الجمعة، 10 أبريل 2026

الإِفَادَةُ ​بِالِإشَارَاتِ البَحْثِيَّةِ ​لِإِفَادَةِ البَرِيَّةِ بِأَثَرَيِ ابْنِ المُبَارَكِ فِي العُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ ​دَلِيلُ الطَّالِبِ وَالمُعَلِّمِ ​إِعْدَادٌ وَتَحْقِيقٌ ​المُدَوِّنُ / الشَّيْخُ أَبُو أَنَس ​عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَهَ آل عَامِر المِصْرِيُّ


 



العنوان:

"الإِفَادَةُ بِالِإشَارَاتِ البَحْثِيَّةِالإفادة البَرِيَّةِ بِأَثَرَيِ ابْنِ المُبَارَكِ فِي العُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ دَلِيلُ الطَّالِبِ وَالمُعَلِّمِ"

إِعْدَادٌ وَتَحْقِيقٌ

المُدَوِّنُ / الشَّيْخُ أَبُو أَنَس

عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَهَ آل عَامِر المِصْرِيُّ

خُطَّةُ البَحْثِ (الفِهْرِسُ التَّحْلِيلِيُّ الشَّامِلُ)

إعداد الباحث والمعد: 

أبو أنس عماد بن عبد العزيز بن طه المصري

أولاً: القِسْمُ التَّمْهِيدِيُّ (أُصُولُ البَحْثِ)

المُقَدِّمَةُ البَلاغِيَّةُ: مِعْرَاجُ اليَقِينِ فِي إِثْبَاتِ صِفَاتِ رَبِّ العَالَمِينَ.

أسباب اختيار الموضوع: (10 نقاط) محورية مسألة العلو ومركزية أثر ابن المبارك.

أهمية بيان الموضوع للعامة: (10 نقاط) حماية الفطرة وتصحيح التوجه في الدعاء.

أهمية البحث لطالب العلم المختص: (10 نقاط) ملكة الاستدلال والتحقيق المصطلحي.

أهداف البحث: (10 نقاط) الاستقصاء والتقعيد وإبطال التأويل.

الدراسات السابقة (القدامى): (10 أئمة) من الإمام أحمد إلى ابن القيم مع التوثيق.

الدراسات السابقة (المعاصرون): (10 محققين) من الألباني إلى السندي مع التوثيق.

ثانياً: القِسْمُ التَّحْقِيقِيُّ (تَحْقِيقُ الأَثَرِ وَمُفْرَدَاتِهِ)

تخريج النص: استخراج أثري ابن المبارك من بطون الأمهات المسندة.

تحقيق لفظ "بذاته": الرد على نفاة العلو الذاتي وإثبات حقيقته.

تحقيق لفظ "بائن": البينونة عن الخلق ونفي الحلول والاتحاد.

التدقيق اللغوي والإعرابي: شرح مفردات الأثرين وإعرابهما لبيان دلالات المعاني.

ثالثاً: القِسْمُ المَوْضُوعِيُّ (مَبَاحِثُ البَحْثِ الثَّلاثَةَ عَشَرَ)

المبحث الأول: تخريج أثر ابن المبارك الموسع ومن استدل به من فحول العلماء.

المبحث الثاني: الحواشي العلمية التدقيقية وتحقيق سند الأثر وطبقات رواته.

المبحث الثالث: المقارنة التأصيلية بين صفة العلو (الذاتية) وصفة الاستواء (الفعلية).

المبحث الرابع: مواضع الاستواء السبعة في القرآن وتحليلها اللغوي بحسب التعدية.

المبحث الخامس: مذاهب الأئمة الأربعة (أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد) في العلو والاستواء.

المبحث السادس: تحرير المصطلحات المجملة (الجهة، المكان، الحد) وفقه الاستفصال.

المبحث السابع: تفكيك جذور التعطيل (لماذا عطلوا؟) والرد على قاعدة تقديم العقل على النقل.

المبحث الثامن: عرش الرحمن؛ أولية خلقه، عظمته، وقاعدة الإضافة (ملك وتشريف).

المبحث التاسع: جمع شتات الأقوال والقواعد (أقوال السلف، القواعد المنهجية، القواعد العقلية).

المبحث العاشر: النتائج (10)، التوصيات (10)، ومنهجية دراسة العقيدة لطالب العلم.

المبحث الحادي عشر: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ (إعداد الباحث):

تحليل المسلك السلفي في إثبات البينونة كضرورة عقلية ونقلية.

تأصيل دلالة "بذاته" و"بائن من خلقه" في تقرير المباينة والمخالفة للمخلوقات.

المبحث الثاني عشر: مَسَالِكُ المُخَالِفِينَ وَلَوَازِمُهَا (إعداد الباحث):

مسلك الأشاعرة: التفريق بين (التأويل/التحريف) و(التفويض/التجهيل) وبيان لوازمهما.

مسلك الجهمية والمعتزلة: حقيقة التعطيل الكلي والجزئي والرد على شبهة "حلول الحوادث".

المبحث الثالث عشر: المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ التَّدَبُّرِيُّ (إعداد الباحث):

آثار الإيمان بالعلو والاستواء في تزكية النفس ومراقبة الخالق.

الربط التدبري بين علو المعبود وبين كمال العبودية في الصلاة والدعاء.

رابعاً: القِسْمُ الخِتَامِيُّ

الخاتمة النهائية.

ثبت المصادر والمراجع.

----------------------------&

مُقَدِّمَةُ البَحْثِ: 

مِعْرَاجُ اليَقِينِ فِي إِثْبَاتِ صِفَاتِ رَبِّ العَالَمِينَ

الاستهلال والخطبة:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِذَاتِهِ، وَبَانَ عَنْ خَلْقِهِ بِعَظَمَتِهِ وَصِفَاتِهِ، الْعَلِيِّ فِي دُنُوِّهِ، الدَّانِي فِي عُلُوِّهِ، الَّذِي خَضَعَتْ لِعِزَّتِهِ الرِّقَابُ، وَذَلَّتْ لِكِبْرِيَائِهِ الصِّعَابُ. سُبْحَانَهُ مَنْ عَلَا فَقَهَرَ، وَمَلَكَ فَقَدَرَ، وَبَطَنَ فَخَبَرَ، وَظَهَرَ فَاسْتَتَرَ. أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَمْلأُ المِيزَانَ، وَيُثَبِّتُ الجَنَانَ، وَيُعْلِي مَنَارَ الإِيمَانِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً مُبَرَّأَةً مِنَ التَّعْطِيلِ، مُنَزَّهَةً عَنِ التَّمْثِيلِ، ثَابِتَةً عَلَى مَنْهَجِ الرَّسُولِ. وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ المُوَحِّدِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الَّذِي تَرَكَنَا عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلا هَالِكٌ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصْحَابِهِ الأَئِمَّةِ الهَادِينَ، الَّذِي نَقَلُوا لَنَا هَذَا الدِّينَ غَضًّا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلَمْ يُبَدِّلُوا وَلَمْ يُغَيِّرُوا، بَلْ آمَنُوا وَأَقَرُّوا وَسَلَّمُوا.

تصدير في شرف العلم بالصفات:

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَجَلَّ مَا تَصْرِفُ فِيهِ الأَنْفَاسُ، وَأَغْلَى مَا تَتَسَابَقُ فِيهِ العُقُولُ وَالنُّفُوسُ، هُوَ العِلْمُ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَمَعْرِفَةُ صِفَاتِ جَلالِهِ وَنُعُوتِ جَمَالِهِ. وَإِنَّ مَسْأَلَةَ "العُلُوِّ وَالاسْتِوَاءِ" هِيَ قُطْبُ الرَّحَى فِي بَابِ الاعْتِقَادِ، وَمِحَكُّ النَّظَرِ بَيْنَ أَهْلِ الأَثَرِ وَأَهْلِ العِنَادِ. لَقَدْ نَزَلَ القُرْآنُ الكَرِيمُ بَيِّنًا جَلِيًّا، يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، فَنَادَى فِي آيَاتِهِ بِعُلُوِّ الخَالِقِ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ، نِدَاءً تَلَقَّاهُ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ بِفِطَرِهِمُ السَّلِيمَةِ، وَعُقُولِهِمُ الرَّجِيحَةِ، فَلَمْ يَسْأَلُوا "كَيْفَ؟" وَلَمْ يَقُولُوا "لِمَ؟"، بَلْ آمَنُوا بِأَنَّ الرَّحْمَنَ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى، كَمَا أَخْبَرَ، وَعَلَى الوَجْهِ الَّذِي أَرَادَ.

منهج أهل السنة في العلو والاستواء (بيان بلاغي وتحقيقي):

إِنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لَيْسَ جُمُودًا بَلْ هُوَ عَيْنُ التَّحْقِيقِ، وَلَيْسَ تَشْبِيهًا بَلْ هُوَ أَقْصَى التَّنْزِيهِ. لَقَدْ أَقَرَّ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ العُلُوَّ صِفَةُ كَمَالٍ ذَاتِيَّةٌ، وَأَنَّ الاسْتِوَاءَ صِفَةُ جَلالٍ فِعْلِيَّةٌ. فَاللَّهُ عَلِيٌّ قَبْلَ خَلْقِ العَرْشِ وَبَعْدَهُ، لَكِنَّهُ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، كَمَا نَصَّ كِتَابُهُ المَبِينُ.

هُمُ الَّذِينَ قَالُوا: "الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ"، فَأَثْبَتُوا المَعْنَى الَّذِي نَزَلَ بِهِ لِسَانُ العَرَبِ مِنْ العُلُوِّ وَالارْتِفَاعِ وَالاسْتِقْرَارِ. وَقَالُوا: "الكَيْفُ مَجْهُولٌ"، فَقَطَعُوا أَطْمَاعَ العُقُولِ فِي الإِدْرَاكِ، فَإِنَّ الصِّفَةَ تَتْبَعُ المَوْصُوفَ، وَكَمَا أَنَّ ذَاتَهُ سُبْحَانَهُ لا تَقَعُ لَهَا العُقُولُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ.

لَقَدْ صاغَ السَّلَفُ قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً جَعَلُوهَا فَيْصَلًا: "بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ". هَذِهِ الكَلِمَةُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ لَفْظٍ، بَلْ كَانَتْ صَرْخَةً فِي وَجْهِ الحُلُولِيَّةِ وَالِاتِّحَادِيَّةِ، وَنَسْفًا لِمَذَاهِبِ الجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، أَوْ لا فِي مَكَانٍ، فَأَضَاعُوا الإِلَهَ وَأَفْسَدُوا الفِطْرَةَ.

تأصيل العقائد ورسم الحدود:

إِنَّ هَذَا البَحْثَ يَأْتِي لِيُعِيدَ لِلأُمُورِ نِصَابَهَا، وَيَفْتَحَ لِلطَّالِبِ أَبْوَابَهَا. لَقَدْ تَمَسَّكَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِقَاعِدَةِ "الإِضَافَةِ"، فَأَدْرَكُوا أَنَّ إِضَافَةَ العَرْشِ إِلَى اللَّهِ لَيْسَتْ لِحَاجَةِ اللَّهِ إِلَيْهِ، بَلْ لِتَشْرِيفِ العَرْشِ وَإِظْهَارِ عِظَمِ المُلْكِ. وَأَدْرَكُوا أَنَّ "قَوْلَنَا فِي الصِّفَاتِ كَقَوْلِنَا فِي الذَّاتِ"، فَمَنِ اسْتَشْكَلَ اسْتِوَاءَ الرَّبِّ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَشْكِلَ وُجُودَهُ، وَمَنْ أَقَرَّ بِالوُجُودِ الحَقِيقِيِّ لَزِمَهُ الإِقْرَارُ بِالاسْتِوَاءِ الحَقِيقِيِّ.

إِنَّنَا فِي هَذَا المَقَامِ نَقِفُ لِنُبَيِّنَ أَنَّ "المَكَانَ" إِذَا أُرِيدَ بِهِ العُلُوُّ المُطْلَقُ فَهُوَ لِلَّهِ ثَابِتٌ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الحَيِّزُ المَخْلُوقُ فَهُوَ عَنِ اللَّهِ مَنْفِيٌّ. هَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الَّذِي حَمَى عَقِيدَةَ الأُمَّةِ مِنَ التَّخَبُّطِ فِي دَيَاجِيرِ المَنْطِقِ اليُونَانِيِّ وَالفَلْسَفَةِ المَشَّائِيَّةِ الَّتِي حَاوَلَتْ أَنْ تُصَوِّرَ الخَالِقَ بِمَا تَعْجِزُ عَنْهُ العُقُولُ الحَيَّةُ.

أهداف البحث وباعث التصنيف:

لَقَدْ بَعَثَنِي عَلَى صِيَاغَةِ هَذَا المَبْحَثِ مَا رَأَيْتُ مِنْ غُرْبَةِ مَنْهَجِ السَّلَفِ فِي بَعْضِ الأَوْسَاطِ، وَتَكَلُّفِ بَعْضِ المُنْتَسِبِينَ لِلعِلْمِ فِي صَرْفِ النُّصُوصِ عَنْ ظَوَاهِرِهَا بِدَعْوَى التَّنْزِيهِ، وَمَا هُوَ إِلا التَّعْطِيلُ المَحْضُ. فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَيِّنَ كَيْفَ كَانَ المَهْدِيُّونَ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، وَكَيْفَ كَانَ شُيُوخُ الإِسْلامِ كَابْنِ المُبَارَكِ وَأَحْمَدَ، يَقِفُونَ مَوْقِفَ التَّعْظِيمِ لِلنَّصِّ، وَكَيْفَ فَكَّكُوا شُبَهَاتِ القَوْمِ بِقَوَاعِدَ عَقْلِيَّةٍ مَحْضَةٍ، أَثْبَتَتْ أَنَّ العَقْلَ الصَّرِيحَ هُوَ أَكْبَرُ جُنْدِ اللَّهِ فِي نَصْرِ النَّقْلِ الصَّحِيحِ.

كلمة ختامية للمقدمة:

إِنَّنَا نَسِيرُ فِي هَذَا البَحْثِ بَيْنَ رِيَاضِ الآثَارِ، وَشَوَاهِدِ الأَنْظَارِ، نَقْتَفِي أَثَرَ مَنْ سَلَفَ، وَنَرُدُّ عَلَى مَنْ خَلَفَ. سَائِلِينَ المَوْلَى سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا العَمَلَ لِوَجْهِهِ خَالِصًا، وَلِصِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ مُوَافِقًا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الإِيمَانَ بِمَا أَنْزَلَ، وَالتَّسْلِيمَ لِمَا أَرْسَلَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ العَلِيُّ المُتَعَالِ، الَّذِي لا مَلْجَأَ مِنْهُ إِلا إِلَيْهِ.

أولاً: أسباب اختيار الموضوع

 (لماذا اخترت هذا الموضوع؟)

عظمة المتعلق: فشرف العلم بشرف المعلوم، ولا أعظم من العلم بذات الله وصفاته، وعلى رأسها علوه واستواؤه.

محورية المسألة: لكون صفة العلو هي "أم المسائل" التي فارق فيها أهل السنة طوائف المعطلة والجهمية.

تواتر الأدلة: رغبة في جمع شتات الأدلة التي بلغت حد التواتر في الكتاب والسنة وفطرة الخلق.

تفنيد التأويلات المعاصرة: ظهور نوابت في العصر الحديث تُحيي مقالات الجهمية والأشاعرة في نفي العلو بذريعة التنزيه.

إبراز منهج السلف: تقديم النموذج التطبيقي لكيفية فهم السلف للنصوص دون تكييف أو تمثيل.

مركزية أثر ابن المبارك: لما يمثله أثر (بائن من خلقه) من فيصل تاريخي في كشف عقائد أهل الحلول.

الحاجة العلمية: افتقار المكتبة العقدية لبحث يجمع بين "التحرير المصطلحي" و"الاستدلال بالأثر" في سياق واحد.

تصحيح المفاهيم: فك الاشتباك بين مفهوم "العلو" ومفهوم "التحيز والجهة" التي لبّس بها أهل الكلام.

ربط الخلف بالسلف: تجديد الصلة بمدرسة الأئمة الأربعة في أخص مسائل الاعتقاد.

الأثر التعبدي: بيان كيف يثمر الإيمان بالعلو طمأنينة في القلب وذلاً في السجود وإخلاصاً في الدعاء.

ثانياً: أهمية بيان الموضوع لعامة الناس (10 نقاط)

حماية الفطرة: فالعامة مفطورون على طلب العلو، وبيان هذا الموضوع يحمي فطرتهم من التشويه الكلامي.

تعظيم الخالق: ربط القلوب بملكوت الله فوق عرشه، مما يورث الهيبة والتعظيم في نفوس العوام.

تصحيح الدعاء: ليعلم العاميُّ أين يتوجه بقلبه وجوارحه حين يقول "يا رب"، فلا يتشتت ذهنه.

الرد على الحلولية: حماية العوام من فكرة أن الله "في كل مكان" بذاته، وما يلزمه من لوازم باطلة ومستقذرة.

تيسير العقيدة: تقديم العقيدة كما فهمها الصحابة (بساطة النص) بعيداً عن تعقيدات المتكلمين.

تعزيز اليقين: حين يرى العامي كثرة الأدلة على استواء ربه، يزداد إيماناً بوضوح دينه ويقينه بربه.

الوقاية من الشبهات: تحصين المجتمع المسلم من دعاوى "المجاز" التي قد تفتح باباً للشك في بقية الثوابت.

إدراك معية الله: التفريق للعامة بين "علو الذات" و"معية العلم والقدرة" ليراقبوا الله في حركاتهم.

تثبيت أصول الإيمان: فالعلو صفة ذاتية، والجهل بها قد يؤدي لضعف الركن الأول من أركان الإيمان.

تحقيق العبودية: فالمسلم إذا عرف علو ربه، حقق كمال السجود له (سجد أعلى ما فيه لأعلى ما في الوجود).

ثالثاً: أهمية البحث لطالب العلم المختص (10 نقاط)

ملكة الاستدلال: تدريب الطالب على كيفية استنباط القواعد العقدية من الآثار المسندة.

التحقيق المصطلحي: تمكينه من تفكيك الألفاظ المجملة (الجهة، المكان، الحد) وردها إلى أصولها.

فقه الخلاف العقدي: فهم خارطة الفرق (الأشاعرة، الماتريدية، المعتزلة) من خلال موقفهم من الفوقية.

ضبط قواعد الصفات: ممارسة تطبيقية لقواعد (القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر).

التمكن من الردود: بناء قاعدة صلبة للرد على الشبهات العقلية بمنطق سلفي محكم (درء التعارض).

اتصال السند العلمي: ربط الطالب بأئمة القرون المفضلة كابن المبارك وأحمد، بعيداً عن المتأخرين.

فهم لغة العرب: إدراك أثر حروف الجر (على، إلى، في) في توجيه المعنى العقدي.

التمييز بين الأقوال: معرفة الفرق بين "التفويض السلفي" و"التفويض البدعي".

تحرير مسألة العرش: ضبط المسائل المتعلقة بالعرش والكرسي وأولية الخلق كطالب متخصص.

التأصيل المنهجي: تعلم كيفية الجمع بين "النص الشرعي" و"الأثر السلفي" و"الاستدلال العقلي".

رابعاً: أهدافي في هذا البحث (10 نقاط)

الاستقصاء والتتبع: جمع كل ما ورد عن ابن المبارك في صفتي العلو والاستواء وتوثيقه.

التقعيد المنهجي: صياغة قواعد جامعة تضبط فهم الطالب لهذه المسائل.

إبطال التأويل: نسف دعوى "الاستيلاء" بالأدلة اللغوية والنقلية.

إثبات البينونة: ترسيخ مفهوم أن الله فوق العالم بائن من خلقه، رداً على أهل الوحدة والحلول.

التوسط والاعتدال: عرض مذهب السلف كما هو، دون غلو (تمثيل) ولا جفاء (تعطيل).

تيسير الصعب: تقريب المسائل العقلية الدقيقة (مثل قيام الحوادث) بأسلوب يفهمه طالب العلم.

إبراز عظمة العرش: بيان حقيقة العرش وسقفيته للمخلوقات وزنة وزنه.

كشف أصول التعطيل: تبيان أن الاعتقاد قبل الاستدلال هو سبب انحراف الفرق.

إثبات الحد: تحرير قول السلف في "الحد" وبيان أنه مراد به تمييز الخالق عن المخلوق.

نصرة السنة: أن يكون هذا العمل لبنة في صرح الدفاع عن عقيدة أهل الحديث والأثر.

خامساً: عشرة من الأئمة الذين سبقوا للاحتجاج بأثر ابن المبارك

لقد أجمع أساطين السنة على نقل قول ابن المبارك: «نَعْرِفُ رَبَّنَا بِأَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، عَلَى عَرْشِهِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ» كصل أصل من أصول الاعتقاد.

الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ): احتج به في رواية ابنه عبد الله والأثرم لبيان البينونة. [1]

الإمام البخاري (ت 256 هـ): ساقه في كتابه في العقيدة لبيان علو الذات. [2]

الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280 هـ): جعله عمدة في الرد على المريسي والجهمية. [3]

الإمام عبد الله بن أحمد (ت 290 هـ): خرجه بإسناده الصحيح في كتابه المسند. [4]

الإمام ابن خزيمة (ت 311 هـ): أورده في سياق إثبات العلو والرد على من زعم الحلول. [5]

الإمام أبو بكر الخلال (ت 311 هـ): ساقه في مسنده العظيم المختص بالسنة. [6]

الإمام أبو القاسم اللالكائي (ت 418 هـ): جعله أصلاً في سياق ما روي في الاستواء. [7]

الإمام ابن عبد البر (ت 463 هـ): استدل به لبيان إجماع السلف على الفوقية. [8]

شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ): أكثر من نقله في كتبه الكبرى للاستدلال على بطلان التعطيل. [9]

الإمام ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ): طوّل النفس في الاستشهاد به في كتبه العقدية. [10]

سادساً: عشرة من المحققين والمعاصرين الذين اعتنوا بالأثرين

لم ينقطع العمل بهذا الأثر بل استمر في طبقة المحققين المعاصرين الذين أفردوه بالدراسة والتحقيق:

العلامة الألباني (ت 1420 هـ): في تحقيقه لكتاب "مختصر العلو" للذهبي. [11]

الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت 1376 هـ): في تعليقاته العقدية. [12]

الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت 1421 هـ): في شرحه للواسطية والحموية. [13]

العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني (ت 1386 هـ): في كتابه الفذ "التنكيل". [14]

الشيخ عبد العزيز بن باز (ت 1420 هـ): في تعليقاته على الطحاوية والواسطية. [15]

الشيخ حماد بن محمد الأنصاري (ت 1418 هـ): في بحوثه العقدية المسندة. [16]

الشيخ صالح بن فوزان الفوزان (حفظه الله): في شرحه لرسالة "الرد على الجهمية". [17]

الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (حفظه الله): في شروحاته العقدية المتعددة. [18]

الدكتور دغش بن شبيب العجمي (حفظه الله): في تحقيقه لكتاب "الرد على الجهمية" للإمام أحمد. [19]

الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي (حفظه الله): في دروسه التأصيلية لمصطلحات العقيدة. [20]

----------------------&

الحواشي العلمية 

[1] الإمام أحمد: انظر: الرد على الجهمية والزنادقة، ص (104)، تحقيق: د. دغش العجمي.

[2] البخاري: انظر: خلق أفعال العباد، ص (11)، دار المعارف.

[3] الدارمي: انظر: النقض على المريسي، (1/ 427)، والرد على الجهمية، ص (28)، دار ابن القيم.

[4] عبد الله بن أحمد: انظر: السنة، (1/ 111) برقم (22)، دار ابن القيم.

[5] ابن خزيمة: انظر: التوحيد، (1/ 121)، مكتبة الرشد.

[6] الخلال: انظر: السنة، (3/ 564)، برقم (971)، دار الراية.

[7] اللالكائي: انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، (3/ 442) برقم (660).

[8] ابن عبد البر: انظر: التمهيد، (7/ 138)، وزارة الأوقاف المغربية.

[9] ابن تيمية: انظر: بيان تلبيس الجهمية، (2/ 365)، والحموية الكبرى ضمن المجموع (5/ 51).

[10] ابن القيم: انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية، ص (135)، والصواعق المرسلة، (1/ 214).

[11] الألباني: انظر: مختصر العلو للعلي الغفار، ص (152)، المكتب الإسلامي.

[12] السعدي: انظر: توضيح الكافية الشافية، ص (64)، دار ابن الجوزي.

[13] ابن عثيمين: انظر: شرح العقيدة الواسطية، (1/ 378)، دار ابن الجوزي.

[14] المعلمي: انظر: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، (2/ 342)، دار المعارف.

[15] ابن باز: انظر: مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز، (2/ 95).

[16] حماد الأنصاري: انظر: الأجوبة الوفية عن أسئلة العقيدة، ص (45).

[17] صالح الفوزان: انظر: شرح الرد على الجهمية للإمام أحمد، ص (121).

[18] صالح آل الشيخ: انظر: شرح العقيدة الطحاوية (أشرطة مفرغة)، الدرس العاشر.

[19] دغش العجمي: انظر: مقدمة تحقيق الرد على الجهمية، ص (15-20).

[20] صالح السندي: انظر: المنهج المأمون في تلقي العقيدة، ص (55)، ومحاضرته "أصول أهل السنة في الصفات".


-----------------------&

بحث حول أثر عبد الله بن المبارك في العلو والإستواء 

المبحث الأول:

تَوْثِيقُ أَثَرِ الإِمَامِ ابْنِ المُبَارَكِ فِي مَسْأَلَةِ العُلُوِّ

أولاً: نَصُّ الأَثَرِ بِالسَّنَدِ وَالمَتْنِ

رواه الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل [1] قال:

 حَدَّثَنِي أَبِي [2]، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ [3]، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ [4]: كَيْفَ نَعْرِفُ رَبَّنَا عَزَّ وَجَلَّ؟

قَالَ: «بِأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، عَلَى الْعَرْشِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ [5] إِنَّهُ هَهُنَا فِي الْأَرْضِ».

ثانياً: تَخْرِيجُ السَّنَدِ وَالحُكْمُ عَلَيْهِ

هذا السند من أصح الأسانيد وأعلاها، ورجاله أئمة جبال:

أحمد بن حنبل: إمام أهل السنة والجماعة.

علي بن الحسن بن شقيق: شيخ الإمام أحمد والبخاري، وهو ثقة حافظ، من أثبت الناس في ابن المبارك.

عبد الله بن المبارك: الإمام الجبل الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث.

الحُكْمُ: السند صحيح ثابت [6].

ثالثاً: الزِّيَادَةُ التَّفْسِيرِيَّةُ (لفظة "بذاته")

اللفظ الثابت في الروايات المسندة هو "بائن من خلقه"، أما زيادة كلمة "بذاته" فهي إضافة اصطلاحية استعملها أئمة السنة لاحقاً لتقرير المعنى ومنع التأويل الجهمي، ومن أبرز من نص عليها:

الإمام ابن أبي زيد القيرواني: قررها كأصل عقدي في مقدمة رسالته [7].

الإمام أبو نصر السجزي: نقل الإجماع عليها في رسالته لأهل زبيد [8].

الإمام ابن عبد البر: استعملها في التمهيد لشرح معنى الاستواء والحث على ترك التأويل [9].

------------------------&

الحَوَاشِي 

[1] عبد الله بن أحمد: هو عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الرحمن (ت 290 هـ). الأثر في كتابه: السنة، (1/ 175)، برقم (216)، تحقيق: د. محمد سعيد القحطاني، طبعة دار ابن القيم - الدمام.

[2] أحمد بن حنبل: هو إمام أهل السنة، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت 241 هـ).

[3] علي بن الحسن بن شقيق: المروزي، أبو عبد الرحمن، (ت 215 هـ)، ثقة حافظ. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، (7/ 281)، طبعة مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية - الهند.

[4] عبد الله بن المبارك: المروزي، (ت 181 هـ)، الإمام الفقيه المحدث. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء، للذهبي، (8/ 378)، طبعة مؤسسة الرسالة.

[5] الجهمية: فرقة منسوبة إلى جهم بن صفوان (ت 128 هـ)، أنكروا الصفات وزعموا أن الله في كل مكان بذاته (الحلول). انظر: الفرق بين الفرق، للبغدادي، (ص 211)، طبعة دار الآفاق الجديدة.

[6] تصحيح الأثر: صححه الإمام الذهبي في كتابه: العلو للعلي الغفار، (ص 151)، تحقيق: أشرف عبد المقصود، طبعة مكتبة أضواء السلف. وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في: مجموع الفتاوى، (5/ 52)، طبعة مجمع الملك فهد. والألباني في: مختصر العلو، (ص 146).

[7] ابن أبي زيد القيرواني: (ت 386 هـ). انظر: متن الرسالة، (ص 74)، طبعة دار الفكر. ونص قوله: «وأنه فوق عرشه المجيد بذاته».

[8] أبو نصر السجزي: (ت 444 هـ). انظر: رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الصوت والحرف، (ص 126)، تحقيق: د. محمد بن فوزان الفوزان، طبعة دار الصميعي.

[9] ابن عبد البر: (ت 463 هـ). انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، (7/ 129)، تحقيق: مصطفى العلوي ومحمد البكري، طبعة وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب.

-------------------------&

المبحث الثاني:

أولاً: سِلْسِلَةُ انْتِقَالِ الأَثَرِ وَتَارِيخِيَّتُهُ

​هذا الأثر يمثل حلقة وصل في مدرسة "أهل الحديث" بمدينة مرو [1]، وانتقاله كان كالتالي:

  1. ​الأصل العقدي: استقاه ابن المبارك من مشايخه من التابعين كالأوزاعي وسفيان الثوري، وهو تعبير عما أدركوا عليه الصحابة [2].
  2. ​الراوي عن ابن المبارك: علي بن الحسن بن شقيق، وهو من أخص تلامذة ابن المبارك وأثبتهم فيه [3].
  3. ​الناقل عن ابن شقيق: الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، الذي اعتبر هذا الأثر عمدة في الرد على الجهمية.
  4. ​المدون للأثر: عبد الله بن الإمام أحمد، الذي أودعه في كتابه "السنة" ليكون مرجعاً للأجيال [4].

​ثانياً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ

  1. ​(فَوْقَ):
    • ​اللغة: ظرف مكان يفيد الاستعلاء الحقيقي.
    • ​الحد الجامع المانع: إثبات علو الذات والمكانة والقهر لله تعالى، بما يمنع دخول الخالق في محيط المخلوقات [5].
  2. ​(السَّمَاءِ السَّابِعَةِ):
    • ​اللغة: السمو هو الارتفاع، والعدد (السابعة) لتحديد غاية الارتفاع المادي للمخلوقات.
    • ​الحد الجامع المانع: منتهى الأجرام المادية، وذكرها يمنع قول من زعم أن الله في كل مكان (الحلولية) [6].
  3. ​(بَائِنٌ):
    • ​اللغة: من البينونة وهي الانفصال والتمايز.
    • ​الحد الجامع المانع: صفة تنفي الممازجة والمخالطة والاتحاد بين الذات الإلهية وذوات المخلوقين [7].
  4. ​(الجَهْمِيَّةُ):
    • ​فوق (المتن): فرقة من المعطلة الكلية، مشكلتها الأساسية في توحيد الأسماء والصفات، حيث تنفيها جميعاً بزعم التنزيه [8].

​ثالثاً: الإِعْرَابُ التَّفْصِيلِيُّ (المُفْرَدَاتُ وَالتَّرْكِيبُ)

  • ​بأنه: (الباء) حرف جر، (أنه) حرف توكيد ونصب ومصدرية، والهاء اسمها. والمصدر المؤول في محل جر متعلق بفعل (نعرفه) [9].
  • ​فوقَ: ظرف مكان منصوب بالفتحة متعلق بمحذوف خبر "أن" (تقديره: مستقرٌ).
  • ​بائنٌ: خبر ثانٍ لـ "أن" مرفوع بالضمة، وهو "عمدة" الكلام لتقرير المباينة.
  • ​ولا نقول كما قالت الجهمية: (الواو) عاطفة، (لا) نافية، (نقول) فعل مضارع، (كما) الكاف للتشبيه و(ما) مصدرية، (الجهمية) فاعل مرفوع. والجملة الفعلية في محل رفع عطف على خبر (أن) [10].
--------------------------&

​الحَوَاشِي العِلْمِيَّةُ :

​[1] مدرسة مرو: كانت مدينة مرو في خرسان معقلاً من معاقل السنة بفضل ابن المبارك وتلامذته، وكانوا يلقبون بـ "الحمراء" لشدة تمسكهم بالآثار. انظر: الأنساب للسمعاني (5/ 281)، طبعة دار الفنان.

​[2] انتقال العقيدة: أخرج اللالكائي (ت 418 هـ) بسند صحيح عن الأوزاعي قال: «كنا والتابعين متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه». انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/ 397).

​[3] علي بن الحسن بن شقيق: (ت 215 هـ)، ثقة حافظ، قال عنه ابن معين: «كان أثبت الناس في ابن المبارك». انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (6/ 181).

​[4] عبد الله بن أحمد: (ت 290 هـ)، كتابه "السنة" وضع فيه أصول الاعتقاد التي تلقاها عن أبيه وعن مشايخ عصره. طبعة دار ابن القيم (1/ 175).

​[5] كلمة (فوق): في لسان العرب (10/ 311) هي نقيض "تحت"، والحد المانع هنا يخرج (الفوقية الرتبية) فقط كفوقية السيد على عبده، بل يثبت فوقية الذات.

​[6] السماء السابعة: ذكرها ابن المبارك رداً على الجهمية الذين قالوا بالحلول العام، فبين أنها سماء سابعة فوقها عرش فوقه رب العالمين. انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (ص 112).

​[7] كلمة (بائن): قال ابن فارس في مقاييس اللغة (1/ 328): «كل شيء فارق شيئاً فقد بان عنه»، واستخدام السلف لهذا اللفظ كان "سداً للذريعة" ضد القول بالاتحاد.

​[8] الجهمية (توسع): نشأت في أوائل القرن الثاني الهجري على يد الجهم بن صفوان (ت 128 هـ)، وتعود جذور بدعتهم إلى (سلسلة السند البدعي):

  • ​جهم بن صفوان استقى البدعة من الجعد بن درهم.
  • ​والجعد أخذها من أبان بن سمعان.
  • ​وأبان أخذها من طالوت (ابن أخت لبيد بن الأعصم).
  • ​وطالوت أخذها من لبيد بن الأعصم (اليهودي الذي سحر النبي ﷺ). وهذه السلسلة تبين أن أصل تعطيل الصفات مستمد من الفلسفة والصابئة واليهود. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 20)، والصواعق المرسلة لابن القيم (3/ 1069).

​[9] إعراب "بأنه": الجار والمجرور في محل نصب مفعول ثانٍ للفعل (نعرف) إن كانت بمعنى العلم، أو متعلقة بمحذوف حال. انظر: مغني اللبيب لابن هشام (ص 152).

​[10] الإعراب التركيبي: الأثر جملة اسمية كبرى (أن واسمها وخبرها) تضمنت جملة استثنائية (ولا نقول...)، وهذا التركيب يسمى عند البلاغيين "القصر ببيان الضد" لتوكيد المعنى وتثبيته.

-------------------------&

المبحث الثَّالِثُ:
 الِاسْتِدْلَالُ العَقْلِيُّ وَالرَّدُّ عَلَى المَعَارِضِ
أولاً: الدَّلَائِلُ العَقْلِيَّةُ عَلَى العُلُوِّ وَالمُبَايَنَةِ
إن العقل الصريح يقتضي بالضرورة ما جاء به السمع، ويمكن تلخيص الاستدلال العقلي في ثلاث قضايا كبرى:
1. برهان (المباينة أو الحلول):
العقل يحصر القسمة بين وجود الخالق والمخلوق في ثلاثة احتمالات لا رابع لها:
أ- أن يكون العالم داخل ذات الله تعالى (وهذا باطل بالضرورة لأن الله منزه عن النقص والأقذار).
ب- أن يكون الله داخل العالم (وهذا باطل لأنه يقتضي الحلول والتحيز في المخلوق المحدود).
ج- أن يكون الله خارج العالم بائناً عنه (وهذا هو الحق المحض الذي يوافق العقل والشرع) [1].
2. برهان (جهة العلو هي جهة الكمال):
العقل السليم يقرر أن "العلو" صفة كمال، و"السفول" صفة نقص. وبما أن الله موصوف بالكمال المطلق، وجب له العلو المطلق. والقول بأنه "لا داخل العالم ولا خارجه" هو وصف للعدم المحض، والعقل لا يقبل وجوداً لشيء لا يوصف بجهة بالنسبة لغيره [2].
3. برهان (الفطرة الضرورية):
وهي ما يُسمى بـ "الضرورة العقلية الفطرية"؛ فكل ساجد أو داعٍ يجد في قلبه ضرورة لطلب جهة العلو، دون أن يلتفت يمنة أو يسرة. وهذه الحركة النفسية الفطرية دليل عقلي قاطع على استقرار معنى العلو في جبلة العقول [3].
ثانياً: الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ العُلُوَّ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعَطِّلَةِ (500 كلمة)
انقسم المنكرون للعلو إلى طائفتين، والرد عليهما من وجوه:
1. الرد على "الجهمية الحلولية" (الذين قالوا الله في كل مكان):
الوجه الأول: هذا القول يقتضي مخالطة الرب للمنجسات والأماكن المستقذرة -تعالى الله عن ذلك- وهذا يضاد تعظيم الرب وتقديسه [4].
الوجه الثاني: لو كان في كل مكان، لكانت الأمكنة تحيط به، وهذا يقتضي أن يكون المخلوق أعظم من الخالق، وهو محال عقلاً.
2. الرد على "المعطلة النفاة" (الذين قالوا لا داخل العالم ولا خارجه):
الوجه الأول: هذا الوصف هو "سلب محض"، وهو حقيقة "العدم". فلو قيل لأعقل الناس: "صف لنا العدم"، لما وجد وصفاً أدق من قوله: (لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت) [5].
الوجه الثاني: إنكار "بذاته" بدعوى التنزيه عن المكان يوقعكم في شر مما فررتم منه، وهو تعطيل وجود الرب بالكلية؛ لأن الموجود "الواجب الوجود" لا بد أن يكون متميزاً بذاته عن خلقه [6].

-------------------&
الحَوَاشِي 
[1] برهان القسمة العقلي: ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة لبيان أن العقل لا يقبل إلا المباينة. انظر: درء تعارض العقل والنقل (6/ 262)، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، طبعة جامعة الإمام. والحد المانع هنا يخرج (وحدة الوجود) التي تذهب إليها غلاة الصوفية.
[2] العلو صفة كمال: قال ابن القيم: «العلو من صفات الذات التي لا تنفك عن الرب بحال، فلو لم يكن علياً بذاته لكان موصوفاً بضد ذلك، وضد العلو سفول، وهو نقص محال عليه سبحانه». انظر: الصواعق المرسلة (4/ 1303)، طبعة دار العاصمة.
[3] دليل الفطرة: اشتهرت قصة الإمام الجويني (أبو المعالي) حين كان يقرر نفي العلو، فقام إليه أبو جعفر الهمذاني وقال: «يا إمام، دعنا من ذكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؛ فما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة لطلب العلو». فلطم الجويني على رأسه وقال: «حيرني الهمذاني». انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (18/ 474).
[4] تنزيه الرب عن الحلول: الجهمية الأولى كجهم بن صفوان كانوا يصرحون بالحلول العام، وقد كفرهم السلف بهذا المذهب لأنه يقتضي "تعدد القدماء" بحسب الأمكنة. انظر: الرد على الجهمية للإمام أحمد (ص 103)، طبعة دار الثبات.
[5] نفي النقيضين: القول بأن الله "لا داخل العالم ولا خارجه" هو جمع بين النقيضين في النفي، وهو ممتنع عقلاً عند المناطقة وأهل النظر السليم. انظر: مجموع الفتاوى (5/ 31).
[6] مفهوم "بذاته" عقلاً: استخدم المتأخرون كلمة "بذاته" لبيان أن الاستواء ليس "استواء تدبير" (أي ملك وعلم) كما تزعم المعتزلة، بل هو استواء حقيقي للذات المقدسة. انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (2/ 402)، طبعة مجمع الملك فهد.

--------------
 المبحث الرابع :
ننتقل إلى أثر عبد الله بن المبارك في الإستواء 
تخريج أثر الإمام عبد الله بن المبارك في الاستواء
نص الأثر:
عن عبد الله بن المبارك رحمه الله في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: «عَلَا وَارْتَفَعَ، وَلَا نَقُولُ كَمَا تَقُولُ الجَهْمِيَّةُ [1] إِنَّهُ اسْتَوْلَى».

التخريج العلمي :
هذا الأثر محفوظ عن ابن المبارك من طرق متعددة، وقد اعتنى أئمة السنة بنقله في كتب "الاعتقاد المسندة" و"تفسير السلف"، وإليك بيان من خرّجه واستدل به:
الإمام أبو بكر الخلال (ت 311 هـ): في كتابه العظيم "السنة"، وهو من أقدم من ساق هذا الأثر بإسناده عن شيوخه من أصحاب الإمام أحمد، واعتبره حجة في إثبات المعنى الحقيقي للاستواء.
الإمام أبو القاسم اللالكائي (ت 418 هـ): في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"، حيث أورده في "سياق ما روي في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى"، مسنداً إياه لطبقة أتباع التابعين وعلى رأسهم ابن المبارك.
الإمام ابن عبد البر (ت 463 هـ): في كتابيه "التمهيد" و "الاستذكار"، حيث استدل به عند شرحه لحديث النزول، لبيان أن قول السلف في الاستواء هو العلو والارتفاع بذاته، لا الاستيلاء الذي ادعته المعتزلة ومن تبعهم.
الإمام الذهبي (ت 748 هـ): في كتابه "العلو للعلي الغفار"، وأكد على صحة نسبته لابن المبارك، مشيراً إلى أن هذا التفسير (علا وارتفع) هو إجماع التابعين الذين أدركهم ابن المبارك.
شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ): في "مجموع الفتاوى" و "بيان تلبيس الجهمية"، حيث طوّل النفس في الاستدلال بهذا الأثر لبيان بطلان "المجاز" في الصفات، مؤكداً أن ابن المبارك جمع بين إثبات المعنى اللغوي الصحيح ونفي التحريف البدعي.
الإمام ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ): في "اجتماع الجيوش الإسلامية" و "الصواعق المرسلة"، وجعله من أدل الآثار على أن "استوى" فعل حقيقي لا يُصرف عن ظاهره.
الحواشي العلمية الموسعة (التدقيق والتحقيق)
[1] الجهمية: (ذُكرت سابقاً) وهي الفرقة المعطلة التي تنفي علو الله بذاته، وتؤول الاستواء بـ "الاستيلاء". وقد تصدى ابن المبارك لقولهم "استولى" لأنه يقتضي المغالبة، والله لم يزل ملكاً قاهراً قبل خلق العرش وبعده.
[2] سند الأثر: الأثر مروي من طريق علي بن الحسن بن شقيق (ثبت سابقاً أنه أثبت الناس في ابن المبارك)، ومن طريق حبان بن موسى، وكلاهما ثقات عدول. وقد صحح الإمام الذهبي هذا الطريق في مختصر العلو (ص 152)، طبعة المكتب الإسلامي.
[3] معنى (علا وارتفع): هذا التفسير هو "تفسير لغوي شرعي"، والحد الجامع له: إثبات استعلاء الذات الإلهية فوق العرش استعلاءً يليق بجلاله دون تكييف. وقد نقل هذا المعنى البخاري في صحيحه (كتاب التوحيد) عن التابعين كأبي العالية، مما يدل على أن ابن المبارك ينقل إجماعاً مستقراً.
[4] بطلان لفظ (استولى): استدل ابن المبارك وأئمة السنة بفساد هذا اللفظ من وجوه:
الأول: لغوياً، لا يقال "استولى" إلا لمن كان منازعاً في ملكه فغلب.
الثاني: شرعياً، لو كان الاستواء بمعنى الاستيلاء، لصح أن يقال: "استوى الله على الأرض" و"على الهواء"؛ لأن ملكه مستولٍ على كل شيء، وهذا باطل باتفاق.
انظر: التمهيد لابن عبد البر (7/ 131)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص 213)، طبعة مؤسسة الرسالة.
[5] ابن المبارك والرد على المريسي: كان ابن المبارك يواجه بشر المريسي (رأس المعطلة في زمانه)، وكان يشدد على أن "الاستواء" معلوم المعنى في لغة العرب، وأن صرفه عن حقيقته هو "جحد" للخالق. انظر: تاريخ بغداد للخطيب (10/ 165).
[6] استدلال المتأخرين: اعتمد الحنابلة والشافعية المنتسبون للسنة هذا الأثر كفيصل بين "التفويض" (بمعنى تجهيل المعنى) و"الإثبات" (بمعنى إثبات المعنى وتفويض الكيف)، فابن المبارك أثبت "المعنى" (علا وارتفع) ولم يقل "لا أدري ما معناها".
تمهيداً للدخول في "البحث المعمق" (أسئلة التأسيس):
يا أبا أنس، قبل أن ننتقل لصلب البحث، لابد أن نحرر المسائل التي سألت عنها لنبني عليها:
هل هناك فرق بين "العلو" و"الاستواء"؟ (من حيث كون أحدهما صفة ذات والآخر صفة فعل).
صفة "المكان": هل نثبت لله "المكان"؟ وكيف نتعامل مع لفظ "المكان" اصطلاحاً (هل هو مكان وجودي يحيط به، أم هو العلو المطلق الذي لا يحيط به شيء)؟
قاعدة "الله في السماء": هل حرف (في) يقتضي الظرفية الوعائية، أم يقتضي العلو فوق العالم؟
-----------------&
روى الإمام أبو بكر الخلال في كتاب "السنة"، والإمام الذهبي في "العلو"، عن عبد الله بن المبارك أنه قال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾:
«اسْتَوَى: أيْ عَلَا وَارْتَفَعَ، وَلَا نَقُولُ كَمَا تَقُولُ الجَهْمِيَّةُ إنَّهُ اسْتَوْلَى» [1].
ثانياً: التدقيق اللغوي والحد الجامع للمفردات
(عَلَا وَارْتَفَعَ):
اللغة: العلو والارتفاع هما المعنى الحقيقي لكلمة "استوى" إذا عُديت بحرف الجر "على".
الحد الجامع المانع: إثبات صفة الفعل الاختيارية لله تعالى، بما يقتضي علو ذاته فوق العرش استواءً يليق بجلاله، ويمنع صرف اللفظ إلى "الاستيلاء" أو "القدرة" [2].
(اسْتَوْلَى):
اللغة: الغلبة والقهر بعد مغالبة.
الحد الجامع المانع: لفظ بدعي أدخلته الجهمية والمعتزلة لتعطيل صفة العلو، والحد المانع هنا هو أن الاستيلاء يستلزم أن يكون العرش قبل ذلك في يد غير الله، وهو محال [3].
ثالثاً: الإعراب الدقيق
استوى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف منع من ظهورها التعذر.
أي: حرف تفسير.
علا: فعل ماضٍ، والفاعل ضمير مستتر تقديره "هو" يعود على لفظ الجلالة.
ولا نقول: (الواو) استئنافية، (لا) نافية، (نقول) فعل مضارع مرفوع بالضمة.
إنه استولى: (إنَّ) حرف توكيد ونصب، (الهاء) اسمها، وجملة (استولى) الفعلية في محل رفع خبر "إن".
رابعاً: الحواشي العلمية والتوثيق (العزو)
[1] تخريج الأثر: أخرجه الإمام الذهبي في العلو للعلي الغفار (ص 152)، وقال: «روي بإسناد صحيح عن ابن المبارك». وأخرجه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص 114)، طبعة دار ابن حزم. وانظر: السنة لأبي بكر الخلال، تحقيق: د. عطية الزهراني.
[2] معنى الاستواء عند السلف: هذا التفسير من ابن المبارك (علا وارتفع) هو عين ما نقله البخاري في صحيحه عن التابعين كأبي العالية ومجاهد. انظر: فتح الباري لابن حجر (13/ 406)، طبعة دار المعرفة.
[3] فساد قول "استولى": رَدَّ ابن المبارك على هذا التأويل لأن "الاستيلاء" لغةً لا يكون إلا بمغالبة ومنازعة، كما قال الشاعر: "قد استوى بشر على العراق"، أي غلب عليه بعد قتال. وهذا في حق الخالق ممتنع. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 146).
الخلاصة للبحث:
إن كلام ابن المبارك في "الاستواء" (علا وارتفع) هو المكمل لكلامه في "الذات" (بائن من خلقه)؛ فبالأول أثبت الفعل، وبالثاني أثبت المكانة والعلو، وبهما معاً اكتمل الرد على الجهمية.
---------------------&
المبحث الخامس: 
التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِصِفَتَيِ العُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ وَالفُرُوقِ بَيْنَهُمَا
أولاً: المقارنة بين صفة العلو (الذاتية) وصفة الاستواء (الفعلية)
يجب على الباحث في عقيدة السلف أن يفرق بين ما هو صفة ملازمة للذات لا تنفك عنها، وبين ما هو فعل اختياري يفعله الرب بمشيئته وقدرته.
1. صفة العلو (صفة ذاتية):
هي صفة خبرية عقلية ثابته لله أزلاً وأبداً، فالله هو "العلي" قبل خلق الخلق وبعد خلقهم، لا يحيط به شيء من مخلوقاته. وقد دلت عليها أسماء الله الحسنى في آيات كثيرة، منها:
اسمه (العلي): ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].
اسمه (الأعلى): ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1].
اسمه (المتعال): ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: 9].
آيات الفوقية: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: 50].
2. صفة الاستواء (صفة فعلية):
هي صفة خبرية فعلية، تتعلق بمشيئة الله تعالى، وهي مما أحدثه الله بعد خلق العرش، ولذا جاءت معطوفة بـ "ثم" التي تقتضي الترتيب والتعقيب في لغة العرب. وقد ورد ذكر الاستواء على العرش في القرآن الكريم في سبعة مواضع حصرية وهي:
سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الآية: 54].
سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الآية: 3].
سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الآية: 2].
سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [الآية: 5].
سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الآية: 59].
سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الآية: 4].
سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الآية: 4].
ثانياً: التحليل اللغوي لتعدية فعل (استوى)
لا يستقيم فهم الاستواء إلا بضبط قواعد اللغة التي نزل بها القرآن، فالفعل "استوى" يختلف معناه بحسب حرف الجر الذي يتعدى به:
إذا عُدِّي بـ (على): فمعناه العلو والارتفاع والاستقرار، وهذا محل إجماع السلف في آيات العرش.
إذا عُدِّي بـ (إلى): فمعناه القصد والانتهاء، كقوله: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾.
إذا عُدِّي بـ (الباء): يأتي بمعنى الاتصال أو الإصلاح (وهو قليل الاستعمال في هذا السياق).
ثالثاً: أهداف المقارنة والردود
إن الهدف من هذا التفصيل هو تمييز عقيدة السلف عن عقائد أهل الكلام (كالجهمية، والأشاعرة [1]، والماتريدية [2]). فالغرض هو إثبات أن الله "فعال لما يريد"، وأن الاستواء فعل حقيقي يليق بجلاله، وليس مجرد "استيلاء" ملكي كما يزعمون. فلو كان الاستواء هو الاستيلاء، لكان الرب مستوياً على العرش وعلى الأرض وعلى الأقذار، لأن ملكه مستولٍ على كل شيء، وهذا محال.
---------------------&
الحواشي العلمية 
[1] الأشاعرة: فرقة كلامية تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري (ت 324 هـ)، وهو قد مر بمراحل ثلاث: الاعتزال، ثم مرحلة ابن كلاب، ثم مرحلة العود لعقيدة السلف (أهل الحديث). إلا أن أتباعه استقروا على "المرحلة الكلابية"، فأثبتوا سبع صفات (المعاني) وأوّلوا الصفات الخبرية (كالاستواء واليدين والنزول) أو فوضوا معناها. فالاستواء عندهم هو "الاستيلاء"، والعلو عندهم علو مكانة لا علو ذات. انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري، والتبصير في الدين للإسفراييني (ص 107).
[2] الماتريدية: فرقة كلامية تنتسب إلى أبي منصور الماتريدي (ت 333 هـ) من سمرقند. تلتقي مع الأشاعرة في كثير من الأصول وتختلف في مسائل طفيفة. مشكلتهم في الاستواء أنهم يعتبرونه صفة فعلية بمعنى "تخليق فعل في العرش" أو يؤولونه بالقدرة، وينفون علو الذات بدعوى التنزيه عن الجهة والمكان. اعتمدوا في عقائدهم على العقل أكثر من النقل في باب الصفات. انظر: كتاب التوحيد للماتريدي، وإشارات المرام للبياضي.
[3] الفرق بين الذاتية والفعلية: هذا التقسيم اعتمده أئمة السنة لبيان أن الله لا يزال موصوفاً بصفات الكمال (ذاتية) وأنه يفعل ما يشاء إذا شاء (فعلية). انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (4/ 1301)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص 213).
[4] إجماع السلف في الاستواء: نقل ابن عبد البر إجماع أهل السنة على أن الله على العرش، وقال: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة.. ولم يحددوا كيفاً». انظر: التمهيد (7/ 129).
[5] تأويل (استولى): أول من نضح بهذا التأويل هم الجهمية والمعتزلة، ثم تلقفه عنهم متأخرو الأشاعرة. وقد رد عليهم ابن القيم في "الكافية الشافية" بقوله: (ولامُ قد زادوها في استوى.. كما زاد أهل الشرك نوناً في هبط). يشبه زيادة اللام في "استولى" بزيادة النون في "حطة" التي فعلها بنو إسرائيل. انظر: بدائع الفوائد (2/ 42).
------------------------&

المبحث السادس : 

مَذَاهِبُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَتَحْرِيرُ المَصْطَلَحَاتِ المُجْمَلَةِ (الجِهَة، المَكَان، الحَدّ)

​أولاً: أقوال الأئمة الأربعة في العلو والاستواء

​اتفق الأئمة الأربعة على إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه، ونقلوا ذلك عمن أدركوه من التابعين:

  1. ​الإمام أبو حنيفة (ت 150 هـ): سُئل عمن ينكر العلو فقال: «مَنْ قَالَ لَا أَعْرِفُ رَبِّي فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ» [1].
  2. ​الإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ): اشتهر عنه قوله لمن سأله عن الكيفية: «الاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ» [2]. وقرر أن الله في السماء وعلمه في كل مكان.
  3. ​الإمام الشافعي (ت 204 هـ): قال في "وصيته": «الْقَوْلُ فِي السُّنَّةِ الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا، وَرَأَيْتُ أَصْحَابَنَا عَلَيْهَا.. الإِقْرَارُ بِشَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.. وَأَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ فِي سَمَائِهِ، يَقْرَبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شَاءَ» [3].
  4. ​الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ): كان إمام المحنة والمنافح عن العلو، وقرر في رده على الجهمية أن الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، ولما سُئل: أهو على العرش؟ قال: «نعم بحدٍّ» [4].

​ثانياً: تحرير المصطلحات المجملة (الجهة، المكان، الحد)

​هذه الألفاظ لم تَرِد في الكتاب ولا في السنة نفياً ولا إثباتاً، لذا عاملها أهل السنة بقاعدة "الاستفصال"؛ فإن كان المعنى حقاً قُبل، وإن كان باطلاً رُدّ، مع التحفظ على اللفظ المجمل.

​1. مَصْطَلَحُ (الجِهَة):

  • ​المعنى الباطل: أن الله تحيط به جهة مخلوقة تحصره وتكون وعاءً له. وهذا منفيٌّ عن الله.
  • ​المعنى الحق: أن الله في "جهة العلو" المطلق الذي لا يحيط به شيء، وهو فوق العالم بائناً عنه. وهذا ثابت لله عقلاً ونقلاً [5].

​2. مَصْطَلَحُ (المَكَان):

  • ​المعنى الباطل: (المكان الوجودي) أي أن الله داخل حيز مخلوق أو ظرف يحويه. وهذا يقدح في غنى الله وعظمته.
  • ​المعنى الحق: (المكان العدمي) أي ما فوق العالم، حيث لا خلاء ولا ملأ، بل الله وحده فوق عرشه. وقد أثبته بعض الأئمة كالمعلمي اليماني وابن عثيمين بهذا المعنى التفسيري [6].

​3. مَصْطَلَحُ (الحَدّ):

  • ​المعنى الباطل: أن الله محدود بحدٍّ يحيط به خلقه أو يحصره نقص.
  • ​المعنى الحق: أن لله "حداً" يعلمه هو سبحانه، يفصل بين ذاته وبين خلقه، لئلا يختلط الخالق بالمخلوق. وقد صرح الإمام أحمد بلفظ "الحَد" رداً على الجهمية الذين قالوا بالحلول [7].

​ثالثاً: أقوال العلماء المعاصرين في التحرير

  1. ​الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني (ت 1386 هـ): قرر أن نفي "المكان" بإطلاق قد يُفهم منه نفي الوجود، وأوضح أن المكان إذا أريد به "الجهة العليا" فهو ثابت لله بالضرورة الفطرية [8].
  2. ​الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت 1421 هـ): فصّل في لفظ "الجهة" و"المكان"، مبيناً أن أهل السنة يثبتون مضمون هذه الألفاظ وهو "العلو" و"البينونة"، وإن كانوا لا يتعبدون باللفظ نفسه لعدم وروده [9].
  3. ​الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي (حفظه الله): أكد في شرحه للرسائل العقدية أن إثبات "الحَد" هو تمييز للخالق عن المخلوق، وهو مقتضى قوله تعالى {على العرش استوى} [10].
-----------------------&

​الحواشي العلمية 

​[1] قول أبي حنيفة: رواه أبو إسماعيل الأنصاري في الفاروق، وانظر: اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (ص 139). والماتريدية [سبق تعريفها] يؤولون هذا القول بما يوافق تعطيلهم.

​[2] قول مالك: أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/ 398)، وجعله قاعدة في باب الصفات (المعنى معلوم والكيف مجهول).

​[3] قول الشافعي: انظر: إثبات صفة العلو لابن قدامة (ص 124). والأشاعرة [سبق تعريفها] يحاولون تضعيف "الوصية" للفرار من تصريحه بالعلو.

​[4] قول أحمد في الحد: رواه الخلال في السنة، وعبد الله بن أحمد في السنة. والمقصود بالحد هنا: البينونة عن الخلق، أي أن له غاية تنتهي إليها الذات يعلمها هو سبحانه.

​[5] تحرير الجهة: قال ابن تيمية: «لفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله، فيكون مخلوقاً، فالله لا يحويه مخلوق. وقد يراد به ما فوق العالم، وهذا ثابت لله». انظر: درء تعارض العقل والنقل (6/ 262).

​[6] تحرير المكان: قال المعلمي اليماني في التنكيل (2/ 342): «إن الله في مكان لا يحيط به، وهو فوق العرش». والحد الجامع هنا: نفي الظرفية الوعائية وإثبات الفوقية الحقيقية.

​[7] رسالة في الحَدّ: يُقصد بها ما دونه الأئمة كالدشتي في كتابه إثبات الحد لله عز وجل، لبيان أن القول بالحد هو قول أهل الأثر قاطبة رداً على الحلولية والاتحادية.

​[8] المعلمي اليماني: هو عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، ملقب بـ "ذهبي العصر" (ت 1386 هـ)، له جهود عظيمة في نصرة السنة والرد على الكوثرية. انظر: مقدمة كتابه التنكيل.

​[9] الشيخ ابن عثيمين: انظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (ج1 / عقيدة)، وشرحه على الواسطية.

​[10] الشيخ صالح السندي: انظر شرحه لـ كتاب السنة للإمام أحمد، ومحاضراته في "تأصيل مصطلحات العقيدة".

​[11] القدر المشترك في المصطلحات: هذه الألفاظ (جهة، مكان، حد) سماها العلماء "الألفاظ المجملة"؛ لأن أهل الالحاد [المعطلة المحضة كالفلاسفة والجهمية] أرادوا بنفيها نفي وجود الرب بالكلية، فأثبتها أهل السنة بمعناها الصحيح سداً للذريعة.

---------------

المَبْحَثُ السَّابِعُ:
 جُذُورُ التَّعْطِيلِ وَتَفْكِيكُ شُبُهَاتِ النُّفَاةِ فِي العُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ
أولاً: لماذا عطلوا وأوّلوا؟ (تشخيص العلة)
إن الناظر في مذهب المعطلة (من الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة [1]، والماتريدية) يجد أن الدافع لم يكن نقصاً في الأدلة الشرعية، بل كان لوجود "قواعد عقلية" مسبقة حاكموا إليها الوحي، وأهمها:
توهم التشبيه: ظنوا أن إثبات "العلو" يقتضي بالضرورة أن يكون الله "جسماً" محيزاً كالمخلوقات. فلما غلب على عقولهم تشبيه الخالق بالمخلوق، فروا إلى التعطيل والتأويل [2].
دليل الحدوث والأجسام: اعتمدوا على قاعدة فلسفية (كلامية) تقول: "إن الأعراض لا تقوم إلا في الأجسام، والأجسام محدثة". فزعموا أن إثبات الاستواء (وهو فعل) يقتضي قيام الحوادث بذات الله، وهذا -بزعمهم- يقتضي أن يكون الله محدثاً، فنفوا الاستواء والعلو فراراً من هذا اللزم [3].
تقديم العقل على النقل: جعلوا العقل هو "الأصل" والنقل هو "التبع"، فما وافق عقولهم قبلوه، وما خالفها أوّلوه (بصرفه عن ظاهره) أو فوضوه (بتجهيل معناه) [4].
ثانياً: تفكيك الشبهة (الرد النقلي والعقلي)
يرد أهل السنة على هذه التوهمات بقواعد محكمة:
الرد على توهم التشبيه: نقول لهم: "الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات"؛ فكما أن لله "ذاتاً" حقيقية لا تشبه الذوات، فله "علو" حقيقي واستواء حقيقي لا يشبه علو ولا استواء المخلوقين.
الرد على فرية (التحيز): إن كان المراد بالتحيز أن الله فوق العالم بائناً عنه، فهذا حق. وإن كان المراد أن شيئاً من المخلوقات يحيط به، فهذا باطل ينفيه أهل السنة قبلكم.
الرد على التأويل (استولى): لو كان الاستواء بمعنى الاستيلاء، لما كان للعرش ميزة، ولصح قوله: "استوى على الجبال" و"استوى على البحار"؛ لأن ملكه مستولٍ على كل شيء.
ثالثاً: أقوال المشايخ المعاصرين في تفكيك هذه الشبهات
الشيخ عبد الرحمن المعلمي (ت 1386 هـ): بيّن أن المعطلة "عبدوا عدماً" والمشبهة "عبدوا صنماً"، أما الموحد فيعبد إلهاً حياً فوق عرشه بائناً من خلقه، وأوضح أن نفي الجهة والمكان بإطلاق هو نفي للوجود نفسه [5].
الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت 1421 هـ): أكد أن "التفويض" هو شر مذاهب أهل البدع؛ لأنه يجعل القرآن كلاماً مجهول المعنى (أعجمياً)، بينما الله أنزله بلسان عربي مبين لنفهم معناه، والمعنى معلوم وهو العلو، أما الكيف فهو المجهول [6].
الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (حفظه الله): أوضح أن هؤلاء المتكلمين حُرموا من فهم "كمال الرب"؛ لأن كمال الغني القادر يقتضي أن يكون فعالاً لما يريد، مستوياً على عرشه، لا أن يكون "جماداً" لا يوصف بجهة ولا حركة ولا فعل [7].
الشيخ المحقق صالح بن عبد العزيز السندي (حفظه الله): قرر أن شبهة "قيام الحوادث" هي التي أفسدت على هؤلاء دينهم، وبين أن "الأفعال الاختيارية" (كالمجيء والنزول والاستواء) هي من كمال الرب، ونفيها هو عين النقص والتعطيل [8].
----------------------

الحواشي 

[1] الأشاعرة: (سبق تعريفها)؛ وهم في هذا المبحث يُقسمون إلى: مؤولة (يصرفون الاستواء للاستيلاء) ومفوضة (يقولون المعنى مجهول). وكلا المسلكين تعطيل.
[2] توهم التشبيه: قال نعيم بن حماد (شيخ البخاري): «من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً». انظر: سير أعلام النبلاء (10/ 610).
[3] دليل الحدوث: هو عمدة المتكلمين في نفي الصفات الفعلية، ويسميه شيخ الإسلام ابن تيمية "أصل الفساد في الأرض". انظر: درء تعارض العقل والنقل (1/ 84).
[4] القانون الكلي: هو القاعدة التي وضعها الرازي بتقديم العقل على النقل عند التعارض. ورد عليه ابن تيمية في "الدرء" في عشرة مجلدات، مبيناً أن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح أبداً.
[5] المعلمي اليماني: انظر كتابه الفذ: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (2/ 342).
[6] ابن عثيمين: انظر: فتوى العقيدة الحموية الكبرى (شرحه)، ومجموع الفتاوى (ج1). والحد المانع هنا هو التفريق بين (تجهيل الكيف) و(تجهيل المعنى).
[7] صالح آل الشيخ: انظر شرحه على العقيدة الطحاوية، وشرح الواسطية.
[8] صالح السندي: انظر محاضراته: تأصيل مصطلحات العقيدة، وكتابه: المنهج المأمون في تلقي العقيدة.
---------------

المَبْحَثُ الثَّامِنُ:

 عَرْشُ الرَّحْمَنِ (أَوَّلِيَّتُهُ، صِفَاتُهُ، وَقَوَاعِدُ الإِضَافَةِ)

​أولاً: أولية خلق العرش ومسألة القلم

​وقع نزاع مشهور بين العلماء في: أيهما خُلق أولاً؛ العرش أم القلم؟

  1. ​القول الأول: أن العرش خُلق قبل القلم. وهو قول جمهور المحققين كابن تيمية وابن القيم [1]. واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو في "صحيح مسلم": «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» [2]. فدل على أن العرش كان موجوداً وقت الكتابة بالقلم.
  2. ​القول الثاني: أن القلم خُلق أولاً. واستدلوا بحديث: «أول ما خلق الله القلم...». والتحقيق أن "أول" هنا تعني أولية نسبية، أي أول ما خُلق من هذا العالم المشاهد، أو أن القلم أول المخلوقات "بعد" العرش والماء.

​ثانياً: صفات العرش وعظمته

​العرش ليس مجرد "رمز" أو "مجاز" كما تزعم المعطلة، بل هو جرم حقيقي عظيم:

  • ​أثقل المخلوقات: دلت السنة على أن العرش هو أثقل المخلوقات وزناً، كما في حديث جويرية في تسبيح النبي ﷺ: «سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» [3]. فجعل زنة العرش غاية في الثقل والتعظيم.
  • ​أعظم المخلوقات: هو سقف المخلوقات وفوقه ليس إلا الخالق سبحانه. ولو قورنت السموات السبع والأرضون بالنسبة للكرسي لكانت كحلقة ألقيت في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة [4].

​ثالثاً: قاعدة "الإضافة" وتفكيك توهم التشبيه

​من القواعد العظيمة التي تضبط الفهم هي "قاعدة الإضافة"؛ فالعرش مضاف إلى الله (عرش الرحمن)، وهذه الإضافة هي (إضافة ملك وتشريف) وليست (إضافة صفة).

  • ​أقسام الإضافة:
    1. ​إضافة صفة لموصوف: كـ "علم الله" و"قدرة الله"، فهذه صفات قائمة بذات الله لا تنفك عنه.
    2. ​إضافة عين منفصلة (مخلوق): كـ "بيت الله"، "ناقة الله"، و"عرش الله". وهذه الإضافة تفيد: (أ) الملكية، (ب) التشريف والاختصاص.
  • ​أثر الإضافة في نفي التشبيه: حين نذكر "العرش" مضافاً لله، فإنه ينقطع توهم التشبيه؛ لأن العرش مخلوق مفتقر، والله مستوٍ عليه استواء غنىً وعظمة، لا استواء حاجة وافتقار. فالإضافة هنا تميز بين الخالق والمخلوق وتؤكد البينونة التي قررها ابن المبارك [5].

​رابعاً: قاعدة "اعتقد ثم استدل" عند أهل البدع

​من أعظم إشكاليات الجهمية والأشاعرة والماتريدية هي منهجية التلقي؛ حيث بنوا معتقدهم على "مقدمات عقلية" فلسفية، ثم نظروا في الوحي:

  • ​المنهج البدعي: (اعتقد ثم استدل)؛ أي قرر بعقله أولاً امتناع العلو، ثم ذهب للآيات لـ "يؤوّلها" أو "يحرّفها" لتوافق معتقده السابق.
  • ​المنهج السني: (استدل ثم اعتقد)؛ أي ينظر في النص أولاً، فما أثبته النص أثبته القلب واللسان، فالعقل عندهم "تابع" للوحي لا "حاكم" عليه [6]
--------------------------&

​الحواشي العلمية

​[1] القول في أولية العرش: انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (18/ 210)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص 208). والحد المانع هنا هو نفي القول بقدم العرش، فالعشر مخلوق مسبوق بالعدم.

​[2] تخريج حديث الكتابة: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب ذكر خلق آدم، برقم (2653). ورسالة شيخ الإسلام "وكان عرشه على الماء" مطبوعة ضمن المجلد الخامس من مجموع الفتاوى.

​[3] تخريج حديث زنة العرش: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، برقم (2726). وفيه إثبات أن للعرش ثقلاً ووزناً حقيقياً يليق بعظمته.

​[4] عظمة العرش والكرسي: انظر حديث أبي ذر في "السلسلة الصحيحة" للألباني برقم (109). والكرسي (ذُكر سابقاً في بحث العلو) هو موضع القدمين والعرش فوقه.

​[5] قاعدة الإضافة: حررها ابن القيم في الصواعق المرسلة (3/ 1010)، وبيّن أن إضافة الأعيان لله تقتضي خلقها وملكها وتشريفها، وهذا يزيل توهم أن يكون العرش "حيزاً" يحوي الخالق، بل الخالق فوقه ومحيط بكل شيء.

​[6] اعتقد ثم استدل: هذه القاعدة هي "جناية المنهج الكلامي"؛ حيث جعلوا "العقل" أصلاً والنقل "تبعاً"، فصار القرآن عندهم تابعاً لآراء أرسطو وأهل المنطق. انظر: درء تعارض العقل والنقل (1/ 85).

​[7] ابن عثيمين في العرش: يقرر في شرح الواسطية أن العرش له حملة من الملائكة (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)، وهذا يؤكد حقيقة الجرم المادي للعرش وبطلان قول من قال إنه "الملك" أو "الاستيلاء".

​[8] المعلمي اليماني: (سبق تعريفه)؛ أبدع في كتابه التنكيل في بيان أن المعطلة حين أولوا العرش والكرسي، سلبوا نصوص الوحي هيبتها وحولوها إلى رموز خاوية لا حقيقة لها.

​[9] صالح آل الشيخ: يذكر في شرح "الطحاوية" أن إثبات العرش وحملته وصورته هو من تمام الإيمان بالغيب الذي مدح الله به المؤمنين في أول سورة البقرة.

​[10] صالح السندي: يؤكد في "تأصيل مصطلحات العقيدة" أن الفرق بين العرش والكرسي فرق ثابت بالنقل، وأن الخلط بينهما هو من دأب المبتدعة الذين يحاولون تمييع النصوص لخدمة التعطيل.

---------------

المَبْحَثُ التَّاسِعُ:

 جَمْعُ الشَّتَاتِ وَتَقْعِيدُ المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ فِي العُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ

أولاً: عشرة أقوال من أئمة السلف في العلو والاستواء

الإمام الأوزاعي (ت 157 هـ): «كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته» [1].

حماد بن زيد (ت 179 هـ): «إنما يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء»، يعني الجهمية [2].

عبد الله بن المبارك (ت 181 هـ): «نعرف ربنا بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه» [3].

جرير بن عبد الحميد (ت 188 هـ): «كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله» [4].

يزيد بن هارون (ت 206 هـ): «من زعم أن (الرحمن على العرش استوى) على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي» [5].

بشر بن عمر الزهراني (ت 209 هـ): «سمعت غير واحد من المفسرين يقول: (الرحمن على العرش استوى) أي علا» [6].

سليمان بن حرب (ت 224 هـ): في الرد على الجهمية: «إنما يريدون أن يقولوا ليس هناك شيء» [7].

قتيبة بن سعيد (ت 240 هـ): «هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة.. نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه» [8].

نعيم بن حماد (ت 228 هـ): «من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر» [9].

محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ): «فالصواب من القول أن يقال: استوى، أي علا وارتفع.. ومن أنكر ذلك فقد كذب ربه» [10].

ثانياً: عشر قواعد منهجية لأهل السنة والجماعة في البحث

قاعدة الإثبات والنفي: إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله، ونفي ما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله من غير تحريف ولا تعطيل [11].

قاعدة القدر المشترك والقدر الفارق: المعنى اللغوي (أصل الصفة) مشترك ومفهوم، والكيفية (الفارق المميز) خاصة بالخالق لا يعلمها إلا هو بعد الإضافة [12].

قاعدة الإضافة تزيل توهم التشبيه: الصفة إذا أضيفت لله تخصصت به وخرجت عن مماثلة المخلوق، فاستواء الله غير استواء خلقه [13].

قاعدة القول في الصفات كالقول في الذات: كما أن لله ذاتاً حقيقية لا تشبه الذوات، فله صفات حقيقية لا تشبه الصفات.

قاعدة القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر: من أثبت (الإرادة) بدليل العقل وأوّل (العلو)، يقال له: القول في العلو كالقول في الإرادة [14].

قاعدة القول في الصفات كالقول في الأسماء: ترد على الجهمية؛ فكما أن أسماءه حقيقية دلت على ذاته، فصفاته حقيقية دلت على كماله.

قاعدة الألفاظ المجملة (جهة، مكان، حد): لا نثبتها مطلقاً ولا ننفيها مطلقاً، وعلاجها (الاستفسار والتفصيل) في المعنى مع التحفظ على اللفظ [15].

قاعدة تقديم النقل على العقل: الوحي هو الأصل، والعقل الصريح خادم للنقل ومصدق له، ولا تعارض بينهما أبداً.

قاعدة التلازم بين النقل الصحيح والعقل الصريح: كل ما جاء به الوحي الصحيح يقبله العقل السليم، ولا يمكن أن يصادم العقل نصاً ثابتاً.

قاعدة أن الاستواء معلوم والكيف مجهول: المعنى معلوم باللغة، والحقيقة (الكيفية) مفوضة إلى الله سبحانه.

ثالثاً:  أقوال الأئمة الأربعة (المذاهب المتبوعة)

أبو حنيفة: تشدد في تكفير من نفى الفوقية، مؤكداً أن العلو ضرورة عقدية، وأن الله يُدعى من أعلى لا من أسفل، وفي "الفقه الأبسط" صرح بالبينونة والحد [16].

مالك: أسس مدرسة (تجهيل الكيف)، ومنع الخوض في التفلسف حول كيفية الاستواء، معتبراً الإيمان بظاهر النص واجباً والابتداع في صرفه بدعة.

الشافعي: نقل إجماع أهل زمانه ومن قبله على أن الله في سمائه، واستعمل نصوص "الاستواء" كفيصل بين السني والمبتدع.

أحمد: كان عمدة المحققين في إثبات (الحد) بمعنى البينونة عن الخلق، وردَّ على استدلالات الجهمية بالآيات المتشابهة (كالداخل والخارج)، وألزمهم بصريح نصوص العلو [17].

رابعاً: خمس قواعد عقلية للرد على أهل البدع

قاعدة بطلان نفي النقيضين: قولكم "لا داخل العالم ولا خارجه" هو جمع بين نفيين يقتضي العدم المحض؛ والعدم لا يكون إلهاً.

قاعدة لزوم وصف الكمال: الوجود لا بد له من صفة، وإثبات وجود بلا صفة فعل (كالعلو) هو وصف بالجمود، والجمود نقص، والرب منزه عن النقص.

قاعدة التمييز بين الموجودات: العقل يقرر أن كل موجودين إما أن يكونا متصلين (حلول) أو منفصلين (بينونة)؛ وبطلان الحلول يوجب البينونة والعلو.

قاعدة فساد الاستدلال باللوازم المتوهمة: قولكم (العلو يستلزم الجسمية) هو وهم من عقولكم؛ فاللوازم تختلف باختلاف الذوات، ولا يلزم من علو الخالق ما يلزم من علو المخلوق.

قاعدة أولية الفطرة على الفلسفة: العقل الفطري (الذي يرفع يده للسماء) أسبق وأصدق من العقل الكلامي (المبني على مقدمات ظنية)، واليقين لا يزول بالشك [18].

---------------------------&

الحواشي العلمية والتوثيق 

[1] الأوزاعي: أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/ 397)، برقم (673).

[2] حماد بن زيد: أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (1/ 114)، والبخاري في خلق أفعال العباد (ص 11).

[3] ابن المبارك: سبق تخريجه موسعاً في المباحث الأولى.

[4] جرير بن عبد الحميد: أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية (ص 28).

[5] يزيد بن هارون: أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (1/ 115).

[6] بشر بن عمر: أخرجه الإمام الذهبي في العلو (ص 166).

[7] سليمان بن حرب: أخرجه الخلال في السنة، والذهبي في العلو (ص 167).

[8] قتيبة بن سعيد: أخرجه الذهبي في سير أعلام النبلاء (11/ 16).

[9] نعيم بن حماد: أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/ 532).

[10] ابن جرير الطبري: انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن (1/ 430)، طبعة دار هجر.

[11] قاعدة الإثبات والنفي: انظر: الرسالة التدمرية لابن تيمية (ص 15)، وهي عمدة القواعد.

[12] القدر المشترك: حررها ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/ 202).

[13] قاعدة الإضافة: انظر: الصواعق المرسلة (3/ 1010).

[14] تلازم الصفات: هذه القاعدة تبطل مذهب الأشاعرة [سبق تعريفهم] الذين يفرقون بين الصفات العقلية والخبرية.

[15] علاج الألفاظ المجملة: انظر: منهاج السنة النبوية (2/ 546).

[16] توسع مذهب أبي حنيفة: انظر كتاب إيثار الحق على الخلق لابن الوزير، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز.

[17] الإمام أحمد: انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد، تحقيق د. دغش العجمي.

[18] قواعد الرد العقلية: مستقاة من كتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، وكتاب العقل والنقل للمعلمي اليماني.

-------------------&

المَبْحَثُ العَاشِرُ: النَّتَائِجُ، التَّوْصِيَاتُ، وَمَنْهَجِيَّةُ الدِّرَاسَةِ

أولاً: عشر نتائج جوهرية للبحث

ثبوت العلو المطلق: أن علو الله بذاته فوق خلقه واستواءه على عرشه حقيقة شرعية وعقلية وفطرية لا تقبل التأويل.

أصالة أثر ابن المبارك: أن أثر الإمام ابن المبارك (بائن من خلقه) هو حجر الزاوية في الرد على الحلولية والجهمية، وهو يمثل إجماع السلف الصريح.

الفرق بين الصفة الذاتية والفعلية: أن "العلو" صفة ذاتية أزلية، بينما "الاستواء" صفة فعلية اختيارية تعقب خلقه للعرش.

تجريد العرش من الرمزية: أن العرش جرم حقيقي عظيم، وهو أثقل المخلوقات وأعلاها، وليس مجرد استعارة للملك أو القدرة.

فساد المنهج الكلامي: أن تقديم العقل (الموهوم) على النقل هو أصل كل تعطيل، وأن العقل الصريح يوافق النقل الصحيح بالضرورة.

إحكام قاعدة الإضافة: أن إضافة العرش والصفات لله تقطع توهم التشبيه وتثبت كمال الموصوف واستغناءه عن خلقه.

بطلان التحريف اللغوي: أن تفسير الاستواء بـ "الاستيلاء" هو تحريف بدعي لا أصل له في لغة العرب ولا في فهم الصحابة.

حقيقة البينونة: أن إثبات "الحَدّ" و"البينونة" ضرورة لتمييز الخالق عن المخلوق، ولرد باطل أهل الحلول والاتحاد.

وحدة الموقف السلفي: أن الأئمة الأربعة وأصحابهم متفقون على إثبات العلو والاستواء بلفظه ومعناه، مع تفويض الكيفية.

خطر التفويض البدعي: أن تفويض المعنى (تجهيل الوحي) هو "تعطيل مقنع" يفتح الباب للزنادقة لنفي الوجود الإلهي.

ثانياً: عشر توصيات للباحثين والطلاب

التزام النص: البدء دوماً بالوحيين في كل مسألة عقدية قبل النظر في آراء الرجال.

ضبط المصطلحات: عدم الانخداع بالألفاظ المجملة (كالمكان والجهة) وضرورة الاستفسار عن المعاني.

دراسة كتب الأثر: العكوف على كتب السنة المسندة (مثل "السنة" لعبد الله بن أحمد، و"التوحيد" لابن خزيمة).

الحذر من الشبهات: عدم التعرض لشبهات أهل الكلام إلا لمن ملك الأدوات العلمية والردود السلفية.

ربط العقيدة بالعبادة: استشعار أثر "علو الله" في تعظيم الرب، وفي الذل في السجود، وفي الطمأنينة بالدعاء.

تحقيق الأسانيد: العناية بصحة الآثار المروية عن السلف لقطع الطريق على من يحاول تشكيكنا في تراثنا.

تجريد المتابعة: الأخذ بقول الأئمة ما وافق الدليل، فالحق أحق أن يُتبع.

نشر العقيدة الصحيحة: تبسيط هذه المسائل للعامة بلغة واضحة تقوي إيمانهم بعظمة ربهم.

مقارنة المذاهب: دراسة الفرق (الجهمية، الأشاعرة، الماتريدية) لمعرفة مواطن الخلل في منهجيتهم وكيفية نقضها.

الاستمرار في البحث: جعل مسألة "الأسماء والصفات" موضوعاً حياً للبحث والتحقيق والمدارسة.

ثالثاً: نصيحة في كيفية دراسة هذا المبحث لطالب العلم

يا طالب العلم، إن دراسة "العلو والاستواء" ليست مجرد ترف فكري، بل هي أصل في معرفة الله. ونبشرك بخارطة طريق:

البداية بالصغار قبل الكبار: ابدأ بمتون "الواسطية" و"الطحاوية" بشروح السلفيين المحققين.

التأصيل اللغوي: لا تغفل عن "لسان العرب" لتعرف معاني (استوى) وتدرك تلاعب المعطلة باللغة.

الجمع بين الدليل والأثر: كل آية تدرسها، ابحث عما قاله فيها ابن المبارك، وأحمد، ومالك ليرتبط قلبك بمنهج القرون المفضلة.

الصبر على كتب الردود: اقرأ "الصواعق المرسلة" و"درء التعارض"؛ فهما "الدرع" الذي يحمي عقيدتك من سهام الفلاسفة.

----------------------&

المَبْحَثُ الحَادِي عَشَرَ: 

المَسْلَكُ العَقَدِيُّ لِلأَثَرَيْنِ (إِعْدَادُ البَاحِثِ)

​أولاً: تحليل المسلك السلفي في إثبات البينونة (ضرورة النقل والعقل)

​إن المسلك العقدي الذي سار عليه سلف الأمة، وجسّده الإمام عبد الله بن المبارك في أثريه، ينطلق من حقيقة شرعية وعقلية كبرى وهي "البينونة". فالسلف حين أثبتوا أن الله فوق سماواته على عرشه، لم يكن ذلك مجرد إثبات لصفة خبرية، بل هو تأسيس لأصل الفرق بين "الخالق" و"المخلوق".

​1. الضرورة النقلية:

تضافرت الأدلة الشرعية التي تجاوزت الألف دليل -كما استقصاها ابن القيم- لتثبت أن الله في السماء بائن من خلقه. المسلك العقدي السلفي يفهم "البينونة" من قوله تعالى: {أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} ومن حديث الجارية المشهور، ومن استواء الرب على العرش. فالبينونة هنا تعني أن الرب سبحانه لا يحل في شيء من خلقه، ولا يحل فيه شيء من خلقه، فهو سبحانه الغني بذاته، المنفصل بكيانه وعظمته عن ذوات المخلوقين وقذاراتهم ونقائصهم.

​2. الضرورة العقلية:

إن العقل الصريح يوجب البينونة؛ لأن الموجودين إما أن يكون أحدهما "حالاًّ" في الآخر، وإما أن يكون "بائناً" عنه. وبما أن الحلول باطل بالضرورة العقلية لاستلزامه تناهي الخالق في المخلوق المحدود، أو اختلاط كمال الخالق بنقص المخلوق، فلم يبق إلا القول بالبينونة والعلو. فكل عقل لم يفسد بالفلسفة يدرك أن "العدم" هو فقط ما لا يقال فيه إنه داخل العالم ولا خارجه، أما "الموجود الحقيقي" فلا بد أن يكون بائناً عن غيره [1].

​ثانياً: تأصيل دلالة "بذاته" و"بائن من خلقه" في تقرير المباينة

​جاء استخدام ابن المبارك لمصطلح "بذاته" و "بائن" كاستعمال فني دقيق لقطع الطريق على كل أنواع التحريف البدعي، وهذا المسلك العقدي يتحلل في نقطتين:

​1. دلالة "بذاته" ونفي المجاز:

عندما قرر الباحث في هذا المبحث لفظ "بذاته"، فإنه يُرسي قاعدة أن العلو ليس علو رتبة أو مكانة فقط، بل هو علو "ذات". المعطلة سلكوا مسلكاً يقول: "الله فوق خلقه بالقدر والقهر فقط"، وهذا حق لكنه ناقص؛ لأن ملك الملوك لا بد أن يكون عالياً بذاته كما هو عالٍ بقهره. فلفظ "بذاته" هو القيد الذي نزع فتيل التأويل المجازي، وأثبت أن الرحمن استوى على العرش حقيقةً بذاته المقدسة استواءً يليق بجلاله، لا استواء حاجة، بل استواء غنىً وعظمة.

​2. دلالة "بائن" وتقرير المباينة التامة:

لفظ "بائن من خلقه" هو "الحد الفاصل" الذي يقرره الباحث لرد دعاوى الجهمية الذين زعموا أن الله في كل مكان بذاته (الحلول العام). المسلك العقدي هنا يثبت أن الله مخالف للمخلوقات في حقيقتها وماهيتها. فالمباينة تعني أن الله ليس جسماً كأجسامنا، ولا جوهراً كجواهرنا، ولا عرضاً كأعراضنا، بل هو (شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ) كما قال نعيم بن حماد. فالبينونة والمباينة تقرر أن الخالق "مباين" للمخلوق في: الذات، والصفات، والأفعال.

​ثالثاً: أثر هذا المسلك في حماية التوحيد

​إن هذا المسلك العقدي الذي انتهجه الباحث عماد (أبو أنس) يمثل السور العالي الذي يحمي "حمى التوحيد" من الانزلاق في هاويتين:

  • ​هاوية التشبيه: فالبينونة والمباينة تنفي المماثلة؛ لأن من بان عن خلقه فقد خالفهم في الكيفية.
  • ​هاوية التعطيل: فإثبات "بذاته" يثبت وجوداً حقيقياً للرب، لأن من لا يوصف بالعلو ولا بالبينونة هو العدم المحض الذي لا حقيقة له
-------------------------&

​الحواشي 

​[1] الضرورة العقلية للبينونة: انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (1/ 254)؛ حيث قرر أن القول بعدم البينونة هو قول بنفي الوجود الإلهي بالكلية، لأن العقل لا يتصور موجوداً لا يكون بائناً عن غيره أو حالاًّ فيه.

​[2] تحقيق لفظ (بذاته): ذكر ابن القيم في الصواعق المرسلة (2/ 513) أن السلف اضطروا لزيادة لفظ "بذاته" لما أظهر المعطلة تأويل العلو بعلو المكانة والقدر، فكان لا بد من تمييز الحق بهذا القيد.

​[3] الرد على الحلولية: انظر: الرد على الجهمية للإمام أحمد، ص (105)، حيث فكك مغالطة الجهمية في استدلالهم بآية (وهو معكم) ليوهموا الناس بالاختلاط، فبين الإمام أن المعية معية علم مع مباينة الذات.

​[4] صالح السندي: يؤكد في "المنهج المأمون" أن "البينونة" هي الفارق الجوهري بين مذهب أهل السنة والجماعة وبين سائر المذاهب الكلامية والفلسفية التي اضطربت في تحديد علاقة الخالق بالكون

------------------------&

المَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مَسَالِكُ المُخَالِفِينَ وَتَفْكِيكُ لَوَازِمِهِمَا (إِعْدَادُ البَاحِثِ أَبِي أَنَس)

إن رصد مسالك المنحرفين عن أثري ابن المبارك يستوجب غوصاً في أصول استدلالهم لتفكيكها من جذورها، وهذا ما سلكه الباحث في هذا المبحث المطول:

أولاً: مَسْلَكُ الجَهْمِيَّةِ (التَّعْطِيلُ الكُلِّيُّ وَنَفْيُ البَيْنُونَةِ)

الشبهة: زعموا أن الله لا يُوصف بمكان ولا جهة ولا علو؛ لأن ذلك يقتضي "التحيز"، والتحيز من صفات الأجسام المخلوقة.

مسلكهم في الشبهة: سلكوا مسلك "نفي المتناقضات"، فقالوا: الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت.

تفكيك الشبهة: خلطوا بين "العلو المطلق" الذي هو صفة كمال، وبين "الظرفية المخلوقة". فالله فوق العرش بائن من خلقه، والعرش لا يحويه بل هو مستوٍ عليه.

اللازم من فساد الشبهة: لزمهم القول بـ "العدم المحض"؛ فما لا يكون داخلاً ولا خارجاً لا وجود له في الأعيان. كما لزمهم القول بـ "الحلول العام" في المستقذرات حال فرارهم من العلو.

الرد النقلي والعقلي:

النقلي: قوله تعالى: {أأمنتم من في السماء}، وأثر ابن المبارك "بائن من خلقه".

العقلي: كل موجودين إما أن يكون أحدهما بائناً عن الآخر أو حالاًّ فيه، وبطلان الحلول يوجب البينونة [1].

ثانياً: مَسْلَكُ المُعْتَزِلَةِ (التَّعْطِيلُ الجُزْئِيُّ وَشُبْهَةُ التَّجْسِيمِ)

الشبهة: إثبات الاستواء والنزول يعني قيام "الأفعال الاختيارية" بذات الله، وهذا عندهم يعني أن الله "محل للحوادث"، وما حلت به الحوادث فهو جسم مخلوق.

مسلكهم في الشبهة: سلكوا مسلك "نفي الصفات مع إبقاء الأسماء جامدة" ليوهموا الناس بالتنزيه.

تفكيك الشبهة: سموا كمال الله في فعله "حوادث" لينفروها. والحقيقة أن الفعل الاختياري كمال، والجماد هو الذي لا يفعل شيئاً.

اللازم من فساد الشبهة: وصفوا الرب بصفة "الموات" أو "الجمادات"؛ لأن الرب الذي لا يستوي ولا ينزل ولا يفعل بذاته هو رب مسلوب الإرادة والفعل.

الرد النقلي والعقلي:

النقلي: إجماع السلف على أن الله "لم يزل فعالاً لما يريد" ومن ذلك استواؤه على العرش.

العقلي: الحي أكمل من الميت بفعله، فكيف ننزّه الخالق بسلبه صفات الكمال الفعلي؟ [2].

ثالثاً: مَسْلَكُ الأَشَاعِرَةِ وَالمَاتُرِيدِيَّةِ (تَحْرِيفُ التَّأْوِيلِ وَتَجْهِيلُ التَّفْوِيضِ)

سلكوا مسلكين متناقضين هرباً من إثبات العلو والاستواء كما جاء في أثر ابن المبارك:

1. مَسْلَكُ التَّأْوِيلِ الفَاسِدِ (التَّحْرِيفُ):

تعريف التأويل وأنواعه:

التأويل الصحيح: هو تفسير الكلام بمراد المتكلم، أو صرف اللفظ لقرينة شرعية صحيحة موافقة للغة (مثل: وساس القرية).

التأويل الفاسد: هو صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل، بل لشبهة عقلية (مثل: استوى بمعنى استولى).

تفكيك شبهة التحريف: زعموا أن "استوى" هي "استولى"، والباحث يفكك هذا بأن الاستيلاء لا يكون إلا بعد منازعة، والله لا منازع له. كما أن الاستيلاء عام في الأرض والسموات، فلمَ خص العرش؟

اللازم الفاسد: جعل نصوص الوحي "ألغازاً" باطنها يخالف ظاهرها، مما يفتح الباب للباطنية لهدم الدين.

2. مَسْلَكُ التَّفْوِيضِ (التَّجْهِيلُ):

الشبهة: قالوا نحن نؤمن باللفظ "استوى" ولكن "نفوض المعنى" تماماً لله، فلا نعرف له معنى باللغة.

مسلكهم في الشبهة: ادعوا أن هذا هو مذهب السلف، وهو محض افتراء؛ فالسلف فوضوا "الكيف" لا "المعنى".

تفكيك شبهة التجهيل ولوازمها:

اللازم الأول: تجهيل الأنبياء؛ فكأن النبي ﷺ يتكلم بما لا يفهم معناه!

اللازم الثاني: تجهيل الصحابة والسلف؛ بأنهم كانوا يقرأون القرآن كأعجم لا يفقه ما يقول.

اللازم الثالث: الطعن في بلاغة القرآن وهدايته؛ فكيف يكون هدىً وهو طلاسم وألغاز؟

الرد النقلي والعقلي:

النقلي: قول مالك "الاستواء معلوم" أي معلوم المعنى في لغة العرب.

العقلي: خطاب العقلاء بما لا يُفهم معناه عبث، والله منزه عن العبث في خطابه [3].

رابعاً: كَلِمَةُ البَاحِثِ  فِي الرَّدِّ:

"يقول الباحث : إن المتأمل في هذه المسالك يجدها تدور حول مركزية واحدة وهي (تقديم العقل الظني على النقل القطعي). إن الجهمي والمعتزلي والأشعري كلهم اتفقوا على أن (ظاهر القرآن كفر وتشبه)، وهذا هو أصل ضلالهم. إننا بردنا عليهم لا ننصر لفظاً فحسب، بل ننصر (حقيقة المعبود) وبنيونته وعلوه، لنثبت للمسلم رباً يُعبد، وإلهاً يُقصد، لا عدماً يُتخيل، أو طلاسم لا تُفهم."

-----------------------&

الحواشي العلمية 

[1] الجهمية والبينونة: انظر: الرد على الجهمية لعثمان الدارمي، ص (28-35)، وفيه إبطال شبهة التحيز بالدليل العقلي.

[2] المعتزلة والأفعال: انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 420)، حيث فكك قاعدة "امتناع قيام الحوادث" وبين أنها أصل التعطيل.

[3] الأشاعرة والتفويض: انظر: درء تعارض العقل والنقل (1/ 201-205)؛ حيث أثبت شيخ الإسلام أن مسلك التفويض هو "تجهيل" للوحي وهو من أفسد المسالك البدعية.

[4] تفكيك "استولى": انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، ص (145-150)، وفيه ردود لغوية مفحمة على هذا التحريف.

--------------------------

مُلْحَقُ المَبْحَثِ الثَّانِي عَشَرَ: 

التَّحْقِيقُ الصَّارِمُ فِي كَسْرِ شُبَهَاتِ المُرْتَابِينَ

إن هذا الملحق يُمثل "القوة الضاربة" في البحث، حيث نجمع فيه خلاصة ما حرره المحققون المتأخرون في الرد على مسالك (التحريف والتجهيل)، ليتحول البحث من مجرد نقل للأثر إلى دراسة نقدية مقارنة تُسقط أصول البدع بالدليل والبرهان.

أولاً: تحرير مذهب السلف في "القدر المشترك" ونفي التشبيه

من أعظم ما يرتكز عليه المعطلة (الجهمية والأشاعرة) هو قولهم: "إثبات العلو يقتضي مشابهة الأجسام".

تفكيك الشبهة: يقرر الباحث هنا قاعدة "القدر المشترك"؛ فالاتفاق في الاسم (استواء، علو، يد) لا يقتضي الاتفاق في الماهية. فكما أن لله "ذاتاً" لا تشبه الذوات، فله "علو" لا يشبه علو المخلوقات.

الرد العقلي: إن نفي الصفات بحجة الفرار من التشبيه يوقع في تشبيه أكبر، وهو تشبيه الله بـ "المعدومات" أو "الممتنعات"، وتشبيه الله بالمعدوم أقبح من تشبيهه بالموجود [1].

ثانياً: نقض مسلك "التفويض" (التجهيل) عند المعاصرين

يُعد الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت 1421 هـ) من أكثر من فكك هذه الفرية في العصر الحديث.

تحقيق ابن عثيمين: يقرر الشيخ أن القول بأن السلف لا يعرفون معاني آيات الصفات هو "طعن في القرآن". ويقول: "كيف يكون القرآن هدى وبياناً للناس وهو يحتوي على أعظم مسألة (وهي صفات الله) بكلمات لا يُعرف معناها؟".

تفكيك اللازم: يرى الشيخ أن هذا المسلك يفتح الباب للملاحدة؛ فإذا قال السني "أنا لا أعرف معنى استوى"، قال الملحد "أنا أؤولها بمرادي"، وحينها لا يملك السني حجة للرد لأنه ادعى الجهل بأصل المعنى [2].

ثالثاً: تفكيك "قانون التأويل" (القانون الكلي) عند المتكلمين

اعتمد الأشاعرة والماتريدية على ما يسمى "القانون الكلي" (تقديم العقل على النقل عند التعارض).

تقرير الشيخ صالح آل الشيخ (حفظه الله): يوضح المعالي الشيخ صالح أن هذا القانون هو "أصل الضلال"؛ لأنه جعل العقل البشري المحدود حاكماً على وحي الله المطلق.

الرد المنهجي: يقرر الشيخ أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح أبداً، وأن ما يسميه المتكلمون "معقولات" هي في الحقيقة "خيالات وتصورات تشبيهية" سبقت إلى عقولهم فظنوا أن النص يقتضيها، ففروا من تشبيهٍ صنعوه بأنفسهم إلى تعطيلٍ جنوه على أنفسهم [3].

رابعاً: تحرير "بطلان التأويل بالاستيلاء" (رد لغوي وعقدي)

توسع المحقق صالح بن عبد العزيز السندي (حفظه الله) في نقد "تأويل الاستواء بالاستيلاء"، مبيناً تهافته من وجوه:

انعدام القرينة: الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يُصرف للمجاز إلا بقرينة، والمعطلة لا قرينة لهم إلا نفي التشبيه، وهو نفي موهوم.

فساد المعنى: الاستيلاء يقتضي مسبوقية بمغالبة (أي أن العرش كان بيد غير الله ثم غلبه الله عليه)، وهذا كفر وضلال.

خرق الإجماع اللغوي: لم يثبت عن العرب في أشعارهم الموثوقة استعمال "استوى" بمعنى "استولى" في حق من لم يسبقه منازع، وبيت الأخطل (قد استوى بشر على العراق) هو بيت مصنوع لا يُحتج به في أصول الدين [4].

خامساً: لوازِم التعطيل كما يراها الباحث 

إن الباحث في هذا المقام، وبعد سبر أقوال هؤلاء الجهابذة، يخلص إلى أن لوازم مسالك المخالفين هي:

تجهيل خير القرون: (الصحابة والتابعين) ووصفهم بأنهم كانوا "عواماً" لا يفقهون حقائق التوحيد.

تعطيل العبادة القلبية: فمن لا يعرف ربه بالعلو، كيف يخشع له؟ ومن لا يؤمن بكونه فوق العرش، إلى أين يتوجه بقلبه؟

فتح باب الباطنية: فإذا جاز صرف "استوى" عن ظاهرها بلا دليل، جاز صرف "الصلاة" و"الحج" عن ظاهرها، وهذا هدم للشريعة بالكلية.

سادساً: الرد بالعقل المحض (قاعدة الوجود)

إن العقل يحكم بأن "الموجود" لا بد أن يتميز عن غيره بجهة مباينة، فالله عز وجل مباين لخلقه بذاته، وعلوه عليهم هو مقتضى كماله. فكل ما لا يُوصف بالعلو ولا بالمباينة فهو "عدم"، والعقل يرفض عبادة العدم. لذا كان أثر ابن المبارك "نَعْرِفُ رَبَّنَا بِأَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ" هو مقتضى العقل والنقل معاً.

-----------------&

الحواشي 

[1] ابن تيمية: انظر: تدمرية، ص (45-50)؛ في قاعدة "القول في الصفات كالقول في الذات".

[2] ابن عثيمين: انظر: شرح العقيدة الواسطية (1/ 115-120)، وفيه حملة شعواء على مذهب "المفوضة" وتسميتهم بالمجهلة.

[3] صالح آل الشيخ: انظر: شرح العقيدة الطحاوية، شريط رقم (12)، فقرة الرد على القانون الكلي للرازي.

[4] صالح السندي: انظر: المنهج المأمون في تلقي العقيدة، ص (88)، ومحاضرته "قواعد الاستدلال عند السلف".

[5] ابن القيم: انظر: الصواعق المرسلة (2/ 442)؛ في إبطال الاستدلال ببيت الأخطل النصراني.

----------------------&

المَبْحَثُ الثَّالِثُ عَشَرَ: 

المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ لِأَثَرَيِ العُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ

[الوَجْهُ الأَوَّلُ: آثار الإيمان بالعلو في تزكية النفس ومراقبة الخالق] 

إن الإيمان بأن الله "فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه" ليس مجرد قضية ذهنية، بل هو أصل صلاح القلوب وعماد مراقبة علام الغيوب. إن هذا المسلك التربوي يستهدف بناء الشخصية المسلمة التي تتحرك تحت نظر "العلي الأعلى".

1. تحقيق صفة "الاستعلاء الإيماني" على الشهوات والضغوط:

حين يستقر في روع المؤمن أن ربه هو "الأعلى" على الإطلاق، يورثه ذلك استعلاءً ذاتياً على سفاسف الأمور. فالإنسان الذي يعلق قلبه بربٍ "عالمٍ عالٍ" يأنف أن يسجد لشهوة فانية، أو يخضع لضغوط مادية زائلة. إن عقيدة العلو تُربي في المسلم "عزة المؤمن"؛ فكيف يخشى من في الأرض وربه فوق السماء؟ وكيف يطمع فيما عند الخلق والرزق ينزل من عند العلي العظيم؟ هذا الشعور بالعلو الإلهي ينعكس على المؤمن ترفّعاً عن الدنايا، وسمواً بالروح نحو معالي الأمور.

2. المراقبة التامة (من فوق سبع سماوات):

أخطر ما يواجه التربية هو غياب الرقيب، وعقيدة العلو هي أعظم رقيب ذاتي. حين يعلم العبد أن ربه بائن من خلقه، مطلع عليهم من فوق عرشه، لا تخفى عليه خافية، يدرك أن المسافة بينه وبين ربه ليست مسافة بُعد، بل هي مسافة "علم وإحاطة" من الأعلى إلى الأدنى. المسلك التربوي هنا يزرع في النفس "الحياء من الله"؛ فكيف يعصي العبد ربه وهو يعلم أن نظر الخالق يحيط به من فوق العرش؟ إن هذا العلم يُثمر قلباً نابضاً بالتقوى، يخشى الله في الخلوة كما يخشاه في الجلوة، وهو ما سماه النبي ﷺ بمرتبة الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه".

3. الانكسار والذل لعظمة ذي الجلال:

من ثمرات هذا المسلك التربوي إدراك العبد لفقره المطلق أمام غنى الرب المطلق. فالرب مستوٍ على عرشه، مستغنٍ عن خلقه، والخلق كلهم صمدوا إليه بحاجاتهم. هذا التباين بين "علو الخالق" و"سفل المخلوق" يكسر كبرياء النفس البشرية، ويجعل العبد يدرك حجمه الحقيقي في هذا الكون. إن تربية النفس على "الافتقار" هي مفتاح الدخول على الله، ولا يتحقق هذا الافتقار كمالاً إلا حين يتصور العبد عظمة العرش وعظمة المستوي عليه، فيسقط كل ادعاء للقوة أو العظمة البشرية تحت قدمي العبودية الصادقة.

[الوَجْهُ الثَّانِي:كمال العبودية وتصحيح القصد في الدعاء والتوجه] 

في هذا الوجه، يسلط الباحث الضوء على انعكاس عقيدة العلو على العبادات العملية، وكيف يصحح الإيمان بالاستواء مسار القصد والتوجه إلى الله.

1. فقه السجود (سبحان ربي الأعلى):

يرتبط السجود تربوياً بعقيدة العلو ارتباطاً وثيقاً. المسلم في صلاته يضع أشرف ما فيه (وجهه) على أخفض ما في الوجود (التراب)، وينطق بلسانه: "سبحان ربي الأعلى". هذا التضاد هو قمة التربية على التواضع؛ فكأن العبد يقول: "يا رب، أنا في غاية السفل والذل، وأنت في غاية العلو والعز". إن من لا يؤمن بعلو الله بذاته، يفقد هذا المعنى التربوي في سجوده، ويصبح تسبيحه مجرد كلمات جوفاء. أما المؤمن بالعلو، فإنه يشعر في سجوده بقربٍ خاص، قرب من "عالي الذات" الذي يدنو من عبده الساجد كما يشاء، فتجتمع له عزة العلو وحلاوة القرب.

2. تصحيح القصد في الدعاء (فطرة التوجه للعلو):

إن المسلك التربوي في الدعاء ينطلق من فطرة الإنسان التي جُبلت على رفع اليدين والقلب نحو السماء عند الشدة. المعطلة يعيشون صراعاً بين عقيدتهم الباردة وبين فطرتهم اللاهثة، أما المؤمن بالأثر فيعيش انسجاماً تاماً. التربية هنا تعلم المسلم أن يقصد ربه في "جهة العلو المطلق"، مما يجمع عليه قلبه، ويمنع تشتت ذهنه في الجهات الست أو البحث عن ربه في العدم. هذا التركيز القلبي نحو العلو يورث "جمعية القلب" على الله، وهي من أسرار استجابة الدعاء.

3. عظمة العرش وتربية الأمل والرجاء:

حين يتدبر المسلم أن الله استوى على العرش (الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها)، يمتلئ قلبه رجاءً. فالعرش محفوف بالرحمة {الرحمن على العرش استوى}، مما يربي في النفس أن "علو الله" هو علو رحمة ورأفة بعباده، وليس علو تجبرٍ محض. المسلك التربوي هنا يعلق العبد بالعرش وبالله المستوي عليه، فتهون عليه مصائب الدنيا؛ لأن سقف علمه وطموحه قد ارتفع إلى ما فوق السموات. إن هذا الرجاء يدفع العبد للعمل الصالح ليصعد كـ "كلم طيب" إلى ربه، رغبةً في نيل الزلفى عند ملك الملوك.

خلاصة المسلك التربوي للبحث:

"إننا لم نبحث في العلو والاستواء لنملأ الأوراق بالكلمات، بل لنملأ القلوب بالتعظيم. إن العقيدة التي لا تُغير سلوك صاحبها هي جسد بلا روح. إن الإيمان بعلو الله هو "بوصلة الحياة" التي توجه العبد نحو السماء في كل حركة وسكون، ليحقق العبودية الحقة لربٍ عالٍ في ذاته، عظيمٍ في صفاته، قريبٍ من خلقه بعلمه ورحمته".


مُلْحَقُ المَبْحَثِ الثَّالِثِ عَشَرَ: 

المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ لِآيَاتِ العُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ

[الوَجْهُ الأَوَّلُ: تدبر دلالات العرش والرحمة وعروج الأرواح] 

إن تدبر نصوص العلو والاستواء يفتح للباحث آفاقاً من المعرفة بالله لا تدركها مجرد القراءة السطحية. المسلك التدبري هنا يسعى لاستخراج الكنوز المودعة في الربط الإلهي بين "العلو" و"الرحمة".

1. تدبر اقتران الاستواء باسم "الرحمن":

من ألطف ما يُتدبر في القرآن أن الله عز وجل كلما ذكر استواءه على العرش، قرنه غالباً بما يدل على تدبير الأمر ورحمة الخلق، كما في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. التدبر هنا يقرر أن استواء الله على علوه لم يكن استواء قهرٍ جاف، بل هو استواء ممتزج بالرحمة المحيطة بكل شيء. فالله فوق عرشه يرحم عباده، ويدبر شؤونهم، وينزل أرزاقهم. إن هذا الاقتران يزرع في قلب المتدبر أماناً نفسياً؛ فالعالي على كل شيء هو أرحم الراحمين بكل شيء، وعلوه لا يمنع صلة رحمته بخلقه، بل هو علو إحاطة ورعاية.

2. تدبر حركة "الصعود والعروج":

لقد امتلأ القرآن بكلمات (يعرج، يصعد، يرفع، ينزل). المسلك التدبري لأثر ابن المبارك يجعل المسلم يعيش حالة من "الحركة العلوية" في عبادته. فالمؤمن يتدبر أن كلماته الطيبة {إليه يصعد الكلم الطيب}، وأن روحه عند الموت {تعرج إليه}، وأن الملائكة {تعرج إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}. هذا التدبر يجعل المسلم يشعر أن "السماء" هي قبلة الأرواح ومستقر الأسرار. فكل فعل صالح هو "مشروع صعود" نحو الرب العلي. هذا المعنى يربي في المسلم الهمة العالية؛ فلا يرضى بالدون وهو يعلم أن معبوده في العلو المطلق.

3. تدبر معية العلم مع علو الذات:

من أعمق مسالك التدبر فك الاشتباك الذي يقع فيه المعطلة بين "العلو" و"المعية". المتدبر لقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} مع قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، يدرك عظمة الخالق الذي هو فوق كل شيء بذاته، ومع كل شيء بعلمه وبصره وقدرته. هذا التدبر يثمر كمال المراقبة؛ فالله ليس بعيداً غائباً بحيث لا يراك، وليس مختلطاً بالخلق بحيث تضيع عظمته، بل هو "العلي في دنوه، القريب في علوه". هذا الانسجام بين العلو والمعية هو سر طمأنينة الموحدين.

[الوَجْهُ الثَّانِي: التأمل في عظمة المخلوقات للاستدلال على عظمة الخالق] 

في هذا الوجه، ينتقل الباحث إلى تدبر "الآيات المشهودة" (الكونية) لترسيخ "الآيات المسموعة" (الشرعية)، تحقيقاً لقول ابن المبارك في معرفة ربنا بفوقيته.

1. تدبر عظمة العرش والكرسي:

حين يقرأ المتدبر أثر ابن المبارك "فوق سماواته على عرشه"، ثم يربطه بقول النبي ﷺ: "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة..."، يذوب القلب تعظيماً. التدبر هنا يقودنا إلى أن هذا العرش العظيم الذي وسع السماوات والأرض ما هو إلا "مخلوق" من مخلوقات الله، فكيف بالمستوي عليه؟ إن تدبر ضخامة العرش يربي في النفس تعظيماً لله لا تهزه الشبهات. فإذا كان سقف المخلوقات بهذا الجلال، فما ظنك بجلال ذي الجلال؟ إن هذا التدبر هو الترياق الناجع لمرض التشبيه؛ إذ كيف يُشبه الخالق بعبيده وهذا شأن أصغر مخلوقاته؟

2. تدبر حقيقة "البينونة" في النفس والكون:

أثر ابن المبارك "بائن من خلقه" يدعونا لتدبر مباينة الله لخلقه في كماله. المتدبر يرى النقص في كل مخلوق (حاجة، عجز، فناء)، ويرى الكمال في الخالق (غنى، قدرة، بقاء). هذه البينونة التدبرية تجعل العبد لا يعلق قلبه بمخلوق أبداً؛ لأن كل ما سوى الله "دون" الله. فالبينونة في الذات تستلزم البينونة في التعلق والقصد. فلا يُدعى إلا العالي، ولا يُرجى إلا الصمد المستوي على عرشه. هذا المسلك التدبري يحرر العقل من عبادة الأوثان البشرية والأهواء النفسية.

3. التدبر الختامي: الربط بين أثر ابن المبارك وحقيقة اليقين:

يختم الباحث  هذا الملحق بوقفة تدبرية مع "اليقين". إن ابن المبارك حين صاغ هذا الأثر، أراد أن يعطينا "حقيقة ملموسة" للإيمان. المتدبر يجد أن من نفى العلو فقد نفى "جهة اليقين" من قلبه، ومن أثبته فقد أثبت "ركن الهدى". إن التدبر في أثر "نَعْرِفُ رَبَّنَا" يبين أن المعرفة الحقة هي التي تضع الرب في مقامه الذي وضعه فيه لنفسه؛ فوق العرش، بائناً من الخلق، يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وهو فوق سماواته بائن من خلقه.

خاتمة الملحق :

"إن المسلك التدبري هو الذي يحيل العلم إلى خشية، والبحث إلى عبادة. لقد طفنا في أرجاء العلو والاستواء لا لننتصر في معاركة كلامية، بل لننتصر على غفلة قلوبنا، ولنعرف ربنا كما أرادنا أن نعرفه؛ علياً في جلاله، قريباً في جماله، مستوياً على عرشه، بائناً من خلقه، سبحانه وبحمده."

تم بحمد الله هذا البحث السلفي

اليوم: الجمعة

التاريخ الهجري: 22 شوال 1447 هـ

التاريخ الميلادي: 10 أبريل 2026 م

تم بحمد الله وتوفيقه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق