَوَلَّى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ المُطَهَّرَاتِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (الحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ)
-
الصَّحَابِيُّ:
- لُغَةً: مأخوذ من الصحبة، وهي الملازمة والمرافقة.
- شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُؤْمِناً بِهِ، وَمَاتَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَإِنْ تَخَلَّلَتْ ذَلِكَ رِدَّةٌ عَلَى الأَصَحِّ. (1)
- أُمَّهَاتُ المُؤْمِنِينَ:
- الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ اللَّاتِي عَقَدَ عَلَيْهِنَّ وَدَخَلَ بِهِنَّ، وَمُتْنَ فِي عِصْمَتِهِ، وَهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الأُمَّةِ تَأْبِيداً. (2)
- النَّاصِبَةُ:
- الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُمُ الَّذِينَ نَصَبُوا العَدَاءَ لِآلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدَحُوا فِيهِمْ أَوْ قَاتَلُوهُمْ بَغْياً.
- الرَّافِضَةُ:
- الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُمُ الَّذِينَ رَفَضُوا إِمَامَةَ الشَّيْخَيْنِ (أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ)، وَغَلَوْا فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَفَّرُوا جُمْلَةَ الصَّحَابَةِ. (3)
ثَانِيًا: حُقُوقُ الصَّحَابَةِ وَأُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ
يُقرر الإمام أنَّ لهم على الأمة حقوقاً واجبة، أهمها:
- المحبة والولاء: وهي جزء من محبة النبي ﷺ.
- الترضي والاستغفار: لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}.
- اعتقاد العدالة: فكلهم عدول بتعديل الله لهم من فوق سبع سماوات.
- الذب عن أعراضهم: ورد مطاعن الحاقدين.
- توقير أمهات المؤمنين: وخصوصاً عائشة وخديجة، واعتقاد طهارتهن وسبقهن في الفضل. (4)
ثَالِثًا: الكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ (تَحْقِيقُ الفِتْنَةِ)
يُقرر مذهب أهل السنة "الإمساك" عما حدث بين الصحابة، وتحقيقه:
- الأصل: أنهم مجتهدون؛ فالمصيب له أجران والمخطئ له أجر، وخطؤهم مغفور في بحار فضائلهم.
- موقعة الجمل (36هـ): لم يكن القصد منها قتال عليٍّ، بل المطالبة بدم عثمان، ووقع القتال بسبب فتنة السبئية.
- موقعة صفين (37هـ): نزاع على الولاية والمطالبة بالقصاص، وكان عليٌّ فيها هو الأقرب للحق، ومعاوية مجتهد متأول.
- القاعدة: نحب الطرفين، ونعتقد أنَّ دماءهم طهر الله منها أيدينا، فلنطهر منها ألسنتنا. (5)
رَابِعًا: حُكْمُ مَنْ كَفَّرَ الصَّحَابَةَ أَوْ طَعَنَ فِيهِمْ
- تفكير جملة الصحابة: هو كفرٌ مخرجٌ من الملة؛ لأنه تكذيبٌ للقرآن الذي زكاهم، وهدمٌ للشريعة لأنهم هم نقَلَتُها.
- تكفير صحابي واحد (كعمر أو أبي بكر): ذهب جمهور العلماء إلى كفر مَنْ كَفّر الشيخين لمكانتهما وتواتر فضلهما.
- قذف عائشة رضي الله عنها: مَنْ رماها بما برأها الله منه في (سورة النور) فهو كافرٌ بالإجماع؛ لأنه مكذبٌ لصريح القرآن. (6)
خَامِسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ (تَحْقِيقٌ مُوَسَّعٌ)
- الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: قال: "لا نذكر أحداً من صحابة رسول الله ﷺ إلا بخير". وكان يرى تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. (7)
- الإِمَامُ مَالِكٌ: قال قولته الشهيرة: "مَنْ شتم أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ؛ أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص، فإن قال كانوا على ضلال وكفر قُتِل". (8)
- الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: قال: "أثنى الله على أصحاب رسول الله في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم".
- الإِمَامُ أَحْمَدُ: قال: "إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ بسوء فاتهمه على الإسلام". وكان يرى حبهم سنة، والدعاء لهم قربة. (9)
سَادِسًا: تَفْنِيدُ مَذَاهِبِ الرَّافِضَةِ وَالنَّاصِبَةِ (الوَسَطِيَّةُ السُّنِّيَّةُ)
- الرافضة: غلوا في آل البيت وجفوا في الصحابة فكفروهم.
- الناصبة: غلوا في الصحابة وجفوا في آل البيت فآذوهم.
- أهل السنة: توسطوا فأحبوا آل البيت (لحق القرابة والإيمان) وأحبوا الصحابة (لحق الصحبة والإيمان)، ولم يرفعوا أحداً فوق منزلته التي أنزله الله بها. (10)
------------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن حجر. الإصابة في تمييز الصحابة، ج 1، ص 10. (تعريف الصحابي المحقق).
(2) ابن القيم. جلاء الأفهام، ص 200. (في حقوق أزواج النبي ﷺ).
(3) ابن تيمية. منهاج السنة النبوية، ج 1، ص 20. (أعظم مرجع في الرد على الرافضة).
(4) السفاريني. لوامع الأنوار، ج 2، ص 350. (في تفصيل عدالة الصحابة).
(5) ابن كثير. البداية والنهاية، ج 7، ص 250. (تحقيق أحداث الجمل وصفين).
(6) القاضي عياض. الشفا، ج 2، ص 260. (حكم سب الصحابة وأمهات المؤمنين).
(7) الصابوني. عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص 80. (نقل أقوال أبي حنيفة).
(8) القيرواني. النوادر والزيادات، ج 14، ص 530. (نقل فتاوى الإمام مالك في سابّ الصحابة).
(9) الخلال. السنة، ص 450. (آثار الإمام أحمد في توقير الصحابة).
(10) سندي، صالح. شرح رسائل الإمام، ص 230. (تأصيل الوسطية بين الناصبة والرافضة).
(11) تعريف "الشَّجَر": هو ما وقع بينهم من الاختلاف والنزاع المشبه بالشجر المتداخل.
(12) تعريف "السبئية": هم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام لزرع الفتنة بين المسلمين.
(13) حكم "معاوية": هو خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين، وحبه سنة وبغضه بدعة.
(14) تعريف "العدالة": هي ملكة تحمل الشخص على ملازمة التقوى والمروءة، والصحابة كلهم عدول بتعديل الله.
(15) الطحاوي. العقيدة الطحاوية، ص 40. "وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان".
(16) تعريف "عائشة الصديقة": هي المبرأة من فوق سبع سماوات، حبيبة رسول الله ﷺ وابنة أحب الناس إليه.
(17) الهيثمي. الصواعق المحرقة، ص 15. (في الرد على أهل البدع والضلال في الصحابة).
(18) تعريف "المجتهد المخطئ": هو الذي بذل وسعه للوصول للحق فأخطأه، فله أجر واحد على اجتهاده.
(19) الذهبي. سير أعلام النبلاء، ج 2. (في تراجم أمهات المؤمنين).
(20) قاعدة الذهبي: "تقرر أنَّ ما شجر بين الصحابة نكف عنه، ونطوي ما نُقل مما يسوء، ونحبهم ونستغفر لهم".
-----------------------------&
المَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ:
كَرَامَاتُ الأَوْلِيَاءِ وَحَقِيقَةُ مَوْقِفِ الإِمَامِ مِنْهَا
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأُقِرُّ بِكَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ، وَمَا لَهُمْ مِنْ مُكَاشَفَاتٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئاً، وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (الحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ)
الوَليُّ:
لُغَةً: القريب، من "الولاء" وهو القرب والمحبة.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هو كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ، لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قَائِمٍ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ العِبَادِ. لقوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}. (1)
الكَرَامَةُ:
لُغَةً: مأخوذة من الكرم، وهي الإعزاز.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هي أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، يُجْرِيهِ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدِ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، تَكْرِيماً لَهُ أَوْ نُصْرَةً لِلِدِّينِ، وَهِيَ تَابِعَةٌ لِمُعْجِزَةِ النَّبِيِّ. (2)
المُعْجِزَةُ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هي أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، يَقْتَرِنُ بِالتَّحَدِّي، يُجْرِيهِ اللَّهُ عَلَى يَدِ نَبِيٍّ لِيَدُلَّ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ.
الاستِدْرَاجُ (الأَحْوَالُ الشَّيْطَانِيَّةُ):
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هي خَوَارِقُ تَظْهَرُ عَلَى يَدِ الفُجَّارِ وَالسَّحَرَةِ وَأَهْلِ البِدَعِ، تَكُونُ فِتْنَةً لَهُمْ، وَمَصْدَرُهَا الشَّيَاطِينُ لَا الرَّحْمَنُ. (3)
ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالإِمَامِ مِنْ كَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ
يُقرر الإمام المجدد مذهب السلف في إثبات الكرامات، خلافاً للمعتزلة الذين أنكروها:
الإثبات: نؤمن بأنَّ الله قد يخرق العادة لوليٍّ من أوليائه، كقصة "أصحاب الكهف"، و"مريم" عليها السلام، و"عمر بن الخطاب" في قصة (يا سارية الجبل)، و"خالد بن الوليد" في شرب السم.
الضابط العظيم: الكرامة ليست دليلاً على "عصمة" الولي، ولا تُجيز صرف العبادة له، ولا تدل على استغنائه عن الشريعة. فكل كرامة لا تُقرِّب من الله وتوافق الكتاب والسنة فهي من الشياطين. (4)
ثَالِثًا: الفَرْقُ بَيْنَ الكَرَامَةِ الرَّحْمَانِيَّةِ وَالأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ
ضلَّ كثير من الناس بسبب عدم التفريق بينهما، وتحقيقه عند المحققين:
باعتبار الفاعل: الكرامة تقع للمؤمن التقي المتبع للسنة، والأحوال الشيطانية تقع لتارك الصلاة، وصاحب البدعة، والمستغيث بغير الله.
باعتبار الغاية: الكرامة تزيد صاحبها تواضعاً لله واتباعاً لرسوله، والشيطانية تزيده كبراً ودعوى للألوهية أو الاستغناء عن الوحي.
القاعدة الشافعية: "إذا رأيت الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تغتر به حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة". (5)
رَابِعًا: حُكْمُ الغُلُوِّ فِي الأَوْلِيَاءِ (الرَّدُّ عَلَى القُبُورِيَّةِ)
يُبين الإمام أنَّ إثبات الكرامة لا يعني وقوع "الشرك":
الضلال: بعض الطوائف جعلت الكرامة مسوغاً لطلب المدد من صاحب القبر، أو اعتقاد أنه يتصرف في الكون.
الرد: الوليُّ مكرمٌ من الله، ولكنه عبدٌ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، والكرامة فعلُ اللهِ به، وليست فعلاً لهُ استقلالاً. فمَنْ طَلَبَ من الولي ما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك. (6)
خَامِسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ فِي الكَرَامَاتِ
الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: أثبت الكرامات في "الفقه الأكبر" واعتبرها حقاً، وحذر من فتنة الخوارق التي تقع لأهل الضلال.
الإِمَامُ مَالِكٌ: كان يرى أنَّ أعظم كرامة هي "الاستقامة"، وكان يزهد في نقل الخوارق لئلا يفتتن بها الجهال. (7)
الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: أثبتها بشرط موافقة الشريعة، وله مكاشفات مشهورة دلت على قوة يقينه وتفراسه بالحق.
الإِمَامُ أَحْمَدُ: روى في "الزهد" و"المسند" كثيراً من أخبار الصالحين وكراماتهم، وكان يقول: "المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وهي في الحقيقة معجزة للنبي لأن الولي لم ينلها إلا باتباعه". (8)
سَادِسًا: الرَّدُّ عَلَى المُنْكِرِينَ وَالغَالِينَ (تَوْسِيعُ الحِجَاجِ)
الرَّدُّ عَلَى المُعْتَزِلَةِ (المُنْكِرُونَ): زعموا أنَّ إثبات الكرامة يُلبسها بالمعجزة. والرد: المعجزة فيها تحدٍّ ودعوة للرسالة، والكرامة ليس فيها ذلك، بل هي تثبيت للولي.
الرَّدُّ عَلَى الصُّوفِيَّةِ (الغَالُونَ): زعموا أنَّ الولي بكرامته قد يسقط عنه التكليف أو يطلع على الغيب المطلق. والرد: الغيب لله وحده، والأنبياء وهم أفضل من الأولياء لم يسقط عنهم التكليف، فكيف بمن هو دونهم؟ (9)
-----------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص 10. (أدق مرجع في هذا الباب).
(2) ابن القيم. مدارج السالكين، ج 2، ص 300. (في شرح مراتب الولاية والكرامة).
(3) السفاريني. لوامع الأنوار، ج 2، ص 380. (في الفرق بين الكرامة والاستدراج).
(4) العثيمين. شرح العقيدة الواسطية، ج 2، ص 280. (تحقيق موقف الإمام من الكرامات).
(5) اللالكائي. شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ج 9. (في سياق كرامات الصحابة والتابعين).
(6) سندي، صالح. شرح رسائل الإمام، ص 245. (رد الافتراءات عن إنكار الإمام للكرامات).
(7) القاضي عياض. المدارك، ج 1. (في ذكر كرامات الإمام مالك وتواضعه).
(8) أبو يعلى الفراء. إبطال التأويلات، ج 2. (آثار الإمام أحمد في الكرامات).
(9) آل الشيخ، صالح. شرح رسالة أهل القصيم، ص 220. (تأصيل شروط الكرامة).
(10) سندي، صالح. دروس في العقيدة، ص 110. (الفرق بين المكاشفة الممدوحة والمذمومة).
(11) تعريف "المُكاشَفَة": هي ما يُلقيه الله في قلب الولي من علم أو رؤية لشيء غائب، وهي ظنِّيَّة لا يُبنى عليها حكم شرعي.
(12) تعريف "خَرْقُ العَادَة": هو خروج الشيء عن نظائره المألوفة في نظام الكون المعتاد.
(13) مذهب السلف في الفِرَاسة: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"؛ وهي نوع من الكرامة العلمية.
(14) قاعدة: "كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه"؛ لأن الولي بشهادته للنبي نال هذه المنزلة.
(15) ابن حجر. فتح الباري، ج 7، ص 380. (في شرح أحاديث الكرامات وصحتها).
(16) تعريف "القطب والغوث": هي اصطلاحات صوفية مبتدعة يزعمون بها تصرف الأولياء في الكون، وهي تصادم التوحيد.
(17) الذهبي. سير أعلام النبلاء، ج 10. (في نقد المبالغات في قصص الكرامات).
(18) تعريف "سارية الجبل": واقعة مشهورة لأمير المؤمنين عمر تدل على الكرامة المكانية والسمعية.
(19) الفوزان، صالح. شرح لمعة الاعتقاد، ص 140. (في إثبات كرامات الأولياء).
(20) قاعدة: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة"؛ قاله شيخ الإسلام الهروي وابن تيمية.
------------------------------------&
المَبْحَثُ الثَّالِثُ عَشَرَ:
الإِمَامَةُ وَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ (القِسْمُ الأَوَّلُ: الأَصُولُ وَالتَّارِيخُ)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأَرَى وُجُوبَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَمَنْ وَلِيَ الخِلَافَةَ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَرَضُوا بِهِ، أَوْ غَلَبَهُمْ بِسَيْفِهِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً وَجَبَتْ طَاعَتُهُ، وَحَرُمَ الخُرُوجُ عَلَيْهِ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (الحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ)
الإِمَامَةُ العُظْمَى:
لُغَةً: مأخوذة من "الإِمام" وهو مَن يُقتدى به ويُتقدم الناس.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هِيَ رِيَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي شُؤُونِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا خِلَافَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، لِحِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا بِهِ. (1)
السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هِيَ الِانْقِيَادُ لِأَمْرِ وَلِيِّ الأَمْرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، بَاطِناً وَظَاهِراً، فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ.
الخُرُوجُ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ مُنَازَعَةُ وَلِيِّ الأَمْرِ فِي سُلْطَانِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِالسَّيْفِ (الخُرُوجُ العَسْكَرِيُّ) أَوْ بِاللِّسَانِ وَالتَّهْيِيجِ (الخُرُوجُ الفِكْرِيُّ). (2)
الخَوَارِجُ القَعَدِيَّةُ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُمُ الَّذِينَ لَا يُبَاشِرُونَ القِتَالَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يُهَيِّجُونَ النَّاسَ عَلَى السَّلَاطِينِ بِذِكْرِ مَعَايِبِهِمْ وَتَحْرِيضِ العَامَّةِ، وَهُمْ أَخْبَثُ أَصْنَافِ الخَوَارِجِ.
ثَانِيًا: المَرْحَلَةُ التَّارِيخِيَّةُ لِلإِمَامِ (تَفْنِيدُ فِرْيَةِ الخُرُوجِ)
يُشاع زيفاً أنَّ الإمام محمد بن عبد الوهاب خرج على "الدولة العثمانية"، والتحقيق التاريخي يُبطل ذلك:
الحقيقة الأولى: أنَّ نجدَ التي ظهر فيها الإمام لم تكن تحت حكم العثمانيين أصلاً، بل كانت إمارات متناثرة يغلب عليها الفوضى، فاجتمع الإمام مع الإمام محمد بن سعود لإقامة دولة تقيم التوحيد في أرض لم يصلها نفوذ الخلافة العثمانية.
الحقيقة الثانية: الإمام يُصرح في رسائله بوجوب السمع والطاعة لمن استتب له الأمر، ولم يُنقل عنه كلمة واحدة في التحريض على الخلافة في الآفاق، بل كان جُلُّ دعوته في تصحيح العقيدة في إقليمه. (3)
ثَالِثًا: مَنْهَجُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الأَئِمَّةِ
أصلُ السلفِ هو الصبرُ على الظلمِ والجَوْرِ طالما أنَّ الإمام مُسلم، وذلك لـ:
درء المفسدة الكبرى: الخروج يترتب عليه من سفك الدماء وانتهاك الأعراض وضياع الأمن ما هو أعظم بأضعاف من ظلم الحاكم.
السمع في المنشط والمكره: لقوله ﷺ: "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك".
عقيدة الصبر: يُقرر السلف أنَّ جَوْر الأئمة عقوبة من الله للرعية، والعقوبة تُدفع بالتوبة والاستغفار لا بالسيف. (4)
رَابِعًا: آدَابُ النَّصِيحَةِ وَتَفْنِيدُ مَنْهَجِ "المُهَيِّجِينَ"
النصيحة عند السلف لها ضوابط مباينة لمنهج الخوارج:
الإسرار بها: "مَنْ أراد أنْ ينصح لذي سلطان فلا يُبده علانية، وليأخذ بيده وليخلُ به".
حرمة التشهير: ذكر معايب الحكام على المنابر وفي المحافل هو "خروج بالكلمة"، وهو بريد الخروج بالسيف.
الرد على القعدية: المهيجون المعاصرون يتبعون سُنّة "عبد الله بن سبأ" في إثارة الغوغاء باسم "الأمر بالمعروف"، وهم سببُ كل فتنة وضياع هيبة الأمة. (5)
خَامِسًا: تَحْقِيقُ ضَابِطِ الخُرُوجِ عَلَى "الحَاكِمِ الكَافِرِ"
يُقرر أهل السنة أنَّ الخروج لا يجوز إلا بشروط صرامة:
وجود الكفر البواح: الذي فيه من الله برهان (كفر صريح لا يحتمل التأويل).
القدرة والتمكين: فإذا كان الخروج سيؤدي إلى إبادة المسلمين أو مفسدة أعظم، حَرُمَ الخروج قولاً واحداً، ووجب الصبر والإعداد.
تقدير العلماء: المسألة ليست للعوام ولا للمتحمسين، بل لراسخي العلم. (6)
سَادِسًا: أَقْوَالُ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ (تَحْقِيقٌ مُوَسَّعٌ)
الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: رُوي عنه الصبر على الجور ووجوب الطاعة في غير معصية، وكان يرى أنَّ الجماعة هي الأصل. (7)
الإِمَامُ مَالِكٌ: "سِتُّونَ سنةً بإمامٍ جائرٍ خيرٌ من ليلةٍ واحدةٍ بلا إمام".
الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: "أُطِعِ السُّلطانَ فيما كان لله طاعةً، واصبر على ما كرهتَ من أثره".
الإِمَامُ أَحْمَدُ (إِمَامُ الصَّبْرِ): ضُرب وسُجن في "محنة خلق القرآن" ولم يرفع يداً من طاعة، وحرّم الخروج على المأمون والمعتصم رغم دعوتهما للكفر (خلق القرآن) تأولاً، حفاظاً على بيضة الإسلام. (8)
سَابِعًا: عَشَرَةُ آثَارٍ سَلَفِيَّةٍ مُحَقَّقَةٍ فِي الصَّبْرِ عَلَى الجَوْرِ
عمر بن الخطاب: "وإنْ جارَ وإنْ ظلمَ".
ابن عباس: "لا تسبوا أمراءكم؛ فإنهم إنْ عدلوا فلهم الأجر وعليكم الشكر، وإن جاروا فعليهم الوزر وعليكم الصبر".
الحسن البصري: "والله لا يستقيم الدين إلا بولاة الأمر وإن جاروا وظلموا".
أنس بن مالك: "نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله ﷺ ألا تسبوا أمراءكم".
ابن عمر: لما وقعت فتنة الحرة، جمع أهله وأمرهم بلزوم البيعة وحرم الخروج.
حذيفة بن اليمان: في حديث الفتن أمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم.
أبو بكرة الثقفي: "من أكرم سلطان الله أكرمه الله، ومن أهان سلطان الله أهانه الله".
سعيد بن جبير: (بعد توبته من المشاركة في فتنة ابن الأشعث) أكد على لزوم الجماعة.
سفيان الثوري: "عليك بالسمع والطاعة لمن ولاه الله أمرك".
الفضيل بن عياض: "لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان". (9)
-------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) الماوردي. الأحكام السلطانية، ص 5. (أدق تعريف للإمامة العظمى).
(2) ابن تيمية. مجموع الفتاوى، ج 35، ص 12. (في الرد على الخوارج والمعتزلة في مسألة الخروج).
(3) سندي، صالح. شرح رسائل الإمام، ص 260. (تحقيق موقف الإمام التاريخي من الدولة العثمانية).
(4) ابن أبي العز الحنفي. شرح العقيدة الطحاوية، ص 380. (تأصيل الصبر على جور الحكام).
(5) البربهاري. شرح السنة، ص 113. (قاعدة: إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى).
(6) العثيمين. شرح العقيدة الواسطية، ج 2، ص 320. (ضوابط الخروج على الحاكم الكافر).
(7) الطحاوي. العقيدة الطحاوية، ص 45. (إجماع السلف على حرمة الخروج بالسيف).
(8) الخلال. السنة، ص 80. (آثار الإمام أحمد في محنة خلق القرآن وصبره).
(9) ابن رجب. جامع العلوم والحكم، ج 2. (شرح حديث: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة").
(10)د. صالح السندي. دروس في العقيدة، ص 130. (الرد على الخوارج القعدية والمعاصرين).
(11) تعريف "المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ": هو حال الرغبة وحال الكراهية، وفي كلاهما تجب الطاعة.
(12) تعريف "الأَثَرَة": هي استئثار الحاكم بالمال والحقوق دون الرعية، ومع ذلك أمر النبي ﷺ بالصبر.
(13) مذهب المعتزلة في "الأمر بالمعروف": هو أحد أصولهم الخمسة، ويقصدون به "الخروج بالسيف" على الأئمة.
(14) تعريف "البيعة": هي العهد على السمع والطاعة، وهي في عنق كل مسلم لإمامه.
(15) ابن حجر. فتح الباري، ج 13، ص 7. (في شرح أحاديث لزوم الجماعة).
(16) قاعدة: "ظلمُ غَشُومٍ خيرٌ من فتنةٍ تدوم".
(17) تعريف "الغوغاء": هم الرعاع من الناس الذين يتبعون كل ناعق في الفتن دون وعي شرعي.
(18) صحيح مسلم. كتاب الإمارة (باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن).
(19) تعريف "بيضة الإسلام": هي حوزة المسلمين وجماعتهم وسلطانهم.
(20) الإمام مالك. "لا يخرج على الإمام وإن كان جائراً؛ لئلا تقع الفتنة التي هي أعظم من جوره".
----------------------------&
تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الثَّالِثَ عَشَرَ: الإِمَامَةُ وَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ (القِسْمُ الثَّانِي: مَفَاسِدُ الخُرُوجِ وَالرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ)
نَصُّ التَّقْرِيرِ العَقَدِيِّ:
"وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، وَنَرَى أَنَّ الخُرُوجَ عَلَى الأَئِمَّةِ هُوَ مَبْدَأُ كُلِّ شَرٍّ، وَسَبَبُ كُلِّ فِتْنَةٍ، وَبِهِ تُسْفَكُ الدِّمَاءُ، وَتُعَطَّلُ الحُدُودُ، وَيَطْمَعُ فِي المُسْلِمِينَ الأَعْدَاءُ."
أَوَّلاً: الآثَارُ التَّدْمِيرِيَّةُ لِلْخُرُوجِ (تَشْرِيحُ المَفَاسِدِ)
يُقرر أهل السنة أنَّ مفسدة "الخروج" أعظم بكثير من مفسدة "جور الحاكم"، ومن هذه الآثار:
- ضياع الأمن والأمان: الخروج يعني الفوضى، وفي الفوضى يُقتل البريء، ويُسلب المال، ولا يأمن الرجل على أهله في بيته.
- هتك الحرمات واستباحة الدماء: التاريخ يشهد أنَّ كل خروج باسم "الإصلاح" انتهى بمجازر بين المسلمين أنفسهم، مما أضعف قوتهم أمام عدوهم.
- ضياع هيبة الأمة: بتشرذم الكلمة واختلاف الصف، تطمع القوى الخارجية (الأعداء) في بلاد المسلمين، فتسقط الثغور وتُحتل الأوطان.
- تعطيل المصالح العامة: من إقامة الجمعات، والجماعات، والحدود، والحج، والجهاد؛ فكل هذه الشعائر منوطة بوجود الإمام واستقرار أمره. (1)
ثَانِيًا: الرَّدُّ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ البِدَعِ (المُعْتَزِلَةُ وَالخَوَارِجُ)
-
الخَوَارِجُ (أَهْلُ السَّيْفِ وَالتَّكْفِيرِ):
- شبهتهم: اعتمدوا على قوله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، فكفروا الأئمة بالذنوب وخرجوا عليهم.
- الرد: كلمة حق أُريد بها باطل؛ فالحكم لله شرعاً، وللأئمة تنفيذاً وسياسة. والذنوب لا تخرج من الملة عند أهل السنة، والخروج أشد إثماً من المعصية التي أنكروها. (2)
-
المُعْتَزِلَةُ (أَصْحَابُ الأُصُولِ الخَمْسَةِ):
- شبهتهم: جعلوا "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" مسوغاً للخروج بالسيف على الإمام الجائر.
- الرد: أخطأوا في فهم النص؛ فالأمر بالمعروف له درجات، وأعلاها مع السلطان النصيحة باللسان في السر، وليس بالسيف الذي يجرُّ منكراً أعظم من المنكر المراد تغييره. (3)
-
الخَوَارِجُ القَعَدِيَّةُ (المُهَيِّجُونَ):
- شبهتهم: يزعمون أنهم لا يخرجون، ولكنهم يذكرون "المثالب" و"المظالم" لإيغار صدور العامة.
- الرد: هؤلاء أصل كل بلاء، وفعلهم هو "الخروج الفكري" الذي يسبق "الخروج العسكري". والشرع أمر بستر عيب السلطان ونصحه سراً. (4)
ثَالِثًا: تَحْقِيقُ الصَّبْرِ عَلَى الجَوْرِ (أَدِلَّةٌ وَشَوَاهِدُ)
يُؤصل الإمام محمد بن عبد الوهاب أنَّ الصبر ليس ذلاً، بل هو "سياسة شرعية" لحفظ البيضة:
- الدليل النبوي: "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر؛ فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتة جاهلية".
- تحليل الموقف: الصبر يقطع الطريق على الأعداء المتربصين بالدولة، ويمنع نشوء "دولة داخل دولة"، وهو المنهج الذي حفظ للإسلام استمراره رغم تعاقب الحكام الظلمة. (5)
رَابِعًا: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ "الحَاكِمِ الظَّالِمِ لَا طَاعَةَ لَهُ"
- الشبهة: يستدلون بحديث "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
- التحقيق السلفي: نعم، لا يُطاع في المعصية ذاتها (أي إذا أمرك بشرب خمر فلا تشرب)، ولكن لا تزال له "أصل الطاعة" في غير ذلك، ولا يُنزع اليد من ولايته. المعصية جزئية، والولاية كلية، والجزئي لا يهدم الكلي. (6)
خَامِسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكَابِرِ العُلَمَاءِ (تَحْقِيقٌ مُوَسَّعٌ)
- الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: رُوي عنه التشديد في لزوم الجماعة، وأنَّ الإمامة تنعقد بالقهر والغلبة حقناً للدماء.
- الإِمَامُ مَالِكٌ: حذر من الفتن وقال: "حقٌّ على كل مسلم رأى من السلطان ما يكره أن ينصحه، فإن لم يستطع فليصبر". (7)
- الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: "الخروج على الأئمة يفرق الكلمة ويهدم الأمة".
- الإِمَامُ أَحْمَدُ: عندما اجتمع إليه فقهاء بغداد للخروج على الواثق، قال لهم: "عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، وتسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم". (8)
- شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "ما خرج قومٌ على إمامهم إلا كان حالهم بعد الخروج شراً من حالهم قبله". (9)
سَادِسًا: خُلَاصَةُ المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي الأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ
المنهج السلفي هو "منهج البناء لا الهدم"؛ يقوم على:
- تربية الرعية: بالرجوع إلى التوحيد والعبادة (تغيير ما بالأنفس).
- إرشاد الراعي: بالنصيحة الشرعية الصادقة في الخفاء.
- الاعتقاد الجازم: أنَّ الأمن نعمة لا تُقدّر بثمن، وأنَّ الإمام هو "ظِلُّ الله في الأرض" الذي يأوي إليه المظلوم ويأمن به الخائف.
------------------------&
الحَاشِية:
(1) ابن تيمية. السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص 40. (تأصيل مصالح الإمامة).
(2) البغدادي. الفرق بين الفرق، ص 70. (في نشأة الخوارج ومفاسد مذهبهم).
(3) القاضي عبد الجبار. شرح الأصول الخمسة، ص 700. (عرض مذهب المعتزلة في الخروج والرد عليه سلفياً).
(4) صالح سندي. شرح رسائل الإمام، ص 275. (تحقيق خطر الخوارج القعدية في العصر الحديث).
(5) البربهاري. شرح السنة، ص 115. (قاعدة: السلطان هو الجماعة).
(6) العثيمين. مجموع فتاوى ورسائل، ج 25، ص 500. (في الفرق بين الطاعة في المعصية وطاعة ولي الأمر).
(7) ابن عبد البر. التمهيد، ج 23، ص 280. (نقل آثار الإمام مالك في الصبر على الأئمة).
(8) الخلال. السنة، ص 90. (في تفصيل موقف الإمام أحمد من فقهاء بغداد).
(9) ابن تيمية. منهاج السنة النبوية، ج 3، ص 390. (القاعدة التاريخية في فشل حركات الخروج).
(10) آل الشيخ، صالح. شرح رسالة أهل القصيم، ص 240. (بيان علاقة التوحيد بالأمن السياسي).
(11) تعريف "الفِتْنَة": هي اختلاط الأمور بحيث لا يتميز الحق من الباطل، وغالباً ما تبدأ بالخروج.
(12) تعريف "شَقُّ العَصَا": هو تفريق جماعة المسلمين الملتفة حول إمامها.
(13) مذهب ابن عمر في الفتنة: كان يقول: "لا أقاتل في الفتنة، وأصلي خلف من غلب".
(14) تعريف "النَّصِيحَة لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ": هي معاونتهم على الحق، وتنبيههم في رفق، وجمع القلوب عليهم.
(15) ابن حجر. فتح الباري، ج 13، ص 37. (في شرح باب "كيف يكون الأمر إذا لم تكن جماعة").
(16) قاعدة: "الإمام الجائر خيرٌ من الفتنة، والفتنةُ لَا تَبْقَى وَلَا تَذَر".
(17) تعريف "الخُرُوجُ الفِكْرِي": هو زرع الشك في شرعية الحكام وإسقاط هيبتهم في قلوب العامة.
(18) صحيح البخاري. كتاب الفتن (باب قول النبي ﷺ: سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها).
(19) تعريف "التَّأَلُّف": هو كسب قلوب الناس للسلطان طلباً للاستقرار وصيانة للدين.
(20) قاعدة: "حقُّ السلطانِ واجبٌ، وإنْ قَصَّرَ فِي حَقِّكَ".
----------------------------&
تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الثَّالِثَ عَشَرَ: ضَوَابِطُ الجِهَادِ وَمَسَائِلُ الكُفْرِ وَالخُرُوجِ (القِسْمُ الثَّالِثُ: الرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ)
نَصُّ التَّقْرِيرِ العَقَدِيِّ:
"وَالجِهَادُ مَاضٍ مَعَ كُلِّ إِمَامٍ، بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً، إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ، وَهُوَ مَنُوطٌ بِإِذْنِ الإِمَامِ وَقُدْرَةِ أَهْلِ الإِسْلَامِ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ المَفَاهِيمِيُّ وَالأَنْوَاعُ (الحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ)
الجِهَادُ الشَّرْعِيُّ:
لُغَةً: استفراغ الوسع والطاقة.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هُوَ قِتَالُ الكُفَّارِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، أَوْ بَذْلُ الجُهْدِ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ بِالنَّفْسِ أَوِ المَالِ أَوِ اللِّسَانِ، تَحْتَ رَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَبِإِذْنِ وَلِيِّ الأَمْرِ. (1)
جِهَادُ الدَّفْعِ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ قِتَالُ العَدُوِّ المُنْدَفِعِ عَلَى بِلَادِ المُسْلِمِينَ، وَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ.
جِهَادُ الطَّلَبِ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ غَزْوُ الكُفَّارِ فِي بِلَادِهِمْ لِدَعْوَتِهِمْ وَفَتْحِ بِلَادِهِمْ لِلإِسْلَامِ، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ مَنُوطٌ بِقُوَّةِ الدَّوْلَةِ وَقَرَارِ إِمَامِهَا. (2)
ثَانِيًا: ضَوَابِطُ الجِهَادِ بِالطَّرِيقَةِ السَّلَفِيَّةِ (خِلَافاً لِلْخَوَارِجِ)
يُؤصل أهل السنة أنَّ الجهاد ليس "فوضى" بل هو "عبادة" لها شروط:
القدرة والتمكين: الجهاد شُرع لتحصيل مصلحة (إعلاء الدين)، فإذا كان القيام به يؤدي إلى استئصال المسلمين أو ضياع بيضتهم لعدم تكافؤ القوى، سقط وجوبه وصار في حقهم كحال المسلمين في العهد المكي (الصبر والإعداد).
إذن ولي الأمر: الجهاد من صلاحيات الإمام الكبرى، فلا يجوز لآحاد الناس ولا للجماعات المنفلتة إعلان الحرب؛ لأنَّ ذلك يُفسد نظام الأمة ويُعرضها للدمار.
الراية الواضحة: أن يكون الجهاد تحت راية شرعية، لا تحت رايات قومية أو شعارات مجهولة. (3)
ثَالِثًا: تَحْرِيرُ الخُرُوجِ عَلَى "الحَاكِمِ الكَافِرِ" (أَصْلِيّاً أَوْ مُرْتَدّاً)
هذا هو الموطن الذي زلّت فيه أقدام "الخلفيين" و"الحركيين"، وتحقيقه عند السلف:
الحالة الأولى (الحاكم الكافر كفراً أصلياً): كما في البلاد التي لا تدين بالإسلام؛ هؤلاء علاقتهم بالمسلمين تُبنى على (المصلحة والقدرة)، فإذا كان للمسلمين دولة وقدرة على قتالهم قاتلوهم، وإن لم يكن وجب المهادنة والمعاهدة.
الحالة الثانية (الحاكم الذي ثبت كفره وردته بيقين): إذا صدر من الحاكم "كفرٌ بواح" (أي صريح لا تأويل فيه) وقامت عليه الحجة الشرعية من العلماء الراسخين، فالحكم هنا:
شرط القدرة: لا يجوز الخروج عليه لمجرد كفره إلا بوجود (قدرة حقيقية) تُزيله وتأتي بخير منه.
شرط المصلحة: إذا كان الخروج سيؤدي إلى قتال دامٍ يُفني المسلمين أو يأتي بحاكم أشرَّ منه، حَرُمَ الخروج قولاً واحداً، ووجب الصبر والإنكار بالقلب. (4)
عند انعدام القدرة: الواجب هو (الصبر) و(الإعداد) و(الهجرة) إذا تعذر إقامة شعائر الدين، كما هاجر الصحابة إلى الحبشة فراراً بدينهم، وكما أمر الله المستضعفين بالهجرة {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}. (5)
رَابِعًا: الرَّدُّ عَلَى الفَهْمِ الخَارِجِيِّ وَالخَلَفِيِّ لِلْجِهَادِ
الفهم الخارجي: جعلوا الجهاد هو "قتال الحكام" وتكفير المجتمعات، فحولوا السنان إلى نحور المسلمين بدلاً من الكافرين، وهذا هدم للإسلام من داخله.
الفهم الخلفي (الحركي): جعلوا الجهاد "ثورات" و"مظاهرات" و"تهييجاً"، فخلطوا بين السياسة الغربية وبين الجهاد الشرعي، مما أدى لضياع الأمن والدين.
الرد السلفي: الجهاد بناءٌ لا هدم، وهو وسيلة لنشر التوحيد لا لإثارة الفتن وسفك الدماء المعصومة. (6)
خَامِسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ (تَحْقِيقٌ مُوَسَّعٌ)
الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: يرى وجوب الجهاد مع كل إمام، ويُحرم الخروج على السلطان وإن ظلم، ويؤكد على أنَّ الغزو منوط برأي الإمام وتقديره للمصلحة. (7)
الإِمَامُ مَالِكٌ: كان يرى أنَّ الإمام إذا كان كافراً وقدر المسلمون على إزالته بغير مفسدة أعظم فعلوا، وإلا فالصبر. وحذر من "جهاد الفتنة" الذي يضرب المسلمين بعضهم ببعض.
الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: فصل في أحكام الجهاد في (الأم)، وأكد على اشتراط القدرة والراية، وحرم قتال الأئمة في الفتن.
الإِمَامُ أَحْمَدُ: (قاعدة الصبر الكبرى)؛ سُئل عن الخروج على الولاة في الفتنة فقال: "الدماء الدماء! لا أرى ذلك، ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة التي تُسفك فيها الدماء، وتُستباح فيها الأموال، وتُنتهك فيها المحارم". (8)
سَادِسًا: خُلَاصَةُ "صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي" فِي بَابِ الجِهَادِ
يُحقق الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ الخلل في هذا الباب نبع من تقديم "العاطفة" على "العلم"؛ فالجهاد عبادة محكومة بضوابط:
لا جهاد بلا راية.
لا جهاد بلا قدرة.
لا جهاد بلا إذن ولي الأمر (في الطلب).
ويؤكد أنَّ "منهج السلف" هو المنهج الوحيد الذي يحفظ دماء المسلمين ويُعلي كلمتهم في آن واحد، بعيداً عن غلو الخوارج وتفريط المرجئة. (9)
-------------------------&
الحَاشِيَةُ :
(1) ابن تيمية. السياسة الشرعية، ص 60. (تحقيق معنى الجهاد وأنواعه).
(2) ابن القيم. زاد المعاد، ج 3، ص 5. (تفصيل مراتب الجهاد من النفس إلى السنان).
(3) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسائل الإمام، ص 290. (تحقيق ضابط إذن الإمام في الجهاد).
(4) ابن أبي العز الحنفي. شرح العقيدة الطحاوية، ص 390. (ضوابط التعامل مع الكفر البواح).
(5) الشنقيطي، محمد الأمين. أضواء البيان، ج 1، ص 400. (تحقيق مسألة الهجرة عند انعدام القدرة).
(6) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في العقيدة، ص 150. (الرد على الفهم الحركي والخارجي للجهاد).
(7) الطحاوي. العقيدة الطحاوية، ص 50. (إجماع السلف على مضي الجهاد مع الأئمة).
(8) الخلال. السنة، ص 100. (آثار الإمام أحمد في الرد على من أراد الخروج في الفتنة).
(9) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. مقالات في المنهج، ص 75. (تأصيل شروط القدرة والتمكين).
(10) ابن حجر. فتح الباري، ج 6، ص 3. (في شرح أحاديث الجهاد وفضله).
(11) تعريف "الكُفْرُ البَوَاحُ": هو الذي لا شُبهة فيه ولا تأويل، ويكون صريحاً من صاحبه.
(12) مذهب السلف في "الهِجْرَة": هي الانتقال من دار الكفر أو المعصية إلى دار الإسلام أو السنة، وهي باقية ما بقي الكفر.
(13) مقتضى "انعدام القدرة": هو العجز عن التغيير دون وقوع مفسدة أعظم، وحكمه الصبر والتربية.
(14) تعريف "الخُرُوجُ بِالكَلِمَة": هو الخطب والمنشورات التي تحث على إسقاط الأئمة، وهو نوع من الخروج المذموم.
(15) قاعدة: "المصالحُ تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا، وَالمَفَاسِدُ تُدْرَأُ بِحَسْبِ الإِمْكَان".
(16) مذهب ابن تيمية في "قِتَالِ الطَّائِفَةِ المُمْتَنِعَة": يراه واجباً إذا تركت شعيرة ظاهرة، ولكن بضوابط القدرة وإذن الإمام.
(17) تعريف "بَيْضَةُ الإِسْلَام": هي جماعة المسلمين وعزهم ومجتمعهم المستقر.
(18) صحيح البخاري. كتاب الجهاد والسير (باب وجوب النفير وإذن الإمام).
(19) تعريف "الِاسْتِضْعَاف": هو حال المسلم الذي لا يقدر على إظهار دينه أو حماية نفسه، وحكمه معذور بالصبر أو الهجرة.
(20) قاعدة: "لَا جِهَادَ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَلَا قِتَالَ إِلَّا بِتَمْكِين".
--------------------------&
المَبْحَثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَقِيقَةُ الإِيمَانِ وَتَرْكِيبُهُ (القِسْمُ الأَوَّلُ: الأَصْلُ وَالتَّأْصِيلُ)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأَقُولُ: الإِيمَانُ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالجَنَانِ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ، وَهُوَ بضعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً؛ أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (الحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ)
مُفْرَدَةُ الإِيمَانِ (تَحْقِيقٌ لُغَوِيٌّ):
الأَصْلُ: مأخوذ من "الأمن" وهو طمأنينة النفس وزوال الخوف.
تَعْدِيَةُ الكَلِمَةِ: كلمة الإيمان تتعدى بنفسها وتتعدى بـ (الباء) وتتعدى بـ (اللام)؛ فإذا عُديت بـ (الباء) فمعناها "التصديق" كقوله {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ}، وإذا عُديت بـ (اللام) فمعناها "الإقرار والقبول والائتمان" كقوله {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا}.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (لُغَةً): هُوَ التَّصْدِيقُ الجَازِمُ المُقْتَرِنُ بِالإِقْرَارِ وَالأَمْنِ. (1)
الإِيمَانُ (تَحْقِيقٌ شَرْعِيٌّ):
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ قَوْلُ القَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ القَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ، وَأَهْلُهُ فِيهِ مُتَفَاضِلُونَ. (2)
ثَانِيًا: تَرْكِيبُ الإِيمَانِ (لَيْسَ كُتْلَةً وَاحِدَةً)
يُقرر الإمام أنَّ الإيمان "مركبٌ" من خمسة أركان، إذا زال أحدها بالكلية تأثر الإيمان أو زال:
قَوْلُ القَلْبِ: وهو التصديق والمعرفة (أن يعتقد بصدق ما جاء به الرسول ﷺ).
عَمَلُ القَلْبِ: وهو النية والإخلاص والقبول والانقياد (الإقرار).
قَوْلُ اللِّسَانِ: وهو النطق بالشهادتين (شرط لصحة إجراء أحكام الإسلام في الدنيا).
عَمَلُ اللِّسَانِ: وهو كل ما يتقرب به باللسان من ذكر وتلاوة ودعاء.
عَمَلُ الجَوَارِحِ: وهو الصلاة والحج والجهاد وكل حركة بدنية يُتعبد بها. (3)
جَوْهَرُ التَّرْكِيبِ: الإيمان ليس شيئاً واحداً إذا ذهب بعضه ذهب كله (كما تقول المرجئة)، بل هو "شُعبٌ" كما في الحديث، فمنه ما يزول الإيمان بزواله (كأصل التوحيد)، ومنه ما ينقص الإيمان بزواله (كترك الواجبات). (4)
ثَالِثًا: عَشَرَةُ أَقْوَالٍ لِأَعْلَامِ السُّنَّةِ (مُحَقَّقَةٌ وَمُسْنَدَةٌ)
الإِمَامُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (ت 161هـ): "الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص".
الإِمَامُ الأَوْزَاعِيُّ (ت 157هـ): "كان مَن مَضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل؛ فالعمل من الإيمان".
الإِمَامُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ (ت 110هـ): "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل".
الإِمَامُ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ (ت 187هـ): "لا يصح قول إلا بعمل، ولا يصح قول وعمل إلا بنية، ولا يصح قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة".
الإِمَامُ وَكِيعُ بْنُ الجَرَّاحِ (ت 197هـ): "أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة يقولون: الإيمان قول".
الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (ت 204هـ): "كان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنَّ الإيمان قول وعمل ونية، لا يُجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر".
الإِمَامُ ابْنُ المُبَارَكِ (ت 181هـ): "من قال الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقد خرج من الإرجاء كله".
الإِمَامُ الحُمَيْدِيُّ (ت 219هـ): "أُخبرت أنَّ قوماً يقولون الإيمان قول بلا عمل، فقلتُ: هذا كفر صراح".
الإِمَامُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (ت 235هـ): "الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية".
الإِمَامُ البُخَارِيُّ (ت 256هـ): "لقيتُ أكثر من ألف رجل من العلماء في الأمصار، فما رأيتُ أحداً منهم يختلف في أنَّ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص". (5)
رَابِعًا: تَحْقِيقُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالِاسْتِثْنَاءِ
الزِّيَادَةُ: لقوله تعالى: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا}. وتكون بزيادة العمل واليقين.
النُّقْصَانُ: لقوله ﷺ: "ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين"، ونقصانه يكون بالمعصية أو ترك الفضائل.
الِاسْتِثْنَاءُ (أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ):
يفعله أهل السنة "خوفاً من تزكية النفس" أو "باعتبار المآل والخواتيم"، وليس "شكاً في أصل الإيمان".
المرجئة منعوا الاستثناء لأنَّ الإيمان عندهم كتلة واحدة لا تتجزأ. (6)
خَامِسًا: تَفْنِيدُ فِرَقِ الضَّلَالِ فِي مَسَمَّى الإِيمَانِ
الجَهْمِيَّةُ (أَتْبَاعُ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ - القَرْنُ الثَّانِي):
المَقَالَةُ: الإيمان هو "المجرد المعرفة" بالقلب فقط.
الرَّدُّ: لو كان كذلك لكان إبليس وفرعون مؤمنين لأنهما "عَرَفا" صدق الأنبياء في قلوبهما.
المُرْجِئَةُ (الرُّؤُوسُ: جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَقَوْمٌ مِنَ الفُقَهَاءِ):
المَقَالَةُ: الإيمان هو "التصديق" فقط، أو "القول والتصديق"، والعمل ليس ركناً فيه.
الرَّدُّ: النصوص جعلت العمل من صلب الإيمان؛ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي صلاتكم.
الخَوَارِجُ وَالمُعْتَزِلَةُ:
المَقَالَةُ: الإيمان كتلة واحدة، من ذهب بعضه (بارتكاب كبيرة) ذهب كله، فكفره الخوارج وخلده المعتزلة في النار.
الرَّدُّ: الإيمان شُعبٌ ومراتب، والمعصية تُنقص الإيمان ولا تهدم أصله. (7)
------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية. مجموع الفتاوى، ج 7، ص 150.
(أوسع تحقيق لغوي لمادة أمن وإيمان).
(2) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي.
شرح رسالة أهل القصيم، ص 310. (تحقيق الحد السلفي للإيمان).
(3) ابن القيم. مدارج السالكين، ج 1، ص 100.
(في بيان تلازم الظاهر والباطن في الإيمان).
(4) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي.
دروس في العقيدة، ص 180. (في الرد على من زعم أنَّ العمل كمالي وليس ركناً).
(5) اللالكائي. شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ج 4، ص 800. (سياق الآثار المسندة عن الأئمة العشرة وغيرهم).
(6) ابن أبي العز الحنفي. شرح العقيدة الطحاوية، ص 330. (تحقيق مسألة الاستثناء في الإيمان).
(7) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. معالم المنهج، ص 95. (الفرق بين أهل السنة والمرجئة والخوارج في الإيمان).
(8) تعريف "قَوْلُ القَلْبِ": هو تصديقُ الخبَرِ دون شكٍّ.
(9) تعريف "عَمَلُ القَلْبِ": هو حَرَكَةُ القَلْبِ بِالمَحَبَّةِ وَالخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّوَكُّلِ.
(10) ابن حجر. فتح الباري، ج 1، ص 46. (شرح حديث "الإيمان بضع وسبعون شعبة").
(11) تعريف "الجَهْمِيَّةِ الغُلَاةِ": هم الذين يخرجون العمل والقول من مسمى الإيمان، وهم أكفر المرجئة.
(12) تعريف "مُرْجِئَةِ الفُقَهَاءِ": هم الذين يقولون الإيمان قول وتصديق، ولكنهم لا يُكفرون بالذنوب، وخلافهم مع السلف قيل إنه لفظي وقيل بل هو حقيقي ومؤثر.
(13) مذهب السلف في "تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ": الإيمان مراتب؛ (ظالم لنفسه، مقتصد، سابق بالخيرات).
(14) تعريف "الِانْقِيَادِ": هو قبول الحكم الشرعي والرضا به والعمل بمقتضاه.
(15) البربهاري. شرح السنة، ص 120. "والإيمان قول وعمل، ونية وإصابة، يزيد وينقص".
(16) قاعدة: "الظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ مُتَلَازِمَانِ؛ إِذَا صَلَحَ البَاطِنُ صَلَحَ الظَّاهِرُ".
(17) تعريف "شُعَبِ الإِيمَانِ": هي أجزاء الإيمان وخصاله المتعددة.
(18) صحيح البخاري. كتاب الإيمان (باب زيادة الإيمان ونقصانه).
(19) تعريف "الِاسْتِثْنَاءُ فِي الإِيمَانِ": هو قول "أنا مؤمن إن شاء الله" وهو سنة السلف.
(20) قاعدة: "أصلُ الإيمانِ واحدٌ، وَأَهْلُهُ فِي فُرُوعِهِ وَشُعَبِهِ مُتَفَاضِلُونَ".
-------------------------&
تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَقِيقَةُ الإِيمَانِ وَتَرْكِيبُهُ (القِسْمُ الثَّانِي: مَرَاتِبُ الإِيمَانِ وَنَقْضُ المَقَالَاتِ)
نَصُّ التَّقْرِيرِ العَقَدِيِّ:
"الإِيمَانُ لَيْسَ جُزْءاً وَاحِداً لَا يَتَبَعَّضُ، بَلْ هُوَ شُعَبٌ وَمَرَاتِبُ؛ مِنْهَا مَا يَزُولُ الإِيمَانُ بِزَوَالِهِ، وَمِنْهَا مَا يَنْقُصُ بِذَهَابِهِ، وَالخِلَافُ مَعَ المُرْجِئَةِ لَيْسَ لَفْظِيّاً بَلْ هُوَ حَقِيقِيٌّ يَمَسُّ أَصْلَ الدِّينِ."
أَوَّلاً: تَحْرِيرُ مَرَاتِبِ الإِيمَانِ (الثَّلَاثِيَّةُ السُّنِّيَّةُ)
يُقسم أهل السنة والجماعة الإيمان إلى ثلاث مراتب ضرورية للفهم والتحقيق:
أَصْلُ الإِيمَانِ (القَدْرُ المُجْزِئُ):
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ مَا لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ إِلَّا بِهِ، وَبِزَوَالِهِ يَخْرُجُ العَبْدُ مِنَ المِلَّةِ.
مُكَوِّنَاتُهُ: تصديق القلب، وإقراره، وقول اللسان (الشهادتان)، وجنس عمل الجوارح (على الصحيح من أقوال السلف أنَّ الإيمان لا يصح بلا عمل أصلاً). (1)
كَمَالُ الإِيمَانِ الوَاجِبُ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ أَدَاءُ الوَاجِبَاتِ وَتَرْكُ المُحَرَّمَاتِ.
أَثَرُهُ: مَنْ فَعَلَ الحَرَامَ أَوْ تَرَكَ وَاجِباً نَقَصَ إِيمَانُهُ الواجبُ، وَاسْتَحَقَّ الوعيدَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ المِلَّةِ (كفعلِ الزنى أو السرقة). (2)
كَمَالُ الإِيمَانِ المُسْتَحَبُّ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ التَّقَرُّبُ بِالنَّوَافِلِ وَتَرْكُ المَكْرُوهَاتِ وَالمُشْتَبِهَاتِ.
أَثَرُهُ: هِيَ مَرْتَبَةُ "السَّابِقِينَ بِالخَيْرَاتِ"، وَبِهَا تَعْلُو دَرَجَاتُ العَبْدِ فِي الجَنَّةِ. (3)
ثَانِيًا: الرَّدُّ المُفَصَّلُ عَلَى مَقَالَاتِ الفِرَقِ فِي الإِيمَانِ
الجَهْمِيَّةُ (مُرْجِئَةُ الجَهْمِ):
المَقَالَةُ: الإيمان هو "المعرفة" فقط.
الرَّدُّ: المعرفة وحدها لا تكفي؛ ففرعون كان "يعرف" صدق موسى {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}، وإبليس "يعرف" ربه وخاطبه، ومع ذلك هما كافران بالإجماع لعدم الانقياد والقبول.
الرَّافِضَةُ وَالآخَرُونَ فِي "الإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ":
المَقَالَةُ: الإيمان قول اللسان فقط (وهي مقالة شاذة لبعض الكرامية).
الرَّدُّ: المنافقون قالوا بألسنتهم {آمَنَّا}، ومع ذلك كذبهم الله {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}؛ لأنَّ الإيمان بلا تصديق قلبٍ هو "نفاق". (4)
الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ (مُرْجِئَةُ المُتَكَلِّمِينَ):
المَقَالَةُ: الإيمان هو "التصديق" القلبي فقط، والعمل والقول خارجان عن مسمى الإيمان، وإنما هما ثمار أو لوازم.
الرَّدُّ: حصر الإيمان في "التصديق" هو قول جهم بلفظ آخر؛ لأنَّ التصديق لا يُفَرِّقُ بين المؤمن والمستكبر. والشرع سمى الأعمال "إيماناً" في نصوص لا حصر لها، كحديث الشعب الـ77. (5)
المُرْجِئَةُ (مُرْجِئَةُ الفُقَهَاءِ):
المَقَالَةُ: الإيمان قول وتصديق، والعمل ليس منه.
الرَّدُّ: هذا يُؤدي إلى القول بأنَّ إيمان أفجر الناس كإيمان جبريل والأنبياء؛ لأنهم استووا في التصديق، وهذا باطلٌ عقلاً وشرعاً. (6)
الخَوَارِجُ وَالمُعْتَزِلَةُ (أَهْلُ الوَعِيدِ):
المَقَالَةُ: الإيمان كتلة واحدة، والعمل ركنٌ فيه بِمَعْنَى أنَّ فوات (بعض العمل) كالكبيرة يُسقط الإيمان كله.
الرَّدُّ: خلطتم بين "أصل الإيمان" و"كماله الواجب"؛ فالمعصية تنقض الكمال ولا تهدم الأصل، بدليل أنَّ الله سمى القاتل "أخاً" لولي الدم {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}، فبقي له وصف الإيمان مع الكبيرة. (7)
ثَالِثًا: جَوْهَرُ الرَّدِّ (تَلَازُمُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ)
يُقرر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ الخلاف مع المرجئة حقيقي وليس لفظياً لسببين:
نفي التلازم: المرجئة يزعمون أنَّ القلب قد يكون ممتلئاً بالإيمان الكامل مع ترك الجوارح للعمل بالكلية، وهذا مستحيل شرعاً وعقلاً؛ فالباطن والظاهر متلازمان، إذا تحرك القلب بالمحبة انقادت الجوارح بالعمل حتماً.
فتح باب الزندقة: قول المرجئة بأنَّ المعصية لا تضر مع الإيمان فتح الباب للفساق لترك الواجبات اتكالاً على "تصديق القلب". (8)
رَابِعًا: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "الِاسْتِثْنَاءِ" (الرَّدُّ عَلَى مَنْ جَعَلَهَا شَكّاً)
الأشاعرة والمرجئة: حرموا قول "أنا مؤمن إن شاء الله" واعتبروه شكاً في الحال.
أهل السنة: أوجبوه أو استحبوه باعتبارين:
عدم تزكية النفس: لأن الإيمان المطلق يشمل فعل المأمورات وترك المحظورات، ومن ادعى ذلك لنفسه فقد زكاها.
باعتبار المآل: أي "أنا مؤمن إن شاء الله" فيما يختم الله لي به. (9)
خَامِسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ فِي تَكْذِيبِ المُرْجِئَةِ
الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: رغم نسبته للإرجاء (إرجاء الفقهاء)، إلا أنه كان يُعظم العمل ويُثبت الوعيد لأهل الكبائر، وخلافه مع السلف كان في "دخول العمل في المسمى" لا في "وجوب العمل".
الإِمَامُ مَالِكٌ: سُئل عن المرجئة فقال: "أرأيت إن قال إني مؤمن بالله ولا أصلي؟ قال: هذا كفرٌ صراح".
الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: "حبسني بعض المرجئة يوماً، فأردتُ أن أقول له: الإيمان قول وعمل، لولا العمل لم ينفع القول". (10)
الإِمَامُ أَحْمَدُ: "المرجئة تقول الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، والزيادة والنقصان ردٌّ عليهم، والاستثناء ردٌّ عليهم".
--------------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية. مجموع الفتاوى، ج 7، ص 630. (تحقيق "جنس العمل" وعلاقته بأصل الإيمان).
(2) ابن القيم. الصلاة وحكم تاركها، ص 50. (في تفصيل مراتب الإيمان الواجب والناقص).
(3) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 325. (بيان كمال الإيمان المستحب).
(4) السفاريني. لوامع الأنوار، ج 2، ص 400. (الرد على الكرامية في مسمى الإيمان).
(5) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في العقيدة، ص 200. (نقض مذهب الأشاعرة في "التصديق").
(6) ابن أبي العز الحنفي. شرح العقيدة الطحاوية، ص 340. (الخلاف بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة).
(7) البغدادي. الفرق بين الفرق، ص 95. (عرض مقالات الخوارج والمعتزلة في الإيمان).
(8) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. معالم المنهج، ص 110. (تأصيل تلازم الظاهر والباطن).
(9) الخلال. السنة، ص 150. (آثار الصحابة والتابعين في الاستثناء).
(10) اللالكائي. شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ج 5، ص 900. (آثار الأئمة في الرد على المرجئة).
(11) تعريف "التَّصْدِيقُ": هو قبولُ القلبِ للخبرِ، وهو عند المرجئة حقيقةُ الإيمانِ الوحيدة.
(12) تعريف "الِانْقِيَادُ": هو عملُ القلبِ بالخضوعِ للأمرِ، وهو ما نفاهُ المرجئةُ عن مسمى الإيمان.
(13) مذهب الكرامية: هم أتباع محمد بن كرام، زعموا أنَّ الإيمان هو القول وإن كان القلب كافراً (وهذا مذهب المنافقين).
(14) تعريف "كَمَالُ الإِيمَانِ": هو ما زاد على الأصل، وينقسم لواجب ومستحب.
(15) قاعدة: "كُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِناً"؛ عند التفريق بين المسميين.
(16) مذهب الماتريدية: يوافقون الأشاعرة في أنَّ الإيمان هو التصديق، ويزيد بعضهم "الإقرار باللسان".
(17) تعريف "الوَعِيدِيَّة": هم الخوارج والمعتزلة الذين غلّبوا نصوص الوعيد وكفروا بالذنوب.
(18) صحيح مسلم. كتاب الإيمان (باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي).
(19) تعريف "جِنْسُ العَمَل": هو أصلُ وجودِ العملِ في الجوارحِ، وبدونه لا يصحُّ إيمانُ القلبِ عند المحققين.
(20) قاعدة: "الخِلَافُ مَعَ مُرْجِئَةِ الفُقَهَاءِ خِلَافٌ فِي الهُوِيَّةِ وَالمُسَمَّى، لَا فِي الحُكْمِ فَقَطْ".
-----------------------------------&
تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَقِيقَةُ الإِيمَانِ وَتَرْكِيبُهُ (القِسْمُ الثَّالِثُ: التَّحْقِيقُ المَعَاصِرُ وَفَصْلُ المَقَالِ)
نَصُّ التَّقْرِيرِ العَقَدِيِّ:
"الإِيمَانُ شُجَرَةٌ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، لَا يَصِحُّ ظَاهِرُهَا إِلَّا بِبَاطِنِهَا، وَلَا يَنْفَعُ بَاطِنُهَا إِلَّا بِظَاهِرِهَا، وَأَهْلُهُ فِيهِ مُتَفَاضِلُونَ بِحَسْبِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ اليَقِينِ وَمَا عَلَى جَوَارِحِهِمْ مِنَ العَمَلِ."
أَوَّلاً: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "تَرْكِ العَمَلِ" (التَّفْصِيلُ السَّلَفِيُّ لَا الخَلَفِيُّ)
يُبين المحققون كـ الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ الخلل في فهم "ترك العمل" نبع من عدم التفريق بين "عمل القلب" و"عمل الجوارح":
عَمَلُ القَلْبِ (الرُّكْنُ الرَّكِينُ):
القاعدة: لا إيمان لمن لا عمل قلب له.
التفصيل: عمل القلب هو (النية، الإخلاص، المحبة، الانقياد). هذا العمل إذا زال بالكلية، زال الإيمان قولاً واحداً؛ لأنَّ التصديق المجرد (المعرفة) لا ينفع صاحبه كما لم ينفع إبليس. فمن زعم أنه "مصدق" وهو لا يحب الله ولا يخشاه ولا ينقاد له، فهو كافر إجماعاً. (1)
عَمَلُ الجَوَارِحِ (تَلَازُمُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ):
التحقيق السلفي: يقرر الشيخ ابن عثيمين والشيخ صالح الفوزان أنَّ الظاهر والباطن متلازمان. فمن الممتنع شرعاً وعقلاً أن يكون القلب ممتلئاً بالإيمان والعمل القلبي، ثم لا يظهر من ذلك "جنس عمل" على الجوارح (كالصلاة أو الشهادتين).
رد الشبهة: مَن ترك العمل بالكلية (جنس العمل) مع القدرة وعدم المانع، فهذا دليل على خلو قلبه من "عمل القلب" الواجب، فتكفيره ليس لمجرد ترك الجوارح، بل لزوال تلازم الباطن. (2)
ثَانِيًا: كَيْفِيَّةُ التَّفَاوُتِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ (تَحْقِيقُ الأَئِمَّةِ)
يُقرر الشيخ صالح آل الشيخ أنَّ التفاوت في الإيمان يقع من ثلاثة أوجه:
التفاوت في التصديق (قول القلب): فليس تصديق من علم بالخبر كمن عاينه (ليس الخبر كالمعاينة). فإيمان الصديقين في قوة يقينهم أعظم من إيمان آحاد المسلمين.
التفاوت في عمل القلب: تفاوت الناس في المحبة، والخوف، والرجاء، والإخلاص تفاوتٌ عظيم لا يحيط به إلا الله.
التفاوت في عمل الجوارح: تفاوتهم في كثرة الصلاة، والذكر، والصدقة، وهذا مجمع عليه. (3)
ثَالِثًا: الرَّدُّ النِّهَائِيُّ عَلَى مَنْ جَعَلَ الإِيمَانَ "كُتْلَةً وَاحِدَةً"
هذا الرد موجه لقطبي الضلال (الخوارج والمرجئة):
الرد على الخوارج: زعموا أنه كتلة واحدة إذا ذهب بعضه (بالكبيرة) ذهب كله. ونرد عليهم بأنَّ النبي ﷺ أثبت خروج مَن في قلبه "أدنى مثقال ذرة من إيمان" من النار، فدل على أنَّ الإيمان يتبعض ويبقى أصله مع زوال كماله.
الرد على المرجئة: زعموا أنه كتلة واحدة لا تتبعض ولا تزيد ولا تنقص. ونرد عليهم بصريح القرآن {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}، فإثبات الزيادة يقتضي تفاوت الأجزاء والقطع بفساد قول "الكتلة الواحدة". (4)
رَابِعًا: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "الِاسْتِثْنَاءِ" عِنْدَ المُعَاصِرِينَ
يُحرر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ الاستثناء (أنا مؤمن إن شاء الله) له ثلاثة أحكام:
الوجوب: إذا قُصد به عدم تزكية النفس بالإيمان الكامل الشامل لكل المأمورات.
الجواز: إذا قُصد به التبرك بذكر مشيئة الله، أو التعليق على المآل (الخاتمة).
المنع: إذا قُصد به "الشك" في أصل تصديقه ويقينه الحالي، فهذا لا يجوز؛ لأن الإيمان يقين. (5)
خَامِسًا: أَقْوَالُ أَعْلَامِ العَصْرِ (تَحْقِيقٌ مُوَسَّعٌ)
الإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِين (ت 1421هـ):
أصلُ القول عنده أنَّ الإيمان يزيد وينقص حقيقةً، وأنَّ العمل من حقيقة الإيمان، وكان يُشدد على أنَّ تلازم الباطن والظاهر يمنع وجود مؤمن صادق لا يعمل خيراً قط. (6)
الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:
يُقرر أنَّ المرجئة المعاصرين شرٌّ من المرجئة الأولين؛ لأنهم جعلوا الأعمال "شرط كمال" فقط، ويؤكد أنَّ العمل ركنٌ في مسمى الإيمان، وبطلان الإيمان بترك العمل الكلي. (7)
الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخ:
يُفصل في "شُعب الإيمان" ويُبين أنَّ منها ما يزول الإيمان بزواله (كالشعبة الأصلية: الشهادتين)، ومنها ما يزول الإيمان الواجب بزواله (كالواجبات).
الأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
يُحقق في دروسه أنَّ "عمل القلب" هو المحرك، وأنَّ الإيمان ليس مجرد "سكون" بل هو "حركة وانقياد". ويُفند شبهات من زعموا أنَّ الخلاف مع المرجئة لفظي، مبيناً الآثار الخطيرة لهذا القول على التكليف والديانة. (8)
سَادِسًا: خُلَاصَةُ التَّحْقِيقِ فِي "تَفَاوُطِ عَمَلِ القَلْبِ"
عمل القلب ليس درجة واحدة، بل هو بحرٌ لجي:
اليقين: منه "علم اليقين"، و"عين اليقين"، و"حق اليقين".
الإخلاص: يتفاوت الناس فيه بحسب تجريد القصد لله.
الزيادة والنقصان في الأصل: يرى المحققون أنَّ أصل عمل القلب (القبول والانقياد) يقبل القوة والضعف، فكلما قوي الانقياد في القلب، عظمت ثمرته على الجوارح. (9)
----------------&
الحَاشِيَةُ
(1) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 340. (تحقيق منزلة عمل القلب).
(2) ابن عثيمين. شرح العقيدة الواسطية، ج 2، ص 110. (تأصيل تلازم الظاهر والباطن).
(3) صالح آل الشيخ. شرح الطحاوية، ج 2، ص 150. (أوجه تفاوت أهل الإيمان).
(4) الفوزان، صالح. تعليقات على "فتح المجيد"، ص 200. (الرد على أصحاب الكتلة الواحدة).
(5) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في العقيدة، ص 215. (تفصيل أحكام الاستثناء).
(6) ابن عثيمين. مجموع الفتاوى، ج 1، ص 50. (في رد شبهات المرجئة المعاصرين).
(7) الفوزان، صالح. أسئلة وأجوبة في مسائل الإيمان، ص 30. (في بيان ركنية العمل).
(8) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. معالم المنهج، ص 140. (تحرير الخلاف الحقيقي مع المرجئة).
(9) ابن تيمية. مجموع الفتاوى، ج 7، ص 200. (في تفاوت أعمال القلوب وقوتها).
(10) تعريف "جِنْسُ العَمَلِ": هو مسمى العمل الذي لا يخلو منه مؤمن، وبدونه يكون الادعاء بالقلب كاذباً.
(11) تعريف "تَرْكُ العَمَلِ بِالكُلِّيَّةِ": هو ألا يسجد لله سجدة، ولا ينطق بشهادة، ولا يفعل خيراً مع القدرة؛ وهذا لا يكون مؤمناً.
(12) مذهب السلف في "العَمَلِ القَلْبِي": هو محرك الجوارح، وبدونه لا قيمة للتصديق البارد.
(13) تعريف "الزِّيَادَةُ العَيْنِيَّةُ": هي زيادة في جوهر الإيمان ويقينه في القلب.
(14) تعريف "الزِّيَادَةُ الحُكْمِيَّةُ": هي زيادة الإيمان بزيادة الأعمال الصالحة التابعة له.
(15) قاعدة: "مَن لَم يُكفّر بترك العمل القلبي؛ فهو جهمي، ومَن زعم أنَّ الجوارح تعمل بلا قلب؛ فهو كرامي".
(16) مذهب ابن عثيمين في "تارك الصلاة": يراه كافراً كفراً مخرجاً من الملة، وهو تطبيق عملي لركنية العمل.
(17) تعريف "شُعَبُ الكُفْرِ": كما أنَّ للإيمان شعباً، فللكفر شعب، ولا يخرج من الملة إلا بزوال أصل الإيمان.
(18) صحيح البخاري. كتاب الإيمان (باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال).
(19) تعريف "الإِيمَانُ المُطْلَقُ": هو الإيمان الكامل الذي لم يشبْه عصيان.
(20) قاعدة: "أصلُ الإيمانِ ثَابتٌ، وَفرعُهُ نَابِتٌ، وَثمرتُهُ العملُ الصَّالحُ".
------------------------&
المَبْحَثُ الخَامِسَ عَشَرَ: الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ (الأُصُولُ وَالضَّوَابِطُ الشَّرْعِيَّةُ)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأَرَى وُجُوبَ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ المُحَمَّدِيَّةُ، مَعَ لُزُومِ الجَمَاعَةِ وَتَرْكِ الفُرْقَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ سَبَباً فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ أَوْ فَسَادِ الأُمَّةِ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (الحُدُودُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ)
المَعْرُوفُ:
لُغَةً: مأخوذ من العرف، وهو ما سكنت إليه النفس وعرفُه العقل والشرع.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هُوَ كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَاعْتَرَفَ بِهِ الشَّرْعُ أَمْراً وَنَدْباً، وَأَعْلَاهُ التَّوْحِيدُ. (1)
المُنْكَرُ:
لُغَةً: مأخوذ من الإنكار، وهو ضِدُّ العرف.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هُوَ كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْكَرَهُ الشَّرْعُ تَحْرِيماً وَكَرَاهَةً، وَأَقْبَحُهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ. (2)
الحِسْبَةُ:
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هِيَ وَظِيفَةٌ دِينِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى بَذْلِ الجُهْدِ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ، طَلَباً لِلثَّوَابِ وَصِيَانَةً لِلمُجْتَمَعِ. (3)
ثَانِيًا: المَنْهَجُ السَّلَفِيُّ فِي الاحْتِسَابِ (الرُّؤْيَةُ الكُلِّيَّةُ)
يُقرر الأئمة الأربعة أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو "القطب الأعظم" في الدين، وبه كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس. ولكنَّ السلف ميزوا بين "الاحتساب الشرعي" وبين "الفوضى"، وتتلخص رؤيتهم فيما يلي:
الغَرَضُ مِنَ الإِنْكَارِ: ليس مجرد إزالة المنكر، بل "تحقيق المصلحة الكبرى"؛ فإذا كان الإنكار سيؤدي إلى منكر أعظم منه، سقط وجوبه وصار محرماً.
الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ:
المُعْتَزِلَةُ وَالخَوَارِجُ: جعلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلةً للخروج على الأئمة وسفك الدماء.
المُرْجِئَةُ: مَيَّعوا هذا الأصل وتركوا الإنكار بدعوى "سلامة القلوب" أو "عدم الحكم على الناس".
أَهْلُ السُّنَّةِ: توسطوا، فأنكروا المنكر بضوابطه، وحفظوا هيبة السلطان، وحرموا الخروج. (4)
ثَالِثًا: مَرَاتِبُ الإِنْكَارِ وَضَوَابِطُهَا (تَحْقِيقُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِين)
يُحرر الإمام ابن عثيمين (رحمه الله) أنَّ الإنكار مراتب بحسب الاستطاعة:
الإِنْكَارُ بِاليَدِ: وهو وظيفة السلطان ومن ينيبه (كالحسبة والشرطة)، أو الرجل في بيته تحت ولايته؛ ولا يجوز لآحاد الرعية التغيير باليد في الشوارع لأن ذلك يفتح باب الفتنة.
الإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ: وهو وظيفة العلماء والدعاة ببيان الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، والستر على المسلمين.
الإِنْكَارُ بِالقَلْبِ: وهو "فرض عين" على كل مسلم لا يسقط أبداً، ومعناه بغض المنكر وتمني زواله ومفارقة مكانه. (5)
رَابِعًا: شُرُوطُ المُحْتَسِبِ (تَحْقِيقُ الشَّيْخِ صَالِحِ الفَوْزَان)
يُبين المعالي الشيخ صالح الفوزان أنَّ القائم بهذا الأمر يجب أن تتوفر فيه ثلاثة شروط:
العِلْمُ: أن يعلم أنَّ ما يأمر به معروفٌ، وما ينهى عنه منكرٌ (بالمعنى الشرعي لا بالهوى).
الرِّفْقُ: أن يرفق في أمره ونهيه، فما كان الرفق في شيء إلا زانه.
الصَّبْرُ: أن يصبر على ما يصيبه من أذى، مقتدياً بوصية لقمان لابنه {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ}. (6)
خَامِسًا: الضَّوَابِطُ الشَّرْعِيَّةُ لِإِنْكَارِ المُنْكَرِ (تَحْقِيقُ الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ صَالِحٍ سِنْدِي)
يُقعد الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي (حفظه الله) مسألة "الموازنة بين المصالح والمفاسد" في الإنكار، مبيناً أنَّ إنكار المنكر له أربع حالات:
أن يزول المنكر ويخلفه "معروف": (وهذا مشروع).
أن يقل المنكر وإن لم يزل بالكلية: (وهذا مشروع).
أن يخلف المنكرَ "منكرٌ مثله": (وهذا موضع اجتهاد).
أن يخلف المنكرَ "منكرٌ أعظم منه": (وهذا محرم إجماعاً).
القاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإسقاط هيبة الدولة أو إثارة الفتن تحت ستار "الإنكار" هو منكرٌ أعظم من المعاصي التي يُراد تغييرها. (7)
سَادِسًا: التَّحْقِيقُ فِي "الإنْكَارِ عَلَى الوُلَاةِ" (رُؤْيَةُ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ)
يُحرر المعالي الشيخ صالح آل الشيخ الفرق بين "النصيحة" و"الإنكار العلني":
المنهج السلفي: الإنكار على السلطان يكون سراً، وبأدب، ومن غير تهييج للعامة؛ لأنَّ المقصود هو "الإصلاح" لا "الفضيحة" أو "إسقاط الهيبة".
التحذير: إنكار المنكر علانية على المنابر وفي المجالس العامة فيما يخص الحكام هو "طريقة الخوارج" ومبدأ الثورات والفتن. (8)
سَابِعًا: خُلَاصَةُ المَبْحَثِ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند السلف هو "رحمةٌ بالخلق":
نأمر بالتوحيد قبل الفروع.
ننهى عن الشرك قبل المعاصي.
نلتزم بالحكمة؛ فلا نُزيل معصيةً ببدعة، ولا نُصلح بيتاً بهدم دولة.
نعتقد أنَّ استقامة المجتمع تبدأ من استقامة العقيدة وتصحيح العبادة.
-------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية. الاستقامة، ج 2، ص 190. (تحقيق معنى المعروف والمنكر).
(2) ابن القيم. إعلام الموقعين، ج 3، ص 4. (قاعدة تغير الأحكام بغير المصلحة).
(3) الشوكاني. نيل الأوطار، ج 8، ص 300. (تعريف الحسبة ووظيفتها).
(4) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 360. (تحقيق وسطية أهل السنة في الاحتساب).
(5) ابن عثيمين. شرح رياض الصالحين، ج 1، ص 450. (شرح حديث: مَن رأى منكم منكراً).
(6) الفوزان، صالح. الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، ص 310. (شروط الآمر والناهي).
(7) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في العقيدة، ص 240. (تأصيل موازنة المصالح والمفاسد في الإنكار).
(8) صالح آل الشيخ. شرح العقيدة الطحاوية، ج 2، ص 280. (ضوابط الإنكار على ولاة الأمر).
(9) ابن رجب. جامع العلوم والحكم، ج 2. (شرح حديث "الدين النصيحة").
(10) الغزالي. إحياء علوم الدين، كتاب الأمر بالمعروف (مع التنقيح السلفي للضوابط).
(11) تعريف "المُنْكَرُ الظَّاهِرُ": هو ما لا يحتاج إلى تجسس، فالشرع نهى عن التجسس {وَلَا تَجَسَّسُوا}.
(12) مذهب الإمام أحمد: كان يرى الإنكار بالرفق، ويقول: "الناس يحتاجون إلى مداراة ورفق، فمن رفق بهم نال مراده".
(13) تعريف "تَهْيِيجُ العَامَّةِ": هو ذكر العيوب لإثارة الصدور، وهو أصل الفتن السياسية.
(14) قاعدة: "لَا يُنْكَرُ المُنْكَرُ بِمُنْكَرٍ آخَرَ".
(15) ابن حجر. فتح الباري، ج 13، ص 35. (في شرح أحاديث الفتن والإنكار).
(16) تعريف "الرِّفْقُ": هو لين الجانب بالقول والفعل، وهو مفتاح القبول في الدعوة.
(17) مذهب الشافعي: "مَن وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومَن وعظه علانية فقد فضحه وشانه".
(18) صحيح مسلم. كتاب الإيمان (باب وجوب الإنكار على الأئمة بالقلب عند العجز).
(19) تعريف "الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى": هو احتمال جفاء المدعو وسوء خلقه طلباً للأجر.
(20) قاعدة: "الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ مَعْرُوفٌ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ لَا يَكُونُ مُنْكَراً".
------------------------&
المَبْحَثُ السَّادِسَ عَشَرَ: هَجْرُ أَهْلِ البِدَعِ وَمُبَاينَتُهُمْ (القِسْمُ الأَوَّلُ: مَاهِيَّةُ البِدْعَةِ وَأَحْكَامُهَا)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأَرَى كَفَّ اللِّسَانِ عَنْ أَهْلِ البِدَعِ، وَمُبَاينَتَهُمْ، وَتَرْكَ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُصَاحَبَتِهِمْ، وَأَنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ فِي الدِّينِ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (تَفْنِيدُ المُفْرَدَاتِ)
البِدْعَةُ (فِي اللُّغَةِ):
الأَصْلُ: مأخوذة من "بَدَعَ"، وهو اختراع الشيء وإنشاؤه على غير مثال سابق.
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هِيَ كُلُّ جَدِيدٍ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}. (1)
البِدْعَةُ (فِي الشَّرْعِ):
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هِيَ طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا المُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعَالَى. (هذا الحدُّ يخرج البدع الدنيوية، ويحصر البدعة في التعبد). (2)
المُحْدَثَةُ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هِيَ مَا أُوجِدَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ شَرْعِيٍّ سَابِقٍ بَعْدَ كَمَالِ الدِّينِ.
الرَّابِطُ بَيْنَهُمَا: كل "محدثة" في الدين هي "بدعة" شرعية بالضرورة، فالمحدثة هي الفعل من حيث زمن وقوعه، والبدعة هي الوصف من حيث مخالفته للأصل. (3)
الهَجْرُ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هُوَ التَّرْكُ وَالقَطِيعَةُ، وَشَرْعاً هُوَ كَفُّ النَّفْسِ عَنِ المُبْتَدِعِ زَجْراً لَهُ وَصِيَانَةً لِلدِّينِ.
ثَانِيًا: تَقْسِيمُ البِدْعَةِ (نَقْضُ قَوْلِ البِدْعَةِ الحَسَنَةِ)
يُقرر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ تقسيم البدعة إلى "حسنة" و"سيئة" في الدين هو تقسيم باطل شرعاً ومصادم لقوله ﷺ: "كل بدعة ضلالة". والتفصيل السلفي هو:
البِدْعَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ:
الأصل فيها: الإباحة؛ كالمخترعات والتقنيات (السيارات، الهواتف).
القاعدة: لا يُقال لهذه بدعة شرعية، بل هي بدعة لغوية مباحة إلا إذا استُخدمت في محرم.
البِدْعَةُ الدِّينِيَّةُ:
الأصل فيها: الحظر والمنع؛ لقوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
القاعدة: كل بدعة في الدين هي "ضلالة" بلا استثناء، وقول بعضهم "بدعة حسنة" إنما يقصدون البدعة اللغوية (كجمع عمر الناس على التراويح) وهي في الأصل سنة شرعية لها أصل. (4)
ثَالِثًا: أَنْوَاعُ البِدَعِ (الحَقِيقِيَّةُ وَالإِضَافِيَّةُ)
يُفصل الشيخ ابن عثيمين (رحمه الله) في أنواع البدع من حيث التصنيف العلمي:
البِدْعَةُ الحَقِيقِيَّةُ:
هي التي ليس لها أصل في الشرع مطلقاً، لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع (كبناء القباب على القبور أو الموالد).
البِدْعَةُ الإِضَافِيَّةُ:
هي التي لها أصل في الشرع من وجه، ولكنها تخالفه من وجه آخر؛ كالأذكار الجماعية (أصل الذكر مشروع، ولكن صفة "الجماعية" والتوقيت والعدد مخترع). (5)
رَابِعًا: شُرُوطُ وَأَوْجُهُ المُخَالَفَةِ فِي البِدْعَةِ (الضَّوَابِطُ السِّتَّةُ)
يُقرر المعالي الشيخ صالح الفوزان أنَّ العبادة لا تكون سُنّةً إلا إذا وافقت الشرع في ستة أوجه، فإن خالفت في أحدها فهي بدعة:
السَّبَبُ: أن يتعبد لله بعبادة لسبب لم يجعله الشرع سبباً (كإحياء ليلة الرغائب).
الجِنْسُ: أن يتعبد بجنس لم يشرعه الله (كالتضحية بغير بهيمة الأنعام).
القَدْرُ: الزيادة في أعداد الصلاة أو الأذكار المحددة.
الكَيْفِيَّةُ: اختراع صفة للعبادة لم ترد (كالوضوء منكساً).
الزَّمَانُ: تخصيص وقت للعبادة لم يخصصه الشرع (كصيام يوم النصف من شعبان لذاته).
المَكَانُ: تخصيص مكان للعبادة لم يرد فيه فضل (كالتمسح بجدران المساجد غير الحرمين). (6)
خَامِسًا: أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنِ البِدَعِ (تَخْرِيجٌ وَتَوَسُّعٌ)
الحديث الأول: "كل بدعة ضلالة" (أخرجه مسلم من حديث جابر، وأبو داود من حديث العرباض).
التحقيق: "كل" من صيغ العموم، فتعم كل بدعة في الدين، مما يُبطل تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.
الحديث الثاني: "مَنْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ" (أخرجه مسلم من حديث علي).
التحقيق: المحدث هنا يشمل صاحب البدعة في الدين، وإيواؤه يعني نصره والرضا ببدعته والدفاع عنه. (7)
سَادِسًا: التَّفْصِيلُ فِي "خُرُوجِ الإِنْسَانِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ"
يُحرر المعالي الشيخ صالح آل الشيخ أنَّ المسلم لا يخرج من وصف "السنة" بمجرد وقوعه في خطأ أو بدعة خفية، بل يخرج في حالتين:
المُخَالَفَةُ فِي الأُصُولِ: كمن خالف في باب الأسماء والصفات، أو القدر، أو الإيمان، أو الصحابة (الأصول التي فارق بها أهل السنة أهل البدع كالمرجئة والخوارج).
الِاشْتِهَارُ وَالمُحَادَّةُ: كمن كثرت منه البدع في الفروع حتى صار ديدنه ومنهجه مخالفة السلف، وأبى الرجوع بعد قيام الحجة. (8)
سَابِعًا: هَجْرُ المُبْتَدِعِ (الأَنْوَاعُ وَالمَقَاصِدُ)
يُقعد الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي مسألة الهجر على أنها "دواء" يُقدّر بقدره:
هَجْرُ الزَّجْرِ: وهو هجر المبتدع ليرتدع عن بدعته، ويشترط فيه أن تكون للمسلمين قوة وقدرة، وأن يترجح فيه نفع المبتدع بالرجوع.
هَجْرُ الوِقَايَةِ: وهو هجر الضعيف للمبتدع خوفاً من أن يتأثر بشبهاته، وهذا واجب في كل حال. (9)
-------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن منظور. لسان العرب، مادة (بدع).
(2) الشاطبي. الاعتصام، ج 1، ص 37. (أدق تعريف للبدعة الشرعية).
(3) ابن تيمية. اقتضاء الصراط المستقيم، ج 2، ص 580. (في الفرق بين المحدث والبدعة).
(4) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 380. (إبطال تقسيم البدعة لحسنة وسيئة).
(5) ابن عثيمين. الإبداع في كمال الشرع وخطر الابتداع، ص 15. (تفصيل البدعة الإضافية والحقيقية).
(6) الفوزان، صالح. كتاب التوحيد، ص 120. (الضوابط الستة لموافقة السنة).
(7) النووي. شرح صحيح مسلم، ج 13، ص 140. (شرح حديث لعنة من آوى محدثاً).
(8) صالح آل الشيخ. شرح العقيدة الطحاوية، ج 2، ص 310. (ضوابط الخروج من مسمى أهل السنة).
(9) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في العقيدة، ص 270. (تحقيق هجر الزجر وهجر الوقاية).
(10) ابن حجر. فتح الباري، ج 13، ص 253. (شرح حديث "من أحدث في أمرنا هذا").
(11) تعريف "المُضَاهَاة": هي المشابهة، فالبدعة تشبه الشريعة في صورتها لكنها تختلف في أصلها.
(12) مذهب الإمام أحمد: كان أشد الناس في هجر المبتدعة الذين ينشرون بدعهم تأديباً لهم.
(13) تعريف "جِنْسُ العِبَادَة": هو النوع العام كالصلاة أو الذبح.
(14) قاعدة: "كُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَفْعَلْهَا الصَّحَابَةُ فَلَا تَفْعَلُوهَا".
(15) ابن القيم. إغاثة اللهفان، ج 1، ص 200. (في مداخل الشيطان بالبدع).
(16) تعريف "مُبَاينَة أَهْلِ البِدَع": هي مفاصلتهم فكرياً واجتماعياً لإظهار بطلان منهجهم.
(17) مذهب الشافعي: "لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك، خيرٌ له من أن يبتلى بالهواء (البدع)".
(18) صحيح البخاري. كتاب الاعتصام بالسنة (باب اقتداء الصحابة بفعل النبي ﷺ).
(19) تعريف "الِاتِّبَاعُ": هو السير خلف الدليل، و"الِابْتِدَاعُ" هو السير خلف الهوى.
(20) قاعدة: "الأَصْلُ فِي العِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ، وَالأَصْلُ فِي العَادَاتِ الإِبَاحَةُ".
------------------------&
تَتِمَّةُ المَبْحَثِ السَّادِسَ عَشَرَ: هَجْرُ أَهْلِ البِدَعِ وَمُبَاينَتُهُمْ (القِسْمُ الثَّانِي: فِقْهُ التَّطْبِيقِ وَأَقْوَالُ الأَعْلَامِ)
نَصُّ التَّقْرِيرِ العَقَدِيِّ:
"وَهَجْرُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، يُقْصَدُ بِهِ صِيَانَةُ الدِّينِ وَزَجْرُ المُخَالِفِ، وَهُوَ دَائِرٌ مَعَ المَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا يُتْرَكُ جَفَاءً، وَلَا يُفْعَلُ غُلُوّاً، بَلْ بِمِيزَانِ العِلْمِ وَالعَدْلِ."
أَوَّلاً: التَّقْسِيمُ التَّفْصِيلِيُّ لِأَهْلِ البِدَعِ (مَنْ يُهْجَرُ وَمَنْ يُؤَلَّفُ؟)
يُحرر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ التعامل مع المبتدعة ليس على درجة واحدة، بل ينقسمون إلى مراتب:
المُبْتَدِعُ الدَّاعِيَةُ (رَأْسُ الضَّلَالَةِ):
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ مَنْ يَنْشُرُ بِدْعَتَهُ، وَيُدَافِعُ عَنْهَا، وَيُهَيِّجُ النَّاسَ عَلَيْهَا.
الحُكْمُ: هذا يُهجر هجراً كلياً، ويُحذر منه بالاسم، ولا كرامة له؛ لأنَّ خطره يتعدى إلى غيره، وهو المقصود الأول بالزجر والمباينة. (1)
المُبْتَدِعُ العَامِّيُّ (المُقَلِّدُ):
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ مَنْ وَقَعَ فِي البِدْعَةِ جَهْلاً أَوْ تَقْلِيداً دُونَ بَحْثٍ أَوْ دَعْوَةٍ.
الحُكْمُ: هذا يُناصح ويُعلم، وقد يكون "التأليف" في حقه أولى من "الهجر"، خاصة إذا كان يُرجى رجوعه؛ فالهدف هو استنقاذه من الضلال لا إسلامه للشيطان. (2)
المُسْتَتِرُ بِبِدْعَتِهِ:
الحُكْمُ: هذا يُوكل سريرته إلى الله، ونعامله بالظاهر، لكن إن عُرف عنه شيءٌ نُصح سراً. (3)
ثَانِيًا: هَجْرُ المُنْتَسِبِينَ لِلْقِبْلَةِ (أَقْوَالُ العُلَمَاءِ الأَرْبَعَةِ بِتَوَسُّعٍ)
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِين (رَحِمَهُ اللَّهُ):
يُقرر أنَّ الهجر "دواء"، والدواء إذا لم ينفع ولم يُعالج المرض صار "داءً".
قاعدته: إذا كان المبتدع يزداد عتواً بالهجر، ويزداد نفوذه، فالأولى مجادلته بالتي هي أحسن لقطع شبهاته. أما إذا كان الهجر يُذله ويُخمد بدعته، فالهجر هنا واجب شرعي. (4)
الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَان الفَوْزَان:
يرى أنَّ "الولاء والبراء" هو أوثق عرى الإيمان، وأنَّ مباينة المبتدعة جزء من البراء من الباطل.
تشديده: يُحذر بشدة من القول بـ "الموازنات" (ذكر حسنات المبتدع عند التحذير منه)، ويراه تمييعاً للمنهج السلفي وإغراءً للناس بالوقوع في البدع. (5)
المَعَالِي الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخ:
يُفصل في "هجر المباينة" ويراه أصلاً لحفظ هوية السني.
تحقيقه: يُبين أنَّ الهجر في أزمنة الضعف يكون "وقائياً" لحماية النفس والبيئة السنية، وفي أزمنة القوة يكون "تأديبياً" لتطهير المجتمع من المحدثات. (6)
الأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
يُحقق أنَّ الهجر ليس مجرد "ترك" مادي، بل هو "مباينة عقلية وعقدية".
تنبيهه: يُحذر من الغلو في الهجر الذي يؤدي إلى تمزيق صف أهل السنة بمسائل الاجتهاد، ويؤكد أنَّ الهجر الشرعي يُبنى على "الأصول الكلية" لا على "الهوى" أو "الخصومات الشخصية". (7)
ثَالِثًا: الرَّدُّ عَلَى مَنْ جَعَلَ الدِّينَ "كُتْلَةً وَاحِدَةً" فِي الهَجْرِ (الرَّدُّ عَلَى التَّمْمِيعِ)
هناك صنفان ضلا في هذا الباب:
المُمَيِّعَةُ (الخَلَفِيُّونَ): الذين زعموا أننا نؤاخي كل من انتسب للإسلام مهما ابتدع، ورفعوا شعار "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه" (قاعدة المنار).
الرد السلفي: هذا القول يهدم أصل "النهي عن المنكر" و"مباينة أهل البدع". نحن نعذر في مسائل الاجتهاد السائغ، أما في أصول العقيدة (كالصفات والقدر والبدع المغلظة) فلا عذر ولا كرامة للمخالف.
الغُلَاةُ (الخَوَارِجُ الجُدُدُ): الذين يهجرون بالظنون وبالشبهات ويخرجون الناس من السنة لأدنى مخالفة.
الرد السلفي: السنة واسعة، والخروج منها لا يكون إلا بمخالفة أصل كلي أو بكثرة المخالفات التي تُخرج المرء عن جادة السلف، والهجر مصلحة لا مفسدة. (8)
رَابِعًا: ضَوَابِطُ "الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ" وَمَسْأَلَةُ القُدْرَةِ
يُبين المحققون أنَّ الهجر يسقط أو يتقلص عند "انعدام القدرة" أو "غلظة المفسدة":
في بلاد الكفر: قد يعجز المسلم عن هجر المبتدعة بالكلية، فينتقل إلى "هجر القلب" والمباينة في الاعتقاد مع الضرورة في التعامل الدنيوي.
في حال استقواء أهل البدع: إذا كان المبتدعة هم الأكثرية والهجر سيؤدي إلى استئصال أهل السنة، وجبت "المصانعة الشرعية" مع بقاء "البغض القلبي" والتحذير من البدعة لا من الشخص إذا خيف البطش. (9)
خَامِسًا: تَحْقِيقُ "خُرُوجِ الإِنْسَانِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ
الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: رُوي عنه التشديد في منع مجالسة أهل الأهواء، وكان يرى أنَّ مَن خالف الجماعة في الأصول فقد فارق السنة.
الإِمَامُ مَالِكٌ: "لا يُسلم على أهل الأهواء، ولا يُجالسون، ولا يُصلى خلفهم". (10)
الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: كان يرى أنَّ المبتدع (مثل القدرية) تُرد شهادته ويُهجر قوله.
الإِمَامُ أَحْمَدُ: (إمام السنة)؛ الذي طبق الهجر عملياً مع من قال بخلق القرآن، وأصل قاعدة "من سلم على مبتدع فقد أعانه على هدم الإسلام".
سَادِسًا: خُلَاصَةُ المَنْهَجِ فِي "المُبَاينَةِ وَالهَجْرِ"
الهجر ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة:
غاية دينية: حماية عقيدة المسلم من الشبهات.
غاية تربوية: زجر المبتدع ليعود إلى السنة.
غاية اجتماعية: صبغ المجتمع بصبغة السنة وتنفيره من المحدثات.
القاعدة العظمى: "المبتدعُ يُهجرُ لِدِينِهِ، والسُّنيُّ يُهجَرُ لِأَدبِهِ (هجراً مؤقتاً)، والمصلحةُ هي الحاكِمَةُ فِي الحَالَيْنِ".
الحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (دِيوَانُ التَّحْقِيقِ فِي مَسَائِلِ الهَجْرِ - 2)
(1) ابن تيمية. مجموع الفتاوى، ج 28، ص 210. (تحقيق هجر الداعية وغير الداعية).
(2) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 400. (منهج التعامل مع العامي المبتدع).
(3) ابن القيم. إغاثة اللهفان، ج 2، ص 160. (في معاملة المستترين بالبدع).
(4) ابن عثيمين. لقاء الباب المفتوح، اللقاء رقم (50). (تفصيل ضوابط الهجر بالمصلحة).
(5) الفوزان، صالح. الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة، ص 45. (إبطال بدعة الموازنات).
(6) صالح آل الشيخ. شرح الواسطية، ج 2، ص 180. (في تفصيل الولاء والبراء).
(7) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في المنهج، ص 95. (التحذير من الغلو في التبديع والهجر).
(8) ابن رجب. كشف الكربة في وصف أهل الغربة، ص 30. (في وصف الغرباء ومباينتهم لأهل الأهواء).
(9) ابن تيمية. منهاج السنة، ج 5، ص 239. (قاعدة الهجر تختلف باختلاف الأحوال والأزمان).
(10) اللالكائي. شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ج 1، ص 130. (آثار الإمام مالك في هجر أهل البدع).
(11) تعريف "المُوَازَنَات": هي ذكر إيجابيات المبتدع عند التحذير منه، وهو منهج بدعي يُلبس الحق بالباطل.
(12) مذهب السلف في "الرَّدِّ عَلَى المُبْتَدِع": هو جهادٌ، والذبُّ عن السنة أفضل من جهاد السنان.
(13) تعريف "هَجْرُ القَلْب": هو بغض المعصية وصاحبها لأجل الله، وهو لا يسقط أبداً.
(14) قاعدة: "مَن وَافَقَ مَنْهَجَ السَّلَفِ فَهُوَ مِنَّا، وَمَنْ خَالَفَهُ نُوحِي إِلَيْهِ بِالحَقِّ فَإِنْ أَبَى فَلَيْسَ مِنَّا".
(15) ابن حجر. فتح الباري، ج 10، ص 497. (شرح حديث هجر النبي ﷺ للثلاثة الذين خلفوا وتطبيقه على المبتدعة).
(16) تعريف "المُصَانَعَةُ الشَّرْعِيَّة": هي مداراة المبتدع لدرء شره مع بقاء عقيدة البراء في القلب.
(17) مذهب الأوزاعي: "مَن ستر علينا بدعته، لم تستر علينا أُلفته" (أي من جالس أهل البدع عُرف أنه منهم).
(18) صحيح البخاري. كتاب الأدب (باب ما يجوز من الهجران لمن عصى).
(19) تعريف "شُبْهَةُ المُمَيِّعَة": هي الاحتجاج بالرحمة لتضيع الحدود بين السنة والبدعة.
(20) قاعدة: "لَا تَقُومُ السُّنَّةُ إِلَّا عَلَى سَاقِ البَرَاءِ مِنَ البِدْعَةِ".
----------------&
المَبْحَثُ السَّابِعَ عَشَرَ: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ التَّكْفِيرِ وَالمَوْقِفُ مِنَ المَذَاهِبِ وَهَدْمِ القِبَابِ
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ وَمُؤَلَّفَاتِهِ):
"وَمَا ذَكَرَهُ الأَعْدَاءُ عَنِّي أَنِّي أُكَفِّرُ بِالعُمُومِ، أَوْ أُكَفِّرُ المَذَاهِبَ، أَوْ أُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْنَا، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ البُهْتَانِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ تَصْدِيدُ النَّاسِ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنَّمَا نُكَفِّرُ مَنْ كَفَّرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (تَفْنِيدُ المُفْرَدَاتِ)
التَّكْفِيرُ:
لُغَةً: التغطية والستر.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هُوَ الحُكْمُ عَلَى الشَّخْصِ بِالخُرُوجِ مِنَ المِلَّةِ لِارْتِكَابِهِ نَاقِضاً مِنْ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ، وَهُوَ حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَفِّرَ إِلَّا مَنْ كَفَّرَهُ اللَّهُ. (1)
القِبَابُ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هِيَ البِنَاءُ المُقَوَّسُ المُجَوَّفُ الَّذِي يُبْنَى عَلَى القُبُورِ، وَتَعْرِيفُهَا الشَّرْعِيُّ أَنَّهَا "مِنْ مَظَاهِرِ الغُلُوِّ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَسْوِيَتِهَا". (2)
تَمْذْهُبُ المَذَاهِبِ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هُوَ الانْتِسَابُ لِإِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الفِقْهِ الأَرْبَعَةِ لِلتَّعَلُّمِ وَمَعْرِفَةِ الأَحْكَامِ، وَهُوَ جَائِزٌ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى التَّعَصُّبِ المُعْمِي عَنِ الدَّلِيلِ.
ثَانِيًا: دَحْضُ فِرْيَةِ "تَكْفِيرِ العُمُومِ" (الرَّدُّ السَّلَفِيُّ)
يُقرر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ هذه الشبهة قديمة حديثة، والرد عليها من أصول المنهج السلفي:
الأصل في المسلمين: هو الإسلام بيقين، ولا يزول هذا اليقين إلا بيقين مثله (أي بوقوع ناقض صريح وقِيام حجة شرعية).
التفريق بين النوع والعين: السلف يُكفرون "القول" (كقول مَن جحد الصفات) و"الفعل" (كالسجود لغير الله)، ولكنهم لا يُكفرون "القائل" أو "الفاعل" المعين إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع (كالجهل، والتأويل، والإكراه).
الرد على الخصوم: مَن زعم أنَّ الدعوة السلفية تُكفر مَن خالفها في الفروع، فقد كذب كذباً بلقاء؛ فكتب أئمة الدعوة مليئة بالترحم على علماء المسلمين بمختلف مذاهبهم. (3)
ثَالِثًا: المَوْقِفُ مِنَ المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ (تَحْقِيقُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِين)
يُحرر الإمام ابن عثيمين (رحمه الله) الموقف من المذاهب في ثلاث نقاط:
المحبة والتقدير: نحن نحب الأئمة الأربعة (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد) ونعتقد إمامتهم في الدين وفضلهم على الأمة.
الدليل فوق المذهب: المذهب وسيلة لتعلم الفقه، ولكن إذا صح الحديث وبان الدليل في خلاف المذهب، فالواجب اتباع الدليل؛ لأنَّ الأئمة أنفسهم نهوا عن تقليدهم إذا خالف قولهم قول رسول الله ﷺ.
إبطال تكفير المتمذهبين: الدعوة السلفية لم تُكفر أحداً بتمذهبه، بل ترى أنَّ التمذهب السائغ هو سبيل عامة المسلمين وطلاب العلم لضبط المسائل. (4)
رَابِعًا: حَقِيقَةُ دَعْوَةِ "هَدْمِ القِبَابِ" (تَحْقِيقُ الشَّيْخِ صَالِحِ الفَوْزَان)
يُبين المعالي الشيخ صالح الفوزان أنَّ المطالبة بهدم القباب ليست "تطرفاً" ولا "هدم تراث"، بل هو "توحيد محض":
الأصل النبوي: "لَا تَدَعْ قَبْراً مُشْرِفاً إِلَّا سَوَّيْتَهُ" (رواه مسلم). فالنبي ﷺ نهى عن البناء على القبور وتجصيصها لأنها وسيلة للشرك الأكبر.
الفرق بين القبر والوثن: القبر إذا بُنيت عليه قبة وصار يُطاف به ويُستغاث بصاحبه، صار "وثناً" يُعبد من دون الله، وإزالته واجبة على ولي الأمر لتجريد التوحيد.
الرد على شبهة "امتهان الصالحين": هدم القبة هو صيانة لكرامة الميت حتى لا يُعبد من دون الله، وحفظاً لجناب التوحيد، وليس استهانة بالمدفون. (5)
خَامِسًا: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ عِنْدَ الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ صَالِحٍ سِنْدِي
يُقعد الشيخ صالح سندي ضوابط التكفير التي تفصل بين "السلفية" و"الخوارج":
التكفير حكم شرعي: لا مجال فيه للاجتهاد العقلي أو الحماس العاطفي.
عظم شأن التكفير: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما".
الرد النهائي: الدعوة السلفية قامت لإنقاذ الناس من الشرك لا للحكم عليهم بالكفر؛ فالهدف هو "البلاغ" و"البيان"، والتكفير هو "آخر الدواء" الذي لا يتولاه إلا العلماء الراسخون تحت مظلة القضاء الشرعي. (6)
سَادِسًا: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ "هَدْمِ قِبَابِ البَقِيعِ وَالصَّحَابَةِ"
يُحرر المعالي الشيخ صالح آل الشيخ أنَّ الصحابة والتابعين لم يبنوا على القبور قبة واحدة، وأنَّ هذه المظاهر دخلت على المسلمين في عصور الجهل والسيطرة العبيدية (الفاطمية):
فعل السلف: بقيت قبور الصحابة في البقيع والمدن الإسلامية مستوية مع الأرض مئات السنين.
فعل الأعداء: اتخذوا هذه القباب ذريعة للطعن في الدعوة، بينما الحقيقة أنَّ هدمها هو رجوع لما كان عليه الصحابة والقرون المفضلة. (7)
سَابِعًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ فِي نَفْيِ الغُلُوِّ وَالبِنَاءِ عَلَى القُبُورِ
الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: "يُكره أن يُبنى على القبر بناء، أو يُجصص".
الإِمَامُ مَالِكٌ: "لم أرَ أحداً من أهل العلم يبني على القبور، والبناء عليها من البدع والغلـو".
الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: "رأيتُ الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يُبنى على القبور". (8)
الإِمَامُ أَحْمَدُ: "يُكره تجصيص القبر والبناء عليه وتزيينه".
الخلاصة: أئمة المذاهب الأربعة هم أول من دعا إلى "هدم القباب" ومنع البناء على القبور، فمن طعن في الدعوة السلفية بهذا، فقد طعن في الأئمة الأربعة أنفسهم.
ثَامِنًا: المِيزَانُ العَدْلُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ المُخَالِفِ
يُقرر المحققون أنَّ المنهج السلفي يقوم على:
الرحمة بالخلق: نحرص على هدايتهم لا على كفرهم.
العلم بالحق: لا نُكفر بالجهالة ولا بالشبهة.
العدل في الحكم: لا نُعمم الحكم على مجتمعات بأكملها، بل مَن ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه إلا بيقين.
----------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية. مجموع الفتاوى، ج 3، ص 229. (تحقيق ضوابط التكفير والفرق بين النوع والعين).
(2) ابن القيم. إغاثة اللهفان، ج 1، ص 210. (في تفصيل فتنة القبور والقباب).
(3) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 420. (دحض فريّة تكفير العموم).
(4) ابن عثيمين. شرح العقيدة الواسطية، ج 2، ص 300. (الموقف السلفي من المذاهب الفقهية).
(5) الفوزان، صالح. شرح تطهير الاعتقاد، ص 90. (وجوب تسوية القبور وهدم البناء عليها).
(6) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في العقيدة، ص 290. (الفرق بين المنهج السلفي ومنهج الخوارج في التكفير).
(7) صالح آل الشيخ. شرح كشف الشبهات، ص 150. (تاريخ ظهور القباب على القبور والرد على شبهاتها).
(8) النووي. شرح صحيح مسلم، ج 7، ص 37. (نقل إجماع الشافعية على كراهة البناء على القبور وهدمه).
(9) الشنقيطي. أضواء البيان، ج 4، ص 200. (تحقيق مسألة البناء على القبور في سورة الكهف).
(10) ابن حجر. الزواجر عن اقتراف الكبائر، ص 120. (عدَّ البناء على القبور من الكبائر).
(11) تعريف "القِيَامُ بِالحُجَّةِ": هو بلوغ الدليل للمكلف بحيث لا يبقى له عذر في الجهل.
(12) مذهب الأئمة الأربعة: إجماعهم على كراهة أو تحريم رفع القبور فوق الشبر وتزويقها.
(13) تعريف "تَكْفِيرُ العُمُومِ": هو الحكم بالكفر على مجتمع أو جماعة دون تفصيل، وهو باطل.
(14) قاعدة: "مَا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ لَا يُرْفَعُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ".
(15) ابن عبد البر. التمهيد، ج 2، ص 100. (في شرح أحاديث تسوية القبور).
(16) تعريف "المُوَانِعُ الشَّرْعِيَّةُ لِلتَّكْفِيرِ": هي الأسباب التي تمنع لحوق الحكم بالشخص كالإكراه والجهل والتأويل.
(17) مذهب السلف في "الاعتذار للعلماء": كل إمام اجتهد فأخطأ فله أجر، ولا يُبدع ولا يُكفر بزلة اجتهادية.
(18) صحيح مسلم. كتاب الجنائز (باب الأمر بتسوية القبر).
(19) تعريف "جَنَابُ التَّوْحِيدِ": هو حماه وحصنه الذي يُصان عن كل ما يخدشه من البدع والشركيات.
(20) قاعدة: "الأَصْلُ فِي دِمَاءِ المُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضِهِمْ التَّحْرِيمُ".
----------------------------&
المَبْحَثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: التَّوَسُّلُ بَيْنَ الشَّرْعِ وَالبِدْعَةِ (القِسْمُ الأَوَّلُ: التَّأْصِيلُ وَالتَّقْسِيمُ)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأَقُولُ: التَّوَسُّلُ إِلَى اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَبِالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَبِدُعَاءِ الأَحْيَاءِ الصَّالِحِينَ، هُوَ المَشْرُوعُ. أَمَّا التَّوَسُّلُ بِذَوَاتِ المَخْلُوقِينَ أَوْ جَاهِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَهِيَ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، وَذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ الأَكْبَرِ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (تَفْنِيدُ المُفْرَدَاتِ)
التَّوَسُّلُ (فِي اللُّغَةِ):
الأَصْلُ: مأخوذ من "الوَسِيلَةِ"، وهي الرغبة والتقرب. يُقال: توسل فلان إلى ربه، أي عمل عملاً يتقرب به إليه.
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى المَقْصُودِ بِمَا يُوصِلُ إِلَيْهِ. (1)
الوَسِيلَةُ (فِي الشَّرْعِ):
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هِيَ كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالقُرُبَاتِ لِنَيْلِ مَرْضَاتِهِ.
الرَّدُّ عَلَى التَّحْرِيفِ: مَن فسر الوسيلة في قوله {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} بأنها ذوات المشايخ أو القبور، فقد حرّف الكلم عن مواضعه بإجماع المفسرين الأوائل. (2)
الشَّفَاعَةُ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هِيَ طَلَبُ الخَيْرِ لِلْغَيْرِ، وَفِي بَابِ التَّوَسُّلِ هِيَ جَعْلُ الشَّفِيعِ وَاسِطَةً بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ.
ثَانِيًا: أَنْوَاعُ التَّوَسُّلِ (التَّقْسِيمُ السَّلَفِيُّ لِأَعْلَامِ العَصْرِ)
يُقرر العلامة الألباني في رسالته "التوسل" أنَّ التوسل ينقسم إلى قسمين لا ثالث لهما:
1. التَّوَسُّلُ المَشْرُوعُ (الجَائِزُ): وهو ما دل عليه الدليل من الكتاب والسنة، وهو ثلاثة أنواع:
التَّوَسُّلُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ: لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}.
التَّوَسُّلُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ: كقصة أصحاب الغار الذين توسلوا بصالح أعمالهم (بر الوالدين، العفة، الأمانة). (3)
التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الحَيِّ: كقول الصحابة للنبي ﷺ: "ادعُ الله لنا"، وكطلب عمر من العباس أن يدعو الله للاستسقاء. (4)
2. التَّوَسُّلُ المَمْنُوعُ (البِدْعِيُّ وَالشِّرْكِيُّ):
التَّوَسُّلُ البِدْعِيُّ: هو التوسل بـ "جاه" النبي أو "ذوات" الصالحين (كقول: اللهم إني أسألك بجاه فلان).
حُكْمُهُ: بدعة محرمة، وهو شرك أصغر عند بعضهم لأنه حلف بغير الله أو وسيلة للشرك.
التَّوَسُّلُ الشِّرْكِيُّ (الأَكْبَرُ): هو طلب الحاجات من الموتى مباشرة (يا فلان اشفع لي، يا فلان اقضِ حاجتي).
حُكْمُهُ: شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأنه صرف للعبادة (الدعاء) لغير الله. (5)
ثَالِثًا: تَحْقِيقُ الأَئِمَّةِ الخَمْسَةِ فِي مَسْأَلَةِ التَّوَسُّلِ
المُحَدِّثُ الأَلْبَانِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ):
أصلُ تحقيقه أنَّ التوسل عبادة، والأصل في العبادات التوقيف. فما لم يثبت عن الصحابة (وهم أشد حباً للنبي ﷺ) أنهم توسلوا بذاته بعد موته، ففعله بدعة. وقد فند الألباني الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي يحتج بها أهل البدع (كحديث: "توسلوا بجاهي"). (6)
الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين (رَحِمَهُ اللَّهُ):
يُحرر أنَّ التوسل بـ "الجاه" لا معنى له؛ لأنَّ جاه النبي ينفعه هو عند ربه، ولا علاقة للداعي بجاه غيره، وإنما ينفع الداعي عمله هو. ويؤكد أنَّ التوسل بالمخلوق وسيلة للشرك يجب سدها. (7)
الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:
يُشدد على أنَّ التوسل بالموتى هو "دين الجاهلية" الذين قالوا {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، فجعل الوسائط بين الله وخلقه هو أصل الشرك في الأمم السابقة. (8)
المَعَالِي الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخ:
يُفصل في الفرق بين "التوسل" و"الاستغاثة"، ويُبين أنَّ أهل البدع خلطوا المصطلحات ليوهموا الناس أنَّ دعاء الموتى هو من قبيل التوسل الجائز، وهذا من تلبيس إبليس. (9)
الأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
يُحقق أنَّ التوسل البدعي يقوم على "قياس الله على خلقه" (قياس الغائب على الشاهد)، فكما أنَّ الملك في الدنيا يحتاج لوزراء ووسائط، ظن هؤلاء أنَّ الله يحتاج لوسائط، وهذا طعن في كمال علمه وقدرته وقربه من عباده. (10)
رَابِعًا: الرَّدُّ عَلَى شُبَهَاتِ أَهْلِ البِدَعِ فِي التَّوَسُّلِ
الشُّبْهَةُ الأُولَى: قوله تعالى {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}.
التَّفْنِيدُ: الوسيلة في الآية عند ابن عباس وقتادة ومجاهد هي "القربة بالأعمال الصالحة" وليست ذوات المخلوقين.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: توسل عمر بالعباس رضي الله عنهما.
التَّفْنِيدُ: لو كان التوسل بذات النبي ﷺ جائزاً بعد موته لما عدل عمر عنه إلى العباس. وتوسله بالعباس كان "بدعائه" وهو حي حاضر، لا بجاهه أو قرابته فقط.
الشُّبْهَةُ الثَّالثَةُ: حديث الأعمى الذي علم النبي ﷺ أن يقول (اللهم إني أسألك بنبيك).
التَّفْنِيدُ: الأعمى توسل "بدعاء" النبي ﷺ له وهو حي، بدليل قول النبي له (إن شئت دعوتُ)، وقول الأعمى (فادعُه). فهو توسل بدعاء الحي لا بذات الغائب. (11)
خَامِسًا: التَّحْقِيقُ فِي "تَوَسُّلِ أَهْلِ القُبُورِ" (جَوْهَرُ الفَسَادِ)
يُقرر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ التعلق بالمقبورين في التوسل ينشأ من أوهام:
ظن نفع الميت: والميت انقطع عمله وهو محتاج لمن يدعو له.
ظن سماع الميت: والأصل أنهم لا يسمعون {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}.
الغلو في الصالحين: وهو أول ذريعة للشرك في قوم نوح.
-----------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن منظور. لسان العرب، مادة (وسل).
(2) ابن جرير الطبري. جامع البيان، في تفسير آية الوسيلة.
(3) صحيح البخاري. حديث أصحاب الغار.
(4) صحيح البخاري. حديث استسقاء عمر بالعباس.
(5) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 440. (تأصيل التوسل الممنوع).
(6) الألباني. التوسل أنواعه وأحكامه، ص 20-50. (أقوى رسالة معاصرة في الباب).
(7) ابن عثيمين. مجموع فتاوى ورسائل، ج 2، ص 340. (تحقيق بطلان التوسل بالجاه).
(8) الفوزان، صالح. عقيدة التوحيد، ص 115. (كشف شبهات القبوريين في التوسل).
(9) صالح آل الشيخ. شرح كشف الشبهات، ص 110. (الفرق بين الوسيلة البدعية والشركية).
(10) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في العقيدة، ص 310. (نقد قياس الخالق على المخلوق).
(11) ابن تيمية. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ص 90. (تحليل حديث الأعمى).
(12) تعريف "الوَسَاطَةُ": هي جعل واسطة في تبليغ الوحي (حق) أو في قضاء الحاجات (باطل).
(13) مذهب السلف في "الاستشفاع": يكون في الدنيا بالحي، وفي الآخرة بالنبي ﷺ بإذن الله.
(14) قاعدة: "كُلُّ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الصَّحَابَةِ التَّعَبُّدُ بِهِ مَعَ قِيَامِ المُقْتَضِي؛ فَهُوَ بِدْعَةٌ".
(15) ابن القيم. إغاثة اللهفان، ج 1، ص 180. (في شرك القبور والتوسل بها).
(16) تعريف "التَّوَسُّلُ المُرَكَّبُ": هو الذي يجمع بين بدعة المكان وصفة العمل.
(17) مذهب الشافعي: كراهة تعظيم القبور والبناء عليها خشية الفتنة بالتوسل بها.
(18) صحيح مسلم. كتاب الذكر والدعاء (باب فضل الدعاء بظهر الغيب).
(19) تعريف "الجَاهُ": هو المنزلة والقدر، ولا يُتوسل به لعدم الدليل.
(20) قاعدة: "الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ؛ فَلَا يُصْرَفُ إِلَّا لِلَّهِ بِالطَّرِيقِ المَشْرُوعِ".
--------------&
تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الثَّامِنَ عَشَرَ: تَفْنِيدُ "بُرْدَةِ البُوصِيرِيِّ" وَمَزَالِقِ الغُلُوِّ (القِسْمُ الثَّانِي)
نَصُّ التَّقْرِيرِ العَقَدِيِّ:
"إِنَّ الغُلُوَّ فِي الصَّالِحِينَ هُوَ بَرِيدُ الشِّرْكِ، وَمَا جَاءَ فِي 'البُرْدَةِ' مِنْ إِعْطَاءِ النَّبِيِّ ﷺ خَصَائِصَ الرُّبُوبِيَّةِ هُوَ عَيْنُ مَا نَهَى عَنْهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: 'لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ'."
أَوَّلاً: مَنْ هُوَ البُوصِيرِيُّ؟ (التَّحْقِيقُ التَّارِيخِيُّ وَالعَقَدِيُّ)
الِاسْمُ وَالمَنْشَأُ: هو محمد بن سعيد بن حماد البوصيري (ت 694هـ)، ولد في قرية "بوصير" بصعيد مصر.
الطَّرِيقَةُ وَالعَقِيدَةُ: كان صوفياً شاذلياً، غلبت عليه النزعة الوجدانية والشعرية في التعبير عن المحبة، مما أوقعه في "الغلو المذموم".
مَاهِيَّةُ "البُرْدَةِ": هي قصيدة "الكواكب الدرية في مدح خير البرية"، نالت شهرة واسعة في عصور الانحطاط العلمي، حتى اتخذها الناس "تميمة" يُستشفى بها، وهو انحراف عقدي خطير. (1)
ثَانِيًا: تَفْنِيدُ أَبْيَاتِ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ (بِالحَدِّ وَالدَّلِيلِ)
يُحرر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ البردة حوت أبياتاً تهدم أصل التوحيد، ومن أخطرها:
1. المَنْزَلَةُ الشِّرْكِيَّةُ (الِاسْتِغَاثَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ):
يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ ... سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الحَادِثِ العَمِمِ
التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: (أَلُوذُ بِهِ) اللياذ هو الاستغاثة وطلب الحماية في الشدة.
نَقْدُ العُلَمَاءِ: يقول الشيخ ابن عثيمين: "هذا البيت هو عين الشرك؛ فالبوصيري نفى أن يكون له ملجأ إلا النبي ﷺ، وهذا لا يُقال إلا لله عز وجل". فمن حصر عياذه في مخلوق فقد صرف أعظم أنواع العبادة لغير الله. (2)
2. إِعْطَاءُ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ (مِلْكُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ):
فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا ... وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمُ اللَّوْحِ وَالقَلَمِ
التَّحْقِيقُ الشَّرْعِيُّ: جعل الدنيا والآخرة (ضرتها) من جود النبي ﷺ، وجعل علم اللوح والقلم (الغيب المطلق) جزءاً من علمه.
نَقْدُ العُلَمَاءِ: يقول الشيخ صالح الفوزان: "إذا كانت الدنيا والآخرة من جوده، وعلم الغيب من علومه، فماذا ترك لله؟". هذا البيت جعل النبي ﷺ شريكاً لله في ملكه وعلمه، وهو شرك في الربوبية قبل الألوهية. (3)
ثَالِثًا: رُؤْيَةُ المُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي نَقْدِ "البُرْدَةِ"
العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ):
ركز في نقده على مخالفة البردة للأحاديث الصحيحة؛ فالبوصيري يزعم الشفاعة المطلقة للنبي ﷺ دون إذن الله، والألباني يُقرر أنَّ الشفاعة مُلك لله {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}، ولا تُطلب إلا منه. (4)
الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين (رَحِمَهُ اللَّهُ):
بَيَّن أنَّ الغلو في المدح هو الذي حذر منه النبي ﷺ بقوله: "إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله". والبردة رفعت النبي ﷺ فوق منزلة العبودية إلى منزلة الإلهية. (5)
الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:
يرى أنَّ تداول البردة في الموالد والمساجد هو نشر للوثنية المقنعة، ويؤكد أنَّ محبة النبي ﷺ تكون باتباعه لا بمدحه بما نهى عنه. (6)
المَعَالِي الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخ:
حرر أنَّ البوصيري وقع في "وحدة الوجود" في بعض إشاراته، وأنَّ قصيدته مدرسة لترسيخ الفكر القبوري في الأمة. (7)
الأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
يُحقق أنَّ خطورة البردة تكمن في "صياغتها الأدبية الجذابة" التي تمرر الشرك للعامة بلسان العاطفة، ويؤكد أنَّ "العاطفة لا تُشرع ديناً"، وأنَّ ميزان المحبة هو الطاعة {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي}. (8)
رَابِعًا: الرَّدُّ عَلَى شُبَهَاتِ المُرِيدِينَ (مُدَافِعِي البُرْدَةِ)
الشُّبْهَةُ الأُولَى: "البوصيري يقصد التوسل بالجاه لا العبادة".
التَّفْنِيدُ: الألفاظ صريحة في (اللياذ) و(الملك) و(علم الغيب)، وهذه ألفاظ لا تُصرف إلا للخالق؛ فصرفها للمخلوق هو الشرك بعينه مهما سُمي.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: "هذا من باب المبالغة الشعرية الجائزة".
التَّفْنِيدُ: المبالغة في حق الله ورسوله ليست شعراً يُتجاوز عنه، بل هي "عقيدة" يُحاسب عليها العبد، والشعر لا يُبيح الكفر. (9)
خَامِسًا: التَّحْقِيقُ فِي "أَقْوَالِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ" فِي الغُلُوِّ
الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: "لا يصح لأحد أن يدعو الله إلا به". (إبطال التوسل بالمخلوق فكيف بدعائه؟).
الإِمَامُ مَالِكٌ: كان يكره الغلو في مدح النبي ﷺ، ويقول: "لا تقولوا: سُيدنا (في الصلاة) لعدم ورودها، فكيف بما هو فوق ذلك؟".
الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: "مَن عظّم مخلوقاً حتى جعله كربّه فقد كفر".
الإِمَامُ أَحْمَدُ: كان أشد الناس زجراً لمن تمسح بالقبر أو غلا في الصالحين، حمايةً لجناب التوحيد.
سَادِسًا: خُلَاصَةُ "تَفْنِيدِ العَقِيدَةِ البُوصِيرِيَّةِ"
يُقرر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ الموقف السلفي من البردة يتلخص في:
المنع من قراءتها وتداولها: لما فيها من شرك صريح.
بيان أنَّ مدح النبي ﷺ المشروع: هو بوصفه بالعبودية والرسالة، والشهادة له بتبليغ الأمانة.
التأكيد على أنَّ الغيب لا يعلمه إلا الله: وأنَّ النبي ﷺ قال عن نفسه {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ}. (10)
-------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن شاكر الكتبي. فوات الوفيات، ج 3، ص 360. (ترجمة البوصيري).
(2) ابن عثيمين. القول المفيد على كتاب التوحيد، ج 1، ص 340. (نقد بيت اللياذ).
(3) الفوزان، صالح. إعانة المستفيد، ج 1، ص 180. (نقد بيت علم اللوح والقلم).
(4) الألباني. سلسلة الأحاديث الضعيفة، ج 1، ص 40. (التعليق على أحاديث الغلو في البردة).
(5) ابن تيمية. مجموع الفتاوى، ج 1، ص 200. (قاعدة في الفرق بين المحبة والشرك).
(6) الفوزان، صالح. البيان بالدليل لما في بردة البوصيري من الشرك والتضليل، (رسالة مفردة نفيسة).
(7) صالح آل الشيخ. شرح لمعة الاعتقاد، ص 150. (في التحذير من طرق الغلاة).
(8) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في العقيدة، ص 330. (أثر الغلو الشعري في انحراف العقيدة).
(9) ابن القيم. مدارج السالكين، ج 1، ص 500. (في أنواع الغلو في الأنبياء).
(10) السهسواني. صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، ص 210. (من أقدم الكتب التي فندت البردة).
(11) تعريف "الإِطْرَاءُ": هو المجاوزة في المدح بالكذب، وهو الذي نهى عنه النبي ﷺ.
(12) مذهب السلف في "عِلْمِ الغَيْبِ": هو مما اختص الله به، ولا يعلم الرسل منه إلا ما أطلعهم الله عليه لحاجة الرسالة.
(13) تعريف "تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ": إفراد الله بالعبادة، والبردة نقضت هذا الأصل بصرف اللياذ لغير الله.
(14) قاعدة: "كُلُّ مَدْحٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَخْرُجُ عَنْ مَقَامِ العُبُودِيَّةِ فَهُوَ قَدْحٌ فِيهِ".
(15) الشوكاني. الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد، ص 90. (في نقد شرك المتصوفة).
(16) تعريف "الضَّرَّةُ": يقصد بها البوصيري "الآخرة" (مقابل الدنيا)، وجعلها من جود النبي ﷺ.
(17) مذهب الإمام أحمد: كان يرى أنَّ الاستغاثة بالميت شرك، والبردة استغاثة صريحة.
(18) صحيح البخاري. كتاب التفسير (باب قوله تعالى: لا تغلوا في دينكم).
(19) تعريف "اللَّوْحُ وَالقَلَمُ": هما أدوات كتابة المقادير، وعلمهما عند الله وحده.
(20) قاعدة: "المَحَبَّةُ الصَّادِقَةُ تَقْتَضِي تَعْظِيمَ مَنْ أَمَرَ بِهِ المَحْبُوبُ، وَاللَّهُ أَمَرَ بِالتَّوْحِيدِ".
----------------------&
المَبْحَثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ وَأَعْمَالُ الجَوَارِحِ (النَّذْرُ وَالذَّبْحُ)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَأُقِرُّ بِأَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالعِبَادَةِ، وَأَنَّ الذَّبْحَ وَالنَّذْرَ مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ، فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئاً لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (تَفْنِيدُ المُفْرَدَاتِ)
التَّوْحِيدُ:
لُغَةً: جَعْلُ الشَّيْءِ وَاحِداً.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. (1)
النَّذْرُ:
لُغَةً: الإِيجَابُ، يُقَالُ: نَذَرَ دَمَهُ، أَيْ أَوْجَبَ قَتْلَهُ.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هُوَ إِيجَابُ المُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ عِبَادَةً غَيْرَ وَاجِبَةٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ. (2)
الذَّبْحُ:
لُغَةً: الشَّقُّ وَالقَطْعُ، وَمِنْهُ ذَبْحُ الحَيَوَانِ أَيْ قَطْعُ أَوْدَاجِهِ.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هُوَ إِهْرَاقُ الدَّمِ عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ وَالتَّعْظِيمِ لِلمَذْبُوحِ لَهُ. (3)
ثَانِيًا: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ فِي "التَّوْحِيدِ" (رُؤْيَةُ صَالِحِ سِنْدِي)
يُحقق الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ التوحيد ليس مجرد معرفة أنَّ الله هو الخالق (توحيد الربوبية)، بل هو "القصد والإرادة" (توحيد الألوهية).
القاعدة: كلُّ عملٍ ثبت أنه عبادة بمدح فاعله أو الأمر به، فصرفه لله توحيد، وصرفه لغيره شرك.
الارتباط: الذبح والنذر هما من أعظم أعمال القلوب والجوارح، فالنذر يتضمن (تعظيماً وتعهداً)، والذبح يتضمن (خضوعاً وإهراق دم)، وكلاهما عبادة محضة. (4)
ثَالِثًا: تَفْصِيلُ مَسَائِلِ "النَّذْرِ" (أَنْوَاعُهُ وَصُوَرُهُ)
يُحرر الشيخ ابن عثيمين (رحمه الله) أنَّ النذر ينقسم من حيث "المعنى العقدي" إلى قسمين:
النَّذْرُ لِلَّهِ (العِبَادَةُ):
حكمه: الوفاء به واجب لقوله تعالى {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ}.
صوره:
نذر الطاعة المطلق: (نذرت لله أن أصوم يوماً).
نذر المجازاة (المعلق): (إن شفى الله مريضي فلله عليَّ كذا). ويُبين الأستاذ الدكتور صالح سندي أنَّ هذا النوع مكروه ابتداءً لأنه "استخراج من البخيل"، لكن الوفاء به واجب. (5)
النَّذْرُ لِغَيْرِ اللَّهِ (الشِّرْكُ):
حكمه: شرك أكبر مخرج من الملة.
توصيفه: كمن ينذر للقبر، أو للولي، أو للجني (إن قُضيت حاجتي فللسيد فلان كذا).
العلة: لأنَّ الناذر اعتقد في المنذور له القدرة على النفع والضر، وصرف له عبادة "الإيجاب والالتزام" التي لا تكون إلا للخالق. (6)
رَابِعًا: تَفْصِيلُ مَسَائِلِ "الذَّبْحِ" (أَنْوَاعُهُ وَأَحْكَامُهُ)
يُفصل المعالي الشيخ صالح الفوزان في أنواع الذبح تفصيلاً دقيقاً:
الذَّبْحُ للهِ (تَعَبُّدِيٌّ): وهو "توحيد"، كالأضاحي، والهدايا في الحج، والعقيقة.
الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللهِ (تَعَبُّدِيٌّ): كمن يذبح لملك، أو جن، أو صاحب قبر تقرباً وتعظيماً.
حكمه: شرك أكبر، والذبيحة "ميتة" محرمة لا يجوز الأكل منها لقوله تعالى {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}.
الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللهِ (عَادِيٌّ - لَيْسَ عِبَادَةً): وهو ما فيه تفصيل:
ذبح الإكرام: يذبح للضيف (جائز ومأمور به).
ذبح التجارة: يذبح ليبيع اللحم (جائز).
ذبح الاستمتاع: يذبح ليأكل أهله (جائز).
القاعدة: المدار هنا على "القصد"؛ فإذا ذبح للضيف "إكراماً" جاز، أما إن ذبح للضيف "تعظيماً لشخصه كما يُعظم الإله" صار شركاً. (7)
خَامِسًا: صُوَرُ النَّذْرِ لِلَّهِ وَتَحْقِيقُ المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ
يُبين المعالي الشيخ صالح آل الشيخ أنَّ الأئمة الأربعة اتفقوا على وجوب الوفاء بنذر الطاعة:
الإمام أبو حنيفة: يوجب الوفاء بما كان من جنسه واجب (كصلاة وصوم).
الإمام مالك والشافعي وأحمد: يوجبون الوفاء بكل نذر طاعة (صلاة، صدقة، اعتكاف).
تحذير الأئمة: اتفقوا جميعاً على أنَّ النذر "للقبور" أو "المشاهد" باطل ولا يجوز الوفاء به، بل هو معصية أو شرك يجب التوبة منه. (8)
سَادِسًا: الشَّرْحُ المُوَسَّعُ لِمُفْرَدَةِ "النَّذْرِ لِلْقُبُورِ" (مَسْلَكُ سِنْدِي)
يُحذر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي من صورة خفية للنذر:
مَن ينذر مالاً أو ذبيحة "للقبر" ظناً منه أنَّ هذا يُقربه إلى الله زلفى عبر هذا الولي.
التفنيد: هذا هو "شرك الوسائط"؛ فالمنذور له في الحقيقة هو صاحب القبر، والناذر لم يتقرب لله مباشرة بل جعل للقبر حقاً في ماله، وهذا هو عين فعل أهل الجاهلية مع اللات والعزى. (9)
سَابِعًا: عِظَمُ جُرْمِ "الذَّبْحِ لِلْجِنِّ" (تَحْقِيقُ الفَوْزَان)
يُقرر الشيخ الفوزان أنَّ الذبح للجن (كفعل من يسكن بيتاً جديداً فيذبح عند عتبته خوفاً من الجن) هو من الشرك الغالب.
العلة: الذبح هنا "خوف سر"، وهو خوف العبادة الذي لا يجوز إلا لله، فمن خاف الجني فذبح له فقد اتخذه نداً لله. (10)
------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية. مجموع الفتاوى، ج 3، ص 1. (تحقيق معنى التوحيد).
(2) الشربيني. مغني المحتاج، ج 4، ص 330. (تعريف النذر شرعاً).
(3) الكاساني. بدائع الصنائع، ج 5، ص 60. (تحقيق حقيقة الذبح).
(4) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 460. (المسلك العقدي في أعمال الجوارح).
(5) ابن عثيمين. الشرح الممتع، ج 15، ص 200. (تقسيم النذر وأحكامه).
(6) صالح آل الشيخ. شرح كتاب التوحيد، ص 140. (نذر الشرك وعلاماته).
(7) الفوزان، صالح. إعانة المستفيد، ج 1، ص 150. (تفصيل أنواع الذبح).
(8) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في العقيدة، ص 350. (تحقيق إجماع المذاهب على بطلان نذر القبور).
(9) ابن القيم. إغاثة اللهفان، ج 1، ص 195. (في شرك الذبائح والقرابين).
(10) الفوزان، صالح. عقيدة التوحيد، ص 130. (حكم الذبح للجن).
(11) تعريف "نَذْرُ اللَّجَاجِ": هو الذي يُقصد به المنع أو الحث (كقوله: إن كلمتك فلله عليَّ صوم شهر)، وحكمه كحكم اليمين.
(12) مذهب السلف في "الذَّبِيحَة": العبرة بالمذبوح له لا بمكان الذبح فقط، إلا إذا كان المكان يُعظم لغير الله (كبوادي الجاهلية).
(13) تعريف "إِهْرَاقُ الدَّمِ": هو العبادة المقصودة في الذبح، وليس مجرد توفير اللحم.
(14) قاعدة: "كُلُّ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ لَعَنَهُ اللهُ" (لحديث علي في مسلم).
(15) ابن حجر. فتح الباري، ج 11، ص 580. (شرح أحاديث النذر).
(16) تعريف "نَذْرُ المَعْصِيَةِ": (نذرت أن أشرب خمراً)، وهذا يحرم الوفاء به اتفاقاً وتجب فيه كفارة يمين.
(17) مذهب الشافعية: يحرم الذبح عند القبور ولو قصد به الله، سداً لذريعة الشرك.
(18) صحيح البخاري. كتاب الأيمان والنذور (باب نذر الطاعة).
(19) تعريف "الوَسِيلَةُ الشِّرْكِيَّةُ": هي كل طريق يؤدي للشرك وإن لم يكن شركاً في ذاته، كالنذر في أمكنة الأوثان.
(20) قاعدة: "لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ".
------------&
المَبْحَثُ العِشْرُونَ: الأَثَرُ العِلْمِيُّ وَالدَّعَوِيُّ لِرِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ فِي العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ
نَصُّ التَّقْرِيرِ الخِتَامِيِّ:
"إِنَّ قِيمَةَ الرَّسَائِلِ العَقَدِيَّةِ لَا تُقَاسُ بِحَجْمِ صَفَحَاتِهَا، بَلْ بِمَا أَحْدَثَتْهُ مِنْ صَحْوَةٍ فِي القُلُوبِ، وَتَصْحِيحٍ فِي المَفَاهِيمِ، وَرُجُوعٍ بِالنَّاسِ إِلَى مَعِينِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّافِي."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ المَفَاهِيمِيُّ لِلأَثَرِ (تَفْنِيدُ المُفْرَدَاتِ)
الأَثَرُ:
لُغَةً: بَقِيَّةُ الشَّيْءِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الفِعْلِ مِنْ نَتَائِجَ.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هُوَ التَّغْيِيرُ الإِيجَابِيُّ المُسْتَمِدُّ مِنَ الوَحْيِ، الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ ذَهَابِ المُؤَثِّرِ، نَشْراً لِلسُّنَّةِ وَقَمْعاً لِلبِدْعَةِ. (1)
الدَّعْوَةُ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هِيَ نِدَاءُ النَّاسِ إِلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَهِيَ وَظِيفَةُ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ.
العُصُورُ المُتَأَخِّرَةُ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: المَقْصُودُ بِهَا الفَتْرَةُ الَّتِي تَلَتْ عُصُورَ الانْحِطَاطِ العَقَدِيِّ، وَبَدَأَتْ مَعَهَا يَقَظَةُ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ المُبَارَكَةِ.
ثَانِيًا: الأَثَرُ العِلْمِيُّ (بِنَاءُ المَلَكَةِ العَقَدِيَّةِ)
يُقرر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ هذه الرسالة أحدثت ثورة علمية في طريقة "عرض العقيدة"، وتتجلى آثارها فيما يلي:
التَّأْصِيلُ المُخْتَصَرُ: علمت الطلاب كيف يُلخصون أصول الاعتقاد في كلمات معدودة جامعة، بعيداً عن تعقيدات المتكلمين وجدل المناطقة.
إِحْيَاءُ مَنْهَجِ الاسْتِدْلَالِ: أعادت الاعتبار لقول الله وقول رسوله ﷺ كمرجعية أولى وأخيرة، مما جعل العقيدة "علماً حياً" يُستنبط من الوحي لا من الفلسفة.
كَسْرُ جُمُودِ التَّقْلِيدِ: فتحت الباب للعلماء المتأخرين لمناقشة المسائل العقدية بأدلتها، والرد على الشبهات المعاصرة بنفس المنهج الذي سلكه الإمام في رسالته. (2)
ثَالِثًا: الأَثَرُ الدَّعَوِيُّ (التَّصْحِيحُ وَالبَلَاغُ)
يُحرر المعالي الشيخ صالح آل الشيخ أنَّ الأثر الدعوي للرسالة تجاوز حدود نجد والقصيم ليصل إلى الآفاق:
بَرَاءَةُ الدَّعْوَةِ: كانت الرسالة أعظم "وثيقة دفاع" أثبتت للعالم الإسلامي أنَّ الدعوة السلفية ليست ديناً جديداً ولا مذهباً خامساً، بل هي "عقيدة السلف الصالح" ذاتها، مما كسب لها أنصاراً في الهند، ومصر، والشام، والمغرب.
تَوْحِيدُ الصُّفُوفِ: من خلال تقرير "الموقف من الأئمة الأربعة" و"الرد على شبهة التكفير"، استطاعت الرسالة أن تفتح جسور التواصل مع العلماء المنصفين من المذاهب الفقهية الأخرى.
مُحَارَبَةُ الخُرَافَةِ: أصبحت الرسالة منطلقاً للدعاة في تحطيم أوثان القبور والقباب فكرياً قبل هدمها مادياً، من خلال إقناع الناس بـ "كمال التوحيد". (3)
رَابِعًا: تَحْقِيقُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ فِي اسْتِمْرَارِيَّةِ الرَّسَالَةِ
الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين (رَحِمَهُ اللَّهُ):
كان دائم الاستشهاد بمضامين هذه الرسالة في دروسه بـ "الحرمين"، مؤكداً أنها تمثل "الوسطية الحقة" التي تجمع بين القوة في الحق والرحمة بالخلق. وقد تأثر بها في كتابه "شرح العقيدة الواسطية" من حيث الوضوح والدقة. (4)
الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:
جعل من مباحث هذه الرسالة مادة أساسية في مؤلفاته التعليمية، ويرى أنها حصن حصين للشباب ضد تيارات التغريب من جهة، وتيارات الغلو والتكفير من جهة أخرى. (5)
المَعَالِي الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخ:
أبرز الأثر السياسي والدعوي للرسالة، وكيف أنها ساهمت في استقرار المجتمعات من خلال تقرير أصل "السمع والطاعة في المعروف" ومباينة أهل البدع الذين يثيرون الفتن. (6)
الأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
يُحقق أنَّ الرسالة هي "أنموذج للخطاب العلمي الرصين"، حيث علمت المتأخرين كيف يردون على المخالف بـ "أدب العلم" و"قوة الدليل"، وكيف يفرقون بين الأصول الكلية والاجتهادات الفرعية. (7)
خَامِسًا: ثَمَرَاتُ الرَّسَالَةِ فِي مِيزَانِ المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ
تحولت "رسالة القصيم" إلى نواة للمكتبة العقدية الحديثة، ومن آثارها:
انْتِشَارُ المَعَاهِدِ وَالكُلِّيَّاتِ: التي تدرس "متون العقيدة" بنفس النمط التسلسلي الذي وضعه الإمام.
تَصْحِيحُ المَنَاسِكِ: تأثر الحجاج والزوار بمباحث "التوسل والزيارة" الواردة في شروحات هذه الرسالة، مما قلل من المظاهر الشركية في البقاع المقدسة.
الصَّحْوَةُ العِلْمِيَّةُ فِي الغَرْبِ: تُرجمت مضامين هذه الرسالة إلى لغات شتى، فكانت سبباً في هداية الكثيرين من أبناء الجاليات المسلمة في الخارج إلى العقيدة الصحيحة. (8)
سَادِسًا: التَّحْقِيقُ فِي "مُسْتَقْبَلِ الدَّعْوَةِ" بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ
يُؤكد الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ بقاء أثر هذه الرسالة مرهون بـ:
العناية بالدليل: لا تعصب للأشخاص بل تعظيم للوحي.
الرفق في البلاغ: فالرسالة كُتبت لرد الناس للحق، والناس يُردون بالرحمة لا بالتنفير.
الاستقامة العملية: أن يتحول التوحيد من مجرد "كلمات في رسالة" إلى "سلوك وأخلاق" يراها الناس في الداعية.
-----------------&
الحَاشِيَةُ
(1) الجرجاني. التعريفات، ص 20. (تحقيق معنى الأثر).
(2) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 480. (الأثر المعرفي للمتون العقدية).
(3) صالح آل الشيخ. محاضرات في الدعوة والمنهج، ص 115. (تأثير رسائل الإمام في العالم الإسلامي).
(4) ابن عثيمين. مجموع فتاوى ورسائل، ج 5، ص 210. (في فضل رسائل التوحيد).
(5) الفوزان، صالح. لمحات من حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ص 45. (أثر الدعوة في العصور المتأخرة).
(6) صالح آل الشيخ. شرح رسالة أهل القصيم (صوتي)، الدرس الختامي.
(7) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في العقيدة، ص 380. (المنهج العلمي في الرد على المخالف).
(8) ابن قاسم. الدرر السنية في الأجوبة النجدية، (مجلدات الرسائل والردود).
(9) الندوي، أبو الحسن. رجال الفكر والدعوة، ج 4. (تحقيق أثر الحركة السلفية في الهند ومصر).
(10) الهلالي، تقي الدين. الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة، ص 90. (أثر العقيدة في المغرب العربي).
(11) تعريف "المَنْهَجُ الشُّمُولِيُّ": هو الذي يربط بين العقيدة والعمل والسلوك، وهو ما امتازت به الرسالة.
(12) مذهب السلف في "الاسْتِمْرَارِيَّة": "الْحَقُّ قَدِيمٌ"، ولا يزداد بتقادم الزمان إلا جلاءً.
(13) تعريف "الصَّحْوَةُ العَقَدِيَّةُ": هي رجوع الأمة للبحث في أصول دينها وتجريد الاتباع.
(14) قاعدة: "مَا كَانَ لِلَّهِ بَقِيَ وَاتَّصَلَ، وَمَا كَانَ لِغَيْرِهِ انْقَطَعَ وَانْفَصَلَ".
(15) ابن حجر. فتح الباري، ج 13، ص 20. (في بقاء طائفة على الحق ظاهرين).
(16) تعريف "البَلَاغُ المُبِينُ": هو إيصال الحق للناس بوضوح دون تلبيس أو مداهنة.
(17) مذهب الأئمة الأربعة: إجماعهم على فضل نشر العلم الصحيح والتحذير من البدع.
(18) صحيح مسلم. كتاب العلم (باب مَن سنَّ في الإسلام سنة حسنة - أي أحيا سنة قديمة).
(19) تعريف "التَّأْصِيلُ": هو رد الفروع إلى أصولها الشرعية، وهو سر قوة هذه الرسالة.
(20) قاعدة: "العِبْرَةُ بِالحَقَائِقِ لَا بِالظَّوَاهِرِ"، والرسالة لامست حقائق الإيمان.
----------------------&
المَبْحَثُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ: الوَسَطِيَّةُ فِي دَعْوَةِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (بَيَانُ المَنْهَجِ وَدَحْضُ الغُلُوِّ)
نَصُّ الإِمَامِ المُحَقَّقُ (مِنْ رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ):
"وَمَذْهَبِي فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ التَّوْحِيدِ وَالعَقِيدَةِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، لَا أَزِيدُ عَلَيْهِ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، وَأَنَا فِي ذَلِكَ وَسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيِ الغُلُوِّ وَالجَفَاءِ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَيْنَ الفِرَقِ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (تَفْنِيدُ المُفْرَدَاتِ)
الوَسَطِيَّةُ:
لُغَةً: مأخوذة من "الوَسَطِ"، وهو خيار الشيء وأعدله، والوسط بين الطرفين.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هِيَ الِاعْتِصَامُ بِالحَقِّ بَيْنَ الغُلُوِّ وَتَجَاوُزِ الحُدُودِ، وَبَيْنَ الجَفَاءِ وَتَضْيِيعِ العُهُودِ، وَهِيَ صِفَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}. (1)
الغُلُوُّ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هُوَ مُجَاوَزَةُ المِقْدَارِ المَشْرُوعِ فِي الِاعْتِقَادِ أَوِ العَمَلِ.
الجَفَاءُ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هُوَ التَّقْصِيرُ وَالتَّفْرِيطُ وَالبُعْدُ عَنِ الحَقِّ تَهَاوُناً أَوْ جَهْلاً.
ثَانِيًا: بَرَاءَةُ الدَّعْوَةِ مِنَ "الِابْتِدَاعِ العَقَدِيِّ" (رُؤْيَةُ صَالِحِ سِنْدِي)
يُحقق الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ الإمام لم يأبُتكر عقيدة جديدة، بل كانت رسالته لأهل القصيم "نَسْخاً" لِمَا في كتب السلف الأوائل.
الاستدلال: إذا نظرت في الرسالة، تجد الإمام يقول: "أُشْهِدُ اللَّهَ وَمَنْ حَضَرَ مِنَ المَلَائِكَةِ أَنِّي أَعْتَقِدُ مَا اعْتَقَدَتْهُ الفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ".
الوسطية هنا: هي الالتزام بالنص (الكتاب والسنة) دون زيادة المتصوفة (الغلو) ولا نقصان المعطلة (الجفاء). فوسطية الإمام هي "عقيدة الصحابة" التي نُقلت عبر القرون، ولكن غبّر عليها الزمان في عصور الجهل، فجاء الإمام ليجلي عنها الغبار. (2)
ثَالِثًا: تَجَلِّيَاتُ الوَسَطِيَّةِ فِي رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ (تَفْصِيلُ المَسَائِلِ)
يُحرر المعالي الشيخ صالح آل الشيخ أنَّ وسطية الإمام تظهر في خمسة أصول كبرى وردت في الرسالة:
بَابُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ:
وسطيته: أثبت ما أثبته الله لنفسه (إثباتاً بلا تمثيل) ونزه الله عما نزه به نفسه (تنزيهاً بلا تعطيل).
الطرفان: هو وسط بين "المشبهة" الذين جعلوا الخالق كالمخلوق، وبين "الجهمية" الذين فرغوا الخالق من صفاته.
بَابُ القَدَرِ:
وسطيته: أثبت أنَّ للعبد مشيئة وفعلاً، وأنَّ الله خالق لكل شيء.
الطرفان: هو وسط بين "القدرية" الذين نفوا قدر الله، وبين "الجبرية" الذين سلبوا العبد إرادته. (3)
بَابُ الإِيمَانِ:
وسطيته: قرر أنَّ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
الطرفان: هو وسط بين "الوعيدية" (الخوارج) الذين يُكفرون بالكبيرة، وبين "المرجئة" الذين يخرجون العمل من مسمى الإيمان.
بَابُ الصَّحَابَةِ:
وسطيته: قرر محبة جميع الصحابة والكف عما شجر بينهم.
الطرفان: هو وسط بين "الروافض" الذين كفروهم، وبين "النواصب" الذين آذوهم. (4)
بَابُ آلِ البَيْتِ:
وسطيته: أوجب لهم المودة والمحبة لقرابتهم من النبي ﷺ ولتمسكهم بالسنة.
الطرفان: هو وسط بين مَن غلا فيهم حتى جعلهم آلهة، وبين مَن جفا في حقهم.
رَابِعًا: "رَدُّ الشُّبُهَاتِ" عَنْ وَسَطِيَّةِ الإِمَامِ (تَحْقِيقُ ابْنِ عُثَيْمِين)
يُفند الإمام ابن عثيمين (رحمه الله) فرية أنَّ الإمام كان متشدداً في التكفير:
قول الإمام: "أنا لا أُكفر إلا من أجمع المسلمون على كفره، وأما من خالف في المسائل الاجتهادية فلا أُكفره".
التحقيق: وسطية الإمام تظهر في "الورع عن الدماء"؛ فهو لم يُكفر إلا بالناقض الصريح بعد قيام الحجة، وهذا هو عين مذهب الأئمة الأربعة. ومن اتهمه بغير ذلك فليأتِ بنص واحد من رسائله يُكفر فيه بالذنب أو بالمعصية. (5)
خَامِسًا: دَوْرُ المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ فِي وَسَطِيَّةِ الإِمَامِ (تَحْقِيقُ الفَوْزَان)
يُبين المعالي الشيخ صالح الفوزان أنَّ الإمام في رسالته كان "حنبلِيَّ" الفروع، "سلفِيَّ" الأصول:
الارتباط بالمذاهب: لم يخرج الإمام عن أقوال الفقهاء المعتبرين، بل كان يستشهد بكلام ابن تيمية وابن القيم (وهما من أئمة الحنابلة) وبكلام الشافعي ومالك.
الوسطية في الاتباع: دعا إلى اتباع الدليل عند ظهوره، مع بقاء الاحترام الكامل للأئمة الأربعة، وهذا هو "الاعتدال" الذي فقده المتصلبون للمذاهب والمنفلتون منها. (6)
سَادِسًا: التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالشَّرْعِيُّ لِـ "مَسْلَكِ التَّفْنِيدِ" عِنْدَ صَالِحٍ سِنْدِي
يُقرر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ وسطية الدعوة في العصور المتاخرة هي صِمام الأمان:
تفنيد مفرَدة "الوهابية": يُبين الشيخ أنَّ هذا المصطلح أطلقه الخصوم للتنفير، بينما واقع الرسالة هو "المحمدية" نسبة لرسول الله ﷺ؛ لأنَّ الإمام لم يأتِ بشيء من عنده.
التوازن بين العلم والعمل: الدعوة لم تكن "نظرية" فقط، بل كانت عملية تدعو لتصحيح الواقع مع المحافظة على الأصول، وهذا سر قوتها ووسطيتها. (7)
سَابِعًا: كَيْفَ نَقَلَ الإِمَامُ عَقِيدَةَ السَّلَفِ إِلَى أَهْلِ القَصِيمِ؟
لم يكن نقلاً "جامداً"، بل كان نقلاً "محققاً":
بِالتَّبْسِيطِ: خاطبهم بلغة يفهمونها (رسالة أهل القصيم نموذجاً).
بِالرَّبْطِ: ربط واقعهم (الشركيات عند الأشجار والقبور) بنصوص القرآن التي نزلت في مشركي العرب، ليبين لهم أنَّ "الدين واحد" والشرك مهما تغير ثوبه فهو شرك.
بِالثَّبَاتِ: لم يداهن في الأصول، ولم يغلُ في الفروع، فاجتمع الناس حوله.
ثَامِنًا: خُلَاصَةُ "الوَسَطِيَّةِ السَّلَفِيَّةِ" فِي مِيزَانِ المَحَقِّقِينَ
يُجمل المحققون أنَّ وسطية الإمام محمد بن عبد الوهاب هي:
عِلْمٌ بِلَا جَهْل: (استدلال صحيح).
إِخْلَاصٌ بِلَا شِرْك: (توحيد الألوهية).
اتِّبَاعٌ بِلَا ابْتِدَاع: (تحقيق المتابعة للنبي ﷺ).
حِلْمٌ بِلَا ضَعْف: (الصبر على أذى الخصوم مع البيان المر).
-----------------&
الحَاشِيَةُ
(1) الراغب الأصفهاني. المفردات في غريب القرآن، مادة (وسط).
(2) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 500. (وسطية المنهج السلفي).
(3) ابن تيمية. العقيدة الواسطية، ص 10-15. (تأصيل وسطية أهل السنة بين الفرق).
(4) صالح آل الشيخ. شرح العقيدة الطحاوية، ج 2، ص 400. (منهج السلف في الصحابة وآل البيت).
(5) ابن عثيمين. تصحيح مفاهيم خاطئة حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص 25.
(6) الفوزان، صالح. حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص 80. (علاقة الدعوة بالمذاهب الأربعة).
(7) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في المنهج، ص 120. (نقد المصطلحات المنفرة).
(8) الشوكاني. البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، ج 2، ص 5. (شهادة منصفة لوسطية الإمام).
(9) ابن قاسم. الدرر السنية، ج 1، ص 120. (نصوص الإمام في نفي الغلو).
(10) ابن بشر. عنوان المجد في تاريخ نجد، ج 1، ص 30. (أثر الدعوة في استقامة الناس).
(11) تعريف "الفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ": هم المتمسكون بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
(12) مذهب السلف في "الِاعْتِدَالِ": هو لزوم "الجادة" دون الالتفات لبنيات الطريق.
(13) تعريف "شُبْهَةُ التَّشْدِيدِ": هي وصف أطلقه من أراد تمييع الدين على من أراد إقامة التوحيد.
(14) قاعدة: "الْحَقُّ وَسَطٌ بَيْنَ بَاطِلَيْنِ".
(15) ابن القيم. إعلام الموقعين، ج 1، ص 150. (في شرف اتباع الدليل).
(16) تعريف "مُبَاينَة أَهْلِ الأَهْوَاءِ": هي من وسطية المنهج لحماية المجتمع من التحلل العقدِي.
(17) مذهب الأئمة الأربعة: كلهم أجمعوا على أنَّ التوحيد هو أصل الدين وأساس الفلاح.
(18) صحيح البخاري. كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (باب الاقتصاد في العمل).
(19) تعريف "البَصِيرَةُ": هي العلم الذي يميز به الإنسان بين المحكم والمتشابه.
(20) قاعدة: "لَا يُنْكَرُ تَغَيُّرُ الأَحْكَامِ (الاجتهادية) بِتَغَيُّرِ الأَزْمَانِ، وَأَمَّا الأُصُولُ فَثَابِتَةٌ كَالجِبَالِ".
----------------------------------&
المَبْحَثُ الثَّالِثُ وَالعِشْرُونَ: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (لَمُّ شَتَاتِ أُصُولِ الِاسْتِدْلَالِ عِنْدَ الإِمَامِ فِي رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ - رُؤْيَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ)
نَصُّ التَّقْدِيمِ المَنْهَجِيِّ:
"إِنَّ الِاسْتِدْلَالَ العَقَدِيَّ عِنْدَ الإِمَامِ فِي رِسَالَتِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِلْآيَاتِ، بَلْ هُوَ هَنْدَسَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى لَمِّ شَتَاتِ الأَدِلَّةِ لِتَصُبَّ فِي بَوْتَقَةِ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، وَهِيَ رُؤْيَةٌ تَسْتَوْجِبُ التَّحْلِيلَ لِكَشْفِ مَعَالِمِ هَذَا المَسْلَكِ الرَّصِينِ."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ (تَفْنِيدُ المُفْرَدَاتِ)
المَسْلَكُ:
لُغَةً: الطَّرِيقُ وَالمَنْهَجُ الَّذِي يُسْلَكُ لِلْوُصُولِ إِلَى الغَايَةِ.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هُوَ المَنْهَجُ الِاجْتِهَادِيُّ المُنْضَبِطُ بِأُصُولِ الشَّرْعِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ النُّصُوصِ اسْتِخْرَاجاً وَاسْتِنْبَاطاً. (1)
أُصُولُ الِاسْتِدْلَالِ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هِيَ القَوَاعِدُ وَالمَرَاجِعُ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا المُجْتَهِدُ فِي إِثْبَاتِ المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ (القُرْآنُ، السُّنَّةُ، الإِجْمَاعُ، الآثَارُ).
لَمُّ الشَّتَاتِ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هُوَ جَمْعُ الأَدِلَّةِ المُتَفَرِّقَةِ فِي أَبْوَابِ التَّوْحِيدِ وَرَدُّهَا إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ جَامِعٍ يَمْنَعُ التَّنَاقُضَ.
ثَانِيًا: الرُّؤْيَةُ التَّحْلِيلِيَّةُ لِلبَاحِثِ: الأُصُولُ الأَرْبَعَةُ لِلِاسْتِدْلَالِ فِي الرِّسَالَةِ
يُحقق الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ الإمام في رسالته لَمَّ شتات الاستدلال عبر أربعة مسالك كبرى برزت في ثنايا خطابه لأهل القصيم:
1. المَسْلَكُ الأَوَّلُ: تَقْدِيمُ "النَّقْلِ المَحْضِ" عَلَى "العَقْلِ المَحْضِ"
التحليل: يظهر إبداع الإمام في أنه لم يشرع في مناقشات عقلية معقدة، بل لَمَّ شتات العقيدة في "الإيمان بالغيب" كما ورد.
القاعدة: (العَقْلُ خَادِمٌ لِلنَّقْلِ لَا حَاكِمٌ عَلَيْهِ). فكلما ورد نص في الصفات، لَمَّ الإمام شتات الأفهام حول "الإثبات" وترك "التكييف". (2)
2. المَسْلَكُ الثَّانِي: الِاسْتِدْلَالُ بـ "السِّيَاقِ القُرْآنِيِّ" الشَّامِلِ
التحليل: الإمام لا يأخذ آية بمعزل عن غيرها، بل يجمع شتات الآيات التي تتحدث عن الربوبية ليُثبت بها وجوب الألوهية.
القاعدة: (القُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضاً). وهذا هو "لم الشتات" الحقيقي الذي يعصم من انحراف الاستدلال الجزئي. (3)
ثَالِثًا: تَحْلِيلُ بَاحِثٍ: مَنْهَجُ "الآثَارِ السَّلَفِيَّةِ" فِي لَمِّ الشَّتَاتِ
يُقرر المعالي الشيخ صالح آل الشيخ أنَّ الإمام أبدع في ربط رسالته بـ "المدار السلفي":
الربط التاريخي: لَمَّ الإمام شتات أقوال الأئمة الأربعة، وأصحاب القرون المفضلة، ليُبين أنَّ دعوته هي "امتداد" وليست "انقطاعاً".
التفنيد: يرد الباحث هنا على من زعم أنَّ الشيخ تفرّد بأقواله؛ فجمعُ الشتات في الرسالة يُثبت أنَّ كل مسألة ذكرها لها "سلف" من الصحابة والتابعين. (4)
رَابِعًا: تَحْقِيقُ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِين فِي "وَحْدَةِ الدَّلِيلِ"
يُحرر الشيخ ابن عثيمين (رحمه الله) أنَّ الإمام لَمَّ شتات الأدلة في رسالته حول "قاعدة التعظيم":
التحليل: كل دليل ساقه الإمام (في الذبح، النذر، الاستغاثة) يعود إلى أصل واحد: "تعظيم جناب الربوبية".
الأثر: هذا الجمع للشتات يجعل الطالب يدرك أنَّ التوحيد "بناء متكامل" لا يتجزأ، فمن أقر بالربوبية لزمه عقلاً وشرعاً إفراد الألوهية. (5)
خَامِسًا: مَسْلَكُ "تَقْعِيدِ القَوَاعِدِ" كَوَسِيلَةٍ لِلَمِّ الشَّتَاتِ (رُؤْيَةُ صَالِحِ سِنْدِي)
يُحقق الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ الباحث المتمكن يرى في الرسالة "قواعد ذائبة" لَمَّت شتات المسائل:
قاعدة "الإثبات المفصل والتنزيه المجمل": لَمَّت شتات باب الأسماء والصفات.
قاعدة "سد الذرائع": لَمَّت شتات مسائل القبور والبدع المحدثة.
قاعدة "الوسطية": لَمَّت شتات الموقف من الفرق (الخوارج، المرجئة، القدرية). (6)
سَادِسًا: التَّحْلِيلُ العَقَدِيُّ لِأُسْلُوبِ "الرَّدِّ بِالمُحْكَمِ"
من إبداع الباحث في هذا المبحث، تبيان كيف لَمَّ الإمام شتات "الشبهات" وردها بأصل واحد:
المسلك: لَمَّ الإمام شتات شبهات "المتوسلين بالقبور" وردها بآية واحدة محكمة: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}.
التحليل: هذا "اللم" للمتفرق من الشبهات وحصره في زاوية "المصادمة للنص" هو من أعظم مهارات الاستدلال عند الإمام. (7)
سَابِعًا: "لَمُّ الشَّتَاتِ" فِي بَابِ الطَّاعَةِ وَالجَمَاعَةِ
يُبين المعالي الشيخ صالح الفوزان أنَّ الإمام لَمَّ شتات نصوص "السمع والطاعة" مع نصوص "الأمر بالمعروف":
التحليل: لم يضرب النصوص بعضها ببعض، بل جمعها في مسلك وسط: (الطاعة في المعروف مع النصح للمسلمين)، وهذا لَمٌّ لشتات كاد أن يُفرق الأمة بين خارجي غالٍ ومرجئ جافٍ. (8)
ثَامِنًا: خُلَاصَةُ الرُّؤْيَةِ التَّحْلِيلِيَّةِ لِلبَاحِثِ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ الأَسْمَى)
يخلص الباحث إلى أنَّ إبداع الإمام محمد بن عبد الوهاب في رسالة أهل القصيم يكمن في:
الاخْتِصَارُ المُعْجِزُ: الذي لَمَّ شتات "المجلدات" في "صفحات".
القُوَّةُ فِي الِارْتِبَاطِ: ربط فروع العقيدة بأصل التوحيد ربطاً عضوياً.
المِصْدَاقِيَّةُ المَنْهَجِيَّةُ: التي تجعل القارئ يرى "عقيدة السلف" رأي العين، دون تشويش من المتأخرين.
--------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) الجرجاني. التعريفات، ص 210. (تحقيق معنى المسلك العلمي).
(2) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 540. (منهج الاستدلال العقدي).
(3) ابن تيمية. مقدمة في أصول التفسير، ص 15. (قاعدة تفسير القرآن بالقرآن).
(4) صالح آل الشيخ. شرح العقيدة الطحاوية، ج 1، ص 30. (ربط المتون العقدية بأصول السلف).
(5) ابن عثيمين. فتح رب البرية بتلخيص الحموية، ص 50. (وحدة الدليل في باب التوحيد).
(6) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في العقيدة، ص 420. (تطبيق القواعد في لم شتات المسائل).
(7) ابن القيم. الصواعق المرسلة، ج 2، ص 400. (في منهج الرد بالمحكم على المتشابه).
(8) الفوزان، صالح. شرح رسالة الإمام لعلماء مكة، ص 60. (وسطية الاستدلال في الجماعة والإمامة).
(9) الشنقيطي. أضواء البيان، ج 1، ص 10. (في لم شتات الأدلة القرآنية).
(10) ابن بشر. عنوان المجد، ج 1، ص 40. (أثر قوة استدلال الإمام في إقناع المخالفين).
(11) تعريف "الهَنْدَسَةُ المَعْرِفِيَّةُ": هي ترتيب الأفكار والأدلة بترتيب منطقي يوصل لليقين.
(12) مذهب السلف في "الِاسْتِدْلَالِ": هو الذي يبدأ بالوحي ثم يستأنس بالعقل واللغة.
(13) تعريف "الدَّلِيلُ المُرَكَّبُ": هو الذي يتكون من مجموع أدلة تؤدي لنتيجة قطعية واحدة.
(14) قاعدة: "مَنْ لَمْ يَجْمَعْ شَتَاتَ الأَدِلَّةِ فِي البَابِ الوَاحِدِ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الزَّلَلِ".
(15) ابن عبد البر. جامع بيان العلم وفضله، ج 2، ص 120. (في فضل الاستنباط السليم).
(16) تعريف "التَّحْلِيلُ العَقَدِيُّ": هو تفكيك الشبهة وبناء الحجة على أسس شرعية.
(17) مذهب الإمام أحمد: "أصل الدين ما في كتاب الله وآثار رسوله".
(18) صحيح البخاري. كتاب العلم (باب الفهم في العلم).
(19) تعريف "البَحْثُ المُحَقِّقُ": هو الذي يربط النصوص بواقعها وبأصولها التاريخية.
(20) قاعدة: "الحَقُّ لَا يَتَنَاقَضُ، فَإِذَا بَدَا تَنَاقُضٌ فَهُوَ لِقُصُورٍ فِي لَمِّ الشَّتَاتِ".
-----------------------&
المَبْحَثُ الرَّابِعُ وَالعِشْرُونَ: الرُّدُودُ العَقَدِيَّةُ المُحْكَمَةُ عَلَى الخُصُومِ المُعَاصِرِينَ اسْتِنَاداً إِلَى نُصُوصِ الرِّسَالَةِ
نَصُّ التَّقْدِيمِ التَّحْلِيلِيِّ:
"إِنَّ قُوَّةَ الرِّسَالَةِ العَقَدِيَّةِ تَكْمُنُ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى مُحَاكَمَةِ النَّوازِلِ الفِكْرِيَّةِ المَعَاصِرَةِ؛ فَالإِمَامُ رَسَمَ خَارِطَةً لِلْحَقِّ تَهْدِمُ كُلَّ بَاطِلٍ مُسْتَحْدَثٍ، مِمَّا يَجْعَلُ نُصُوصَهَا (قَذَائِفَ حَقٍّ) عَلَى شُبَهَاتِ المُمَيِّعَةِ وَالغَالِينَ فِي عَصْرِنَا."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ لِأَدَوَاتِ الرَّدِّ (تَفْنِيدُ المُفْرَدَاتِ)
الخُصُومُ المُعَاصِرُونَ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هُمْ أَصْحَابُ التَّيَّارَاتِ الفِكْرِيَّةِ وَالعَقَدِيَّةِ الَّتِي نَشَأَتْ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ، وَحَاوَلَتْ هَدْمَ أُصُولِ التَّوْحِيدِ بِدَعَاوَى الحَدَاثَةِ، أَوْ إِحْيَاءِ التَّصَوُّفِ القُبُورِيِّ، أَوْ مَنْهَجِ التَّكْفِيرِ الخَارِجِيِّ.
الرُّدُودُ المُحْكَمَةُ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هِيَ الإِجَابَاتُ القَاطِعَةُ المُسْتَمِدَّةُ مِنْ صَرِيحِ الوَحْيِ، الَّتِي لَا تَتْرُكُ لِلْمُبْطِلِ مَجَالاً لِلْمُرَاوَغَةِ. (1)
الرَّبْطُ وَالتَّحْلِيلُ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هُوَ المَلَكَةُ العِلْمِيَّةُ الَّتِي يَمْتَلِكُهَا البَاحِثُ لِتَنْزِيلِ النَّصِّ العَامِّ عَلَى الوَاقِعِ الخَاصِّ بِدِقَّةٍ وَبَصِيرَةٍ.
ثَانِيًا: الرَّدُّ عَلَى "تَيَّارِ التَّمْيِيعِ العَقَدِيِّ" (رُؤْيَةُ صَالِحِ سِنْدِي)
يُحقق الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ أكبر خصوم التوحيد اليوم هم من يسعون لـ "وحدة الأديان" أو "تمميع الفوارق" بين الموحد والمشرك.
الرَّدُّ مِنْ نَصِّ الرِّسَالَةِ: يُبرز الباحث قول الإمام: "وَأُقِرُّ بِأَنَّ مَنْ صَرَفَ شَيْئاً مِنَ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ".
الرَّبْطُ التَّحْلِيلِيُّ: هذا النص المحكم يقطع الطريق على من يزعم أنَّ الشرك "تاريخي" انتهى بموت أبي جهل، بل هو واقع في كل من صرف العبادة لغير الله، مما يُفند دعاوى "الأخوة الدينية" الشاملة التي تُلغي أصل الولاء والبراء. (2)
ثَالِثًا: الرَّدُّ عَلَى "الغُلَاةِ وَأَصْحَابِ الفِكْرِ الخَارِجِيِّ" (رُؤْيَةُ آلِ الشَّيْخ)
يُحرر المعالي الشيخ صالح آل الشيخ أنَّ الخوارج المعاصرين استغلوا نصوص الدعوة لتكفير المجتمعات.
الرَّدُّ مِنْ نَصِّ الرِّسَالَةِ: قول الإمام: "وَلَا أُكَفِّرُ أَحَداً مِنَ المُسْلِمِينَ بِذَنْبٍ، وَلَا أُخْرِجُهُ مِنَ الدَّائِرَةِ الإِسْلَامِيَّةِ".
الرَّبْطُ التَّحْلِيلِيُّ: يُبين الباحث أنَّ الإمام كان "سلفي المشرب" في التكفير، يقيدُه بالضوابط الشرعية، مما يجعله أعظم رادع لفكر "الدواعش" و"القاعدة" الذين يزعمون اتباع نهجه وهم أبعد الناس عن أصوله في الورع عن الدماء. (3)
رَابِعًا: الرَّدُّ عَلَى "الصُّوفِيَّةِ القُبُورِيَّةِ الحَدِيثَةِ" (تَحْقِيقُ الفَوْزَان)
يُفند المعالي الشيخ صالح الفوزان شبهات المعاصرين الذين اتخذوا وسائل الإعلام لنشر "الاستغاثة بالموتى" تحت مسمى "المحبة".
الرَّدُّ مِنْ نَصِّ الرِّسَالَةِ: تأكيد الإمام على أنَّ "الدعاء هو العبادة"، واستشهاده بقصة أصحاب الغار.
الرَّبْطُ التَّحْلِيلِيُّ: إبداع الباحث هنا يكمن في ربط "توسل الصحابة" بالحي، بـ "توسل المعاصرين" بالميت؛ ليُبين أنَّ الفعل المعاصر هو انحراف عما كان عليه السلف، وأنَّ "المحبة" الصادقة هي في الاتباع لا في الابتداع الشركي. (4)
خَامِسًا: الرَّدُّ عَلَى "العَقْلَانِيِّينَ وَالحَدَاثِيِّينَ" (تَحْقِيقُ ابْنِ عُثَيْمِين)
يُحرر الإمام ابن عثيمين (رحمه الله) أنَّ المدرسة العقلانية الحديثة تُنكر الصفات الخبرية (كالنزول واليدين) بدعوى عدم مواءمتها للعقل المعاصر.
الرَّدُّ مِنْ نَصِّ الرِّسَالَةِ: قول الإمام: "نُؤْمِنُ بِكُلِّ مَا جَاءَ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ.. مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ".
الرَّبْطُ التَّحْلِيلِيُّ: يُثبت الباحث أنَّ تعليق الإيمان بـ "التوقيف" هو الرد الوحيد الذي لا ينكسر أمام موجات الفلسفة المادية؛ فالغيب يُصدَّق ولا يُكَيَّف، وهو مذهب الصحابة والتابعين. (5)
سَادِسًا: الرَّبْطُ بَيْنَ "رِسَالَةِ القَصِيمِ" وَ "قَضَايَا الحَاكِمِيَّةِ" المُعَاصِرَةِ
من إبداع الباحث في هذا المبحث، تحليل موقف الإمام من "الطاعة والولاية":
المسلك: لَمَّ الإمام شتات نصوص الجماعة، ورد بها على دعاة "الثورات" و"الفوضى" المعاصرين.
التحليل: نصوص الرسالة تُقرر أنَّ استقرار التوحيد لا يكون إلا باستقرار الجماعة، مما يجعل الدعوة السلفية صمام أمان ضد "التسييس الحزبي" للعقيدة. (6)
سَابِعًا: تَحْقِيقُ "صَالِحٍ سِنْدِي" فِي دَحْضِ شُبْهَةِ "الخُرُوجِ عَلَى الدَّوْلَةِ العُثْمَانِيَّةِ"
يستخدم الباحث نصوص الرسالة للرد على الخصوم الذين يتهمون الدعوة بـ "الخروج":
التحليل: الرسالة وُجِّهت لأهل القصيم وهم جزء من الكيان الإسلامي، ولم تتضمن كلمة واحدة تدعو للخروج، بل تضمنت الإقرار بالسمع والطاعة لكل إمام اجتمعت عليه الكلمة.
النتيجة: نصوص الرسالة هي "وثيقة براءة" تاريخية تُبطل افتراءات الخصوم المعاصرين. (7)
ثَامِنًا: خُلَاصَةُ الإِبْدَاعِ فِي الرَّبْطِ وَالتَّحْلِيلِ (مَسْلَكُ البَاحِثِ)
يخلص الباحث إلى أنَّ رسالة أهل القصيم هي:
مِيْزَانُ عَدْلٍ: تُحاكم إليه الأفكار المعاصرة.
مِشْكَاةُ نُورٍ: تُبصر بها القلوب وسط ظلمات الشبهات.
سَيْفٌ قَاطِعٌ: يفرق بين السلفية الحقة والادعاءات الباطلة.
-------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن تيمية. درء تعارض العقل والنقل، ج 1، ص 5. (في قواعد الرد على المخالف).
(2) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 560. (الرد على تمييع عقيدة الولاء والبراء).
(3) صالح آل الشيخ. شرح الفتاوى الحموية، ص 90. (في نقد الفكر الخارجي المعاصر).
(4) الفوزان، صالح. حقيقة التصوف، ص 120. (الرد على شبهات القبوريين المحدثين).
(5) ابن عثيمين. شرح العقيدة الواسطية، ص 40. (في الرد على العقلانيين في باب الصفات).
(6) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في السياسة الشرعية، ص 15. (أثر العقيدة في استقرار المجتمعات).
(7) منير العجلاني. تاريخ البلاد العربية السعودية، ج 1، ص 180. (تفنيد شبهة الخروج).
(8) ابن قاسم. الدرر السنية، ج 1، ص 200. (مكاتبات الإمام في التحذير من الغلو).
(9) تعريف "النَّازِلَةُ العَقَدِيَّةُ": هي المسألة الحادثة التي تحتاج لبيان حكمها الشرعي من أصول العقيدة.
(10) مذهب السلف في "الرَّدِّ": "الرَّدُّ بِالعِلْمِ وَالعَدْلِ"، فلا نكذب على الخصم ولا نظلمه.
(11) تعريف "الحَدَاثَةُ العَقَدِيَّةُ": هي محاولة إخضاع نصوص الوحي للمناهج الغربية المادية.
(12) قاعدة: "كُلُّ شُبْهَةٍ لَا تَثْبُتُ أَمَامَ سُلْطَانِ النَّصِّ المُحْكَمِ".
(13) ابن القيم. الصواعق المرسلة، ج 1، ص 300. (في كسر طاغوت العقل البشري المعارض للوحي).
(14) قاعدة: "الخَطَأُ فِي العَفْوِ خَيْرٌ مِنَ الخَطَأِ فِي العُقُوبَةِ" (مبدأ الإمام في التكفير).
(15) تعريف "تَوْحِيدُ الحَاكِمِيَّةِ": هو جزء من توحيد الربوبية والألوهية، والرسالة أصلته بجعل الشرع هو الحاكم.
(16) مذهب الأئمة الأربعة: إجماعهم على وجوب الرد على أهل البدع حماية للدين.
(17) صحيح مسلم. كتاب الفتن (باب لزوم جماعة المسلمين وإمامهم).
(18) تعريف "المُمَيِّعَةُ": هم الذين يتساهلون في أصول الدين بدعوى التسامح الموهوم.
(19) قاعدة: "الحَقُّ لَا يَتَعَدَّدُ، وَمَا ذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ".
(20) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. نقد الفكر الحداثي، ص 45. (ربط نصوص السلف بالردود المعاصرة).
------------&
المَبْحَثُ الخَامِسُ وَالعِشْرُونَ:
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّدَبُّرِيُّ فِي رِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ
نَصُّ التَّأْصِيلِ التَّرْبَوِيِّ:
"إِنَّ الغَايَةَ مِنْ دِرَاسَةِ العَقِيدَةِ لَيْسَتْ حَشْوَ الأَذْهَانِ بِالمُصْطَلَحَاتِ، بَلْ صِيَاغَةُ النُّفُوسِ عَلَى مِعْرَاجِ العُبُودِيَّةِ؛ وَرِسَالَةُ الإِمَامِ لِأَهْلِ القَصِيمِ هِيَ أُنمُوذَجٌ فَرِيدٌ فِي التَّرْبِيَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ عِلْماً وَعَمَلاً وَحَالاً."
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ لِأَدَوَاتِ التَّرْبِيَةِ (تَفْنِيدُ المُفْرَدَاتِ)
التَّرْبِيَةُ:
لُغَةً: مِنَ الرَّبِّ، وَهُوَ الإِصْلَاحُ وَالتَّنْمِيَةُ شَيْئاً فَشَيْئاً.
شَرْعاً (الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ): هِيَ تَعَهُّدُ النَّفْسِ بِالعِلْمِ وَالإِيمَانِ لِتَصِلَ إِلَى كَمَالِهَا العُبُودِيِّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ. (1)
التَّدَبُّرُ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هُوَ النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ الكَلَامِ وَغَايَاتِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي مَعَانِي النُّصُوصِ لِيَتَحَقَّقَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ مِنَ الِامْتِثَالِ.
المَنْهَجُ التَّعْلِيمِيُّ:
تَحْقِيقُ الحَدِّ: هُوَ الخُطَّةُ المُرَتَّبَةُ الَّتِي يَسْلُكُهَا المُعَلِّمُ لِنَقْلِ الحَقَائِقِ العِلْمِيَّةِ إِلَى عَقْلِ وَقَلْبِ المُتَعَلِّمِ بِأَقْرَبِ طَرِيقٍ.
ثَانِيًا: الفَوَائِدُ التَّرْبَوِيَّةُ لِلرِّسَالَةِ (رُؤْيَةُ صَالِحِ سِنْدِي)
يُحقق الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ الرسالة تمثل "منهجاً تربوياً" متكاملاً، وتتجلى فوائدها في:
غَرْسُ اليَقِينِ: الإمام يبدأ بـ "أُشْهِدُ اللَّهَ"، وهذا يعلم الطالب "الصدق مع الله" قبل الخلق، وأنَّ العقيدة ليست كلاماً يُقال بل شهادة يُحاسب عليها.
التَّوَاضُعُ العِلْمِيُّ: وصف الإمام لنفسه بالاتباع ونفي الابتداع يُربي في نفس الطالب نبذ "الأنا" والاعتزاز بالحق لا بالنفس.
الوَضُوحُ وَالقَصْدُ: الرسالة تعلم الطالب عدم التكلف، والبعد عن "الثرثرة العلمية" التي لا طائل منها، والتركيز على "الأصول" التي تُبنى عليها النجاة. (2)
ثَالِثًا: مَنْهَجِيَّةُ تَدْرِيسِ الرِّسَالَةِ لِلْطُّلَّابِ (تَحْقِيقُ آلِ الشَّيْخ)
يُحرر المعالي الشيخ صالح آل الشيخ خطوات عملية لتدريس هذه الرسالة تربوياً:
رَبْطُ المَسَائِلِ بِدَلَائِلِ القُلُوبِ: عند شرح "الإيمان بالملائكة" أو "اليوم الآخر"، لا نكتفي بالتعريف الاصطلاحي، بل نُربي الطالب على "مراقبة الله" واستشعار هيبة الحساب.
التَّعْلِيمُ بِالقُدْوَةِ: إبراز كيف كان الإمام يطبق هذه العقيدة صبراً وحلماً وشجاعة في الرد على الخصوم، فالطالب يتأثر بحال المعلم قبل مقاله.
طَرِيقَةُ (السُّؤَالِ وَالجَوَابِ): استخدام منهج الرسالة في تفكيك الشبهات لتدريب الطلاب على "المَلَكة النقدية" وحماية عقولهم من الشبهات الوافدة. (5)
رَابِعًا: النَّاحِيَةُ التَّدَبُّرِيَّةُ فِي مَعَانِي الرِّسَالَةِ (تَحْقِيقُ ابْنِ عُثَيْمِين)
يُحرر الإمام ابن عثيمين (رحمه الله) أنَّ التدبر في كلمات الإمام يفتح آفاقاً إيمانية:
تَدَبُّرُ "أُؤْمِنُ بِاللَّهِ": يعني الخضوع والمحبة والرجاء.
تَدَبُّرُ "مَذْهَبِي مَذْهَبُ السَّلَفِ": يورث الطمأنينة النفسية بأنَّ المسلم ليس وحيداً، بل هو في "ركب مبارك" ممتد من عهد النبوة.
الأثر التربوي: هذا التدبر يحول العقيدة من "قضايا ذهنية" إلى "أشواق قلبية" تدفع للعمل الصالح. (4)
خَامِسًا: التَّرْبِيَةُ عَلَى "الوَسَطِيَّةِ وَالِاعْتِدَالِ" (رُؤْيَةُ الفَوْزَان)
يُبين المعالي الشيخ صالح الفوزان كيف نُربي الطلاب من خلال الرسالة على الاعتدال:
علاج الغلو: بتدريس "ورع الإمام في التكفير".
علاج الجفاء: بتدريس "حزم الإمام في التوحيد".
النتيجة: نُخرج جيلاً "محققاً" لا "مقلداً"، يزن الأمور بميزان الشرع لا بميزان العاطفة الهائجة. (5)
سَادِسًا: التَّحْقِيقُ فِي "أَدَبِ الخِلَافِ" كَمَقْصِدٍ تَرْبَوِيٍّ (مَسْلَكُ سِنْدِي)
يُقرر الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي أنَّ الرسالة تُربي على "أدب الخصومة":
المسلك: الإمام يكتب لمن خالفوه واتهموه (أهل القصيم في ذلك الوقت)، فكان خطابه "بَيِّناً، رَصِيناً، مُبِيناً".
الفائدة التربوية: تعليم الطالب كيف يخاطب المخالف بـ "العلم والعدل"، وكيف ينفي عن نفسه التهم بـ "الهدوء اليقيني" لا بـ "الصراخ المنهزم". (6)
سَابِعًا: خُطَّةُ "التَّدَبُّرِ المَنْهَجِيِّ" لِلرِّسَالَةِ فِي حِلَقِ العِلْمِ
لتحقيق أقصى فائدة تربوية، يقترح المحققون:
المرحلة الأولى: (الحفظ والضبط) لنصوص الرسالة.
المرحلة الثانية: (التدبر والربط) بربط كل جملة بآية من القرآن.
المرحلة الثالثة: (الامتثال والتمثل) بتحويل العقيدة لسلوك يومي (تعظيم الله في الصلاة، الصدق في النذر، الإخلاص في الذبح).
ثَامِنًا: خُلَاصَةُ المَبْحَثِ التَّرْبَوِيِّ (الرِّسَالَةُ كَمَنْهَجِ حَيَاةٍ)
يخلص الباحث إلى أنَّ رسالة أهل القصيم هي:
مَدْرَسَةُ صِدْقٍ: تُربي على إخلاص الدين لله.
مَحْضَنُ وعيٍ: تُبصر الطالب بمواضع الزلل.
مَنَارَةُ هُدَى: تُرشد السالكين في دروب العلم والعمل.
------------------&
الحَاشِيَةُ
(1) ابن القيم. مدارج السالكين، ج 2، ص 300. (تحقيق معنى التربية الإيمانية).
(2) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. شرح رسالة أهل القصيم، ص 580. (المقاصد التربوية في العقيدة).
(3) صالح آل الشيخ. المنظومة التربوية في الكتاب والسنة، ص 45.
(4) ابن عثيمين. نور على الدرب (فتاوى العقيدة والتربية).
(5) الفوزان، صالح. دروس في تدريس العقيدة، ص 110. (منهجية التعليم السلفي).
(6) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. دروس في التربية العلمية، ص 25.
(7) ابن جماعة. تذكرة السامع والمتكلم، ص 50. (أدب العالم والمتعلم).
(8) الآجري. أخلاق العلماء، ص 30. (في صفات الداعية المربي).
(9) تعريف "التَّرْبِيَةُ العَقَدِيَّةُ": هي غرس أصول الإيمان في القلب بحيث تنعكس على سلوك الجوارح.
(10) مذهب السلف في "التَّدَبُّرِ": "لَا يَكُونُ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ"، بل فهم المراد والعمل به.
(11) تعريف "المَلَكَةُ النَّقْدِيَّةُ": القدرة على تمييز الحق من الباطل بناءً على معايير الوحي.
(12) قاعدة: "العِلْمُ الَّذِي لَا يُوَرِّثُ خَشْيَةً هُوَ حُجَّةٌ عَلَى صَاحِبِهِ".
(13) الغزالي. إحياء علوم الدين (كتاب العلم)، مع تعقيبات السلف.
(14) قاعدة: "التَّصْحِيحُ التَّرْبَوِيُّ يَبْدَأُ مِنْ تَصْحِيحِ المُعْتَقَدِ".
(15) تعريف "الإِخْلَاصُ التَّرْبَوِيُّ": هو ابتغاء وجه الله في طلب العلم وتعليمه.
(16) مذهب الأئمة الأربعة: اتفاقهم على أنَّ العلم وسيلة للتقوى.
(17) صحيح البخاري. كتاب الإيمان (باب حلاوة الإيمان).
(18) تعريف "التَّدَبُّرُ المَقَاصِدِيُّ": هو فهم الحكمة من تشريع العقائد والعبادات.
(19) قاعدة: "كُلَّمَا زَادَ تَدَبُّرُ العَبْدِ لِعَقِيدَتِهِ، زَادَ تَعْظِيمُهُ لِخَالِقِهِ".
(20) الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. منطلقات تربوية، ص 65. (أثر المتون في صياغة الشخصية).
-------------------------&
نَتَائِجُ البَحْثِ العِلْمِيِّ لِرِسَالَةِ الإِمَامِ إِلَى أَهْلِ القَصِيمِ
النَّتِيجَةُ الأُولَى: أثبت البحث أنَّ رسالة أهل القصيم هي "وثيقة عقدية" تمثل أصدق تعبير عن منهج السلف الصالح، بعيداً عن تأويلات المتكلمين وانحرافات الغالين.
النَّتِيجَةُ الثَّانِيَةُ: برهنت الدراسة على أنَّ الإمام محمد بن عبد الوهاب لم يأتِ بمذهب جديد، بل كان "ناقلاً ومجدداً" لما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة الأربعة.
النَّتِيجَةُ الثَّالِثَةُ: تقرر أنَّ "تفنيد المفردات" لغوياً وشرعياً هو المفتاح الصحيح لفهم مقاصد الإمام، ومنع اللبس الذي يقع فيه الخصوم بسبب الاصطلاحات الحادثة.
النَّتِيجَةُ الرَّابِعَةُ: خلص البحث إلى أنَّ "توحيد الألوهية" هو المحور الذي دارت حوله الرسالة، باعتباره الغاية التي من أجلها خُلق الخلق وأُرسل الرسل.
النَّتِيجَةُ الخَامِسَةُ: كشفت الدراسة عن "وسطية الإمام" في باب الأسماء والصفات، حيث لزم مسلك الإثبات بلا تمثيل والتنزيه بلا تعطيل.
النَّتِيجَةُ السَّادِسَةُ: أثبت التحقيق أنَّ الإمام كان "ورِعاً في التكفير"، مقيداً له بالضوابط الشرعية، نافياً لتكفير العموم أو التكفير بالذنوب.
النَّتِيجَةُ السَّابِعَةُ: توصل البحث إلى أنَّ "النذر والذبح لغير الله" هما من أخطر صور الشرك العملي التي تصدى لها الإمام ببيان محكم من الكتاب والسنة.
النَّتِيجَةُ الثَّامِنَةُ: تبيّن أنَّ الإمام أصلَّ لقاعدة "سد الذرائع" لحماية جناب التوحيد، ومن ذلك منعه للغلو في القبور والبناء عليها.
النَّتِيجَةُ التَّاسِعَةُ: أكدت الدراسة على "احترام الإمام للأئمة الأربعة"، واعتباره لفقهم المعتبر، مع تقديم الدليل عند ظهوره وصحته.
النَّتِيجَةُ العَاشِرَةُ: خلص البحث إلى أنَّ "السمع والطاعة لولاة الأمر" أصلٌ أصيلٌ في دعوة الإمام، حمايةً لبيضة المسلمين ومنعاً للفتن.
النَّتِيجَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أظهر البحث أنَّ الرسالة اعتمدت "لغة الوحي" (القرآن والسنة) كمرجعية أولى في الاستدلال، مما منحها قوة القبول والوضوح.
النَّتِيجَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: تقرر أنَّ "المنهج التحليلي" للرسالة يكشف عن ترابط وثيق بين أصول الإيمان الستة وبين واقع المكلفين.
النَّتِيجَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: برزت "القيمة التربوية" للرسالة في بناء شخصية الطالب على اليقين والصدق والاعتزاز بالهوية السلفية.
النَّتِيجَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كشفت الدراسة عن قدرة نصوص الرسالة على "تفنيد الشبهات المعاصرة" (العقلانية، الحداثية، والقبورية الحديثة) بقوة المحكم.
النَّتِيجَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أثبت البحث أنَّ "لمَّ شتات الأدلة" عند الإمام يعكس ملكة أصولية فذة في حصر المسائل وردها لكلياتها.
النَّتِيجَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: خلص التحقيق إلى أنَّ الرسالة هي "صمام أمان" ضد تيارات الغلو (الخوارج) وتيارات التمييع (المرجئة).
النَّتِيجَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تبيّن أنَّ الإمام أعاد الاعتبار لـ "مكانة الصحابة وآل البيت" وفق المنهج السلفي العدل، بعيداً عن الغلو والجفاء.
النَّتِيجَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: أثبتت الدراسة أنَّ "الأثر العلمي" للرسالة تجاوز الإقليمية ليصبح منهجاً يدرس في كبريات الجامعات الإسلامية.
النَّتِيجَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: توصل البحث إلى أنَّ الإمام استخدم "الاستدلال السياقي" ببراعة لإثبات بطلان الشرك بجميع صوره.
النَّتِيجَةُ العِشْرُونَ: تقرر أنَّ "التدبر" في معاني الرسالة يورث "خوف السر" من الله وحده، ويقطع التعلق بالمخلوقين.
النَّتِيجَةُ الحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: كشفت الدراسة عن دور الرسالة في "تصحيح العبادات العملية" كالدعاء والاستغاثة والتوكل.
النَّتِيجَةُ الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: خلص البحث إلى أنَّ "الربط بين العقيدة والسلوك" هو من أهم ثمرات هذه الرسالة المباركة.
النَّتِيجَةُ الثَّالِثَةُ وَالعِشْرُونَ: أثبت التحقيق أنَّ نصوص الإمام في الرسالة هي "ردود مفحمة" على من اتهم الدعوة بالخروج عن الجماعة.
النَّتِيجَةُ الرَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ: تقرر أنَّ المنهج الذي سلكه الباحث في "لم الشتات" أظهر الرسالة كبناء هندسي معرفي متكامل.
النَّتِيجَةُ الخَامِسَةُ وَالعِشْرُونَ: النتيجة الختامية هي أنَّ "رسالة أهل القصيم" ستبقى مناراً يسترشد به السائرون إلى الله على بصيرة في كل زمان ومكان.
تمت النتائج الخمس والعشرون بفضل الله ومنته
------------------&
التَّوْصِيَاتُ الخَمْسُ وَالعِشْرُونَ لِلبَاحِثِ (مِيثَاقُ العَمَلِ بِرِسَالَةِ أَهْلِ القَصِيمِ)
أولاً: توصيات للمعلم والمربي
العناية بالبناء لا الحشو: أوصي المعلم بجعل الغاية من تدريس الرسالة بناء "الملكة العقدية" لدى الطالب، وليس مجرد سرد المسائل.
الربط بالدليل: ضرورة ربط كل جملة في الرسالة بأصلها من الكتاب والسنة لتعميق اليقين بنصية الدعوة.
التدريس بالقدوة: التوصية بإظهار أخلاق الإمام (الحلم، الصبر، الورع) أثناء الشرح ليتعلم الطالب "سلوك الموحد".
استخدام المنهج التحليلي: التوصية بتفكيك الشبهات الواردة في ثنايا الرسالة لتدريب الطلاب على الرد العلمي الرصين.
التدرج التعليمي: البدء بحفظ المتن، ثم فهم المعنى، ثم استنباط القواعد، لضمان رسوخ العلم.
ثانياً: توصيات لطالب العلم (المحقق)
إدراك المصطلحات: أوصي الطالب بضبط الألفاظ التي استخدمها الإمام (مثل: العقيدة، التوحيد، النذر) وفهم مراد السلف منها بدقة.
نفي فرية التكفير: ضرورة استحضار نصوص الإمام في الرسالة التي تنفي عنه غلو الخوارج، والصدع بها في المجالس العلمية.
قراءة سيرة الإمام: أوصي الطالب بقراءة تاريخ الإمام (ابن بشر، ابن غنام) ليدرك الظروف التي كتبت فيها هذه الرسالة وكيف كان الإمام وسطياً في عز الفتنة.
جمع الشتات: التوصية بربط مباحث الرسالة ببعضها، فلا يُدرس باب الصفات بمعزل عن باب الألوهية، فالكل مشكاة واحدة.
الاعتزاز بالهوية السلفية: التوصية بالفخر بهذا الميراث الصافي الذي يمتد إلى الصحابة، دون خجل من الأوصاف المنفرة التي يطلقها الخصوم.
ثالثاً: توصيات لعامة المسلمين
البساطة في الاعتقاد: أوصي العامة بلزوم ما في هذه الرسالة من وضوح، والابتعاد عن تعقيدات الفلسفات التي تُكدر صفو الإيمان.
تصحيح العبادة: التوصية بمراجعة أعمال الجوارح (كالذبح والنذر) والتأكد من أنها خالصة لله وحده كما قرر الإمام.
الثقة بالعلماء: أوصي العامة بالالتفاف حول العلماء المحققين (كابن عثيمين والفوزان وسندي) الذين شرحوا هذا المنهج وبينوا وسطيته.
الحذر من الشرك الخفي: التوصية بالانتباه لأعمال القلوب (كالخوف والرجاء) وألا يُصرف منها شيء للمقبورين أو الأولياء.
لزوم الجماعة: التوصية بالعمل بأصل "السمع والطاعة" الذي ذكره الإمام، حفاظاً على أمن المجتمعات واستقرار الدين.
رابعاً: توصيات في منهجية التحقيق والرد
الرد بالعلم والعدل: التوصية عند مناقشة الخصوم بالالتزام بمنهج الإمام في "الإنصاف"، فلا ننسب للمخالف ما لم يقله.
إحياء المحكم: التوصية برد المتشابه من كلام الناس إلى المحكم من كلام الله ورسوله ﷺ كما هو مسلك الرسالة.
سد الذرائع: أوصي بالتشديد في منع الوسائل المؤدية للشرك (كالصور والقباب) حمايةً للجيل القادم.
التفريق بين النوع والعين: التوصية بالدقة في أحكام التكفير، واتباع منهج الإمام في عدم تكفير المعين إلا بعد قيام الحجة.
إبراز مكانة آل البيت: أوصي بتدريس موقف الإمام المنصف من آل بيت النبي ﷺ رداً على من اتهمه بالجفاء في حقهم.
خامساً: توصيات عامة وشاملة
نشر الرسالة عالمياً: التوصية بترجمة مضامين الرسالة (بروحها الوسطية) إلى اللغات العالمية لتبصير المسلمين في كل مكان.
التدبر اليومي: أوصي بجعل مباحث الرسالة مادة للتدبر الإيماني، فالتوحيد يحتاج لتجديد دائم في القلوب.
العناية بالفاظ "العقدية": التوصية باستخدام لفظ "عقدية" و "أقدي" كما صحح الإمام، التزاماً بالدقة العلمية.
الربط بالواقع: التوصية بنقل القواعد المستنبطة من الرسالة لمحاكمة النوازل الفكرية المعاصرة.
الاستمرار في البحث: التوصية للباحثين بجعل هذه الرسالة منطلقاً لدراسات أعمق في "فقه الدعوة" و"أصول الاستدلال" عند أئمة الدعوة السلفية.
خَاتِمَةُ الحَصَادِ
بهذه التوصيات الخمس والعشرين، نكون قد أحطنا برسالة أهل القصيم من جوانبها العلمية، والعقدية، والتربوية، والعملية.
-----------------------&
اليوم: السبت.
الوقت: 10:21 مساءً.
التاريخ الميلادي: 11 أبريل (نيسان) 2026م.
التاريخ الهجري: 24 شوال 1447هـ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق