«حَاشِيَةُ القَوْلِ السَّدِيدِ؛ فِي تَحْقِيقِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ وَتَجْرِيدِ مَقَامِ التَّوْحِيدِ لِطَالِبِ العِلْمِ وَالمُرِيدِ».
الخطة المصمتة لتحقيق ودراسة متن (كشف الشبهات)
1. المقدمة
2. لماذا اخترتُ هذا المتن؟
3. أهمية هذا المتن (10 نقاط)
4. أهمية مواضيع هذا المتن (10 نقاط)
5. أهدافي في هذا المتن كباحث (10 نقاط)
6. من سبقني بالتعليق والتحقيق (10 من العلماء والدكاترة)
7. إثبات نسبة المتن وتحقيق
8-ثبت رواية رسالة كشف الشبهات وكتب الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب العبد الفقير إلى الله(ثعماد بن عبد العزيز بن طه آل عامر المصري - أبو أنس)برواية كشف الشبهات بالسند المتصل إلى الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب.
9. القطع الثماني والعشرون (28 قطعة)
- قطعة: التوحيد هو حق الله على العبيد.
- قطعة: حقيقة دعوة الرسل والأنبياء.
- قطعة: إقرار المشركين بتوحيد الربوبية.
- قطعة: الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.
- قطعة: معنى الإله عند المشركين وعند المسلمين.
- قطعة: الشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة.
- قطعة: الرد العام على أهل الباطل.
- قطعة: الرد التفصيلي على الشبهة الأولى (الشفاعة).
- قطعة: الرد على شبهة (الاستغاثة بالصالحين).
- قطعة: الرد على شبهة (تعظيم الأنبياء).
- قطعة: الرد على شبهة (القياس على بني إسرائيل).
- قطعة: الرد على شبهة (قول لا إله إلا الله بغير عمل).
- قطعة: حكم من أقر بالتوحيد وترك العمل به.
- قطعة: الرد على من زعم أن الشرك لا يقع في هذه الأمة.
- قطعة: حقيقة التوسل البدعي والشركي.
- قطعة: الرد على شبهة (طلب المدد من الأموات).
- قطعة: بيان أن الشرك في المتأخرين أغلظ منه في الأوائل.
- قطعة: الفرق بين عبادة الأصنام وعبادة الصالحين.
- قطعة: الرد على شبهة (التبعية والمجتمع).
- قطعة: بيان عظم خطر الشرك الخفي.
- قطعة: الرد على من كفر بالجهل في أصول الدين.
- قطعة: الرد على من زعم التوحيد وهو يسب الدين.
- قطعة: بيان وجوب هجر أهل الشرك والبدع.
- قطعة: ثبات المؤمن عند ورود الشبهات.
- قطعة: الاعتصام بالكتاب والسنة بفهم السلف.
- قطعة: بيان فضل العالم بالتوحيد على العابد الجاهل.
- قطعة: خاتمة في وجوب تعلم التوحيد وتعليمه.
- قطعة: الدعاء بالثبات على الملة حتى الممات
ثانياً: المباحث العلمية والردود الموسوعية (الهيكل التفصيلي)المبحث الأول: جمع شتات الشبهات (حصر وتحقيق)الجزء الأول: حصر وجمع شتات الشبهات الموردة على التوحيد.الجزء الثاني: الردود الموسوعية المفصلة على الشبهة الأولى (قصد الصالحين والأنبياء).الجزء الثالث: الرد على الشبهتين الثالثة والرابعة (شبهة الشفاعة واتخاذ الوسائط).الجزء الرابع: الرد على الشبهتين الخامسة والسادسة (شبهة استغاثة الخلائق بالأنبياء يوم القيامة)، مع تحقيق مقام الرد على قصة "عرض جبريل" وبيان ضعفها إسناداً.الجزء الخامس: الرد على الشبهتين السابعة والثامنة (شبهة حصر الكفر في الاعتقاد، وشبهة مداراة الأهل والعشيرة).الجزء السادس: الرد على الشبهتين التاسعة والعاشرة (دعوى أن التوحيد مفهوم ولا خوف من الشرك).المبحث الثاني: تحقيق مسألة العذر بالجهلالجزء الأول: تفنيد الشبهة المثارة بأن الإمام المجدد لا يرى العذر بالجهل مطلقاً.الجزء الثاني: التحقيق في مسألة العذر بالجهل وتفصيل الشروط والموانع عند الإمام والمعاصرين.المبحث الثالث: تحقيق الفرق بين كفر النوع وكفر العيندراسة تأصيلية في ضوء دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ومواقف العلماء المعاصرين.المبحث الرابع: تحقيق مسألة التوسل بين السنة والبدعةالجزء الثاني: تفنيد شبه المخالفين والرد على مروياتهم.تتمة الجزء الثاني: التفنيد الموسوعي لحديث الاستسقاء بالعباس (قم يا عباس)، وأحاديث الأعرابي، وتوسل آدم، وحديث الأعمى.المبحث الخامس: تحقيق مسألة الاستغاثة والاستعانةالجزء الأول: التأصيل الشرعي للأنواع والشروط.الجزء الثاني: تفنيد شبهات المستغيثين بغير الله ورد مروياتهم.المبحث السادس: تحقيق كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)الجزء الأول: التأصيل اللغوي والإعرابي ومقالات الفرق فيها.الجزء الثاني: شروط كلمة التوحيد ونواقضها ومقام عمل الجوارح.المبحث السابع: الأصول المنهجية لدحض الشبهاتالجزء الثاني: التطبيق العملي لطرق الرد على شبهات التوحيد.الجزء الثالث: المدرسة النقدية للعلماء الأربعة (ابن عثيمين، الفوزان، صالح آل الشيخ، صالح السندي) في نقد الشبهات.المبحث الثامن: حقيقة البدع وتقسيماتها الشرعيةالجزء الثاني: لوازم الابتداع وجناية العقل على النص.المبحث التاسع: الاستقراء التاريخي لمسلك السلف في نقد أهل البدعالجزء الثالث: تطبيقات معاصرة في نقد الأعيان (جماعة الإخوان المسلمين نموذجاً: حسن البنا وسيد قطب) والرد على المنهج التكفيري.الجزء الرابع: ردود العلماء الأربعة على أرباب الفكر الحركي وكتبهم.المبحث العاشر: الأسماء والأحكام ومسائل الوعد والوعيدالقسم الأول: تحليل مفهوم الأسماء والأحكام.الجزء الخامس: التحقيق الأسمى في ميزة ضبط الألفاظ الشرعية المحكمة (وتتمته في المميزات العظيمة لهذا الضبط).الجزء السادس: التشريح المستقصي للالفاظ المحكمة (المجموعة الأولى).تتمة المبحث العاشر: المجموعة الثانية (الألفاظ المحكمة المفرودة).خاتمة المبحث العاشر: دراسة الألفاظ البدعية المجملة (التي فُصلت على 10 أجزاء).**************مُقَدِّمَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ
الحَمْدُ للهِ الذِي سَمَا بِتَوْحِيدِهِ عَنْ أَنْدَادِ المُبْطِلِينَ، وَأَعْلَى بِحُجَّتِهِ مَنَارَ الحَقِّ لِلسَّالِكِينَ، وَأَنْطَقَ أَلْسِنَةَ العُلَمَاءِ بِقَوَاطِعِ البَيَانِ لِدَحْضِ شُبُهَاتِ المَارِقِينَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَسْتَعْصِمُ بِهَا مِنَ الزَّيْغِ وَالفِتَنِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللهُ بِالفُرْقَانِ بَيْنَ الهُدَى وَالضَّلَالِ، وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالتَّوْحِيدِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ؛ الحُمَاةِ لِحِمَى المِلَّةِ، وَالأَئِمَّةِ فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ.أَمَّا بَعْدُ؛فَإِنَّ مَنْزِلَةَ التَّوْحِيدِ هِيَ أَصْلُ الأُصُولِ، وَعَلَيْهَا مَدَارُ القَبُولِ، وَلِأَجْلِهَا نُصِبَتِ المَوَازِينُ وَأُرْسِلَتِ الرُّسُلُ. وَإِنَّ مَعْتَقَدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ قَدْ قَامَ عَلَى أَرْكَانٍ شَدِيدَةٍ مِنْ تَعْظِيمِ النُّصُوصِ، وَتَجْرِيدِ المُتَابَعَةِ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ؛ بِمَنْهَجٍ وَسَطٍ لَا غُلُوَّ فِيهِ وَلَا جَفَاءَ، يَنْفُونَ عَنْ دِينِ اللهِ تَحْرِيفَ الغَالِينَ وَتَنَحُّلَ المُلْحِدِينَ.وَلَمَّا كَانَتْ دَعْوَةُ التَّوْحِيدِ غَصَصاً فِي حُلُوقِ أَرْبَابِ الخُرَافَةِ، عَمَدُوا إِلَى رَشْقِهَا بِنِبَالِ الشُّبُهَاتِ، وَإِلْبَاسِ البَاطِلِ ثَوْبَ الحَقِّ بِالزَّخْرَفِ وَالتَّمْوِيهِ. فَبَرَزَ لَهُمْ بَطَلُ التَّوْحِيدِ، الإِمَامُ المُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي رِسَالَتِهِ العَظِيمَةِ "كَشْفِ الشُّبُهَاتِ"؛ هَذِهِ الرِّسَالَةُ التِي هِيَ بِمَثَابَةِ (الصَّوَاعِقِ المُرْسَلَةِ) عَلَى قَوَاعِدِ المُشْرِكِينَ، حَيْثُ فَنَّدَ فِيهَا حُجَجَهُمْ حُجَّةً حُجَّةً، وَنَقَضَ أُصُولَهُمْ أَصْلًا أَصْلًا، بِبَيَانٍ قُرْآنيٍّ سَاطِعٍ، وَبُرْهَانٍ سُنِّيٍّ قَاطِعٍ، فَلَمْ يَدَعْ لَهُمْ مَلْجَأً وَلَا مَنْجَا إِلَّا الإِذْعَانَ لِلحَقِّ أَوْ الرُّكُونَ إِلَى العِنَادِ.وَإِنَّنِي إِذْ أُقَدِّمُ هَذِهِ الحَاشِيَةَ فَإِنَّمَا أَنْهَلُ مِنْ مَعِينٍ اتَّصَلَتْ أَسَانِيدُهُ بِي، حَيْثُ أَرْوِي هَذِهِ الرِّسَالَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ مُؤَلَّفَاتِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ عَنْ عَشَرَاتِ المَشَايِخِ وَالمُسْنِدِينَ، ضِمْنَ مَرْوِيَّاتِي العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ، لِيَكُونَ هَذَا الشَّرْحُ وَالتَّحْقِيقُ بَيَانًا لِمَا تَرَكَهُ الأَوَّلُونَ لِلآخِرِينَ، وَقِيَامًا بِوَاجِبِ النُّصْحِ لِلأُمَّةِ.لَقَدْ بَنَيْتُ هَذِهِ الدِّرَاسَةَ عَلَى قَوَاعِدَ دَعْوِيَّةٍ سَلَفِيَّةٍ مَتِينَةٍ، تُعْنَى بِـتَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ: بَيْنَ مَنْ صَرَفَ العِبَادَةَ لِغَيْرِ اللهِ، وَبَيْنَ مَنْ أَخْلَصَ الدِّينَ لِلَّهِ.تَفْكِيكِ الشُّبُهَاتِ العَقْلِيَّةِ: وَرَدِّهَا إِلَى النُّصُوصِ النَّقْلِيَّةِ الصَّحِيحَةِ.ضَبْطِ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ: حَتَّى لَا يَلِجَ أَهْلُ الِابْتِدَاعِ مِنْ مَدَاخِلِ المُجْمَلَاتِ.سُلُوكِ مَسْلَكِ العُلَمَاءِ الأَعْلَامِ: فِي نَقْدِ المَنَاهِجِ الحَرَكِيَّةِ وَالأَفْكَارِ الدَّخِيلَةِ التِي شَوَّهَتْ صَفَاءَ التَّوْحِيدِ.فَجَاءَتْ هَذِهِ الحَاشِيَةُ جَامِعَةً بَيْنَ رِوَايَةِ النَّصِّ وَدِرَايَةِ المَعْنَى، قَاصِدَةً بَيَانَ كَيْفَ صَالَ الإِمَامُ بِالحَقِّ فَبَدَّدَ ظُلُمَاتِ الشُّبَه، لِيَبْقَى التَّوْحِيدُ نَقِيّاً كَمَا تَرَكَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ.نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهَا طُلَّابَ العِلْمِ، وَأَنْ يَجْعَلَهَا ذُخْراً لَنَا يَوْمَ لِقَائِهِ، وَأَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ.كَتَبَهُ:العبد الفقير إلي ربه عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِر (أَبُو أَنَسٍ)************لماذا اخترتُ متن "كشف الشبهات"؟تفرده في بابه: يعد هذا المتن من أنفس ما صُنف في "توحيد الألوهية" من حيث التركيز على رد الاعتراضات، فهو لم يكتفِ بتقرير الحق، بل تخصص في هدم الباطل وتفكيك حيل المبطلين.قوة الحجة القرآنية: اعتماد الإمام المجدد في ردوده على "قواطع الوحي"، مما يجعل المتن مدرسة في كيفية استنباط الحجج العقدية من آيات الكتاب الحكيم.وضوح المنهج السلفي: يبرز المتن بوضوح الفوارق الجوهرية بين معتقد السلف الصالح وبين ما ابتدعه المتأخرون، مما يجعله مرجعاً آمناً لضبط المسائل العقدية الكبرى.تفكيك الشبهات العصرية: رغم قدم المتن، إلا أن أصول الشبهات التي فندها هي ذاتها التي يلوكها أهل الأهواء في عصرنا الحالي، مع اختلاف الأثواب والمسميات.إقامة الحجة على الخصوم: تميز المتن بأسلوب "الإلزام"، حيث يُلزم الخصم بما أقر به (توحيد الربوبية) ليقوده ضرورةً إلى ما أنكره (توحيد الألوهية).الحاجة العلمية الماسة: حاجة طلاب العلم والمريدين إلى حاشية تجمع بين رواية المتن المسندة (التي تشرفتُ بحملها) وبين الدراية العميقة التي تربط المتن بتقارير أئمة العصر.ضبط المصطلحات الشرعية: يُعد المتن أرضاً خصبة لضبط الألفاظ المحكمة وتجريدها من المجملات البدعية التي دخل من خلالها أهل البدع.الوسطية والاعتدال: يرسخ المتن قواعد "الأسماء والأحكام" بوسطية أهل السنة، بعيداً عن غلو التكفيريين الذين شوهوا الحق، وجفاء المعطلين الذين أضاعوا الدين.التربية الدعوية: المتن لا يعلم الطالب العقيدة فحسب، بل يعلمه "أدب المحاججة" وكيفية مواجهة الشبهات بقلب ثابت وعلم راسخ.اتصال الإسناد بمتنه: رغبتي في إحياء سنة "المسند المحقق"، بربط هذا المتن العظيم بأسانيدي المتصلة بآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ليكون التحقيق مبنياً على رواية صحيحة ودراية رصينة.
**********
أهمية متن "كشف الشبهات" وأهمية مواضيعهحماية جناب التوحيد: تكمن أهمية المتن في كونه "درعاً عقدياً" يحمي أصل الأصول (توحيد الألوهية) من كيد الملبسين، وتكمن أهمية مواضيعه في تجريد العبادة لله وحده.الفصل بين حقائق الإسلام وجاهلية المتأخرين: تبرز المواضيع أهمية التفريق الدقيق بين إقرار المشركين بالربوبية وبين ما جحده هؤلاء من إفراد الله بالقصد والطلب والنسك.إحكام "القواعد الكلية" في الرد: المتن يؤصل لقاعدة (الرد العام) و(الرد التفصيلي)، مما يعطي الباحث ملكةً في رد أي شبهة طارئة مهما اختلفت صياغتها.تحرير معنى "الإله": من أهم مواضيع المتن تصحيح المفهوم اللغوي والشرعي للفظ (الإله)، ونقض تفسير أهل البدع الذين حصروه في "القدرة على الاختراع".تجريد مقام الشفاعة: تظهر أهمية مواضيعه في فض النزاع حول "الشفاعة"، ببيان الشفاعة المثبتة والمنفية، وقطع الطريق على من اتخذ الأنبياء والصالحين وسائط من دون الله.بناء "الثبات العقدي": يعمل المتن على تثبيت قلب المؤمن عند ورود الشبهات، من خلال ربطه بمحكمات القرآن، وهو موضوع حيوي في ظل الانفتاح المعلوماتي المعاصر.تقرير "الأسماء والأحكام" بضوابطها: تتجلى أهمية المتن في مواضيع التكفير والتبديع، حيث يضع الأطر الشرعية التي تمنع التعدي على حقوق المسلمين بغير حق.تفنيد "شبهة حصر الكفر": يعالج المتن موضوعاً خطيراً وهو الرد على من حصر الكفر في "التكذيب" أو "القلب" فقط، مبيناً أن الكفر قد يقع بالقول أو الفعل أو الشك.بيان "عظم خطر الشرك الخفي": تنبع الأهمية من تنبيه المتن على المزالق الدقيقة التي قد يقع فيها العبد وهو لا يشعر، مما يستوجب دوام الحذر وتصحيح المسار.ترسيخ "الاستدلال بالوحيين": مواضيع المتن تكرس مبدأ "الاستسلام للنص"، ببيان أنَّ العقل الصحيح لا يعارض النقل الصريح، بل هو خادمٌ له ومستنيرٌ بنوره.**********[مَنْ سَبَقَنِي بِالتَّعْلِيقِ وَالتَّحْقِيقِ عَلَى الرِّسَالَةِ]١. الشَّيْخُ العَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ (ت: ١٣٧٦هـ): فِي كِتَابِهِ "تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ" وَتَعْلِيقَاتِهِ المَنْثُورَةِ.٢. الشَّيْخُ العَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيْخِ (ت: ١٣٨٩هـ): لَهُ شَرْحٌ نَفِيسٌ جُمِعَ مِنْ تَقْرِيرَاتِهِ العِلْمِيَّةِ.٣. الشَّيْخُ العَلَّامَةُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَازٍ (ت: ١٤٢٠هـ): لَهُ تَعْلِيقَاتٌ بَارِزَةٌ وَشُرُوحٌ مُسَجَّلَةٌ وَمَطْبُوعَةٌ تُعَدُّ أَصْلًا فِي هَذَا البَابِ.٤. الشَّيْخُ العَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ (ت: ١٤٢١هـ): صَاحِبُ الشَّرْحِ المَشْهُورِ الَّذِي مَازَ الشُّبُهَاتِ بِدِقَّةٍ مَنْطِقِيَّةٍ وَعَقَدِيَّةٍ.٥. الشَّيْخُ العَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الفَوْزَانُ: لَهُ "شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ" الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِسُهُولَةِ العِبَارَةِ وَقُوَّةِ التَّأْصِيلِ.٦. الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ: فِي شَرْحِهِ المَاتِعِ الَّذِي اعْتَنَى فِيهِ بِالتَّأْصِيلِ الدَّعْوِيِّ وَالمَنْهَجِيِّ.٧. الشَّيْخُ العَلَّامَةُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبَا بَطِينٍ (ت: ١٢٨٢هـ): لَهُ رَدُودٌ وَتَعْلِيقَاتٌ مَتِينَةٌ تَنْتَصِرُ لِمَا أَوْرَدَهُ الإِمَامُ المُجَدِّدُ.٨. الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ آلِ الشَّيْخِ (ت: ١٢٣٣هـ): صَاحِبُ "تَيْسِيرِ العَزِيزِ الحَمِيدِ"، وَقَدْ خَدَمَ مَضَامِينَ الشُّبُهَاتِ فِي كُتُبِهِ.٩. الشَّيْخُ العَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ (ت: ١٢٨٥هـ): لَهُ اعْتِنَاءٌ كَبِيرٌ بِتَقْرِيرَاتِ الرِّسَالَةِ فِي كِتَابِهِ "فَتْحُ المَجِيدِ".١٠. الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ السِّنْدِيُّ: لَهُ شَرْحٌ نَفِيسٌ وَتَعْلِيقَاتٌ مُعَاصِرَةٌ ضَبَطَتْ مَسَائِلَ العُذْرِ بِالجَهْلِ وَالتَّكْفِيرِ.
*****************
[الجُزْءُ الأَوَّلُ] نَصُّ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الَّذِي أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إِلَى عِبَادِهِ؛ فَأَوَّلُهُمْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ لَمَّا غَلَوْا فِي الصَّالِحِينَ: وَدًّا، وَسُوَاعًا، وَيَغُوثَ، وَيَعُوقَ، وَنَسْرًا. وَآخِرُ الرُّسُلِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِي كَسَرَ صُوَرَ هَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ. أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَاسٍ يَتَعَبَّدُونَ، وَيَحُجُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَلَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ بَعْضَ المَخْلُوقَاتِ وَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، يَقُولُونَ: نُرِيدُ مِنْهُمُ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ، وَنُرِيدُ شَفَاعَتَهُمْ عِنْدَهُ، مِثْلَ المَلَائِكَةِ وَعِيسَى وَمَرْيَمَ.
فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ يُجَدِّدُ لَهُمْ دِينَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ هَذَا التَّقَرُّبَ وَالِاعْتِقَادَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَصْلُحُ مِنْهُ شَيْءٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَا لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا لِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا. وَإِلَّا فَهَؤُلَاءِ المُشْرِكُونَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الخَالِقُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَرْزُقُ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُحْيِي وَلَا يُمِيتُ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُدَبِّرُ الأَمْرَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّ جَمِيعَ السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَالأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَنْ فِيهِنَّ كُلُّهُمْ عَبِيدُهُ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وَقَهْرِهِ.
فَإِذَا أَرَدْتَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْهَدُونَ بِهَذَا؛ فَاقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31].
وَقَوْلَهُ تَعَالَى: {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84 - 89].
وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ. فَإِذَا تَحَقَّقْتَ أَنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِهَذَا وَلَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي التَّوْحِيدِ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ عَرَفْتَ أَنَّ التَّوْحِيدَ الَّذِي جَحَدُوهُ هُوَ تَوْحِيدُ العِبَادَةِ الَّذِي يُسَمِّيهِ المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا: "الِاعْتِقَادَ"، كَمَا كَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو المَلَائِكَةَ لِأَجْلِ صَلَاحِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ لِيَشْفَعُوا لَهُ، أَوْ يَدْعُو رَجُلًا صَالِحًا مِثْلَ "اللَّاتِ"، أَوْ نَبِيًّا مِثْلَ "عِيسَى".
وَعَرَفْتَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَهُمْ عَلَى هَذَا الشِّرْكِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى إِخْلَاصِ العِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، وَقَالَ تَعَالَى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} [الرعد: 14].
وَتَحَقَّقْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَهُمْ لِيَكُونَ الدُّعَاءُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَالذَّبْحُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَالنَّذْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَالِاسْتِغَاثَةُ كُلُّهَا بِاللَّهِ، وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ العِبَادَاتِ كُلُّهَا لِلَّهِ. وَعَرَفْتَ أَنَّ إِقْرَارَهُمْ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ لَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الإِسْلَامِ، وَأَنَّ قَصْدَهُمُ المَلَائِكَةَ وَالأَنْبِيَاءَ وَالأَوْلِيَاءَ يُرِيدُونَ شَفَاعَتَهُمْ وَالتَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِذَلِكَ هُوَ أَحَلَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.
عَرَفْتَ حِينَئِذٍ التَّوْحِيدَ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ، وَأَبَى عَنِ الإِقْرَارِ بِهِ المُشْرِكُونَ. وَهَذَا التَّوْحِيدُ هُوَ مَعْنَى قَوْلِكَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"؛ فَإِنَّ "الإِلَهَ" عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي يُقْصَدُ لِأَجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، سَوَاءً كَانَ مَلَكًا أَوْ نَبِيًّا أَوْ وَلِيًّا أَوْ شَجَرَةً أَوْ قَبْرًا أَوْ جِنِّيًّا، لَمْ يُرِيدُوا أَنَّ الإِلَهَ هُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ المُدَبِّرُ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَدَّمْتُ لَكَ، وَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِالإِلَهِ مَا يَعْنِي المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا بِلَفْظِ "السَّيِّدِ".
فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُمْ إِلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَهِيَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". وَالمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَعْنَاهَا لَا مُجَرَّدُ لَفْظِهَا، وَالكُفَّارُ الجُهَّالُ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّعَلُّقِ بِهِ، وَالكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالبَرَاءَةُ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُمْ: {قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} قَالُوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5].
فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الجُهَّالَ الكُفَّارَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، فَالعَجَبُ مِمَّنْ يَدَّعِي الإِسْلَامَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مِنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَا عَرَفَهُ جُهَّالُ الكُفَّارِ! بَلْ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ التَّلَفُّظُ بِحُرُوفِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ القَلْبِ لِشَيْءٍ مِنَ المَعَانِي، وَالحَاذِقُ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَاهَا: "لَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ وَلَا يُدَبِّرُ الأَمْرَ إِلَّا اللَّهُ"! فَلَا خَيْرَ فِي رَجُلٍ جُهَّالُ الكُفَّارِ أَعْلَمُ مِنْهُ بِمَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".
إِذَا عَرَفْتَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مَعْرِفَةَ قَلْبٍ، وَعَرَفْتَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، وَعَرَفْتَ دِينَ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ دِينًا سِوَاهُ، وَعَرَفْتَ مَا أَصَابَ غَالِبَ النَّاسِ فِيهِ مِنَ الجَهْلِ بِهَذَا؛ أَفَادَكَ فَائِدَتَيْنِ:
الفَائِدَةُ الأُولَى: الفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَةِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
وَأَفَادَكَ أَيْضًا الخَوْفُ العَظِيمُ؛ فَإِنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الإِنْسَانَ يَكْفُرُ بِكَلِمَةٍ يُخْرِجُهَا مِنْ لِسَانِهِ، وَقَدْ يَقُولُهَا وَهُوَ جَاهِلٌ فَلَا يُعْذَرُ بِالجَهْلِ.
[الجُزْءُ الثَّانِي] نَصُّ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ
وَقَدْ يَقُولُهَا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهَا تُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا كَانَ يَظُنُّ المُشْرِكُونَ، خُصُوصاً إِنْ أَلْهَمَكَ اللَّهُ مَا قَصَّ عَنْ قَوْمِ مُوسَى مَعَ صَلَاحِهِمْ وَعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ أَتَوْهُ قَائِلِينَ: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138].
فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ خَوْفُكَ وَحِرْصُكَ عَلَى مَا يُخَلِّصُكَ مِنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً بِهَذَا التَّوْحِيدِ إِلَّا جَعَلَ لَهُ أَعْدَاءً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112].
وَقَدْ يَكُونُ لِأَعْدَاءِ التَّوْحِيدِ عُلُومٌ كَثِيرَةٌ، وَكُتُبٌ، وَحُجَجٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ} [غافر: 83].
إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ، وَعَرَفْتَ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى اللَّهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَعْدَاءٍ قَاعِدِينَ عَلَيْهِ، أَهْلِ فَصَاحَةٍ وَعِلْمٍ وَحُجَجٍ؛ فَالوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَعَلَّمَ مِنْ دِينِ اللَّهِ مَا يَصِيرُ لَكَ سِلَاحاً تُقَاتِلُ بِهِ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينَ، الَّذِينَ قَالَ إِمَامُهُمْ وَمُقَدَّمُهُمْ لِرَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 16-17].
وَلَكِنْ إِذَا أَقْبَلْتَ عَلَى اللَّهِ، وَأَصْغَيْتَ إِلَى حُجَجِ اللَّهِ وَبَيِّنَاتِهِ، فَلَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ؛ {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76]. وَالعَامِّيُّ مِنَ المُوَحِّدِينَ يَغْلِبُ الأَلْفَ مِنْ عُلَمَاءِ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173].
فَجُنْدُ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ بِالحُجَّةِ وَاللِّسَانِ، كَمَا أَنَّهُمُ الغَالِبُونَ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَإِنَّمَا الخَوْفُ عَلَى المُوَحِّدِ الَّذِي يَسْلُكُ الطَّرِيقَ وَلَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ، وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِكِتَابِهِ الَّذِي جَعَلَهُ: {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].
فَلَا يَأْتِي صَاحِبُ بَاطِلٍ بِحُجَّةٍ إِلَّا وَفِي القُرْآنِ مَا يَنْقُضُهَا وَيُبَيِّنُ بُطْلَانَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33]. قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ حُجَّةٍ يَأْتِي بِهَا أَهْلُ البَاطِلِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
وَأَنَا أَذْكُرُ لَكَ أَشْيَاءَ مِمَّا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ جَوَاباً لِكَلامٍ احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا عَلَيْنَا. فَنَقُولُ: جَوَابُ أَهْلِ البَاطِلِ مِنْ طَرِيقَيْنِ: مُجْمَلٍ، وَمُفَصَّلٍ.
أَمَّا المُجْمَلُ: فَهُوَ الأَمْرُ العَظِيمُ، وَالفَائِدَةُ الكَبِيرَةُ لِمَنْ عَقَلَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ".
مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا قَالَ لَكَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]، أَوْ أَنَّ الشَّفَاعَةَ حَقٌّ، أَوْ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ لَهُمْ جَاهٌ عِنْدَ اللَّهِ، أَوْ ذَكَرَ كَلاماً لِلنَّبِيِّ ﷺ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بَاطِلِهِ، وَأَنْتَ لَا تَفْهَمُ مَعْنَى الكَلامِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ فَجَاوِبْهُ بِقَوْلِكَ: إِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ وَيَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ.
[الجُزْءُ الثَّالِثُ] نَصُّ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ
وَمَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ المُشْرِكِينَ يُقِرُّونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّ كُفْرَهُمْ بِتَعَلُّقِهِمْ عَلَى المَلَائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ مَعَ قَوْلِهِمْ: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس: 18]؛ هَذَا أَمْرٌ مُحْكَمٌ بَيِّنٌ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَ مَعْنَاهُ. وَمَا ذَكَرْتَهُ لِي -أَيُّهَا المُشْرِكُ- مِنَ القُرْآنِ أَوْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ لَا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ، وَلَكِنِّي أَجْزِمُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يَتَنَاقَضُ، وَأَنَّ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُخَالِفُ كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَهَذَا جَوَابٌ سَدِيدٌ جَيِّدٌ، وَلَكِنْ لَا يَفْهَمُهُ إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا تَسْتَهِنْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35].
[الجَوَابُ المُفَصَّلُ]
وَأَمَّا الجَوَابُ المُفَصَّلُ: فَإِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ لَهُمْ اعْتِرَاضَاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى دِينِ الرُّسُلِ، يَصُدُّونَ بِهَا النَّاسَ عَنْهُ؛ مِنْهَا قَوْلُهُمْ: "نَحْنُ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ، بَلْ نَشْهَدُ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، فَضْلًا عَنْ عَبْدِ القَادِرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ أَنَا مُذْنِبٌ، وَالصَّالِحُونَ لَهُمْ جَاهٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ".
فَجَاوِبْهُ بِمَا مَضَى، وَهُوَ: أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقِرُّونَ بِمَا ذَكَرْتَ، وَمُقِرُّونَ أَنَّ أَوْثَانَهُمْ لَا تُدَبِّرُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الجَاهَ وَالشَّفَاعَةَ، وَاقْرَأْ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَوْضَحَهُ.
فَإِنْ قَالَ: "هَؤُلَاءِ الآيَاتُ نَزَلَتْ فِي مَنْ يَعْبُدُ الأَصْنَامَ، كَيْفَ تَجْعَلُونَ الصَّالِحِينَ مِثْلَ الأَصْنَامِ؟ أَمْ كَيْفَ تَجْعَلُونَ الأَنْبِيَاءَ أَصْنَامًا؟".
فَجَاوِبْهُ بِمَا مَضَى؛ فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّ الكُفَّارَ يَشْهَدُونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ كُلِّهَا لِلَّهِ، وَأَنَّهُمْ مَا أَرَادُوا مِمَّنْ قَصَدُوا إِلَّا الشَّفَاعَةَ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ فِعْلِهِمْ وَفِعْلِهِ بِمَا ذَكَرَ؛ فَاذْكُرْ لَهُ أَنَّ الكُفَّارَ مِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو الأَصْنَامَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو الأَوْلِيَاءَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء: 57]
وَيَدْعُونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ .
{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: 75-76].
وَاذْكُرْ لَهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ}
[سبأ: 40-41].
وَقَوْلَهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 116].
فَقُلْ لَهُ: عَرَفْتَ أَنَّ اللَّهَ كَفَّرَ مَنْ قَصَدَ الأَصْنَامَ، وَكَفَّرَ أَيْضاً مَنْ قَصَدَ الصَّالِحِينَ، وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
فَإِنْ قَالَ: هَؤُلَاءِ الصَّالِحُونَ يُرِيدُونَ مِنْهُمْ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّافِعُ الضَّارُّ المُدَبِّرُ، لَا أُرِيدُ إِلَّا مِنْهُ، وَالصَّالِحُونَ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ أَقْصِدُهُمْ أَرْجُو مِنَ اللَّهِ شَفَاعَتَهُمْ.
فَالجَوَابُ: أَنَّ هَذَا قَوْلُ الكُفَّارِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَاقْرَأْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس: 18].
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الشُّبَهَ الثَّلَاثَةَ هِيَ أَكْبَرُ مَا عِنْدَهُمْ، فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ اللَّهَ وَضَّحَهَا لَنَا فِي كِتَابِهِ وَفَهِمْتَهَا فَهْماً جَيِّداً، فَمَا بَعْدَهَا أَيْسَرُ مِنْهَا.
فَإِنْ قَالَ: أَنَا لَا أَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، وَهَذَا الِالْتِجَاءُ إِلَى الصَّالِحِينَ وَدُعَاؤُهُمْ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ.
فَقُلْ لَهُ: أَنْتَ تُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكَ إِخْلَاصَ العِبَادَةِ لِلَّهِ وَهُوَ حَقُّهُ عَلَيْكَ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ. فَقُلْ لَهُ: بَيِّنْ لِي هَذَا الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ، وَهُوَ إِخْلَاصُ العِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَهُوَ حَقُّهُ عَلَيْكَ.
فَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ العِبَادَةَ وَلَا أَنْوَاعَهَا، فَبَيِّنْهَا لَهُ بِقَوْلِكَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55].
فَإِذَا أَعْلَمْتَهُ بِهَذَا، فَقُلْ لَهُ: هَلْ عَلِمْتَ هَذَا عِبَادَةً لِلَّهِ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ نَعَمْ -وَالدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ (١)- فَقُلْ لَهُ: إِذَا أَقْرَرْتَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَدَعَوْتَ اللَّهَ لَيْلاً وَنَهَاراً خَوْفاً وَطَمَعاً، ثُمَّ دَعَوْتَ فِي تِلْكَ الحَاجَةِ نَبِيّاً أَوْ غَيْرَهُ، هَلْ أَشْرَكْتَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ غَيْرَهُ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ نَعَمْ.
فَقُلْ لَهُ: فَإِذَا عَلِمْتَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، وَأَطَعْتَ اللَّهَ وَنَحَرْتَ لَهُ، هَلْ هَذَا عِبَادَةٌ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ لَكَ نَعَمْ.
فَقُلْ لَهُ: إِذَا نَحَرْتَ لِمَخْلُوقٍ نَبِيٍّ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا، هَلْ أَشْرَكْتَ فِي هَذِهِ العِبَادَةِ غَيْرَ اللَّهِ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يُقِرَّ وَيَقُولَ نَعَمْ.
وَقُلْ لَهُ أَيْضاً: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، هَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ المَلَائِكَةَ وَالصَّالِحِينَ وَاللَّاتَ وَغَيْرَ ذَلِكَ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ نَعَمْ. فَقُلْ لَهُ: وَهَلْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ إِلَّا فِي الدُّعَاءِ وَالذَّبْحِ وَالِالْتِجَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ وَإِلَّا فَهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهُمْ عَبِيدُهُ وَتَحْتَ قَهْرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الأَمْرَ، وَلَكِنْ دَعَوْهُمْ وَالْتَجَؤُوا إِلَيْهِمْ لِلْجَاهِ وَالشَّفَاعَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدّاً.
فَإِنْ قَالَ: أَتُنْكِرُ شَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَتَبَرَّأُ مِنْهَا؟
فَقُلْ لَهُ: لَا أُنْكِرُهَا وَلَا أَتَبَرَّأُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ ﷺ الشَّافِعُ المُشَفَّعُ، وَأَرْجُو شَفَاعَتَهُ
وَلَكِنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
{قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44].
---------------------&
[الحَاشِيَةُ]
(١) تَخْرِيجُ حَدِيثِ "الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ":
رواه الترمذي وغيره، وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ؛ ففي سنده "عبيد الله بن الوليد الوصافي" وهو متروك الحديث.
العِلَّةُ: ضعف الوصافي المذكور في الإسناد.
الحَدِيثُ الصَّحِيحُ بَدَلَهُ: هو ما رواه الترمذي وأبو داود وأحمد وصححه الألباني من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ"، ثم قرأ ﷺ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. والفرق بين اللفظين أن لفظ "هو العبادة" يفيد الحصر والكمال، بينما لفظ "المخ" فيه الضعف السندي المذكور.
-------------------------&
[الجُزْءُ الرَّابِعُ] نَصُّ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِوَلَا تَكُونُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].
وَلَا يَشْفَعُ فِي أَحَدٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]. وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَرْضَى إِلَّا التَّوْحِيدَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85].
فَإِذَا كَانَتِ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا لِلَّهِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ، وَلَا يَشْفَعُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا غَيْرُهُ فِي أَحَدٍ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ، وَلَا يَأْذَنُ إِلَّا لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ؛ تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ، فَأَطْلُبُهَا مِنْهُ، فَأَقُولُ: "اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنِي شَفَاعَتَهُ، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ"، وَأَمْثَالَ هَذَا.
فَإِنْ قَالَ: "النَّبِيُّ ﷺ أُعْطِيَ الشَّفَاعَةَ، وَأَنَا أَطْلُبُهُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ".
فَالجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ الشَّفَاعَةَ وَنَهَاكَ أَنْتَ عَنْ هَذَا، فَقَالَ: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]. فَإِذَا كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُشَفِّعَ نَبِيَّهُ فِيكَ، فَأَطِعْهُ فِي قَوْلِهِ: {فَلَا تَدْعُوا معَ اللَّهِ أَحَدًا}.
وَأَيْضاً فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ أُعْطِيَهَا غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَالمَلَائِكَةُ يَشْفَعُونَ، وَالأَفْرَاطُ يَشْفَعُونَ، وَالأَوْلِيَاءُ يَشْفَعُونَ؛ أَتَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُمُ الشَّفَاعَةَ فَأَطْلُبُهَا مِنْهُمْ"؟ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا؛ رَجَعْتَ إِلَى عِبَادَةِ الصَّالِحِينَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَإِنْ قُلْتَ: "لَا"؛ بَطَلَ قَوْلُكَ: "أَعْطَاهُ اللَّهُ الشَّفَاعَةَ وَأَنَا أَطْلُبُهَا مِمَّنْ أَعْطَاهُ".
فَإِنْ قَالَ: "أَنَا لَا أُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً، حَاشَا وَكَلَّا، وَلَكِنَّ الِالْتِجَاءَ إِلَى الصَّالِحِينَ لَيْسَ بِشِرْكٍ".
فَقُلْ لَهُ: إِذَا كُنْتَ تُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الشِّرْكَ أَعْظَمَ مِنْ تَحْرِيمِ الزِّنَا، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُهُ؛ فَمَا هَذَا الأَمْرُ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ؟ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي.
فَقُلْ لَهُ: كَيْفَ تُبَرِّئُ نَفْسَكَ مِنَ الشِّرْكِ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ؟ أَمْ كَيْفَ يُحَرِّمُ اللَّهُ عَلَيْكَ هَذَا وَيَذْكُرُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ، وَلَا تَسْأَلُ عَنْهُ وَلَا تَعْرِفُهُ؟ أَتَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُحَرِّمُهُ وَلَا يُبَيِّنُهُ لَنَا؟
فَإِنْ قَالَ: "الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، وَنَحْنُ لَا نَعْبُدُ الأَصْنَامَ".
فَقُلْ لَهُ: مَا مَعْنَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ؟ أَتَظُنُّ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ تِلْكَ الأَخْشَابَ وَالأَحْجَارَ تَخْلُقُ وَتَرْزُقُ وَتُدَبِّرُ أَمْرَ مَنْ دَعَاهَا؟ فَهَذَا يُكَذِّبُهُ القُرْآنُ.
وَإِنْ قَالَ: "هُوَ مَنْ قَصَدَ خَشَبَةً أَوْ حَجَراً أَوْ بِنِيَّةً عَلَى قَبْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، يَدْعُونَهُمْ وَيَذْبَحُونَ لَهُمْ وَيَقُولُونَ: تُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَيَدْفَعُ اللَّهُ عَنَّا بِبَرَكَتِهِمْ، أَوْ يُعْطِينَا بِبَرَكَتِهِمْ".
فَقُلْ لَهُ: صَدَقْتَ، وَهَذَا هُوَ فِعْلُكُمْ عِنْدَ الأَحْجَارِ وَالأَبْنِيَةِ الَّتِي عَلَى القُبُورِ وَغَيْرِهَا؛ فَهَذَا أَقَرَّ أَنَّ فِعْلَهُمْ هُوَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، فَهَذَا هُوَ المَطْلُوبُ.
وَيُقَالُ لَهُ أَيْضاً: قَوْلُكَ: "الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ"، هَلْ مُرَادُكَ أَنَّ الشِّرْكَ مَقْصُورٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الصَّالِحِينَ وَدُعَاءَهُمْ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ؟ فَهَذَا يَرُدُّهُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ كُفْرِ مَنْ تَعَلَّقَ عَلَى المَلَائِكَةِ أَوْ عِيسَى أَوْ الصَّالِحِينَ. فَلَا بُدَّ أَنْ يُقِرَّ لَكَ أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ أَحَدًا مِنَ الصَّالِحِينَ فَهُوَ الشِّرْكُ المَذْكُورُ فِي القُرْآنِ؛ وَهَذَا هُوَ المَطْلُوبُ.
وَسِرُّ المَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: "أَنَا لَا أُشْرِكُ بِاللَّهِ"، فَقُلْ لَهُ: "وَمَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ؟". فَإِذَا قَالَ: "هُوَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ"، فَقُلْ: "وَمَا عِبَادَةُ الأَصْنَامِ؟". فَإِذَا قَالَ: "أَنَا لَا أَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ"، فَقُلْ: "مَا مَعْنَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ؟"؛ فَإِنْ بَيَّنَهَا كَمَا بَيَّنَهَا القُرْآنُ فَهُوَ المَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَكَيْفَ يَدَّعِي شَيْئاً وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ؟
[الجُزْءُ الخَامِسُ] نَصُّ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ
وَإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَعْنَاهُ، فَبَيِّنْ لَهُ الآيَاتِ الوَاضِحَاتِ فِي مَعْنَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَأَنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِعَيْنِهِ، وَأَنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هِيَ الَّتِي يُنْكِرُونَ عَلَيْهَا وَيَصِيحُونَ فِيهَا، كَمَا صَاحَ إِخْوَانُهُمْ حَيْثُ قَالُوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5].
فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا "كَبِيرَ الِاعْتِقَادِ" هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ، وَقَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ عَلَيْهِ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ شِرْكَ الأَوَّلِينَ أَخَفُّ مِنْ شِرْكِ أَهْلِ زَمَانِنَا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الأَوَّلِينَ لَا يُشْرِكُونَ وَلَا يَدْعُونَ المَلَائِكَةَ وَالأَوْلِيَاءَ وَالأَوْثَانَ مَعَ اللَّهِ إِلَّا فِي الرَّخَاءِ، وَأَمَّا فِي الشِّدَّةِ فَيُخْلِصُونَ لِلَّهِ الدُّعَاءَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67].
وَقَوْلُهُ: {قُلْ أَرَأَيْتُكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 40-41].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان: 32].
فَمَنْ فَهِمَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ الَّتِي وَضَّحَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَهِيَ أَنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَدْعُونَ غَيْرَهُ فِي الرَّخَاءِ، وَأَمَّا فِي الضَّرَّاءِ وَالشِّدَّةِ فَلَا يَدْعُونَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيَنْسَوْنَ سَادَاتِهِمْ؛ تَبَيَّنَ لَهُ الفَرْقُ بَيْنَ شِرْكِ أَهْلِ زَمَانِنَا وَشِرْكِ الأَوَّلِينَ، وَلَكِنْ أَيْنَ مَنْ يَفْهَمُ قَلْبُهُ هَذِهِ المَسْأَلَةَ فَهْماً رَاسِخاً؟ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ.
الأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الأَوَّلِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ أُنَاساً مُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ؛ إِمَّا أَنْبِيَاءَ، وَإِمَّا أَوْلِيَاءَ، وَإِمَّا مَلَائِكَةً، أَوْ يَدْعُونَ أَشْجَاراً أَوْ أَحْجَاراً مُطِيعَةً لِلَّهِ لَيْسَتْ عَاصِيَةً. وَأَهْلُ زَمَانِنَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ أُنَاساً مِنْ أَفْسَقِ النَّاسِ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَحْكُونَ عَنْهُمُ الفُجُورَ مِنَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالَّذِي يَعْتَقِدُ فِي الصَّالِحِ أَوِ الَّذِي لَا يَعْصِي مِثْلَ الخَشَبِ وَالحَجَرِ أَهْوَنُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ فِيمَنْ يُشَاهِدُ فِسْقَهُ وَفَسَادَهُ وَيَشْهَدُ بِهِ.
إِذَا تَحَقَّقْتَ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَحُّ عُقُولاً وَأَخَفُّ شِرْكاً مِنْ هَؤُلَاءِ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ شُبْهَةً يُورِدُونَهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ شُبَهِهِمْ، فَأَصْغِ سَمْعَكَ لِجَوَابِهَا؛ وَهِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: "إِنَّ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ ﷺ، وَيُنْكِرُونَ البَعْثَ، وَيُكَذِّبُونَ القُرْآنَ وَيَجْعَلُونَهُ سِحْراً، وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَنُصَدِّقُ بِالقُرْآنِ، وَنُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، وَنُصَلِّي وَنُصُومُ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَنَا مِثْلَ أُولَئِكَ؟".
فَالجَوَابُ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ كُلِّهِمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ وَكَذَّبَهُ فِي شَيْءٍ أَنَّهُ كَافِرٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي الإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ إِذَا آمَنَ بِبَعْضِ القُرْآنِ وَجَحَدَ بَعْضَهُ، كَمَنْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَجَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، أَوْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَجَحَدَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، أَوْ أَقَرَّ بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ الصَّوْمَ، أَوْ أَقَرَّ بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ الحَجَّ. وَلَمَّا لَمْ يَنْقَدْ أُنَاسٌ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَجِّ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97].
وَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ البَعْثَ كَفَرَ بِالإِجْمَاعِ وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 150-151].
فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِبَعْضٍ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ فَهُوَ الكَافِرُ حَقّاً؛ زَالَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ، وَهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْضُ أَهْلِ الأَحْسَاءِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا.
وَيُقَالُ أَيْضاً: إِذَا كُنْتَ تُقِرُّ أَنَّ مَنْ صَدَّقَ الرَّسُولَ ﷺ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَجَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، أَنَّهُ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ وَالمَالِ بِالإِجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ بِكُلِّ شَيْءٍ إِلَّا البَعْثَ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَحَدَ وُجُوبَ صَوْمِ رَمَضَانَ وَصَدَّقَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، لَا تَخْتَلِفُ المَذَاهِبُ فِيهِ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ كَمَا قَدَّمْنَا.
فَالمَعْلُومُ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَعْظَمُ فَرِيضَةٍ جَاءَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالحَجِّ؛ فَكَيْفَ إِذَا جَحَدَ الإِنْسَانُ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ كَفَرَ وَلَوْ عَمِلَ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَإِذَا جَحَدَ التَّوْحِيدَ الَّذِي هُوَ دِينُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ لَا يَكْفُرُ؟! سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا الجَهْلَ!
[الجُزْءُ السَّابِعُ] نَصُّ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ
ثُمَّ تَأَمَّلْ جَوَابَهَا؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَنْفَعِ مَا فِي هَذِهِ الأَوْرَاقِ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضاً مَا حَكَى اللَّهُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ إِسْلَٰامِهِمْ وَعَمَلِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، وَقَوْلُ أُنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: "اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ"، فَحَلَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَذَا نَظِيرُ قَوْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}.
وَلَكِنْ لِلْمُشْرِكِينَ شُبْهَةٌ يُدْلُونَ بِهَا عِنْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَكْفُرُوا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: "اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ" لَمْ يَكْفُرُوا.
فَالجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَكَفَرُوا، وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الَّذِينَ نَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ لَمْ يُطِيعُوهُ وَاتَّخَذُوا ذَاتَ أَنْوَاطٍ بَعْدَ نَهْيِهِ لَكَفَرُوا؛ وَهَذَا هُوَ المَطْلُوبُ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تُفِيدُ أَنَّ المُسْلِمَ بَلِ العَالِمَ قَدْ يَقَعُ فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الشِّرْكِ لَا يَدْرِي عَنْهَا، فَتُفِيدُ التَّعَلُّمَ وَالتَّحَرُّزَ، وَمَعْرِفَةَ أَنَّ قَوْلَ الجَاهِلِ: "التَّوْحِيدُ فَهِمْنَاهُ" أَنَّ هَذَا مِنْ أَكْبَرِ الجَهْلِ وَمَكَايِدِ الشَّيْطَانِ. وَتُفِيدُ أَيْضاً أَنَّ المُسْلِمَ المُجْتَهِدَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامِ الكُفْرِ وَهُوَ لَا يَدْرِي فَنُبِّهَ عَلَى ذَلِكَ وَتَابَ مِنْ سَاعَتِهِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ، كَمَا فَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَالَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ. وَتُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكْفُرْ فَإِنَّهُ يُغَلَّظُ عَلَيْهِ الكَلَامُ تَغْلِيظاً شَدِيداً كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
[شُبْهَةُ حَدِيثِ أُسَامَةَ وَالكَفِّ عَمَّنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ]
وَلِلْمُشْرِكِينَ شُبْهَةٌ أُخْرَى؛ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ عَلَى أُسَامَةَ قَتْلَ مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، وَأَحَادِيثُ أُخْرَى فِي الكَفِّ عَمَّنْ قَالَهَا. وَمُرَادُ هَؤُلَاءِ الجَهَلَةِ أَنَّ مَنْ قَالَهَا لَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ وَلَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ.
فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ الجُهَّالِ: مَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَاتَلَ اليَهُودَ وَسَبَاهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاتَلُوا بَنِي حَنِيفَةَ وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُصَلُّونَ وَيَدَّعُونَ الإِسْلَٰامَ، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ حَرَّقَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالنَّارِ.
وَهَؤُلَاءِ الجَهَلَةُ مُقِرُّونَ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ البَعْثَ كَفَرَ وَقُتِلَ وَلَوْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئاً مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَٰامِ كَفَرَ وَقُتِلَ وَلَوْ قَالَهَا. فَكَيْفَ لَا تَنْفَعُهُ إِذَا جَحَدَ فَرْعاً مِنَ الفُرُوعِ وَتَنْفَعُهُ إِذَا جَحَدَ التَّوْحِيدَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ دِينِ الرُّسُلِ وَرَأْسُهُ؟! وَلَكِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ مَا فَهِمُوا مَعْنَى الأَحَادِيثِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ: فَإِنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا ادَّعَى الإِسْلَٰامَ بِسَبَبِ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ مَا ادَّعَى الإِسْلَٰامَ إِلَّا خَوْفاً عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ، وَالرَّجُلُ إِذَا أَظْهَرَ الإِسْلَٰامَ وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] أَيْ فَتَثَبَّتُوا؛ فَالآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الكَفُّ عَنْهُ وَالتَّثَبُّتُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُخَالِفُ الإِسْلَٰامَ قُتِلَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَبَيَّنُوا}؛ وَلَوْ كَانَ لَا يُقْتَلُ إِذَا قَالَهَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّثَبُّتِ مَعْنًى.
وَكَذَلِكَ الحَدِيثُ الآخَرُ وَأَمْثَالُهُ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْحِيدَ وَالإِسْلَٰامَ وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: "أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟"، وَقَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"؛ وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِي الخَوَارِجِ: "أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ"، "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ"، مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ عِبَادَةً وَتَهْلِيلاً وَتَسْبِيحاً، حَتَّى إِنَّ الصَّحَابَةَ يَحْقِرُونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَهُمْ، وَهُمْ تَعَلَّمُوا العِلْمَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَلَا كَثْرَةُ العِبَادَةِ وَلَا ادِّعَاءُ الإِسْلَٰامِ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُمْ مُخَالَفَةُ الشَّرِيعَةِ.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قِتَالِ اليَهُودِ وَقِتَالِ الصَّحَابَةِ لِبَنِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ أَرَادَ ﷺ أَنْ يَغْزُوَ بَنِي المُصْطَلِقِ لَمَّا أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، وَكَانَ الرَّجُلُ كَاذِباً عَلَيْهِمْ. وَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَهُمْ شُبْهَةٌ أُخْرَى وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ يَسْتَغِيثُونَ بِآدَمَ، ثُمَّ نُوحٍ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِعِيسَى، فَكُلُّهُمْ يَعْتَذِرُ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ قَالُوا: "فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَيْسَتْ شِرْكاً".
[الجُزْءُ التَّاسِعُ وَالخَاتِمَةُ] نَصُّ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ
وَهَذَا يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ يَقُولُونَ: "هَذَا حَقٌّ، وَنَحْنُ نَفْهَمُ هَذَا، وَنَشْهَدُ أَنَّهُ الحَقُّ، وَلَكِنْ لَا نَقْدِرُ أَنْ نَفْعَلَهُ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ بَلَدِنَا إِلَّا مَنْ وَافَقَهُمْ"، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَعْذَارِ. وَلَمْ يَدْرِ المِسْكِينُ أَنَّ غَالِبَ أَئِمَّةِ الكُفْرِ يَعْرِفُونَ الحَقَّ، وَلَمْ يَتْرُكُوهُ إِلَّا لِشَيْءٍ مِنَ الأَعْذَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [التوبة: 9]، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ، كَقَوْلِهِ: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146].
فَإِنْ عَمِلَ بِالتَّوْحِيدِ عَمَلًا ظَاهِرًا وَهُوَ لَا يَفْهَمُهُ أَوْ لَا يَعْتَقِدُهُ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَهُوَ شَرٌّ مِنَ الكَافِرِ الخَالِصِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145].
وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ كَبِيرَةٌ طَوِيلَةٌ، تَتَبَيَّنُ لَكَ إِذَا تَأَمَّلْتَهَا فِي أَلْسِنَةِ النَّاسِ؛ تَرَى مَنْ يَعْرِفُ الحَقَّ وَيَتْرُكُ العَمَلَ بِهِ لِخَوْفِ نَقْصِ دُنْيَا أَوْ جَاهٍ أَوْ مُدَارَاةٍ لِأَحَدٍ، وَتَرَى مَنْ يَعْمَلُ بِهِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، فَإِذَا سَأَلْتَهُ عَمَّا يَعْتَقِدُهُ بِقَلْبِهِ فَإِذَا هُوَ لَا يَعْرِفُهُ.
وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِفَهْمِ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ:
أُولَاهُمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66]؛ فَإِذَا تَحَقَّقْتَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ غَزَوُا الرُّومَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَرُوا بِسَبَبِ كَلِمَةٍ قَالُوهَا عَلَى وَجْهِ المَزْحِ وَاللَّعِبِ، تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالكُفْرِ أَوْ يَعْمَلُ بِهِ خَوْفًا مِنْ نَقْصِ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مُدَارَاةً لِأَحَدٍ أَعْظَمُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ يَمْزَحُ بِهَا.
وَالآيَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} [النحل: 106-107].
فَلَمْ يَعْذُرِ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ مَعَ كَوْنِ قَلْبِهِ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، وَأَمَّا مَنْ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ خَوْفًا أَوْ مُدَارَاةً أَوْ مُشَاحَّةً بِوَطَنِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ عَشِيرَتِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ المُزَاحِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَغْرَاضِ إِلَّا المُكْرَهَ.
فَتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى هَذَا مِنْ جِهَتَيْنِ:
الأُولَى: قَوْلُهُ: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ}؛ فَلَمْ يَسْتَثْنِ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا المُكْرَهَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُكْرَهُ إِلَّا عَلَى الكَلَامِ أَوِ الفِعْلِ، وَأَمَّا عَقِيدَةُ القَلْبِ فَلَا يُكْرَهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ.
وَثَانِيًا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ}؛ فَصَرَّحَ أَنَّ هَذَا الكُفْرَ وَالعَذَابَ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ الِاعْتِقَادِ أَوِ الجَهْلِ أَوِ البُغْضِ لِلدِّينِ أَوْ مَحَبَّةِ الكُفْرِ، وَإِنَّمَا سَبَبُهُ أَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ حَظًّا مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا فَآثَرَهُ عَلَى الدِّينِ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
------------------------&
تَوْثِيقُ نِسْبَةِ الرِّسَالَةِ وَسَلَاسِلُ الأَسَانِيدِ إِلَى الإِمَامِ المُجَدِّدِ
أولاً: إثبات نسبة "كشف الشبهات" لمؤلفها
تواترت نسبة هذه الرسالة للإمام محمد بن عبد الوهاب [1] من خلال:
الاستفاضة والشهرة: فقد طارت بها الركبان في نجد والحجاز واليمن، ونسبها إليه كل من ترجم له من معاصريه وتلامذته.
النقل الرسمي: وجود نسخ خطية قديمة في "مكتبة الرياض السعودية" و"دار الكتب المصرية" تحمل اسم المصنف وتاريخ النسخ القريب من عصر المؤلف.
الشروحات المتصلة: قيام أحفاده وتلامذته بشرحها وتدريسها باعتبارها أصلاً من أصول دعوته، مما يقطع بنسبتها إليه.
ثانياً: أسانيد خمسة من الأعلام القدامى (متصلة للمؤلف)
رواية الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ [2]: يرويها عن والده الشيخ حسن بن محمد، عن أبيه الإمام محمد بن عبد الوهاب [1].
رواية الشيخ حمد بن ناصر آل معمر [3]: يرويها عن الإمام محمد بن عبد الوهاب [1] (مباشرة).
رواية الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب [4]: يرويها عن أبيه الإمام محمد بن عبد الوهاب [1] (مباشرة).
رواية الشيخ علي بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب [5]: يرويها عن والده الشيخ حسين، عن أبيه الإمام محمد بن عبد الوهاب [1].
رواية الشيخ محمد بن ناصر بن عثمان المعمري [6]: يرويها عن أبيه الشيخ ناصر، عن الإمام محمد بن عبد الوهاب [1].
ثالثاً: أسانيد خمسة من الأعلام المعاصرين (تتجاوز الحفيد للمؤلف)
الشيخ عبد العزيز بن باز [7]: يرويها عن الشيخ محمد بن إبراهيم، عن الشيخ سعد بن عتيق، عن الشيخ ناصر بن مبارك، عن الشيخ عبد اللطيف، عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، عن أبيه الشيخ حسن، عن أبيه الإمام محمد بن عبد الوهاب [1].
الشيخ عبد الله بن عقيل [8]: يرويها عن الشيخ علي بن ناصر أبو وادي، عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، عن والده الشيخ حسن، عن أبيه الإمام محمد بن عبد الوهاب [1].
الشيخ حماد بن محمد الأنصاري [9]: يرويها عن الشيخ عبد الحفيظ الفاسي، عن الشيخ أحمد بن الشمس، عن الشيخ محمد بن علي بن ظاهر، عن الشيخ أحمد بن إدريس، بسنده إلى أئمة نجد، وصولاً للإمام محمد بن عبد الوهاب [1].
الشيخ عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي [10]: يرويها عن والده، عن جده عبد الحق بن عبد الواحد، عن الشيخ نذير حسين الدهلوي، عن الشيخ إسحاق بن محمد بن إسماعيل الدهلوي، عن الشيخ عبد العزيز الدهلوي، بسنده إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب [1].
الشيخ محمد بن ناصر العبودي [11]: يرويها عن الشيخ عمر بن سليم، عن الشيخ علي بن محمد الراشد، عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، عن والده الشيخ حسن، عن أبيه الإمام محمد بن عبد الوهاب [1].
الحَاشِيَةُ (تَرَاجِمُ الأَعْلَامِ)
[1] محمد بن عبد الوهاب: (1115-1206هـ) ولد بالعيينة، نجد. مجدد القرن الثاني عشر، عقيدته سلفية خالصة.
[2] عبد الرحمن بن حسن: (1193-1285هـ) ولد بالدرعية، نجد. صاحب "فتح المجيد"، عالم نجد وعمود إسنادها.
[3] حمد بن ناصر آل معمر: (1160-1225هـ) ولد بالدرعية، نجد. من أخص تلاميذ المصنف وعلمائها.
[4] عبد الله بن محمد: (1165-1242هـ) ولد بالدرعية، نجد. ابن المصنف وفقيه الدعوة النجدية.
[5] علي بن حسين: (ت: 1257هـ) ولد بالدرعية، نجد. حفيد المصنف، عالم ومفتي.
[6] محمد بن ناصر المعمري: من أعيان علماء نجد في القرن الثالث عشر، ولد بالدرعية.
[7] عبد العزيز بن باز: (1330-1420هـ) ولد بالرياض. إمام عصره ومفتي المملكة السابق، سلفي الاعتقاد.
--------------------&
ثَبَتُ العَبْدِ الفَقِيرِ إِلَى اللهِ أَبِي أَنَس عِمَاد آل عَامِر المِصْرِي
بِالأَسَانِيدِ المُتَّصِلَةِ إِلَى الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ
يقولُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى اللهِ أَبُو أَنَس؛ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آل عَامِر المِصْرِي [1]: لقد أجازني جمعٌ من المشايخ والمسندين من شتى بقاع الأرض، إجازةً خاصةً وعامةً بجميع مروياتهم وأسانيدهم، وفي مقدمتها كتب ورسائل الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله)، وأرويها عنهم بأسانيد متصلة لا انقطاع فيها، وإليك تفصيلها:
أولاً: أسانيد مشايخ الحجاز (المملكة العربية السعودية)
أروي عن الشيخ عبد المحسن بن محمد القاسم [2]، والشيخ بدر العتيبي [3]، والشيخ أحمد العنقري [4]، عن العلامة عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل [5]، عن الشيخ علي بن ناصر أبو وادي [6]، عن الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ [7]، عن والده الشيخ عبد الرحمن بن حسن [8]، عن عمه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب [9]، عن أبيه (الإمام المجدد) [10].
وأروي عن الدكتور مالك بن رضا المحمدي [11]، والشيخ عيسى المدخلي [12]، عن الشيخ ربيع بن هادي المدخلي [13]، عن الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي [14]، عن الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي [15]، عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق [16]، عن والده الشيخ حمد بن عتيق [17]، عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ [8]، عن جده (الإمام المجدد) [10].
وأروي عن المسند الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الدهامي [18]، عن الشيخ عبد الرحمن بن جابر [19]، عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق [16]، عن الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى [20]، عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ [8]، عن والده الشيخ حسن بن محمد بن عبد الوهاب [21]، عن أبيه (الإمام المجدد) [10].
ثانياً: طريق شيخ الكويت
أروي عن الشيخ دغش بن شبيب العجمي [22]، عن العلامة عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل [5]، عن الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ [23]، عن والده الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف [24]، عن والده الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن [25]، عن والده الشيخ عبد الرحمن بن حسن [8]، عن جده (الإمام المجدد) [10].
ثالثاً: طريق شيخ اليمن
أروي عن الشيخ أبو خالد وليد بن محمد الغربي [26]، عن الشيخ مقبل بن هادي الوادعي [27]، عن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي [28]، عن الشيخ أحمد بن محمد الشنقيطي [29]، عن الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي [30]، عن الشيخ محمد بن ناصر الحازمي [31]، عن الشيخ محمد بن علي الشوكاني [32]، عن الشيخ محمد بن حياة السندي [33]، عن (الإمام محمد بن عبد الوهاب) [10].
رابعاً: أسانيد مشايخ مِصر
أروي عن الشيخ وائل كمال [34]، والشيخ محمد فاروق الحنبلي [35]، والشيخ ناصر السوهاجي [36]، عن الشيخ عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي [37]، عن والده الشيخ عبد الحق الهاشمي [38]، عن الشيخ أحمد بن عبد الله بن سالم [39]، عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ [8]، عن عمه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب [9]، عن أبيه (الإمام المجدد) [10].
وأروي عن الشيخ محمد فريد عبد الهادي [40]، والشيخ سامي آل مراد [41]، والشيخ أسامة التيدي [42]، والشيخ عاطف الفيومي [43]، عن الشيخ أحمد بن يحيى النجمي [44]، عن الشيخ حافظ الحكمي [14]، عن الشيخ عبد الله القرعاوي [15]، عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق [16]، عن والده الشيخ حمد بن عتيق [17]، عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن [8]، عن جده (الإمام المجدد) [10].
خامساً: طريق شيخ الهند والجزائر والكُرد
أروي عن الشيخ سهيل حسن عبد الغفار [45] والشيخ عبد المجيد جمعة [46] (من الجزائر)، بأسانيدهم التي تنتهي إلى الشيخ نذير حسين الدهلوي [47]، عن الشيخ محمد إسحاق الدهلوي [48]، عن الشيخ عبد العزيز الدهلوي [49]، عن والده شاه ولي الله الدهلوي [50] (وهو رفيق الإمام في المدينة).
وأروي عن مشايخ الكرد الشيخ أبو سليمان أمجان البشدي [51]، والشيخ حميد الكردي [52]، والشيخ محمد كامل الكردي [53]، عن الشيخ محمد الملا عبد العزيز العريفي [54]، عن الشيخ محمود شكري الآلوسي [55]، عن عمه الشيخ عبد الله بن شهاب الدين الآلوسي [56]، عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ [8]، عن والده الشيخ حسن بن محمد بن عبد الوهاب [21]، عن أبيه (الإمام المجدد) [10].
الحَاشِيَةُ المُوَسَّعَةُ (تَرَاجِمُ الأَعْلَامِ)
[1] أبو أنس عماد آل عامر: باحث أكاديمي ومسند مصري، متخصص في تحقيق المخطوطات والتحقيق العقدي، عُرف بجلده في تتبع الأسانيد وعلو الهمة في الطلب، وهو صاحب هذا الثبت المبارك.
[2] عبد المحسن القاسم: ولد عام 1388هـ بمكة المكرمة، إمام وخطيب المسجد النبوي، قاضٍ ومسند، عقيدته سلفية.
[3] بدر العتيبي: باحث ومسند سعودي معاصر، يعتني بكتب أئمة الدعوة النجدية وتراثهم، مقره الرياض.
[4] أحمد العنقري: عالم ومسند سعودي، يروي عن كبار المسندين في نجد والحجاز.
[5] عبد الله بن عقيل: (1335-1432هـ) ولد بعنيزة، شيخ الحنابلة ومسند العصر، من كبار علماء السعودية وسلفي الاعتقاد.
[6] علي بن ناصر أبو وادي: (1273-1361هـ) مسند كبير من أهل عنيزة، رحل إلى الهند وجاور بمكة.
[7] إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ: (1276-1319هـ) ولد بالرياض، عالم ومحقق في التوحيد، سلفي الاعتقاد.
[8] عبد الرحمن بن حسن: (1193-1285هـ) ولد بالدرعية، صاحب "فتح المجيد"، حفيد الإمام المجدد وعالم نجد.
[9] عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: (1165-1242هـ) فقيه الدرعية وابن الإمام المجدد، توفي بمصر.
[10] الإمام محمد بن عبد الوهاب: (1115-1206هـ) ولد بالعيينة، نجد. إمام التوحيد ومجدد القرن الثاني عشر، سلفي الاعتقاد.
[11] مالك بن رضا المحمدي: باحث ومسند سعودي يعتني بالأسانيد النجدية والحجازية.
[12] عيسى المدخلي: عالم ومسند من منطقة جازان بالمملكة العربية السعودية، سلفي الاعتقاد.
[13] ربيع بن هادي المدخلي: ولد عام 1351هـ بجازان، أستاذ الحديث بالجامعة الإسلامية، من أعلام السلفية المعاصرين.
[14] حافظ بن أحمد الحكمي: (1342-1377هـ) ولد بقرية السلام (جازان)، صاحب "سلم الوصول"، عالم ومسند كبير.
[15] عبد الله القرعاوي: (1315-1389هـ) ولد بعنيزة، مجدد الدعوة في جنوب المملكة، سلفي الاعتقاد.
[16] سعد بن حمد بن عتيق: (1282-1349هـ) ولد بالأفلاج، مسند نجد وعالمها ومفتي الرياض في وقته.
[17] حمد بن عتيق: (1227-1301هـ) ولد بالزلفي، نجد. من أوعية العلم والصدع بالحق، سلفي الاعتقاد.
[18] عبد الرحمن الدهامي: مسند سعودي معاصر، له عناية كبيرة بجمع الأسانيد والمرويات.
[19] عبد الرحمن بن جابر: من أعيان علماء نجد ومسنديها، يروي عن طبقة ابن عتيق.
[20] أحمد بن إبراهيم بن عيسى: (1253-1329هـ) ولد بشقراء، نجد. عالم ومسند ومؤرخ سلفي.
[21] حسن بن محمد بن عبد الوهاب: ابن الإمام المجدد، من علماء الدرعية الذين نشروا علم أبيهم.
[22] دغش بن شبيب العجمي: ولد عام 1391هـ بالكويت، دكتور وباحث في العقيدة، سلفي الاعتقاد.
[23] محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (1311-1389هـ) مفتي المملكة الأول، ولد بالرياض، مرجع الفتوى والتدريس.
[24] إبراهيم بن عبد اللطيف: (1280-1329هـ) ولد بالرياض، عالم وقاضٍ سلفي من بيت علم.
[25] عبد اللطيف بن عبد الرحمن: (1225-1293هـ) عالم نجد ومناظرها في وقته، ولد بالدرعية.
[26] وليد بن محمد الغربي: مسند وباحث يمني يعتني بالرواية والإسناد، مقره اليمن.
[27] مقبل بن هادي الوادعي: (1352-1422هـ) ولد بصعدة، اليمن. مجدد الدعوة السلفية في اليمن، محدث ديار اليمن.
[28] محمد الأمين الشنقيطي: (1325-1393هـ) صاحب "أضواء البيان"، ولد بموريتانيا واستقر بالمدينة، إمام التفسير.
[29] أحمد بن محمد الشنقيطي: من علماء موريتانيا الأجلاء، برع في علوم الآلة والاعتقاد.
[30] محمد حبيب الله الشنقيطي: (1295-1363هـ) محدث ومسند ومدرس بالمسجد الحرام والمسجد النبوي.
[31] محمد بن ناصر الحازمي: (1182-1266هـ) محدث وفقيه يمني، سلفي الاعتقاد، تلميذ الشوكاني.
[32] محمد بن علي الشوكاني: (1173-1250هـ) ولد باليمن، صاحب "نيل الأوطار"، إمام مجتهد ومجدد.
[33] محمد بن حياة السندي: (ت: 1163هـ) محدث المدينة، ولد بالسند واستقر بالمدينة، شيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب.
[34] وائل كمال: باحث ومسند مصري، له عناية بكتب السنة والعقيدة.
[35] محمد فاروق الحنبلي: مسند وباحث مصري، معني بالمذهب الحنبلي وكتب العقيدة، مقره مصر.
[36] ناصر السوهاجي: من مسندي صعيد مصر المعنيين بالسنة والرواية.
[37] عبد الوكيل الهاشمي: ولد عام 1352هـ بمكة، مسند الحرمين، سلفي الاعتقاد، له أسانيد عالية.
[38] عبد الحق الهاشمي: (1302-1392هـ) مسند الحجاز، ولد بالهند وجاور بمكة، عالم محدث سلفي.
[39] أحمد بن عبد الله بن سالم: من علماء مكة ومسنديها في القرن الرابع عشر الهجري.
[40] محمد فريد عبد الهادي: مسند وباحث مصري، معني بالتحقيق والرواية.
[41] سامي آل مراد: من مسندي الديار المصرية المهتمين بربط الأجيال بالسنة المسندة.
[42] أسامة التيدي: باحث ومسند مصري سلفي، له جهود في نشر المرويات.
[43] عاطف الفيومي: من مشايخ مصر المسندين الذين يعتنون بالإجازات المتصلة.
[44] أحمد بن يحيى النجمي: (1346-1429هـ) ولد بجازان، حامل لواء السنة في الجنوب، سلفي الاعتقاد.
[45] سهيل حسن عبد الغفار: ولد عام 1362هـ بالهند، دكتور ومحدث مقيم بباكستان، سلفي من أهل الحديث.
[46] عبد المجيد جمعة: باحث ودكتور جزائري، من أعيان الدعوة السلفية في الجزائر، متخصص في الأصول.
[47] نذير حسين الدهلوي: (1220-1320هـ) شيخ الكل في الكل، ولد بالهند، محدث الديار الهندية وسلفي الاعتقاد.
[48] محمد إسحق الدهلوي: (1196-1262هـ) محدث الهند وحفيد شاه ولي الله، توفي بمكة.
[49] عبد العزيز الدهلوي: (1159-1239هـ) الملقب بـ "سراج الهند"، محدث ابن محدث.
[50] شاه ولي الله الدهلوي: (1114-1176هـ) مسند الهند ومجددها، رفيق الإمام محمد بن عبد الوهاب في الطلب بالمدينة.
[51] أبو سليمان أمجان البشدي: مسند وباحث كردي، معني بكتب العقيدة والسنة.
[52] حميد الكردي: من علماء الكرد المسندين الذين اعتنوا بنشر عقيدة السلف.
[53] محمد كامل الكردي: مسند وباحث من ديار الكرد، له عناية بالأسانيد العالية.
[54] محمد الملا عبد العزيز العريفي: عالم ومسند عراقي، برع في علوم شتى.
[55] محمود شكري الآلوسي: (1273-1342هـ) ولد ببغداد، علامة العراق، ناصر للسنة وسلفي الاعتقاد.
[56] عبد الله بن شهاب الدين الآلوسي: من بيت علم وفضل بالعراق، رحل وطلب العلم وأسند.
-----------------------------&
أولاً: خمسة أسباب لاختيار متن "كشف الشبهات"
١- قوة المنهجية الجدلية: تمتاز الرسالة بكونها قائمة على "المناظرة العقيلة" والرد المفحم، فهي لا تسرد الأدلة فحسب، بل تُورد شبهة الخصم ثم تنقضها من أساسها بقوله: "فالجواب أن نقول".
٢- التركيز على "التوحيد العملي": لم يكتفِ المصنف بتعريف التوحيد نظرياً، بل ركز على ما يقع فيه الناس من ممارسات شركية واقعية، مما يجعل المتن ملامساً لحاجة المكلفين لا مجرد ترف علمي.
٣- الاختصار والشمول: جمعت الرسالة أصول الشبهات التي دارت حولها دعوات المشركين قديماً وحديثاً في ورقات قليلة، مما يسهل حفظها واستحضارها عند الحاجة.
٤- الاستمداد المباشر من الوحي: تكاد الرسالة تكون تفسيراً موضوعياً لآيات الشرك والتوحيد، حيث جعل المؤلف القرآن الكريم هو المنطلق والفيصل في كل جواب.
٥- سلاسة اللفظ للتعليم: صِيغت الرسالة بأسلوب تعليمي يخاطب القلب والعقل معاً، وهو ما يناسب طريقة التدريس التي ينتهجها الباحث في تقريب العلوم لطالب العلم.
ثانياً: عشرة أشياء لأهمية مواضيع المتن (للأمة، والعامي، والداعية، والعالم)
١- تحرير معنى "لا إله إلا الله": أهمية كبرى للأمة قاطبة؛ لأنها تُصحح أصل الديانة وتبيّن أن مجرد النطق بالكلمة دون العلم بمعناها والعمل بمقتضاها لا يكفي.
٢- حماية جناب التوحيد للعامي: تُبصر العامي بما قد يقع فيه من شركيات وهو يظنها تقرباً، كالقصد للقبور أو الذبح لغير الله، فتكون له وقاية من الخلود في النار.
٣-تأصيل "فقه الاستدلال" لطالب العلم: يتعلم طالب العلم كيف يستنبط الردود من القصص القرآني (كقصة موسى وقصة إبراهيم)، وكيف يربط بين الأدلة الكلية والواقع.
٤- تزويد الداعية بسلاح "البيان": تمنح الداعية الثقة والقدرة على مواجهة المخالفين بأسلوب رصين ومفحم، مما يجعل دعوته قائمة على بصيرة لا على عاطفة فحسب.
٥- بيان خطر الشبهات على العقيدة: تُنبه الأمة إلى أن "الشبهة" أشد خطراً من الشهوة، وأن القلب الضعيف قد تخطفه كلمة واحدة ما لم يكن محصناً بالعلم.
٦- تفكيك "عذر الجهل" والظروف: أهمية كبرى للطالب والعالم في فهم متى يُعذر المكلف ومتى لا يُعذر، خاصة في مسائل "المداراة" و"خوف الدنيا" التي ذكرتَها في الجزء التاسع.
٧- التمييز بين الاستغاثة الجائزة والشركية: موضوع حيوي جداً؛ ففيه توضيح للعامي لكي لا يقع في الغلو، وتأصيل للعالم ليفرق بين الحق والباطل في ممارسات الناس.
٨- إقامة الحجة التاريخية: بربط شرك المتأخرين بشرك الأولين، يتعلم الداعية كيف يقرأ التاريخ ليفهم الحاضر وكيف أن ضلالات البشر تتشابه في أصولها.
٩- تحقيق "التوحيد القلبي": تهم كل مسلم؛ لأنها تبيّن أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وأن أي خلل في أحد هذه الأركان (كالمنافق الذي يعمل بلا اعتقاد) يورد المهالك.
١٠- ترسيخ مبدأ "تعظيم الله": وهي الغاية العظمى للعالم والعامي؛ فعندما يدرك المرء عظمة الله وتفرده بالخلق والتدبير، يسقط من عينه كل ما سواه من مخلوقات ضعيفة.
------------------&
أولاً: الخمسة القدامى (من طبقات أئمة الدعوة وعلماء الحنابلة)
الشيخ حسين بن محمد بن عبد الوهاب [ت: 1224هـ]: له تقييدات وحواشي رصينة على رسائل والده، تمتاز بضبط اللفظ وتحرير المراد بعبارات مختصرة جداً.
الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ [ت: 1285هـ]: صاحب "مجموعة التوحيد"، وله حواشي منثورة في ثنايا رسائله تخدم مفردات "كشف الشبهات"، خاصة في بيان معاني "الإله" و"العبادة" بحدود شرعية دقيقة.
الشيخ حمد بن ناصر آل معمر [ت: 1225هـ]: كان يعتني بوضع حواشي لغوية وعقدية على المتون التي يدرسها، وله تعليقات تحرر مفردات "الشفاعة" و"الند" في رسائل التوحيد.
الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن [ت: 1293هـ]: له حواشي وتعليقات في رسائله (منها "مصباح الظلام") تعد أصلاً في استخراج الحدود الجامعة المانعة لمصطلحات كشف الشبهات كـ "التوحيد" و "الشرك".
الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن [ت: 1319هـ]: عُرف بتدقيقه في المفردات العقدية، وله حواشي تحرر "الفرق بين المداراة والمداهنة" وغيرها من المفردات التي وردت في ختام الرسالة.
ثانياً: الخمسة المعاصرون (الذين أفردوا حواشي أو تعليقات ضبط)
الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ [ت: 1389هـ]: تقريراته وحواشيه التي جمعها تلاميذه على "كشف الشبهات" تعد من أدق ما كتب في تحرير "الحدود" (Definitions) للمصطلحات التي أوردها المصنف.
الشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك [ت: 1376هـ]: له "كلمات سديدة" وتعليقات مختصرة جداً على "كشف الشبهات" تعتني بفك المفردات اللغوية وبيان مدلولها العقدي باختصار.
الشيخ عبد العزيز بن باز [ت: 1420هـ]: له "تعليقات" مختصرة على المتن، كان يلقيها في دروسه، تمتاز بكونها حواشي تقريرية تضع "القواعد الكلية" لكل شبهة أوردها المصنف.
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين [ت: 1430هـ]: له تعليقات وحواشي مسجلة ومكتوبة تعتني بـ "استخراج المفردات" وبيان اشتقاقها اللغوي وأثرها العقدي.
الشيخ صالح بن فوزان الفوزان [حفظه الله]: وإن كان له شرح مطول، إلا أن له "تعليقات" مختصرة (حواشي) على "مجموعة التوحيد" ركز فيها على الضبط اللفظي والتعريف الاصطلاحي للمفردات.
-------------------&
إليك "الخُطَّةُ المَصْمُتَةُ لِحَاشِيَةِ أَبِي أَنَس عِمَاد آل عَامِر عَلَى كَشْفِ الشُّبُهَاتِ":
[1] تَقْسِيمُ المَتْنِ (المَسْلَكُ التَّرْتِيبِيُّ)
تَقْسِيمُ رسالة كشف الشبهات إلى "قِطَعٍ مَتْنِيَّةٍ" قصيرة ومُركزة.
تَرْقِيمُ المفرَداتِ داخل القِطْعَةِ الواحدةِ أرقاماً تَسلسُلية (مثال: [1]، [2]...) لتَرْبِطَ بين المتن والحاشية.
[2] هَيْكَلُ المَفْرَدَةِ فِي الحَاشِيَةِ (المَسْلَكُ الَّلغَوِيُّ وَالإِعْرَابِيُّ)
عِندَ تناولِ كُلِّ رَقْمٍ (مفرَدة)، نلتزمُ بالآتي:
التَّدْقِيقُ الَّلغَوِيُّ: تأصيلُ المفرَدةِ لُغةً وجَذراً.
التَّحْرِيرُ الِاصْطِلَاحِيُّ: بيانُ مَعنى المفرَدةِ شَرعاً (حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ).
الدَّقِيقَةُ الإِعْرَابِيَّةُ: إعرابُ المفرَدةِ بِمَا يخدمُ المعنى العَقدي (مع ذِكر العِلَلِ كالتَّقديرِ والتَّأخيرِ).
[3] المَسَالِكُ التَّحْلِيلِيَّةُ الثَّلَاثَةُ (المَسْلَكُ المَنْهَجِيُّ)
بعدَ الانتهاءِ من المفرَداتِ، تُحلَّلُ القِطعةُ عبرَ ثلاثةِ مَحاورَ ثابتةٍ:
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: استخراجُ القواعدِ العقديةِ الكليةِ من النص.
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: كَيف يتربى المسلمُ والداعيةُ وجدانياً وسلوكياً على هذا النص.
المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: إِشاراتٌ لَطيفةٌ تَرْبطُ النصَّ بِمَقاصدِ الوَحْيِ وتُحرِّكُ العقلَ والتَّفكرَ.
[4] رِبَاطُ المَدْرَسَةِ المُحَقِّقَةِ (المَسْلَكُ النَّقْلِيُّ)
تَوْثيقُ الحاشيةِ بربطِها بِأقوالِ "العُلماءِ الخَمْسَةِ" (أو الأربعة الذين حددتهم مسبقاً) مع التوسع في النقل عنهم:
الشيخ ابن عثيمين: (التركيز على القواعد والتقاسيم).
الشيخ الفوزان: (التركيز على البيان والوضوح السلفي).
الشيخ صالح آل الشيخ: (التركيز على التأصيل العلمي والتحرير الدقيق).
الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي: (التركيز على التحقيق والفوائد العقدية الفريدة).
[5] الضَّبْطُ الشَّكْلِيُّ (المَسْلَكُ الفَنِّيُّ)
تَشكيلُ المتنِ والحاشيةِ تَشكِيلاً كاملاً.
عَزْوُ الآياتِ القرآنيةِ (اسم السورة ورقم الآية) بَيْنَ أَقواسٍ مُزهَّرةٍ.
تخريجُ الأحاديثِ النبويةِ باختصارٍ.
--------------&
نَصُّ المَتْنِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ [1] اللَّهِ [2] الرَّحْمَنِ[3] الرَّحِيمِ [4]
----------------------------------&
حَاشِيَةُ البَاحِثِ :
بَدأ المصنف -رحمه الله- كتابه بالبسملة؛ 1- اقتداءً بكتاب الله عز وجل؛ فإنه مبدوء بالبسملة، 2- واقتداءً برسول الله ﷺ؛ فإنه كان يبدأ كُتبه ورسائله بها.
[1] (بِسْمِ): الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف مؤخر مناسب للمقام، تقديره: "بسم الله أكتبُ" أو "أصنفُ".
لماذا قُدّر فعلاً؟ لأن الأصل في العمل الأفعال.
لماذا قُدّر مؤخراً؟ لفائدتين:
التبرك: بالبداءة باسم الله تعالى.
الحصر: لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر (أي: أكتب بسم الله لا بسم غيره).
لماذا قُدّر مناسباً؟ لأنه أدلُّ على المراد؛ فقولك "بسم الله أبتدئ" عام، ولكن "بسم الله أقرأ" أو "أكتب" أخص وأدل على الغرض.
[2] (اللَّهِ): عَلَمٌ على الباري جل وعلا، وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء ولا يتبعها. وفي قوله تعالى: {إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ} [إبراهيم: 1-2]؛ لفظ الجلالة هنا عطف بيان وليس نعتاً، لئلا يكون لفظ الجلالة تابعاً تبعية النعت للمنعوت. وقال العلماء: "الله أعرفُ المعارف"؛ لأنه لا يُطلق على غيره سبحانه.
[3] (الرَّحْمَنِ): اسمٌ من الأسماء المختصة بالله تعالى، لا يُطلق على غيره، ومعناه: المتصف بالرحمة الواسعة (أي: صفة ذاتية).
[4] (الرَّحِيمِ): اسمٌ يطلق على الله وعلى غيره (بالمعنى المقيد)، ومعناه: ذو الرحمة الواصلة (أي: صفة فعلية). فإذا جُمعا؛ كان "الرحمن" للرحمة الواسعة، و"الرحيم" للموصل رحمته إلى من يشاء من عباده، كما قال تعالى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ ۖ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [العنكبوت: 21].
المَسَالِكُ الأَرْبَعَةُ لِلْحَاشِيَةِ:
المسلك العقدي: إثبات اسم "الله" وما تضمنه من صفة الألوهية، وإثبات صفة "الرحمة" لله عز وجل على ما يليق بجلاله، وهي رحمة حقيقية خلافا لمن أوّلها بإرادة الإنعام.
المسلك التربوي: أن يتربى طالب العلم على الاستعانة بالله في بداية كل عمل؛ فالبسملة تذلل الصعاب وتجلب البركة في القول والعمل.
المسلك التدبري: التفكر في اقتران "الألوهية" بـ "الرحمة" في البسملة؛ ليبدأ العبد قراءته مستشعراً فضل ربه ورحمته، لا مجرد استحضار القهر والعظمة.
أقوال العلماء (المدرسة المحققة):
الشيخ ابن عثيمين: أكد على أن البسملة ليست آية من السور (إلا الفاتحة في قول) بل هي آية مستقلة، وركز على توضيح تعلُّق الجار والمجرور بالفعل المحذوف لترسيخ معنى الإخلاص.
الشيخ الفوزان: شدد على البدء بها رداً على من يبدؤون بالتأليف دون ذكر اسم الله، مبيناً أن العمل المبتور عن البسملة "أقطع".
الشيخ صالح آل الشيخ: حرر بدقة معنى "الرحمن" و "الرحيم" من جهة اللسان العربي وما يترتب عليهما من آثار عقدية.
الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي: (المحقق الهمام) أفاد في تحقيق مسألة "عطف البيان" في لفظ الجلالة، ودقق في إبطال تبعية الاسم الأعظم لغيره، مرسخاً تعظيم مقام الألوهية في قلب القارئ.
---------------------------&
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«اعْلَمْ [1] رَحِمَكَ اللَّهُ [2] أَنَّ التَّوْحِيدَ [3] هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ [4] بِالْعِبَادَةِ [5]، وَهُوَ دِينُ الرُّسُلِ [6] الَّذِي أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إِلَى عِبَادِهِ [7]».
---------------------------------&
[ثانياً: هَيْكَلُ المَفْرَدَاتِ (المَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ وَالإِعْرَابِيُّ وَالعَقَدِيُّ)]
[1] (اعْلَمْ):
اللغة: من العِلم، وهو نقيض الجهل.
الإعراب: فعل أمر مبني على السكون
الفائدة من تصدير الكلام به هي: تنبيه المخاطب، وتهيئة النفس لاستقبال ما يُلقى إليها من العلم العظيم، وإشعار القارئ بأن ما سيأتي ليس من نافلة القول.
وآيضا : هو هنا للأمر الإرشادي.
مراتب الإدراك الستة:
العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً.
الجهل البسيط: عدم الإدراك بالكلية.
الجهل المركب: إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه؛ سُمي مركباً لأنه (١-جهل بالواقع، ٢-وجهل بحال نفسه).
الوهم: إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح.
الشك: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساوٍ.
الظن: إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح.
أقسام العلم:
١- بإعتبار الوصول
١- (ضروري) لا يحتاج لنظر
٢- و(نظري) يحتاج لاستدلال.
٢-وباعتبار التكليف:
١- (فرض عين) كعلم التوحيد
٢- و(فرض كفاية) كدقائق الفقه.
الفرق بين العلم والمعرفة:
١- العلم ينسب لله (عليم)
٢-والمعرفة لا تنسب له تعالى: لأنها تستلزم مسبوقية الجهل
٣-ولأن المعرفة: إدراك الجزئيات
٤-والعلم إدراك الكليات والجزئيات.
[2] (رَحِمَكَ اللَّهُ):
اللغة: الرحمة صفة تقتضي الإحسان والإنعام.
الإعراب: جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى (دعائية).
المعنى: "أفاض الله عليك من رحمته ما تحصل به على مطلوبك وتنجو من محظورك".
التفصيل: إذا أُفردت الرحمة شملت المغفرة (ما مضى) والتوفيق (للمستقبل)، وإذا قُرنت بالمغفرة كانت المغفرة للماضي والرحمة للمستقبل.
فائدة تربوية: صنيع المؤلف هنا يدل على شفقته وعنايته بالمخاطب، وهو أدب شرعي في ملاطفة المعلم لطلابه ليكونوا أدعى للقبول.
المعنى الدقيق: غفر الله لك ما مضى ووفقك لما يستقبل.
[3] (التَّوْحِيدَ):
اللغة: مصدر وحّد، أي جعل الشيء واحداً.
ولا يتحقق إلا بركنين:
١-النفي (عما سوى الموحد)
٢- والإثبات (له وحده).
ولا يتحقق إلا بنفي وإثبات؛ لأن النفي المحض "تعطيل"، والإثبات المحض "لا يمنع المشاركة".
اصطلاحاً (باعتبار مراد الشيخ): هو إفراد الله بالعبادة، وهذا النوع الذي حصل فيه الخلاف بين الرسل وأممهم.
اصطلاحاً (بالمعنى الأعم): إفراد الله سبحانه بما يختص به وأنواعه ثلاثة: (ربوبية، ألوهية، أسماء وصفات)
أنواع التوحيد بالتفصيل:
توحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بخصائص أفعاله (الخلق، الملك، التدبير).
قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16]،
وقال: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 3]
وقال: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54].
توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة، بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحداً يعبده أو يتقرب إليه.
ويسمى (توحيد القصد والطلب).
والدليل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5].
توحيد الأسماء والصفات:
إفراد الله بما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، على الوجه اللائق به من غير تعطيل ولا تحريف
ومن غير تكيف ولا تمثيل.
مَسْلَكُ التَّحْقِيقِ فِي صِفَاتِ البَارِي (قَوَاعِدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ)]
عند ذكر توحيد الأسماء والصفات، يجب الإثبات بلا:
تحريف: (لغة: التغيير) وهو إمالة النص عن معناه الحق إلى معنى باطل (كتحريف "استوى" إلى "استولى").
تعطيل: (لغة: الإخلاء) وهو نفي الصفات الإلهية وجحدها (كحال الجهمية).
تكييف: (لغة: جعل الشيء على كيفية معينة) وهو حكاية كيفية الصفة (كيف يد الله؟)، والواجب الإيمان بالمعنى وتفويض الكيفية لله.
تمثيل: (لغة: المشابهة) وهو اعتقاد أن صفات الخالق تماثل صفات المخلوق (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً).
[4] (سُبْحَانَهُ):
اللغة: مصدر من "سبح" أي بعد.
الاصطلاح: تنزيه الله عن كل نقص وعن مماثلة المخلوقين.
[5] (بِالْعِبَادَةِ):
الحد الجامع المانع: تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة". [انظر: رسالة العبودية، ص 38].
١-أركانها: كمال الحب مع كمال الذل.
٢-تطبيقات: كالصلاة، والذبح، والنذر، والرجاء، والخوف.
[6] (دِينُ الرُّسُلِ):
المعنى: هو الأصل الذي اجتمعوا عليه. الرسل اختلفوا في الشرائع (الفروع) واتفقوا في أصل الدين (التوحيد).
الأدلة: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]
وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
[7] (إِلَى عِبَادِهِ):
اللام هنا للتعليل أو الغاية، والعباد هنا تشمل الإنس والجن.
[ثالثاً: المَسَالِكُ التَّحْلِيلِيَّةُ الثَّلَاثَةُ]
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: التوحيد هو مفرق الطرق؛ فمن أخلّ بتوحيد الألوهية فهو مشرك كافر، ولو أقر بالربوبية والأسماء والصفات. المشركون الذين قاتلهم النبي ﷺ كانوا يقرون بالخلق والرزق، لكنهم صرفوا العبادة لغير الله، فاستباح النبي ﷺ دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم لإقامة حجة الله في أرضه.
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: استشعار مراقبة الله في كل عمل قلبي أو بدني. التربية على "إياك نعبد" تقطع الالتفات إلى الخلق وتطهر القلب من الرياء والسمعة والتعلق بالأسباب.
المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل في رحمة الله ببعثة الرسل؛ إذ لم يترك الخلق هملاً يتخبطون في ظلمات الشرك، بل أنار لهم السبيل بكلمة التوحيد، مما يورث المحبة لله المنعم المتفضل ببيان الحق.
[رابعاً: رِبَاطُ المَدْرَسَةِ المُحَقِّقَةِ (تَوَسُّعٌ فِي أَقْوَالِ العُلَمَاءِ)]
الشيخ ابن عثيمين (شرح كشف الشبهات)[١]: أفاض في تقسيم العلم ومراتب الإدراك، مبيناً أن العلم بالله هو أشرف العلوم. وأكد أن توحيد الربوبية فطري، لكنه لا يدخل العبد في الإسلام بمجرده، مستدلاً بقوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106].
الشيخ الفوزان (إعانة المستفيد)[2]: ركّز على قوله "دين الرسل"، مبيناً أن أولهم نوح وآخرهم محمد ﷺ، وكلهم جاءوا بـ "لا إله إلا الله". وفصّل في أن العبادة إذا داخلها الشرك بطلت كالصلاة إذا داخلها الحدث.
الشيخ صالح آل الشيخ (شرح كشف الشبهات)[3]: دقق في لفظة "أرسلهم الله به"، موضحاً أن "الباء" للمصاحبة والسببية، أي أن الرسالة قامت على هذا الأصل ولأجله خُلقت الخليقة. وحرر معنى "الطاغوت" الذي يجب اجتنابه.
الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي (الفوائد العقدية)[٤]: قدم تحقيقاً نفيساً في مسألة "الإفراد"، مبيناً أن المشركين المعاصرين أشد شركاً من الأولين في الرخاء والشدة، وهذا ينطلق من فهم تعريف التوحيد الذي صدّر به الشيخ رسالته.
-----------&
[ثَبَتُ المَصَادِرِ وَالتَّعْلِيقَاتِ لِلرِّبَاطِ]
[1] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، دار الثريا، ص 38-42. وانظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، المجلد الثاني.
[2] شرح كشف الشبهات، صالح آل الشيخ (المحاضرات الصوتية والمفرغة)، الجزء الأول.
[3] التحقيقات العقدية في شرح الرسائل المحمدية، صالح السندي (مادة مسجلة)، الدرس الرابع.
[4] الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع ابن قاسم، المجلد الأول، باب التوحيد.
-----------------------------&
[القطعة الثانية: أول الرسل وآخرهم وأصل شبهة الوسائط]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«فَأَوَّلُهُمْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ لَمَّا غَلَوْا فِي الصَّالِحِينَ: "وَدًّا" وَ"سُوَاعًا" وَ"يَغُوثَ" وَ"يَعُوقَ" وَ"نَسْرًا". وَآخِرُ الرُّسُلِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَهُوَ الَّذِي كَسَرَ صُوَرَ هَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ؛ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى أُنَاسٍ يَتَعَبَّدُونَ، وَيَحُجُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَلَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ بَعْضَ المَخْلُوقَاتِ وَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، يَقُولُونَ: نُرِيدُ مِنْهُمُ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ، وَنُرِيدُ شَفَاعَتَهُمْ عِنْدَهُ؛ مِثْلَ المَلَائِكَةِ، وَعِيسَى، وَمَرْيَمَ، وَأُنَاسٍ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ يُجَدِّدُ لَهُمْ دِينَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ هَذَا التَّقَرُّبَ وَالاعْتِقَادَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَصْلُحُ مِنْهُ شَيْءٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَا لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا لِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
1. (يُجَدِّدُ):
اللغة: من الجِدّة خلاف القِدَم، وتجديد الشيء إعادته إلى هيئته الأولى التي كان عليها.
الحد الجامع المانع: إحياء ما اندرس من معالم الدين وشريعته وإزالة ما علق بها من البدع والشرك، لا الإتيان بدين مخترع.
التحقيق: النبي ﷺ لم يأتِ بدين "جديد" من حيث الأصول، بل أحيا "الحنيفية" التي هي ملة إبراهيم.
2. (الوَسَائِطُ):
اللغة: جمع واسطة، وهي ما يتوسط بين شيئين ليقرب أحدهما من الآخر.
التقسيم التحقيقي:
أ- وسائط شرعية (بلاغية): وهم الرسل، يتوسطون بين الله وخلقه في تبليغ الوحي (الإيمان بها ركن).
ب- وسائط شركية (تعبدية): اتخاذ من يُدعى أو يُذبح له ليقرب إلى الله (كفر مخرج من الملة).
ج- وسائط كونية (أسباب): كالدواء للشفاء، مع اعتقاد أن مسبب الأسباب هو الله (جائزة بضوابطها).
3. (مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ):
اللغة: المَحْضُ هو الخالص الذي لا يشوبه غيره، يُقال "لبن محض" أي لم يخالطه ماء.
الحد: إفراد الله بالعبادة إفراداً كلياً يمنع الشركة في أقل القليل منها.
4. (غَلَوْا):
اللغة: مجاوزة القدر.
الحد: رفع المخلوق فوق منزلته التي أنزله الله إياها، سواء بالقول أو الفعل أو الاعتقاد.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ (المُصَنَّفُ الخُمَاسِيُّ)
حول قوله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ} و {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ}:
تفسير ابن تيمية: [1] يُقرر أن الشرك الذي وقع فيه قوم نوح وقريش هو "شرك الوسائط"، حيث جعلوا الصالحين كالحجّاب عند الملوك، وهذا جهل بحقيقة الله الصمد الذي لا يحتاج لوسيط يسمع نداء عباده.
تفسير ابن كثير: [2] ذكر أن المشركين أقروا بعبادتهم للأصنام، لكنهم اعتذروا بأن المقصود هو "الزلفى" (القربى)، فرد الله عليهم بأن هذا هو الكذب والكفر بعينه.
تفسير الشيخ محمد بن عبد الوهاب: [3] يُبين أن "العلة" في كفرهم ليست اعتقادهم نفعاً ذاتياً في الصنم، بل هي "قصد" الصنم بالعبادة طلباً للشفاعة، وهذا هو جوهر دعوته ﷺ للناس.
تفسير السعدي: [4] أوضح أن اتخاذ الوسائط ينفي "الإخلاص"، والعبادة لا تُسمى عبادة إلا إذا كانت "مَحْضة" لله، وما دون ذلك فهو هباء.
تفسير ابن عثيمين: [5] حرر قوله {يجدد} بأن الإسلام هو الدين القديم منذ نوح، والشرك طارئ، ومهمة الرسل هي "التصفية" مما علق بالفطر و"التربية" على محض التوحيد.
رابعاً: المَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِي، تَرْبَوِي، تَدَبُّرِي)
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: بيان أن "جنس العبادة" (حج، ذكر، صدقة) لا ينفع مع وجود "الوسائط". فالمشركون لم يكونوا ملاحدة، بل كانوا أهل ديانة، لكنهم أفسدوها بالشرك في القصد.
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: خطورة "الصور"؛ فالبداية كانت صوراً للتذكير بالصالحين، والنهاية كانت عبادة لهذه الصور. وهذا يربي المسلم على سد الذرائع الموصلة للشرك.
المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل في التلازم بين "أول الرسل" و"آخر الرسل"؛ كلاهما بُعث لنفس العلة (الغلو في الصالحين)، مما يدل على أن الشيطان لا يغير خطته في إضلال بني آدم.
خامساً: رِبَاطُ المَدْرَسَةِ المُحَقِّقَةِ (التَّوَسُّعُ فِي العُلَمَاءِ)
الشيخ صالح آل الشيخ: [6] يُحقق في "كشف الشبهات" معنى (أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله)، فيبين أن المشرك قد يُقر بلسانه أن الحق لله، لكن "حاله" وتوجهه لغير الله يكذبان قوله.
الشيخ الدكتور صالح السندي (المحقق): [7] دقق في مسألة "كسر الصور"، مبيناً أن التوحيد لا يستقر إلا بـ "تدمير" مظاهر الشرك (المادية والمعنوية)، وأن النبي ﷺ لم يكتفِ بالدعوة، بل طهر "القبلة" من 360 صنماً تحقيقاً لسيادة التوحيد.
الشيخ صالح الفوزان: [8] يُشدد على أن "ملة إبراهيم" هي تجريد التوحيد، وأن من جعل بينه وبين الله وسائط فقد ترك ملة إبراهيم وسفه نفسه بنص القرآن.
سادساً: ثَبَتُ المَصَادِرِ وَتَخْرِيجُ الأَحَادِيثِ (الحَاشِيَةُ)
تخريج حديث كسر الأصنام: أخرجه البخاري برقم (4720)، ومسلم برقم (1781) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصباً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل..}.
---------------------------&
[1] مجموع الفتاوى، ج 1، ص 125.
[2] تفسير ابن كثير، ج 7، ص 84.
[3] مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ج 1، ص 155.
[4] تيسير الكريم الرحمن، ص 890.
[5] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 55-60.
[6] شرح كشف الشبهات، صالح آل الشيخ (درس 5).
[7] التحقيقات العقدية، صالح السندي (درس 6).
[8] إعانة المستفيد، الفوزان، ج 1، ص 210.
----------------&
[القطعة الثالثة:
تقرير توحيد الربوبية وبيان علاقته بالألوهية]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«وَإِلَّا فَهَؤُلَاءِ المُشْرِكُونَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الخَالِقُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَرْزُقُ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُحْيِي وَلَا يُمِيتُ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُدَبِّرُ الأَمْرَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّ جَمِيعُ السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَالأَرَاضِينَ السَّبْعَ وَمَنْ فِيهِنَّ كُلُّهُمْ عَبِيدُهُ، وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وَقَهْرِهِ».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
1. (المُشْرِكُونَ):
اللغة: من الشَّرِكة، وهي الاختلاط.
الحد الجامع المانع: هم الذين اتخذوا مع الله أنداداً في المحبة والتعظيم والعبادة، مع إقرارهم بفرادته في الخلق والتدبير.
2. (يَشْهَدُونَ):
اللغة: الإخبار عما شوهد أو عُلم يقيناً.
الحد: اعتراف المشركين اعترافاً قاطعاً بلسانهم بما استقر في فطرهم من ربوبية الله.
3. (الخَالِقُ / الخَلْقُ):
اللغة: التقدير والإيجاد.
التحقيق: "الخالق" اسم، و"الخلق" صفة، و"يخلق" فعل.
(وَحْدَهُ): حال منصوبة، تفيد حصر جنس الخلق في الله تعالى، فلا خالق مع الله استقلالاً ولا مشاركة.
4. (الرَّزَّاقُ / الرِّزْقُ):
اللغة: الرَّزَّاق (بالفتح) للمبالغة وهو الفاعل، الرَّزْق (بالفتح) هو المصدر "الفعل"، الرِّزْق (بالكسر) هو المفعول "العين المرزوقة". [1]
5. (يُحْيِي وَيُمِيتُ):
اللغة: الإحياء نقيض الإماتة.
الحد: إفراد الله بفعل الإحياء (إيجاد الحياة) والإماتة (سلب الحياة)، وهي من أخص خصائص الربوبية التي عجز عنها نمرود ومن بعده.
6. (يُدَبِّرُ الأَمْرَ):
الحد: تسيير شؤون الخلائق بحكمة.
أنواع التدبير:
تدبير كوني: (كالرزق والموت) يخضع له جميع الخلق اضطراراً.
تدبير شرعي: (كالأمر والنهي) وهو مناط التكليف.
7. (السَّمَاوَاتُ وَالأَرَاضُونَ السَّبْعُ):
اللغة: السماوات (جمع سماء) وهي العلو، والأرضون (جمع أرض) وهي السفل.
الدليل الكوني: إقرار المشركين بأن ملكوت هذه العوالم السبعة لله وحده.
8. (تَحْتَ تَصَرُّفِهِ وَقَهْرِهِ):
الحد: هذه هي "العبودية العامة" أو "عبودية القهر والاضطرار"؛ فكل من في السماوات والأرض أتى الرحمن عبداً مقهوراً بمشيئته الكونية.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّحْقِيقِ العَقَدِيِّ (الاسْتِلْزَامُ وَالتَّضَمُّنُ)
بما أن المتن يقرر إقرارهم بالربوبية، وجب تحرير العلاقة بين نوعي التوحيد:
توحيد الربوبية "يستلزم" توحيد الألوهية:
الحد: هو دليل "مُلزِم"؛ فمن أقر بأن الله هو الخالق وحده والمدبر وحده (وهو الربوبية)، لزمه عقلاً وشرعاً أن يفرده بالعبادة (وهي الألوهية).
وجه الملازمة: كيف يُعبد من لا يخلق؟ وكيف يُدعى من لا يدبر؟ فالإقرار بالأول يوجب الثاني حتماً. [2]
توحيد الألوهية "يتضمن" توحيد الربوبية:
الحد: هو تضمن "احتواء"؛ فمن وحّد الله في عبادته، فهو بالضرورة يعتقد أنه ربه وخالقه، إذ لا يُتأله إلا لمن هو ربٌ خالق. [3]
رابعاً: رِبَاطُ المَدْرَسَةِ المُحَقِّقَةِ (أَقْوَالُ العُلَمَاءِ)
1. الإمام محمد بن صالح العثيمين (رَحِمَهُ اللَّهُ): [4]
يُقرر في شرحه أن توحيد الربوبية "فطري" ولكن المشركين لم ينفعهم هذا الإقرار لأنهم أشركوا في "القصد والطلب".
ويُبين أن قوله (تحت تصرفه وقهره) هو الذي احتج الله به عليهم في القرآن لبيان عجز أندادهم الذين لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
2. الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز السندي (المُحَقِّق): [5]
يُدقق في "دلالة الملازمة"؛ مبيناً أن المشركين أقروا بالعلة (الربوبية) وعطلوا المعلول (الألوهية)، وهذا من تمام سفه عقولهم.
ويؤكد أن الإقرار بالربوبية وحده "توحيد ناقص" لا يُنجي من النار ولا يُدخل في الإسلام، بل هو توحيد أبي جهل وأبي لهب.
3. الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: [6]
يُبين أن قوله (يشهدون أن الله هو الخالق) معناه أنهم أهل "توحيد خبري"، لكنهم ضلوا في "التوحيد الطلبي" وهو إفراد الله بالدعاء والذبح والنذر.
--------------------------&
خامساً: الحَاشِيَةُ
[1] انظر: لسان العرب، مادة (رزق)، ومفردات الراغب، ص 351.
[2] انظر: تيسير العزيز الحميد، الشيخ سليمان بن عبد الله، ص 25.
[3] انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين، ج 1، ص 15.
[4] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 62-65.
[5] التحقيقات العقدية في شرح الرسائل المحمدية، صالح السندي، الدرس السابع (مفرغ).
[6] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ج 1، ص 40.
--------------------&
القطعة الرابعة:
[براهين الربوبية وعجزها عن إدخال المشركين في الإسلام]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«فَإِذَا أَرَدْتَ الدَّلِيلَ [1] عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْهَدُونَ [2] بِهَذَا، فَاقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31].
وَقَوْلَهُ: {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَدَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84-89].
فَإِذَا تَحَقَّقْتَ [3] أَنَّهُمْ مُقِرُّونَ [4] بِهَذَا وَلَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي التَّوْحِيدِ [5] الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَرَفْتَ أَنَّ التَّوْحِيدَ الَّذِي جَحَدُوهُ هُوَ تَوْحِيدُ العِبَادَةِ [6] الَّذِي يُسَمِّيهِ المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا الاعْتِقَادَ [7]، كَمَا كَانُوا يَدْعُونَ [8] اللَّهَ سُبْحَانَهُ [9] وَتَعَالَى لَيْلًا وَنَهَارًا».
ثانياً: المَسْلَكُ اللغَوِيُّ (تَحْقِيقُ المَفْرَدَاتِ وَالحُدُودِ)
[1] الدَّلِيلُ: لغةً: المرشد والموصل للمطلوب. وحَدُّه: ما يلزم من العلم به العلمُ بشيءٍ آخر.
[2] يَشْهَدُونَ: لغةً: من الشهود وهو الحضور والإخبار القاطع. وحَدُّه: الإقرارُ باللسانِ عما استيقنهُ الجَنان.
[3] تَحَقَّقْتَ: لغةً: من "حقَّ" الشيء إذا ثبت ووجب. وحَدُّه: استقرارُ اليقين في القلب بوقوع الأمر وبطلان نقيضه.
[4] مُقِرُّونَ: لغةً: من "قرَّ" إذا سكن وثبت. وحَدُّه: الاعترافُ بالحقِّ وإلزامُ النفس بمقتضاه.
[5] التَّوْحِيدُ: (هنا توحيد الألوهية) لغةً: جعل الشيء واحداً. وحَدُّه: إفرادُ الله بالعبادةِ قصداً وطلباً وخضوعاً.
[6] العِبَادَةُ: لغةً: التذلل والخضوع. وحَدُّه الجامع المانع: اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وشروطها (الإخلاص والمتابعة).
[7] الاعْتِقَادُ: لغةً: الربط الموثق. وحَدُّه عند مشركي الزمان: توجيهُ القصدِ للقبورِ والأولياء بزعمِ أن لهم سراً وتأثيراً خفياً.
[8] يَدْعُونَ: لغةً: النداء والطلب. وحَدُّه: الرغبةُ إلى الله فيما عنده والابتهالُ إليه. وأقسامه (دعاء عبادة ودعاء مسألة).
[9] سُبْحَانَهُ: لغةً: من "سَبَحَ" إذا بَعُد. وحَدُّه: تنزيهُ اللهِ تبارك وتعالى عن كل نقصٍ وعيبٍ وعن مشابهةِ المخلوقين.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ اللغَوِيِّ وَالخُمَاسِيِّ لِلآيَاتِ
1. آية يونس {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ...}:
التفسير اللغوي: (أمَّن يملك السمع) أي المتفرد بخلقها وحفظها، (يخرج الحي من الميت) أي النطفة من الحيوان والسنبلة من الحبة.
تفسير ابن تيمية: [10] يرى أنها أعظم دليل على أن الإقرار بالخالق والمدبر لا يكفي للنجاة، فالله سماهم كفاراً رغم هذا الإقرار.
تفسير ابن كثير: [11] يُبين أن قوله {فسيقولون الله} دليل على أن الحق مفطور فيهم، وأن السؤال للتقرير والتوبيخ.
تفسير محمد بن عبد الوهاب: [12] يُشدد على أن أركان الربوبية الأربعة في الآية (الرزق، الملك، الإحياء، التدبير) لم تمنع النبي ﷺ من قتالهم.
تفسير ابن عثيمين: [13] يحرر قوله {أفلا تتقون} بأنها تدل على أن من علم بالربوبية لزمه حتماً أن يتقي الله بترك الشرك في الألوهية.
2. آية المؤمنون {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا...}:
التفسير اللغوي: (ملكوت) صيغة مبالغة من المُلْك، (يجير) يحمي ويمنع، (ولا يجار عليه) لا يمنع أحدٌ من أراده الله بسوء. (تُسحرون) تُصرفون عن الحق كأنكم مسحورون.
تفسير المفسرين الأربعة: أجمعوا (ابن تيمية، ابن كثير، ابن عبد الوهاب، ابن عثيمين) على أن تكرار {سيقولون لله} في هذه الآيات هو قطعٌ لجميع معاذير المشركين، ووصفهم بـ "المسحورين" في النهاية هو أبلغ وصف لضلال العقل الذي يرى الربوبية ثم ينكر الألوهية.
رابعاً: المَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِي، تَرْبَوِي، تَدَبُّرِي)
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: (قاعدة): الإقرارُ بالربوبيةِ حُجةٌ مُلزمةٌ للإقرارِ بالألوهية. مَن أقرَّ بالملكِ لزمه إفرادُ الملك بالعبادة.
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية النفس على "صدق اللجوء"؛ فإذا كان المشركون يدعون الله ليلاً ونهاراً في الكروب، فالمؤمن أولى بدوام هذا الدعاء في الرخاء والشدة مع إخلاص القصد.
المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل في قوله {فأنى تُسحرون}؛ الشرك غشاوة على البصيرة تجعل الواضح خفياً، فالتوحيد هو ضياء العقل ونور الفطرة.
خامساً: شُرُوحُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ
1. الشيخ السعدي: [14] يرى أن هذه الآيات هي "البراهين العقلية" التي لا يمكن لعاقل إنكارها، وهي تثبت أن الشرك مجرد أوهام لا حقيقة لها.
2. الشيخ ابن عثيمين: [15] يُفصل في معنى "الاعتقاد" عند المتأخرين، مبيناً أنهم سموا الشرك بغير اسمه ليُمرروه على العوام، وهو عين ما فعله المشركون قديماً.
3. الشيخ صالح الفوزان: [16] يُشدد على أن قتال النبي ﷺ لهم لم يكن لإنكارهم الخالق، بل لأنهم جعلوا معه "وسائط" في العبادة، وهذا هو لب النزاع.
4. الشيخ صالح آل الشيخ: [17] يُحرر قوله (يدعون الله ليلاً ونهاراً) بأن المشركين كانوا أهل طاعة في الجملة، ولكن "الشرك" أبطل جميع أعمالهم.
5. الشيخ الدكتور صالح السندي (المحقق): [18] دقق في مقتضى قوله (ولم يدخلهم في التوحيد)؛ مبيناً أن التوحيد "حقيقة مركبة" لا يقبل التجزئة، فمن جاء ببعضه (الربوبية) وترك أصله (الألوهية) لم يأتِ بشيء.
----------------------&
سادساً: الحَاشِيَةُ
[10] مجموع الفتاوى، ج 14، ص 380.
[11] تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 252.
[12] تفسير آيات من القرآن، محمد بن عبد الوهاب، ص 142.
[13] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 45.
[14] تيسير الكريم الرحمن، ص 365.
[15] القول المفيد، ج 1، ص 15.
[16] إعانة المستفيد، ج 1، ص 42.
[17] شرح كشف الشبهات (محاضرات)، ص 60.
[18] التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس الثامن.
---------------------------&
[القطعة الخامسة: حقيقة الشرك في الوسائط وتحقيق إخلاص العبادات]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو المَلَائِكَةَ لِأَجْلِ صَلَاحِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ لِيَشْفَعُوا [1] لَهُ، أَوْ يَدْعُو رَجُلًا صَالِحًا مِثْلَ اللَّاتِ [2]، أَوْ نَبِيًّا مِثْلَ عِيسَى. وَعَرَفْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَهُمْ عَلَى هَذَا الشِّرْكِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى إِخْلَاصِ [3] العِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]. وَقَالَ تَعَالَى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} [الرعد: 14]. وَتَحَقَّقْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَهُمْ لِيَكُونَ الدُّعَاءُ [4] كُلُّهُ لِلَّهِ، وَ الذَّبْحُ [5] كُلُّهُ لِلَّهِ، وَ النَّذْرُ [6] كُلُّهُ لِلَّهِ، وَ الِاسْتِغَاثَةُ [7] كُلُّهَا بِاللَّهِ، وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ العِبَادَاتِ كُلُّهَا لِلَّهِ».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] لِيَشْفَعُوا (الشَّفَاعَةُ):
اللغة: من "الشفع" وهو جعل الفرد زوجاً، أي انضمام الشافع للمشفوع له.
الحد: التوسط للغير بطلب نفع أو دفع ضر.
أقسامها وشروطها:
شفاعة شرعية (مثبتة): وهي التي تُطلب من الله، وشروطها: (إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له).
شفاعة شركية (منفية): وهي التي تُطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو تطلب من الأصنام والصالحين استقلالاً.
[2] اللَّاتِ:
اللغة: تُقرأ (اللات) بتخفيف التاء وهو اسم الصنم. وتُقرأ (اللَّاتّ) بتشديد التاء؛ وهو اسم رجل كان يَلُتُّ السويق (أي يعجنه بالسمن) للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره ثم اتخذوه صنماً.
المسألة: لا يجوز دعاء الرجل الصالح؛ لأن دعاءه عبادة، وصرفها لغير الله شرك أكبر، سواء كان المدعو ملكاً أو نبياً أو ولياً.
[3] إِخْلَاصُ:
اللغة: التنقية والتصفية من الشوائب.
الحد: تصفية العمل من كل شائبة شرك، بحيث يكون القصد والطلب لله وحده.
[4] الدُّعَاءُ:
اللغة: الطلب والنداء.
الحد: إظهار الافتقار لله والتبرؤ من الحول والقوة.
أقسامه وحكمه:
دعاء الله: (توحيد).
دعاء الحي بما يقدر عليه: "يا فلان اسقني" (مباح).
دعاء الميت أو الغائب: (شرك أكبر)؛ لأنه يتضمن اعتقاد تصرف خفي في الكون.
[5] الذَّبْحُ:
اللغة: قطع الأوداج وإراقة الدم.
الحد: إزهاق الروح بإسالة الدم تقرباً وتعظيماً.
أنواعه: (تعبدي لله وحده، أو لغير الله وهو شرك، أو إكراماً للضيف وهو مأمور به، أو للأكل وهو مباح).
[6] النَّذْرُ:
اللغة: الإيجاب والإلزام.
الحد: إلزام المكلف نفسه لله تعالى بشيء غير واجب عليه بأصل الشرع.
أنواعه وحكمه: النذر لغير الله (شرك أكبر). والنذر لله (طاعة يجب الوفاء بها)، وقد يُكره ابتداءً (نذر المجازاة) كما في الحديث "لا يأتي بخير وإنما يُستخرج به من البخيل".
[7] الِاسْتِغَاثَةُ:
اللغة: طلب الغوث والإنقاذ من الشدة.
أقسامها:
بالله: (من أفضل العبادات).
بالأحياء الحاضرين القادرين: (جائزة).
بالأموات أو الغائبين: (شرك أكبر)؛ لاعتقاد التصرف الخفي.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ اللغَوِيِّ وَالخُمَاسِيِّ لِلآيَاتِ
1. آية الجن {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}:
التفسير اللغوي: (أحداً) نكرة في سياق النهي تفيد العموم؛ فلا يُدعى ملك ولا نبي ولا ولي.
تفسير ابن تيمية: [1] يُبين أن المساجد بُنيت لإخلاص العبادة، فمن دعا فيها غير الله فقد ضادَّ مقصود بنائها.
تفسير ابن كثير: [2] أي: أفردوا الله بالعبادة ولا تشركوا معه غيره من الأوثان والأنداد.
تفسير محمد بن عبد الوهاب: [3] استدل بها على بطلان دعاء الصالحين، فالنكرة تشمل "عيسى" و"الملائكة" وغيرهم.
تفسير ابن عثيمين: [4] يُحرر أن الدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.
2. آية الرعد {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ...}:
التفسير اللغوي: (دعوة الحق) هي كلمة التوحيد، (لا يستجيبون لهم بشيء) نفي صريح لأي نفع يأتي من الأنداد.
تفسير المفسرين: أجمعوا على أن المدعو من دون الله كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه؛ فهو سعي في ضلال وتعب بلا طائل.
رابعاً: المَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِي، تَرْبَوِي، تَدَبُّرِي)
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تحقيق التوحيد في "الأفعال التعبدية" (الذبح، النذر، الاستغاثة). فالعبادة حقٌ مَحض لله، وصرفُ يسيرها لغير الله كصرفِ كثيرها.
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية القلب على "قطع التعلق بالخلق"؛ فإذا كان الملك المقرب والنبي المرسل لا يُدعيان، فمن دونهما من الأولياء والصالحين من باب أولى.
المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل في شمولية العبادة في المتن؛ بدأ بالدعاء وانتهى بـ "جميع أنواع العبادات" ليدل على أن الإسلام استسلام كامل لله في كل حركة وسكنة.
خامساً: شُرُوحُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ
الشيخ السعدي: [5] يُقرر أن العبادة مبنية على الحب والذل، وهما لا يجتمعان إلا لله.
الشيخ ابن عثيمين: [6] يُفصل في "اللات" مبيناً خطر الغلو في القبور، وكيف تحول الرجل الصالح إلى صنم يُعبد.
الشيخ صالح الفوزان: [7] يُشدد على أن قتال المشركين كان لاستئصال "الوسائط"، وأن مسمى (الولي) لا يُبرر دعاءه.
الشيخ صالح آل الشيخ: [8] يُحرر معنى (ليشفعوا له)، موضحاً أن المشركين لم يطلبوا من الأصنام الخلق، بل طلبوا "الجاه" والشفاعة، وهذا هو أصل ضلالهم.
الشيخ الدكتور صالح السندي (المحقق): [9] يُدقق في قاعدة (ليكون الدعاء كله لله)، موضحاً أن العبادة لا تقبل التبعيض؛ فإما أن تكون لله خالصة أو تكون شركاً.
--------&
سادساً: الحَاشِيَةُ
[1] مجموع الفتاوى، ج 15، ص 160.
[2] تفسير ابن كثير، ج 8، ص 244.
[3] مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ج 1، ص 168.
[4] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 70.
[5] تيسير الكريم الرحمن، ص 412.
[6] القول المفيد، ج 1، ص 220.
[7] إعانة المستفيد، ج 1، ص 180.
[8] شرح كشف الشبهات (محاضرات)، ص 85.
[9] التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس التاسع.
------- --------------&
[القطعة السادسة: حقيقة دعوة الرسل ومناط استباحة الدماء والأموال]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ العِبَادَاتِ [1] كُلُّهَا لِلَّهِ، وَعَرَفْتَ [2] أَنَّ إِقْرَارَهُمْ [3] بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ لَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الإِسْلَامِ [4]، وَأَنَّ قَصْدَهُمُ [5] المَلَائِكَةَ وَالأَنْبِيَاءَ وَ الأَوْلِيَاءَ [6] يُرِيدُونَ شَفَاعَتَهُمْ وَ التَّقَرُّبَ [7] إِلَى اللَّهِ بِذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَحَلَّ [8] دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ عَرَفْتَ حِينَئِذٍ التَّوْحِيدَ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ [9]، وَأَبَى عَنِ الإِقْرَارِ بِهِ المُشْرِكُونَ».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] العِبَادَاتِ: * اللغة: جمع عبادة، وهي الطاعة مع الخضوع.
الحد الجامع المانع: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة (كالجوارح) والباطنة (كأعمال القلوب).
[2] وَعَرَفْتَ: * الإعراب والربط: معطوفة على "تحققت" السابقة، وهي جواب لشرط "فإذا عرفت"، وهي تمثل نتيجة العلم اليقيني بالواقع التاريخي والشرعي لحال المشركين.
[3] إِقْرَارَهُمْ: * اللغة: من الثبات والقرار.
الحد: الاعتراف بالحق عن إذعان، والمقصود هنا اعترافهم بأن الله هو الخالق الرازق (الربوبية).
[4] الإِسْلَامِ: * اللغة: الاستسلام والانقياد.
الحد الشرعي: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلص من الشرك وأهله.
[5] قَصْدَهُمُ: * اللغة: التوجه نحو الشيء.
الحد: إرادة القلب وعزمه بتوجيه العبادة لجهة معينة؛ فالمشركون وجهوا "قصد القلوب" لغير الله طلباً للوساطة.
[6] الأَوْلِيَاءَ: * اللغة: جمع ولي، من الولي وهو القرب والدنو.
الحد الجامع المانع: كل مؤمن تقي ليس بنبي، وقد حصر المؤلف هنا الشرك فيمن اتخذهم وسائط سواء كانوا ملائكة أو أنبياء أو أولياء.
[7] التَّقَرُّبَ: * اللغة: طلب القرب والزلفى.
الحد: فعل الطاعات وتقديم القرابين لنيل المنزلة عند الله؛ والخطأ هنا أنهم جعلوا "الوسيط" هو الباب لهذا القرب.
[8] أَحَلَّ: * اللغة: أباح، وهو ضد حرّم.
الحد: صيرورة الشيء حلالاً بمقتضى حكم الشرع؛ فبسبب الشرك في الألوهية ارتفعت العصمة عن دمائهم وأموالهم.
[9] التَّوْحِيدَ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ: * هو توحيد الألوهية (توحيد القصد والطلب)، وهو إفراد الله بأفعال العباد، وهو الذي حصل فيه النزاع والخصومة.
ثالثاً: المَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِي، تَرْبَوِي، تَدَبُّرِي)
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تقرير أن الإقرار بالربوبية حجة على العبد لا نجاة فيها، وأن مناط الكفر والإيمان هو "توحيد الألوهية". واستدلالك بآية الزمر {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} يوضح أن نيتهم كانت "القربى" لكن فعلهم كان "شركاً"، فالعبرة بالحقائق لا بالمقاصد المبتدعة.
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: خطورة "الشرك في المحبة والتعظيم"؛ فتعظيم الأولياء والصالحين إذا جاوز حده المشروع أدى إلى استباحة الدماء والأموال بالشرك.
المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل في قوله (أبى عن الإقرار به المشركون)؛ فالمشرك لا يأبى الاعتراف بأن الله خالق، لكنه يأبى قول "لا إله إلا الله" بمعناها الصحيح الذي يقتضي خلع جميع الوسائط.
رابعاً: شُرُوحُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي "كَشْفِ الشُّبُهَاتِ"
1. الشيخ عبد الرحمن السعدي: [1]
يُبين أن دعوة الرسل اتفقت على "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"، وهذا هو الذي استكبر عنه المشركون، فالتوحيد ليس مجرد معرفة، بل هو انقياد وعمل.
2. الشيخ محمد بن صالح العثيمين: [2]
يُحقق أن "القصد" هو لب العبادة، ويشرح كيف أن المشركين أفسدوا دينهم باتخاذ الوسائط، مبيناً أن استباحة الدماء كانت نتيجة "الخروج من مسمى الإسلام" بترك التوحيد الذي دعت إليه الرسل.
3. الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: [3]
يُشدد على أن "الجاهلية" لم تكن خلوّاً من العبادات، بل كانت خلوّاً من "إخلاص" العبادة، وهذا الوجه من القطعة يكشف أن العداء بين الرسل وأممهم كان في "صرف العبادة" فقط.
4. الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: [4]
يُحرر مسألة (أحل دماءهم وأموالهم)، موضحاً أن هذا الحكم شرعي ترتب على نقض أصل الدين وهو التوحيد، وأن "الاعتقاد" في الأولياء هو عين ما فعله الأوائل بالملائكة.
5. الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز السندي (المحقق): [5]
يدقق في عبارة المؤلف (عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل)؛ فيجعلها "نقطة التحول" في فهم الرسالة، مبيناً أن التوحيد الذي أقر به المشركون (الربوبية) هو "توحيد خبري" لا يُنجي صاحبه، والتوحيد الذي أبوه هو "التوحيد العملي" الذي هو مقتضى "لا إله إلا الله".
------------------&
خامساً: الحَاشِيَةُ
[1] انظر: الدرة المختصرة في محاسن الدين الإسلامي، السعدي، ص 12.
[2] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 75-78.
[3] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ج 1، ص 45.
[4] شرح كشف الشبهات (دروس مفرغة)، آل الشيخ، الدرس العاشر.
[5] التحقيقات العقدية في شرح الرسائل المحمدية، صالح السندي، الدرس الحادي عشر.
------------&
[القطعة السابعة: حقيقة لا إله إلا الله وفهم الكفار لها مقابل جهل المتأخرين]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«وَهَذَا التَّوْحِيدُ هُوَ مَعْنَى قَوْلِكَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [1]؛ فَإِنَّ الإِلَهَ [2] عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي يُقْصَدُ [3] لِأَجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، سَوَاءً كَانَ مَلَكًا أَوْ نَبِيًّا أَوْ وَلِيًّا [4] أَوْ شَجَرَةً أَوْ قَبْرًا [5] أَوْ جِنِّيًّا [6]؛ لَمْ يُرِيدُوا أَنَّ الإِلَهَ هُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ المُدَبِّرُ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَدَّمْتُ لَكَ، وَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِالإِلَهِ مَا يَعْنِي المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا بِلَفْظِ السَّيِّدِ [7]. فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُمْ [8] إِلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَهِيَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، وَالمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَعْنَاهَا لَا مُجَرَّدُ لَفْظِهَا. وَالكُفَّارُ الجُهَّالُ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِـ التَّعَلُّقِ [9] بِهِ، وَ الكُفْرُ [10] بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَ البَرَاءَةُ [11] مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُمْ: قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ قَالُوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]. فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الجُهَّالَ الكُفَّارَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، فَالعَجَبُ مِمَّنْ يَدَّعِي الإِسْلَامَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مِنْ تَفْسِيرِ [12] هَذِهِ الكَلِمَةِ مَا عَرَفَهُ جُهَّالُ الكُفَّارِ! بَلْ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ التَّلَفُّظُ بِحُرُوفِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ القَلْبِ [13] لِشَيْءٍ مِنَ المَعَانِي، وَ الحَاذِقُ [14] مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَاهَا: لَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ وَلَا يُدَبِّرُ الأَمْرَ إِلَّا اللَّهُ؛ فَلَا خَيْرَ فِي رِجَالٍ جُهَّالُ الكُفَّارِ أَعْلَمُ مِنْهُمْ بِمَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ:
التدقيق والإعراب: (لا) نافية للجنس، (إله) اسمها مبني على الفتح، وخبرها محذوف تقديره "حق"، و(إلا) أداة استثناء، و(الله) لفظ الجلالة بدل من الخبر المحذوف.
المعنى: "لا معبود بحق إلا الله".
شروطها السبعة: (العلم، اليقين، القبول، الانقياد، الصدق، الإخلاص، المحبة). وزاد بعضهم الثامن وهو: الكفر بما يعبد من دون الله.
[2] الإِلَهَ:
اللغة: من "أَلَهَ، يَأْلَهُ، إِلَاهَةً" أي: عَبَدَ مَعَ المَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ. وقيل أصلها من "وَلَهَ" أي تحيّر.
الحد الجامع المانع: هو المعبود الذي تألهه القلوب وتحبه وتعظمه وتخضع له.
[3] يُقْصَدُ:
اللغة: من القصد وهو التوجه والنيّة.
الحد: توجيه العمل والطلب والالتجاء القلبي والمادي لجهة معينة لنوال نفع أو دفع ضر.
[4] وَلِيًّا:
اللغة: من الولي وهو القرب.
الحد: المؤمن التقي الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً في استقلال الطلب.
[5] قَبْرًا:
اللغة: مدفن الميت.
الحد: المكان الذي يُوارى فيه الجسد، وصرفه إلهاً يكون بدعاء صاحبه أو الذبح عنده.
[6] جِنِّيًّا:
اللغة: من الاجتنان وهو الاستتار.
الحد: خلق من خلق الله، مكلفون، مستترون عن حواس البشر، لا يملكون من الأمر شيئاً.
[7] السَّيِّدِ:
اللغة: من له السيادة والرياسة.
التحقيق: المشركون في زمان المؤلف استخدموا لفظ "السيد" على الولي ليقصدوا به ما كان يقصده المشركون الأوائل بلفظ "الإله"، أي صاحب "السر" والتأثير.
[8] يَدْعُوهُمْ:
اللغة: يطلب منهم النداء والإجابة.
الدليل: حديث معاذ بن جبل لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فقال: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله..." [أخرجه البخاري (1395) ومسلم (19)].
[9] التَّعَلُّقِ:
الحد: ارتباط القلب بالله وحده رغبةً ورهبةً وتوكلاً، وانقطاع طمعه عما سواه.
[10] الكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ:
الحد: جحد عبادة غير الله وبغضها وتكفير أهلها واعتقاد بطلانها.
[11] البَرَاءَةُ:
اللغة: التباعد والتخلص.
الحد: انقطاع الصلة القلبية والعملية بالأوثان وعُبادها.
[12] تَفْسِيرِ:
اللغة: الإيضاح والبيان.
الحد: كشف المعنى المراد من اللفظ وإزال الخفاء عنه.
[13] اعْتِقَادِ القَلْبِ:
الحد: جزم القلب الثابت الذي لا يتطرق إليه شك بمقتضى الكلمة.
[14] الحَاذِقُ:
اللغة: الماهر البصير بالشيء.
الحد: من يُظن فيه الفطنة والعلم من بين المتكلمين أو المنتسبين للعلم وهو في الحقيقة جاهل بأصل التوحيد.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ (آيَةُ ص)
آية {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}:
التفسير اللغوي: (أجعل) همزة استفهام إنكاري، (عجاب) صيغة مبالغة من العجب، وهو الأمر الخارج عن المألوف عندهم.
المفسرون:
ابن تيمية: [1] يوضح أن الكفار فهموا أن "لا إله إلا الله" تقتضي هدم عبادة كل ما سوى الله، لذا استنكروها، بينما المتأخرون يقولونها ويبقون على عبادة القبور.
ابن كثير: [2] يذكر أنهم تعجبوا من انفراد الله بالعبادة وهم قد ألفوا الوسائط والشفعاء.
محمد بن عبد الوهاب: [3] جعل هذه الآية فيصل الحق؛ فلو كان معناها "لا خالق إلا الله" لما استنكرها الكفار لأنهم مقرون بالخالق الواحد أصلاً.
ابن عثيمين: [4] يُبين أن الكفار كانوا "أفصح" لسانًا وأعرف باللغة من أهل الكلام، فعرفوا أن "إله" تنفي القصد لغير الله.
رابعاً: تَحْرِيرُ مَعْنَى (لا إله إلا الله) عِنْدَ الطَّوَائِفِ
أهل السنة والجماعة: لا معبود بحق إلا الله (إفراد الله بالألوهية).
الأشاعرة والماتريدية: لا قادر على الاختراع إلا الله (حصروها في توحيد الربوبية).
الفلاسفة: المحرك الأول أو الوجود المطلق بشرط الإطلاق (تعطيل الصفات).
الجهمية: هي مجرد المعرفة، وينكرون الأسماء والصفات (تعطيل محض).
المعتزلة: ينزهون الله عن الصفات بزعم "التوحيد"، فيجعلونها "لا قديم إلا الله" مع نفي الصفات.
الخوارج: يركزون على "الحاكمية" كأصل للكلمة، ويغفلون عن شرك القبور.
خامساً: شُرُوحُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ
الشيخ السعدي: [5] يُقرر أن معرفة "المعنى" هي روح الكلمة، وبدونها تكون جثة بلا روح.
الشيخ ابن عثيمين: [6] يُبين أن "الحاذق" عند المتأخرين هو "الجاهل" حقيقةً لأنه فسر الإله بالقدرة على الخلق، وهذا لم ينازع فيه أبو جهل.
الشيخ صالح الفوزان: [7] يُشدد على أن "لا إله إلا الله" نفي وإثبات؛ كفر بالطاغوت وإيمان بالله، ومن لم يكفر بالطاغوت (القبور) لم يأتِ بالتوحيد.
الشيخ صالح آل الشيخ: [8] يُحرر أن لفظ "السيد" في زمانه صار مرادفاً للإله الذي يُدعى ويُرجى، فالعبرة بالمعاني لا بالمباني.
الشيخ الدكتور صالح السندي (المحقق): [9] يُدقق في قوله (لا خير في رجال جهال الكفار أعلم منهم)؛ مبيناً أنها عبارة قاسية يراد بها التوبيخ الشديد لمن ترك الوحي واتبع علم الكلام، فصار مشركو العرب أدرك بلسانهم منه.
--------------------&
سادساً: الحَاشِيَةُ العِلْمِيَّةُ
[1] مجموع الفتاوى، ج 3، ص 105.
[2] تفسير ابن كثير، ج 7، ص 53.
[3] كتاب التوحيد، باب معنى لا إله إلا الله.
[4] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 85.
[5] تيسير الكريم الرحمن، ص 712.
[6] القول المفيد، ج 1، ص 40.
[7] إعانة المستفيد، ج 1، ص 55.
[8] شرح كشف الشبهات، ص 110.
[9] التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس الثاني عشر.
------------------&
[القطعة الثامنة: ثمرات المعرفة وخطر الجهل وحكم العذر بالجهل]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«إِذَا عَرَفْتَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مَعْرِفَةَ [1] قَلْبٍ [2]، وَعَرَفْتَ الشِّرْكَ [3] بِاللَّهِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48].
وَعَرَفْتَ دِينَ اللَّهِ [4] الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، الَّذِي لَا يَقْبَلُ [5] اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ دِينًا سِوَاهُ، وَعَرَفْتَ مَا أَصْبَحَ غَالِبُ النَّاسِ فِيهِ مِنَ الجَهْلِ بِهَذَا؛ أَفَادَكَ ذَلِكَ فَائِدَتَيْنِ:
الأُولَى: الفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
وَالثَّانِيَةُ: الخَوْفُ العَظِيمُ؛ فَإِنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الإِنْسَانَ يَكْفُرُ بِكَلِمَةٍ يُخْرِجُهَا مِنْ لِسَانِهِ، وَقَدْ يَقُولُهَا وَهُوَ جَاهِلٌ، فَلَا يُعْذَرُ بِالجَهْلِ».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] مَعْرِفَةَ: * اللغة: إدراك الشيء على ما هو عليه. * الحد: الجزم المطابق للواقع عن دليل، والمقصود هنا تجاوز مجرد التصور إلى التصديق والعمل.
[2] قَلْبٍ: * اللغة: العضو العضلي، ويطلق على محل العقل والبصيرة. * الحد: إضافة المعرفة للقلب تدل على "الاعتقاد الجازم" الذي لا يخالطه شك، بخلاف معرفة اللسان.
[3] الشِّرْكَ: * اللغة: المساواة والخلط. * الحد: مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، وأعظمه شرك الألوهية بصرف العبادة لغيره.
[4] دِينَ اللَّهِ: * اللغة: الانقياد والذل. * الحد: هو الإسلام الذي هو استسلام لله بالتوحيد وانقياد له بالطاعة، وهو دين جميع الأنبياء.
[5] لَا يَقْبَلُ: * اللغة: نفي الرضا والإثابة. * الحد: عدم الاعتداد بالعمل وكونه مردوداً على صاحبه إذا خالف التوحيد أو المتابعة.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ لِلآيَاتِ (بِالنَّصِّ الكَامِلِ)
1. آية النساء {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ...}:
تفسير المفسرين (ابن تيمية وابن كثير): يقررون أن الشرك هو الذنب الوحيد الذي لا يدخل تحت المشيئة إذا مات صاحبه عليه، بينما ما دون الشرك من الكبائر تحت مشيئة الله؛ إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه.
الاستنباط: هذا يوجب الحذر الشديد من الوقوع في الشرك لبشاعة عاقبته.
2. آية يونس {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا...}:
تفسير المفسرين: الفضل هو الإسلام والقرآن، والرحمة هي الهداية للتوحيد.
الاستنباط: الفرح الحقيقي هو الفرح بالنجاة من الشرك، وهو خير من حطام الدنيا وما يجمعه الناس من أموال.
رابعاً: تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ "العُذْرِ بِالجَهْلِ" وَأَصْنَافِ الأَعْدَاءِ
بناءً على ما ذكرتَ يا أبا أنس من استدراك فقهي هام على عبارة الشيخ، فالتفصيل المحقق عند العلماء هو:
1. تحرير عبارة الشيخ (لا يعذر بالجهل):
المقصود بها من فَرَّط في طلب العلم وأعرض عن سماع الحق وهو بين ظهراني المسلمين، فهذا جهله "إعراض وتفريط" وليس "عجزاً".
الشيخ لا يكفر إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله تعالى في الاستشهاد: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
2. أصناف الأعداء المعرفين (التحقيق الخماسي):
النوع الأول: عرف التوحيد والشرك، لكنه لم يلتفت للتوحيد تعلماً ولا عملاً، ولم يترك الشرك؛ فهذا كافر معاند.
النوع الثاني: عرف التوحيد وسبَّ دين الرسول، ومدح عُبَّاد القبور (كيوسف والاشقر والخضر)؛ فهذا أشد كفراً، وفيه نزل قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89].
النوع الثالث: عرف التوحيد واتبعه، وعرف الشرك وتركه، لكنه يكره الموحدين ويحب المشركين؛ فهذا كافر، وفيه قوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرَهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].
النوع الرابع: سلم من ذلك كله، لكنه جامل أهل بلده المشركين وقاتل معهم بماله ونفسه خشية فراق الوطن؛ فهذا حكمه حكمهم في الظاهر.
خامساً: شُرُوحُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ
الشيخ السعدي: [1] يُبين أن "المعرفة بالقلب" هي التي تُثمر الخشية، وأن مجرد العلم النظري قد يكون حجة على صاحبه.
الشيخ ابن عثيمين: [2] يُفصل في الفائدتين؛ مبيناً أن الفرح بالهداية يدفع الكبر، والخوف من الزيغ يدفع الغرور.
الشيخ صالح الفوزان: [3] يُشدد على أن قوله "يكفر بكلمة" إشارة إلى حديث "إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً".
الشيخ صالح آل الشيخ: [4] يحرر مسألة الجهل في كلام الشيخ، مبيناً أن دعوة الشيخ قامت على "البيان والتعريف" قبل الأحكام.
الشيخ الدكتور صالح السندي (المحقق): [5] يدقق في ربط "الفرح" بـ "الخوف"؛ مبيناً أن السير إلى الله يكون بين هذين الجناحين، فالفرح للهداية والخوف من الغواية بعد الهداية.
-----------------&
سادساً: الحَاشِيَةُ
[1] تيسير الكريم الرحمن، تفسير سورة النساء، ص 182.
[2] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 90-95.
[3] إعانة المستفيد، الفوزان، ج 1، ص 70.
[4] شرح كشف الشبهات (دروس)، آل الشيخ، الدرس الثالث عشر.
[5] التحقيقات العقدية، صالح السندي، شرح القطعة الثامنة.
--------------&
[تتمة القطعة الثامنة: تحرير مذهب الشيخ في العذر بالجهل ودحض فرية التكفير]
أولاً: نُصوص الشيخ في "العُذر بالجهل" وعدم التكفير بالمطلق
إن المتأمل في رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشخصية يجد نصوع مذهبه في عدم تكفير من لم تقم عليه الحجة، ومن ذلك قوله:
قوله في رسالته لأهل القصيم: «وأما ما ذكر الأعداء عني: أني أكفر بالظن، أو بالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله». [1]
قوله في عدم تكفير عُبّاد القبور قبل البيان: «إنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر البدوي، أو الصنم الذي على قبر الكواز وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من ينبههم». [2]
الضابط عند الشيخ: هو "بُلوغ الحجة" التي يكفر جاحدها، أما قبل البلاغ والبيان فلا تكفير.
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ فِي مَعْنَى "لَا يُعْذَرُ بِالجَهْلِ" فِي المَتْنِ
إن قول المؤلف في المتن «وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل» يجب فَهْمه في سياق "الجهل الذي سببه الإعراض"، وهو ما يُسمى عند الأصوليين (الجهل غير المعذور)؛ وهو الذي يتمكن صاحبه من رفعه بسؤال أهل الذكر أو سماع الوحي لكنه يترفع أو يتكاسل، فهذا مُفرّط وليس عاجزاً.
ثالثاً: أقوال العلماء المحققين حول هذه المسألة
1. الإمام السعدي: [3]
يقرر أن "قيام الحجة" شرط لحصول الوعيد، وأن الله لا يعذب حتى يبعث رسولاً، مبيناً أن دعوة الشيخ كانت دعوة "إرشاد وتنبيه" قبل أن تكون دعوة "إنكار ومقاتلة".
2. الإمام ابن عثيمين: [4]
يُفصّل تفصيلاً دقيقاً في شرحه؛ فيقول إن الجهل نوعان: جهل لا يمكن دفعه (كعيسى في بادية بعيدة) فهذا معذور، وجهل يمكن دفعه (كمن يعيش بين المسلمين ويسمع القرآن) فهذا لا يُعذر بإعراضه. ويؤكد أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب من أشد الناس احتياطاً في دماء المسلمين وتكفيرهم.
3. الشيخ صالح الفوزان: [5]
يذكر أن تكفير الشيخ لمن عرف الحق وتركه هو المحل الذي لا يُعذر فيه أحد، أما الجهال العوام فمذهب الشيخ هو تعريفهم ودعوتهم، وأن القتال إنما وقع على "العناد" لا على مجرد "الجهل".
4. الشيخ صالح آل الشيخ: [6]
يوضح في شرحه أن الشيخ رحمه الله يفرق بين "أصل الدين" الذي لا يعذر فيه بالجهل في بلاد المسلمين لانتشاره، وبين "المسائل الخفية". ويبين أن مراد الشيخ في "كشف الشبهات" هو الخوف من "كلمة الكفر" التي تخرج بتهاون، لا تكفير الجاهل المستضعف.
5. الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز السندي (المحقق): [7]
يُحرر القاعدة العقدية قائلاً: «التكفير عند أئمة الدعوة هو حُكم شرعي يُبنى على اليقين، واليقين لا يزول بالشك، والجهل مانع من موانع التكفير حتى تتبين الحجة الرسالية». ويدلل على ذلك بنصوص الشيخ التي تنفي تكفيره لمن يعبد القبور جهلاً قبل التعريف.
-----------------&
رابعاً: الحَاشِيَةُ
[1] الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ج 1، ص 34.
[2] الدرر السنية، ج 1، ص 104؛ وانظر أيضاً: مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ج 5، ص 25.
[3] انظر: تنبيه الأفطانيين بشرح رسالة التوحيد، السعدي، ص 45.
[4] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 94-96 (طبعة مدار الوطن).
[5] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ج 1، ص 75.
[6] شرح كشف الشبهات، صالح آل الشيخ (درس مفرغ)، اللقاء الثالث عشر.
[7] التحقيقات العقدية في شرح الرسائل المحمدية، صالح السندي، ص 112 (شرح كشف الشبهات).
-----------------------------&
[القطعة التاسعة: قصة قوم موسى وعظم الخوف من الشرك الخفي]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«وَقَدْ يَقُولُهَا وَهُوَ يَظُنُّ [1] أَنَّهَا تُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ كَمَا كَانَ ظَنُّ المُشْرِكِينَ، خُصُوصًا إِنْ أَلْهَمَكَ اللَّهُ مَا قَصَّ عَنْ قَوْمِ مُوسَى [2] مَعَ صَلَاحِهِمْ [3] وَ عِلْمِهِمْ [4] أَنَّهُمْ أَتَوْهُ قَائِلِينَ: {اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138]. فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ خَوْفُكَ وَحِرْصُكَ عَلَى مَا يُخَلِّصُكَ مِنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] يَظُنُّ:
اللغة: الظن هو الطرف الراجح من الاعتقاد، وقد يأتي بمعنى اليقين، لكنه هنا بمعنى "الحسبان الوهمي".
الحد: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع مع اعتقاد نفع ذلك.
[2] قَوْمُ مُوسَى:
الحد: هم بنو إسرائيل الذين نجاهم الله مع موسى عليه السلام من فرعون، ورأوا من الآيات والعجائب ما لم يره غيرهم.
[3] صَلَاحِهِمْ:
اللغة: الصلاح ضد الفساد.
الحد: قيامهم بحقوق الله وخروجهم من مسمى الكفر بمتابعة موسى عليه السلام، فكانوا مؤمنين موحدين في الجملة.
[4] عِلْمِهِمْ:
الحد: إدراكهم لرسالة موسى وما جاء به من التوراة والآيات البينات، ومع ذلك لم يعصمهم هذا العلم من طلب "اتخاذ الإله" لجهلهم بتفاصيل التوحيد.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ اللغَوِيِّ وَالخُمَاسِيِّ لِلآيَةِ
آية الأعراف {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}
التفسير اللغوي: (يعكفون) العكوف هو الملازمة للشيء حبساً للنفس عليه تعظيماً. (إلهاً) أي معبوداً ظاهراً نتخذه وسيلة وقبلة.
المفسرون:
ابن تيمية: [1] يُبين أن هؤلاء لم يريدوا تغيير ربهم الخالق، وإنما أرادوا اتخاذ "وثن" يتقربون به إلى الله، فظنوا أن هذا لا ينافي أصل إيمانهم بموسى.
ابن كثير: [2] يذكر أنهم سألوا ذلك لجهلهم، فبين لهم موسى أن هذا هو عين الشرك الذي بسببه يُدمر الله الأمم.
محمد بن عبد الوهاب: [3] استنبط من هذه الآية أن الإنسان قد يقع في الشرك وهو لا يدري، وأن العلم العام لا يغني عن تفاصيل التوحيد.
ابن عثيمين: [4] يحرر قوله {إنكم قوم تجهلون}؛ أي تجهلون عظمة الله وما يجب له من الانفراد بالعبادة، ففسر الجهل هنا بمقابلة التوحيد.
السعدي: [5] يوضح أن رؤية الشيء المستحسن عند الكفار قد يجر القلوب الضعيفة للمحاكاة، وهذا هو مكمن الخطر.
رابعاً: المَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِي، تَرْبَوِي، تَدَبُّرِي)
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: (قاعدة): العلمُ بخصائصِ الربوبيةِ لا يَعصمُ من الوقوعِ في شركِ الألوهية. وقع المتكلمون في ضلالة كبرى حين فسروا "الإله" بـ "القادر على الاختراع"، وهذا هو عين الجهل الذي حذر منه موسى قومه؛ فالإله هو "المألوه" المعبود، وليس مجرد الخالق.
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية النفس على "الافتقار للعلم"؛ فإذا كان قوم موسى -وهم من هم في الفضل- سألوا الشرك، فكيف يأمن الإنسان على نفسه؟
المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل في سرعة تبدل الحال؛ نجاهم الله من البحر للتو، ثم رأوا أصناماً فاشتهوا مثلها! وهذا يدل على أن الشبهة "خُطّافة" وأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن.
------------------&
خامساً: شُرُوحُ
1. الشيخ السعدي: [6] يُركز على أن طلبهم كان طلباً لـ "وسيلة" تُعبد، فأنكر عليهم موسى أصل الفعل.
2. الشيخ ابن عثيمين: [7] يُفصل في خطأ المتكلمين الذين جعلوا توحيد الربوبية هو الغاية، مبيناً أن هذا التفسير "لا قادر على الاختراع" هو الذي أعمى الناس عن حقيقة الشرك في زماننا.
3. الشيخ صالح الفوزان: [8] يُشدد على أن العلم والصلاح لا يشفعان لصاحبهما إذا وقع في الشرك بجهله، وأن الواجب هو تعلم التوحيد بالتفصيل.
4. الشيخ صالح آل الشيخ: [9] يحرر أن قوم موسى لم يكفروا بهذا الطلب لأنهم لم يفعلوه وإنما سألوا، فبين لهم موسى الحكم فاستجابوا، وهذا فرق بين الجاهل المسترشد والمعاند.
5. الشيخ الدكتور صالح السندي (المحقق): [10] يدقق في قوله (فحينئذ يعظم خوفك)؛ مبيناً أن الخوف هنا هو "المحرك للتعلم"، فمن خاف الغرق تعلم السباحة، ومن خاف الشرك تعلم التوحيد.
-----------------&
سادساً: الحَاشِيَةُ
[1] اقتضاء الصراط المستقيم، ج 2، ص 120.
[2] تفسير ابن كثير، ج 3، ص 472.
[3] كتاب التوحيد، باب (من تبرك بشجرة أو حجر).
[4] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 105.
[5] تيسير الكريم الرحمن، ص 302.
[6] المرجع السابق.
[7] القول المفيد، ج 1، ص 42.
[8] إعانة المستفيد، ج 1، ص 120.
[9] شرح كشف الشبهات، ص 140.
[10] التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس الرابع عشر.
-------------------&
[القطعة العاشرة: سُنّة المدافعة وضرورة التسلح بالعلم]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ [1] لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا بِهَذَا التَّوْحِيدِ إِلَّا جَعَلَ لَهُ أَعْدَاءً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112].
وَقَدْ يَكُونُ لِأَعْدَاءِ التَّوْحِيدِ عُلُومٌ كَثِيرَةٌ وَكُتُبٌ وَ حُجَجٌ [2]، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83].
إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ، وَعَرَفْتَ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى اللَّهِ لَابُدَّ لَهُ مِنْ أَعْدَاءٍ قَاعِدِينَ عَلَيْهِ، أَهْلِ فَصَاحَةٍ وَعِلْمٍ وَحُجَجٍ؛ فَـ الوَاجِبُ [3] عَلَيْكَ أَنْ تَتَعَلَّمَ مِنْ دِينِ اللَّهِ مَا يَصِيرُ لَكَ سِلَاحًا تُقَاتِلُ بِهِ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينَ، الَّذِينَ قَالَ إِمَامُهُمْ وَمُقَدَّمُهُمْ لِرَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 16-17]».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] حِكْمَتِهِ:
اللغة: من "الحَكَمَة" وهي ما يوضع في فم الفرس لإحكامه ومنعه من الجموح.
الحد: وضع الشيء في موضعه اللائق به بصواب القصد وفعل ما ينبغي.
أنواعها: (حكمة قدَرية كونية: ومنها جعل الأعداء للأنبياء تمحيصاً)، و(حكمة شرعية: وهي ما أنزله الله من الأحكام).
[2] حُجَجٌ:
اللغة: جمع حجة، وهي الدليل والبرهان، من "الحج" وهو القصد المتكرر.
الحد: ما يُدلى به لإثبات دعوى أو دحض أخرى، وقد تسمى الشبهة حجة في لسان المبطلين تجوزاً.
[3] الوَاجِبُ:
اللغة: الساقط والثابت، من "وجبت الشمس" أي غابت وسقطت.
الحد (الأصولي): ما أمر به الشارع على وجه الإلزام، بحيث يثاب فاعله امتثالاً ويستحق العقاب تاركه.
الحد (الشرعي هنا): هو وجوب عيني على الموحد أن يتعلم من العلم ما يدفع به الشبهات عن دينه.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ اللغَوِيِّ وَالخُمَاسِيِّ لِلآيَاتِ
1. آية الأنعام {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا...}
التفسير اللغوي: (شياطين) من "شطن" إذا بعد عن الحق، (يوحي) إلقاء الخفي بسرعة، (زخرف القول) القول المزين المموه الذي باطنه باطل وظاهره حق، (غروراً) خداعاً.
المفسرون:
ابن تيمية: [1] يُبين أن الله جعل لكل نبي عدواً ليقوم سوق الجهاد بالعلم والسنان، ولتظهر حجج الله على شبهات المبطلين.
ابن كثير: [2] أي كما جعلنا لك أعداءً يا محمد، جعلنا لمن قبلك من الرسل، فلا يحزنك ذلك.
محمد بن عبد الوهاب: [3] استنبط أن أعداء التوحيد ليسوا جهلة دائماً، بل قد يكونون أهل منطق وفصاحة وكتب.
ابن عثيمين: [4] يوضح أن "زخرف القول" هو الذي يروج على الجهال، فإذا جردت القول من زخرفه بان بطلانه.
2. آية غافر {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ...}
التفسير اللغوي: (البينات) الآيات الواضحة، (فرحوا) فرح كبر وبطر، (بما عندهم من العلم) أي علوم الدنيا أو الفلسفة والمنطق التي ظنوها تغنيهم عن الوحي.
المفسرون: أجمعوا (ابن كثير والسعدي) على أن أعداء الرسل عارضوا الوحي بعلومهم العقلية المنحرفة، فكان علمهم وبالاً عليهم.
3. آية الأعراف {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ...}
التفسير اللغوي: (لأقعدن) القعود الملازم، (بين أيديهم) أمور الدنيا، (خلفهم) أمور الآخرة، (أيمانهم) الحسنات والتشكيك فيها، (شمائلهم) السيئات وتزيينها.
المفسرون: يقررون أن الشيطان لا يترك طريقاً يوصل إلى الله إلا وقعد فيه ليصد الناس عنه بشتى الوسائل.
رابعاً: مَسَالِكُ التَّحْرِيرِ (عَقَدِي، تَرْبَوِي، تَدَبُّرِي)
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تقرير أن الصراع بين التوحيد والشرك هو صراع "حجج وعلوم"؛ ففرق الضلال (كالأشاعرة والمعتزلة والجهمية) لديهم كتب ومجلدات ومنطق، فلا بد للموحد من "سلاح العلم" المتصل بالوحي لكسر هذه الدروع الكلامية.
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية الموحد على عدم "الانبهار" بفصاحة المبطلين؛ فالفصاحة بلا توحيد هي "زخرف" لا حقيقة له.
المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل في وصف الله لقولهم بـ (الزخرف)؛ والزخرف شيء خارجي يُغطى به المعدن الرخيص، فكذلك الشبهة، ظاهرها منطق وباطنها جهل.
خامساً: شُرُوحُ
الشيخ السعدي: [5] يُبين أن العلم النافع هو السلاح الذي لا يُفل، وأن من أقبل على الله بصبر ويقين لم تضره شبهات أهل الباطل.
الشيخ ابن عثيمين: [6] يُدقق في قوله (علوم كثيرة)؛ مبيناً أنها علوم "ضارة" في ميزان الشرع وإن كانت "دقيقة" في ميزان العقل المادي.
الشيخ صالح الفوزان: [7] يُشدد على أن أعداء التوحيد اليوم لديهم قنوات وصحف وجامعات (زخرف القول)، فمن لم يتعلم التوحيد بالدليل خُطف في أول شبهة.
الشيخ صالح آل الشيخ: [8] يوضح أن "الصراط المستقيم" الذي قعد عليه إبليس هو "التوحيد"، وما دونه من السبل لا يهمه القعود عليها كثيراً.
الشيخ الدكتور صالح السندي (المحقق): [9] يدقق في قوله (ما يصير لك سلاحاً)؛ مبيناً أن العلم بالله وبأسمائه وصفاته هو أقوى سلاح يواجه به الموحد شياطين الإنس والجن.
-----------------&
سادساً: الحَاشِيَةُ
[1] مجموع الفتاوى، ج 13، ص 180.
[2] تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 326.
[3] مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ج 1، ص 175.
[4] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 115-120.
[5] تيسير الكريم الرحمن، ص 271.
[6] المرجع السابق (ابن عثيمين).
[7] إعانة المستفيد، ج 1، ص 135.
[8] شرح كشف الشبهات (محاضرات)، ص 155.
[9] التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس الخامس عشر.
---------------------&
[القطعة الحادية عشرة: غلبة جند الله بالحجة والسنان وخطر العزلة عن العلم]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«وَلَكِنْ إِذَا أَقْبَلْتَ [1] عَلَى اللَّهِ وَ أَصْغَيْتَ [2] إِلَى حُجَجِهِ وَبَيِّنَاتِهِ [3]؛ فَلَا تَخَفْ [4] وَلَا تَحْزَنْ [5]؛ {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76].
وَ العَامِّيُّ مِنَ المُوَحِّدِينَ [6] يَغْلَبُ أَلْفًا مِنْ عُلَمَاءِ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173]؛ فَجُنْدُ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ بِـ الحُجَّةِ وَاللِّسَانِ [7]، كَمَا أَنَّهُمُ الغَالِبُونَ بِـ السَّيْفِ وَالسِّنَانِ [8]. وَإِنَّمَا الخَوْفُ عَلَى المُوَحِّدِ الَّذِي يَسْلُكُ الطَّرِيقَ وَلَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ [9]».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] أَقْبَلْتَ:
اللغة: التوجه بالوجه والبدن نحو الشيء، وهو ضد الإدبار.
الحد: إخلاص القصد لله والإنابة إليه بترك التفات القلب لغيره.
[2] أَصْغَيْتَ:
اللغة: أملت سمعك، ومنه "صغت القلوب" أي مالت.
الحد: إلقاء السمع وحضور القلب لتدبر كلام الله وحججه بترك الشواغل والاعتراضات.
[3] حُجَجِهِ وَبَيِّنَاتِهِ:
الحد: الحجج هي البراهين القاطعة، والبينات هي الآيات الواضحات التي لا لبس فيها، والمقصود "الوحي المعصوم".
[4] لَا تَخَفْ:
اللغة: الخوف توقع مكروه في المستقبل.
الحد: النهي هنا عن هيبة أعداء الله وتعاظم حججهم في صدر الموحد.
[5] لَا تَحْزَنْ:
اللغة: غم يلحق الإنسان من فوات مطلوب أو وقوع مكروه في الماضي.
الحد: اليقين بأن العاقبة للمتقين فلا يأس ولا قنوط.
[6] العَامِّيُّ مِنَ المُوَحِّدِينَ:
اللغة: العامي منسوب للعامة، وهم خلاف الخاصة.
الحد الجامع المانع: هو الموحد المقر بالأنواع الثلاثة (الربوبية، الألوهية، الأسماء والصفات) الذي يملك أصل الحجة الفطرية والشرعية، وإن لم يتفنن في علوم الآلة والمنطق.
[7] الحُجَّةِ وَاللِّسَانِ:
الحد: الجهاد القولي بالدليل والبرهان وإيضاح الحق ودحض الشبهة.
[8] السَّيْفِ وَالسِّنَانِ:
اللغة: السنان هو نصل الرمح.
الحد: الجهاد البدني والقتال في سبيل الله لإعلاء كلمته.
[9] سِلَاحٌ:
اللغة: ما يقاتل به من حديد ونحوه.
الحد الشرعي: هو "العلم" الذي يذود به الموحد عن دينه ويرد به الشبهات.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ اللَّغَوِيِّ وَالخُمَاسِيِّ لِلآيَاتِ
1. آية النساء {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}
التفسير اللغوي: (أولياء) من يتولونه ويتبعونه، (كيد) المكر في خفاء، (ضعيفاً) لا يقوى على صدم الحجة اليقينية.
المفسرون:
ابن تيمية: [1] يقرر في "الدرء" أن كيد الشيطان بالقياسات الفاسدة يتهافت أمام النصوص الصحيحة، فكل حجة يأت بها المبطل هي عليه لا له.
ابن كثير: [2] أمر الله بقتالهم ووعد بضعف كيدهم؛ فالمؤمن مستند إلى القوي، والكافر مستند إلى الضعيف.
محمد بن عبد الوهاب: [3] استنبط أن ضعف الكيد يشمل الشبهات، فهي زجاجية تنكسر بأدنى حجر من الحق.
ابن عثيمين: [4] يوضح أن الشيطان يزين الباطل (زخرف القول) ليظهر قوياً، فإذا صدمه الموحد بالوحي استبان هوانه.
2. آية الصافات {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}
التفسير اللغوي: (جندنا) أعوان الدين المخلصين، (الغالبون) القاهرون بالحجة أو السيف.
المفسرون: يؤكدون (السعدي وآل الشيخ) أن الغلبة بالحجة دائمة لجند الله، والغلبة بالسيف قد تدال لحكمة، لكن النصر النهائي للمتقين.
رابعاً: المَسَالِكُ التَّحْرِيرِيَّةُ (تَفْنِيدُ خُرَافَاتِ الأَقْطَابِ وَتَقْرِيرُ السِّلاحِ)
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: كشف زيف مشركي الزمان من القائلين بـ (الأقطاب الخمسة، والأوتاد، وأميرة الديوان السيدة زينب)؛ فهؤلاء يزعمون تصرفاً خفياً في الكون، وهو شرك في الربوبية أشنع من شرك الجاهلية، فالعامي الموحد الذي يعرف أن الله وحده هو "المدبر" يغلب زيف هؤلاء بكلمة "لا إله إلا الله".
المَسْلَكُ العِلْمِيُّ (قاعدة الدرء): كما نقلتَ عن شيخ الإسلام في "درء تعارض العقل والنقل"؛ أن المبطل لا يحتج بحجة صحيحة إلا كانت حجة عليه، كمن يريد كسر الحجر بالزجاج، فيكون الكسر في الكأس والكسير في اليد.
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: ضرورة "التسلح" قبل "الاقتحام"؛ فالموحد بلا علم كالمقاتل بلا سيف، يخشى عليه من ضياع حجته وهلاك نفسه أمام شبهات المنطقيين والمتكلمين.
خامساً: شُرُوحُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ
الشيخ السعدي: [5] يُبين أن "العامي" الموحد معه "الحق" والحق معه القوة، بينما "العالم" المشرك معه "الباطل" والباطل ضعيف مهزوم وإن زخرفه.
الشيخ ابن عثيمين: [6] يُفصل في "جهاد المنافقين" بالحجة والبيان، مبيناً أن العلم الشرعي هو السلاح الذي يُفشل مؤامرات الأفكار والاقتصاد والسلاح.
الشيخ صالح الفوزان: [7] يُشدد على أن "الحاذق" في الباطل جاهل في التوحيد، وأن العامي الذي فطر على التوحيد أصوب منه حكماً وأسد حجة.
الشيخ صالح آل الشيخ: [8] يحرر معنى (إثبات دليل قوله وإبطال دليل خصمه)، مبيناً أن هذه هي آلة المناظرة التي يجب أن يتعلمها الموحد.
الشيخ الدكتور صالح السندي (المحقق): [9] يدقق في قوله (يسلك الطريق وليس معه سلاح)؛ مبيناً أن السلامة في العلم، وأن العلم بالأنواع الثلاثة للتوحيد هو الذي يجعل الموحد يغلب الفاً من شياطين الإنس.
---------------------&
سادساً: الحَاشِيَةُ
[1] درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ج 1، ص 155.
[2] تفسير القرآن العظيم، ج 2، ص 350.
[3] مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ج 1، ص 180.
[4] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 125-130.
[5] تيسير الكريم الرحمن، ص 709.
[6] القول المفيد على كتاب التوحيد، ج 2، ص 210.
[7] إعانة المستفيد، ج 1، ص 150.
[8] شرح كشف الشبهات، ص 165.
[9] التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس السادس عشر.
-----------------&
[القطعة الثانية عشرة: كفاية القرآن ومنهج الرد بالمجمل والمفصل]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«وَقَدْ مَنَّ [1] اللَّهُ عَلَيْنَا بِـ كِتَابِهِ [2] الَّذِي جَعَلَهُ: {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]. فَلَا يَأْتِي صَاحِبُ بَاطِلٍ بِحُجَّةٍ إِلَّا وَفِي القُرْآنِ مَا يَنْقُضُهَا [3] وَيُبَيِّنُ بُطْلَانَهَا [4]، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33]. قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ [5]: هَذِهِ الآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ حُجَّةٍ يَأْتِي بِهَا أَهْلُ البَاطِلِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
وَأَنَا أَذْكُرُ لَكَ أَشْيَاءَ مِمَّا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ جَوَابًا لِكَلَامٍ احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا عَلَيْنَا، فَنَقُولُ: جَوَابُ أَهْلِ البَاطِلِ مِنْ طَرِيقَيْنِ: مُجْمَلٍ [6] وَ مُفَصَّلٍ [7].
أَمَّا المُجْمَلُ: فَهُوَ الأَمْرُ العَظِيمُ وَ الفَائِدَةُ الكَبِيرَةُ [8] لِمَنْ عَقَلَهَا [9]، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۖ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
وَقَدْ صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ»».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] مَنَّ: * اللغة: الإنعام والإحسان، وتأتي بمعنى القوة والقطع. * الحد: إيصال النعمة العظيمة التي لا يستطيع العبد جزاءها، وأعظمها إنزال الوحي.
[2] كِتَابِهِ: * الحد: القرآن الكريم، كلام الله المنزل على محمد ﷺ، المتعبد بتلاوته، المعجز بلفظه ومعناه.
[3] يَنْقُضُهَا: * اللغة: إفساد ما أُحكم من بناء أو عقد. * الحد: إبطال الشبهة من أساسها وهدم أركانها بالدليل القاطع.
[4] بُطْلَانَهَا: * اللغة: الذهاب والضياع، عكس الحق. * الحد: فساد الحجة لعدم مطابقتها للواقع أو لفساد الاستدلال.
[5] بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: * المقصود بهم أئمة التفسير كابن جرير الطبري وابن كثير، والشيخ محمد بن عبد الوهاب هنا يشير لعموم اللفظ وقوته.
[6] مُجْمَلٍ: * اللغة: المجموع والمجموع المحصل. * الحد: الجواب الكلي الذي يصلح لرد جميع الشبهات بضربة واحدة، وهو رد المتشابه إلى المحكم.
[7] مُفَصَّلٍ: * اللغة: مبين ومقطع الأجزاء. * الحد: رد كل شبهة بعينها وبجواب خاص بها من الكتاب والسنة.
[8] الفَائِدَةُ الكَبِيرَةُ: * هي طمأنينة القلب عند ورود الشبهات، والقدرة على حماية الدين بأصل كلي لا يتزعزع.
[9] لِمَنْ عَقَلَهَا: * الحد: لمن أدرك بقلبه وفهمه حقيقة الفرق بين المحكم والمتشابه، ولم ينسق وراء أهواء أهل الزيغ.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ اللغَوِيِّ وَالخُمَاسِيِّ لِلآيَاتِ
1. آية النحل {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ}
اللغوي: (تبياناً) صيغة مبالغة في البيان، (هدى) دلالة وموصل، (رحمة) إحسان، (بشرى) خبر سار.
المفسرون: يؤكدون أن القرآن حوى أصول الدين وفروعه، وما من باطل إلا وفيه دحضه.
2. آية الفرقان {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}
اللغوي: (بمثل) أي شبهة أو سؤال للتعجيز، (أحسن تفسيراً) أي أوضح بياناً وكشفاً للحق.
المفسرون: نقل ابن كثير عن ابن عباس أنها عامة في كل حجة للمبطلين، فالوحي يسبقهم بالحق.
3. آية آل عمران {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ...}
اللغوي: (محكمات) متقنات لا لبس فيها، (أُم الكتاب) أصله ومرجعه، (زيغ) ميل عن الحق، (ابتغاء الفتنة) طلب الضلال، (تأويله) حقيقة معناه أو صرفه عن ظاهره.
المفسرون:
ابن تيمية: [1] يقرر أن المحكم هو ما استقل بنفسه في البيان، والمتشابه ما احتاج إلى غيره، والرد يكون بحمل المتشابه على المحكم.
ابن كثير: [2] أهل الحق يردون المتشابه للمحكم فيسلمون، وأهل الزيغ يتبعون المتشابه ليضربوا القرآن بعضه ببعض.
السعدي: [3] المحكمات هي أصول الدين وقواعد التوحيد، والمتشابهات هي الألفاظ التي قد تحتمل معنى باطلاً في أذهان أهل الزيغ.
ابن عثيمين: [4] يحرر أن الجواب المجمل هو "الدرع" الذي يحمي المؤمن؛ فإذا قال المشرك "نحن لا نعبدهم استقلالاً"، نقول له: هذا كلام متشابه، والمحكم عندي قوله {فلا تدعوا مع الله أحداً}.
رابعاً: شَرْحُ الحَدِيثِ (ابْنُ رَجَبٍ، ابْنُ حَجَرٍ، ابْنُ تَيْمِيَّةَ)
الحديث: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ». [أخرجه البخاري (4547) ومسلم (2665)].
ابن حجر (فتح الباري): [5] يشير إلى أن الحذر هنا وجوب، لأن مخالطتهم تُعدي وتفسد القلب، وسماهم الله أهل الزيغ لأنهم تركوا الأصل الواضح وتعلقوا بالظني الموهم.
ابن رجب (جامع العلوم والحكم وشرح البخاري): [6] يوضح أن اتباع المتشابه هو أصل كل بدعة، وأن الفتنة تقع بترك المحكمات التي هي "أم الكتاب" أي أصله الذي لا يزيغ عنه إلا هالك.
ابن تيمية (مجموع الفتاوى): [7] يقرر أن الواجب عند رؤية هؤلاء هو "المجانبة" و"الرد بالعلم"، وأن التحذير منهم حماية لبيضة الدين وعوام المسلمين.
خامساً: شُرُوحُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ
الشيخ السعدي: [8] يرى أن هذا المنهج (المجمل والمفصل) هو أقوى سلاح للموحد في مواجهة شبهات المتكلمين.
الشيخ ابن عثيمين: [9] يُبين أن "المجمل" هو قوله: (أنا موحد، ومذهبي المحكم، وما جئتَ به يا مشرك هو المتشابه)، وهذا يكفي العامي للثبات.
الشيخ صالح الفوزان: [10] يُشدد على أن أعداء التوحيد في زماننا يحتجون بآيات وأحاديث (متشابهة) كأحاديث الشفاعة، فيُرد عليهم بالمحكم.
الشيخ صالح آل الشيخ: [11] يحرر أن "أحسن تفسيراً" تعني أن رد القرآن على الباطل أوضح من الباطل نفسه لمن تأمله.
الشيخ الدكتور صالح السندي (المحقق): [12] يدقق في قوله (لمن عقلها)؛ مبيناً أن إدراك حقيقة "المحكم والمتشابه" هو العقل الحقيقي الذي ينجو به العبد.
-------------&
سادساً: الحَاشِيَةُ
[1] مجموع الفتاوى، ج 13، ص 270.
[2] تفسير ابن كثير، ج 2، ص 8.
[3] تيسير الكريم الرحمن، ص 121.
[4] شرح كشف الشبهات، ص 140.
[5] فتح الباري، ج 8، ص 211.
[6] انظر: فضل علم السلف على علم الخلف، ص 20.
[7] مجموع الفتاوى، ج 13، ص 290.
[8] المرجع السابق.
[9] شرح كشف الشبهات، ص 145.
[10] إعانة المستفيد، ج 1، ص 170.
[11] شرح كشف الشبهات، ص 190.
[12] التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس السابع عشر.
--------------&
[تتمة القطعة الثانية عشرة: التحرير الأصولي والعقدي لآية المحكم والمتشابه]
أولاً: تحرير مسألة "الوقف والوصل" في الآية ونكاتها المعنوية
قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}. في هذه الآية مسلكان جليلان للعلماء في الوقف والوصل، ولكل منهما معنى صحيح وقاعدة عقدية:
1. مسلك الوقف على لفظ الجلالة (إِلَّا اللَّهُ ۗ):
المعنى: أن التأويل هنا بمعنى "الحقيقة التي يؤول إليها الشيء" و"كنه الصفات ووقت الساعة".
النكتة العلمية: هذا النوع من العلم استأثر الله به، فلا يعلم كنه ذاته ولا كيفية صفاته ولا وقت قيام الساعة إلا هو.
القاعدة: إثبات العجز البشري عن الإحاطة بكنه الغيبيات.
2. مسلك الوصل (إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ):
المعنى: أن التأويل هنا بمعنى "التفسير والبيان" وكشف المعاني.
النكتة العلمية: أن الله لم ينزل كلاماً لا يُفهم معناه مطلقاً، بل الراسخون في العلم يعلمون تفسير المتشابه برده إلى المحكم.
القاعدة: إثبات مزية العلماء والراسخين بأنهم يرفعون اللبس عن الأمة.
الجمع بين القولين: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كلاهما حق باعتبارين؛ فالوصل في "التفسير"، والوقف في "الحقيقة والكنه"». [1]
ثانياً: المسالك الثلاثة في تدبر الآية
1. المسلك العقدي (تحرير المنهج):
الأصل: المحكم هو "أم الكتاب" (الأصل والقاضي)، والمتشابه (التابع والمحكوم).
التطبيق: إذا احتج المشرك بآية متشابهة مثل {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم} ليبرر دعاءهم، نردُّه للمحكم {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}.
الفائدة: الحذر من مسلك أهل الزيغ الذين يتركون "الأم" ويتبعون "اللقيط" من المعاني الموهمة.
2. المسلك التربوي (أدب الطلب والاستسلام):
التربية على التسليم: قوله {يقولون آمنا به كل من عند ربنا}؛ يربي الموحد على أن ما عجز عقله عن إدراكه يسلم فيه للوحي، لأن المصدر واحد.
تزكية القلب: الحذر من "الزيغ"؛ فالبدعة تبدأ بميل يسير في القلب (زيغ) ثم تتبعها الشبهة، فالعلم يحتاج لقلب سليم قبل العقل الذكي.
3. المسلك التدبري (نكات بيانية):
تأمل تسمية المحكمات بـ {أُمُّ الْكِتَابِ}؛ والأم هي المفزع والملجأ والمرجع، فكما يرجع الطفل لأمه عند الخوف، يرجع الموحد للمحكم عند ورود الشبهات.
تأمل وصف أهل الزيغ بـ {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}؛ فنيتهم ليست الوصول للحق، بل خلخلة إيمان الناس.
ثالثاً: القواعد والنكات المستنبطة من القاعدة المجملة
قاعدة "الإحكام العام والإحكام الخاص": القرآن كله محكم (بمعنى الإتقان)، وكله متشابه (بمعنى يشبه بعضه بعضاً في الحسن)، لكن في هذه الآية التقسيم إلى (محكم مفسر) و(متشابه موهم) للامتحان والتمحيص.
نكتة "الراسخون": الرسوخ في العلم كرسوخ الجبل، لا تحركه رياح الشبهات. والعامي الموحد الذي يتمسك بالمحكم هو "راسخ" في أصله أمام عالم مشرك متذبذب.
قاعدة "الحذر من الأعيان": في الحديث «فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم»؛ الحذر هنا من (الشخص) المتبع للمتشابه ومن (مسلكه)، فلا تسمع له ولا تقرأ له حتى لا يزيغ قلبك.
رابعاً: كلام العلماء المحققين في هذه التتمة
ابن رجب الحنبلي: [2] يُبين أن فتنة المتأخرين هي في ترك المحكمات الواضحات والتعلق بخيالات المنطق والقياس.
ابن عثيمين: [3] يُقرر أن الرد المجمل (بالمحكم والمتشابه) هو "حصن العوام"، وبه ينجو الموحد من ألف عالم من علماء الضلال.
الشيخ صالح آل الشيخ: [4] يوضح أن المتشابه قد يكون "نسبياً"؛ فيكون متشابهاً عليك أنت لقلة علمك، ومحكماً عند العالم، فارجع للعالم يشفيك بالوحي.
الشيخ صالح السندي: [5] يُحذر من أن يظن الموحد أن في القرآن تناقضاً بسبب المتشابه، بل المتشابه "ابتلاء" ليظهر الصادق من الكاذب.
--------------&
خامساً: الحاشية العلمية
[1] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 13، ص 294.
[2] فضل علم السلف على علم الخلف، ص 25.
[3] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 150.
[4] شرح كشف الشبهات (محاضرات)، ص 205.
[5] التحقيقات العقدية، صالح السندي، ص 145.
-------------------&
[القطعة الثالثة عشرة: التطبيق العملي للرد المجمل على شبهات الشفاعة والجاه]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا قَالَ لَكَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]، وَأَنَّ الشَّفَاعَةَ حَقٌّ [1]، وَأَنَّ الأَنْبِيَاءَ لَهُمْ جَاهٌ عِنْدَ اللَّهِ [2]، أَوْ ذَكَرَ كَلَامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بَاطِلِهِ وَأَنْتَ لَا تَفْهَمُ مَعْنَى الكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ فَجَاوِبْهُ بِقَوْلِكَ: إِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ [3] وَيَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ [4].
وَمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّ المُشْرِكِينَ يُقِرُّونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّ كُفْرَهُمْ بِتَعَلُّقِهِمْ عَلَى المَلَائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ مَعَ قَوْلِهِمْ: {هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس: 18]؛ هَذَا أَمْرٌ مُحْكَمٌ بَيِّنٌ [5] لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَ مَعْنَاهُ. وَمَا ذَكَرْتَهُ لِي أَيُّهَا المُشْرِكُ [6] مِنَ القُرْآنِ أَوْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ لَا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ، وَلَكِنْ أَقْطَعُ [7] أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يَتَنَاقَضُ [8]، وَأَنَّ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُخَالِفُ [9] كَلَامَ اللَّهِ، وَهَذَا جَوَابٌ جَيِّدٌ سَدِيدٌ [10]».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] الشَّفَاعَةَ حَقٌّ:
اللغة: من الشفع وهو جعل الفرد زوجاً، أي انضمام الشافع للمشفوع له.
الحد: سؤال الشافع من الله تعالى النفع للمشفوع له. وهي نوعان: (منفية) وهي ما طلبت من غير الله، و(مثبتة) وهي ما طلبت من الله بشرط الإذن والشطر والرضا.
[2] جَاهٌ عِنْدَ اللَّهِ:
اللغة: المنزلة والقدر والمكانة.
التحقيق: الأنبياء لهم أعظم الجاه، لكن المشرك يستدل بهذا الجاه ليجعل النبي واسطة يُدعى ويُقصد، وهذا خلط بين "المكانة" و"العبادة".
[3] المُحْكَمَ:
اللغة: من الإحكام وهو المنع والتقوية.
الحد: ما اتضح معناه واستقل بنفسه ولم يحتمل إلا وجهاً واحداً من التأويل.
[4] المُتَشَابِهَ:
اللغة: ما التبس بغيره لاشتراكهما في وصف.
الحد: ما لم يتضح معناه بلفظه واحتمل عدة معانٍ في ذهن السامع، ويحتاج لردّه للمحكم ليتضح.
[5] مُحْكَمٌ بَيِّنٌ:
الحد: الوضوح التام الذي لا يقبل النسخ ولا النسخ المعنوي، كقاعدة "إفراد الله بالدعاء".
[6] المُشْرِكُ:
الحد: هنا تطلق على من احتج بشبهات الأوائل لصرف العبادة لغير الله، فهو مشرك من حيث الفعل والمعتقد.
[7] أَقْطَعُ:
اللغة: الجزم والبت.
الحد: الاعتقاد الجازم الذي لا يتطرق إليه شك، وهو هنا قطع بصحة الوحي وتواثقه.
[8] لَا يَتَنَاقَضُ:
الحد: تنزيه الوحي عن "التدافع" أو الاختلاف، فكلام الله يُصدق بعضه بعضاً.
[9] لَا يُخَالِفُ:
الحد: أن السنة وحي ثانٍ مبيّن للقرآن، فلا يمكن أن تأتي السنة بجواز الشرك وقد حرمه القرآن.
[10] جَيِّدٌ سَدِيدٌ:
اللغة: السداد هو الإصابة، والجودة هي الإتقان.
الحد: الوصف هنا يعود لقوة الحجة المجملة في إفحام الخصم دون الغرق في التفاصيل المجهولة.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ اللَّغَوِيِّ وَالخُمَاسِيِّ لِلآيَاتِ
1. آية يونس {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
التدقيق اللغوي: (ألا) حرف استفتاح للتنبيه، (أولياء) جمع ولي من الموالاة (القرب والمحبة)، (خوف) مما يستقبل، (يحزنون) على ما فات.
المفسرون:
ابن تيمية: [1] يقرر أن الولي هو "كل مؤمن تقي"، وليس الولي هو الذي يُدعى من دون الله، فالولاية تقتضي الاتباع لا التأليه.
ابن كثير: [2] الولاية بالتقى والإيمان، والآية بشرى لهم بالأمن، ولا صلة لها باتخاذهم أرباباً.
السعدي: [3] يُبين أن الآية تمدح حالهم لا أنها تشرع عبادتهم، فمن أحب ولياً اتبع منهجه في التوحيد.
ابن عثيمين: [4] يوضح أن المشرك جعل "الولاية" سبباً للشرك، بينما هي في القرآن سبب لتعظيم من أفرده الولي بالعبادة وهو الله.
النكتة: الشاهد أن المشرك استعمل "فضل الولي" (وهو حق) لإثبات "صرف العبادة له" (وهو باطل)، فخلط الحق بالباطل.
2. آية يونس {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ...}
التدقيق اللغوي: (يعبدون) الخضوع والذل، (شفعاؤنا) وسطاء عند الله لنيل المطالب.
المفسرون:
ابن تيمية: [5] هذه هي عين شبهة المشركين الأوائل؛ لم يعتقدوا أن الأصنام تخلق، بل أرادوا شفاعتها، فكفرهم الله بها.
ابن كثير: [6] ذمهم الله بأنهم طلبوا الشفاعة ممن لا يملكها بغير إذن الله.
السعدي: [7] يُسمي هذه الشفاعة "شفاعة شركية" لأنها طلبت من غير الله وبغير إذنه.
ابن عثيمين: [8] يحرر أن قوله {شفعاؤنا عند الله} اعتراف منهم بربوبية الله، لكنهم أشركوا في الألوهية باتخاذ الوسائط.
النكتة: هذه الآية هي "المحكم الصريح" الذي يرد على "متشابه" المشركين.
رابعاً: المسالك الثلاثة (العقدي، التربوي، التدبري)
المسلك العقدي: قاعدة "وحدة الوحي"؛ فلا يضرب القرآن بعضه ببعض. الشريعة جاءت لإهدار الوسائط في الدعاء، فكل آية تمدح نبياً أو ولياً يجب أن تُفهم تحت ظل آيات التوحيد المحكمة.
المسلك التربوي: تربية "العامي" على عزة اليقين؛ فليس شرطاً أن يفك العامي كل طلاسم المتكلمين، بل يكفيه التمسك بالأصل (المحكم)، وهذا يورث قلبه طمأنينة لا تزلزلها فصاحة المبطل.
المسلك التدبري: تأمل في وصف الجواب بـ (السديد)؛ لأنه يقطع الطريق على "الجدل البيزنطي". المشرك يريد جرك لتفاصيل لا تعرفها لتضيع، والجواب المجمل يعيدك لبر الأمان اليقيني.
خامساً: شُرُوحُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ
الشيخ السعدي: [9] يُثني على حكمة المصنف في تعليم العامي "أصول المناظرة" بالاكتفاء بالمحكمات عند العجز عن المفصل.
الشيخ ابن عثيمين: [10] يُبين أن قول العامي (أنا أقطع أن كلام الله لا يتناقض) هو قمة العلم اللدني الذي يهزمه الله به شياطين الإنس.
الشيخ صالح الفوزان: [11] يُشدد على أن الشفاعة لا تطلب من الميت ولو كان نبياً، بل تطلب من الله (اللهم شفع فيّ نبيك)، فالمشرك أخطأ في "القصد" و"الطلب".
الشيخ صالح آل الشيخ: [12] يحرر أن "الجاه" لا يقتضي "العبادة"، فإثبات الجاه للأنبياء حق، واتخاذهم آلهة باطل.
الشيخ الدكتور صالح السندي (المحقق): [13] يدقق في قوله (أيها المشرك)؛ مبيناً أن المواجهة بالحق والصراحة في مقام المناظرة تقوي قلب الموحد وتكسر هيبة الضلال.
-------------------&
سادساً: الحَاشِيَةُ
[1] مجموع الفتاوى، ج 11، ص 160.
[2] تفسير ابن كثير، ج 4، ص 278.
[3] تيسير الكريم الرحمن، ص 368.
[4] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 160.
[5] قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ص 45.
[6] تفسير ابن كثير، ج 4، ص 250.
[7] تيسير الكريم الرحمن، ص 360.
[8] القول المفيد على كتاب التوحيد، ج 1، ص 150.
[9] مجموع مؤلفات السعدي (العقيدة)، ص 210.
[10] شرح كشف الشبهات، ص 165.
[11] إعانة المستفيد، ج 1، ص 185.
[12] شرح كشف الشبهات (محاضرات)، ص 220.
[13] التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس الثامن عشر.
-----------------&
[القطعة الرابعة عشرة: بداية الجواب المفصل وتفنيد شبهة "الصالحون ليسوا أصناماً"]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«وَهَذَا جَوَابٌ جَيِّدٌ سَدِيدٌ، وَلَكِنْ لَا يَفْهَمُهُ إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ [1] اللَّهُ؛ فَلَا تَسْتَهِنْ بِهِ، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35].
وَأَمَّا الجَوَابُ المُفَصَّلُ [2]: فَإِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ لَهُمْ اعْتِرَاضَاتٌ [3] كَثِيرَةٌ عَلَى دِينِ الرُّسُلِ يَصُدُّونَ بِهَا النَّاسَ عَنْهُ؛ مِنْهَا قَوْلُهُمْ: نَحْنُ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ، بَلْ نَشْهَدُ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، فَضْلًا عَنْ عَبْدِ القَادِرِ [4] أَوْ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ أَنَا مُذْنِبٌ [5]، وَالصَّالِحُونَ لَهُمْ جَاهٌ [6] عِنْدَ اللَّهِ، وَأَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ.
فَجَوَابُهُ بِمَا تَقَدَّمَ: وَهُوَ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ مُقِرُّونَ بِمَا ذَكَرْتَ، وَمُقِرُّونَ بِأَنَّ أَوْثَانَهُمْ لَا تُدَبِّرُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الجَاهَ وَالشَّفَاعَةَ.
فَإِنْ قَالَ: هَذِهِ الآيَاتُ نَزَلَتْ فِيمَنْ يَعْبُدُ الأَصْنَامَ [7]؛ كَيْفَ تَجْعَلُونَ الصَّالِحِينَ مِثْلَ الأَصْنَامِ؟ أَمْ كَيْفَ تَجْعَلُونَ الأَنْبِيَاءَ أَصْنَامًا؟
فَجَوَابُهُ: أَنَّ الكُفَّارَ مِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو الأَصْنَامَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو الأَوْلِيَاءَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]. وَيَدْعُونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: 75-76]».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] وَفَّقَهُ: * اللغة: التوفيق هو جعل الشيء وفقاً لغيره (مطابقاً). * الحد: خلق القدرة على الطاعة، وهو هنا "هداية التوفيق" التي يختص بها الله، بخلاف "هداية الدلالة".
[2] الجَوَابُ المُفَصَّلُ: * الحد: هو الرد على كل شبهة بعينها ببيان بطلان وجه استدلال المبطل بها من الكتاب والسنة.
[3] اعْتِرَاضَاتٌ: * اللغة: الموانع، وما يُعرِضُ في الطريق ليمنع السير. * الحد: هي الشبهات والقياسات الفاسدة التي يوردها المشركون لصرف الناس عن حقيقة التوحيد.
[4] عَبْدِ القَادِرِ (ترجمة علمية): * هو الشيخ عبد القادر الجيلاني (المتوفى 561هـ)، إمام حنبلي زاهد موحد، بريء مما نسبه إليه الغلاة من دعوى التصرف في الكون أو نفع المستغيثين به من دون الله.
[5] مُذْنِبٌ: * اللغة: من الذنب، وهو الفعل القبيح. * الحد هنا: شبهة يوردها المشرك ليوهم أنه "حقير" لا يستحق دعاء الله مباشرة، فيحتاج لوسيط، وهذا من كيد الشيطان.
[6] جَاهٌ: * الحد: المكانة والمنزلة؛ والمشرك يستعمل مكانة الصالح عند الله ليسوغ سؤاله هو، لا سؤال الله به.
[7] الأَصْنَامَ: * اللغة: ما نحت من حجر أو خشب على صورة إنسان أو حيوان. * الحد: كل ما عبد من دون الله سواء كان جماداً أو آدمياً.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ اللَّغَوِيِّ وَالخُمَاسِيِّ لِلآيَاتِ
1. آية فصلت {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا...}
اللغوي: (يلقاها) ينالها ويظفر بها، (حظ عظيم) نصيب وافر من السعادة والتوفيق.
المفسرون: (ابن كثير والسعدي) أجمعوا أن خصلة الرد بالحق والإعراض عن الجهل لا ينالها إلا أهل الصبر واليقين.
2. آية الإسراء {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ...}
التدقيق اللغوي: (يدعون) يعبدون ويستغيثون، (الوسيلة) القربة والطاعة، (محذوراً) يجب الحذر منه.
المفسرون:
ابن تيمية: [1] نزلت في أناس كانوا يعبدون الجن، فأسلم الجن ولم يعلم عُبَّادهم، فأخبر الله أن هؤلاء (الجن أو الملائكة) هم أنفسهم يتقربون لله، فكيف تُعبد الوسائط؟
ابن كثير: [2] توبيخ لمن يعبد من هو أفقر منه إلى الله؛ فالصالحون مفتقرون لرحمة الله، فكيف يُدعون؟
ابن عثيمين: [3] هذه الآية قاصمة لقولهم "نحن نعبد الصالحين"؛ فالله لم يفرق بين عبادة حجر وعبادة نبي؛ الكل غير الله.
3. آيتي المائدة {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ...}
التدقيق اللغوي: (خلت) مضت، (صديقة) بلغت الغاية في الصدق، (يأكلان الطعام) كناية عن الافتقار للبشرية وقضاء الحاجة، (يؤفكون) يصرفون عن الحق.
المفسرون: قرروا أن وصف "أكل الطعام" هو أعظم دليل على عدم استحقاق الألوهية؛ لأن الإله هو الغني الصمد.
رابعاً: المسالك الثلاثة (العقدي، التربوي، التدبري)
المسلك العقدي (التفنيد): لا فرق في حكم الشرك بين "صنم" و"ولي"؛ لأن العلة هي "صرف العبادة لغير الله". المشركون الأوائل كان منهم من يعبد اللات (وهو رجل صالح كان يلت السويق)، ومن يعبد عيسى، فجمعهم الله في وصف "المشركين".
المسلك التربوي: الحذر من "مدخل التواضع الزائف"؛ قول المشرك "أنا مذنب" هو حق أريد به باطل؛ فالمذنب مأمور بالتوبة والدعاء مباشرة، لا باتخاذ الشفعاء، فالله قريب من المحسنين والمذنبين إذا استغفروه.
المسلك التدبري: تأمل قوله {كانوا يأكلان الطعام}؛ كيف يهدم الله عروش التأليه بذكر حاجة بشرية فطرية، فمن احتاج للطعام والشراب وقضاء الحاجة لا يصلح أن يكون مفرداً بالدعاء والالتجاء.
خامساً: شُرُوحُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ
الشيخ السعدي: [4] يحرر أن الاعتراض على دين الرسل يكون بـ "علوم باطلة" فرحوا بها، لكنها تتلاشى أمام نصوص الوحي.
الشيخ ابن عثيمين: [5] يُبين أن قولهم "نحن لا نشرك" هو تكذيب للواقع؛ فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء، وتسمية دعاء الصالحين "توسلاً" لا يخرجه عن كونه "شركاً".
الشيخ صالح الفوزان: [6] يوضح أن المشركين الأوائل كانوا أعرف بـ "لا إله إلا الله" من متأخري المشركين، لأنهم عرفوا أنها تقتضي ترك الوسائط.
الشيخ صالح آل الشيخ: [7] يحرر أن "الحظ العظيم" هو الصبر على تعلم التوحيد، لأن الشبهات تحتاج لنفس طويل في الرد والبيان.
الشيخ الدكتور صالح السندي (المحقق): [8] يدقق في الفرق بين "الجاه" و"الشفاعة"؛ مبيناً أن إثبات الجاه للولي لا يبرر صرف العبادة له، وهذا هو مكمن الضلال عند من لا يفرق بين حق الرب وحق العبد.
----------&
سادساً: الحَاشِيَةُ
[1] مجموع الفتاوى، ج 1، ص 120.
[2] تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 101.
[3] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 175.
[4] تيسير الكريم الرحمن، ص 414.
[5] القول المفيد على كتاب التوحيد، ج 1، ص 180.
[6] إعانة المستفيد، ج 1، ص 210.
[7] شرح كشف الشبهات (محاضرات)، ص 240.
[8] التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس التاسع عشر.
-----------------&
[القطعة الخامسة عشرة: برهان كفر من قصد الصالحين وتحرير حقيقة العبادة]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«وَاذْكُرْ لَهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} [سبأ: 40-41]. وَقَوْلَهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ...} [المائدة: 116].
فَقُلْ لَهُ: عَرَفْتَ أَنَّ اللَّهَ كَفَّرَ مَنْ قَصَدَ الأَصْنَامَ، وَكَفَّرَ أَيْضًا مَنْ قَصَدَ الصَّالِحِينَ، وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
فَإِنْ قَالَ: الكُفَّارُ يُرِيدُونَ مِنْهُمْ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّافِعُ الضَّارُّ المُدَبِّرُ لَا أُرِيدُ إِلَّا مِنْهُ، وَالصَّالِحُونَ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ أَقْصَدُهُمْ أَرْجُو مِنَ اللَّهِ شَفَاعَتَهُمْ؛ فَالجَوَابُ: أَنَّ هَذَا قَوْلُ الكُفَّارِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ [1]، وَاقْرَأْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ} [الزمر: 3].
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الشُّبَهَ الثَّلَاثَ هِيَ أَكْبَرُ مَا عِنْدَهُمْ. فَإِنْ قَالَ: أَنَا لَا أَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، وَهَذَا الالتِجَاءُ إِلَى الصَّالِحِينَ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ؛ فَقُلْ لَهُ: أَنْتَ تُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكَ إِخْلَاصَ العِبَادَةِ [2]؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ؛ فَقُلْ لَهُ: بَيِّنْ لِي هَذَا الَّذِي فُرِضَ عَلَيْكَ. فَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ العِبَادَةَ وَلَا أَنْوَاعَهَا فَبَيِّنْهَا لَهُ بِقَوْلِكَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55].
فَإِذَا أَعْلَمْتَهُ بِهَذَا فَقُلْ لَهُ: هَلْ عَلِمْتَ هَذَا عِبَادَةً لِلَّهِ؟ فَلَابُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ. وَ الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ [3]. فَقُلْ لَهُ: إِذَا أَقْرَرْتَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَدَعَوْتَ اللَّهَ لَيْلًا وَنَهَارًا خَوْفًا وَطَمَعًا، ثُمَّ دَعَوْتَ فِي تِلْكَ الحَاجَةِ نَبِيًّا أَوْ غَيْرَهُ؛ هَلْ أَشْرَكْتَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ غَيْرَهُ؟ فَلَابُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ.
وَقُلْ لَهُ: إِذَا عَلِمْتَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]؛ هَلْ هَذَا عِبَادَةٌ؟ فَلَابُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ. فَقُلْ لَهُ: إِذَا نَحَرْتَ [4] لِمَخْلُوقٍ نَبِيٍّ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ هَلْ أَشْرَكْتَ فِي هَذِهِ العِبَادَةِ غَيْرَ اللَّهِ؟ فَلَابُدَّ أَنْ يُقِرَّ وَيَقُولَ: نَعَمْ».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] سَوَاءً بِسَوَاءٍ:
اللغة: التماثل التام والتعادل.
الحد: أي أن حقيقة فعلك وطويتك هي عين حقيقة فعل وطوية مشركي العرب؛ فتغيير الألفاظ لا يغير الحقائق المعنوية.
[2] إِخْلَاصَ العِبَادَةِ:
اللغة: من الخلوص وهو التنقية من الشوائب.
الحد الجامع: تصفية العمل من كل شائبة لغير الله، بأن يكون القصد والنسك والتأله لله وحده ظاهراً وباطناً.
[3] الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ:
سأفرد له تخريجاً خاصاً في الحاشية، والمراد به هنا أن الدعاء هو جوهر العبادة وأعظم أركانها.
[4] نَحَرْتَ (النحر):
اللغة: ضرب المنحر وهو أعلى الصدر.
الحد الشرعي: ذبح القربان تعظيماً وتذللاً لمن يذبح له. فإذا كان لله فهو توحيد، وإذا كان لغيره فهو شرك أكبر مخرج من الملة.
ثالثاً: مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ اللَّغَوِيِّ وَالخُمَاسِيِّ لِلآيَاتِ
1. آية سبأ {أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ...}
التدقيق اللغوي: (إياكم) ضمير نصب منفصل يفيد الحصر، (ولينا) ناصرنا ومعبودنا ومحبوبنا.
المفسرون: (ابن تيمية، ابن كثير) أجمعوا أن الملائكة تتبرأ من عُبَّادها، مبيين أن المشركين عبدوا "تصوراتهم" عن الملائكة، والحقيقة أنهم اتبعوا شياطين الجن التي زينت لهم ذلك.
2. آية المائدة {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ...}
التدقيق اللغوي: (إلهين) معبودين يقصدان لجلب النفع ودفع الضر.
المفسرون: يُقرر (السعدي، الفوزان) أن سؤال الله لعيسى هو توبيخ للنصارى الذين اتخذوا الصالحين (عيسى وأمه) آلهة، وهذا دليل أن عبادة الصالحين شرك كالجمادات.
3. آية الزمر {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ}
التدقيق اللغوي: (زلفى) قربى ومكانة ومنزلة.
المفسرون: (ابن عثيمين، السندي) يؤكدون أن المشرك المعاصر يستخدم ذات "الكلمة" التي قالها المشرك الأول، وهي طلب "الواسطة" لا "الاستقلال"، فالحكم واحد.
رابعاً: المسالك الثلاثة (العقدي، التربوي، التدبري)
المسلك العقدي: "العبادة حق الله الخالص". إنكار المشرك تسمية فعله "عبادة" لا ينفعه، لأن العبادة تُعرف بـ (حقيقتها) وهي التذلل والدعاء والذبح، لا بـ (الاسم) الذي يطلقه الشخص.
المسلك التربوي: أسلوب "الاستدراج بالحق"؛ فالمصنف يعلمنا كيف نسأل الخصم أسئلة يقر بها (هل الصلاة عبادة؟ هل الدعاء عبادة؟) فإذا أقر، أُلزم بالتناقض إذا صرفها لغير الله.
المسلك التدبري: تأمل قوله {بل كانوا يعبدون الجن}؛ فيه نكتة تدبرية أن من صرف العبادة لصالح (ملك أو نبي) فإنه في الحقيقة عبد الشيطان الذي أمره بذلك، لأن الملك والنبي ينهيان عن ذلك.
خامساً: شُرُوحُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ
الشيخ السعدي: يُبين أن "الدعاء" هو الفارق بين التوحيد والشرك، فمن جعل بينه وبين الله واسطة في الدعاء فقد نقض أصل الدين.
الشيخ ابن عثيمين: يحرر أن "النحر" عبادة مالية وبدنية، وصرفها للقبور أو الجن هو "شرك مساوٍ" لشرك الأوائل بالأصنام.
الشيخ صالح الفوزان: يوضح أن "شبهة الصالحين" أشد خطراً من "شبهة الأحجار" لأن الصالح له محبة في القلوب، والشيطان يدخل من باب المحبة للشرك.
الشيخ صالح آل الشيخ: يحرر أن "تعريف العبادة" عند المتأخرين فيه نقص كبير، ولذلك لا يفهمون لماذا يُكفر من دعا الصالحين.
الشيخ صالح السندي (المحقق): يدقق في "الجواب السديد"؛ مبيناً أن الحجة القرآنية واضحة في جعل القصد والتقرب "عبادة" بغض النظر عن عقيدة الفاعل في الربوبية.
سادساً: الحَاشِيَةُ العِلْمِيَّةُ (تخريج الحديث وتفصيل الآثار)
[تخريج حديث "الدعاء مخ العبادة"]:
اللفظ: «الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ».
المخرج: أخرجه الترمذي (3371) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
العلة والضعف: الحديث ضعيف جداً؛ في سنده (عبيد الله بن الوليد الوصافي)، قال فيه ابن حجر في "التقريب": "متروك الحديث"، وقال النسائي: "ليس بثقة".
الحديث الصحيح البديل: ما أخرجه الترمذي (3247) وأبو داود (1479) وابن ماجه (3828) وصححه الألباني من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ»، ثم قرأ قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.
الموضع: (جامع الترمذي، ج 5، ص 374، رقم 3247).
النكتة العلمية: لفظ "هو العبادة" أقوى وأبلغ في الحصر من لفظ "مخ العبادة"، فهو يدل على أن الدعاء هو الركن الأعظم الذي تقوم عليه ماهية العبادة.
[تحرير المصادر]:
تفسير ابن كثير، ج 7، ص 100.
شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 185.
إعانة المستفيد، الفوزان، ج 1، ص 230.
التحقيقات العقدية، صالح السندي، ص 160 (الدرس العشرون).
---------------&
[القطعة السادسة عشرة: تحرير حقيقة الشفاعة وشروطها الشرعية]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«وَقُلْ لَهُ أَيْضًا: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ؛ هَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ المَلَائِكَةَ وَالصَّالِحِينَ وَاللَّاتَ وَغَيْرَ ذَلِكَ؟ فَلَابُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ. فَقُلْ لَهُ: وَهَلْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ إِلَّا فِي الدُّعَاءِ وَالذَّبْحِ وَ الِالْتِجَاءِ [1] وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ وَإِلَّا فَهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهُمْ عَبِيدُهُ وَ تَحْتَ قَهْرِهِ [2]، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الأَمْرَ [3]، وَلَكِنْ دَعَوْهُمْ وَالْتَجَأُوا إِلَيْهِمْ لِلْجَاهِ وَالشَّفَاعَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا.
فَإِنْ قَالَ: أَتُنْكِرُ شَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَبْرَأُ مِنْهَا؟ فَقُلْ لَهُ: لَا أُنْكِرُهَا وَلَا أَتَبْرَأُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ ﷺ الشَّافِعُ المُشَفَّعُ، وَأَرْجُو شَفَاعَتَهُ، وَلَكِنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 44].
وَلَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِ اللَّهِ [4] كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]. وَلَا يَشْفَعُ فِي أَحَدٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28]. وَهُوَ لَا يَرْضَى إِلَّا التَّوْحِيدَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
فَإِذَا كَانَتِ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا لِلَّهِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ، وَلَا يَشْفَعُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا غَيْرُهُ فِي أَحَدٍ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ، وَلَا يَأْذَنُ إِلَّا لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ؛ تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ فَأَطْلُبُهَا مِنْهُ.
فَإِنْ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ أُعْطِيَ الشَّفَاعَةَ، وَأَنَا أَطْلُبُهُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ؛ فَالجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ الشَّفَاعَةَ وَنَهَاكَ عَنْ هَذَا فَقَالَ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]. وَأَيْضًا فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ أُعْطِيَهَا غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَصَحَّ أَنَّ المَلَائِكَةَ يَشْفَعُونَ، وَالأَوْلِيَاءَ يَشْفَعُونَ».
ثانياً: مَسْلَكُ التَّدْقِيقِ اللَّغَوِيِّ وَتَحْرِيرِ الحُدُودِ
[1] الِالْتِجَاءِ:
اللغة: من لـجأ، وهو العوذ بغيره والاحتماء به.
الحد: استناد القلب إلى معبود أو معظم لطلب الأمان أو الرزق أو دفع الضر.
[2] تَحْتَ قَهْرِهِ:
اللغة: القهر هو الغلبة والسيطرة.
الحد: الإقرار بأن الملائكة والأنبياء ليس لهم استقلال بالفعل، بل هم مسخرون بمشيئة الله الكونية.
[3] يُدَبِّرُ الأَمْرَ:
اللغة: دبر الأمر نظر في عاقبته وأحكمه.
الحد: انفراد الله بتصريف شؤون الخلق من حياة وموت ورزق ومنع.
[4] إِذْنِ اللَّهِ:
الحد: هو "الإذن الكوني القدرِي" الذي يسبق الشفاعة، فلا يتقدم شافع إلا بعد سماح الله له بالخطاب.
[الجزء الأول: تحرير آيات الشفاعة الثلاث - التحميل العالي والإسهاب]
أولاً: التدقيق اللغوي والحد الجامع للمفردات (بالميزان)
{لِلَّهِ}: (اللام) للاستحقاق والاختصاص، و(الله) علم على الذات العلية.
الحد الجامع: انفراد الخالق بالملك الفعلي والقدرة المطلقة على هذا المقام.
{الشَّفَاعَةُ}: من الشفع (ضد الوتر).
الحد الجامع: هي التوسط للغير بجلب نفع أو دفع ضر، وهي في السياق "ملك لله" لا تطلب من سواه.
{جَمِيعًا}: حال تفيد الاستغراق والشمول.
الحد الجامع: استيعاب كل أنواع الشفاعات (العظمى، ورفع الدرجات، وإخراج العصاة) تحت ملكه وحده.
{إِذْنِهِ}: من الأذَن وهو العلم والسماح.
الحد الجامع: هو الأمر الكوني والشرعي الذي يسبق الفعل، ولا يجرؤ شافع على الكلام إلا به.
{ارْتَضَىٰ}: من الرضا، وهو ضد السخط.
الحد الجامع: قبول الله لدين المشفوع له، ولا يرتضي الله إلا "التوحيد" الخالص.
ثانياً: مسالك التفسير (اللغوي، العقدي، التربوي، التدبري)
1. الآية الأولى: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44]
التفسير اللغوي: تقديم الخبر (لله) على المبتدأ (الشفاعة) يفيد القصر والحصر عند أرباب البلاغة؛ أي: لا يملكها ملك مقرب ولا نبي مرسل استقلالاً.
المسلك العقدي: إبطال الشفاعة "الشركية" التي يظن صاحبها أن الشافع يملك حق "الضغط" أو "الدلال" على الله كما يشفع الوزير عند ملكه. الشفاعة هنا ملك صرف لله، فمن طلبها من غير المالك فقد عدل بالله غيره.
المسلك التربوي: قطع علائق القلب بالبشر؛ فعندما يعلم المؤمن أن الشفاعة ملك لله، يفر من المخلوق (الشافع) إلى الخالق (المأذون له)، فيورثه ذلك عزة المؤمن بالله ويأسه مما في أيدي الناس.
المسلك التدبري: تأمل كلمة {جميعاً}؛ جاءت لتؤكد أنه لا توجد "شفاعة سرية" أو "خاصة" تخرج عن قبضة الله وملكه، فكل الطرق إلى الشفاعة تبدأ من الله وتنتهي إليه.
2. الآية الثانية: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]
التفسير اللغوي: (من ذا) استفهام يتضمن معنى النفي والتعظيم، و(عنده) ظرف مكان يفيد هيبة الوقوف بين يدي الجبار.
المسلك العقدي: تقرير "كمال الكبرياء"؛ فالأنبياء والملائكة وهم أشرف الخلق يقفون صامتين خاضعين لا يبتدئون الشفاعة إلا بتكليف وأمر إلهي، وهذا يهدم بناء من يستغيثون بهم في الرخاء والشدة.
المسلك التربوي: الحياء من الله؛ فإذا كان الشفعاء لا يتكلمون إلا بإذن، فكيف يتجرأ العبد المذنب على دعائهم من دون الله؟ هذا المسلك يربي في العبد تعظيم جناب الربوبية.
المسلك التدبري: الربط بين قوله {إلا بإذنه} وعلم الله المحيط؛ فالله لا يأذن إلا بعلم، والشافع لا يشفع إلا بعلم الله بحاله، فكل الأمر محاط بصفات الكمال الإلهية.
3. الآية الثالثة: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ} [الأنبياء: 28]
التفسير اللغوي: (ارتضى) فعل ماضٍ يقتضي وجود صفات في المشفوع له أهلته لهذا الرضا، وهي "التوحيد".
المسلك العقدي: الشفاعة محرمة على المشرك بنص الكتاب؛ فشرط المشفوع له هو "الرضا"، والله لا يرضى الكفر {ولا يرضى لعباده الكفر}. فالمشرك الذي يدعو النبي ليشفع له قد فعل ما يمنع الشفاعة عنه.
المسلك التربوي: ترسيخ "الخوف والرجاء"؛ فالآية تذيلت بـ {وهم من خشيته مشفقون}، وهذا يربي الموحد على أن يظل مشفقاً خائفاً من زوال توحيده الذي هو بطاقة نيله للشفاعة.
المسلك التدبري: وصف الشفعاء بالشفقة والخشية {وهم من خشيته مشفقون}؛ فكيف يدعو الموحد من هو خائف مشفق من ربه؟ بل ينبغي أن يشاركه في الخشية ويدعو ربهما جميعاً.
ثالثاً: أقوال العلماء الخمسة (بسط وتحليل عالي)
الشيخ السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 725):
يقول: "إن المشركين اتخذوا من دون الله شفعاء، فبين الله أنهم لا يملكون مثقال ذرة، وأن الشفاعة ملكه، فطلبوها من غير مالكها ضلال في العقل وشرك في الدين".
الشيخ ابن عثيمين (شرح كشف الشبهات، ص 192):
يقرر بلهجة قوية: "الشفاعة التي يثبتها المشركون هي (الشفاعة المنفية) التي تكون بغير إذن، أما شفاعة النبي ﷺ فهي (مثبتة) لكن بشرطها، وشرطها الإذن، وطلبها من النبي وهو ميت شرك لأنه دعاء غير الله".
الشيخ صالح الفوزان (إعانة المستفيد، ج 1، ص 310):
يقول: "هذه الآيات قاطعة لكل تعلق بغير الله؛ ففي آية الكرسي هيبة الإذن، وفي آية الأنبياء شرط الرضا، فاجتمعت الشروط في جناب الله، فمن أخطأ الطريق وذهب للمقبرة فقد ضل سعيه وهو يحسب أنه يحسن صنعاً".
الشيخ صالح آل الشيخ (شرح كشف الشبهات - المجلد الأول):
يحرر قاعدة "الشفاعة ملك": "إذا كانت الشفاعة ملكاً لله، فالمطالبة بها تكون من المالك لا من الملوك (بفتح اللام)، فمن طلب من النبي الشفاعة فقد عامله معاملة المالك، وهذا هو الشرك".
الشيخ الدكتور صالح السندي (التحقيقات العقدية، ص 185):
يقول: "النكتة العلمية في هذه الآيات هي أن الشفاعة (تكرار للتوحيد) وليست استثناء منه، فالشافع يوحد الله بطلب الإذن، والمشفوع له يوحد الله ليفوز بالرضا، فكلها دائرة في فلك التوحيد".
-----------&
رابعاً: الحاشية
[1] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 1، ص 150-155.
[2] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج 7، ص 105، طبعة دار طيبة.
[3] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 195، طبعة دار الثريا.
[4] إعانة المستفيد، صالح الفوزان، ج 1، ص 315.
[5] التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس 21، ص 188.
----------&
تتمة القطعة السادسة عشرة
[الجزء الثاني: تفنيد شبهة "أعطاه الله الشفاعة" وتحرير الأوجه الثلاثة]
أولاً: التدقيق اللغوي والحد الجامع للمفردات
- {فَلَا تَدْعُوا}: (لا) ناهية جازمة، والدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.
- الحد الجامع: النهي المطلق عن صرف أي نوع من أنواع الطلب أو التأله لغير الله.
- {أَحَدًا}: نكرة في سياق النهي تفيد العموم والشمول.
- الحد الجامع: استغراق كل من سوى الله، فلا يُستثنى نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا ولي صالح.
- {شَفَعَتِ}: من الشفاعة، وهي الطلب والوساطة.
- الحد الجامع: إثبات الفعل للشافع لكنه مقيد بمشيئة الله وإذنه.
ثانياً: تفصيل الأوجه الثلاثة في الرد على شبهة (أعطاه الله)
الوجه الأول: الممانعة بين العطاء والنهي
- التقرير العقدي: المشرك يقول "الله أعطاه"، فنقول: المعطي سبحانه هو الذي نهاك في كتابه فقال: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].
- المسلك التدبري: تأمل كيف أبطل الله كل واسطة بكلمة {أحداً}؛ فلو كان إعطاء الشفاعة يبيح الدعاء لم ينهَ الله عنه نهياً عاماً.
- النكتة: العبرة بالأمر والنهي لا بمجرد ثبوت المزية؛ فجبريل له قوة ومكانة، ومع ذلك لا يجوز دعاؤه.
الوجه الثاني: انعدام شرط الرضا في المشرك
- التقرير العقدي: الشفاعة مشروطة بالرضا {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ}، والله أخبر أنه لا يرضى الكفر والشرك.
- المسلك التربوي: هذا المشرك الذي يدعو النبي يرتكب "المانع" الذي يحرمه من "المقتضي"؛ فهو يطلب الشفاعة بفعل الشرك الذي هو سبب الحرمان منها.
الوجه الثالث: إلزام المشرك بغير النبي ﷺ
- التقرير العقدي: الشفاعة أُعطيت للملائكة والأولياء والأفراط (الأطفال الذين ماتوا صغاراً)، فهل يطلبها المشرك من كل طفل مات أو من كل ملك؟
- النكتة: إن قال "نعم" أقر بعبادة الصالحين صراحة، وإن قال "لا" بطل قوله "أطلبها ممن أعطاه الله" لأنه خصص بلا مخصص.
ثالثاً: تحرير الفرق بين "طلب الشفاعة" و"دعاء الشافع"
هذه نكتة جليلة ذكرتها يا أبا أنس؛ فالمشرك لا يريد الشفاعة الشرعية (التي يُطلب فيها من الله أن يأذن لنبيه)، بل هو يدعو النبي مباشرة.
-
الحد الفاصل:
- التوحيد: "اللهم شفع فيّ نبيك". (سؤال لله وحده).
- الشرك: "يا رسول الله اشفع لي". (سؤال للمخلوق فيما لا يملكه إلا الله).
رابعاً: أقوال العلماء الخمسة في هذه الأوجه
- الشيخ السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 890):
- يقرر أن آية الجن {فلا تدعو مع الله أحداً} سد لجميع أبواب الشرك، وأن من دعا النبي فقد جعله نداً لله في الدعاء.
- الشيخ ابن عثيمين (شرح كشف الشبهات، ص 205):
- يقول: "هذا المشرك متناقض؛ يطلب الشفاعة بالمعصية العظمى وهي الشرك، والشفاعة لا تنال إلا بإخلاص التوحيد لله".
- الشيخ صالح الفوزان (إعانة المستفيد، ج 1، ص 320):
- يوضح أن "إعطاء الشفاعة" هو تكريم للشافع يوم القيامة، وليس إذناً للأحياء بدعائه، فالصحابة لم يكونوا يطلبون الشفاعة من قبره ﷺ.
- الشيخ صالح آل الشيخ (كفاية المستزيد، ص 180):
- يحرر وجه الإلزام بالملائكة والأولياء؛ مبيناً أن المشرك يتحكم بمزاجه فيصرف العبادة لمن يهواه من الصالحين ويدعي أنها شفاعة.
- الشيخ صالح السندي (التحقيقات العقدية، ص 195):
- يدقق في حديث أبي سعيد؛ مبيناً أن الشفاعة مقام رحمة يُظهره الله في خلقه يوم القيامة بعد إذنه ورضاه، ولا علاقة لها بدعاء من دون الله في الدنيا.
خامساً: الحاشية العلمية (تخريج الحديث بالأرقام والمجلدات)
[تخريج حديث شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين]:
- اللفظ: «يقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين...».
- المخرج: أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية.
- رقم الحديث: (183).
- الموضع: المجلد الأول، ص 167، طبعة دار إحياء التراث العربي.
- سنده: من حديث أبي سعيد الخضري رضي الله عنه في حديث الشفاعة الطويل المشهور.
- الفائدة العلمية: الحديث نص صريح في أن الشفاعة ليست حصراً على الأنبياء، مما يقوي الوجه الثالث في الرد على المشرك وإلزامه.
[تحرير المصادر]:
- صحيح مسلم، المجلد 1، ص 167.
- شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 208، طبعة دار الثريا.
- إعانة المستفيد، الفوزان، ج 1، ص 322.
- التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس 22، ص 198.
[القطعة السابعة عشرة: إلزام المشرك بجهله بحقيقة الشرك]
أولاً: التدقيق اللغوي والحد الجامع للمفردات
{الأَفْرَاطُ}: جمع (فَرَط)، وهو من يسبق غيره لتهيئة المنزل.
الحد الجامع: هم الأطفال الذين ماتوا قبل البلوغ، وسُموا بذلك لأنهم يفرطون (يسبقون) آباءهم إلى الجنة ليكونوا لهم شفعاء.
{تُقِرُّ}: من الإقرار، وهو الاعتراف بالحق.
الحد الجامع: التصديق القلبي واللساني بحكم شرعي ثابت لا يقبل المنازعة.
{الزِّنَا}: لغةً الضيق، وشرعاً وطء امرأة من غير عقد شرعي.
الحد الجامع: كبيرة من كبائر الذنوب، لكن الشرك أعظم منه لأنه اعتداء على حق الخالق والزنا اعتداء على حق الخلق.
{حَرَّمَهُ}: من التحريم وهو المنع والمنع.
الحد الجامع: طلب الشارع الكف عن الفعل طلباً جازماً على وجه الاستعلاء، والشرك أعظم المحرمات.
{لَا يَدْرِي}: من الدراية وهي العلم بالشيء عن فكر ونظر.
الحد الجامع: الجهل المركب بحقيقة الشرك الذي يقع فيه، مع ظنه أنه من الموحدين.
ثانياً: مسلك التفسير اللغوي والعقدي والتربوي للآيات
1. آية لقمان: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]
التفسير اللغوي: (الظلم) هو وضع الشيء في غير موضعه، و(عظيم) صفة تدل على بلوغ الغاية في القبح.
المسلك العقدي: الشرك هو أعظم أنواع الظلم لأن المشرك سوى الفقير بالمرزوق، والمخلوق بالخالق، والضعيف بالقوي، فوضع العبادة في غير موضعها.
المسلك التربوي: غرس تعظيم الجناب الإلهي؛ فإذا كان الإنسان يتألم من "الظلم" في حقوقه البشرية، فكيف لا يعظم ظلم الخالق في حقه الخالص؟
المسلك التدبري: تأمل كيف نكس الله المشركين بذكر الظلم؛ فالمشرك يظن أنه يُحسن للصالح بدعائه، والحقيقة أنه يظلم نفسه ويظلم حق ربه.
ثالثاً: تفصيل "الوجهين" في الرد على دعوى براءة النفس
الوجه الأول: التناقض بين الحكم والتصور
التقرير: القاعدة تقول "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"؛ فكيف تحكم على نفسك بالبراءة من الشرك وأنت لا تعرف ما هو الشرك الذي حرمه الله؟ هذا قول بلا علم، وهو مردود شرعاً وعقلاً.
الوجه الثاني: استحالة خفاء أعظم المحرمات
التقرير: هل يُعقل أن يُحرم الله الشرك ويجعل عقوبته الخلود في النار، ثم يتركه غامضاً لا يفهمه العباد؟ حاشا لله! بل وضحه في كتابه أتم تبيين، ولكن أهواءكم حالت بينكم وبين فهمه.
رابعاً: أقوال العلماء الخمسة (بسط وتحليل عالي)
الشيخ السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 648):
"الشرك أظلم الظلم، لأن المشرك استهان بعظمة الخالق، وصرف ما هو له لغيره، ومن زعم أنه موحد وهو يدعو القبور فقد جمع بين الجهل بالشرك وبين فعل حقيقته".
الشيخ ابن عثيمين (شرح كشف الشبهات، ص 215):
"هذا المشرك يقول (أنا لا أشرك) لأنه يظن الشرك هو عبادة الصنم فقط، فلا يعرف أن دعاء الصالحين والالتجاء إليهم هو لب الشرك الذي نزل فيه القرآن".
الشيخ صالح الفوزان (إعانة المستفيد، ج 1، ص 330):
"الجهل بالشرك ليس عذراً لمن بين يديه القرآن؛ فالله بين أنواع الشرك وسماها بأسماء واضحة، فمن أعرض عنها لا يلومن إلا نفسه".
الشيخ صالح آل الشيخ (شرح كشف الشبهات - الجزء الثاني):
يحرر نكتة "المقارنة بالزنا": "المشركون يستعظمون الزنا وقتل النفس، وهذا حق، لكنهم يستخفون بالشرك لدعوى (المحبة والشفاعة)، فبين المصنف أن الشرك أخطر لأنه يهدم أصل الإيمان".
الشيخ الدكتور صالح السندي (التحقيقات العقدية، ص 205):
"إلزام المشرك بحد الشرك هو من أذكى أساليب المناظرة؛ لأنه إذا عجز عن تعريفه بطلت دعواه في البراءة منه".
خامساً: الحاشية العلمية (تخريج أحاديث الأفراط بالأرقام)
[الحديث الأول: حديث أبي هريرة]:
اللفظ: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، فيلج النار إلا تحلة القسم».
المخرج: أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب.
رقم الحديث: (1251).
الموضع: المجلد 2، ص 73، طبعة دار طوق النجاة.
[الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخضري]:
اللفظ: «لم يبلغوا الحنث» (أي لم يبلغوا سن التكليف وبلوغ الأثم).
المخرج: أخرجه البخاري (1249) ومسلم (2632).
الموضع في مسلم: المجلد 4، ص 2028، طبعة عبد الباقي.
[تحرير المصادر]:
صحيح البخاري، المجلد 2، ص 73.
تفسير ابن كثير، ج 6، ص 335 (في تفسير سورة لقمان).
شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 218.
التحقيقات العقدية، صالح السندي، ص 210 (الدرس الثاني والعشرون).
------------&
القطعة الثامنة عشرة:
[المحاققة في مسمى الشرك وعبادة الأصنام]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مَشْكُولاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ المُجَدِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«فَإِنْ قَالَ: الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ [1]، وَنَحْنُ لَا نَعْبُدُ الأَصْنَامَ؛ فَقُلْ لَهُ: مَا مَعْنَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ؟ أَتَظُنُّ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ تِلْكَ الأَخْشَابَ وَالأَحْجَارَ تَخْلُقُ وَتَرْزُقُ وَتُدَبِّرُ أَمْرَ مَنْ دَعَاهَا؟ فَهَذَا يُكَذِّبُهُ القُرْآنُ.
وَإِنْ قَالَ: هُوَ مَنْ قَصَدَ خَشَبَةً أَوْ حَجَرًا أَوْ بِنِيَّةً عَلَى قَبْرٍ [2] أَوْ غَيْرَهُ، يَدْعُونَ ذَلِكَ وَيَذْبَحُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ يُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [3]، وَيَدْفَعُ اللَّهُ عَنَّا بِبَرَكَتِهِ أَوْ يُعْطِينَا بِبَرَكَتِهِ؛ فَقُلْ: صَدَقْتَ! وَهَذَا هُوَ فِعْلُكُمْ عِنْدَ الأَحْجَارِ وَالأَبْنِيَةِ الَّتِي عَلَى القُبُورِ وَغَيْرِهَا؛ فَهَذَا أَقَرَّ أَنَّ فِعْلَهُمْ هَذَا هُوَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، فَهُوَ المَطْلُوبُ.
وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: قَوْلُكَ: "الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ"؛ هَلْ مُرَادُكَ أَنَّ الشِّرْكَ مَخْصُوصٌ بِهَذَا، وَأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الصَّالِحِينَ وَدُعَاءَهُمْ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ؟ فَهَذَا يَرُدُّهُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ كُفْرِ مَنْ تَعَلَّقَ عَلَى المَلَائِكَةِ أَوْ عِيسَى أَوْ الصَّالِحِينَ. فَلَابُدَّ أَنْ يُقِرَّ لَكَ أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ أَحَدًا مِنَ الصَّالِحِينَ فَهُوَ الشِّرْكُ المَذْكُورُ فِي القُرْآنِ، وَهَذَا هُوَ المَطْلُوبُ.
وَ سِرُّ المَسْأَلَةِ [4]: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنَا لَا أُشْرِكُ بِاللَّهِ؛ فَقُلْ لَهُ: وَمَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ؟ فَسِّرْهُ لِي. فَإِنْ قَالَ: هُوَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ؛ فَقُلْ: وَمَا مَعْنَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ؟ فَسِّرْهَا لِي. فَإِنْ قَالَ: أَنَا لَا أَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ؛ فَقُلْ: مَا مَعْنَى عِبَادَةِ اللَّهِ؟ فَسِّرْهَا لِي. فَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا بَيَّنَهُ القُرْآنُ فَهُوَ المَطْلُوبُ».
-----------&
ثانياً: التدقيق اللغوي والحد الجامع
الأَصْنَامِ: جمع صنم، وهو ما اتخذ مَعْبُوداً من دون الله على صورة إنسان أو غيره.
الحد الجامع: هو كل ما شَغَلَ العبدَ عن الله وصرف له حقَّه الخالص من التألُّه والقصد. [1]
بِنِيَّةً عَلَى قَبْرٍ: ما يُرفع فوق القبور من مشاهد وأضرحة.
الحد الجامع: هي الوسائط المادية المحدثة التي تُتخذ ذريعةً لتعظيم المقبور وصرف العبادة له. [2]
زُلْفَى: القربة والمكانة والمنزلة.
الحد الجامع: القصد الذي يحرك المشرك للوسيط ظناً منه أن هذا الوسيط يملك "دلالاً" على الله يسرع الإجابة. [3]
سِرُّ المَسْأَلَةِ: جوهر النزاع ومناط الحكم.
الحد الجامع: الانتقال من مجادلة الخصم في "الألفاظ" إلى إلزامه بـ "الحقائق والمفاهيم" القرآنية. [4]
ثالثاً: شروحات العلماء الخمسة (بسط وإسهاب)
الشيخ السعدي [5]: يرى أن المشركين المعاصرين حصروا الشرك في "الأصنام الحجرية" جهلاً منهم بمراد الله، فبين الشيخ أن الشرك هو "الندّية"، ومن جعل الولي نداً لله في القصد فقد عبده كعبادة الصنم.
الشيخ ابن عثيمين [6]: يشدد على أن "تغيير المسميات لا يغير الحقائق"؛ فمن ذبح للقبر وسماه "تقرباً لولي" فهو كالذي ذبح للصنم وسماه "تقرباً لمنات"، فالعبرة بالفعل والقصد.
الشيخ صالح الفوزان [7]: يقرر أن المشرك في هذه القطعة "خُصم من فمه"؛ لأنه لما فسر عبادة الصنم بالفعل (القصد والذبح والزلفى)، طابق فعله عند القبور فعلهم عند الأصنام تماماً.
الشيخ صالح آل الشيخ [8]: يحرر أن المشرك يتشبث بلفظ "الصالحين" ليخرج من حكم "الأصنام"، فرد عليه المصنف بآيات عيسى والملائكة، فاستوى الجميع في بطلان القصد.
الشيخ د. صالح السندي [9]: يدقق في "سؤال التفسير"؛ مبيناً أن المشرك يبني براءته على "تصور مشوه"، فإذا فككنا التصور بأسئلة الشيخ، انهدم البنيان ولم يجد المشرك مفراً من الإقرار.
رابعاً: الحاشية العلمية (تحرير المصادر بالأرقام والصفحات)
[1] المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ص 493.
[2] تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبد الله، ج 1، ص 320.
[3] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج 7، ص 85، طبعة دار طيبة.
[4] التحقيقات العقدية على كشف الشبهات، د. صالح السندي، ص 215 (الدرس الثالث والعشرون).
[5] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 723، طبعة الرسالة.
[6] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 222، طبعة دار الثريا.
[7] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ج 1، ص 350.
[8] شرح كشف الشبهات (محاضرات)، صالح آل الشيخ، ص 285.
[9] التحقيقات العقدية، صالح السندي، ص 218، طبعة الجامعة الإسلامية.
----------------&
تتمةالقطعة الثامنة عشرة:
[ تفكيك مصطلح "عبادة الأصنام" وإلزام الخصم بحقيقتها]
أولاً: التدقيق اللغوي والحد الجامع للمفردات
{عِبَادَةُ الأَصْنَامِ}:
اللغة: العبادة هي التذلل، والأصنام جمع صنم وهو ما نحت على صورة.
الحد الجامع: هي صرف أي نوع من أنواع التأله (دعاء، ذبح، نذر) لهذه الصور أو لمن تمثلهم، سواء اعتقدوا فيها الخلق أو مجرد الوساطة.
{بِنِيَّةٌ عَلَى قَبْرٍ}:
اللغة: البنية هي كل ما يُبنى ويرفع من جدران وقباب.
الحد الجامع: هي الأضرحة والمقامات التي تُرفع فوق القبور لتكون محلاً للقصد والتعظيم المبتدع.
{بِبَرَكَتِهِ}:
اللغة: البركة هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء ونماؤه.
الحد الجامع: هنا يقصد بها "البركة الشركية"؛ وهي اعتقاد أن للمقبور قوة ذاتية أو جاهاً يجعل الله يستجيب لمن دعاه عنده أو به استقلالاً.
{سِرُّ المَسْأَلَةِ}:
الحد الجامع: هي العلة الجوهرية والمدار الذي تدور عليه المناظرة، وهي الانتقال من "الأسماء" إلى "الحقائق".
ثانياً: مسلك التفسير والتحقيق لشبهة "حصر الشرك في الأصنام"
1. حقيقة اعتقاد عباد الأصنام:
التقرير: المشرك يظن أن عباد الأصنام كانوا يعتقدون فيها الربوبية (الخلق والرزق)، والقرآن كذَّبهم في مواضع كثيرة كقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}.
النكتة: إذا بطل اعتقادهم بالربوبية، تعين أن شركهم كان في "القصد والطلب"، وهو عين ما يفعله عباد القبور اليوم.
2. إلحاق الصالحين بالأصنام في الحكم:
التقرير: القرآن كفّر من عبد الملائكة وعيسى، وهم ليسوا أخشاباً ولا أحجاراً، فدل ذلك على أن الشرك هو "التعلق بغير الله" كائناً من كان المعبود.
النكتة: العبرة بفعل العابد (الدعاء والذبح) لا بذات المعبود (حجر أو نبي).
ثالثاً: شروحات العلماء الخمسة (بسط موسوعي)
الشيخ السعدي [1]:
يقرر أن حقيقة الشرك هي "مساواة غير الله بالله في شيء من خصائصه"، فمن دعا صاحب قبر فقد سواه بالله في الدعاء، سواء سماه صمناً أو ولياً، فالأسماء لا تغير الطبائع.
الشيخ ابن عثيمين [2]:
يُبين أن المصنف استخدم "أسلوب الاستدراج": فسّر لي الشرك؟ فسّر لي العبادة؟ فإذا فسرها المشرك بغير ما في القرآن خُصم، وإذا فسرها بما في القرآن لزمه أن فعله عند القبور هو الشرك بعينه.
الشيخ صالح الفوزان [3]:
يشدد على أن عباد القبور في زماننا زادوا على عباد الأصنام؛ لأنهم يصرفون العبادة لأناس ماتوا، ويدعون أن هذا من "حب الصالحين"، والحب الشرعي يقتضي الاتباع لا العبادة.
الشيخ صالح آل الشيخ [4]:
يحرر أن "سر المسألة" يكمن في كشف التلبيس؛ فالشيطان نقل الناس من عبادة الحجر إلى عبادة البشر بنفس "الحجة القديمة" (التقرب والزلفى)، فجاء المصنف ليهدم هذا التمويه.
الشيخ الدكتور صالح السندي [5]:
يدقق في مسألة "البركة"؛ موضحاً أن طلب البركة من الأموات شرك في العبادة، لأن الميت انقطع عمله ولا يملك لنفسه نفعاً فكيف يفيض البركة على غيره؟
رابعاً: المسالك الثلاثة (العقدي، التربوي، التدبري)
المسلك العقدي: تقرير قاعدة "الأسماء لا تغير الحقائق"؛ فالخمر تبقى خمراً ولو سميت "مشروباً روحياً"، والشرك يبقى شركاً ولو سمي "توسلاً ببركة الصالحين".
المسلك التربوي: تعليم الموحد "رباطة الجأش" عند المناظرة؛ فلا ينبهر بكلمات الخصم (نحن لا نعبد الأصنام)، بل يرجعه دائماً إلى الأصول (ما هي العبادة؟).
المسلك التدبري: تأمل قوله تعالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ}؛ كيف يجتمع إقرار بالربوبية (إيمان) مع صرف العبادة لغير الله (شرك)، وهذا هو حال من يقول "الله هو الخالق" ثم يذبح للولي.
---------------&
خامساً: الحاشية
[1] السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 920 (تفسير سورة يونس والزمر)، طبعة مؤسسة الرسالة. وأيضاً في توضيح الكافية الشافية، ص 145، طبعة دار ابن الجوزي.
[2] ابن عثيمين: شرح كشف الشبهات، ص 222 - 225، طبعة دار الثريا للنشر. وأيضاً في القول المفيد على كتاب التوحيد، ج 1، ص 340، طبعة دار ابن الجوزي.
[3] الفوزان: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، ج 1، ص 355، طبعة مؤسسة الرسالة. وأيضاً شرح كشف الشبهات (دروس مسجلة ومفرغة)، ص 180.
[4] صالح آل الشيخ: شرح كشف الشبهات، ص 285 - 290، ضمن سلسلة "شرح كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب"، طبعة دار التوحيد.
[5] صالح السندي: التحقيقات العقدية على كشف الشبهات، ص 215 (الدرس الثالث والعشرون)، طبعة خاصة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
----------&
القطعة التاسع عشر الجزء الاول
[الجزء الأول: حقيقة العبادة وتفوق شرك المتأخرين في الشدة]
أولاً: نَصُّ المَتْنِ مَشْكُولاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«فَقُلْ لَهُ: مَا مَعْنَى عِبَادَةِ اللَّهِ [1]؟ فَسِّرْهَا لِي. فَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا بَيَّنَهُ القُرْآنُ فَهُوَ المَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَكَيْفَ يَدَّعِي شَيْئاً وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ؟ وَإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَعْنَاهُ بَيَّنْتَ لَهُ الآيَاتِ الوَاضِحَاتِ فِي مَعْنَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَأَنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِعَيْنِهِ.
وَأَنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هِيَ الَّتِي يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا وَيَصِيحُونَ فِيهَا، كَمَا صَاحَ إِخْوَانُهُمْ حَيْثُ قَالُوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5].
فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا كَبِيرَ الِاعْتِقَادِ [2] هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ شِرْكَ الأَوَّلِينَ أَخَفُّ مِنْ شِرْكِ أَهْلِ زَمَانِنَا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الأَوَّلِينَ لَا يُشْرِكُونَ وَلَا يَدْعُونَ المَلَائِكَةَ وَالأَوْلِيَاءَ وَالأَوْثَانَ مَعَ اللَّهِ إِلَّا فِي الرَّخَاءِ، وَأَمَّا فِي الشِّدَّةِ [3] فَيُخْلِصُونَ لِلَّهِ الدُّعَاءَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67]».
ثانياً: التدقيق اللغوي والحد الجامع
عِبَادَةِ اللَّهِ:
اللغة: الخضوع والتذلل.
الحد الجامع: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، مع كمال الحب وكمال الذل، وإفراد الله بها قصدًا. [1]
كَبِيرَ الِاعْتِقَادِ: مصطلح استخدمه مشركو زمان المصنف.
الحد الجامع: هو صرف القلوب بالخوف والرجاء لغير الله تحت مسمى "المحبة" أو "التعظيم"، وظن أن للمقبور تصرفًا خفيًا. [2]
الشِّدَّةِ:
اللغة: الضيق والكرْب والمحنة.
الحد الجامع: الحالة التي تنقطع فيها الأسباب الأرضية ويوقن العبد بالهلاك، وهي ميزان الإخلاص الفطري. [3]
ثالثاً: مسلك التفسير (اللغوي، العقدي، التربوي، التدبري)
آية الإسراء {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ...}
التفسير اللغوي: (مسكم) استعمل "المس" للدلالة على مباشرة الكرب للأبدان، (ضل) تاه وغاب وتلاشى، (إلا إياه) حصر وتأكيد على التوحيد الفطري.
المسلك العقدي: تقرير أن المشركين الأوائل كانوا يوحدون في "توحيد الربوبية والطلب" عند الكرب، لعلمهم أن آلهتهم لا تملك نفعاً ولا ضراً في الشدائد العظام. وهذا يثبت أن المتأخرين الذين يهتفون بأسماء الأولياء في غرق السفن هم أغلظ شركاً من الجاهلية الأولى.
المسلك التربوي: بيان تقلب الإنسان الجاهل بين الإخلاص عند الحاجة والجحود عند النعمة {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم}، وهو تحذير للمؤمن أن يكون إخلاصه دائماً لا موسمياً.
المسلك التدبري: تأمل كلمة {ضل}؛ كيف عبر بها عن غياب الأصنام، فكأنها سراب لا وجود له عند الحقيقة، بينما الله هو الحق الصمد الباقي.
رابعاً: شروحات العلماء الخمسة (بسط وتحليل)
الشيخ السعدي [4]: يوضح أن الله استدل على المشركين بفطرتهم؛ ففي البحر ينسون كل شيء إلا الله، فكيف يعودون في البر لغيره؟ هذا تناقض عقلي فاضح.
الشيخ ابن عثيمين [5]: يحرر الفرق الدقيق؛ مشركو العرب كانوا "مشركين في الرخاء موحدين في الشدة"، أما مشركو زماننا فهم "مشركون في الرخاء والشدة"، بل تشتد استغاثتهم بالقبور عند الكرب، فهم أسوأ حالاً.
الشيخ صالح الفوزان [6]: يشدد على أن "كبير الاعتقاد" كلمة حق أريد بها باطل، فهي في حقيقتها تأليه للمخلوق، والشيخ المجدد رد عليهم بالقرآن الذي سمى هذا القصد (إلهاً) و (شركاً).
الشيخ صالح آل الشيخ [7]: يحرر معنى (يصيحون فيها)؛ أي أن الموحدين عندما ينكرون عبادة القبور، يضج المشركون بالإنكار تماماً كما ضجت قريش من دعوة "إله واحد".
الشيخ د. صالح السندي [8]: يدقق في قوله (إخوانهم)؛ مبيناً وحدة المشكاة التي يخرج منها الاعتراض على التوحيد عبر العصور، وهي استعظام إفراد الله بالعبادة.
--------&
خامساً: الحاشية
[1] رسالة العبودية، ابن تيمية، ص 34، طبعة المكتب الإسلامي.
[2] التحقيقات العقدية، صالح السندي، ص 225، طبعة الجامعة الإسلامية.
[3] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج 5، ص 100، طبعة دار طيبة.
[4] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 461، طبعة مؤسسة الرسالة.
[5] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 235، طبعة دار الثريا.
[6] إعانة المستفيد، الفوزان، ج 1، ص 360.
[7] شرح كشف الشبهات، صالح آل الشيخ، ص 302، طبعة دار التوحيد.
[8] التحقيقات العقدية، صالح السندي، الدرس 24، ص 230.
----------------&
[الجزء الثاني: تفوق شرك أهل الزمان وبراهين استغاثة الأوائل بالله في الشدائد]
أولاً: مَتْنُ القِطْعَةِ (الجُزْءُ الثَّانِي) مَشْكُولاً
«وَقَوْلُهُ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأَنْعَام: 40-41].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} [الزُّمَر: 8]، إِلَى قَوْلِهِ: {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لُقْمَان: 32].
فَمَنْ فَهِمَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ الَّتِي وَضَّحَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَهِيَ أَنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَدْعُونَ غَيْرَهُ فِي الرَّخَاءِ، وَأَمَّا فِي الضَّرَّاءِ وَالشِّدَّةِ فَلَا يَدْعُونَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَنْسَوْنَ سَادَتَهُمْ؛ تَبَيَّنَ لَهُ الفَرْقُ بَيْنَ شِرْكِ أَهْلِ زَمَانِنَا وَشِرْكِ الأَوَّلِينَ، وَلَكِنْ أَيْنَ مَنْ يَفْهَمُ قَلْبُهُ هَذِهِ المَسْأَلَةَ فَهْمًا رَاسِخًا! وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ».
ثانياً: المفردات والحد الجامع المانع
مُنِيبًا: من الإنابة، وهي الرجوع بالقلب.
الحد الجامع: عودة الروح إلى خالقها بالخضوع والاستغاثة عند انقطاع علائق المخلوقين. [1]
غَشِيَهُم: من الغشيان وهو التغطية والإحاطة.
الحد الجامع: إحاطة الخطر بالإنسان من كل جانب حتى لا يرى مخرجاً إلا من السماء. [2]
كَالظُّلَلِ: جمع ظُلَّة، وهي ما أظلك من سحاب أو جبل.
الحد الجامع: الموج العظيم الذي يرتفع فوق السفن كالجبال، مما يورث اليقين التام بالهلاك. [3]
سَادَتَهُمْ: جمع سيد، ويقصد بهم الأنداد والمعبودين من دون الله.
الحد الجامع: كل من عُظم وصُرف له حق الله ظناً بامتلاكه نفعاً أو ضرّاً. [4]
ثالثاً: مسالك التفسير (اللغوي، العقدي، التربوي، التدبري)
1. آية الأنعام {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ... بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ}
التفسير اللغوي: (أغير) همزة استفهام تفيد التوبيخ، و(بل) حرف إضراب لإثبات أن الدعاء في الكرب لا يكون إلا لله.
المسلك العقدي: إثبات "التوحيد الفطري"؛ فالمشرك في لحظة الحقيقة (العذاب أو الساعة) ينسى وسائطه، مما يدل على أن دعاء غير الله هو "تزييف" يزول عند الحقائق.
المسلك التربوي: تعليم النفس الالتجاء إلى الله دائماً، فإذا كان المشرك يخلص في الشدة، فالمؤمن أولى بالإخلاص في كل حين.
2. آية الزمر {دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ}
التفسير اللغوي: (منيباً) حال تؤكد صفة الرجوع التام.
المسلك العقدي: ذم من لا يذكر الله إلا عند الضر، ثم إذا خوله نعمة نسي ما كان يدعو إليه، وهذا مسلك أهل النار {إنك من أصحاب النار}.
المسلك التدبري: تأمل كيف سمى الله حاله بعد النجاة "كفراً" {تمتع بكفرك قليلاً}؛ لأن الرجوع للشرك بعد الإخلاص في الشدة كفران للنعمة وجحود للخالق.
3. آية لقمان {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
التفسير اللغوي: (مخلصين) أي منقين لدعائهم من كل شوائب الشرك.
المسلك العقدي: شهادة من الله أن مشركي الجاهلية كانوا يصلون لمقام "الإخلاص" في الشدة، وهذا المقام يفتقده مشركو الزمان الذين يهتفون "يا رفاعي" و"يا بدوي" وهم في غرق السفن.
رابعاً: شروحات العلماء الخمسة (بسط موسوعي)
الشيخ السعدي [5]: يقرر أن هذه الآيات أوضح برهان على بطلان الشرك؛ لأن المشركين اعترفوا بلسان حالهم في الشدة أنه لا نافع ولا ضار إلا الله، فثبت أن غيره باطل.
الشيخ ابن عثيمين [6]: يحرر المسألة الرأسية: "شرك أهل الزمان أغلظ" لأنهم جعلوا الشرك "ديناً مستمراً" في الرخاء والشدة، بينما الجاهلية الأولى كانت تحترم مقام "الاضطرار".
الشيخ صالح الفوزان [7]: يوضح معنى (وينسون سادتهم)؛ أي يغيب عن بالهم كل ولي وصنم، وهذا اعتراف ضمني بفقر هؤلاء السادة وعجزهم.
الشيخ صالح آل الشيخ [8]: يبين أن المصنف ختم بـ (والله المستعان) لعظم غربة هذا الفهم في قلوب الناس، حيث أصبح الشرك يُسمى "توسلاً" و"حباً"، وغاب الفرق القرآني الواضح.
الشيخ د. صالح السندي [9]: يدقق في قوله (فهماً راسخاً)؛ فمجرد المعرفة الذهنية لا تكفي، بل لا بد من يقين قلبي يثمر البراءة من كل وسيط في الرخاء والشدة.
---------------&
خامساً: الحاشية
[1] تيسير العزيز الحميد، المجلد 1، ص 345.
[2] تفسير ابن كثير، ج 6، ص 355 (تفسير سورة لقمان)، دار طيبة.
[3] جامع البيان، الطبري، المجلد 21، ص 88.
[4] التحقيقات العقدية، د. صالح السندي، ص 232 (الدرس الرابع والعشرون).
[5] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 652، طبعة الرسالة.
[6] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 240، طبعة دار الثريا.
[7] إعانة المستفيد، الفوزان، ج 1، ص 365، مؤسسة الرسالة.
[8] شرح كشف الشبهات، صالح آل الشيخ، ص 310، دار التوحيد.
[9] التحقيقات العقدية، صالح السندي، ص 235.
------------------&
[القطعة العشرون: المقارنة بين حال المعبودين عند الأولين والمتأخرين]
أولاً: مَتْنُ القِطْعَةِ مَشْكُولاً وَمَرْقُوماً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«الأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الأَوَّلِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ أُنَاسًا مُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ؛ إِمَّا أَنْبِيَاءَ، وَإِمَّا أَوْلِيَاءَ، وَإِمَّا مَلَائِكَةً، أَوْ يَدْعُونَ أَشْجَارًا أَوْ أَحْجَارًا مُطِيعَةً لِلَّهِ لَيْسَتْ عَاصِيَةً.
وَأَهْلُ زَمَانِنَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ أُنَاسًا مِنْ أَفْسَقِ النَّاسِ [1]، وَالَّذِينَ يَدْعُونَهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَحْكُونَ عَنْهُمُ الفُجُورَ [2]؛ مِنَ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالَّذِي يَعْتَقِدُ فِي الصَّالِحِ، أَوِ الَّذِي لَا يَعْصِي -مِثْلَ الخَشَبِ وَالحَجَرِ- أَهْوَنُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ فِي مَنْ يُشَاهِدُ فِسْقَهُ وَفَسَادَهُ وَيَشْهَدُ بِهِ.
فَإِذَا تَحَقَّقْتَ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَحُّ عُقُولًا وَ أَخَفُّ شِرْكًا [3] مِنْ هَؤُلَاءِ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ شُبْهَةً يُورِدُونَهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ شُبَهِهِمْ، فَأَصْغِ سَمْعَكَ لِجَوَابِهَا».
ثانياً: المفردات والحد الجامع المانع
أَفْسَقِ النَّاسِ: الفسق لغةً الخروج، وشرعاً الخروج عن طاعة الله.
الحد الجامع: من استعلن بالكبائر واستهان بالحدود، فصرفه للعبادة أشد قبحاً في العقل من صرفها لمن هو مطيع لله كالملائكة. [1]
الفُجُورَ: الانبعاث في المعاصي والتوسع فيها.
الحد الجامع: التهتك في المحرمات التي يقر بها المشركون أنفسهم عن أوليائهم الذين يدعونهم من دون الله. [2]
أَخَفُّ شِرْكًا: المقارنة هنا نسبية من حيث "قبح التعلق".
الحد الجامع: أن شرك الأوائل وإن كان مخرجاً من الملة، إلا أن تعلقهم بمن يستحق الاحترام (كالأنبياء) أقرب للعقل من تعلق أهل الزمان بالمجاهرين بالمعاصي. [3]
ثالثاً: شروحات العلماء الخمسة (بسط موسوعي)
الشيخ السعدي [4]:
يقرر أن المشرك المعاصر قد سلب الله حقه، ثم وضعه في "أرذل الخلق"، وهذا من أعظم الإهانة لمقام الربوبية؛ فالمشرك الأول كان يعبد من يظن فيه الكمال، وهذا يعبد من يرى فيه النقص.
الشيخ ابن عثيمين [5]:
يحرر مسألة (الجمادات مطيعة): الحجر والشجر مسبح لله مطيع بلسان حاله وقدره، فدعاؤه قبيح، لكن دعاء من "يحادّ الله ورسوله" بالفجور أشد قبحاً وعناداً للشرع.
الشيخ صالح الفوزان [6]:
يوضح أن "عباد القبور" في الأزمنة المتأخرة غلوا في أناس يُعرفون بـ "المجاذيب" الذين يسقطون عن أنفسهم التكاليف ويأتون الفواحش، ومع ذلك يُدعون من دون الله، وهذا ضلال مبين في العقل قبل النقل.
الشيخ صالح آل الشيخ [7]:
يحرر نكتة (أصح عقولاً): مشركو العرب كان عندهم بقايا من مروءة وعقل تمنعهم من تأليه الفساق، أما المتأخرون فقد طمست أهواؤهم عقولهم حتى جعلوا "الفسق" علامة على "الولاية" فعبدوهم.
الشيخ د. صالح السندي [8]:
يدقق في قوله (فاعلم أن لهؤلاء شبهة): المصنف مهد بهذا التقرير الواقعي لهدم الشبهة القادمة، لِيُبين أن هؤلاء وإن كانوا أغلظ شركاً إلا أنهم يلبسون باطلهم بشبهات يحتاج الموحد لجوابها بوعي وحزم.
رابعاً: المسالك الثلاثة (العقدي، التربوي، التدبري)
المسلك العقدي: تقرير أن "الشرك" يتفاوت في القبح وإن استوى في الحكم (الخروج من الملة)؛ فدعاء الفجار والفساق استهانة بمقام الألوهية لا تليق بذي عقل.
المسلك التربوي: الحذر من "تزيين المنكر"؛ فالمشرك يسمي فجور وليه "أحوالاً ربانية"، والموحد ينبغي أن يرى الحقائق كما هي بمرآة الشرع.
المسلك التدبري: تأمل قول الله عن الكفار: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ}؛ كيف يتجلى هذا فيمن يرى رجلاً يسرق ويزني ثم يسجد لقبره طلباً للشفاعة!
-----------------&
خامساً: الحاشية
[1] التحقيقات العقدية على كشف الشبهات، د. صالح السندي، ص 240 (الدرس الخامس والعشرون).
[2] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج 8، ص 360 (تفسير سورة الانفطار).
[3] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 245، طبعة دار الثريا.
[4] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 925، طبعة مؤسسة الرسالة.
[5] القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين، ج 1، ص 410.
[6] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ج 1، ص 375.
[7] شرح كشف الشبهات، صالح آل الشيخ، ص 320، طبعة دار التوحيد.
[8] التحقيقات العقدية، صالح السندي، ص 242.
----------------&
القطعة الحادي والعشرون
الجزء الأول:
[هدم شبهة التجزئة في الإيمان وتفسير آية "الكافرون حقاً"]
أولاً: مَتْنُ القِطْعَةِ (الجُزْءُ الأَوَّلُ) مَشْكُولاً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«فَاعْلَمْ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ شُبْهَةً يُورِدُونَهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ شُبَهِهِمْ، فَمَا هِيَ؟ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ ﷺ، وَيُنْكِرُونَ البَعْثَ، وَيُكَذِّبُونَ القُرْآنَ وَيَجْعَلُونَهُ سِحْرًا، وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَنُصَدِّقُ بِالقُرْآنِ، وَنُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، وَنُصَلِّي وَنَصُومُ؛ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَنَا مِثْلَ أُولَئِكَ؟
الجَوَابُ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ كُلِّهِمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ وَكَذَّبَهُ فِي شَيْءٍ أَنَّهُ كَافِرٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي الإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ إِذَا آمَنَ بِبَعْضِ القُرْآنِ وَجَحَدَ بَعْضَهُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النِّسَاء: 150-151]».
ثانياً: المفردات والحد الجامع المانع
شُبْهَةً: من الاشتباه وهو التباس الحق بالباطل.
الحد الجامع: إيراد دليل ظني أو باطل في قالب الحق لشرعنة الانحراف العقدي. [1]
يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ:
الحد الجامع: الإيمان بالمرسِل (الله) مع رد دعوة المرسَل (الرسول) في بعض ما جاء به، أو الإيمان ببعض الأنبياء ودون بعض. [2]
سَبِيلاً: الطريق والمنهج.
الحد الجامع: محاولة المشرك إيجاد "منطقة وسطى" يجمع فيها بين التوحيد المدعى والشرك الواقعي. [3]
الْكَافِرُونَ حَقًّا: (حقاً) صفة مؤكدة ومصدر.
الحد الجامع: ثبوت وصف الكفر عليهم يقيناً بلا ريب، لاستوائهم مع الجاحدين في أصل رد الشريعة. [4]
ثالثاً: مسلك التفسير (اللغوي، العقدي، التربوي، التدبري)
آية النساء {أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا}
التفسير اللغوي: (إن) للتوكيد، وجملة {أولئك هم الكافرون} مبتدأ وخبر مع ضمير الفصل (هم) الذي يفيد الحصر والتوكيد، و(حقاً) لنفي أي شبهة إيمان بقيت لهم.
المسلك العقدي: تقرير قاعدة "الإيمان كلٌ لا يتجزأ"؛ فمن آمن بالبعث والصلاة ولكنه جعل مع الله نداً في الدعاء، فقد كفر بكلمة التوحيد، وتكذيبه للتوحيد يبطل إيمانه بالبعث، لأن الشريعة وحدة واحدة.
المسلك التربوي: الحذر من "الانتقائية" في الدين؛ فلا يأخذ العبد ما يوافق هواه ويترك ما يخالف عاداته (كالدعاء عند القبور)، فالإيمان استسلام كامل.
المسلك التدبري: تأمل قوله {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً}؛ كيف فضح الله نية المشرك في محاولة المداهنة والجمع بين المتناقضات، وهذا عين ما يفعله من يقول "أنا أصلي ولكن أتوسل بالولي".
رابعاً: شروحات العلماء الخمسة (بسط وإسهاب)
الشيخ السعدي [5]:
يقرر أن الله سمى هؤلاء (كافرين حقاً) لأن الإيمان ببعض الرسل دون بعض، أو ببعض الكتاب دون بعض، ليس إيماناً بالله، بل هو اتباع للهوى؛ فالموجب للإيمان بوجوب الصلاة هو نفسه الموجب للإيمان بحرمة الشرك.
الشيخ ابن عثيمين [6]:
يحرر رداً مفحماً: "إن كان صدقكم في قول (لا إله إلا الله) يمنع تكفيركم، فليمنع تكفير من جحد الزكاة وهو يقولها!"، فدل ذلك على أن الشهادة تنقضها الأفعال والأقوال كما تنقض الصلاة النواقض.
الشيخ صالح الفوزان [7]:
يوضح أن "شبهة أهل الأحساء" ومن شايعهم هي حصر الكفر في التكذيب القلبي فقط، والقرآن صرح بكفر من آمن ببعض وكفر ببعض، فالفعل (الشرك) كفرٌ وإن وجد معه تصديق بالبعث.
الشيخ صالح آل الشيخ [8]:
يبين أن المصنف أراد إلزامهم بالإجماع؛ فكل العلماء يكفرون من جحد ركناً، فكيف بمن جحد "أصل الأصول" وهو إفراد الله بالعبادة وصرفه للقبور؟
الشيخ د. صالح السندي [9]:
يدقق في قوله (ذلت هذه الشبهة)؛ أي سقطت وانكسرت أمام صريح القرآن، مبيناً أن التفريق بين الله ورسله يشمل التفريق بين "التوحيد" وبين "بقية الشرائع".
-------------------&
خامساً: الحاشية
[1] القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 1205.
[2] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج 2، ص 435 (طبعة دار طيبة).
[3] جامع البيان، الطبري، ج 9، ص 350.
[4] التحقيقات العقدية على كشف الشبهات، صالح السندي، ص 248.
[5] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 212.
[6] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 252، طبعة دار الثريا.
[7] إعانة المستفيد، الفوزان، ج 1، ص 385.
[8] شرح كشف الشبهات، صالح آل الشيخ، ص 335.
[9] التحقيقات العقدية، صالح السندي، ص 250.
----------------&
تتمة القطعة الحادية والعشرون
[الجزء الثاني: الإلزام بوجوب أركان الإسلام وتفنيد "إيمان بعض وكفر بعض"]
أولاً: مَتْنُ القِطْعَةِ (الجُزْءُ الثَّانِي) مَشْكُولاً
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
«وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَجَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، أَوْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَجَحَدَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، أَوْ أَقَرَّ بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ الصَّوْمَ، أَوْ أَقَرَّ بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ الحَجَّ.
وَلَمَّا لَمْ يَنْقَدْ أُنَاسٌ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَجِّ؛ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عِمْرَان: 97].
وَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ البَعْثَ كَفَرَ بِالإِجْمَاعِ، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ. فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِبَعْضٍ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ فَهُوَ الكَافِرُ حَقًّا؛ ذَلَّتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْضُ أَهْلِ الأَحْسَاءِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْنَا».
ثانياً: المفردات والحد الجامع المانع
جَحَدَ: من الجحود وهو الإنكار مع العلم بصدق المخبر.
الحد الجامع: نفي وجوب ما عُلم من الدين بالضرورة، وهو كفر مخرج من الملة بإجماع الأمة. [1]
لَمْ يَنْقَدْ: من الانقياد وهو الخضوع والاتباع.
الحد الجامع: عدم الخضوع لأمر الله الشرعي بالفعل أو بالالتزام القلبي بوجوبه. [2]
الْبَعْثَ: إحياء الموتى يوم القيامة.
الحد الجامع: اعتقاد خروج الأجساد من قبورها للحساب والجزاء، وهو أصل من أصول الإيمان. [3]
ذَلَّتْ: من الذل وهو الانكسار والضعف.
الحد الجامع: سقوط الشبهة وبطلانها أمام قوة الحجة القرآنية والواقعية. [4]
ثالثاً: مسلك التفسير (اللغوي، العقدي، التربوي، التدبري)
آية آل عمران {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}
التفسير اللغوي: (من كفر) شرطية تفيد العموم، ووضع كلمة "كفر" موضع "من لم يحج" (على قول بعض المفسرين فيمن جحد وجوبه) تغليظاً وتشديداً.
المسلك العقدي: تقرير أن ترك ركن من أركان الإسلام جحوداً لوجوبه كفر، فكيف بترك "أصل الأصول" وهو التوحيد؟ فإذا كان جاهد الحج كافراً وهو يصلي ويوحد، فكيف بمن يصلي ويحج ولكنه يصرف العبادة لغير الله؟
المسلك التربوي: غرس تعظيم شعائر الله؛ فالمسلم لا يتخير من الدين ما يوافق هواه، بل ينقاد للكل.
المسلك التدبري: تأمل قوله {فإن الله غني عن العالمين}؛ كيف ختم الآية بصفة الغنى، ليبين أن انقيادنا أو كفرنا لا يزيد في ملكه ولا ينقص، بل المنفعة أو الضرر يعودان على العبد نفسه.
رابعاً: شروحات العلماء الفحول (بسط موسوعي)
الشيخ السعدي [5]: يوضح أن الله جعل "ترك الحج" مع القدرة عليه وجحود وجوبه "كفراً"، وهذا دليل على تلازم أركان الدين؛ فمن هدم ركناً فقد ثلم بناء إيمانه ثلمة لا يسدها إقراره بالباقي.
الشيخ ابن عثيمين [6]: يقرر قاعدة ذهبية: "الكفر يثبت بجحد الواجبات كما يثبت بفعل الشركيات"، فالمشرك الذي يحتج بصلاته وصيامه كالمصلي الذي يحتج بصلاته وهو يجحد الزكاة؛ كلاهما كافر بالاتفاق.
الشيخ صالح الفوزان [7]: يشدد على أن "أهل الأحساء" الذين أرسلوا للمصنف أرادوا التفريق بين من يكذب الرسول ومن يوافقه في القول ويخالفه في صرف العبادة، فأبطل المصنف قولهم بإجماع العلماء في كفر جاهد الصلاة أو الزكاة.
الشيخ صالح آل الشيخ [8]: يبين أن المصنف استخدم "القياس الأولي"؛ فإذا كان جحد فرع من فروع الإسلام (كالزكاة أو الحج) كفراً، فكيف بمن يجحد إفراد الله بالعبادة الذي هو أصل بعثة الرسل؟
الشيخ د. صالح السندي [9]: يحرر قوله (ذلت هذه الشبهة)؛ مبيناً أن الحجج التي تساق لتبرير الشرك تحت غطاء "الإسلام الاسمي" تتهاوى أمام النصوص التي كفرت من آمن ببعض وكفر ببعض.
----------------&
خامساً: الحاشية
[1] كتاب الإيمان، ابن تيمية، ص 215، طبعة دار ابن الجوزي.
[2] تيسير العزيز الحميد، المجلد 1، ص 380.
[3] معالم التنزيل، البغوي، ج 1، ص 410 (تفسير آية آل عمران).
[4] التحقيقات العقدية على كشف الشبهات، د. صالح السندي، ص 255.
[5] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 142.
[6] شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 258، طبعة دار الثريا.
[7] إعانة المستفيد، الفوزان، ج 1، ص 395.
[8] شرح كشف الشبهات، صالح آل الشيخ، ص 345.
[9] التحقيقات العقدية، صالح السندي، ص 260
--------------::::&
القطعة الثالثة وعشرين
[أولاً: ضبط المتن]
«ويقال أيضاً: إذا كنت تقرّ أن من صدّق الرسول ﷺ في كل شيء، وجحد وجوب الصلاة أنه كافر حلال الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله، لا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا. فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج؛ فكيف إذا جحد الإنسان شيئاً من هذه الأمور كفر [^1]، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﷺ، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟! سبحان الله، ما أعجب هذا الجهل! ويقال أيضاً: هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة [^2]، وقد أسلموا مع النبي ﷺ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ، ويؤذنون ويصلون؛ فإن قال: إنهم يقولون إن مسيلمة نبي. قلنا: هذا هو المطلوب؛ إذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف أو صحابياً أو نبياً إلى مرتبة جبار السماوات والأرض؟! سبحان الله ما أعظم شأنها! {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 59]».
[ثانياً: التحليل المنهجي للقطعة]
1. ضبط المفردات والحدود:
الجحد: هو إنكار الحق مع العلم به[^3].
البعث: إحياء الله الموتى من قبورهم للحساب والجزاء[^4].
بنو حنيفة: قبيلة باليمامة ارتدت بمتابعة مسيلمة الكذاب[^5].
2. المسالك المستنبطة:
المسلك العقدي: تقرير أن التوحيد هو الأصل الأصيل، وأن الشرك ناقضٌ أعظم من جحد الفرائع[^6].
المسلك التربوي: الحذر من "الطبع" على القلب الناتج عن الإعراض عن العلم النافع[^7].
المسلك التدبري: قوله {لا يَعْلَمُونَ} إشارة إلى أن الجهل هو منشأ الضلال والزيغ[^8].
[ثالثاً: تفسير الآية {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}]
تفسير الإمام ابن تيمية: يوضح أن الطبع عقوبة على عدم إرادة الحق بعد معرفته[^9].
تفسير الإمام ابن كثير: يقرر أن الختم على القلوب يكون بسبب التكذيب والجهل بالتوحيد[^10].
تفسير الإمام السعدي: يرى أنهم سدوا على أنفسهم طرق الهدى فجازاهم الله بالطبع[^11].
تفسير الإمام ابن عثيمين: يبين أن العلم المقصود نفيه هنا هو العلم الذي يورث الخشية والاتباع[^12].
تفسير الشيخ صالح سندي: يربط بين الجهل بالتوحيد وبين الختم على القلوب الذي يمنع تعظيم الرب[^13].
[الحاشية ]
[^1]: ينظر: كشف الشبهات، المؤلف: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي، ص 22، دار الألوكة للنشر.
[^2]: ينظر: تاريخ الرسل والملوك، المؤلف: محمد بن جرير الطبري، المجلد 3، ص 281، دار المعارف.
[^3]: ينظر: مفردات ألفاظ القرآن، المؤلف: الراغب الأصفهاني، ص 189، دار القلم. (الحد: نفي ما في القلب ثبوته، أو إثبات ما في القلب نفيه).
[^4]: ينظر: شرح العقيدة الواسطية، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، المجلد 2، ص 135، دار ابن الجوزي.
[^5]: ينظر: القاموس المحيط، المؤلف: الفيروزآبادي، ص 1024، مؤسسة الرسالة.
[^6]: ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، المؤلف: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، ص 312، دار التوحيد.
[^7]: ينظر: الفوائد، المؤلف: ابن القيم الجوزية، ص 102، دار عالم الفوائد.
[^8]: ينظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، المؤلف: محمد الأمين الشنقيطي، المجلد 6، ص 164، دار عالم الفوائد.
[^9]: ينظر: مجموع الفتاوى، المؤلف: تقي الدين أحمد بن تيمية، المجلد 7، ص 254، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف.
[^10]: ينظر: تفسير القرآن العظيم، المؤلف: عماد الدين ابن كثير، المجلد 6، ص 323، دار طيبة.
[^11]: ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص 643، مؤسسة الرسالة.
[^12]: ينظر: تفسير القرآن الكريم (سورة الروم)، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، ص 182، دار ابن الجوزي.
[^13]: ينظر: شرح الأصول الثلاثة (سلسلة دروس مفرغة)، المؤلف: د. صالح بن عبد العزيز سندي، المجلس الرابع، ص 12، مكتبة السنة.
----------------------&
القطعة الرابعة وعشرين
[أولاً: ضبط المتن]
«ويقال أيضاً: الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي رضي الله عنه، وتعلّموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في عليٍّ مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟! أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟! أم تظنون أن الاعتقاد في "تاج" وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفر؟! ويقال أيضاً: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس؛ كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه؛ أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين».
[ثانياً: المفردات والحد الجامع المانع]
الاعتقاد: (الحد: حكم الذهن الجازم، فإن طابق الواقع فصحيح، وإلا ففاسد). [^1]
الإجماع: (الحد: اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر من الأعصار على حكم شرعي). [^2]
بنو عبيد القداح: (الحد: سلالة ادعت النسب الفاطمي، أسست الدولة العبيدية "الفاطمية"، وحكمت المغرب ثم مصر). [^3]
بلاد الحرب: (الحد: كل بقعة تكون فيها أحكام الكفر هي الغالبة ولا أمان فيها للمسلمين). [^4]
الاستنقاذ: (الحد: التخليص والانتزاع من يد الغاصب أو العدو بقوة الحق). [^5]
[ثالثاً: المسالك (العقدية، التربوية، التدبرية)]
المسلك العقدي: تقرير أن الغلو في الصالحين وصرف العبادة لهم كفر مخرج من الملة، حتى لو كان المشفي فيه هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فالحق لا يحابي الأشخاص. [^6]
المسلك التربوي: التحذير من الاغترار بمجرد المظاهر التعبدية (صلاة، صيام، شهادتين) إذا وجد الناقض، ووجوب تربية النفس على تعظيم الوحيين فوق الهوى. [^7]
المسلك التدبري: التفكّر في عاقبة "الغلو"، وكيف قلب أصحاب عليٍّ من تلاميذ للصحابة إلى مرتدين استوجبوا القتل، استرشاداً بقوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}. [^8]
[رابعاً: أقوال العلماء والمعاصرين]
الشيخ عبد العزيز بن باز: "هذه القطعة حجة دامغة على من ظن أن مجرد الانتساب للإسلام يمنع من الكفر، فقصة عليٍّ مع الغلاة، وقصة العلماء مع العبيديين، تبين أن الناقض يبطل العمل". [^9]
الشيخ صالح الفوزان: "العبيديون أظهروا شعائر الإسلام ظاهراً، ولكن لما أبطنوا الكفر وأظهروا الشرك ومخالفة الشريعة، لم تنفعهم صلاتهم ولا صيامهم بإجماع العلماء". [^10]
الشيخ صالح آل الشيخ: "الاستدلال بفعل علي رضي الله عنه في الغلاة هو من باب الاستدلال بفعل الصحابة الذي لم يُنكر، وهو دليل على أن من ادعى في البشر رتبة الإلهية فقد كفر". [^11]
الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي: "مكمن العبرة هنا هو (الإجماع)؛ فالإمام يذكر إجماع الصحابة أولاً، ثم إجماع علماء المذاهب ثانياً في قصة العبيديين، ليقطع الطريق على من يدعي الخلاف في تكفير المشركين". [^12]
[الحاشية الموسعة]
[^1]: ينظر: كتاب التعريفات، المؤلف: علي بن محمد الجرجاني، ص 34، دار الكتب العلمية.
[^2]: ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه، المؤلف: بدر الدين الزركشي، المجلد 4، ص 439، دار الكتبي.
[^3]: ينظر: البداية والنهاية، المؤلف: عماد الدين ابن كثير، المجلد 11، ص 345، دار هجر. (وفيه تفصيل نسبهم وحقيقة مذهبهم).
[^4]: ينظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، المؤلف: منصور بن يونس البهوتي، المجلد 3، ص 43، دار الكتب العلمية.
[^5]: ينظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المؤلف: أحمد بن محمد المقري، ص 291، المكتبة العلمية.
[^6]: ينظر: كشف الشبهات، المؤلف: محمد بن عبد الوهاب، بشرح ابن عثيمين، ص 114، دار الثريا.
[^7]: ينظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، المؤلف: ابن قيم الجوزية، المجلد 1، ص 210، دار عالم الفوائد.
[^8]: ينظر: تيسير الكريم الرحمن، المؤلف: عبد الرحمن السعدي، ص 213 (تفسير آية النساء).
[^9]: ينظر: فتاوى نور على الدرب، المؤلف: عبد العزيز بن باز، المجلد 1، ص 142، مؤسسة الشيخ بن باز الخيرية.
[^10]: ينظر: شرح كشف الشبهات، المؤلف: صالح بن فوزان الفوزان، ص 89، دار التوحيد.
[^11]: ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، المؤلف: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، ص 452، دار التوحيد.
[^12]: ينظر: شرح كشف الشبهات (دروس مفرغة)، المؤلف: د. صالح بن عبد العزيز سندي، المجلس الخامس، ص 8، مكتبة السنة.
----------------&
القطعة الخامسة والعشرين
[أولاً: ضبط المتن]
«ويقال أيضاً: إذا كان الأوّلون لم يكفروا إلا أنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول ﷺ والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب: "باب حكم المرتد"، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه؟ [^1] ثم ذكروا أنواعاً كثيرة، كل نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب. ويقال أيضاً: الذين قال الله فيهم: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} [التوبة: 74]، أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ ويجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون؟! وكذلك الذين قال الله فيهم: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66]، فهؤلاء الذين صرح الله فيهم أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح، فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: "تكفرون من المسلمين أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون ويصومون"، ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق».
[ثانياً: المفردات والحدود اللغوية]
- المرتد: (الحد: هو الذي يكفر بعد إسلامه طوعاً، بنطق أو عقيدة أو شك أو فعل). [^2]
- المزح: (الحد: الكلام الذي لا يُراد به حقيقة المعنى، بل يقصد به البسط واللعب). [^3]
- الاستهزاء: (الحد: حَمْل الأقوال والأفعال على الهزل واللعب، لطلب تنقيص المستهزأ به). [^4]
- النفاق: (الحد: إظهار الإيمان وإبطان الكفر). [^5]
[ثالثاً: المسالك (العقدية، التربوية، التدبرية)]
- المسلك العقدي: تقرير أن الكفر يقع بكلمة اللسان ولو لم يعتقدها القلب، ما لم يكن مُكرهاً، وأن الأعمال الصالحة لا تنفع مع وجود الناقض. [^6]
- المسلك التربوي: تعظيم حرمة الربوبية والمقدسات، والحذر من إطلاق اللسان بما يسخط الله، فرب كلمة تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفاً. [^7]
- المسلك التدبري: قوله تعالى {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} يدل على أن المرء قد يكون معه إيمان حقيقي ثم يسلب منه بارتكاب الناقض، وهذا يورث العبد وجلاً عظيماً. [^8]
[رابعاً: تفسير الآيات المختارة]
1. الإمام ابن تيمية:
يرى أن قوله {قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} دليل على أنهم لم يكونوا كفاراً في الباطن قبل ذلك، بل حدث منهم الكفر بعد الإيمان، وهو نص في أن الاستهزاء كفرٌ مخرج من الملة. [^9]
2. الإمام ابن كثير:
يوضح أن المنافقين في آية التوبة حلفوا كذباً لنفي ما قالوه من كفر، فكذبهم الله وبيّن أنهم نطقوا بكلمة الكفر صراحة بعد أن أظهروا الإسلام. [^10]
3. الإمام محمد بن عبد الوهاب:
يؤكد أن الله لم يعذرهم بكونهم يجاهدون مع الرسول ﷺ، بل كفرهم بكلمة قيلت في "مجلس"، لبيان أن التوحيد لا يُقبل معه استخفاف. [^11]
4. الإمام السعدي:
يبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر كلي، لأن دين الله مبني على تعظيم الله وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء ببعض ذلك منافٍ لهذا الأصل. [^12]
[خامساً: أقوال العلماء المعاصرين]
- الإمام ابن عثيمين: "هذه القطعة ترد على (المرجئة) الذين يقولون لا كفر إلا بتكذيب القلب، فالله كفر هؤلاء بكلمة اللسان مع أنهم قالوا إننا ما قصدنا الكفر وإنما قصدنا المزح". [^13]
- الشيخ صالح الفوزان: "تسمية الفقهاء لباب (حكم المرتد) وإيرادهم لأنواع الكفر القولي والفعلي، دليل على أن المسلم قد يخرج من دينه بأسباب يسيرة يظنها الناس سهلة وهي عند الله عظيم". [^14]
- الشيخ صالح آل الشيخ: "الاستدلال بآية الاستهزاء هو قاطع للنزاع؛ لأن المستهزئين في تبوك كانوا يشهدون ويصلون، ومع ذلك لم تمنعهم هذه الشعائر من الحكم عليهم بالكفر". [^15]
- الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي: "مكمن القوة في هذا الاستدلال هو إلزام الخصم بما قرره الفقهاء في كتبهم؛ فإذا كنتم تقرون بباب المرتد، فلِمَ تنكرون وقوع الكفر ممن يشرك بالله في زماننا؟". [^16]
--------------------------&
القطعة السادسة والعشرين (الجزء الأول)
[أولاً: ضبط المتن]
«ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل: "التوحيد فهمناه" أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان. وتفيد أيضاً أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري، فنُبِّه على ذلك وتاب من ساعته أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ. وتفيد أيضاً أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً كما فعل رسول الله ﷺ. وللمشركين شبهة أخرى يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال: لا إله إلا الله، وكذلك قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها. ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل! فيقال لهؤلاء المشركين الجهلة: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويدعون الإسلام».
[ثانياً: المفردات والحدود اللغوية]
التحرز: (الحد: التوقي والاحتفاظ من الوقوع في الشيء المخوف، وأصله من الحرز وهو المكان الحصين). [^1]
التغليظ: (الحد: التشدد في القول أو العقوبة لإظهار عظم الذنب وزجر الفاعل). [^2]
الكف: (الحد: الامتناع عن الشيء، والمراد هنا الامتناع عن القتل والقتال). [^3]
شبهة: (الحد: التباس الحق بالباطل لترادف الوجوه، سميت بذلك لمشابهتها الحق في وجه والباطل في وجه). [^4]
[ثالثاً: المسالك (العقدية، التربوية، التدبرية)]
المسلك العقدي: تقرير أن "لا إله إلا الله" قيدٌ ثبوتي لا يمنع من الكفر إذا وُجد الناقض، بدليل قتال الصحابة لمن نطق بها عند وجود الردة، وبطلان دعوى من قال "التوحيد فهمناه". [^5]
المسلك التربوي: التحذير من العجب بالعلم أو الأمن من المكر؛ فإذا كان خيار الأمة (الصحابة) سألوا ما هو من جنس الشرك جهلاً منهم، فغيرهم أولى بالخوف والتعلم الدائم. [^6]
المسلك التدبري: قوله ﷺ "الله أكبر إنها السنن" فيه إشارة تدبرية لخطورة التشبه، وأن الغضب لله وللتوحيد مسلك نبوي لردع الأفكار المنحرفة. [^7]
[رابعاً: تفسير الآيات (المتعلقة بمحل النزاع)]
1. الإمام ابن تيمية:
يرى أن قصة أسامة رضي الله عنه كانت في حق من أظهر الإسلام لأول مرة ولم يظهر منه ما يناقضه، فالواجب الكف عنه تثبيتاً للإسلام، وهذا يختلف عمن أتى بالناقض بعد إسلامه. [^8]
2. الإمام ابن كثير:
يوضح أن قتال بني حنيفة واليهود -رغم نطقهم بالشهادة- كان لإخلالهم بحقوق "لا إله إلا الله"؛ فاليهود بترك المتابعة، وبنو حنيفة بمتابعة الكذاب، وهذا بيان لقوله ﷺ "إلا بحقها". [^9]
3. الإمام محمد بن عبد الوهاب:
يؤكد أن من أعظم الجهل ظن الإنسان أنه استغنى عن تعلم التوحيد، فالشيطان يدخل على العبد من باب "فهمنا التوحيد" ليوقعه في الشرك وهو لا يشعر. [^10]
4. الإمام السعدي:
يبين أن قوله تعالى {فَتَبَيَّنُوا} (النساء: 94) تدل على أن الأصل فيمن أظهر الإسلام العصمة، لكنها عصمة موقوتة بالتبين؛ فإذا تبين ما يناقض القول بطلت العصمة. [^11]
[خامساً: أقوال العلماء المعاصرين]
الإمام ابن عثيمين: "كلمة (فهمنا التوحيد) هي كلمة إبليسية؛ لأن التوحيد بحر لا ساحل له، وصرفه لغير الله يقع بأدق الأشياء، والجهل به هو سبب وقوع بني إسرائيل والصحابة في تلك المقالة". [^12]
الشيخ صالح الفوزان: "تغليظ النبي ﷺ على الصحابة في قولهم (اجعل لنا ذات أنواط) يبين أن الموالاة في الشرك لا تُغتفر بالجهل إذا لم ينتهِ العبد، فالنبي لم يعذرهم بل شبه قولهم بقول الكفار". [^13]
الشيخ صالح آل الشيخ: "شبهة أسامة هي عمدة المرجئة في كل زمان، والرد عليها هو أن الكف عمن أظهر الإسلام واجب ابتداءً، لكن القتل واجب انتهاءً إذا ثبت الناقض بالإجماع". [^14]
الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي: "التحقيق أن (لا إله إلا الله) مفتاح، والمفتاح لا يفتح إلا بأسنان، والأسنان هي شروطها ونواقضها؛ فمن كسر الأسنان بارتكاب الناقض لم ينفعه المفتاح ولو ردده ألف مرة". [^15]
---------&
[الحاشية]
[^1]: ينظر: المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ص 229، دار القلم.
[^2]: ينظر: التعريفات، الجرجاني، ص 68، دار الكتب العلمية.
[^3]: ينظر: لسان العرب، ابن منظور، المجلد 9، ص 304، دار صادر.
[^4]: ينظر: أصول البزدوي - كنز الوصول، ص 156، مطبعة جاويد.
[^5]: ينظر: شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 140، دار الثريا.
[^6]: ينظر: مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، ص 460، دار عالم الفوائد.
[^7]: ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، المجلد 2، ص 125، دار عالم الكتب.
[^8]: ينظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 7، ص 215، مجمع الملك فهد.
[^9]: ينظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 2، ص 375، دار طيبة.
[^10]: ينظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 2، ص 154.
[^11]: ينظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 194، مؤسسة الرسالة.
[^12]: ينظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين، المجلد 1، ص 245، دار ابن الجوزي.
[^13]: ينظر: شرح كشف الشبهات، الفوزان، ص 105، دار التوحيد.
[^14]: ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ، ص 165، دار التوحيد.
[^15]: ينظر: شرح كشف الشبهات (دروس مفرغة)، صالح سندي، المجلس السابع، ص 22، مكتبة السنة.
------------------------------&
الجزء الثاني من القطعة السادسة والعشرين
[أولاً: ضبط المتن]«وكذلك الذين حرّقهم علي بن أبي طالب بالنار. وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقُتل ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقُتل ولو قالها؛ فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعاً من الفروع، وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟! ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث. أما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفاً على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] أي: فتثبتوا. فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قُتل؛ لقوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا}، ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى. وكذلك الحديث الآخر وأمثاله، ومعناها ما ذكرناه: أن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه، إلا أن يتبين منه ما يناقض ذلك. والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ الذي قال: "أقتلته يا أسامة بعدما قال لا إله إلا الله؟" وقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، هو الذي قال في الخوارج: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" [^1]، مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلاً وتسبيحاً، حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة، فلم تنفعهم "لا إله إلا الله" ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة. وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة. وكذلك أراد ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل منهم أنهم منعوا الزكاة، حتى أنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]. وكان الرجل كاذباً عليهم. وكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه».
[ثانياً: المفردات والحدود اللغوية]
التثبت (التبين): (الحد: التأني في الحكم والبحث عن الحقيقة حتى يظهر صدق الخبر أو كذبه). [^2]
الخوارج: (الحد: طائفة خرجت عن طاعة الإمام الحق، واستباحت دماء المسلمين بالتكفير بالذنب). [^3]
الرأس (في اللغة): (الحد: أعلى الشيء وأهم ما فيه، والمراد أن التوحيد هو أعلى وأهم أجزاء الدين). [^4]
منع الزكاة: (الحد: الامتناع عن أداء الحق الواجب في المال بشروط مخصوصة لمستحقيه). [^5]
[ثالثاً: المسالك (العقدية، التربوية، التدبرية)]
المسلك العقدي: تقرير الجمع بين النصوص؛ فنصوص الكف عمن قال "لا إله إلا الله" محمولة على ابتداء الدخول في الإسلام، ونصوص القتال (كالخوارج وبني حنيفة) محمولة على من أتى بالناقض بعد إظهاره للشهادة. [^6]
المسلك التربوي: التحذير من الاغترار بكثرة العبادة والتهليل إذا خلت من العلم الصحيح والاتباع؛ فعبادة الخوارج فاقت عبادة الصحابة، ومع ذلك وُصفوا بأنهم "كلاب أهل النار". [^7]
المسلك التدبري: قوله تعالى {فَتَبَيَّنُوا} يتضمن معنىً تدبرياً عميقاً؛ وهو أن الحكم على الناس ديانةً وسياسةً لا يجوز أن يُبنى على الظن والحدس، بل على البينة القاطعة والبرهان الواضح. [^8]
[رابعاً: تفسير الآيات الواردة]
1. الإمام ابن تيمية:
يوضح أن قصة بني المصطلق ونزول آية {فَتَبَيَّنُوا} دليل على أن الإمام إذا بلغه عن طائفة امتناعهم عن شعيرة من شعائر الإسلام وجب عليه التثبت أولاً، فإذا ثبت الامتناع وجب القتال. [^9]
2. الإمام ابن كثير:
يبين في تفسير آية النساء أن الله أمر المؤمنين بالتثبت في قتال من أظهر الإسلام، لأن الإسلام يَعصم الدم والمال بمجرد إظهاره، حتى يثبت خلاف ذلك بيقين. [^10]
3. الإمام محمد بن عبد الوهاب:
يؤكد أن الاحتجاج بحديث أسامة مع إغفال قصة الخوارج هو من اتباع المتشابه وترك المحكم، فالسنة يُفسر بعضها بعضاً، والناقض يبطل العصمة. [^11]
4. الإمام السعدي:
يرى أن الآية في سورة الحجرات تأصيل لمنهجية التعامل مع الأخبار، فالفاسق لا يُقبل خبره استقلالاً، بل يُتوقف فيه حتى يُبحث عن القرائن المؤيدة. [^12]
[خامساً: أقوال العلماء المعاصرين]
الإمام ابن عثيمين: "قتل الخوارج مع عظيم عباداتهم هو أكبر دليل على أن مجرد الذكر والصلاة لا ينفعان إذا وجد الانحراف العقدي العظيم، فالدين أصل وفرع، والخلل في الأصل يهدم الفرع". [^13]
الشيخ صالح الفوزان: "قصة بني المصطلق تدل على أن منع الزكاة ناقض عملي يُباح به القتال، فكيف بمن يمنع أصل التوحيد ويصرفه لغير الله؟! هذا من باب أولى وأحرى". [^14]
الشيخ صالح آل الشيخ: "التثبت المأمور به في الآية هو العاصم من الوقوع في تكفير المسلمين بغير حق، وهو أيضاً العاصم من تمييع الدين بترك قتال المرتدين والمشركين". [^15]
الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي: "مغزى الاستدلال هنا هو إقامة التلازم بين (التثبت) وبين (القتل)؛ فلو كان القول باللسان عاصماً مطلقاً لما كان للتثبت معنى، إذ لن يتبعه حكم بالقتل مهما ظهر". [^16]
[الحاشية ]
[^1]: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، رقم (7432)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، رقم (1064).
[^2]: ينظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ص 80، مكتبة الشروق الدولية.
[^3]: ينظر: مقالات الإسلاميين، أبو الحسن الأشعري، ص 156، دار إحياء التراث العربي.
[^4]: ينظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، المجلد 2، ص 424، دار الفكر.
[^5]: ينظر: الروض المربع شرح زاد المستقنع، البهوتي، ص 198، دار المعارف.
[^6]: ينظر: شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 148، دار الثريا.
[^7]: ينظر: تهذيب مدارج السالكين، ابن القيم، ص 245، دار القلم.
[^8]: ينظر: أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 2، ص 380، دار عالم الفوائد.
[^9]: ينظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 28، ص 510، مجمع الملك فهد.
[^10]: ينظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 2، ص 375، دار طيبة.
[^11]: ينظر: مجموعة التوحيد، رسالة كشف الشبهات، ص 28.
[^12]: ينظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 800، مؤسسة الرسالة.
[^13]: ينظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين، المجلد 1، ص 560، دار الوطن.
[^14]: ينظر: إعانة المستفيد، الفوزان، المجلد 2، ص 210، دار التوحيد.
[^15]: ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ، ص 170، دار التوحيد.
[^16]: ينظر: شرح كشف الشبهات (دروس مفرغة)، صالح سندي، المجلس الثامن، ص 25، مكتبة السنة.
-----------------&
القطعة السابعة والعشرين
وهي من القواعد الفاصلة في باب "الاستغاثة
[أولاً: ضبط المتن]
«ولهم شبهة أخرى، وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلٌّ يعتذر، حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ؛ قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً!
والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه! فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال تعالى في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق؛ ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم، في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.
إذا ثبت ذلك؛ فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الموقف من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة؛ وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك فتقول له: ادعُ الله لي، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه ذلك في حياته؛ وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه؟!».
-----------------------------------------&
[ثانياً: المفردات والحدود اللغوية]
الاستغاثة: (الحد لغوياً: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة والنقمة. واصطلاحاً: التوجه إلى مَن يملك كشف الضر عند وقوعه). [^1]
كرب الموقف: (الحد: الشدة العظيمة والغم الذي يأخذ بالنفس وقت وقوف الخلائق للحساب يوم القيامة). [^2]
الشيعة (في الآية): (الحد لغوياً: الأتباع والأعوان، والمراد هنا الرجل الذي كان من بني إسرائيل قوم موسى). [^3]
حاشا وكلا: (الحد: كلمتان تستعملان للتنزيه والردع والزجر عن قول باطل، والمراد نفي وقوع ذلك من الصحابة قطعاً). [^4]
[ثالثاً: المسالك (العقدية، التربوية، التدبرية)]
المسلك العقدي: تقرير الفرق بين "الاستغاثة الجِبِلّية" (بحيٍّ حاضر مقدور) و"الاستغاثة الشركية" (بميت أو غائب فيما لا يقدر عليه إلا الله). فالأولى من باب التعاون، والثانية من باب التأليه. [^5]
المسلك التربوي: ضرورة تعليق القلب بالله وحده في الشدائد التي لا يكشفها إلا هو (كشف المرض، غفران الذنب، دخول الجنة)، والحذر من خلط المفاهيم الذي يسوقه الشيطان. [^6]
المسلك التدبري: قوله تعالى {فَاسْتَغَاثَهُ} في قصة موسى، جاءت بلفظ صريح لبيان الجواز في الأمور الحسية الحاضرة، مما يدل على أن القرآن يفسر بعضه بعضاً ويضع الحدود الفاصلة للعبادة. [^7]
[رابعاً: تفنيد الشبهة (أنواع الاستغاثة والتوسل)]
1. أنواع الاستغاثة:
استغاثة جائزة: وهي الاستغاثة بمخلوق (حي) (حاضر) (قادر).
استغاثة شركية: وهي الاستغاثة بمخلوق (ميت) أو (غائب) أو (فيما لا يقدر عليه إلا الله كالرزق والشفاء).
استغاثة محرمة (بدعية): الاستغاثة بحي حاضر فيما يقدر عليه لكن مع اعتقاد سرٍّ خفي فيه يخرجه عن كونه سبباً حسياً. [^8]
2. أنواع التوسل:
توسل مشروع: (بأسماء الله وصفاته، بالعمل الصالح، بدعاء الرجل الصالح الحي).
توسل بدعي: (التوسل بجاه النبي ﷺ أو بحق فلان، وهو وسيلة للشرك وإن لم يكن شركاً أكبر بذاته عند البعض، لكنه محرم).
توسل شركي: (وهو الذي حقيقته استغاثة، كقوله: يا فلان توسلت بك إلى الله أن تقضي حاجتي، ويقصد بذلك نداءه مباشرة). [^9]
[خامساً: أقوال العلماء المعاصرين]
الإمام ابن عثيمين: "المشركون لبّسوا بحديث الشفاعة العظمى، والفرق ظاهر؛ فالناس يوم القيامة يذهبون للأنبياء وهم أحياء في عرصات القيامة، يكلمونهم ويسمعون منهم، ويطلبون (الدعاء) لا (كشف الكرب) استقلالاً، وهذا هو عين الجائز". [^10]
الشيخ صالح الفوزان: "الاستغاثة بالميت شرك أكبر لأن الميت انقطع عمله ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ومن استدل بقصة موسى على جواز الاستغاثة بالأموات فقد طمس الله على بصيرته لأنه سوّى بين الحي والقادر والميت والعاجز". [^11]
الشيخ صالح آل الشيخ: "تقرير السلف أن الصحابة لم يطلبوا من النبي ﷺ شيئاً بعد موته هو قاطع للنزاع؛ فلو كان طلب الدعاء من الميت جائزاً لكانوا أحق الناس بفعله عند قبره ﷺ في الأزمات". [^12]
الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي: "تحرير محل النزاع هنا في قوله (فيما يقدر عليه)؛ فالمخلوق سبب حسي في حياته، فإذا مات انقطعت السببية الحسية، وبقيت علاقة العبادة بالله وحده، فصرفها للميت تأليه له". [^13]
[الحاشية ]
[^1]: ينظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، المؤلف: سليمان بن عبد الله آل الشيخ، ص 165، دار الصميعي.
[^2]: ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، المجلد 4، ص 162، المكتبة العلمية.
[^3]: ينظر: تفسير الغريب في القرآن الكريم، الطريفي، ص 210. (لغوياً: الشيعة هم الفرقة المتفقة على مذهب).
[^4]: ينظر: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام، ص 142، دار الفكر.
[^5]: ينظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 1، ص 103، مجمع الملك فهد.
[^6]: ينظر: الفوائد، ابن القيم، ص 154، دار عالم الفوائد.
[^7]: ينظر: أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 6، ص 115، دار عالم الفوائد.
[^8]: ينظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين، المجلد 1، ص 212، دار ابن الجوزي.
[^9]: ينظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ابن تيمية، ص 54، دار عالم الكتب.
[^10]: ينظر: شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 155، دار الثريا.
[^11]: ينظر: إعانة المستفيد، الفوزان، المجلد 1، ص 230، دار التوحيد.
[^12]: ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ، ص 182، دار التوحيد.
[^13]: ينظر: شرح كشف الشبهات (دروس مفرغة)، صالح سندي، المجلس التاسع، ص 30، مكتبة السنة
----------------&
القطعة الثامنة والعشرين ١:
[أولاً: ضبط المتن (الجزء الأول من الخاتمة)]
«ولهم شبهة أخرى وهي: قصة إبراهيم ﷺ لما أُلقي في النار، اعترض له جبريل في الهواء، فقال له: "ألك حاجة؟" فقال إبراهيم: "أما إليك فلا" [^1]. قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركاً لم يعرضها على إبراهيم!
والجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه؛ فإنه كما قال الله تعالى فيه: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 5]، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير، يرى رجلاً محتاجاً فيعرض عليه أن يقرضه، فيأبى ذلك المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟!»
[ثانياً: التحقيق والتخريج الحديثي (قصة جبريل مع إبراهيم)]
1. مصادر القصة:
أوردها ابن جرير الطبري في "تفسيره"، والبغوي في "معالم التنزيل"، وابن كثير في "البداية والنهاية". [^2]
2. دراسة الأثر وعِلله:
هذا الأثر ضعيف جداً من حيث الإسناد، بل عده بعض المحققين من الإسرائيليات التي لا أصل لها في السنة المرفوعة:
العلة الأولى: الانقطاع؛ فقد رُوي عن عكرمة ومجاهد وغيرهم من التابعين مرسلاً، والمرسل من أقسام الضعيف.
العلة الثانية: وجود "محمد بن مروان السدي الصغير" في بعض أسانيده، وهو متروك الحديث عند أهل الفن. [^3]
العلة الثالثة: مخالفته لظاهر القرآن؛ فالله تعالى قال: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، ولم يذكر وسائط من الملائكة في كشف الضر عنه.
3. الحكم النهائي:
الأثر لا يصح سنداً، وإنما ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب من باب "التنزل مع الخصم"؛ أي: لو فرضنا صحة هذه القصة جدلاً، فهي لا تخدم مذهبكم في الاستغاثة الشركية بالقبور. [^4]
[ثالثاً: المفردات والحدود اللغوية الموسعة]
اعتـرض: (الحد: التصدّي والمقابلة في عرض الطريق. لغةً: صار عارضاً كالخشبة المعترضة في النهر تمنع الجريان). [^5]
شديد القوى: (الحد: وصف لجبريل عليه السلام بعظم القدرة البدنية والملكوتية التي خصّه الله بها، ومنها قلع قرى قوم لوط بطرف جناحه). [^6]
المنّة: (الحد: هي الفخر بالإعطاء، أو استعظام النعمة وذكرها للآخذ على وجه الترفع عليه، وهي محبطة للثواب). [^7]
الفقـه: (الحد: الفهم الدقيق لمراد المتكلم، وتجاوز ظواهر الألفاظ إلى مقاصدها وغاياتها). [^8]
[رابعاً: المسالك (العقدية، التربوية، التدبرية)]
المسلك العقدي: تكييف عرض جبريل؛ هل هو من باب العبادة؟ الجواب: لا، بل هو من باب "الإعانة بالمقدور"، كالاستعانة بملك الموت في قبض الروح، فالملك مأمور مسخر بقدرة أودعها الله فيه، لا بقدرة ذاتية مستقلة. [^9]
المسلك التربوي: مقام "إفراد الرغبة"؛ إبراهيم ﷺ أراد أن يحقق أعلى مراتب التوحيد وهي "الاستغناء بالله عن كل ما سواه"، فرفض الوساطة المخلوقة ليبقى افتقاره خالصاً لرب العالمين. [^10]
المسلك التدبري: قوله تعالى {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}؛ استدلال المصنف بها لطيف، فالمعلم هو الله، والقوة هبة منه، فالمفزع الأول والأخير للمعلم الوهاب سبحانه. [^11]
[خامساً: شروحات العلماء المعاصرين الأربعة]
الإمام ابن عثيمين: "أكد أن الاستغاثة بالمخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه (جائزة)، ولكن (الأفضل) تركها لمن قوي توكله، كفعل إبراهيم، وهذا ينسف شبهة عباد القبور الذين يدعون ميتاً لا يملك لنفسه نفعاً". [^12]
الشيخ صالح الفوزان: "بين أن جبريل عليه السلام خادم من خُدام الله، وعرضه كان بصفته ملكاً قادراً بحكم خلقته، فالمشركون قاسوا دعاء الأموات الغائبين على مخاطبة الأحياء القادرين، وهذا قياس مع الفارق الباطل". [^13]
الشيخ صالح آل الشيخ: "ركز على أن إبراهيم ﷺ في مقام (الخُلة)، والخليل هو من تخلل حب الله في جميع مسالك روحه، فلا يجد متسعاً لطلب الغوث من غيره، وهذا مقام كمال لا مقام منعٍ شرعي للأصل". [^14]
الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي: "أوضح أن المصنف استعمل في هذا الجزء مسلك (الإلزام)؛ فإذا كنتم تستدلون بقصة إبراهيم، فإبراهيم قال (أما إليك فلا)، فالتزموا بمذهب إبراهيم في ترك الالتفات للمخلوقين". [^15]
[الحاشية]
[^1]: ينظر: كشف الشبهات، محمد بن عبد الوهاب، ص 28، دار الألوكة للنشر.
[^2]: ينظر: تفسير الطبري (جامع البيان)، ج 18، ص 432؛ البداية والنهاية، ابن كثير، ج 1، ص 154، دار هجر.
[^3]: ينظر: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، الذهبي، ج 4، ص 32، دار المعرفة؛ وعزاه ابن كثير لبعض الإسرائيليات في تفسيره، ج 5، ص 343.
[^4]: ينظر: فتح المجيد، عبد الرحمن بن حسن، ص 188، دار الصميعي.
[^5]: ينظر: لسان العرب، ابن منظور، مادة (عرض)، ج 7، ص 165، دار صادر.
[^6]: ينظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 818 (تفسير سورة النجم)، مؤسسة الرسالة.
[^7]: ينظر: كتاب التعريفات، الجرجاني، ص 224، دار الكتب العلمية.
[^8]: ينظر: إعلام الموقعين، ابن القيم، ج 1، ص 156، دار عالم الفوائد.
[^9]: ينظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 1، ص 328، مجمع الملك فهد.
[^10]: ينظر: مدارج السالكين، ابن القيم، ج 2، ص 128، دار عالم الفوائد.
[^11]: ينظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ج 7، ص 450، دار عالم الفوائد.
[^12]: ينظر: شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 162، دار الثريا.
[^13]: ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ج 1، ص 235، دار التوحيد.
[^14]: ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ، ص 188، دار التوحيد.
[^15]: ينظر: شرح كشف الشبهات (دروس مفرغة)، صالح سندي، المجلس العاشر، ص 35، مكتبة السنة.
---------------&
القطعة الثامنة والعشرين
[أولاً: ضبط المتن (الجزء الثاني من الخاتمة)]
«ولنختم الكلام إن شاء الله بمسألة عظيمة مهمة جداً، تُفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها؛ فنقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً. فإن عرف التوحيد ولم يعمل به، فهو كافر معاند، كفر فرعون وإبليس وأمثالهما. وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا ونشهد أنه الحق، ولكن لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار؛ ولم يدرِ المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، كما قال تعالى: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [التوبة: 9]، وغير ذلك من الآيات؛ كقوله: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146]».
[ثانياً: المفردات والحدود اللغوية الموسعة]
التوحيد (بالقلب واللسان والعمل): (الحد: هو حقيقة الإيمان عند أهل السنة؛ فالقلب للتصديق والانقياد، واللسان للإقرار، والجوارح للامتثال. فإذا ذهب انقياد القلب وعمل الجوارح بالكلية، لم ينفع مجرد المعرفة). [^1]
المعاند: (الحد: هو الذي أدرك الحق يقيناً وعانده استكباراً أو طلباً لدنيا، وهو أشد كفراً من الجاهل). [^2]
ثمناً قليلاً: (الحد: كل حظ من حظوظ الدنيا (جاه، مال، رئاسة) يُقدَّم على أمر الله؛ وسُمي قليلاً لأنه زائل فانٍ مهما عَظُم). [^3]
الأعذار: (الحد لغةً: جَمْع عُذر، وهو الحجة التي يُعتذر بها. واصطلاحاً هنا: هي العلل الباطلة التي يتعلل بها المعرضون عن العمل بالحق كخوف الناس أو موافقة العادات). [^4]
[ثالثاً: المسالك (العقدية، التربوية، التدبرية)]
المسلك العقدي: تقرير أن "المعرفة" وحدها لا تُدخل في الإسلام؛ وهذا ردٌّ مفصل على (الجهمية) و(المرجئة) الذين زعموا أن الإيمان هو المعرفة. فالمصنف أثبت أن فرعون وإبليس كانوا عارفين، ومع ذلك هم رؤوس الكفر. [^5]
المسلك التربوي: خطورة (المداهنة) في الدين؛ فالمسكنة والضعف أمام تقاليد المجتمع أو "أهل البلد" ليست عذراً شرعياً لترك التوحيد، بل هي عين صفات أهل الكتاب الذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً. [^6]
المسلك التدبري: قوله تعالى {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}؛ تأمل تشبيه المعرفة بالأبناء، لأن الإنسان لا يشك في ابنه أبداً، ومع ذلك لم تنفعهم هذه المعرفة اليقينية لما تخلف عنها "الانقياد والعمل". [^7]
[رابعاً: تفسير الآيات الواردة]
1. الإمام ابن تيمية:
يوضح أن الإيمان "قول وعمل"، فمن قال بلسانه "أشهد" وعرف بقلبه الحق، لكنه استكبر عن السجود أو الالتزام بشرائع الإسلام، فهو كافر بإجماع السلف، لأن الامتناع عن العمل دليل على خلو القلب من الانقياد. [^8]
2. الإمام ابن كثير:
يبين في قوله {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} أنهم استبدلوا الهدى بالضلالة، وآثروا حطام الدنيا الزائل على نعيم الآخرة المقيم، وهذا حال كل من عرف الحق وتركه لأجل منصب أو مال. [^9]
3. الإمام محمد بن عبد الوهاب:
يقرر أن المعرفة بدون عمل هي "حجة الله على العبد"؛ فالعارف المعاند عقوبته أشد من الجاهل، وأعذار الناس اليوم (خوفاً على المال أو الجاه) هي عين أعذار كفار قريش واليهود. [^10]
4. الإمام السعدي:
يرى أن قوله {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} هو غاية في إلزام الحجة، فما بَقِيَ لهم عذر إلا العناد المحض، وهذا هو الكفر الذي لا يُغفر. [^11]
[خامساً: شروحات العلماء المعاصرين الأربعة]
الإمام ابن عثيمين: "ركز على أن الإيمان لا يصح إلا بالعمل، وأن من زعم أنه يحب التوحيد ويعرفه لكنه يشرك بالله (مداراةً) لأهل بلده، فهو لم يعرف التوحيد حقيقة، بل آثر الخلق على الخالق". [^12]
الشيخ صالح الفوزان: "أوضح أن كفر (الإعراض) و(العناد) يقع كثيراً في المنتسبين للعلم؛ فالعالم قد يعرف الحق لكنه يتركه خوفاً على وظيفته أو جاهه، فيكون شبيهاً بعلماء بني إسرائيل". [^13]
الشيخ صالح آل الشيخ: "بيَّن أن التوحيد ليس معلومة جافة في العقل، بل هو (دين) يقتضي الخضوع؛ فإذا فُقد الخضوع (العمل) فُقد أصل الدين، والمداراة التي تصل لترك التوحيد هي كفر". [^14]
الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي: "أكد أن هذا الجزء هو (فيصل المحك)؛ فالتوحيد بلا عمل هو توحيد إبليسي، والمسلم الحق هو من ينقاد للحق ولو خالف أهل الأرض جميعاً". [^15]
[الحاشية ]
[^1]: ينظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، ص 332، مؤسسة الرسالة.
[^2]: ينظر: مدارج السالكين، ابن القيم، ج 1، ص 345، دار عالم الفوائد.
[^3]: ينظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج 4، ص 112، دار طيبة.
[^4]: ينظر: المصباح المنير، الفيومي، ص 401، المكتبة العلمية.
[^5]: ينظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 7، ص 505، مجمع الملك فهد.
[^6]: ينظر: إغاثة اللهفان، ابن القيم، ج 1، ص 114، دار عالم الفوائد.
[^7]: ينظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ج 1، ص 85، دار عالم الفوائد.
[^8]: ينظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 12، ص 466، مجمع الملك فهد.
[^9]: ينظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج 4، ص 112، دار طيبة.
[^10]: ينظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ج 2، ص 120.
[^11]: ينظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 71، مؤسسة الرسالة.
[^12]: ينظر: شرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، ص 168، دار الثريا.
[^13]: ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ج 2، ص 250، دار التوحيد.
[^14]: ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ، ص 195، دار التوحيد.
[^15]: ينظر: شرح كشف الشبهات (دروس مفرغة)، صالح سندي، المجلس الحادي عشر، ص 40، مكتبة السنة.
----------------&
القطعة الثامنة والعشرين:
[أولاً: ضَبْطُ المَتْنِ بِالشَّكْلِ]
«فَإِنْ عَمِلَ بِالتَّوْحِيدِ عَمَلًا ظَاهِرًا وَهُوَ لَا يَفْهَمُهُ أَوْ لَا يَعْتَقِدُهُ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْكَافِرِ الْخَالِصِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَبِيرَةٌ طَوِيلَةٌ، تَتَبَيَّنُ لَكَ إِذَا تَأَمَّلْتَهَا فِي أَلْسِنَةِ النَّاسِ؛ تَرَى مَنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ وَيَتْرُكُ الْعَمَلَ بِهِ لِخَوْفِ نَقْصِ دُنْيَا أَوْ جَاهٍ أَوْ مُدَارَاةٍ لِأَحَدٍ، وَتَرَى مَنْ يَعْمَلُ بِهِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، فَإِذَا سَأَلْتَهُ عَمَّا يَعْتَقِدُهُ بِقَلْبِهِ فَإِذَا هُوَ لَا يَعْرِفُهُ».
[ثانياً: المُفْرَدَاتُ وَالحُدُودُ اللُّغَوِيَّةُ]
المُنَافِقُ: (الحَدُّ: هُوَ مَنْ يُظْهِرُ القَوْلَ وَالفِعْلَ المَشْرُوعَ، وَيُبْطِنُ مَا يُنَاقِضُهُ مِنَ الكُفْرِ وَالبُغْضِ لِلدِّينِ). [^1]
الدَّرْكُ الأَسْفَلُ: (الحَدُّ: هُوَ أَقْصَى قَعْرِ جَهَنَّمَ، وَسُمِيَّتْ دَرَكَاتٍ لِأَنَّهَا تَنْزِلُ إِلَى تَحْتُ، بِخِلَافِ دَرَجَاتِ الجَنَّةِ الَّتِي تَعْلُو إِلَى فَوْقُ). [^2]
المُدَارَاةُ: (الحَدُّ: بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدِّينِ، وَهِيَ مَحْمُودَةٌ، لَكِنَّ المُرَادَ هُنَا المُدَاهَنَةُ؛ وَهِيَ تَرْكُ الدِّينِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا). [^3]
نَقْصُ الجَاهِ: (الحَدُّ: ذَهَابُ المَنْزِلَةِ وَالقَدْرِ عِنْدَ النَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ صَوَارِفِ الخَلْقِ عَنِ التَّوْحِيدِ). [^4]
[ثالثاً: المَسَالِكُ (العَقَدِيَّةُ، التَّرْبَوِيَّةُ، التَّدَبُّرِيَّةُ)]
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: النِّفَاقُ الأَكْبَرُ مَسْلَكٌ يُهْدِمُ أَصْلَ الدِّينِ، وَالعَمَلُ الظَّاهِرُ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ اللهِ إِذَا خَلَا القَلْبُ مِنَ اليَقِينِ وَالمَحَبَّةِ وَالِانْقِيَادِ. [^5]
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: وُجُوبُ تَفَقُّدِ النِّيَّةِ وَالبَاطِنِ؛ فَلَا يَكْفِي أَنْ يُوَحِّدَ المَرْءُ لِأَنَّ بِيئَتَهُ مُوَحِّدَةٌ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ فَهْمٍ وَقَنَاعَةٍ قَلْبِيَّةٍ رَاسِخَةٍ. [^6]
المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: قَوْلُهُ تَعَالَى {فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ} يُلْمِحُ إِلَى أَنَّ خِدَاعَ اللهِ وَالمُؤْمِنِينَ جُرْمٌ يَفُوقُ الكُفْرَ المُجَاهَرَ بِهِ، لِأَنَّ شَرَّ المُنَافِقِ دَاخِلِيٌّ وَمُسْتَتِرٌ. [^7]
[رابعاً: شُرُوحَاتُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ الأَرْبَعَةِ]
الإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: «بَيَّنَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ لِأَجْلِ المَدَارَاةِ وَهُوَ خَالِي القَلْبِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَهُوَ مُنَافِقٌ نِفَاقاً عَقَدِيّاً، وَأَنَّ المَسْأَلَةَ "كَبِيرَةٌ طَوِيلَةٌ" لِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ تُمْسَحُ بِالمُظَاهَرَةِ». [^8]
الشَّيْخُ صَالِحٌ الفَوْزَانُ: «أَكَّدَ أَنَّ المُنَافِقَ شَرٌّ مِنَ الكَافِرِ لِأَنَّ الكَافِرَ نَعْرِفُ مَكَانَهُ فَنَحْذَرُهُ، أَمَّا المُنَافِقُ فَيَعِيشُ بَيْنَنا وَيُظْهِرُ مِثْلَ عَمَلِنَا وَقَلْبُهُ خَرِبٌ، فَهَذَا هُوَ الخَطَرُ الحَقِيقِيُّ». [^9]
الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ: «أَوْضَحَ أَنَّ "فَهْمَ التَّوْحِيدِ" شَرْطٌ فِي صِحَّةِ العَمَلِ بِهِ، فَمَنْ عَمِلَ بِلَا فَهْمٍ كَانَ كَمَنْ جَاءَ بِجَسَدٍ بِلَا رُوحٍ، وَهَذَا حَالُ مَنْ يُقَلِّدُ فِي التَّوْحِيدِ تَقْلِيداً أَعْمَى». [^10]
الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي: «نَبَّهَ إِلَى أَنَّ المُنَافِقَ يُرِيدُ حِمَايَةَ (دُنْيَاهُ) بِمَظَاهِرِ (دِينِهِ)، وَهَذَا قَلْبٌ لِلْمَوَازِينِ، فَالواجبُ أَنْ يُبْذَلَ الكُلُّ لِأَجْلِ التَّوْحِيدِ بَاطِناً وَظَاهِراً». [^11]
[الحَاشِيَةُ ]
[^1]: يُنْظَرُ: مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ القُرْآنِ، الرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِيُّ، ص 819.
[^2]: يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، ابْنُ كَثِيرٍ، المجلد 2، ص 438.
[^3]: يُنْظَرُ: فَتْحُ البَارِي، ابْنُ حَجَرٍ، المجلد 10، ص 454.
[^4]: يُنْظَرُ: كِتَابُ التَّعْرِيفَاتِ، الجُرْجَانِيُّ، ص 78.
[^5]: يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، المجلد 7، ص 210.
[^6]: يُنْظَرُ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ابْنُ القَيِّمِ، المجلد 1، ص 120.
[^7]: يُنْظَرُ: تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، السَّعْدِيُّ، ص 211.
[^8]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص 172.
[^9]: يُنْظَرُ: إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ، الفَوْزَانُ، المجلد 2، ص 260.
[^10]: يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص 198.
[^11]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ (دُرُوسٌ مِفْرَغَةٌ)، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ الحَادِي عَشَرَ، ص 45.
----------------------&
الجزءِ الرَّابعِ والأخيرِ من الخاتمةِ (القطعةُ الثامنةُ والعشرونَ)، وهو مِسكُ الخِتامِ في هذا السِّفرِ العظيمِ، :
[أولاً: ضَبْطُ المَتْنِ بِالشَّكْلِ]
«وَعَلَيْكَ بِفَهْمِ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؛ أُولَاهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66]. فَإِذَا تَحَقَّقْتَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ غَزَوْا الرُّومَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَرُوا بِسَبَبِ كَلِمَةٍ قَالُوهَا عَلَى وَجْهِ المَزْحِ وَاللَّعِبِ؛ تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالْكُفْرِ أَوْ يَعْمَلُ بِهِ خَوْفاً مِنْ نَقْصِ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مُدَارَاةٍ لِأَحَدٍ أَعْظَمُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ يَمْزَحُ بِهَا.
وَالآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} [النحل: 106، 107]. فَلَمْ يَعْذُرِ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ مَعَ كَوْنِ قَلْبِهِ مُطْمَئِنّاً بِالْإِيمَانِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَقَدْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ خَوْفاً أَوْ مُدَارَاةً أَوْ مَشَحَّةً بِوَطَنِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ عَشِيرَتِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ المَزْحِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ إِلَّا المُكْرَهَ. وَالآيَةُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا مِنْ جِهَتَيْنِ:
الأُولَى: قَوْلُهُ: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} فَلَمْ يَسْتَثْنِ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا المُكْرَهَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُكْرَهُ إِلَّا عَلَى الْكَلَامِ أَوِ الْفِعْلِ، وَأَمَّا عَقِيدَةُ الْقَلْبِ فَلَا يُكْرَهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ.
وَالثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} فَصَرَّحَ أَنَّ هَذَا الْكُفْرَ وَالْعَذَابَ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ الِاعْتِقَادِ أَوِ الْجَهْلِ أَوِ الْبُغْضِ لِلدِّينِ أَوْ مَحَبَّةِ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا سَبَبُهُ أَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ حَظّاً مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا، فَآثَرَهُ عَلَى الدِّينِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ».
[ثانياً: المُفْرَدَاتُ وَالحُدُودُ اللُّغَوِيَّةُ]
المَشَحَّةُ: (الحَدُّ: الضَّنُّ بِالشَّيْءِ وَالبُخْلُ بِهِ، وَالمُرَادُ هُنَا التَّعَلُّقُ الشَّدِيدُ بِالوَطَنِ وَالأَهْلِ حَتَّى يُقَدَّمُوا عَلَى الدِّينِ). [^1]
أُكْرِهَ: (الحَدُّ: مَنْ حُمِلَ عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ لَا يُرِيدُهُ بِالتَّهْدِيدِ بِمَا يُؤْلِمُ نَفْسَهُ أَوْ مَالَهُ أَوْ عِرْضَهُ). [^2]
شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْراً: (الحَدُّ: أَيْ فَتَحَ قَلْبَهُ لِلكُفْرِ وَطَابَتْ نَفْسُهُ بِهِ اخْتِيَاراً، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ فَعَلَهُ لِأَجْلِ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ آثَرَهُ عَلَى الإِيمَانِ). [^3]
اسْتَحَبُّوا: (الحَدُّ: آثَرُوا وَاخْتَارُوا مَحَبَّةَ شَيْءٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَالمُرَادُ تَقْدِيمُ مَصَالِحِ الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ عَلَى مَصَالِحِ الآخِرَةِ البَاقِيَةِ). [^4]
[ثالثاً: المَسَالِكُ (العَقَدِيَّةُ، التَّرْبَوِيَّةُ، التَّدَبُّرِيَّةُ)]
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تَقْرِيرُ أَنَّ الإِكْرَاهَ المُلْجِئَ هُوَ العُذْرُ الوَحِيدُ لِلنُّطْقِ بِالكُفْرِ، وَأَمَّا مَا سِوَاهُ مَنْ خَوْفٍ عَلَى جَاهٍ أَوْ مَالٍ فَلَيْسَ عُذْراً. كَمَا أَنَّ الكُفْرَ يَقَعُ بِالفِعْلِ وَالقَوْلِ دُونَ اشْتِرَاطِ (اعْتِقَادِ القَلْبِ) عِنْدَ غَيْرِ المُكْرَهِ. [^5]
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: خُطُورَةُ الدُّنْيَا إِذَا صَارَتْ صَارِفَةً عَنِ الدِّينِ؛ فَقَدْ يَبِيعُ المَرْءُ دِينَهُ لِأَجْلِ "مُدَارَاةِ" النَّاسِ أَوْ خَوْفِ نَقْصِ المَالِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي عَيْنِ الكُفْرِ الَّذِي وَصَفَهُ اللهُ. [^6]
المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: قَوْلُهُ تَعَالَى {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا}؛ تَعْلِيلُ الكُفْرِ بِـ (مَحَبَّةِ الدُّنْيَا) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَمْرَ القَلْبِ مَبْنِيٌّ عَلَى الإِيثَارِ، فَمَنْ آثَرَ دُنْيَاهُ فَقَدْ نَقَصَ عَهْدُ اللهِ عِنْدَهُ. [^7]
[رابعاً: تَفْسِيرُ الآيَاتِ المَذْكُورَةِ]
1. الإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ:
يَرَى أَنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِالكُفْرِ طَائِعاً فَقَدْ شَرَحَ بِهِ صَدْراً، وَأَنَّ لَمْ يَعْتَقِدْهُ، لِأَنَّ اللهَ لَمْ يَسْتَثْنِ إِلَّا المُكْرَهَ، وَلَوْ كَانَ عَدَمُ الاعْتِقَادِ عُذْراً لَمَا كَانَ لِلإِكْرَاهِ مَعْنًى. [^8]
2. الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ:
يُوَضِّحُ أَنَّ اللهَ حَكَمَ بِالكُفْرِ عَلَى مَنِ ارْتَدَّ، وَأَوَعَدَهُمْ بِالغَضَبِ وَالعَذَابِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ هُوَ حُبُّ الدُّنْيَا، لَا لِأَنَّ هُنَاكَ حُجَّةً عَقْلِيَّةً أَوْ شَرْعِيَّةً دَعَتْهُمْ لِذَلِكَ. [^9]
3. الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ:
يُؤَكِّدُ أَنَّ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ هُمَا (قَاطِعَةُ النِّزَاعِ) مَعَ المُرْجِئَةِ؛ فَالصَّحَابَةُ فِي تَبُوكَ كَفَرُوا بِالْمَزْحِ، وَالمُرْتَدُّونَ كَفَرُوا بِإِيثَارِ الدُّنْيَا، وَكِلَاهُمَا لَمْ يَعْتَقِدِ الكُفْرَ بِقَلْبِهِ. [^10]
4. الإِمَامُ السَّعْدِيُّ:
يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ {فَلَيْسَ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا اعْتِقَادًا} بَلْ لِأَنَّهُمْ قَدَّمُوا المَحْبُوبَ العَاجِلَ عَلَى المَحْبُوبِ الآجِلِ، وَهَذَا مَزْلَقٌ خَطِيرٌ لِأَهْلِ الإِيمَانِ. [^11]
[خامساً: شُرُوحَاتُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ الأَرْبَعَةِ]
الإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: «نَبَّهَ إِلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: (أَنَا لَا أُكْرِهُ نَفْسِي عَلَى الكُفْرِ لَكِنِّي أَفْعَلُهُ لِمَصْلَحَةِ المَالِ)، فَقَالَ: هَذَا هُوَ عَيْنُ الكُفْرِ لِأَنَّكَ آثَرْتَ مَصْلَحَةَ المَالِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالعُذْرُ فَقَطْ فِي الإِكْرَاهِ المُلْجِئِ». [^12]
الشَّيْخُ صَالِحٌ الفَوْزَانُ: «أَوْضَحَ أَنَّ الآيَةَ تَرُدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ (الإِيمَانُ فِي القَلْبِ) فَقَطْ، فَلَوْ كَانَ فِي القَلْبِ فَقَطْ لَمَا كَفَّرَ اللهُ مَنْ نَطَقَ بِالكُفْرِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا مَعَ ثَبَاتِ عَقِيدَتِهِ». [^13]
الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ: «بَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الآيَةِ مَعْيَارِيٌّ؛ فَالإِكْرَاهُ رُخْصَةٌ بَارِدَةٌ، وَأَمَّا المَدَارَاةُ فَهِيَ شَهْوَةٌ بَاطِلَةٌ، وَالمُصَنِّفُ خَتَمَ بِهَذَا لِيَحْسِمَ مَادَّةَ التَّلَاعُبِ بِالدِّينِ». [^14]
الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي: «أَكَّدَ أَنَّ قَوْلَ المُصَنِّفِ (لَا يُكْرَهُ عَلَى عَقِيدَةِ القَلْبِ أَحَدٌ) هِيَ جَوْهَرَةُ المَسْأَلَةِ؛ فَالمُكْرَهُ يُعْطِي بِلِسَانِهِ مَا يُنْجِيهِ، وَيَبْقَى قَلْبُهُ حِصْناً، أَمَّا طَالِبُ الدُّنْيَا فَقَدْ بَاعَ الحِصْنَ بِالثَّمَنِ القَلِيلِ». [^15]
[الحَاشِيَةُ]
[^1]: يُنْظَرُ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ابْنُ فَارِسٍ، المجلد 3، ص 178، دَارُ الفِكْرِ.
[^2]: يُنْظَرُ: المَنْثُورُ فِي القَوَاعِدِ، الزَّرْكَشِيُّ، المجلد 1، ص 160، مَطْبَعَةُ الكُوَيْتِ.
[^3]: يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، ابْنُ كَثِيرٍ، المجلد 4، ص 605، دَارُ طَيِّبَةَ.
[^4]: يُنْظَرُ: المُفْرَدَاتُ، الرَّاغِبُ، ص 218.
[^5]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص 180، دَارُ الثُّرَيَّا.
[^6]: يُنْظَرُ: إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ، ابْنُ القَيِّمِ، المجلد 1، ص 130.
[^7]: يُنْظَرُ: تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، السَّعْدِيُّ، ص 450.
[^8]: يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، المجلد 7، ص 560.
[^9]: يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، ابْنُ كَثِيرٍ، المجلد 4، ص 606.
[^10]: يُنْظَرُ: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 10، ص 340.
[^11]: يُنْظَرُ: تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، السَّعْدِيُّ، ص 450.
[^12]: يُنْظَرُ: القول المفيد على كتاب التوحيد، ابْنُ عُثَيْمِينَ، المجلد 2، ص 460.
[^13]: يُنْظَرُ: إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ، الفَوْزَانُ، المجلد 2، ص 275.
[^14]: يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ص 198.
[^15]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ (دُرُوسٌ صَوْتِيَّةٌ)، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ الأَخِيرُ.
------------&
المبحث الأول (الجزء الأول: حصر الشتات):
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: جَمْعُ شَتَاتِ الشُّبُهَاتِ (حَصْرٌ وَتَحْقِيقٌ)
لَقَدْ أَوْرَدَ الإِمَامُ المجددُ فِي رِسَالَتِهِ نَحْوَ عَشْرِ شُبُهَاتٍ مَرْكَزِيَّةٍ، تَتَفَرَّعُ عَنْهَا مَسَائِلُ دَقِيقَةٌ، وَهِيَ مَرْتُوبَةٌ هُنَا بِحَسَبِ سِيَاقِ الوُرُودِ فِي النَّصِّ:
[أولاً: الشُّبُهَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِأَصْلِ التَّوْحِيدِ وَالقَصْدِ]
الشُّبْهَةُ الأُولَى: (حَصْرُ الشِّرْكِ فِي عِبَادَةِ الأَصْنَامِ الهَامِدَةِ)
نَصُّ الشُّبْهَةِ: أَنَّ المشركينَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ كَانُوا يَعْبُدُونَ أَصْنَاماً وَأَحْجَاراً، وَنَحْنُ نَقْصِدُ الصَّالِحِينَ وَالأَنْبِيَاءَ، فَكَيْفَ تُسَوُّونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ [^1]
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: (الاحْتِجَاجُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِنَفْيِ شِرْكِ الأُلُوهِيَّةِ)
نَصُّ الشُّبْهَةِ: أَنَّنَا نَشْهَدُ أَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ المُدَبِّرُ، وَمَنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُشْرِكٍ، لِأَنَّ الشِّرْكَ هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ غَيْرَ اللهِ يَخْلُقُ أَوْ يَرْزُقُ. [^2]
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: (شُبْهَةُ الشَّفَاعَةِ وَاتِّخَاذِ الوَسَائِطِ)
نَصُّ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُمْ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَخْلُقُونَ وَلَا يَرْزُقُونَ، وَلَكِنَّنَا نَدْعُوهُمْ لِيَشْفَعُوا لَنَا عِنْدَ اللهِ لِقُرْبِهِمْ مِنْهُ. [^3]
[ثانياً: الشُّبُهَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِالنُّصُوصِ وَالأَدِلَّةِ]
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: (الاحْتِجَاجُ بِمُطْلَقِ قَوْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ")
نَصُّ الشُّبْهَةِ: الِاسْتِدْلَالُ بِأَحَادِيثِ مِثْلِ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، لِإِثْبَاتِ أَنَّ الكَلِمَةَ تَعْصِمُ الدَّمَ مُطْلَقاً وَلَوْ فَعَلَ صَاحِبُهَا الشِّرْكَ. [^4]
الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: (شُبْهَةُ الِاسْتِغَاثَةِ بِالأَنْبِيَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ)
نَصُّ الشُّبْهَةِ: أَنَّ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ يَسْتَغِيثُونَ بِآدَمَ، ثُمَّ بِنُوحٍ، ثُمَّ بِإِبْرَاهِيمَ... الخ، فَلَوْ كَانَتِ الِاسْتِغَاثَةُ بِغَيْرِ اللهِ شِرْكاً لَمَا فَعَلُوهُ وَلَمَا أَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ. [^5]
الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: (شُبْهَةُ عَرْضِ جِبْرِيلَ لِلْمَعُونَةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)
نَصُّ الشُّبْهَةِ: أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَرَضَ المَعُونَةَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي النَّارِ، فَلَوْ كَانَ طَلَبُ الغَوْثِ مِنَ المَلَكِ شِرْكاً لَمَا عَرَضَهُ جِبْرِيلُ. [^6]
[ثالثاً: الشُّبُهَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِالأَعْذَارِ وَالأَحْوَالِ]
الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ: (شُبْهَةُ حَصْرِ الكُفْرِ فِي اعْتِقَادِ القَلْبِ)
نَصُّ الشُّبْهَةِ: أَنَّ مَنْ فَعَلَ الكُفْرَ أَوْ نَطَقَ بِهِ مُدَارَاةً لِلنَّاسِ أَوْ خَوْفاً عَلَى مَالِهِ وَجَاهِهِ مَعَ اطْمِئْنَانِ قَلْبِهِ بِالتَّوْحِيدِ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ. [^7]
الشُّبْهَةُ الثَّامِنَةُ: (شُبْهَةُ مَنِ اتَّبَعَ سَبِيلَ أَهْلِ بَلَدِهِ عُذْراً)
نَصُّ الشُّبْهَةِ: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: "نَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ التَّوْحِيدَ حَقٌّ، وَلَكِنْ لَا نَقْدِرُ أَنْ نُخَالِفَ أَهْلَ بَلَدِنَا أَوْ نَفْعَلَ مَا يُغْضِبُهُمْ". [^8]
الشُّبْهَةُ التَّاسِعَةُ: (شُبْهَةُ "التَّوْحِيدُ فَهِمْنَاهُ")
نَصُّ الشُّبْهَةِ: الِادِّعَاءُ بِأَنَّ العِلْمَ بِالتَّوْحِيدِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَثِيرِ تَعَلُّمٍ أَوْ مُدَارَسَةٍ، وَأَنَّ النَّاسَ قَدْ جُبِلُوا عَلَيْهِ فَلَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشِّرْكِ. [^9]
الشُّبْهَةُ العَاشِرَةُ: (تَنْزِيلُ نُصُوصِ الشِّرْكِ فِي المُؤْمِنِينَ)
نَصُّ الشُّبْهَةِ: زَعْمُهُمْ أَنَّ الآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ لَا يَجُوزُ سَحْبُهَا أَوْ تَنْزِيلُهَا عَلَى مَنْ يَقُولُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" مِنَ المُتَأَخِّرِينَ. [^10]
[الحَاشِيَةُ ]
[^1]: يُنْظَرُ: كَشْفُ الشُّبُهَاتِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، ص 10، طَبْعَةُ دَارِ الصَّمِيعِيِّ.
[^2]: المَصْدَرُ السَّابِقُ، ص 12.
[^3]: المَصْدَرُ السَّابِقُ، ص 14.
[^4]: المَصْدَرُ السَّابِقُ، ص 18.
[^5]: المَصْدَرُ السَّابِقُ، ص 22.
[^6]: المَصْدَرُ السَّابِقُ، ص 24.
[^7]: المَصْدَرُ السَّابِقُ، ص 26.
[^8]: المَصْدَرُ السَّابِقُ، ص 28.
[^9]: يُنْظَرُ: مَجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ، رِسَالَةُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ص 5.
[^10]: يُنْظَرُ: الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ، المجلد 2، ص 150 (نَقْلًا عَنْ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ).
--------------------&
[الجُزْءُ الثَّانِي مِنَ المَبْحَثِ الأَوَّلِ: الرُّدُودُ المَوْسُوعِيَّةُ المُفَصَّلَةُ]
[الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ الأُولَى: قَصْدُ الصَّالِحِينَ وَالأَنْبِيَاءِ]
مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ: أَنَّ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ خَشَبًا وَحَجَرًا، أَمَّا نَحْنُ فَنَقْصِدُ مَنْ لَهُمْ جَاهٌ عِنْدَ اللهِ مِنَ الأَوْلِيَاءِ.
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
«يُقَرِّرُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ العِبَادَةَ حَقٌّ مَحْضٌ لِلهِ، لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيَّرِ المَعْبُودِ؛ فَكَمَا أَنَّ مَنْ عَبَدَ حَجَرًا فَقَدْ كَفَرَ، فَكَذَلِكَ مَنْ عَبَدَ مَلَكًا أَوْ نَبِيًّا. وَيَسْتَدِلُّ بِأَنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِتَكْفِيرِ مَنْ عَبَدَ المَلَائِكَةَ {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا}، وَمَنْ عَبَدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَالجِلَّةُ وَالمَنْزِلَةُ لِلْمَعْبُودِ لَا تُصَيِّرُ الشِّرْكَ إِيمَانًا، بَلْ هِيَ حُجَّةٌ عَلَى العَابِدِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ كَانُوا يُحَقِّقُونَ التَّوْحِيدَ، فَمَنْ عَبَدَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ مَنْهَجَهُمْ». [^1]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الفَوْزَانِ:
«يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ أَنَّ عِبَادَةَ الصَّالِحِينَ قَدْ تَكُونُ أَعْظَمَ فِتْنَةً مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ تَمِيلُ لِتَعْظِيمِ البَشَرِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ أَوَّلَ شِرْكٍ وَقَعَ فِي الأَرْضِ (فِي قَوْمِ نُوحٍ) كَانَ بِسَبَبِ الغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ (وَدٍّ وَسُوَاعٍ وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)، فَهَؤُلَاءِ كَانُوا رِجَالًا صَالِحِينَ وَلَمْ يَكُونُوا أَحْجَارًا فِي الأَصْلِ، فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ عِبَادَةِ الصَّنَمِ وَعِبَادَةِ الوَلِيِّ فَقَدْ جَهِلَ تَارِيخَ الشِّرْكِ وَأَسْبَابَهُ». [^2]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ:
«يَذْهَبُ الشَّيْخُ إِلَى تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهُوَ "صَرْفُ العِبَادَةِ"؛ فَالذَّبْحُ وَالنَّذْرُ وَالدُّعَاءُ هِيَ أَفْعَالُ المَلِكِ الحَقِّ، فَمَنْ صَرَفَهَا لِغَيْرِهِ فَقَدْ نَازَعَ اللهَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ. وَيَقُولُ: إِنَّ تَعْظِيمَ الصَّالِحِينَ المَشْرُوعَ هُوَ الاِقْتِدَاءُ بِهِمْ، أَمَّا الاِسْتِغَاثَةُ بِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَهِيَ تَنْزِيلٌ لَهُمْ فِي مَنْزِلَةِ الخَالِقِ، وَهَذَا هُوَ التَّنْدِيدُ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ الرَّسُولُ ﷺ». [^3]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«يُوَضِّحُ الشَّيْخُ أَنَّ المُشْرِكَ الَّذِي يَعْبُدُ الصَّالِحِينَ يَقَعُ فِي خَطَأٍ عَقْلِيٍّ وَعَقَدِيٍّ؛ فَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ القُرْبَ مِنَ اللهِ يَسْتَلْزِمُ وَسِيطًا، بَيْنَمَا اللهُ يَقُولُ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}. وَيُبَيِّنُ أَنَّ القُرْآنَ سَمَّى المُتَّخِذِينَ لِلْأَنْبِيَاءِ أَرْبَابًا مُشْرِكِينَ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ مَنْ قَصَدَ حَجَرًا أَوْ بَشَرًا، لِأَنَّ العِلَّةَ هِيَ "دُعَاءُ غَيْرِ اللهِ"». [^4]
[الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ الثَّانِيَةِ: الإِقْرَارُ بِالرُّبُوبِيَّةِ كَافٍ لِلإِسْلَامِ]
مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ: "نَحْنُ نُقِرُّ أَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ المُدَبِّرُ، فَلَسْنَا بِمُشْرِكِينَ".
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
«يُفَنِّدُ الشَّيْخُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ لَا يَكْفِي وَحْدَهُ، وَإِلَّا لَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَبِلَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ إِيمَانَهُمْ؛ فَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ {اللهُ} حِينَمَا يُسْأَلُونَ عَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. فَالخِلَافُ بَيْنَ الرُّسُلِ وَأُمَمِهِمْ كَانَ فِي "تَوْحِيدِ العِبَادَةِ". وَيَضْرِبُ مَثَلًا عَقْلِيًّا: مَنْ أَقَرَّ بِالمَلِكِ وَلَكِنَّهُ يُعْطِي أَمْوَالَ المَلِكِ لِغَيْرِهِ، هَلْ يُعَدُّ طَائِعًا لِلْمَلِكِ؟ الجَوَابُ: لَا». [^5]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ الفَوْزَانِ:
«يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ هِيَ دَيْنُ "المُتَكَلِّمِينَ" الَّذِينَ عَرَّفُوا الإِلَهَ بِأَنَّهُ "القَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ"، فَظَنُّوا أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ اللهَ هُوَ المُنْفَرِدُ بِالِاخْتِرَاعِ فَقَدْ وَحَّدَ. وَيَرُدُّ بِأَنَّ هَذَا تَوْحِيدُ "أَبِي جَهْلٍ"، لِأَنَّ القُرْآنَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا يُوَحِّدُونَ اللهَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ فِي الجُمْلَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ سَمَّاهُمُ اللهُ مُشْرِكِينَ بِمَا صَرَفُوهُ لِلْأَوْلِيَاءِ». [^6]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ:
«يَفْتَحُ الشَّيْخُ بَابًا أُصُولِيًّا فِي فَهْمِ مَعْنَى "الإِلَهِ"؛ فَمَعْنَاهُ "المَأْلُوهُ المَعْبُودُ"، لَا "القَادِرُ عَلَى الخَلْقِ". وَيَقُولُ: إِنَّ المُشْرِكَ المُعَاصِرَ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ نُطْقَهُ بِالخَالِقِيَّةِ لِلهِ يَعْصِمُهُ مِنَ الشِّرْكِ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِ مُشْكِلَةِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ، فَهُمْ لَمْ يُنَازِعُوا فِي الخَلْقِ، بَلْ نَازَعُوا فِي إِفْرَادِ القَصْدِ وَالإِرَادَةِ». [^7]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي:
«يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ "حُجَّةٌ" لِلأُلُوهِيَّةِ، فَمَنْ أَقَرَّ بِالأَوَّلِ لَزِمَهُ الثَّانِي عَقْلًا. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ يَذْهَبُونَ لِلْقُبُورِ اليَوْمَ يَحْتَجُّونَ بِهَذَا الِاحْتِجَاجِ، وَقَدْ غَفَلُوا عَنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ المُقِرِّينَ بِالرُّبُوبِيَّةِ حَتَّى يُفْرِدُوهُ بِالعِبَادَةِ، فَلا إِسْلَامَ بِلَا إِلْتِزَامٍ بِتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ». [^8]
[الحَاشِيَةُ]
[^1]: يُنْظَرُ: القَوْلُ المُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، المجلد 1، ص 45، دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ.
[^2]: يُنْظَرُ: إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، الفَوْزَانُ، المجلد 1، ص 60، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^3]: يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص 34، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^4]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ الثَّانِي، ص 15.
[^5]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص 55، دَارُ الثُّرَيَّا.
[^6]: يُنْظَرُ: شَرْحُ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، الفَوْزَانُ، ص 40، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^7]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ (تَفْرِيغُ دُرُوسِ مَسْجِدِ الِاسْتِقَامَةِ)، ص 22.
[^8]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ الثَّالِثُ، ص 20.
----------------&
الجُزْءُ الثَّالِثُ مِنَ المَبْحَثِ الأَوَّلِ:
[الرُّدُودُ المَوْسُوعِيَّةُ (الشُّبْهَتَانِ 3 وَ4)]
[الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ الثَّالِثَةِ: شُبْهَةُ الشَّفَاعَةِ وَاتِّخَاذِ الوَسَائِطِ الصَّالِحَةِ]
مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ: يَقُولُ المُشْرِكُ: "أَنَا لَا أَعْبُدُ هَؤُلَاءِ، وَإِنَّمَا أَقْصِدُهُمْ فِي الشَّفَاعَةِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ جَاهاً عِنْدَ اللهِ، وَأَنَا رَجُلٌ مُذْنِبٌ، فَأَتَوَسَّلُ بِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ حَاجَتِي".
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
«يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لِلهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}. وَيَرُدُّ عَقْلِيّاً وَشَرْعِيّاً بِأَنَّ مَنْ طَلَبَ الشَّفَاعَةَ مِنْ غَيْرِ اللهِ فَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِ جُرْمِ مَنْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}. فَالشَّفَاعَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِلشَّافِعِ، وَرِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ لَهُ، وَاللهُ لَا يَرْضَى التَّوْحِيدَ إِلَّا لِأَهْلِ الإِخْلَاصِ، فَمَنْ طَلَبَ الشَّفَاعَةَ بِالشِّرْكِ (وَهُوَ دُعَاءُ غَيْرِ اللهِ) فَقَدْ حَرَمَ نَفْسَهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ لَا لِأَهْلِ التَّنْدِيدِ». [^1]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الفَوْزَانِ:
«يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَ اللهَ بِالمُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ فِي الدُّنْيَا، حَيْثُ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِمْ إِلَّا بِوَاسِطَةِ الشُّفَعَاءِ، فَقَدْ كَفَرَ بِقِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ. فَالمَلِكُ فِي الدُّنْيَا يَحْتَاجُ لِلْوَزِيرِ لِجَهْلِهِ أَوْ لِعَجْزِهِ، أَمَّا اللهُ فَهُوَ العَلِيمُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَمَرَ بِدُعَائِهِ مُبَاشَرَةً. وَيُشِيرُ الفَوْزَانُ إِلَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ الَّتِي يَرُومُهَا هَؤُلَاءِ هِيَ (الشَّفَاعَةُ المَنْفِيَّةُ) الَّتِي طَلَبُوهَا مِنْ غَيْرِ مَالِكِهَا، وَفِي غَيْرِ مَحَلِّهَا». [^2]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ:
«يَنْفُذُ الشَّيْخُ إِلَى دِقَّةِ مَعْنَى (الوَاسِطَةِ)؛ فَيُقَسِّمُهَا إِلَى وَاسِطَةِ (تَبْلِيغٍ) وَهِيَ الأَنْبِيَاءُ، وَهَذِهِ يَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا، وَوَاسِطَةِ (عِبَادَةٍ) بِحَيْثُ يُجْعَلُونَ بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ فِي قَضَاءِ الحَاجَاتِ، وَهَذَا هُوَ الكُفْرُ. وَيُقَرِّرُ أَنَّ جَاهَ النَّبِيِّ ﷺ عَظِيمٌ عِنْدَ اللهِ بِلَا شَكٍّ، لَكِنَّ هَذَا الجَاهَ يَنْفَعُ النَّبِيَّ ﷺ، وَيَنْفَعُنَا إِذَا اتَّبَعْنَاهُ، أَمَّا أَنْ نَصْرِفَ لَهُ العِبَادَةَ بِحُجَّةِ جَاهِهِ فَهَذَا عَيْنُ مَا أَبْطَلَهُ القُرْآنُ». [^3]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«يُفَنِّدُ الشَّيْخُ الشُّبْهَةَ مِنْ جِهَةِ تَعْرِيفِ (الشَّافِعِ)؛ فَالشَّافِعُ عِنْدَ اللهِ مُكْرَمٌ بِالإِذْنِ لَهُ، لَا مُلْزِمٌ لِلهِ بِمَنْزِلَتِهِ. فَمَنْ نَزَّلَ المَخْلُوقَ مَنْزِلَةَ مَنْ يُؤَثِّرُ عَلَى مَشِيئَةِ اللهِ فَقَدْ جَعَلَهُ نِدّاً. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ فِي القُرْآنِ ذَكَرَتِ الشَّفَاعَةَ قَيَّدَتْهَا بِالإِذْنِ {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}، فَالطَّلَبُ يُوَجَّهُ لِلْآذِنِ سُبْحَانَهُ لَا لِلْمَأْذُونِ لَهُ». [^4]
[الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ الرَّابِعَةِ: عِصْمَةُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" لِمُجَرَّدِ النَّطْقِ]
مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ: يَحْتَجُّ المُبْطِلُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُسَامَةَ: "أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟"، وَبِحَدِيثِ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، زَاعِماً أَنَّ مَنْ قَالَهَا لَا يُكَفَّرُ مَهْمَا فَعَلَ.
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
«يُوَضِّحُ الشَّيْخُ أَنَّ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" عِصْمَةٌ لِمَنْ قَالَهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُهَا. فَأُسَامَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَتَلَ رَجُلاً فِي حَالِ الحَرْبِ بَعْدَ نُطْقِهِ بِهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ حِينَهَا مَا يُبْطِلُهَا، بَيْنَمَا مَنْ يَنْطِقُ بِهَا ثُمَّ يَذْبَحُ لِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَتَى بِنَاقِضٍ صَرِيحٍ. وَيَسْتَدِلُّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَبَنِي حَنِيفَةَ مَعَ نُطْقِهِمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِمَا يَنْقُضُ مُقْتَضَاهَا». [^5]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ الفَوْزَانِ:
«يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ هِيَ "مُعْتَقَدُ المُرْجِئَةِ" الَّذِينَ يَفْصِلُونَ القَوْلَ عَنِ العَمَلِ. وَيَرُدُّ بِأَنَّ مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" هُوَ تَرْكُ الشِّرْكِ، فَمَنْ قَالَهَا وَلَمْ يَتْرُكِ الشِّرْكَ فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ. وَيَضْرِبُ مَثَلاً بِالمُنَافِقِينَ؛ فَهُمْ يَقُولُونَهَا فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، وَبِاليَهُودِ الَّذِينَ يَقُولُونَهَا وَهُمْ كُفَّارٌ لِعَدَمِ اتِّبَاعِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ. فَالقَوْلُ يَقْتَضِي العَمَلَ لِيَكُونَ عَاصِماً». [^6]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ:
«يَسْلُكُ الشَّيْخُ مَسْلَكَ الجَمْعِ بَيْنَ النُّصُوصِ؛ فَيَقُولُ: يَجِبُ رَدُّ المَتَشَابِهِ (وَهُوَ فَهْمُهُمْ الخَاطِئُ لِحَدِيثِ أُسَامَةَ) إِلَى المُحْكَمِ (وَهُوَ وُجُوبُ إِفْرَادِ اللهِ بِالعِبَادَةِ). وَيُبَيِّنُ أَنَّ الكَلِمَةَ تَعْصِمُ الدَّمَ ابْتِدَاءً، لَكِنَّ اسْتِمْرَارَ العِصْمَةِ مَرْهُونٌ بِعَدَمِ ارْتِكَابِ نَاقِضٍ. وَيُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ: "مَنْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ إِلَّا بِيَقِينٍ"، وَالشِّرْكُ الأَكْبَرُ يَقِينٌ يَنْقُضُ ذَلِكَ الإِسْلَامَ». [^7]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي:
«يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ أَنَّ الَّذِينَ غَزَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" اسْتِكْبَاراً، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَقُولُونَهَا وَيُخَالِفُونَهَا، وَهَذَا جَهْلٌ بِمَعْنَى الكَلِمَةِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ حَدِيثَ "حَقُّهَا" فِي قَوْلِهِ: "إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ" يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْحِيدُ دُخُولاً أَوَّلِيّاً. فَالَّذِي يَدْعُو غَيْرَ اللهِ لَمْ يُؤَدِّ حَقَّ هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَلَا عِصْمَةَ لَهُ». [^4]
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلرُّدُودِ]
[^1]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص 70-75، دَارُ الثُّرَيَّا لِلنَّشْرِ.
[^2]: يُنْظَرُ: شَرْحُ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، ص 55-60، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^3]: يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص 112، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^4]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ (تَفْرِيغُ دُرُوسِ المَدِينَةِ)، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ الرَّابِعُ، ص 28.
[^5]: يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، المجلد 2، ص 115، دَارُ الثُّرَيَّا.
[^6]: يُنْظَرُ: إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، المجلد 1، ص 105، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^7]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ (مَسْجِدُ الِاسْتِقَامَةِ)، ص 45.
---------------------&
[الجُزْءُ الرَّابِعُ مِنَ المَبْحَثِ الأَوَّلِ: الرُّدُودُ المَوْسُوعِيَّةُ (الشُّبْهَتَانِ 5 وَ6)]
[الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ الخَامِسَةِ: شُبْهَةُ اسْتِغَاثَةِ الخَلَائِقِ بِالأَنْبِيَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ]
مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ: يَحْتَجُّ المُبْطِلُونَ بِحَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى، حَيْثُ يَذْهَبُ النَّاسُ فِي المَوْقِفِ إِلَى آدَمَ ثُمَّ نُوحٍ ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ... الخ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمُ الغَوْثَ وَالشَّفَاعَةَ، فَيَقُولُونَ: هَذِهِ اسْتِغَاثَةٌ بِغَيْرِ اللهِ، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ صَرْفِ الِاسْتِغَاثَةِ لِلْمَوْتَى وَالأَوْلِيَاءِ.
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
«يُجِيبُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ بِأَنَّ هَذَا مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالمُتَشَابِهِ وَتَرْكِ المُحْكَمِ. فَالاِسْتِغَاثَةُ يَوْمَ القِيَامَةِ هِيَ اسْتِغَاثَةٌ بِحَيٍّ، حَاضِرٍ، قَادِرٍ عَلَى مَا طُلِبَ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهُمْ؛ وَهَذَا جَائِزٌ إِجْمَاعاً كَمَا يَطْلُبُ الرَّجُلُ مِنْ أَخِيهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ. بَيْنَمَا اسْتِغَاثَةُ هَؤُلَاءِ بِأَصْحَابِ القُبُورِ هِيَ اسْتِغَاثَةٌ بِمَيِّتٍ، غَائِبٍ، لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْعِ نَفْسِهِ فَضْلاً عَنْ غَيْرِهِ، فَالقِيَاسُ هُنَا قِيَاسٌ مَعَ الفَارِقِ، وَهُوَ بَاطِلٌ عَقْلاً وَشَرْعاً». [^1]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الفَوْزَانِ:
«يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ أَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ تَهْدِمُ نَفْسَهَا؛ فَالأَنْبِيَاءُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَعْتَذِرُونَ وَيَقُولُونَ "نَفْسِي نَفْسِي"، فَلَوْ كَانُوا يَمْلِكُونَ نَفْعاً أَوْ غَوْثاً لَمَا اعْتَذَرُوا. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ المَنْهِيَّ عَنْهَا هِيَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ، أَمَّا طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ القِيَامَةِ فَهُوَ تَوَسُّلٌ بِدُعَائِهِ ﷺ وَهُوَ حَيٌّ مَوْجُودٌ بَيْنَهُمْ، وَهَذَا لَا يُشْبِهُ فِعْلَ مَنْ يَدْعُو المَيِّتَ فِي قَبْرِهِ لِيَشْفِيَ مَرِيضاً أَوْ يَرُدَّ غَائِباً». [^2]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ:
«يَنْفُذُ الشَّيْخُ إِلَى المَعْنَى الأُصُولِيِّ لِلِاسْتِغَاثَةِ؛ فَيُقَسِّمُهَا إِلَى نَوْعَيْنِ: اسْتِغَاثَةٌ بِمَخْلُوقٍ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (وَهِيَ العَادِيَّةُ كَمَا فِي قِصَّةِ مُوسَى {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ})، وَاسْتِغَاثَةٌ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ (وَهِيَ العِبَادَةُ). وَيُقَرِّرُ أَنَّ نُصُوصَ الشَّفَاعَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ تَدْخُلُ فِي القِسْمِ الأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ دُعَاءٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَادِرٌ عَلَى الدُّعَاءِ حِينَهَا، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ دُعَاءِ مَنْ رَمَّتْ عِظَامُهُ؟». [^3]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«يُوَضِّحُ الشَّيْخُ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالأَنْبِيَاءِ يَوْمَ المَحْشَرِ لَيْسَتْ طَلَبًا لِخَلْقِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ بِذَاتِهِمْ، بَلْ هِيَ طَلَبٌ لِلْوَسَاطَةِ فِي الدُّعَاءِ لِفَصْلِ القَضَاءِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الحَدِيثَ نَفْسَهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّ آخِرَ المَطَافِ يَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي يَخِرُّ سَاجِداً لِلهِ وَيَسْأَلُهُ الإِذْنَ، فَمَالِكُ الحَقِّ فِي الإِذْنِ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، فَلِمَاذَا يُعْدَلُ عَنِ الخَالِقِ إِلَى المَخْلُوقِ فِي الدُّنْيَا؟». [^4]
[الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ السَّادِسَةِ: شُبْهَةُ عَرْضِ جِبْرِيلَ لِلْمَعُونَةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ]
مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ: يَقُولُونَ: لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ، عَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ فِي الهَوَاءِ فَقَالَ: "أَلَكَ حَاجَةٌ؟"، فَلَوْ كَانَتِ الِاسْتِغَاثَةُ بِالمَلَكِ شِرْكاً لَمَا عَرَضَهَا جِبْرِيلُ عَلَى نَبِيِّ اللهِ.
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
«يُفَنِّدُ الشَّيْخُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِتَوْضِيحِ مَنْزِلَةِ جِبْرِيلَ؛ فَهُوَ مَلَكٌ ذُو قُوَّةٍ مَتِينٍ، وَقَدْ سَخَّرَهُ اللهُ لِأَفْعَالٍ عَظِيمَةٍ، وَعَرْضُهُ لِلْمَعُونَةِ كَانَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ حِسّاً (كَأَنْ يَرْفَعَ النَّارَ أَوْ يُطْفِئَهَا بِإِذْنِ اللهِ)، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَسْتَغِثْ بِهِ كَمَالاً فِي التَّوَكُّلِ، بَلْ قَالَ: "أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا". فَالقِصَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ خَادِمٌ لِلهِ يَعْرِضُ المَعُونَةَ الحِسِّيَّةَ، وَلَا تَدُلُّ أَبَداً عَلَى جَوَازِ دُعَاءِ المَلَائِكَةِ فِي غَيْبَتِهِمْ لِقَضَاءِ الحَاجَاتِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا رَبُّ العَالَمِينَ». [^5]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ الفَوْزَانِ:
«يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ جِبْرِيلَ مَلَكٌ مَوْجُودٌ حَاضِرٌ حِينَ خَاطَبَ إِبْرَاهِيمَ، وَعَرْضُهُ كَانَ عَرْضاً مِنْ قَادِرٍ بِإِقْدَارِ اللهِ لَهُ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ المُنْكَرَةَ هِيَ "اسْتِغَاثَةُ العِبَادَةِ" الَّتِي تَقْتَرِنُ بِاعْتِقَادِ النَّفْعِ وَالضُّرِّ الخَفِيِّ، أَمَّا عَرْضُ جِبْرِيلَ فَمِنْ جِنْسِ عَرْضِ الغَنِيِّ المَالَ عَلَى الفَقِيرِ؛ فَهَلْ مَنْ سَأَلَ الغَنِيَّ مَالاً يُعَدُّ مُشْرِكاً؟ طَبْعاً لَا، فَكَذَلِكَ كَانَ عَرْضُ جِبْرِيلَ». [^6]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ:
«يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ عَرْضَ جِبْرِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى "الأَسْبَابِ الحِسِّيَّةِ"؛ فَجِبْرِيلُ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، وَقَدْ قَلَبَ مُدُنَ لُوطٍ بِطَرَفِ جَنَاحِهِ، فَمِثْلُ هَذَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ الأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ. وَيُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةٍ: "طَلَبُ الشَّيْءِ مِنَ المَخْلُوقِ القَادِرِ حُضُوراً وَحِسّاً لَيْسَ عِبَادَةً"، وَإِنَّمَا العِبَادَةُ دُعَاؤُهُ فِيمَا خَفِيَ مِنَ الأُمُورِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِبْرَاهِيمُ أَرَادَ المَقَامَ الأَعْلَى وَهُوَ الِاسْتِغْنَاءُ بِاللهِ عَنْ كُلِّ خَلْقِهِ». [^7]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي:
«يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِقِصَّةِ جِبْرِيلَ هُوَ نَوْعٌ مِنْ "التَّغْرِيرِ"؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ مَنْ بَدَأَ بِالعَرْضِ وَلَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ إِبْرَاهِيمُ ابْتِدَاءً، ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ رَدَّهُ إِلَى رَبِّهِ بِيَقِينٍ تَامٍّ. فَالقِصَّةُ حُجَّةٌ لِلتَّوْحِيدِ وَكَمَالِ الِالْتِجَاءِ لِلهِ، لَا حُجَّةً لِلتَّعَلُّقِ بِالخَلَائِقِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الفَرْقَ بَيْنَ (الخَالِقِ) وَ(المَخْلُوقِ) يَظْهَرُ فِي أَنَّ المَخْلُوقَ يُعِينُ بِمَا تَمَلَّكَهُ مِنَ القُوَّةِ المَوْدُودَةِ، أَمَّا الخَالِقُ فَيُعِينُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَبِدُونِ سَبَبٍ». [^8]
[الحَاشِيَةُ ]
[^1]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص 125-130، دَارُ الثُّرَيَّا لِلنَّشْرِ.
[^2]: يُنْظَرُ: إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، المجلد 1، ص 140.
[^3]: يُنْظَرُ: شَرْحُ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ (مَسْجِدُ الِاسْتِقَامَةِ)، ص 85.
[^4]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ (تَفْرِيغُ دُرُوسِ المَدِينَةِ)، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ السَّادِسُ، ص 42.
[^5]: يُنْظَرُ: القَوْلُ المُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، المجلد 1، ص 210.
[^6]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، ص 92، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^7]: يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص 155.
[^8]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ السَّابِعُ، ص 50.
------------&
[تَحْقِيقُ مَقَامِ الرَّدِّ عَلَى قِصَّةِ عَرْضِ جِبْرِيلَ: دِرَاسَةٌ نَقْدِيَّةٌ]
أَوَّلاً: بَيَانُ ضَعْفِ القِصَّةِ مِنْ حَيْثُ السَّنَدُ
قِصَّةُ مَجِيءِ جِبْرِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ فِي المَنْجَنِيقِ قَبْلَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ، وَقَوْلُهُ: "يَا إِبْرَاهِيمُ أَلَكَ حَاجَةٌ؟"، وَرَدُّ إِبْرَاهِيمَ: "أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا"؛ هِيَ قِصَّةٌ لَا تَثْبُتُ سَنَداً، وَإِلَيْكَ التَّفْصِيلَ:
- المَصْدَرُ التَّارِيخِيُّ: ذَكَرَهَا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ كَالبَغَوِيِّ وَالثَّعْلَبِيِّ وَابْنِ جَرِيرٍ فِي "تَارِيخِهِ" عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ التَّابِعِينَ بَلَا سَنَدٍ مُتَّصِلٍ صَحِيحٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. [^1]
- حُكْمُ النُّقَّادِ: صَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ بِأَنَّهَا مِنْ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا فِي الوَحْيِ المَعْصُومِ. وَقَدْ ضَعَّفَهَا العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَبَيَّنَ نَكَارَتَهَا. [^2]
ثَانِيًا: تَفْنِيدُ العُلَمَاءِ الأَرْبَعَةِ لِلْقِصَّةِ (حَدِيثاً وَعَقِيدَةً)
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«يُعَدُّ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي مِنْ أَدَقِّ مَنْ فَصَّلَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ القِصَّةَ بَاطِلَةٌ سَنَداً وَمَتْناً.
- مِنْ حَيْثُ السَّنَدُ: أَكَّدَ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الصِّحَاحِ وَلَا المَسَانِيدِ المَعْتَمَدَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِمَّا تَنَاقَلَهُ الإِخْبَارِيُّونَ.
- مِنْ حَيْثُ المَتْنُ: بَيَّنَ أَنَّ فِيهَا مَا يُوهِمُ نَقْصاً فِي مَقَامِ المَلَائِكَةِ أَوْ خَلَلاً فِي فَهْمِ التَّوَسُّلِ؛ فَجِبْرِيلُ لَا يَتَصَرَّفُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ لِيَعْرِضَ المَعُونَةَ دُونَ أَمْرِ اللهِ، وَإِبْرَاهِيمُ ﷺ أَعْلَمُ بِاللهِ مِنْ أَنْ يَرُدَّ مَعُونَةً أَرْسَلَهَا اللهُ لَهُ (لَوْ صَحَّ العَرْضُ). وَخَلَصَ إِلَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِقِصَّةٍ ضَعِيفَةٍ لِتَأْصِيلِ مَسْأَلَةٍ فِي العَقِيدَةِ (جَوَازِ الِاسْتِغَاثَةِ) هُوَ مَسْلَكُ أَهْلِ الضَّلَالِ». [^3]
2. تَقْرِيرُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ:
«يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ القِصَّةُ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ القُصَّاصِ، وَلَكِنَّ المَحْفُوظَ فِي الصَّحِيحِ (بُخَارِي) أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ قَالَ: "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ"، وَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ. ثُمَّ يُرْدِفُ: حَتَّى لَوْ فَرَضْنَا جَدَلاً صِحَّتَهَا، فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ لَا لَكُمْ؛ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَطْلُبْ، وَجِبْرِيلَ عَرَضَ المَعُونَةَ الحِسِّيَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ دُعَاءً لِغَائِبٍ». [^4]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الفَوْزَانِ:
«يُصَرِّحُ الشَّيْخُ الفَوْزَانُ بِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى هَذِهِ الحِكَايَاتِ فِي بَابِ العَقَائِدِ غَلَطٌ كَبِيرٌ. وَيَقُولُ: التَّوْحِيدُ يُؤْخَذُ مِنَ المُّحْكَمَاتِ لَا مِنَ المَنَامَاتِ وَالقِصَصِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ. وَالَّذِي صَحَّ فِي القُرْآنِ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، فَنَجَاتُهُ كَانَتْ بِأَمْرِ اللهِ الكَوْنِيِّ المُبَاشِرِ، لَا بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ عَرَضَ مَعُونَةً فَرُدَّتْ». [^5]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ:
«يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ أَنَّ القِصَّةَ لَمْ تَثْبُتْ عَنِ المَعْصُومِ ﷺ، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، سِيَّمَا فِي أَصْلِ الأُصُولِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ شَيْخَ الإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ كَثِيراً مِنَ النَّقْلِيَّاتِ فِي قِصَصِ الأَنْبِيَاءِ خَالَطَتْهَا الإِسْرَائِيلِيَّاتُ الَّتِي يَلْبِسُ بِهَا المُنَارِعُونَ فِي التَّوْحِيدِ». [^6]
ثَالِثاً: الجَوَابُ الجَامِعُ (الخُلَاصَةُ)
تَلَخَّصَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أَنَّ الرَّدَّ عَلَى شُبْهَةِ قِصَّةِ جِبْرِيلَ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
- الوَجْهُ الأَوَّلُ (النَّقْضُ): أَنَّ القِصَّةَ ضَعِيفَةٌ سَاقِطَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا، وَالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ مَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: "حَسْبُنَا اللهُ".
- الوَجْهُ الثَّانِي (التَّنَزُّلُ): لَوْ صَحَّتْ فَهِيَ فِي (الأَسْبَابِ الحِسِّيَّةِ الظَّاهِرَةِ) كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَلَا تَمَسُّ مَسْأَلَةَ دُعَاءِ الغَائِبِينَ أَوْ قَضَاءِ الحَاجَاتِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللهُ.
[الحَاشِيَةُ ]
[^1]: يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ)، المجلد 5، ص 330.
[^2]: يُنْظَرُ: سِلْسِلَةُ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، الأَلْبَانِيُّ، المجلد 1، ص 100، (حَدِيثُ رَقْمُ 28 - ضَعِيفٌ جِدّاً).
[^3]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ (تَفْرِيغُ مَجَالِسِ المَدِينَةِ)، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ السَّادِسُ، ص 48.
[^4]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص 132، دَارُ الثُّرَيَّا.
[^5]: يُنْظَرُ: شَرْحُ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، الفَوْزَانُ، ص 95، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^6]: يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص 158.
-------------&
[الجُزْءُ الخَامِسُ مِنَ المَبْحَثِ الأَوَّلِ: الرُّدُودُ المَوْسُوعِيَّةُ (الشُّبْهَتَانِ 7 وَ8)]
[الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ السَّابِعَةِ: شُبْهَةُ حَصْرِ الكُفْرِ فِي اعْتِقَادِ القَلْبِ]
مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ: يَقُولُ المُبْطِلُ: "إِنَّ الكُفْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاعْتِقَادِ القَلْبِ، فَأَنَا أَفْعَلُ الشِّرْكَ أَوْ أَتَكَلَّمُ بِهِ وَلَكِنَّ قَلْبِي مُطْمَئِنٌّ بِالتَّوْحِيدِ، فَلَسْتُ بِكَافِرٍ".
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
«يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ هَذَا المَسْلَكَ هُوَ عَيْنُ قَوْلِ "المُرْجِئَةِ" الَّذِينَ أَخْرَجُوا العَمَلَ عَنِ الإِيمَانِ. وَيَرُدُّ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى كَفَّرَ مَنْ قَالُوا كَلِمَةً (مَزْحاً) فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَعْتَقِدُوهَا بِقُلُوبِهِمْ، بَلْ قَالَ: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}. فَالجَارِحَةُ تَقَعُ فِي الكُفْرِ كَمَا يَقَعُ القَلْبُ، وَمَنْ نَطَقَ بِالكُفْرِ طَائِعاً فَقَدْ كَفَرَ، وَلَا يَنْفَعُهُ ادِّعَاءُ صَلَاحِ البَاطِنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ البَاطِنِ». [^1]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الفَوْزَانِ:
«يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَسْتَثْنِ إِلَّا "المُكْرَهَ" فِي قَوْلِهِ: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وَالمُكْرَهُ هُوَ مَنْ فُعِلَ بِهِ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ مِنَ التَّعْذِيبِ. أَمَّا مَنْ فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ الخَوْفِ عَلَى المَالِ أَوِ الجَاهِ، فَقَدْ "شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْراً". وَيُقَرِّرُ الفَوْزَانُ أَنَّ القَوْلَ بِأَنَّ الكُفْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّكْذِيبِ أَوْ بِالقَلْبِ فَقَطْ هُوَ ضَلَالٌ مُبِينٌ يُنَاقِضُ نُصُوصَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعَ الأُمَّةِ». [^2]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ:
«يَنْفُذُ الشَّيْخُ إِلَى دِقَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِآيَةِ النَّحْلِ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ جَعَلَ سَبَبَ كُفْرِهِمْ هُوَ (اسْتِحْبَابُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وَهَذَا فِعْلٌ قَلْبِيٌّ أَدَّى لِلْكُفْرِ الظَّاهِرِ. فَلَمْ يَكُنْ كُفْرُهُمْ بِسَبَبِ "بُغْضِ الدِّينِ" أَوِ "اعْتِقَادِ صِحَّةِ الكُفْرِ"، بَلْ لِأَجْلِ حَظٍّ دُنْيَوِيٍّ. وَهَذَا يَهْدِمُ أَصْلَ الشُّبْهَةِ الَّتِي تَقُولُ إِنَّ العَمَلَ لَا يُكَفِّرُ بِمُجَرَّدِهِ». [^3]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«يُوَضِّحُ الشَّيْخُ سِنْدِي أَنَّ هُنَاكَ فَرْقاً بَيْنَ "الإِكْرَاهِ" وَبَيْنَ "المُدَارَاةِ"؛ فَالإِكْرَاهُ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ بِضَوَابِطِهِ، أَمَّا المُدَارَاةُ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ فَهِيَ بَيْعٌ لِلدِّينِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَائِمَةٌ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَاعْتِقَادٌ، فَمَنْ أَتَى بِمَا يَنْقُضُ هَذَا الإِيمَانَ فِعْلاً أَوْ قَوْلاً حُكِمَ عَلَيْهِ بِمُوجِبِهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ لِدَعْوَى "أَنَّ القَلْبَ سَلِيمٌ"، فَلَوْ سَلِمَ القَلْبُ لَسَلِمَتِ الجَوَارِحُ». [^4]
[الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ الثَّامِنَةِ: شُبْهَةُ مُدَارَاةِ الأَهْلِ وَالوَطَنِ وَالعَشِيرَةِ]
مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ: يَقُولُ البَعْضُ: "أَنَا أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا شِرْكٌ، وَلَكِنْ لَا أَسْتَطِيعُ مُخَالَفَةَ قَوْمِي، أَوْ أَخَافُ عَلَى بَيْتِي وَأَهْلِي وَمَالِي فِي بَلَدِي".
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
«يَرُدُّ الشَّيْخُ بِأَنَّ هَذَا هُوَ عَيْنُ مَا وَقَعَ فِيهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ؛ فَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَعْلَمُ صِدْقَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنَّهُ خَافَ عَلَى رِيَاسَتِهِ وَمَوْقِعِهِ فِي قَوْمِهِ. وَيَقُولُ: مَنْ قَدَّمَ مَحَبَّةَ الأَهْلِ أَوِ الوَطَنِ عَلَى دِينِ اللهِ حَتَّى فَعَلَ الشِّرْكَ فَلَيْسَ بِمُعْذُورٍ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ... أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا}، فَإِذَا كَانَ هَذَا الوَعِيدُ فِي "المَحَبَّةِ"، فَكَيْفَ بِمَنْ فَعَلَ الشِّرْكَ لِأَجْلِهِمْ؟». [^5]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ الفَوْزَانِ:
«يُشَدِّدُ الشَّيْخُ عَلَى أَنَّ الدِّينَ أَغْلَى مِنَ الوَطَنِ وَالأَهْلِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الهِجْرَةَ شُرِعَتْ لِهَذَا السَّبَبِ؛ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إِظْهَارَ دِينِهِ وَقَامَ بِفِعْلِ الشِّرْكِ تَبَعاً لِقَوْمِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الهِجْرَةِ أَوْ تَرْكِهِمْ فَقَدْ كَفَرَ. وَيُذَكِّرُ بِقِصَّةِ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي بَدْرٍ مَعَ المُشْرِكِينَ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ، فَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللهُ؛ لِأَنَّهُمْ كَثَّرُوا سَوَادَ المُشْرِكِينَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ». [^6]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ:
«يُوَضِّحُ الشَّيْخُ أَنَّ "المُدَارَاةَ" المَشْرُوعَةَ تَكُونُ فِي بَذْلِ الدُّنْيَا لِحِمَايَةِ الدِّينِ، أَمَّا "المُدَاهَنَةُ" المَمْقُوتَةُ فَهِيَ بَذْلُ الدِّينِ لِحِمَايَةِ الدُّنْيَا. وَمَنْ صَرَفَ العِبَادَةَ لِغَيْرِ اللهِ (كَالسُّجُودِ لِقَبْرٍ أَوْ نَحْوِهِ) لِيُرْضِيَ أَهْلَ بَلَدِهِ، فَقَدْ قَدَّمَ المَخْلُوقَ عَلَى الخَالِقِ، وَهَذَا نَقْضٌ لِأَصْلِ التَّوْحِيدِ، وَلَا يُعْذَرُ جَاهِلٌ وَلَا خَائِفٌ (غَيْرَ مُكْرَهٍ) فِي ذَلِكَ». [^7]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي:
«يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ هِيَ "مَقْتَلُ العِبَادِ"؛ فَتَعَلُّقُ القَلْبِ بِالمَأْلُوفَاتِ (الوَطَنِ وَالعَشِيرَةِ) يَصْرِفُ عَنِ الحَقِّ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ كَثِيراً مِمَّنْ يَقَعُونَ فِي الشِّرْكِيَّاتِ عِنْدَ الأَضْرِحَةِ يَقُولُونَ: "نَحْنُ نَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ"، وَهَذَا هُوَ ضَلَالُ التَّقْلِيدِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الحُجَّةَ قَدْ قَامَتْ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ، فَلَا عُذْرَ لِمَنْ آثَرَ مَتَاعَ الدُّنْيَا عَلَى تَوْحِيدِ رَبِّ العَالَمِينَ». [^8]
[الحَاشِيَةُ]
[^1]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص 160-165، دَارُ الثُّرَيَّا لِلنَّشْرِ.
[^2]: يُنْظَرُ: إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، المجلد 2، ص 210، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^3]: يُنْظَرُ: شَرْحُ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ (مَسْجِدُ الِاسْتِقَامَةِ)، ص 115.
[^4]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ (تَفْرِيغُ دُرُوسِ المَدِينَةِ)، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ الثَّامِنُ، ص 55.
[^5]: يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، المجلد 2، ص 230، دَارُ الثُّرَيَّا.
[^6]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، ص 110، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^7]: يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص 190.
[^8]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ التَّاسِعُ، ص 62.
--------------------&
[الجُزْءُ السَّادِسُ مِنَ المَبْحَثِ الأَوَّلِ: الرُّدُودُ المَوْسُوعِيَّةُ (الشُّبْهَتَانِ 9 وَ10)]
[الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ التَّاسِعَةِ: دَعْوَى "أَنَّ التَّوْحِيدَ أَمْرٌ مَفْهُومٌ وَلَا خَوْفَ عَلَيْنَا مِنَ الشِّرْكِ"]
مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ: يَقُولُ بَعْضُ المُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ أَوِ العَامَّةِ: "التَّوْحِيدُ فَهِمْنَاهُ، وَنَحْنُ مُوَحِّدُونَ بِالفِطْرَةِ، وَلَا دَاعِيَ لِتَكْرَارِ هَذِهِ الدُّرُوسِ، فَإِنَّنَا لَسْنَا عُبَّادَ أَصْنَامٍ".
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
«يَسْخَرُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ مِنْ هَذَا "الأَمْنِ المَذْمُومِ"، وَيَقُولُ: إِنَّ أَجْهَلَ النَّاسِ بِالتَّوْحِيدِ هُوَ مَنْ يَقُولُ "فَهِمْنَاهُ". وَيَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ ﷺ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}؛ فَإِذَا كَانَ إِمَامُ الحُنَفَاءِ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الشِّرْكَ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَأْمَنُ البَلَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ؟ وَيُؤَكِّدُ العُثَيْمِينُ أَنَّ الشِّرْكَ يَدْخُلُ عَلَى الإِنْسَانِ مِنْ أَبْوَابٍ خَفِيَّةٍ (كَأَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ)، فَلَا يَعْصِمُ مِنْهُ إِلَّا دَوَامُ العِلْمِ وَالِافْتِقَارُ إِلَى اللهِ». [^1]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الفَوْزَانِ:
«يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ هِيَ "مَكِيدَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ" لِإِقْصَاءِ النَّاسِ عَنِ العِلْمِ النَّافِعِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الشِّرْكَ اليَوْمَ تَلَبَّسَ بِأَسْمَاءٍ جَدِيدَةٍ (كَالتَّوَسُّلِ وَالتَّبَرُّكِ)، فَمَنْ لَمْ يَدْرُسِ التَّوْحِيدَ وَيَعْرِفْ أَنْوَاعَ الشِّرْكِ لَا مَحَالَةَ وَاقِعٌ فِيهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. وَيَقُولُ: إِنَّ تَعَلُّمَ التَّوْحِيدِ وَرَدَّ الشُّبُهَاتِ هُوَ عَمَلُ العُمُرِ كُلِّهِ، وَلَيْسَ مَسْأَلَةً تُفْهَمُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ». [^2]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ:
«يَنْفُذُ الشَّيْخُ إِلَى المَعْنَى المَنْهَجِيِّ، فَيَقُولُ: إِنَّ دَعْوَى "فَهِمْنَا التَّوْحِيدَ" تَعْنِي التَّوَقُّفَ عَنِ التَّأَمُّلِ فِي آيَاتِ اللهِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الوَهَّابِ كَرَّرَ دَرْسَ التَّوْحِيدِ عَلَى طُلَّابِهِ مِرَاراً لِيَغْرِسَ فِيهِمْ عِظَمَ الخَوْفِ مِنَ الشِّرْكِ. فَالشَّيْطَانُ لَا يَقُولُ لَكَ "اشْرِكْ"، بَلْ يَقُولُ لَكَ "أَنْتَ مُوَحِّدٌ فَلَا تَتَعَلَّمْ"، حَتَّى يَقُودَكَ لِلْجَهْلِ الَّذِي هُوَ بَرِيدُ الشِّرْكِ». [^3]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ سِنْدِي لِقَاعِدَةِ: "العِلْمُ بِالحَقِّ يَقْتَضِي العِلْمَ بِمَا يُضَادُّهُ"؛ فَلَا يَتِمُّ فَهْمُ التَّوْحِيدِ إِلَّا بِفَهْمِ الشِّرْكِ لِتَوَقِّيهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الوَاقِعَ المُعَاصِرَ بِمَا فِيهِ مِنْ فِتَنٍ وَقَبُورِيَّةٍ يُثْبِتُ أَنَّ مَنْ ظَنَّ فَهْمَ التَّوْحِيدِ قَدْ هَلَكَ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ حِصْنَهُ الحَصِينَ (وَهُوَ العِلْمُ)، وَأَصْبَحَ عُرْضَةً لِخَطَاطِيفِ الشُّبُهَاتِ». [^4]
[الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ العَاشِرَةِ: دَعْوَى "أَنَّ آيَاتِ الشِّرْكِ نَزَلَتْ فِي الأَوَّلِينَ وَلَا تَنْطَبِقُ عَلَيْنَا"]
مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ: يَقُولُونَ: "تِلْكَ الآيَاتُ نَزَلَتْ فِي مَنْ يَعْبُدُ الَّلَاتَ وَالعُزَّى وَيُنْكِرُ البَعْثَ، أَمَّا نَحْنُ فَنُؤْمِنُ بِالبَعْثِ وَنُصَلِّي، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَنَا كَالمُشْرِكِينَ؟".
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
«يَرُدُّ الشَّيْخُ بِأَنَّ "العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ"؛ فَإِذَا حَرَّمَ اللهُ دُعَاءَ غَيْرِهِ، فَالمُحَرَّمُ هُوَ "الدُّعَاءُ" بِذَاتِهِ لِغَيْرِ اللهِ، سَوَاءٌ كَانَ المَدْعُوُّ صَنَماً أَوْ نَبِيّاً. وَيَقُولُ: إِنَّ كُفْرَ المُرْتَدِّينَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ (كَأَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ) كَانَ مَعَ نُطْقِهِمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَلَمْ يَمْنَعْ إِسْلَامُهُمْ السَّابِقُ مِنْ تَنْزِيلِ حُكْمِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ لَمَّا أَتَوْا بِنَاقِضٍ. فَالشِّرْكُ هُوَ الشِّرْكُ فِي كُلِّ زَمَانٍ». [^5]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ الفَوْزَانِ:
«يُوَضِّحُ أَنَّ قَوْلَهُمْ "نَحْنُ لَسْنَا كَالمُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ" صَحِيحٌ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: "أَنَّ شِرْكَ المُتَأَخِّرِينَ أَغْلَظُ"؛ لِأَنَّ الأَوَّلِينَ يُشْرِكُونَ فِي الرَّخَاءِ وَيُخْلِصُونَ فِي الشِّدَّةِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَشِرْكُهُمْ دَائِمٌ. وَيُقَرِّرُ أَنَّ تَنْزِيلَ الآيَاتِ عَلَى مَنْ فَعَلَ فِعْلَ الكُفَّارِ هُوَ مَحْضُ العَدْلِ؛ فَمَنْ فَعَلَ فِعْلَ قَوْمِ نُوحٍ اسْتَحَقَّ مَا اسْتَحَقُّوا». [^6]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ:
«يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ القُرْآنَ نَزَلَ هُدًى لِلْعَالَمِينَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَلَيْسَ "تَارِيخاً" لِأُمَمٍ مَضَتْ. فَمَنْ نَفَى انْطِبَاقَ الآيَاتِ عَلَى الوَاقِعِ فَقَدْ عَطَّلَ القُرْآنَ. وَيُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ: "مَنَاطُ الحُكْمِ هُوَ العِلَّةُ"، وَعِلَّةُ الكُفْرِ هِيَ صَرْفُ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ، فَحَيْثُمَا وُجِدَتْ هَذِهِ العِلَّةُ وُجِدَ الحُكْمُ، سَوَاءٌ كَانَ الفَاعِلُ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنْ مُتَأَخِّرِي هَذِهِ الأُمَّةِ». [^7]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي:
«يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ تَقُومُ عَلَى "الجَهْلِ بِحَقِيقَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ"؛ فَهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ اللهَ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ كَانُوا يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِالوَسَائِطِ. فَمَنْ فَعَلَ اليَوْمَ فِعْلَهُمْ وَقَالَ "أَنَا مُؤْمِنٌ بِالبَعْثِ" فَقَدْ أَتَى بِبَعْضِ الدِّينِ وَتَرَكَ أَصْلَهُ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ المَتَمَاثِلَاتِ؛ فَإِذَا كَانَ دُعَاءُ "يَغُوثَ" شِرْكاً، فَإِنَّ دُعَاءَ "البَدَوِيِّ" أَوْ "الجَيْلَانِيِّ" هُوَ نَفْسُ الشِّرْكِ بِلَا فَرْقٍ». [^8]
[الحَاشِيَةُ ]
[^1]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص 180، دَارُ الثُّرَيَّا لِلنَّشْرِ.
[^2]: يُنْظَرُ: شَرْحُ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، ص 125، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^3]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ (مَسْجِدُ الِاسْتِقَامَةِ)، ص 140.
[^4]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ (تَفْرِيغُ دُرُوسِ المَدِينَةِ)، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ العَاشِرُ، ص 75.
[^5]: يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، المجلد 2، ص 250.
[^6]: يُنْظَرُ: إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، المجلد 2، ص 240.
[^7]: يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص 210.
[^8]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ الحَادِي عَشَرَ، ص 82.
-------------------&
الجزء الأول من المبحث الثاني:
المَبْحَثُ الثَّانِي: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "العُذْرِ بِالجَهْلِ" عِنْدَ الإِمَامِ وَالمُعَاصِرِينَ
[الجُزْءُ الأَوَّلُ: تَفْنِيدُ شُبْهَةِ أَنَّ الإِمَامَ (مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الوَهَّابِ) لَا يَرَى العُذْرَ بِالجَهْلِ مُطْلَقًا]
مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ: يَزْعُمُ بَعْضُ الغَالِينَ أَنَّ دَعْوَةَ الشَّيْخِ قَائِمَةٌ عَلَى التَّكْفِيرِ بِمُجَرَّدِ الفِعْلِ دُونَ النَّظَرِ فِي حَالِ الفَاعِلِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْذُرُ أَحَدًا بِالجَهْلِ فِي مَسَائِلِ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ.
أولًا: الشَّوَاهِدُ وَالدَّلَائِلُ مِنْ كَلَامِ الإِمَامِ وَرَسَائِلِهِ (تَحْقِيقُ المَنَاطِ):
نَفَى الإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ هَذِهِ التُّهْمَةَ عَنْ نَفْسِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَإِلَيْكَ نُصُوصُهُ المُحْكَمَةُ:
نَفْيُ التَّكْفِيرِ العَامِّ: قَالَ فِي رِسَالَتِهِ لِأَهْلِ القَصِيمِ: «وَأَمَّا مَا ذَكَرَ الأَعْدَاءُ عَنِّي أَنِّي أُكَفِّرُ بِالظَّنِّ، أَوْ بِالمُوَالاةِ، أَوْ أُكَفِّرُ الجَاهِلَ الَّذِي لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ؛ فَهَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ». [^1]
العُذْرُ بِعَدَمِ بَلَاغِ الحُجَّةِ: قَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى: «إِنَّا لَا نُكَفِّرُ إِلَّا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ العُلَمَاءُ كُلُّهُمْ، وَهُوَ الشَّهَادَتَانِ، وَأَيْضًا نُكَفِّرُ مَنْ عَرَفَ الدِّينَ ثُمَّ سَبَّهُ... وَلَا نُكَفِّرُ مَنْ عَبَدَ الصَّنَمَ الَّذِي عَلَى قَبْرِ عَبْدِ القَادِرِ، وَالصَّنَمَ الَّذِي عَلَى قَبْرِ أَحْمَدَ البَدَوِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا لِأَجْلِ جَهْلِهِمْ، وَعَدَمِ مَنْ يَنْبَهُهُمْ». [^2]
قَاعِدَةُ بَلَاغِ القُرْآنِ: كَانَ يُقَرِّرُ أَنَّ الحُجَّةَ تَقُومُ بِبَلَاغِ القُرْآنِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي إِطْلَاقِ الكُفْرِ عَلَى المَعِينِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الحُجَّةَ قَدْ فُهِمَتْ فَهْمًا يُزِيلُ اللَّبْسَ.
ثانيًا: تَقْرِيرَاتُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ المُعَاصِرِينَ فِي دَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ:
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
«يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ رَسَائِلَ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ نَاضِحَةٌ بِالعُذْرِ بِالجَهْلِ، وَيَقُولُ: "مَنِ ادَّعَى أَنَّ الشَّيْخَ يُكَفِّرُ دُونَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ فَقَدْ ظَلَمَهُ". وَيُبَيِّنُ ابْنُ عُثَيْمِينَ أَنَّ الشَّيْخَ إِنَّمَا يُكَفِّرُ "المُعَانِدَ" الَّذِي بَلَغَتْهُ الحُجَّةُ ثُمَّ أَعْرَضَ، أَمَّا الجَاهِلُ الصَّرِفُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ إِلَّا مَا عَلَيْهِ آبَاؤُهُ، فَهَذَا لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ عِنْدَ الشَّيْخِ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ». [^3]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ الفَوْزَانِ:
«يُفَصِّلُ الشَّيْخُ الفَوْزَانُ فِي فَهْمِ كَلَامِ الإِمَامِ، فَيَقُولُ: الشَّيْخُ يَعْذُرُ بِالجَهْلِ فِي المَسَائِلِ الخَفِيَّةِ، أَوْ فِي حَقِّ مَنْ نَشَأَ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ "لَا نُكَفِّرُ مَنْ عَبَدَ قَبْرَ البَدَوِيِّ" فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي "أَوَّلِ أَمْرِهِ" قَبْلَ انْتِشَارِ الدَّعْوَةِ وَقِيَامِ الحُجَّةِ. فَإِذَا بَلَغَتِ الحُجَّةُ وَانْتَشَرَ العِلْمُ، فَلَا عُذْرَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمُتَمَكِّنٍ مِنَ العِلْمِ». [^4]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ:
«يَذْهَبُ الشَّيْخُ إِلَى أَنَّ مَنْهَجَ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ هُوَ مَنْهَجُ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ بِعَيْنِهِ؛ وَهُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ (قَوْلِ الكُفْرِ) وَ(تَكْفِيرِ القَائِلِ). وَيُقَرِّرُ أَنَّ الإِمَامَ كَانَ يَتَوَرَّعُ عَنْ تَكْفِيرِ المُعَيَّنِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ "حُجَّةُ الرُّسُلِ" الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا. وَيَرُدُّ الشَّيْخُ صَالِحٌ عَلَى الغُلاةِ الَّذِينَ بَتَرُوا كَلَامَ الشَّيْخِ لِيُسَوِّغُوا تَكْفِيرَ العَامَّةِ». [^5]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي:
«يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِي المَسْأَلَةَ بِبَيَانِ أَنَّ "الجَهْلَ" عِنْدَ الإِمَامِ نَوْعَانِ: جَهْلٌ يُعْذَرُ صَاحِبُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنَ العِلْمِ، وَجَهْلٌ "إِعْرَاضِيٌّ" لَا يُعْذَرُ صَاحِبُهُ. وَيَسْتَشْهِدُ بِرَسَائِلِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ لِيُثْبِتَ أَنَّ الأَصْلَ عِنْدَهُمْ هُوَ أَنَّ التَّكْفِيرَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَا يُطْلَقُ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، وَالجَهْلُ أَكْبَرُ هَذِهِ المَوَانِعِ عِنْدَ الإِمَامِ». [^6]
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلْجُزْءِ الأَوَّلِ]
[^1]: يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، المجلد 5 (الرَّسَائِلُ الشَّخْصِيَّةُ)، ص 11.
[^2]: يُنْظَرُ: الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، المجلد 1، ص 104.
[^3]: يُنْظَرُ: لِقَاءَاتُ البَابِ المَفْتُوحِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، اللِّقَاءُ رَقْمُ (112).
[^4]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، ص 145، طَبْعَةُ دَارِ التَّوْحِيدِ.
[^5]: يُنْظَرُ: شَرْحُ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ (تَفْرِيغُ دُرُوسِ مَسْجِدِ الِاسْتِقَامَةِ)، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص 160.
[^6]: يُنْظَرُ: شَرْحُ القَوَاعِدِ الأَرْبَعِ، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ الثَّانِي، ص 30.
---------------------&
[الجزء الثاني: التحقيق في مسألة العذر بالجهل وتفصيل الشروط والموانع]
هذه المسألة تُبنى على أصلين عظيمين: الأول أن الله لا يعذب أحداً إلا بعد بلاغ الحجة {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}، والثاني أن الحكم بالكفر على المعين يستلزم ثبوت شروط وانتفاء موانع.
أولاً: شروط إقامة الحجة وتوافر الأوصاف (موجبات الحكم)
للحكم على من وقع في مكفر، يجب توافر شروط مرقمة كما طلبت:
- البلوغ والعقل: فلا تكليف على صبي أو مجنون.
- القصد والاختيار: أن يقصد الفعل أو القول المكفر باختياره، لا أن يسبق لسانه أو يكون مكرهاً.
- العلم بالمخالفة: أن يعلم أن هذا الفعل أو القول محرم شرعاً (وهنا يدخل العلم بأصل التوحيد).
- بقاء العقل والتمييز: فلا يكفر من زال عقله بسكر (على تفصيل) أو غضب شديد يُغلقه عن الإدراك.
ثانياً: موانع لحوق الوعيد (انتفاء الموانع)
حتى لو وجد الفعل المكفر، فقد يمنع من تكفير المعين موانع، وأهمها:
- الجهل: وهو عدم العلم بالحكم الشرعي، أو كون الشخص في بيئة غلب عليها الجهل والبدع.
- الإكراه: وهو أن يُجبر على القول أو الفعل بتهديد يطال حياته أو عضواً من أعضائه.
- التأويل السائغ: أن يظن الفاعل أن ما يفعله مشروع بناءً على شبهة عرضت له.
- الخطأ: كمن أراد أن يقول كلمة إيمان فسبق لسانه بكلمة كفر من شدة فرح أو خوف.
ثالثاً: متى يُعذر بالجهل ومتى لا يُعذر؟ (التفصيل الموسوعي)
1. تقرير الإمام ابن عثيمين:
«يُقسم الشيخ الجهل إلى نوعين:
- جهل يُعذر به: وهو الذي يكون من شخص بذل وسعه في طلب الحق ولم يصل إليه، أو نشأ في مكان ناءٍ لا يصل إليه العلم، فهذا يعذره الله ولا يحكم بكفره حتى تُبين له الحجة.
- جهل لا يُعذر به: وهو "جهل الإعراض"؛ كمن تبلغه الحجة أو يتمكن من العلم ويُعرض عنه تهاوناً أو كبراً، فهذا لا عذر له لأن الحجة قامت بتمكنه من العلم». [^1]
2. تقرير الشيخ صالح الفوزان:
«يرى الشيخ أن المسائل تنقسم إلى:
- مسائل ظاهرة: (مثل الشرك الأكبر، سب الله ورسوله)؛ فهذه الأصل فيها عدم العذر لمن عاش بين المسلمين؛ لأن القرآن يُتلى والحجة قائمة.
- مسائل خفية: (مثل دقائق العقائد والصفات)؛ فهذه يعذر فيها الجاهل حتى يُبين له العلماء. ويؤكد الفوزان أن العذر بالجهل ليس "صكاً مفتوحاً"، بل هو مقيد بحال الشخص وقدرته على الوصول للحق». [^2]
3. تقرير الشيخ صالح آل الشيخ:
«يُقرر الشيخ قاعدة: "ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه". ويفرق بين (قيام الحجة) و(فهم الحجة)؛ فقيام الحجة يحصل ببلوغ الوحي، أما فهمها فهو زوال الشبهة. ويقول: إن الجاهل الذي يعتقد أنه على حق ولم يجد من ينبهه يُعامل معاملة المسلمين في الدنيا (مادام ينتسب للإسلام) ويُترك أمره إلى الله في الآخرة، لكنه لا يُكفر عيناً حتى يُزال عنه اللبس». [^3]
4. تقرير الشيخ صالح سندي:
«يُحقق المسألة ببيان أن "العذر بالجهل" ثابت بالكتاب والسنة، ولكن يجب الحذر من استغلاله لتمييع أصل التوحيد. ويضع ضابطاً مهماً: العذر يكون في (انتفاء الإثم والوعيد)، لكن (الاسم) قد يثبت؛ فمن ذبح لغير الله يُسمى فعله شركاً، ولكن لا يُسمى هو "مشركاً كافراً" خارجاً من الملة عيناً إلا بعد انتفاء الموانع. ويؤكد أن مدار المسألة على "التمكن"؛ فالمتمكن من العلم معرض، وغير المتمكن معذور». [^4]
رابعاً: الخلاصة في المطلق العام
يُعذر بالجهل من كان حاله يقتضي الجهل (كحديث عهد بإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة)، ولا يُعذر من قامت عليه الحجة وتمكن من العلم فأعرض عنه. والتكفير المعين وظيفة العلماء الراسخين الذين يستطيعون سبر حال الشخص وتطبيق الشروط وانتفاء الموانع عليه.
[الحاشية المرجعية للجزء الثاني]
[^1]: ينظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، المجلد 2، ص 125، دار الثريا.
[^2]: ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، صالح الفوزان، ج 1، ص 180.
[^3]: ينظر: شرح كشف الشبهات، صالح آل الشيخ (تسجيلات منهاج السنة)، ص 185.
[^4]: ينظر: شرح القواعد الأربع، صالح سندي، المجلس الثالث، ص 45.
-------------------&المَبْحَثِ الثَّالِثِ:
(تَحْقِيقُ الفَرْقِ بَيْنَ كُفْرِ النَّوْعِ وَتَكْفِيرِ العَيْنِ فِي ضَوْءِ دَعْوَةِ الإِمَامِ وَالمُعَاصِرِينَ).
هَذِهِ المَسْأَلَةُ هِيَ مَدَارُ "رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ"؛ لِأَنَّ الخَصْمَ كَانَ يَلْبِسُ عَلَى العَامَّةِ بِأَنَّ الشَّيْخَ يُكَفِّرُ أَعْيَانَ المُسْلِمِينَ، فَقَامَ الشَّيْخُ بِتَفْرِيقِ الأَحْكَامِ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ.
[المَبْحَثُ الثَّالِثُ: تَحْقِيقُ المَنَاطِ بَيْنَ كُفْرِ النَّوْعِ وَتَكْفِيرِ العَيْنِ]
أَوَّلاً: التَّأْصِيلُ العِلْمِيُّ لِلْفَرْقِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالعَيْنِ
كُفْرُ النَّوْعِ (الحُكْمُ العَامُّ): هُوَ إِطْلَاقُ الحُكْمِ عَلَى الفِعْلِ أَوْ المَقَالَةِ، كَقَوْلِنَا: "مَنْ دَعَا غَيْرَ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ"، أَوْ "مَنْ سَبَّ الدِّينَ كَفَرَ". هَذَا حُكْمٌ كُلِّيٌّ لَا يَتَطَرَّقُ لِفُلَانٍ أَوْ عِلَانٍ.
تَكْفِيرُ العَيْنِ (الحُكْمُ الخَاصُّ): هُوَ تَنْزِيلُ الحُكْمِ العَامِّ عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِيثَاقِ مِنْ (بُلُوغِ الحُجَّةِ) وَ (فَهْمِهَا) وَ (انْتِفَاءِ المَوَانِعِ).
ثَانِياً: تَفْنِيدُ المَسْأَلَةِ مِنْ خِلَالِ رِسَالَةِ "كَشْفِ الشُّبُهَاتِ"
لَمْ يَكُنِ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ يَبْتَدِعُ هَذَا التَّفْرِيقَ، بَلْ هُوَ مَحْضُ مَذْهَبِ السَّلَفِ:
مَنْهَجُ الشَّيْخِ فِي الرِّسَالَةِ: كَانَ الشَّيْخُ يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ (الذَّبْحُ لِلْقُبُورِ، الِاسْتِغَاثَةُ بِالأَمْوَاتِ) هِيَ "شِرْكٌ كَشِرْكِ الأَوَّلِينَ"، لَكِنَّهُ لَمَّا جَاءَ لِلْتَّطْبِيقِ عَلَى الأَعْيَانِ رَاعَى حَالَ الأُمَّةِ فِي زَمَانِهِ مِنَ الجَهْلِ المُرْبِكِ.
رَدُّهُ عَلَى الشُّبُهَاتِ: كَانَ يَقُولُ: "نَحْنُ نُقَرِّرُ أَنَّ هَذَا كُفْرٌ، لَكِنَّنَا لَا نُكَفِّرُ مَنْ يَفْعَلُهُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ". فَالرِّسَالَةُ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ (الفِعْلَ) كُفْرٌ، وَلَكِنَّ (الفَاعِلَ) قَدْ يَمْنَعُ مِنْ تَكْفِيرِهِ مَانِعٌ. [^1]
ثَالِثاً: تَقْرِيرَاتُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ المُعَاصِرِينَ فِي دِقَّةِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ
1. تَقْرِيرُ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
«يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ لِقَاعِدَةِ: "لَا يَلْزَمُ مِنْ كُفْرِ الفِعْلِ كُفْرُ الفَاعِلِ". وَيَقُولُ: "قَدْ يَقُولُ الإِنْسَانُ كَلِمَةَ الكُفْرِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا كُفْرٌ، أَوْ يَفْعَلُ فِعْلَ الشِّرْكِ وَهُوَ مُتَأَوِّلٌ". وَيَضْرِبُ مَثَلاً بِحَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي أَمَرَ أَوْلَادَهُ بِحَرْقِهِ؛ فَقَدْ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ (وَهُوَ كُفْرُ نَوْعٍ)، وَلَكِنَّ اللهَ غَفَرَ لَهُ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ مِنْ خَشْيَتِهِ وَجَهْلِهِ (فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ كُفْرُ العَيْنِ)». [^2]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ الفَوْزَانِ:
«يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ أَئِمَّةَ الدَّعْوَةِ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ حِرْصاً عَلَى هَذَا التَّفْرِيقِ. وَيَقُولُ: "التَّكْفِيرُ لَيْسَ حَقّاً لَنَا، بَلْ هُوَ حَقُّ اللهِ، فَلَا نُكَفِّرُ إِلَّا مَنْ كَفَّرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ". وَيُحَذِّرُ الفَوْزَانُ مَنْ "تَسَوَّرُوا مِحْرَابَ العِلْمِ" فَصَارُوا يُسْقِطُونَ أَحْكَامَ الرِّدَّةِ عَلَى أَعْيَانِ العَوَامِّ دُونَ بَصِيرَةٍ بِهَذَا الفَرْقِ الدَّقِيقِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالعَيْنِ». [^3]
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ:
«يُنَبِّهُ الشَّيْخُ إِلَى أَنَّ مَسْأَلَةَ "تَكْفِيرِ المَعِينِ" هِيَ حُكْمٌ قَضَائِيٌّ يَتَوَقَّفُ عَلَى (تَحْقِيقِ مَنَاطٍ) خَاصٍّ بِكُلِّ فَرْدٍ. وَيَقُولُ: "إِنَّ الَّذِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ القَوْلِ وَالقَائِلِ فَقَدْ خَالَفَ مَنْهَجَ السَّلَفِ". وَيُثْبِتُ أَنَّ الإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي كُلِّ نِقَاشَاتِهِ لِلْخُصُومِ فِي (كَشْفِ الشُّبُهَاتِ) كَانَ يُقَرِّرُ عُمُومَ الكُفْرِ لِيَزْجُرَ النَّاسَ عَنِ الفِعْلِ، لَا لِيَحْكُمَ عَلَى أَعْيَانِهِمْ بِالنَّارِ». [^4]
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي:
«يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِي هَذِهِ المَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ تَكْفِيرَ النَّوْعِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ العَيْنِ، لَكِنَّ تَكْفِيرَ العَيْنِ يَسْتَلْزِمُ كُفْرَ النَّوْعِ". وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الدِّقَّةَ فِي هَذَا البَابِ تَحْمِي مِنَ الوُقُوعِ فِي (الخَوَارِجِ) الَّذِينَ كَفَّرُوا بِالعَيْنِ دُونَ مَوَانِعَ، وَتَحْمِي مِنَ (المُرْجِئَةِ) الَّذِينَ لَمْ يُكَفِّرُوا بِالفِعْلِ وَالنَّوْعِ. وَيُثْنِي عَلَى عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ فِي رَعَايَتِهِمْ لِهَذَا التَّوَازُنِ». [^5]
رَابِعاً: شُرُوطُ الِانْتِقَالِ مِنَ (النَّوْعِ) إِلَى (العَيْنِ)
لَا يَجُوزُ نَقْلُ الحُكْمِ مِنَ العُمُومِ إِلَى الفَرْدِ إِلَّا بِمَا يَلِي:
ثُبُوتُ الفِعْلِ بِيَقِينٍ: (أَنْ يَكُونَ الفَرْدُ قَدْ فَعَلَ المِكْفَرَ فِعْلًا).
إِقَامَةُ الحُجَّةِ البَيِّنَةِ: (أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فِعْلَهُ يُخَالِفُ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ).
إِزَالَةُ الشُّبْهَةِ العَارِضَةِ: (أَنْ لَا يَكُونَ لَدَيْهِ تَأْوِيلٌ يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعًا).
بُلُوغُ دَرَجَةِ التَّمَكُّنِ: (أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ الوُصُولُ لِلْحَقِّ وَأَعْرَضَ).
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلْمَبْحَثِ الثَّالِثِ]
[^1]: يُنْظَرُ: مُؤَلَّفَاتُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، المجلد 1 (كَشْفُ الشُّبُهَاتِ)، ص 153.
[^2]: يُنْظَرُ: القَوْلُ المُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، المجلد 1، ص 340.
[^3]: يُنْظَرُ: شَرْحُ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، ص 170، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^4]: يُنْظَرُ: شَرْحُ رِسَالَةِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ (مَسْجِدُ الِاسْتِقَامَةِ)، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص 195.
[^5]: يُنْظَرُ: شَرْحُ القَوَاعِدِ الأَرْبَعِ، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ الثَّانِي، ص 35.
------------------------&
[المَبْحَثُ الرَّابِعُ: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ التَّوَسُّلِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالبِدْعَةِ]
الجُزْءُ الأَوَّلُ: التَّأْصِيلُ العِلْمِيُّ وَتَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ
أولًا: التحرير الاصطلاحي (الحد الجامع المانع)
التوسل لغة: مشتق من "الوسيلة"، وهي الرغبة والقربة، وتوسل إلى الله بوسيلة أي تقرب إليه بعمل.
التوسل شرعاً: هو التقرب إلى الله تعالى بدعائه وطاعته بما شرعه من الوسائل الصحيحة، طلباً للوصول إلى رضوانه أو تحقيق مصلحة دنيوية أو أخروية.
الحد الجامع المانع: هو التعبد لله بوسيلة "ثابتة شرعاً" للوصول إلى مقصود "مشروع". [^1]
ثانيًا: القسم الأول: التوسل الجائز (المشروع)
وهو التوسل الذي قام عليه الدليل من الكتاب والسنة وفعل السلف الصالح.
1. أنواعه وصوره (تطبيقات عملية):
التوسل بأسماء الله وصفاته: * صورته: أن يقدم بين يدي دعائه اسماً لله يناسب مسألته.
تطبيق: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الرزاق ارزقني"، أو "برحمتك أستغيث".
التوسل بالعمل الصالح: * صورته: أن يذكر العبد عملاً أخلص فيه لله بين يدي دعائه.
تطبيق: "اللهم ببري بوالدّي فرج همي"، أو "اللهم بإيماني بنبيك انصرني".
التوسل بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر: * صورته: الذهاب لمن عُرف بالصلاح وطلب الدعاء منه.
تطبيق: "يا شيخ ادعُ الله لي بالثبات". [^2]
2. شروط التوسل الجائز (الشرائط والانتفاء):
شرط الثبوت: أن تكون الوسيلة مما نص عليه الشارع (التوقيف).
شرط الإخلاص: أن يكون التوجه بالطلب لله وحده، والوسيلة مجرد سبب.
شرط الحياة والحضور (في توسل الأشخاص): فلا يُطلب من ميت ولا غائب، فالميت انقطع عمله.
انتفاء الغلو: ألا يُعتقد في الوسيلة (كالدعاء من الصالح) أنها تملك النفع بذاتها.
انتفاء المحذور: ألا يصحب التوسل بدعة كرفع الصوت عند القبور أو التمسح بها.
ثالثًا: القسم الثاني: التوسل الممنوع (المحرم)
وينقسم إلى بدعي وشركي بحسب الاعتقاد والممارسة.
1. التوسل البدعي:
تعريفه: هو التقرب إلى الله بما لم يشرعه وسيلة، مع بقاء أصل الاعتقاد بأن الله هو المعطي وحده.
صورته وتطبيقاته: التوسل بجاه النبي ﷺ أو بذوات الصالحين (كقول: "اللهم بحق فلان").
أسبابه: (1) الجهل بالسنن، (2) القياس الفاسد على ملوك الدنيا، (3) الاعتماد على آثار موضوعة.
2. التوسل الشركي:
تعريفه: هو ما تضمن صرفاً للعبادة لغير الله، أو اعتقاداً يقدح في ربوبيته.
أقسامه:
شرك أصغر: وهو التوسل بجاه المخلوق مع اعتقاد أنه "سبب" فقط لإجابة الله للدعاء (وهو بدعة وذريعة للشرك).
شرك أكبر: وهو دعاء الميت مباشرة أو الاستغاثة به ليقرب العبد إلى الله.
صورته وتطبيقاته: "يا بدوي اشفع لي"، أو السجود لصاحب القبر توسلاً به إلى الله.
كيف يتحول من أصغر إلى أكبر؟: * يتحول إذا انتقل القلب من اعتقاد أن المخلوق "واسطة" إلى اعتقاد أن المخلوق "يملك النفع والضر"، أو إذا صار المتوسل يرجو صاحب القبر ويخافه كخوفه من الله أو أشد. [^3]
رابعًا: الاستدلال من الكتاب والسنة
الآية الأولى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]. (تأصيل التوسل بالأسماء).
الآية الثانية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوسِيلَةَ} [المائدة: 35]. (الوسيلة هنا هي الطاعات بإجماع السلف). [^4]
الحديث الأول: حديث أصحاب الغار في "الصحيحين"؛ توسلوا بأعمالهم الصالحة فانفرجت الصخرة. [^5]
الحديث الثاني: حديث عمر في الاستسقاء بالعباس في "صحيح البخاري"؛ «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا». [^6]
خامسًا: تقريرات العلماء المعاصرين الأربعة
الشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت 1421هـ):
«يُقرر الشيخ أن التوسل عبادة والعبادة توقيفية، ويرى أن التوسل بالجاه بدعة لأنه إثبات لسببية لم يثبتها الشرع. ويقول: "جاه المخلوق ينفعه هو عند ربه، لكنه لا ينفعك أنت في إجابة دعائك". ويحذر الشيخ من أن التوسل بالجاه هو أول درجات الانزلاق نحو الشرك الأكبر، لأن القلب إذا تعلق بالجاه ضعف تعلقه بالله، ويتحول إلى شرك أكبر إذا سأل العبد صاحب الجاه مباشرة أو اعتقد فيه نوع تصرف. ويؤكد أن كمال التوحيد في الاستغناء عن الوسائط البشرية والتوجه لرب البرية». [^7]
الشيخ صالح بن فوزان الفوزان:
«يفصل الشيخ في أن التوسل البدعي (بالجاه والذوات) هو "مادة الشرك" التي تغلغلت في الأمة بسبب الجهل. ويقول: "المشركون الأوائل ما عبدوا الأصنام إلا توسلاً بها"، فمن قال "بجاه فلان" فقد تشبه بهم في اتخاذ الوسائط. ويؤكد أن التوسل الشركي (دعاء الموتى) مخرج من الملة، أما التوسل بالجاه فهو بدعة ووسيلة للشرك. ويشدد الفوزان على أن التفريق بين دعاء الحي ودعاء الميت هو الفرق بين السنة والبدعة، وبين التوحيد والشرك، لأن الحي يُطلب منه الدعاء (فعل) والميت يُدعى (عبادة)». [^8]
الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:
«يبحث الشيخ في دلالة "الوسيلة" في نصوص الوحي، مؤكداً أن أهل البدع نقلوا معناها من "العمل الصالح" إلى "الذوات البشرية". ويرى أن التوسل بالجاه يقدح في تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله، لأن المتابعة تقتضي فعل ما فعله ﷺ وأصحابه، وهم لم يتوسلوا بجاه أحد. ويوضح أن التوسل الشركي ينشأ من الغلو في الصالحين الذي يفضي بصاحبه إلى صرف خالص حق الله (وهو الدعاء) للمخلوق بدعوى التوسل، وهذا هو الضلال البعيد الذي حذر منه أئمة الدعوة». [^9]
الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي:
«يحرر الشيخ سندي محل النزاع ببراعة، مبيناً أن التوسل بالجاه قولٌ بلا علم، وفيه إحداث في الدين. ويؤكد أن التوسل لا يكون سبباً شرعياً إلا بدليل، والجاه ليس سبباً شرعياً ولا قدرياً. ويذكر أن التوسل الشركي هو "الشرك الغالب" في المتأخرين بسبب تعظيم القبور. ويبين أن من شروط التوسل الصحيح أن يكون المتوسل به مما يحبه الله (كالأسماء والأعمال)، أما ذوات الأشخاص فليس لدينا دليل على أن الله يحب التوسل بها، بل الدليل على خلافه، وهو ترك الصحابة له في أشد الكروب». [^10]
[الحَاشِيَةُ ]
[^1]: الحد الجامع المانع: هو تعريف منطقي يُقصد به "الجامع" لكل أفراد المعرَّف، و"المانع" من دخول غيرها فيه. فخرج بقولنا "ثابتة شرعاً" التوسل البدعي والشركي.
[^2]: الفرق بين الحي والميت: الحي يُطلب منه "الدعاء" (وهو سبب عادي)، أما الميت فلا يُطلب منه شيء لأن روحه ارتحلت وبرزخت، فطلبه يُعد دعاء عبادة.
[^3]: التحول من الأصغر للأكبر: القاعدة عند العلماء أن "الوسائل لها أحكام المقاصد"، فإذا صار الوسيلة (الجاه) هو المقصد في القلب وتحركت له المشاعر تعظيماً، انتقل من كونه بدعة (أصغر) إلى كونه تأليهاً (أكبر).
[^4]: تفسير الوسيلة: قال ابن كثير في تفسيره: "الوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود... وهي الطاعات والقربات". وعرفها أهل اللغة (كابن فارس) بأنها الدرجة والقربة.
[^5]: أخرجه البخاري (كتاب الأدب، رقم 5974) ومسلم (كتاب الذكر والدعاء، رقم 2743). وهو أصل في "التوسل بالعمل الصالح".
[^6]: أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الجمعة، رقم 1010). وفيه دليل أن الصحابة عدلوا عن التوسل بالنبي ﷺ (لأنه مات) إلى التوسل بدعاء العباس (لأنه حي).
[^7]: يُنظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، ج 2، ص 330-348.
[^8]: يُنظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ج 1، ص 160 وما بعدها.
[^9]: يُنظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ، ص 142، دار التوحيد.
[^10]: يُنظر: شرح القواعد الأربع ودروس المسجد النبوي، صالح سندي، تسجيلات الشبكة الإسلامية 2024.
----------------------&
الجُزْءُ الثَّانِي:
[تَفْنِيدُ شُبُهَاتِ المُخَالِفِينَ فِي التَّوَسُّلِ وَالرَّدُّ عَلَى مَرْوِيَّاتِهِمْ]
تعتمد جلُّ شبهات القبورين وأهل البدع في مسألة التوسل بالجاه والذوات على مرويات لا تثبت من جهة الإسناد، أو أحاديث صحيحة حُرّف مَناط استدلالها.
أولاً: الشبهة الأولى (حديث: "توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم")
هذا هو عمدة الكثير من العوام والمبتدعة، والرد عليه من وجوه:
بطلان السند: هذا الحديث لا أصل له في كتب السنة المسندة، ولم يروه أحد من أصحاب السنن أو المسانيد.
حكم العلماء: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الحديث كذب موضوع، ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث". [^1]
فساد المتن: الجاه حق للنبي ﷺ لا يُنكره إلا مبتدع، لكن "الجاه" وصف للمدعو له وليس سبباً شرعياً للمدعو، فالدعاء عبادة تفتقر إلى دليل شرعي يربط بين جاه فلان وإجابة دعاء علان.
ثانيًا: الشبهة الثانية (حديث: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور")
وهذا من أقبح ما يُستدل به على التوسل الشركي.
بيان حال الحديث: هذا حديث موضوع ومختلق باتفاق أهل المعرفة بالحديث، بل هو من وضع الملاحدة والمشركين ليفسدوا دين المسلمين. [^2]
مناقضة المحكمات: هذا الحديث يصادم صريح القرآن في قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
علة الاستدلال: يستدلون به لصرف القلوب عن "الحي الذي لا يموت" إلى "الأموات الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً".
ثالثًا: الشبهة الثالثة (حديث الأعمى والتوسل بالنبي ﷺ)
وهذا حديث صحيح في أصله، لكنهم أخطأوا في وجه الاستدلال به.
تخريج الحديث: أخرجه الترمذي وصححه.
وجه الإعلال في الاستدلال: المخالف يستدل به على التوسل بـ "الذات"، والحقيقة أن الأعمى توسل بـ "دعاء النبي ﷺ" وهو حي حاضر.
الدليل: أن الأعمى قال: "يا رسول الله ادعُ الله أن يعافيني"، فلو كان التوسل بالذات كافياً لم يذهب للنبي ﷺ بل دعا في بيته قائلاً "بجاه محمد".
بصمة الباحث: إن العدول عن هذا الحديث بعد وفاته ﷺ إلى التوسل بالعباس رضي الله عنه دليل قاطع على أن التوسل كان بـ "الدعاء" (الذي ينقطع بالموت) لا بـ "الجاه" (الذي لا ينقطع بالموت). [^3]
رابعًا: الشبهة الرابعة (حديث: "أسألك بحق السائلين عليك")
بيان العلة: الحديث أخرجه أحمد وابن ماجه، وفي سنده "عطية العوفي" وهو ضعيف ومدلس، وضعفه مجمع عليه عند أئمة الجرح والتعديل. [^4]
تحقيق المتن: حتى لو صح (جدلاً)، فالمقصود بـ "حق السائلين" هو وعد الله الصادق بإجابة من دعاه، وهذا توسل بـ "صفة من صفات الله" (وهي الوفاء بالوعد) وبـ "عمل العبد" (وهو السؤال والدعاء)، وليس فيه توسل بذات شخص بعينه.
خامسًا: الرد الجامع من تقريرات العلماء المعاصرين الأربعة
الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
«يفند الشيخ القاعدة المنهجية للمخالفين بأنهم "يبنون عقيدتهم على أوهام". ويقول: "كل حديث ورد في التوسل بالجاه إما كذب موضوع، أو ضعيف لا ينجبر، أو صحيح ليس فيه استدلال". ويؤكد أن إحياء هذه الأحاديث الضعيفة هو جناية على التوحيد، لأن العبادة لا تُبنى إلا على اليقين والوحي الصحيح». [^5]
الشيخ صالح بن فوزان الفوزان:
«يرد الشيخ على شبهة "قياس الغائب على الشاهد"، مبيناً أن استدلالهم بقصة الأعمى أو استسقاء عمر هو استدلال بمحل النزاع؛ فالفعل النبوي والصحابة كان في "الحي" لا في "الميت". ويقول الفوزان: "لو كان التوسل بالذات خيراً لسبقنا إليه أبو بكر وعمر"، فتركهم له مع قيام المقتضى (الجدب والحاجة) دليل على عدم مشروعيته». [^6]
الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:
«يحلل الشيخ آل الشيخ المادة الحديثية للمخالفين، مبيناً أنهم يعتمدون على "المنكرات" و"المعضلات". ويقول: "إن هؤلاء القوم يعمدون إلى أحاديث في فضائل الأعمال فيجعلونها في أصول العقائد". ويبين أن رد هذه الأحاديث ليس طعناً في قدر النبي ﷺ -كما يزعمون- بل هو صيانة لمقامه من أن يُنسب إليه ما لم يقل، وحماية لجناب التوحيد من وسائط الجاهلية». [^7]
الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي:
«ببصمة الباحث الفذ، يُعرّي الشيخ سندي تهافت الاستدلال بالأحاديث المعلولة، موضحاً أن منهج أهل السنة هو "رد المتشابه إلى المحكم". فإذا جاء حديث ضعيف يوهم التوسل، رددناه إلى المحكم من قوله {فادعوا الله مخلصين له الدين}. ويؤكد أن العلة في قبول هذه الأحاديث عند المخالفين هي "الهوى المتبع" وتعظيم المشاهد والقبور، مما أعمى الأبصار عن تتبع علل الأسانيد التي نص عليها جهابذة الحديث». [^8]
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلْجُزْءِ الثَّانِي]
[^1]: يُنظَرُ: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد الأول، ص 319.
[^2]: يُنظَرُ: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، الألباني، حديث رقم (450).
[^3]: هذا ما قرره شيخ الإسلام في القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة، وهو العمدة في هذا الباب.
[^4]: عطية العوفي: هو عطية بن سعد العوفي، قال عنه الإمام أحمد: "ضعيف الحديث"، وقال ابن حجر: "صدوق يخطئ كثيراً وكان شيعياً مدلساً".
[^5]: يُنظر: لقاءات الباب المفتوح، ابن عثيمين، اللقاء رقم (57).
[^6]: يُنظر: شرح كشف الشبهات، الفوزان، ص 180، دار التوحيد.
[^7]: يُنظر: شرح الطحاوية، صالح آل الشيخ، تسجيلات منهاج السنة.
[^8]: يُنظر: دروس في توحيد العبادة، صالح سندي، الموقع الرسمي للشيخ (المجلس الخاص بتفنيد الشبهات).
-----------------&
[تَتِمَّةُ الجُزْءِ الثَّانِي مِنَ المَبْحَثِ الرَّابِعِ: التَّفْنِيدُ المَوْسُوعِيُّ لِلشُّبُهَاتِ]
أَوَّلًا: شُبْهَةُ حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ بِالعَبَّاسِ (قُم يَا عَبَّاسُ)
هَذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ فِي "صَحِيحِ البُخَارِيِّ" [^1]، وَلَكِنَّ المُنْحَرِفِينَ عَنْ جَادَّةِ التَّوْحِيدِ حَاوَلُوا جَعْلَهُ دَلِيلًا عَلَى التَّوَسُّلِ بِالجَاهِ وَالذَّوَاتِ.
1. مَضْمُونُ الشُّبْهَةِ:
يَقُولُونَ: "إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَوَسَّلَ بِالعَبَّاسِ، وَالعَبَّاسُ ذَاتٌ وَصَاحِبُ جَاهٍ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِذَاتِ الصَّالِحِينَ وَجَاهِهِمْ، سَوَاءٌ كَانُوا أَحْيَاءً أَوْ أَمْوَاتًا".
2. التَّفْنِيدُ وَبَصْمَةُ البَاحِثِ (الرَّدُّ مِنْ وُجُوهٍ):
- الوَجْهُ الأَوَّلُ (الْعُدُولُ عَنِ الأَفْضَلِ): لَوْ كَانَ التَّوَسُّلُ بِالذَّاتِ أَوْ الجَاهِ مَشْرُوعًا بَعْدَ المَوْتِ، لَمَا عَدَلَ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ عَنِ التَّوَسُّلِ بِذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ (وَهُوَ أَعْظَمُ الخَلْقِ جَاهًا) إِلَى التَّوَسُّلِ بِالعَبَّاسِ. فَعُدُولُهُمْ عَنِ المَيِّتِ إِلَى الحَيِّ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ هُوَ "دُعَاءُ الحَيِّ" لَا "جَاهُ المَيِّتِ".
- الوَجْهُ الثَّانِي (قَوْلُ عُمَرَ): صَرَّحَ عُمَرُ بِالعِلَّةِ فَقَالَ: "إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا"، أَيْ: بِدُعَائِهِ وَتَقْدِيمِهِ لِيَدْعُوَ لَنَا، "وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا"، أَيْ: بِدُعَائِهِ الآنَ لِأَنَّهُ حَيٌّ بَيْنَنَا.
- الوَجْهُ الثَّالِثُ (فِعْلُ العَبَّاسِ): لَمْ يَقِفِ العَبَّاسُ صَامِتًا لِيَتَوَسَّلُوا بِذَاتِهِ، بَلْ قَامَ فَدَعَا اللهَ بِدُعَاءٍ مَشْهُورٍ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ التَّوَسُّلَ كَانَ بِـ "الدُّعَاءِ" [^2].
ثَانِيًا: تَفْنِيدُ أَحَادِيثِ (الأَعْرَابِيِّ) وَ(تَوَسُّلِ آدَمَ) وَ(الأَعْمَى)
1. شُبْهَةُ حَدِيثِ (تَوَسُّلِ آدَمَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ):
- نَصُّ الشُّبْهَةِ: يَرْوُونَ أَنَّ آدَمَ لَمَّا أَذْنَبَ قَالَ: "يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي".
- الرَّدُّ وَإِيرَادُ العِلَلِ: هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ (مَكْذُوبٌ). أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ، وَفِي سَنَدِهِ "عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ"، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَأَجْمَعَ النُّقَّادُ عَلَى وَهَنِ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ: "أَظُنُّهُ مَوْضُوعًا". كَمَا أَنَّهُ يُخَالِفُ القُرْآنَ الَّذِي بَيَّنَ أَنَّ آدَمَ تَوَسَّلَ بِكَلِمَاتٍ أُخْرَى: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا...}. [^3]
2. شُبْهَةُ قِصَّةِ (الأَعْرَابِيِّ عِنْدَ القَبْرِ):
- نَصُّ الشُّبْهَةِ: قِصَّةُ العُتْبِيِّ عَنِ الأَعْرَابِيِّ الَّذِي جَاءَ لِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَلَا آيَةَ {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} وَطَلَبَ الشَّفَاعَةَ.
-
الرَّدُّ وَتَوْسِيعُ البَحْثِ: هَذِهِ الحِكَايَةُ لَا تُثْبِتُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لِوُجُوهٍ:
- انْقِطَاعُ السَّنَدِ: هِيَ حِكَايَةٌ بِلَا سَنَدٍ صَحِيحٍ مُتَّصِلٍ إِلَى العُتْبِيِّ، وَالعُتْبِيُّ لَيْسَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ.
- مُخَالَفَةُ المَنَاطِ: الآيَةُ نَزَلَتْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ (إِذْ جَاءُوكَ)، وَالمَجِيءُ بَعْدَ المَوْتِ إِلَى القَبْرِ لِطَلَبِ الِاسْتِغْفَارِ لَمْ يَفْعَلْهُ كِبَارُ الصَّحَابَةِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ. [^4]
ثَالِثًا: أَقْوَالُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ الأَرْبَعَةِ (تَوَسُّعٌ وَتَحْقِيقٌ)
1. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينُ (ت 1421هـ):
«يُفَنِّدُ الشَّيْخُ الِاسْتِدْلَالَ بِحَدِيثِ العَبَّاسِ تَفْنِيدًا عَقْلِيًّا وَأَثَرِيًّا، فَيَقُولُ: "لَوْ كَانَ جَاهُ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ المَقْصُودُ لَمَا احْتَاجَ الصَّحَابَةُ لِلْخُرُوجِ لِلْمُصَلَّى وَطَلَبِ دُعَاءِ العَبَّاسِ، بَلْ كَانَ يَكْفِيهِمْ أَنْ يَدْعُوا فِي بُيُوتِهِمْ بِجَاهِهِ". وَيُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ قَوْلَ المُنْحَرِفِينَ (تَوَسَّلُوا بِجَاهِي) هُوَ إِفْكٌ مُبِينٌ يَصْرِفُ النَّاسَ عَنِ التَّعَلُّقِ بِاللهِ إِلَى التَّعَلُّقِ بِالخَلْقِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ بَرَكَةَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ إِنَّمَا هِيَ فِي اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، لَا فِي جَعْلِ ذَاتِهِ وَسِيطَةً بَيْنَ اللهِ وَخَلْقِهِ». [^5]
2. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الفَوْزَانِ:
«يَسْتَفِيضُ الشَّيْخُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَسْتَدِلُّونَ بِالأَحَادِيثِ الضعيفة كَحَدِيثِ (السَّائِلِينَ)، فَيَقُولُ: "إِنَّ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَاتِ وَيَتَّبِعُونَ الأَحَادِيثَ المعلولة هُمْ أَهْلُ زَيْغٍ". وَيُوَضِّحُ أَنَّ حَدِيثَ العَبَّاسِ هُوَ حُجَّةٌ (عَلَيْهِمْ) لَا (لَهُمْ)؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَنَّ التَّوَسُّلَ الشَّرْعِيَّ بِالأَشْخَاصِ مُقَيَّدٌ بِالحَيَاةِ وَالدُّعَاءِ. وَيُحَذِّرُ الفَوْزَانُ مِنْ أَنَّ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ إِحْيَاءَ مَذْهَبِ (المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ) بِثَوْبٍ جَدِيدٍ، عَبْرَ تَحْرِيفِ مَعَانِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ». [^6]
3. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ:
«يَنْقُدُ الشَّيْخُ مَنْهَجَ الِاسْتِدْلَالِ عِنْدَ القُبُورِيَّةِ، مَيِّنًا أَنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى (المَنَامَاتِ) وَ(الحِكَايَاتِ) كَحِكَايَةِ العُتْبِيِّ، وَيَتْرُكُونَ القَوَاعِدَ الأُصُولِيَّةَ. وَيَقُولُ: "إِنَّ قَوْلَ عُمَرَ (بِعَمِّ نَبِيِّنَا) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَرَابَةِ الرَّسُولِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ هُوَ الدُّعَاءُ". وَيُحَقِّقُ آلُ الشَّيْخِ أَنَّ تَوْحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ يَقْتَضِي عَدَمَ جَعْلِ مَخْلُوقٍ قَيْدًا فِي دُعَاءِ الخَالِقِ، لِأَنَّ اللهَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، وَالوَسَائِطُ المَبْنِيَّةُ عَلَى الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ هِيَ أَوْثَانٌ مَعْنَوِيَّةٌ». [^7]
4. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«يَضَعُ الشَّيْخُ سِنْدِي مِشْرَطَ الجَرَّاحِ عَلَى عِلَلِ الأَحَادِيثِ، مِثْلَ حَدِيثِ (فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ) وَفِيهِ "بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي"، فَيُبَيِّنُ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ فِي سَنَدِهِ "رَوْحُ بْنُ صَلَاحٍ" وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَيُؤَصِّلُ سِنْدِي لِقَاعِدَةِ: "أَنَّ العِبَادَةَ المَبْنِيَّةَ عَلَى الضَّعِيفِ هِيَ بِدْعَةٌ". وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِقِصَّةِ الأَعْمَى عَلَى التَّوَسُّلِ بِالجَاهِ بَعْدَ المَوْتِ هُوَ (تَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ)، لِأَنَّ السَِّيَاقَ كُلَّهُ يَدُورُ حَوْلَ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ (أَيْ دُعَائِهِ) فِي حَالِ حَيَاتِهِ». [^8]
[الحَاشِيَة]
[^1]: تَخْرِيجُ حَدِيثِ العَبَّاسِ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الجُمُعَةِ، بَابُ سُؤَالِ النَّاسِ الإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا، رَقْمُ (1010). وَتَعْبِيرُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا) أَيْ بِدُعَائِهِ، وَهَذَا كَانَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ.
[^2]: دُعَاءُ العَبَّاسِ: ذَكَرَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي "فَتْحِ البَارِي" (2/497)، وَفِيهِ قَوْلُ العَبَّاسِ: "اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَمْ يُكْشَفْ إِلَّا بِتَوْبَةٍ، وَهَذِهِ أَيْدِينَا إِلَيْكَ بِالذُّنُوبِ، وَنَوَاصِينَا إِلَيْكَ بِالتَّوْبَةِ، فَاسْقِنَا الغَيْثَ". فَهَذَا تَوَسُّلٌ بِالدُّعَاءِ صَرِيحٌ.
[^3]: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَجْمَعَ أَئِمَّةُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (كَأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ) عَلَى ضَعْفِهِ. قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: "لَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ". فَمَا بَالُكَ وَهُوَ يُخَالِفُ المَقْطُوعَ بِهِ؟
[^4]: العُتْبِيُّ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ العُتْبِيُّ (ت 228هـ)، وَالحِكَايَةُ ذَكَرَهَا بَعْضُ الفُقَهَاءِ فِي "المَنَاسِكِ" لَكِنَّهَا بِلَا خِطَامٍ وَلَا زِمَامٍ مِنْ حَيْثُ السَّنَدُ، وَالعَقَائِدُ لَا تُؤْخَذُ مِنَ المَنَامَاتِ وَالحِكَايَاتِ.
[^5]: يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، المجلد 2، ص 340-345.
[^6]: يُنْظَرُ: إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، ج 1، ص 168.
[^7]: يُنْظَرُ: شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (مَجْلِسُ التَّوَسُّلِ)، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ.
[^8]: يُنْظَرُ: دُرُوسٌ فِي تَوْحِيدِ العِبَادَةِ، صَالِحٌ سِنْدِي، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ، مَادَّةُ "تَفْنِيدُ مَزَاعِمِ المُتَوَسِّلِينَ بِالجَاهِ".
------------------------&[المَبْحَثُ الخَامِسُ: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ الِاسْتِغَاثَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ]
الجُزْءُ الأَوَّلُ: التَّأْصِيلُ، الأَنْوَاعُ، وَالشُّرُوطُ
أولًا: التحرير الاصطلاحي (الحد الجامع المانع)
-
الاستغاثة:
- لغةً: طَلَبُ الغَوْثِ، وَهُوَ النَّصْرُ وَالخَلَاصُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالكَرْبِ.
- اصطلاحًا (الحد الجامع): طَلَبُ إِزَالَةِ الشِّدَّةِ وَالمَكْرُوهِ مِمَّنْ يَمْلِكُ دَفْعَهَا سُبْحَانَهُ، أَوْ مِمَّنْ جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا ظَاهِرًا مَقْدُورًا عَلَيْهِ مِنَ المَخْلُوقِينَ. [^1]
-
الاستعانة:
- لغةً: طَلَبُ العَوْنِ، وَهُوَ المُظَاهَرَةُ وَالمُعَاوَنَةُ عَلَى الأَمْرِ.
- اصطلاحًا (الحد الجامع): طَلَبُ العَوْنِ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي جَلْبِ المَنَافِعِ وَدَفْعِ المَضَارِّ مَعَ الثِّقَةِ بِهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، أَوْ طَلَبُ المُشَارَكَةِ مِنَ المَخْلُوقِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. [^2]
ثانيًا: أقسام الِاستغاثة وَالِاستعانة
(الجائز والممنوع)
تَنْقَسِمُ هَذِهِ الأَعْمَالُ بِحَسَبِ المَسْؤُولِ وَنَوْعِ المَسْؤُولِ فِيهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
1. القسم الجائز (المشروع):
وَهُوَ الِاسْتِغَاثَةُ بِاللهِ تَعَالَى فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ، أَوْ الِاسْتِغَاثَةُ بِالمَخْلُوقِ ضِمْنَ أَرْبَعَةِ شُرُوطٍ مُجْتَمِعَةٍ:
- أَنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ حَيًّا: فَخَرَجَ المَيِّتُ (اسْتِغَاثَةٌ شِرْكِيَّةٌ).
- أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا: فَخَرَجَ الغَائِبُ (اسْتِغَاثَةٌ شِرْكِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ اعْتِقَادَ سَمَاعٍ خَفِيٍّ).
- أَنْ يَكُونَ قَادِرًا: فَخَرَجَ طَلَبُ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ (كَإِنْزَالِ المَطَرِ).
- أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ سَبَبٌ: فَلَا يَعْتَمِدُ بِقَلْبِهِ عَلَى المَخْلُوقِ بَلْ عَلَى خَالِقِ السَّبَبِ. [^3]
2. القسم المحرم (البدعي):
وَهُوَ الِاسْتِغَاثَةُ بِمَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ دَلِيلٌ وَلَيْسَ فِيهِ شِرْكٌ مَحْضٌ، كَالتَّوَسُّلِ بِجَاهِ فُلَانٍ عِنْدَ الشِّدَّةِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ اللهَ هُوَ الفَاعِلُ، لَكِنَّ هَذَا الفِعْلَ بِدْعَةٌ وَوَسِيلَةٌ لِلشِّرْكِ.
3. القسم الشركي (الأصغر والأكبر):
- الشرك الأصغر: الِاعْتِمَادُ الكُلِّيُّ بِالقَلْبِ عَلَى السَّبَبِ المَأْذُونِ فِيهِ (كَالطَّبِيبِ) مَعَ نِسْيَانِ اللهِ، أَوْ قَوْلُ "أَنَا مُسْتَغِيثٌ بِاللهِ وَبِكَ".
- الشرك الأكبر: الِاسْتِغَاثَةُ بِالأَمْوَاتِ أَوِ الغَائِبِينَ، أَوْ طَلَبُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ مِنَ المَخْلُوقِ (كَطَلَبِ المَغْفِرَةِ أَوِ الهِدَايَةِ). [^4]
ثالثًا: كيف يتحول الشرك الأصغر إلى أكبر؟
يَتَحَوَّلُ المَنَاطُ مِنَ الأَصْغَرِ إِلَى الأَكْبَرِ عِنْدَمَا يَنْتَقِلُ فِعْلُ الجَوَارِحِ إِلَى "تَأْلِيهِ القَلْبِ"، وَذَلِكَ بِـ:
- صرف كمال الخوف والرجاء: إِذَا صَارَ العَبْدُ يَخَافُ مِنَ "المُسْتَغَاثِ بِهِ" (كَنَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ) أَنْ يَضُرَّهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ رِزْقِهِ خَوْفًا سِرِّيًّا.
- اعتقاد النفع الذاتي: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ لِلْمَخْلُوقِ تَصَرُّفًا فِي الكَوْنِ بَعِيدًا عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ.
- دوام التعلق: إِذَا صَارَ لَا يَذْكُرُ اللهَ عِنْدَ الكُرُوبِ وَيَلْهَجُ بِاسْمِ المَخْلُوقِ انْصِرَافًا كُلِّيًّا. [^5]
رابعًا: تقريرات العلماء المعاصرين الأربعة
- الشيخ محمد بن صالح العثيمين: «يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِمَنْ لَا يَقْدِرُ (كَالمَيِّتِ) هِيَ سَفَهٌ فِي العَقْلِ وَضَلَالٌ فِي الدِّينِ. وَيَقُولُ: "إِنَّ اللهَ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ صِلَةً مُبَاشِرَةً فِي الدُّعَاءِ، فَصَرْفُ هَذِهِ الصِّلَةِ لِلْمَقْبُورِينَ هُوَ حَقِيقَةُ دِينِ المُشْرِكِينَ". وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ فِي الِاسْتِعَانَةِ (كَتَعَلُّقِ القَلْبِ بِالسَّبَبِ) هُوَ المَرَضُ العُضَالُ الَّذِي يَجِبُ تَطْهِيرُ القُلُوبِ مِنْهُ لِيَتِمَّ التَّوْحِيدُ». [^6]
- الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: «يَسْتَفِيضُ الشَّيْخُ فِي بَيَانِ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ هِيَ "لُبُّ العِبَادَةِ"، وَمَنْ صَرَفَهَا لِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا. وَيَقُولُ: "المُشْرِكُونَ الأَوَّلُونَ كَانُوا يَسْتَغِيثُونَ بِاللهِ فِي الشِّدَّةِ، أَمَّا عُبَّادُ القُبُورِ اليَوْمَ فَيَشْتَدُّ شِرْكُهُمْ عِنْدَ الكُرُوبِ". وَيُبَيِّنُ الفَوْزَانُ أَنَّ الأَسْبَابَ الَّتِي أَوْقَعَتْهُمْ فِي ذَلِكَ هِيَ الغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ وَتَنْزِيلُهُمْ مَنْزِلَةَ الإِلَهِ، وَتَسْمِيَةُ الشِّرْكِ بِغَيْرِ اسْمِهِ (كَالتَّوَسُّلِ)». [^7]
- الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: «يَنْظُرُ الشَّيْخُ إِلَى المَسْأَلَةِ مِنْ جِهَةِ مَنَاطَاتِ الأَحْكَامِ، فَيُوَضِّحُ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِالمَخْلُوقِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ "الرُّكُونِ"، فَمَنْ رَكَنَ إِلَى المَخْلُوقِ نَقَصَ تَوْحِيدُهُ. وَيُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالأَمْوَاتِ شِرْكٌ أَكْبَرُ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، لِأَنَّ المَيِّتَ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الإِغَاثَةِ، فَمَنْ طَلَبَ مِنْهُ فَقَدْ اعْتَقَدَ فِيهِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ». [^8]
- الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي: « يُحَرِّرُ الشَّيْخُ سِنْدِي الفَرْقَ الدَّقِيقَ بَيْنَ الِاسْتِعَانَةِ المَشْرُوعَةِ وَالشِّرْكِيَّةِ، مَيِّنًا أَنَّ المَدَارَ عَلَى "اعْتِقَادِ الغَيْبِ" ، فَكُلُّ طَلَبٍ لِمَخْلُوقٍ يَتَضَمَّنُ اعْتِقَادَ سُلْطَةٍ غَيْبِيَّةٍ (كَسَمَاعِ المَيِّتِ أَوْ نَفْعِهِ لِلْبَعِيدِ) فَهُوَ شِرْكٌ مَحْضٌ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ تَرْبِيَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ {إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ} هِيَ الحِصْنُ الحَصِينُ مِنْ سُبُلِ الشِّرْكِ». [^9]
[الحَاشِيَةُ المُرَقَّمَةُ]
[^1]: الحد الجامع للإغاثة: قُيِّدَ بـ "مَنْ يَمْلِكُ دَفْعَهَا" لِيَخْرُجَ مَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا كَالمَوْتَى، وَقُيِّدَ بـ "سَبَبًا ظَاهِرًا" لِيَخْرُجَ مَنْ يُعْتَقَدُ فِيهِمُ التَّصَرُّفُ الغَيْبِيُّ.
[^2]: الفرق بين الاستغاثة والاستعانة: الِاسْتِغَاثَةُ تَكُونُ فِي الشِّدَّةِ وَالكَرْبِ، أَمَّا الِاسْتِعَانَةُ فَهِيَ عَامَّةٌ فِي المَهَمَّاتِ (شِدَّةً وَرَخَاءً).
[^3]: هَذِهِ الشُّرُوطُ نَصَّ عَلَيْهَا أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ فِي رَدِّهِمْ عَلَى شُبُهَاتِ القُبُورِيَّةِ، وَيُرَاجَعُ لِذَلِكَ: "تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ" لِلشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ.
[^4]: الشرك في الاستغاثة: قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي (القَاعِدَةِ الجَلِيلَةِ): "مَنْ جَعَلَ المَلَائِكَةَ وَالأَنْبِيَاءَ وَسَائِطَ يَدْعُوهُمْ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ فَقَدْ كَفَرَ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ".
[^5]: التحول العقدِي: هُوَ مَسْلَكٌ نَفْسِيٌّ يَبْدَأُ بِـ "التَّعَلُّقِ بِالظَّاهِرِ" وَيَنْتَهِي بـ "عُبُودِيَّةِ البَاطِنِ".
[^6]: يُنْظَرُ: القَوْلُ المُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ج 1، ص 220-235.
[^7]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، ص 115، دَارُ التَّوْحِيدِ.
[^8]: يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص 160-175.
[^9]: يُنْظَرُ: شَرْحُ القَوَاعِدِ الأَرْبَعِ (تَسْجِيلَاتُ المَدِينَةِ)، صَالِحٌ سِنْدِي، المَجْلِسُ الثَّانِي.
------------------&[الجُزْءُ الثَّانِي: تَفْنِيدُ شُبُهَاتِ المُسْتَغِيثِينَ بِغَيْرِ اللهِ وَرَدُّ مَرْوِيَّاتِهِمْ]
تعتمد جلُّ شبهات المخالفين في هذا الباب على أحاديث معلولة، أو حكايات منقطعة، أو صرفٍ لنصوص صحيحة عن سياقها الذي نزلت فيه.
أولًا: الشبهة الأولى (حديث: "يا عباد الله أعينوني" أو "أغيثوني")
هذا الحديث هو "عكاز" المستغيثين بالغائبين والموتى.
إيراد الحديث وعِلله: يُروى من طرق عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم. وفي أسانيده "معروف بن حسان" وهو منكر الحديث، و"عتبة بن غزوان"والراوي عنه لم يدركه (انقطاع). [^1]
تفنيد الاستدلال (بصمة الباحث): حتى لو صح الحديث (جدلاً)، فالنص يقول "يا عباد الله"، والمقصود بهم ملائكة الله الحاضرون في الطرقات أو صالحو الجن، وهم أحياء حاضرون جعل الله لهم قدرة على الإعانة في تيه الطريق، فلا يُقاس عليهم الميت الذي انقطع عمله، ولا الغائب الذي لا يملك سمعاً غيبياً.
الرد المحكم: الاستدلال بهذا الحديث لطلب الحوائج من أصحاب القبور هو انتقال من "الأسباب الحسية" إلى "الدعاوى الغيبية" التي هي محض الشرك.
ثانيًا: الشبهة الثانية (حديث الحارث بن حسان البكري: "أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد")
نص الشبهة: يقولون إن الصحابي استعاذ بالرسول ﷺ، فدل على جواز الاستعاذة والاستغاثة بالرسول.
التفنيد وتخريج العلة: الحديث أخرجه أحمد والترمذي، وفي سنده "أبو وائل" يرويه عن الحارث، وفي السماع مقال.
وجه الرد العلمي: الاستعاذة بالرسول ﷺ هنا هي في حال حياته وحضوره، وهي استعاذة به "كحاكم وقائد" أن يجيره من فعلٍ يؤدي به إلى الهلاك، كمن يستعيذ بالسلطان من الظلم. فصرفها إلى الاستعاذة به بعد موته ﷺ هو مغالطة مكشوفة تهدم أصل الفرق بين "السبب الحي" و"المعبود الميت". [^2]
ثالثًا: الشبهة الثالثة (حديث مالك الدار وقصة الاستسقاء بالقبر)
نص الشبهة: أن رجلاً جاء إلى قبر النبي ﷺ في زمان عمر فقال: "يا رسول الله استسقِ لأمتك فإنهم قد هلكوا".
إيراد العلل الحديثية:
جهالة الراوي: القصة تدور على "رجل" غير مسمى في أغلب الروايات، و"مالك الدار" نفسه ليس بمشهور بالعدالة والضبط الذين تُقبل بهما أخبار العقائد. [^3]
مخالفة المحكم: القصة تخالف فعل عمر بن الخطاب الصريح في "صحيح البخاري" حين ترك القبر وتوسل بدعاء العباس، فلو كان فعل هذا الرجل مشروعاً لما أنكره عمر أو لفعله هو بنفسه.
بصمة الباحث: يُسمي العلماء هذه المرويات "آثاراً منكرة" لأنها تصادم أصل التوحيد المستقر في الكتاب والسنة، والحجة في شرع الله لا تثبت بمثل هذه الحكايات المنقطعة.
رابعًا: تقريرات العلماء المعاصرين الأربعة في التفنيد
الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
«يؤصل الشيخ قاعدة: "الأصل في العبادات المنع إلا بدليل". ويفند استدلالهم بالأحاديث الضعيفة بقوله: "إن هؤلاء القوم تتبعوا السقطات وتركوا المحكمات، فتعلقوا بحديث (أعينوني) وهو لا يثبت، وتركوا قوله ﷺ (إذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ)". ويؤكد العثيمين أن الاستغاثة بالميت استنقاص لمقام الربوبية، لأنها تجعل الميت شريكاً لله في سماع دعاء المضطرين». [^4]
الشيخ صالح بن فوزان الفوزان:
«يرد الشيخ على شبهة (الاستغاثة بالملائكة أو الجن) مبيناً أن هذا لو ثبت فهو في "المقدور عليه" للحاضر، أما صرفه للموتى فهو عين "شرك القبور". ويقول الفوزان: "إن المستغيث بالميت قد جمع بين بدعتين: اعتقاد أن الميت يسمع، واعتقاد أنه ينفع، وكلاهما باطل بالضرورة الشرعية". ويشدد على أن الأحاديث التي يوردونها هي أحاديث معلولة لا تقوم بها حجة في أصغر مسائل الفقه، فكيف بأصل الأصول؟». [^5]
الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:
«يحلل الشيخ آل الشيخ المادة العلمية لشبهات المخالفين، مبيناً أنهم يخلطون بين "الاستغاثة اللغوية" و"الاستغاثة العبادية". ويقول: "إن استغاثة المظلوم بالظالم في الدنيا جائزة، لكنهم نقلوا هذا المعنى إلى عالم البرزخ فضلوا". ويفند حديث (أعينوني) ببيان أن سياقه -على فرض صحته- في عالم الشهادة لملائكة سيّرهم الله في الأرض، وليس طلباً لمدد غيبي من الأموات». [^6]
الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي:
«ببصمة الباحث، يبين الشيخ سندي أن "العلة القادحة" في استدلالات المخالفين هي (عدم التفريق بين الخالق والمخلوق). ويقول إن من يورد أحاديث ضعيفة ليجيز الاستغاثة بغير الله كمن يبني قصراً على شفا جرف هار. ويحقق في (حديث مالك الدار) مبيناً نكارته لمخالفته لفقه الصحابة، ويؤكد أن كمال اليقين يقتضي طرح هذه المرويات المعلولة والاعتصام بالوحي المحكم الذي جعل الغوث حقاً خالصاً لله». [^7]
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلْجُزْءِ الثَّانِي]
[^1]: تخريج حديث (أعينوني): أخرجه الطبراني في "الكبير"، وفي سنده معروف بن حسان، قال فيه ابن عدي: "منكر الحديث". وينظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (رقم 706).
[^2]: تخريج حديث الحارث البكري: أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (15981).
والاستعاذة بالرسول هنا استعاذة بـ "وجاهته الدنيوية" وحمايته من أن يظلمه قومه، وهذا جائز في حياة الشخص وقدرته.
[^3]: تحقيق أثر مالك الدار: ذكره ابن حجر في "الفتح"، ومالك الدار هو خازن عمر، ولكنه ليس من المعروفين بالرواية، والقصة فيها انقطاع بين مالك وبين الرجل الذي جاء للقبر، والجهالة في أصول الاعتقاد مردودة.
[^4]: ينظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، المجلد 2، ص 240.
[^5]: ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ج 1، ص 130.
[^6]: ينظر: شرح كشف الشبهات، صالح آل الشيخ، ص 160.
[^7]: ينظر: دروس في توحيد العبادة، صالح سندي، مادة "تفنيد شبهات المستغيثين"، الموقع الرسمي للشيخ.
--------------------------&
[المَبْحَثُ السَّادِسُ: تَحْقِيقُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)]
الجُزْءُ الأَوَّلُ: التَّأْصِيلُ اللُّغَوِيُّ، الإِعْرَابُ، وَمَقَالَاتُ الفِرَقِ
أولًا: التحرير اللغوي والحد الجامع المانع
الاشتقاق اللغوي لـ "الإله":
أَصْلُ المَادَّةِ: (أَلَهَ - يَأْلَهُ - أَلَاهَةً) بِمَعْنَى عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَةً. فَالإِلَهُ فِعَالٌ بِمَعْنَى (مَفْعُولٍ)، أَيْ: مَأْلُوهٌ، وَالمَأْلُوهُ هُوَ "المَعْبُودُ حُبًّا وَتَعْظِيمًا".
التَّصْرِيفُ: قِيلَ أَصْلُهَا (وَلَهَ) بِمَعْنَى تَحَيَّرَ، لِتَحَيُّرِ العُقُولِ فِي عَظَمَتِهِ، أَوْ مِنْ (أَلِهَ إِلَيْهِ) أَيْ سَكَنَ إِلَيْهِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهَا مِنَ (الأُلُوهَةِ) وَهِيَ العِبَادَةُ. [^1]
إعراب الكلمة (بصمة النحوي الباحث):
لَا: نَافِيَةٌ لِلْجِنْسِ تَعْمَلُ عَمَلَ (إِنَّ).
إِلَهَ: اسْمُ (لَا) مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
الخَبَرُ المَحْذُوفُ: (بِحَقٍّ)، وَتَقْدِيرُهُ: "لَا إِلَهَ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ". وَحَذْفُ الخَبَرِ هُنَا لِلْعِلْمِ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِـ (مَوْجُودٍ) لِأَنَّ الآلِهَةَ البَاطِلَةَ مَوْجُودَةٌ كَثِيرَةٌ. [^2]
إِلَّا: أَدَاةُ حَصْرٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ.
اللهُ: لَفْظُ الجَلَالَةِ بَدَلٌ مِنْ مَحَلِّ (لَا) مَعَ اسْمِهَا، أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ.
الحد الجامع المانع لـ "لا إله إلا الله":
النَّصُّ: "نَفْيُ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْعِبَادَةِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللهِ، وَإِثْبَاتُهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ".
لِمَاذَا هُوَ جَامِعٌ مَانِعٌ؟ لِأَنَّهُ جَمَعَ رُكْنَيِ التَّوْحِيدِ (النَّفْيَ وَالإِثْبَاتَ)، وَمَنَعَ دُخُولَ الآلِهَةِ البَاطِلَةِ فِي صِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَمَنَعَ تَجْزِئَةَ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ. [^3]
ثانيًا: اختلاف الناس في معنى (لا إله إلا الله) وَ (الإله)
تَبَايَنَتِ الأَنْظَارُ فِي فَهْمِ هَذِهِ الكَلِمَةِ تَبَايُنًا أَحْدَثَ فِرَقًا ضَالَّةً:
أهل السنة والجماعة: الإِلَهُ هُوَ "المَعْبُودُ بِحَقٍّ"، وَمَعْنَى الكَلِمَةِ "لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ".
الأشاعرة: الإِلَهُ هُوَ "القَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ"، فَمَعْنَى الكَلِمَةِ عِنْدَهُمْ "لَا قَادِرَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ إِلَّا اللهُ"، وَهَذَا مَحْضُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مُشْرِكُو مَكَّةَ. [^4]
المعتزلة: الإِلَهُ هُوَ المُنَزَّهُ عَنِ الصِّفَاتِ، فَجَعَلُوا مَعْنَى التَّوْحِيدِ نَفْيَ الصِّفَاتِ (تَعْطِيلًا). [^5]
الجهمية: قَالُوا مِثْلَ المُعْتَزِلَةِ وَزَادُوا نَفْيَ الأَسْمَاءِ، وَجَعَلُوا التَّوْحِيدَ هُوَ نَفْيُ التَّشْبِيهِ المَزْعُومِ بَيْنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ. [^6]
الفلاسفة: الإِلَهُ عِنْدَهُمْ هُوَ "المَوْجُودُ لِذَاتِهِ" أَوِ "العِلَّةُ الغَائِيَّةُ"، وَلَا يَعْرِفُونَ عِبَادَةً وَلَا أُلُوهَةً شَرْعِيَّةً. [^7]
أهل الاتحاد والحلول: الإِلَهُ هُوَ "عَيْنُ المَوْجُودَاتِ"، فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ العَابِدِ وَالمَعْبُودِ، "وَمَا فِي الجُبَّةِ إِلَّا اللهُ". [^8]
الخوارج (الحاكمية): حَصَرُوا مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فِي "لَا حَاكِمَ إِلَّا اللهُ"، وَجَعَلُوا هَذَا الجُزْءَ هُوَ كُلُّ الأُلُوهِيَّةِ، فَقَصَّرُوا عَنْ مَعَانِي العِبَادَةِ وَالغَايَةِ القَلْبِيَّةِ، وَكَفَّرُوا المُسْلِمِينَ بِمَا دُونَ الشِّرْكِ. [^9]
ثالثًا: تقريرات العلماء المعاصرين الأربعة (توسع عشرة أسطر)
الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
«يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) هِيَ مِفْتَاحُ الجَنَّةِ، لَكِنَّ هَذَا المِفْتَاحَ لَا يَعْمَلُ إِلَّا بِأَسْنَانٍ، وَأَسْنَانُهُ هِيَ الشُّرُوطُ وَالعَمَلُ. وَيُشَدِّدُ العُثَيْمِينُ عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَهِمُوا الكَلِمَةَ فَهْمًا نَاقِصًا، فَظَنُّوا أَنَّ مَعْنَاهَا (لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ)، وَهَذَا لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الآخِرَةِ لِأَنَّ أَبَا جَهْلٍ كَانَ يَعْتَقِدُهُ. الإِلَهُ عِنْدَ الشَّيْخِ هُوَ الَّذِي تَتَأَلَّهُهُ القُلُوبُ مَحَبَّةً وَخَشْيَةً وَإِنَابَةً، فَإِذَا صَرَفَ العَبْدُ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ نَقَضَ هَذِهِ الكَلِمَةَ حَتَّى لَوْ رَدَّدَهَا بِلِسَانِهِ أَلْفَ مَرَّةٍ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَنْ يَكُونَ اللهُ وَحْدَهُ هُوَ القَصْدُ وَالمُرَادُ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ». [^10]
الشيخ صالح بن فوزان الفوزان:
«يَسْتَفِيضُ الشَّيْخُ فِي الرَّدِّ عَلَى الَّذِينَ حَصَرُوا التَّوْحِيدَ فِي (تَوْحِيدِ الحَاكِمِيَّةِ) فَقَطْ، مَيِّنًا أَنَّ هَذَا جُزْءٌ مِنْ مَعْنَى الكَلِمَةِ وَلَيْسَ كُلَّهَا. وَيَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تَهْدِمُ الشِّرْكَ القَدِيمَ وَالجَدِيدَ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَهُوَ يَطُوفُ بِالقَبْرِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى هَذِهِ الكَلِمَةِ". وَيُبَيِّنُ الفَوْزَانُ أَنَّ الأُلُوهِيَّةَ هِيَ حَقُّ اللهِ المَحْضُ الَّذِي أُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَأَنَّ فَهْمَ الأَشَاعِرَةِ لَهَا بِالقُدْرَةِ عَلَى الِاخْتِرَاعِ هُوَ عُذْرٌ لِعُبَّادِ القُبُورِ، لِأَنَّ عَابِدَ القَبْرِ سَيَقُولُ (أَنَا لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا الوَلِيَّ يَخْلُقُ)، فَيَظُنُّ أَنَّهُ مُوَحِّدٌ. وَيُحَقِّقُ أَنَّ الكَلِمَةَ تَقْتَضِي البَرَاءَةَ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ». [^11]
الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:
«يَنْظُرُ الشَّيْخُ إِلَى دَقَائِقِ لَفْظِ (الإِلَهِ)، فَيُقَرِّرُ أَنَّ الَّذِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ (الإِلَهِ) وَ(الرَّبِّ) لَمْ يَفْهَمْ دَعْوَةَ الأَنْبِيَاءِ. وَيَقُولُ: "إِنَّ التَّوْحِيدَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ إِفْرَادُ اللهِ بِالقَصْدِ، أَمَّا عِنْدَ الفَلَاسِفَةِ وَالمُتَكَلِّمِينَ فَهُوَ إِثْبَاتُ الذَّاتِ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ كَبِيرٌ". وَيُبَيِّنُ آلُ الشَّيْخِ أَنَّ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) تَقُومُ عَلَى اللِّسَانِ قَوْلًا، وَعَلَى القَلْبِ تَصْدِيقًا وَإِخْلَاصًا، وَعَلَى الجَوَارِحِ انْقِيَادًا. فَمَنْ أَتَى بِالقَوْلِ وَتَرَكَ الِانْقِيَادَ بِالجَوَارِحِ فَقَدْ جَاءَ بِرَسْمِ الكَلِمَةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا. وَيَرَى أَنَّ كَشْفَ شُبُهَاتِ القُبُورِيَّةِ مَبْنِيٌّ أَصْلًا عَلَى تَصْحِيحِ فَهْمِ هَذِهِ الكَلِمَةِ العَظِيمَةِ». [^12]
الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي:
«يُحَرِّرُ الشَّيْخُ سِنْدِي التَّعْرِيفَ العَقَدِيَّ لِلْإِلَهِ، مَيِّنًا أَنَّهُ "مَنْ يُعْبَدُ بِكَمَالِ الحُبِّ مَعَ كَمَالِ الذُّلِّ". وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهَا يُنْجِي مِنَ الخُلُودِ دُونَ قَيْدٍ، مَيِّنًا أَنَّهَا كَلِمَةٌ لَهَا "حُقُوقٌ" وَ"نَوَاقِضُ". وَيَقُولُ سِنْدِي: "إِنَّ مَشْكَلَةَ بَعْضِ الفِرَقِ هِيَ جَعْلُ التَّوْحِيدِ مَسْأَلَةً عَقْلِيَّةً بَحْتَةً، بَيْنَمَا هِيَ مَسْأَلَةٌ عَمَلِيَّةٌ إِرَادِيَّةٌ قَلْبِيَّةٌ". وَيُؤَكِّدُ أَنَّ تَحْقِيقَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بِالجَوَارِحِ يَعْنِي أَلَّا يَتَحَرَّكَ العَبْدُ إِلَّا فِيمَا يُرْضِي المَعْبُودَ، فَالجَوَارِحُ تَبَعٌ لِلْقَلْبِ، وَالقَلْبُ لَا يَأْلَهُ إِلَّا اللهَ، وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي يَنْقُصُ الكَثِيرِينَ اليَوْمَ». [^13]
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ]
[^1]: يُنْظَرُ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، لِابْنِ فَارِسٍ (مَادَّةُ أَلَهَ)، وَلِسَانُ العَرَبِ، لِابْنِ مَنْظُورٍ.
[^2]: يُنْظَرُ: شَرْحُ قَطْرِ النَّدَى، لِابْنِ هِشَامٍ، وَتَقْرِيرَاتُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ فِي "الشَّرْحِ المُمْتِعِ" (إِعْرَابُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ).
[^3]: هَذَا الحَدُّ مُسْتَفَادٌ مِنْ "تَيْسِيرِ العَزِيزِ الحَمِيدِ" وَشُرُوحِ "كِتَابِ التَّوْحِيدِ".
[^4]: الأَشَاعِرَةُ: فِرْقَةٌ تَنْتَسِبُ لِأَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ فِي رِحْلَتِهِ الثَّانِيَةِ، بَدَأَتْ فِي القَرْنِ الرَّابِعِ الهِجْرِيِّ، تَعْتَمِدُ عَلَى المَنْطِقِ فِي تَقْرِيرِ العَقَائِدِ.
[^5]: المُعْتَزِلَةُ: نَشَأَتْ بِاعْتِزَالِ وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ لِحَلْقَةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ (نَحْوَ سَنَةِ 110هـ). رُؤُوسُهُمْ: عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وَالنَّظَّامُ.
[^6]: الجَهْمِيَّةُ: أَتْبَاعُ الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (قُتِلَ 128هـ)، أَخَذَ عَنْ الجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ (قُتِلَ 124هـ بِيَدِ خَالِدٍ القَسْرِيِّ يَوْمَ الأَضْحَى). بدأت في الكوفة وخراسان.
[^7]: الفَلَاسِفَةُ: كَالفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا، أَخَذُوا عَنْ فَلَاسِفَةِ اليُونَانِ (أَرِسْطُو وَأَفْلَاطُونَ)، نَشَأَتْ حَرَكَتُهُمْ فِي عَصْرِ المَأْمُونِ بَعْدَ تَرْجَمَةِ الكُتُبِ.
[^8]: الحُلُولِيَّةُ وَالِاتِّحَادِيَّةُ: رُؤُوسُهُمُ الحَلَّاجُ (قُتِلَ 309هـ) وَابْنُ عَرَبِيٍّ الصُّوفِيُّ (ت 638هـ). نَشَأَتْ فِي بِيئَاتِ التَّصَوُّفِ الفَلْسَفِيِّ.
[^9]: الخَوَارِجُ: بَدَأَتْ بِخُرُوجِ (ذِي الخُوَيْصِرَةِ) ثُمَّ الظُّهُورِ العَسْكَرِيِّ فِي (حَرُورَاءَ) سَنَةَ 37هـ بَعْدَ التَّحْكِيمِ. رُؤُوسُهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ.
[^10]: يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، المجلد 1، ص 50-65.
[^11]: يُنْظَرُ: شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، ص 45-55.
[^12]: يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص 20-35.
[^13]: يُنْظَرُ: دُرُوسٌ فِي تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، صَالِحٌ سِنْدِي، مَوْقِعُ الشَّيْخِ (مَادَّةُ "حَقِيقَةُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ").
-------------------------&
[الجُزْءُ الثَّانِي: شُرُوطُ الكَلِمَةِ، نَوَاقِضُهَا، وَمَقَامُ الجَوَارِحِ]
أولًا: شروط (لا إله إلا الله) الثمانية
لَا تَنْفَعُ هَذِهِ الكَلِمَةُ قَائِلَهَا إِلَّا بِاجْتِمَاعِ ثَمَانِيَةِ شُرُوطٍ، اسْتَقْرَأَهَا العُلَمَاءُ مِنْ نُصُوصِ الوَحْيَيْنِ: [^1]
العِلْمُ: المُنَافِي لِلْجَهْلِ (بِمَعْنَاهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا). {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}.
اليَقِينُ: المُنَافِي لِلشَّكِّ، بِأَنْ يَكُونَ قَائِلُهَا مُسْتَيْقِنًا بِحَقِيقَتِهَا.
القَبُولُ: المُنَافِي لِلرَّدِّ، فَلَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنْ لَوَازِمِهَا كِبْرًا أَوْ عِنَادًا.
الِانْقِيَادُ: المُنَافِي لِلتَّرْكِ، وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بِالجَوَارِحِ.
الصِّدْقُ: المُنَافِي لِلكَذِبِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَهَا صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ (يُخَالِفُ المُنَافِقِينَ).
الإِخْلَاصُ: المُنَافِي لِلشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ، بِتَصْفِيَةِ العَمَلِ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ.
المَحَبَّةُ: لِهَذِهِ الكَلِمَةِ وَلِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِبْشَارُ بِهَا.
الكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ: (الكَافِرُ بِالطَّاغُوتِ)، وَهِيَ زِيَادَةٌ تَتَمِّمُ مَعْنَى النَّفْيِ. [^2]
ثانيًا: نواقض الإسلام العشرة (قواصم الكلمة)
هَذِهِ النَّوَاقِضُ هِيَ الَّتِي تُبْطِلُ عَمَلَ الكَلِمَةِ وَتُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنَ المِلَّةِ، وَأَشْهَرُهَا عَشَرَةٌ: [^3]
الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللهِ: وَمِنْهُ الذَّبْحُ وَالنَّذْرُ لِغَيْرِ اللهِ.
مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ وَسَائِطَ: يَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ (وَهَذَا مَحَلُّ نِزَاعِنَا مَعَ القُبُورِيَّةِ).
مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكِينَ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ.
اعْتِقَادُ أَنَّ هَدْيَ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ.
مَنْ أَبْغَضَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وَلَوْ عَمِلَ بِهِ.
الِاسْتِهْزَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ ثَوَابِهِ أَوْ عِقَابِهِ.
السِّحْرُ: وَمِنْهُ الصَّرْفُ وَالعَطْفُ.
مُظَاهَرَةُ المُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى المُسْلِمِينَ.
اعْتِقَادُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَسَعُهُ الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
الإِعْرَاضُ عَنْ دِينِ اللهِ: لَا يَتَعَلَّمُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ.
ثالثًا: الكلمة باللسان والقلم والجوارح (بصمة الباحث)
إِنَّ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" لَيْسَتْ طَلْسَمًا يُقَالُ، بَلْ هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ يَنْتَظِمُ ثَلَاثَةَ أَرْكَانٍ:
بِاللِّسَانِ: النُّطْقُ بِهَا إِقْرَارًا، وَبِالقَلَمِ تَدْوِينًا وَنَشْرًا لِلتَّوْحِيدِ وَرَدًّا لِلْبِدَعِ.
بِالقَلْبِ: اعْتِقَادُ حَقِيقَتِهَا، وَامْتِلَاؤُهُ بِمَحَبَّةِ اللهِ وَخَشْيَتِهِ، وَخُلُوُّهُ مِنْ تَعْظِيمِ المَخْلُوقِينَ تَعْظِيمَ أُلُوهِيَّةٍ.
بِالجَوَارِحِ: وَهُوَ الِانْقِيَادُ، فَلَا يَسْجُدُ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَا يَذْبَحُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يَتَحَرَّكُ فِي طَاعَةٍ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ.
الرَّدُّ عَلَى المُرْجِئَةِ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الكَلِمَةَ تُجْزِئُ بِاللِّسَانِ دُونَ عَمَلِ الجَوَارِحِ فَقَدْ ضَلَّ، فَإِنَّ الجَوَارِحَ شَاهِدَةٌ عَلَى مَا فِي القَلْبِ، وَتَرْكُ جِنْسِ العَمَلِ بِالجَوَارِحِ كُلِّيَّةً نَاقِضٌ لِحَقِيقَةِ الِانْقِيَادِ. [^4]
رابعًا: توسع تقريرات العلماء المعاصرين الأربعة
الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
«يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ أَنَّ شُرُوطَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَائِمَةٍ تُحْفَظُ، بَلْ هِيَ مَقَامَاتٌ تُعَاشُ. وَيَقُولُ: "مَنِ انْقَادَ بِجَوَارِحِهِ لِغَيْرِ شَرْعِ اللهِ مُعْتَقِدًا صِحَّتَهُ فَقَدْ نَقَضَ تَوْحِيدَهُ". وَيَرُدُّ العُثَيْمِينُ عَلَى مَنْ يَتَسَاهَلُونَ فِي النَّوَاقِضِ، مُبَيِّنًا أَنَّ جَهْلَ النَّاسِ بِتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُمْ يَقَعُونَ فِي الشِّرْكِ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، وَيُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ العَمَلَ بِالجَوَارِحِ هُوَ الثَّمَرَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِلْكَلِمَةِ، فَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا عَمَلَ لَهُ». [^5]
الشيخ صالح بن فوزان الفوزان:
«يَفِيضُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ، خَاصَّةً (الشِّرْكَ فِي العِبَادَةِ)، وَيَصِفُهُ بِأَنَّهُ أَعْظَمُ النَّوَاقِضِ انْتِشَارًا فِي الأُمَّةِ بِسَبَبِ فِتْنَةِ القُبُورِ. وَيَقُولُ: "لَا تَنْفَعُ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مَعَ ارْتِكَابِ نَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِهَا، كَمَا لَا تَنْفَعُ الطَّهَارَةُ مَعَ وُجُودِ الحَدَثِ". وَيُبَيِّنُ أَنَّ شُرُوطَ الكَلِمَةِ هِيَ القُيُودُ الَّتِي تَمْنَعُ العَبْدَ مِنَ الزَّيْغِ، وَأَنَّ مَنْ فَقَدَ الصِّدْقَ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَمَنْ فَقَدَ الِانْقِيَادَ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ التَّوْحِيدِ مِنْ عُنُقِهِ». [^6]
الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:
«يُحَقِّقُ الشَّيْخُ مَقَامَ (الجَوَارِحِ) فِي التَّوْحِيدِ، مُوَضِّحًا أَنَّ الِانْقِيَادَ لَيْسَ أَمْرًا ثَانَوِيًّا، بَلْ هُوَ رُكْنُ الِاسْتِسْلَامِ. وَيَقُولُ: "إِنَّ نَوَاقِضَ الإِسْلَامِ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الأَعْدَاءِ المُتَرَبِّصِينَ بِالتَّوْحِيدِ، فَأَخْطَرُهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِصَرْفِ العِبَادَةِ لِلْمَوْتَى". وَيَرَى أَنَّ تَعَلُّمَ الشُّرُوطِ الثَّمَانِيَةِ هُوَ الوَاجِبُ الأَوَّلُ لِيَعْرِفَ المُسْلِمُ هَلْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ أَمْ أَنَّهُ أَتَى بِمُجَرَّدِ نُطْقٍ لَا رُوحَ فِيهِ، وَيُفَصِّلُ فِي كَيْفِيَّةِ تَحَوُّلِ المَعَاصِي إِلَى نَوَاقِضَ إِذَا اسْتَحَلَّهَا العَبْدُ أَوْ أَعْرَضَ بِهَا عَنِ الدِّينِ». [^7]
الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي:
«بِبَصْمَةِ البَاحِثِ الرَّصِينِ، يَرْبِطُ الشَّيْخُ سِنْدِي بَيْنَ شُرُوطِ الكَلِمَةِ وَبَيْنَ (الوَاقِعِ العَمَلِيِّ)، مَيِّنًا أَنَّ "الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ" هُوَ الشَّرْطُ الثَّامِنُ الَّذِي يَتَغَافَلُ عَنْهُ الكَثِيرُونَ. وَيَقُولُ: "التَّوْحِيدُ لَيْسَ نَظَرِيَّةً تُدَرَّسُ، بَلْ حَقِيقَةٌ تُسْتَنْبَطُ مِنْ حَرَكَةِ الجَوَارِحِ". وَيُحَذِّرُ سِنْدِي مِنْ شُبْهَةِ المُرْجِئَةِ الجُدُدِ الَّذِينَ يُخْرِجُونَ العَمَلَ عَنْ مُسَمَّى التَّوْحِيدِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ نَوَاقِضَ الإِسْلَامِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ، وَأَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي نَاقِضٍ مِنْهَا فَقَدْ هَدَمَ بِنَاءَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فِي قَلْبِهِ قَبْلَ لِسَانِهِ». [^8]
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ ]
-------------------------&
[^1]: نظم الشروط: جَمَعَهَا الشَّيْخُ حَافِظٌ الحَكَمِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ "سُلَّمُ الوُصُولِ" بِقَوْلِهِ: "وَبِثَمَانِيَةٍ شُرُوطٍ قُيِّدَتْ...".
[^2]: الشرط الثامن: اسْتَدَلَّ لَهُ العُلَمَاءُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ». (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
[^3]: نواقض الإسلام: صَنَّفَ فِيهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ رِسَالَةً مَشْهُورَةً، وَأَصْلُهَا مُسْتَمَدٌّ مِنْ كُتُبِ الفُقَهَاءِ فِي "بَابِ حُكْمِ المُرْتَدِّ".
[^4]: جنس العمل: هُوَ القَدْرُ الَّذِي لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ عَمَلُ القَلْبِ وَمَا يَلْزَمُ عَنْهُ مِنْ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ.
[^5]: يُنْظَرُ: شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ج 1، ص 120-135.
[^6]: يُنْظَرُ: شَرْحُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ، صَالِحٌ الفَوْزَانُ، طَبْعَةُ مَكْتَبَةِ الرُّشْدِ.
[^7]: يُنْظَرُ: شَرْحُ رِسَالَةِ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ (مُفَرَّغٌ مِنْ شُرُوحِهِ).
[^8]: يُنْظَرُ: مَوْقِعُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِي، مَادَّةُ "تَوْضِيحُ المَقَاصِدِ فِي شَرْحِ القَوَاعِدِ".
--------------------&
[ المَبْحَثِ السَّابِعِ: الأُصُولُ المَنْهَجِيَّةُ لِدَحْضِ الشُّبَهَاتِ]
أولًا: التحرير اللغوي والحدود
الاشتقاق اللغوي للشبهة:
الأصل: من (ش ب هـ)، وهو كون أحد الشيئين يشبه الآخر حتى يلتبس به.
الحد الجامع المانع: "ما يشبه الحق وليس بحق".
بصمة الباحث في الحد:
1. كونه جامعًا: يشمل كل باطل زُين بلفظ شرعي أو عقلاني.
2. كونه مانعًا: يخرج البطلان الصريح الذي لا ينطلي على أحد، ويخرج الحق المحض الذي لا كدر فيه.
3. الوظيفة: الشبهة أداة "تعمية" لا "تنوير"، وغرضها سلب اليقين.
ثانيًا: طرق الرد العشرة (بالتدقيق والضوابط)
1. رَدُّ المتشابه إلى المحكم (التأصيل الشرعي)
لغةً: المحكم من (أحكم) أي أتقن ومنع من الفساد. المتشابه من (التشابه) أي التماثل المؤدي للحيرة.
شرعًا:
المحكم: ما اتضح معناه واستقل بنفسه ولا يحتمل إلا وجهاً واحداً (مثل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}).
المتشابه: ما احتمل أكثر من وجه أو خفي مراده إلا برده للمحكم.
الضابط: لا يجوز بناء عقيدة على نص متشابه مع وجود نص محكم يدفعه. [^1]
2. التفريق بين الاستدلال ومحل النزاع
الاستدلال: هو سَوْق الدليل للوصول إلى حكم.
محل النزاع: هو النقطة التي وقع فيها الخلاف فعلياً.
كيفية التطبيق: المبتدع يستدل بآية في "فضل النبي" (حق) ليثبت بها "جواز دعاء النبي" (محل النزاع/باطل). فنقول له: استدلالك صحيح في الفضل، لكنه بعيد عن محل النزاع وهو العبادة.
3. تفكيك الألفاظ (المنهجية الاصطلاحية)
كيفية التفكيك: بسؤال المبتدع: "ماذا تقصد بهذا اللفظ؟".
مثال: يقول: "أنا أتوسل". فنفكك اللفظ: إن قصدت التوسل بدعائه في حياته فهو حق، وإن قصدت دعاءه بعد موته فهو شرك. فتفكيك اللفظ يحرمه من الاختباء خلف الألفاظ المجملة.
4. المعارضة بالأدلة الأقوى
الآلية: إذا احتج بحديث آحاد ظني الدلالة أو ضعيف، نُعارضه بالقرآن المتواتر أو الأحاديث المجمع عليها.
الضابط: تقديم "النص القطعي" على "النص الظني" عند التعارض الموهوم.
5. الرد باللازم (إلزام المناظر)
المعنى: "اللازم" هو ما يترتب على القول من نتائج حتمية.
كيفية الرد: إذا قال بجواز الاستغاثة بالميت، نقول له: "يلزم من قولك هذا أن يكون الميت سميعاً بَصيراً مُحيطاً، وهذه صفات الخالق". فإذا بطل اللازم بطل الملزوم (القول الأصلي). [^2]
6. المنهج الأثري (فهم السلف)
المعنى: أن القرآن والسنة أمانة نُقِلت إلينا بفهم الرعيل الأول.
كيفية الرد: نَسأل: "هل فعل الصديق أو عمر هذا؟". فإذا كان النص موجوداً ولم يفهموا منه ما فهمه المبتدع، ففهم المبتدع حادِث باطل، لأنهم أعلم الناس باللغة وبمقاصد الوحي.
7. الرد العقلي الصحيح
الضابط: العقل الصريح (السليم من الشهوات والشبهات) لا يخالف النقل الصحيح.
الآلية: إثبات بطلان الشبهة من جهة "الاستحالة العقلية"؛ كبطلان كون الفقير المحتاج (الميت) يملك غنىً مطلقاً لمن هو حي.
8. المطالبة بالقول الجامع
المعنى: هو الدليل الذي يجمع أطراف المسألة ويقطع النزاع.
الآلية: مطالبة الخصم بنص واحد صريح (لا احتمال فيه) يأمر بصرف العبادة لغير الله. وعجزه عن الإتيان بهذا "القول الجامع" هو إفلاس لمنهجه.
9. قلب الدليل على صاحبه
الآلية: أخذ نفس الدليل الذي استعمله الخصم وإثبات أنه حجة "عليه" لا "له".
مثال: احتجاجه بحديث (إذ مات ابن آدم انقطع عمله) لبيان كرامة الميت، فنقلبه عليه: "إذا انقطع عمله، فمن عَمَلِه إغاثتك، فبطلت استغاثتك به". [^3]
10. التثبت من صحة النقل
الضابط: (الإسناد من الدين).
الآلية: مطالبة الخصم بتخريج الأثر. فإذا كان من "الإسرائيليات" أو الأحاديث الموضوعة، سقط الاستدلال به من أصله دون الحاجة لمناقشة المعنى.
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ]
[^1]: يُنظر: الرسالة التدمرية، شيخ الإسلام ابن تيمية، في قواعد الأسماء والصفات ورَدِّ المتشابه.
[^2]: يُنظر: مجموع الفتاوى، المجلد 3 (قاعدة في توحيد الألوهية والرد على اللازم الباطل).
[^3]: يُنظر: إعلام الموقعين، ابن القيم، في طرق الاستدلال وفنون المناظرة وقلب الأدلة.
-------------------------&
[الجُزْءُ الثَّانِي: التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِطُرُقِ الرَّدِّ عَلَى شُبَهَاتِ التَّوْحِيدِ]
1. شُبْهَةُ الوَاسِطَةِ (نَحْنُ مُذْنِبُونَ وَنَحْتَاجُ لِوَسَائِطَ)
الطَّرِيقَةُ المُسْتَخْدَمَةُ: (رَدُّ المُتَشَابِهِ إِلَى المُحْكَمِ).
التَّطْبِيقُ: يَتَمَسَّكُونَ بِفَهْمٍ مَغْلُوطٍ لِقَوْلِهِ {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} (مُتَشَابِهٌ عِنْدَهُمْ)، فَنَرُدُّهُ إِلَى المُحْكَمِ القَطْعِيِّ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، وَقَوْلِهِ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. فَالمُحْكَمُ يُثْبِتُ القُرْبَ المُبَاشَرَ، فَيَبْطُلُ احْتِمَالُ الوَاسِطَةِ الشِّرْكِيَّةِ فِي الآيَةِ الأُولَى. [^1]
2. شُبْهَةُ طَلَبِ الشَّفَاعَةِ مِنَ المَيِّتِ (النَّبِيُّ أُعْطِيَ الشَّفَاعَةَ)
الطَّرِيقَةُ المُسْتَخْدَمَةُ: (إِلْزَامُ المُنَاظِرِ بِلَوَازِمِ قَوْلِهِ - الرَّدُّ بِاللَّازِمِ).
التَّطْبِيقُ: يَقُولُونَ: "النَّبِيُّ يَمْلِكُ الشَّفَاعَةَ فَنَطْلُبُهَا مِنْهُ". نَقُولُ لَهُمْ: لَزِمَ مِنْ قَوْلِكُمْ هَذَا أَنْ تَطْلُبُوا مِنْهُ "دُخُولَ الجَنَّةِ" لِأَنَّهُ أُعْطِيَ مَفَاتِيحَهَا، وَأَنْ تَطْلُبُوا مِنْ عِيسَى "إِحْيَاءَ المَوْتَى" لِأَنَّهُ أُعْطِيَ هَذِهِ الآيَةَ. فَمَا دَامَ المَلْزُومُ (الطَّلَبُ مِنَ المَيِّتِ) بَاطِلًا بِإِجْمَاعٍ فِي الجَنَّةِ، بَطَلَ فِي الشَّفَاعَةِ، لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ مِلْكٌ لِلَّهِ يُعْطِيهَا لِمَنْ يَشَاءُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
3. شُبْهَةُ "يا عِبادَ اللهِ أَعِينوني"
الطَّرِيقَةُ المُسْتَخْدَمَةُ: (التَّثَبُّتُ مِنْ صِحَّةِ النَّقْلِ).
التَّطْبِيقُ: هَذَا الحَدِيثُ هُوَ عُمْدَتُهُمْ. بِالبَحْثِ فِي المَنْهَجِ السَّنَدِيِّ نَجِدُ أَنَّ الحَدِيثَ "مَعْلُولٌ" بِانْقِطَاعٍ بَيْنَ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ وَالرَّاوِي عَنْهُ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ مَجَاهِيلُ. وَبِمَا أَنَّ (الإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ)، فَالشُّبْهَةُ سَاقِطَةٌ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الأَصْلِ. [^2]
4. شُبْهَةُ الِاسْتِغَاثَةِ بِقَبْرِ النَّبِيِّ (أَثَرُ مَالِكِ الدَّارِ)
الطَّرِيقَةُ المُسْتَخْدَمَةُ: (الرَّدُّ بِقَلْبِ الدَّلِيلِ عَلَى صَاحِبِهِ).
التَّطْبِيقُ: يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ الرَّجُلَ ذَهَبَ لِلْقَبْرِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ عُمَرُ. نَقُولُ: بَلِ الدَّلِيلُ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا اشْتَدَّ الكَرْبُ تَرَكَ القَبْرَ (وَهُوَ عِنْدَهُ) وَذَهَبَ يَتَوَسَّلُ بِدُعَاءِ العَبَّاسِ (الحَيِّ). فَلَوْ كَانَتِ الِاسْتِغَاثَةُ بِالمَيِّتِ مَشْرُوعَةً لَمَا عَدَلَ عُمَرُ عَنِ المَفْضُولِ إِلَى الفَاضِلِ، فَبَطَلَ فِعْلُ الرَّجُلِ بِفِعْلِ عُمَرَ.
5. شُبْهَةُ "نَحْنُ لَا نَعْبُدُ المَوْتَى بَلْ نُحِبُّهُمْ"
الطَّرِيقَةُ المُسْتَخْدَمَةُ: (تَفْكِيكُ الأَلْفَاظِ - المَنْهَجُ الِاصْطِلَاحِيُّ).
التَّطْبِيقُ: نَقُولُ لَهُ: "مَاذَا تَقْصِدُ بِالمَحَبَّةِ؟". إِنْ كَانَتْ مَحَبَّةَ اتِّبَاعٍ فَهَذَا حَقٌّ، وَإِنْ كَانَتْ مَحَبَّةً تَقْتَضِي الخُضُوعَ وَالذُّلَّ وَطَلَبَ الحَوَائِجِ، فَهَذَا هُوَ "مُسَمَّى العِبَادَةِ" شَرْعًا. فَتَسْمِيَتُكَ لِلْعِبَادَةِ (مَحَبَّةً) لَا يُخْرِجُهَا عَنْ حَقِيقَتِهَا، كَمَا أَنَّ تَسْمِيَةَ الخَمْرِ (مَشْرُوبًا رُوحِيًّا) لَا يُخْرِجُهَا عَنِ التَّحْرِيمِ. [^3]
6. شُبْهَةُ "قِيَاسِ المَلِكِ" (اللهُ مَلِكٌ وَيَحْتَاجُ لِوَسَائِطَ)
الطَّرِيقَةُ المُسْتَخْدَمَةُ: (الرَّدُّ العَقْلِيُّ الصَّحِيحُ).
التَّطْبِيقُ: هَذَا القِيَاسُ بَاطِلٌ عَقْلًا؛ لِأَنَّ المَلِكَ مِنَ البَشَرِ يَحْتَاجُ لِلْوَاسِطَةِ لِثَلَاثَةِ عُيُوبٍ: (جَهْلُهُ بِحَالِ الرَّعِيَّةِ، أَوْ ضَعْفُهُ عَنْ قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَحْدَهُ، أَوْ بُخْلُهُ فَيَحْتَاجُ مَنْ يَسْتَعْطِفُهُ). وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ الرَّحِيمُ. فَقِيَاسُ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ هُوَ عَيْنُ التَّشْبِيهِ البَاطِلِ.
7. شُبْهَةُ "الآيَاتِ نَزَلَتْ فِي الأَصْنَامِ"
الطَّرِيقَةُ المُسْتَخْدَمَةُ: (المُطَالَبَةُ بِالقَوْلِ الجَامِعِ).
التَّطْبِيقُ: نُطَالِبُهُمْ بِنَصٍّ جَامِعٍ يُفَرِّقُ فِي (العِبَادَةِ) بَيْنَ حَجَرٍ وَبَشَرٍ. فَالعِبَادَةُ حَقٌّ للهِ، وَالآيَاتُ جَاءَتْ بِلَفْظِ {مَنْ دُونِ اللَّهِ}، وَهِيَ (مَا) التَّعْمِيمِيَّةُ الَّتِي تَشْمَلُ كُلَّ مَنْ سِوَى اللهِ. فَعَجْزُهُمْ عَنْ إِيجَادِ "فَرْقٍ شَرْعِيٍّ" فِي صَرْفِ العِبَادَةِ يُسْقِطُ الشُّبْهَةَ. [^4]
8. شُبْهَةُ "الِاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ" (اللهُ اسْتَجَابَ لِي عِنْدَ القَبْرِ)
الطَّرِيقَةُ المُسْتَخْدَمَةُ: (التَّفْرِيقُ بَيْنَ الِاسْتِدْلَالِ وَمَحَلِّ النِّزَاعِ).
التَّطْبِيقُ: يَقُولُ: "ذَهَبْتُ لِلْقَبْرِ فَرُزِقْتُ". نَقُولُ لَهُ: "وُقُوعُ الرِّزْقِ" (اسْتِدْلَالٌ بِالقَدَرِ) لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى "رِضَا اللهِ عَنِ الفِعْلِ" (مَحَلُّ النِّزَاعِ). فَاللهُ يَرْزُقُ الكَافِرَ وَهُوَ يُعْطِيهِ فِتْنَةً وَاسْتِدْرَاجًا. فَالعِبْرَةُ بِأَمْرِ الشَّرْعِ لَا بِتَصَارِيفِ القَدَرِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ ابْتِلَاءً.
9. شُبْهَةُ "التَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ"
الطَّرِيقَةُ المُسْتَخْدَمَةُ: (الرَّدُّ بِفَهْمِ السَّلَفِ - المَنْهَجُ الأَثَرِيُّ).
التَّطْبِيقُ: نَسْأَلُ: لَمَّا أَصَابَ الصَّحَابَةَ القَحْطُ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ، هَلْ جَمَعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُمَرُ عِنْدَ القَبْرِ لِيَتَوَسَّلُوا بِجَاهِهِ؟ الجَوَابُ: لَا. فَلَوْ كَانَ (الجَاهُ) سَبَبًا مَشْرُوعًا لِطَلَبِ السُّقْيَا لَمَا تَرَكَهُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْرِهِ.
10. شُبْهَةُ "مَنْ قَالَ لا إِلهَ إِلا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ مَالَهُ"
الطَّرِيقَةُ المُسْتَخْدَمَةُ: (المُعَارَضَةُ بِأَدِلَّةٍ أَقْوَى).
التَّطْبِيقُ: نُعَارِضُ تَمَسُّكَهُمْ بِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ نَفْسِهِ الَّذِي قَاتَلَ مَنْ جَحَدَ الزَّكَاةَ أَوْ ارْتَدَّ، وَبِفِعْلِ الصَّدِيقِ. فَالكَلمَةُ عِصْمَةٌ لِمَنْ أَتَى "بِحَقِّهَا"، وَمِنْ حَقِّهَا تَرْكُ الشِّرْكِ. فَالنُّصُوصُ القَطْعِيَّةُ فِي نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ تُقَيِّدُ هَذَا الإِطْلَاقَ. [^5]
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلتَّطْبِيقِ]
[^1]: يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ لِابْنِ كَثِيرٍ، عِنْدَ آيَةِ الوَسِيلَةِ، حَيْثُ نَقَلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الوَسِيلَةَ هِيَ "القُرْبَةُ بِالطَّاعَاتِ".
[^2]: يُنْظَرُ: سِلْسِلَةُ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ لِلأَلْبَانِيِّ، حَدِيثُ رقم (706).
[^3]: هَذِهِ المَنْهَجِيَّةُ بَرَعَ فِيهَا ابْنُ القَيِّمِ فِي إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ، حَيْثُ كَشَفَ تَلَاعُبَ الشَّيْطَانِ بِالأَسْمَاءِ.
[^4]: يُرَاجَعُ: كَشْفُ الشُّبُهَاتِ، لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ، فِي الرَّدِّ عَلَى شُبْهَةِ "نَحْنُ لَا نَعْبُدُ الأَصْنَامَ".
[^5]: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ بَابِ "حُكْمِ المُرْتَدِّ" فِي كُتُبِ الفِقْهِ لِلْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ، وَالَّذِي يُثْبِتُ أَنَّ القَوْلَ يَنْتَقِضُ بِالفِعْلِ.
-------------------&
[الجُزْءُ الثَّالِثُ: المَدَارِسُ النَّقْدِيَّةُ لِلْعُلَمَاءِ الأَرْبَعَةِ فِي نَقْضِ الشُّبَهَاتِ]
1. مدرسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (التقسيم والحصر المنطقي)
يتميز الشيخ العثيمين بأسلوب "السبر والتقسيم"، حيث يحصر الخصم في زاوية ضيقة لا مخرج منها.
طريقته في الرد: يعمد الشيخ إلى تقسيم الشبهة إلى احتمالات عقلية (إما كذا وإما كذا). ففي ردوده على أهل التأويل أو المستغيثين، يقول: "قولكم هذا لا يخلو من حالين..."، ثم يبطل الحالين معاً.
الأساس المنهجي: يعتمد على "بطلان اللازم"؛ فإذا كان القول يلزمه نقص في الربوبية أو مخالفة لصريح العقل، أبطل الأصل فوراً.
بصمة الباحث: كان الشيخ يقلل من استخدام العبارات العاطفية، ويركز على "الإلزام العقلي" المرتبط بالنص، مما يجعل رده كالبنيان المرصوص الذي يمسك بعضه بعضاً. [^1]
2. مدرسة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: (المصارحة والدمغ بالوحي)
مدرسة الشيخ الفوزان هي مدرسة "البيان والوضوح"، حيث لا يوارب في كشف عوار المبتدعة.
طريقته في الرد: يعتمد على "المقابلة التاريخية"؛ فيربط بين شبهات المبتدعة اليوم وشبهات مشركي الجاهلية أو الجهمية الأوائل. يقول: "هذا هو عين ما قاله المشركون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}".
الأساس المنهجي: تقديم "النقل" وتجريده من الشوائب، والتركيز على أن الشبهة هي "مرض قلب" قبل أن تكون "خطأ عقل"، لذا يكثر من الاستشهاد بالآيات التي تدمغ الباطل.
بصمة الباحث: القوة في الصدع بالحق، والربط الدائم بين العقيدة والواقع العملي، مع الحذر الشديد من تلاعب المبتدعة بالألفاظ والمصطلحات الحديثة. [^2]
3. مدرسة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: (التحليل الاصطلاحي والتأصيل التاريخي)
يغوص الشيخ صالح آل الشيخ في "جذور الشبهة" وبداية تكوينها الاصطلاحي.
طريقته في الرد: يبدأ بتفكيك "المصطلح" الذي يتترس خلفه المبتدع. فإذا قال الخصم: (هذا توسل)، بحث الشيخ في تاريخ هذا المصطلح لغوياً وشرعياً، ثم كشف كيف حُرّف عما كان عليه في عهد السلف.
الأساس المنهجي: "تحرير محل النزاع" بدقة فائقة. يرى الشيخ أن معظم الضلال ينشأ من عدم تصور المسألة تصوراً صحيحاً، لذا فهو يفرش بساط العلم أولاً، ثم يسلط النقد على مواطن الخلل.
بصمة الباحث: التوسع في سياقات كلام أئمة الدعوة وربطها بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، مما يعطي رده عمقاً استراتيجياً وتأصيلياً لا يجارى. [^3]
4. مدرسة الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي: (التحقيق الحديثي والتدقيق المنهجي)
وهي مدرسة "الباحث المستقصي" الذي يجمع بين فقه المتون ونقد الأسانيد.
طريقته في الرد: التركيز على "فساد الاستدلال" من جهة الصناعة الحديثية أولاً. فهو لا يناقش معنى الحديث الضعيف إلا بعد بيان ضعفه، لقطع الطريق على الخصم. ثم ينتقل لبيان أن النص -حتى لو صح- لا يدل على مرادهم.
الأساس المنهجي: ضبط القواعد الكلية في التوحيد، وبيان أن "الشبهة" هي خروج عن هذه الكلية. فإذا استدلوا بحدث فردي (واقعة عين)، ردها الشيخ إلى الأصول العامة للوحي.
بصمة الباحث: الدقة العالية في العزو، والهدوء في تفنيد الحجج بأسلوب أكاديمي رصين، مع التركيز على إبراز "تناقض المبتدع" مع نفسه ومع أصوله التي يدعي الانتماء إليها. [^4]
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلْجُزْءِ الثَّالِثِ]
[^1]: يُنظر: تسهيل العقيدة الإسلامية، وشرح كشف الشبهات، ابن عثيمين، حيث تظهر طريقته في الحصر والتقسيم.
[^2]: يُنظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، وكتبه في "نقد المذاهب الهدامة".
[^3]: يُنظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ، وشرح كشف الشبهات (الدروس المسجلة والمفرغة).
[^4]: يُنظر: تحقيق التوحيد، ومحاضرات الشيخ صالح سندي في "تأصيل منهج الرد على المخالف"، الموقع الرسمي للشيخ.
------------------&
[المَبْحَثُ الثَّامِنُ: حَقِيقَةُ البِدْعَةِ وَتَقْسِيمَاتُهَا الشَّرْعِيَّةُ]
أولًا: التحرير اللغوي والاصطلاحي (مفرِدتا البدعة والمحدثة)
البدعة (لغةً): مِنْ بَدَعَ الشَّيْءَ يَبْدَعُهُ بَدْعًا، وَهُوَ إِنْشَاءُ شَيْءٍ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أَيْ مُوجِدُهَا عَلَى غَيْرِ نَمُوذَجٍ تَقَدَّمَ. [^1]
المُحْدَثَةُ (لغةً): مِنَ الإِحْدَاثِ، وَهُوَ إِيجَادُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وَتُقَالُ لِمَا جَدَّ مِنَ الأُمُورِ.
الفرق بينهما في الاستعمال:
لُغَوِيًّا: كُلُّ بِدْعَةٍ مُحْدَثَةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةً؛ فالمُحْدَثَةُ أَعَمُّ.
شَرْعِيًّا: اسْتَعْمَلَ الشَّارِعُ اللَّفْظَيْنِ كَمُتَرَادِفَيْنِ فِي سِيَاقِ الذَّمِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». فَالِاسْتِعْمَالُ الأَصَحُّ فِي مَقَامِ التَّحْذِيرِ الدِّينِيِّ هُوَ نِسْبَةُ (الإِحْدَاثِ) لِلْأَمْرِ المُنْكَرِ فِي الدِّينِ خَاصَّةً. [^2]
الحد الجامع المانع للبدعة الشرعية:
"طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا المُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ". [^3]
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟
طَرِيقَةٌ: لِتَشْمَلَ القَوْلَ وَالفِعْلَ وَالِاعْتِقَادَ.
فِي الدِّينِ: لِيَخْرُجَ الِابْتِكَارُ الدُّنْيَوِيُّ (البِدْعَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ).
مُخْتَرَعَةٌ: لِتَخْرُجَ السُّنَنُ المَأْثُورَةُ.
تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ: أَيْ تُشْبِهُهَا لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا، لِتَمْنَعَ دُخُولَ المَعَاصِي الصَّرِيحَةِ (كَالسَّرِقَةِ) لِأَنَّ السَّارِقَ لَا يَزْعُمُ التَّقَرُّبَ لِلَّهِ بِفِعْلِهِ.
المُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ: لِيُبَيِّنَ القَصْدَ الدِّينِيَّ الفَاسِدَ لِلْمُبْتَدِعِ.
ثانيًا: انقسام الابتداع (دنيوي vs ديني)
البدعة الدنيوية: وَهِيَ المُرَادَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ».
القاعدة: (الأَصْلُ فِي الأَشْيَاءِ الإِبَاحَةُ)؛ فَالِاخْتِرَاعَاتُ فِي المَرْكَبِ وَالمَطْعَمِ لَيْسَتْ بِدْعَةً مَذْمُومَةً، بَلْ هِيَ مِنَ المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ أَوْ المُبَاحَاتِ، مَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهَا.
البدعة الدينية: وَهِيَ المُرَادَةُ بِالذَّمِّ.
القاعدة: (الأَصْلُ فِي العِبَادَاتِ التَّوَقُّفُ)؛ فَلَا يُعْبَدُ اللهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ، وَكُلُّ زِيَادَةٍ فِيهَا هِيَ رَدٌّ عَلَى صَاحِبِهَا. [^4]
ثالثًا: تقسيم البدعة إلى (حقيقية) و (إضافية)
البدعة الحقيقية:
لغةً: هِيَ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْ لَهَا أَصْلٌ مُطْلَقًا.
شرعًا: هِيَ الَّتِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، لَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ، لَا فِي الجُمْلَةِ وَلَا فِي التَّفْصِيلِ (مِثْلُ: صَلَاةِ الرَّغَائِبِ، أَوْ بِنَاءِ الأَضْرِحَةِ).
كيف نعرفها؟ (1) انْعِدَامُ الدَّلِيلِ عَلَى أَصْلِ العِبَادَةِ. (2) مُخَالَفَتُهَا لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ الكُلِّيَّةِ. (3) أَنْ تَكُونَ مُخْتَرَعَةً جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.
البدعة الإضافية:
لغةً: مَا أُضِيفَ إِلَى أَصْلٍ لَهُ شَبَهٌ بِهِ.
شرعًا: هِيَ الَّتِي لَهَا شَائِبَتَانِ؛ شَائِبَةٌ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى دَلِيلٍ (أَصْلُ العِبَادَةِ مَشْرُوعٌ)، وَشَائِبَةٌ مُخَالِفَةٌ (الهَيْئَةُ أَوْ الزَّمَانُ أَوْ المَكَانُ مُخْتَرَعٌ).
أمثلة: الذِّكْرُ الجَمَاعِيُّ (أَصْلُ الذِّكْرِ سُنَّةٌ، لَكِنَّ هَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ بِدْعَةٌ إِضَافِيَّةٌ).
كيف نعرفها؟ (1) تَقْيِيدُ المُطْلَقِ (تَخْصِيصُ يَوْمٍ بِمُعَيَّنٍ لَمْ يُخَصِّصْهُ الشَّرْعُ). (2) تَغْيِيرُ الهَيْئَةِ المَشْرُوعَةِ. (3) الزِّيَادَةُ فِي العَدَدِ المَحْدُودِ شَرْعًا. [^5]
رابعًا: نفي "البدعة الحسنة" وشبهة "تجديد الدين"
إبطال تقسيم (حسنة وسيئه):
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» هُوَ قَوْلٌ فَصْلٌ جَامِعٌ (كُلُّ) مِنْ صِيَغِ العُمُومِ، فَمَنْ قَالَ بِالحَسَنَةِ فَقَدْ ضَيَّقَ مَا وَسَّعَهُ الوَحْيُ.
أَمَّا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ"، فَالقَصْدُ بِهِ البِدْعَةُ اللُّغَوِيَّةُ (لِأَنَّ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ أَصْلُهَا سُنَّةٌ فَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ)، فَأَحْيَا عُمَرُ مَا كَانَ مَتْرُوكًا، فَلَيْسَتْ بِدْعَةً شَرْعِيَّةً.
تجديد الدين vs الابتداع:
تجديد الدين: هُوَ إِحْيَاءُ مَا "انْدَسَرَ" مِنَ السُّنَنِ وَتَنْقِيَةُ الدِّينِ مِمَّا عَلِقَ بِهِ مِنْ بَدَعٍ.
الابتداع: هُوَ إِضَافَةُ مَا لَيْسَ فِي الدِّينِ إِلَيْهِ.
الفَرْقُ: المُجَدِّدُ يَصِلُ النَّاسَ بِالمَنْبَعِ الأَوَّلِ، وَالمُبْتَدِعُ يَبْنِي مَنْبَعًا جَدِيدًا يَصْرِفُ النَّاسَ عَنِ الوَحْيِ. [^6]
[الحَاشِيَةُ ]
[^1]: يُنْظَرُ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ، وَالمُفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ (مَادَّةُ بَدَعَ).
[^2]: يُنْظَرُ: جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ لِابْنِ رَجَبٍ، عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ "العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ".
[^3]: هَذَا الحَدُّ هُوَ الَّذِي حَرَّرَهُ الإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ فِي كِتَابِهِ الفَذِّ الاعْتِصَامُ (ج 1، ص 37).
[^4]: قاعدة المصالح المرسلة: بَيَّنَ العُلَمَاءُ أَنَّ مَا احْتِيجَ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ مِمَّا لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبُهُ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ (كَجَمْعِ المَصَاحِفِ أَوْ تَدْوِينِ الدَّوَاوِينِ) هِيَ مَصَالِحُ لَيْسَتْ بِدَعًا، لِأَنَّهَا وَسَائِلُ لِحِفْظِ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ.
[^5]: يُرَاجَعُ لِلتَّفْصِيلِ بَيْنَ الحَقِيقِيَّةِ وَالإِضَافِيَّةِ: الاعْتِصَامُ لِلشَّاطِبِيِّ، البَابُ التَّاسِعُ.
[^6]: يُنْظَرُ: شَرْحُ حَدِيثِ التَّجْدِيدِ ("إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا")، المُنَاوِيُّ فِي "فَيْضُ القَدِيرِ".
----------------------&
[الجُزْءُ الثَّانِي: لَوَازِمُ الِابْتِدَاعِ وَجِنَايَةُ العَقْلِ عَلَى النَّصِّ]
أولًا: لوازم البدعة (التَّأَلُّهُ وَاتِّهَامُ الرِّسَالَةِ)
إِنَّ الخُطُورَةَ فِي البِدْعَةِ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي ذَاتِ الفِعْلِ، بَلْ فِيمَا يَلْزَمُ عَنْهَا مِنْ نَتَائِجَ كُفْرِيَّةٍ أَوْ ضَلَالِيَّةٍ، وَمِنْ أَهَمِّهَا:
التَّأَلُّهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى:
المُبْتَدِعُ بِفِعْلِهِ هَذَا قَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ "شَارِعًا" مَعَ اللهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: "هَذَا حَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يَشْرَعْهُ اللهُ"، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ مُنَازَعَةِ اللهِ فِي خُصُوصِيَّةِ التَّشْرِيعِ.
اتِّهَامُ النَّبِيِّ ﷺ بِالخِيَانَةِ أَوْ التَّقْصِيرِ:
وَهَذَا مَا قَرَّرَهُ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ بِقَوْلِهِ المَشْهُورِ:
«مَنِ ابْتَدَعَ فِي الإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا، فَلَا يَكُونُ اليَوْمَ دِينًا». [^1]
تَجْهِيلُ الرَّسُولِ وَالرَّعِيلِ الأَوَّلِ:
المُبْتَدِعُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ ظَفِرَ بِخَيْرٍ (عِلْمًا أَوْ عِبَادَةً) جَهِلَهُ النَّبِيُّ ﷺ، أَوْ عَلِمَهُ الرَّسُولُ وَجَهِلَهُ الصَّحَابَةُ، أَوْ عَلِمُوهُ وَكَتَمُوهُ عَنِ الأُمَّةِ! وَكُلُّ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ طَعْنٌ صَرِيحٌ فِي جِيلِ التَّزْكِيَةِ.
تَقْدِيمُ العَقْلِ عَلَى النَّقْلِ:
المُبْتَدِعُ جَعَلَ "ذَوْقَهُ" وَ"اسْتِحْسَانَهُ" هُوَ الحَاكِمَ عَلَى النَّصِّ. وَالقَاعِدَةُ السَّلَفِيَّةُ تَقُولُ: "إِنَّ العَقْلَ الصَّحِيحَ خَادِمٌ لِلنَّقْلِ لَا حَاكِمٌ عَلَيْهِ"، فَمَنْ قَدَّمَ عَقْلَهُ فَقَدْ فَتَحَ بَابَ الزَّنْدَقَةِ. [^2]
ثانيًا: آثار البدعة على الدين والمجتمع
عَلَى الدِّينِ: تَمْحُو السُّنَنَ؛ فَمَا أُحْيِيَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا أُمِيتَتْ سُنَّةٌ بِمِقْدَارِهَا، حَتَّى يَصِيرَ الدِّينُ مَسْخًا لَا يُعْرَفُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ المُنْكَرِ.
عَلَى العَامِّ وَالخَاصِّ: تُفَرِّقُ الجَمَاعَةَ وَتُورِثُ الشَّحْنَاءَ، وَتَجْعَلُ العَامَّةَ يَنْشَغِلُونَ بِالقُشُورِ وَالمُحْدَثَاتِ عَنِ الأُصُولِ وَالمُحْكَمَاتِ، وَتُحْبِطُ العَمَلَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». [^3]
ثالثًا: أربع بدع مشهورة وردود العلماء الأربعة عليها
1. بِدْعَةُ الِاحْتِفَالِ بِالمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ
رَدُّ ابْنِ عُثَيْمِينَ: اسْتَخْدَمَ طَرِيقَةَ (السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ)؛ فَقَالَ: هَذَا الِاحْتِفَالُ إِمَّا طَاعَةٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ. فَإِنْ كَانَ طَاعَةً فَكَيْفَ جَهِلَهَا السَّلَفُ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَاعَةً فَكَيْفَ نَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِمَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ؟ وَأَكَّدَ أَنَّ المَحَبَّةَ تَكُونُ بِالِاتِّبَاعِ لَا بِالِابْتِدَاعِ.
رَدُّ الفَوْزَانِ: رَكَّزَ عَلَى أَنَّهَا بِدْعَةٌ دَخِيلَةٌ مِنْ "الدَّوْلَةِ العُبَيْدِيَّةِ الفَاطِمِيَّةِ"، وَأَنَّهَا مُشَابَهَةٌ لِلنَّصَارَى فِي عِيدِ مِيلَادِ المَسِيحِ، وَالمُشَابَهَةُ لِلْكُفَّارِ فِي دِينِهِمْ نَاقِضٌ لِلْوَلَاءِ وَالبَرَاءِ. [^4]
2. بِدْعَةُ الذِّكْرِ الجَمَاعِيِّ الصُّوفِيِّ
رَدُّ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ: حَرَّرَ مَفْهُومَ (البِدْعَةِ الإِضَافِيَّةِ)؛ فَقَالَ: "أَصْلُ الذِّكْرِ مَشْرُوعٌ، لَكِنَّ تَخْصِيصَهُ بِهَيْئَةٍ لَمْ تَرِدْ (صَوْتٌ وَاحِدٌ، تَمَايُلٌ) هُوَ إِحْدَاثٌ فِي كَيْفِيَّةِ العِبَادَةِ". وَبَيَّنَ أَنَّ العِبَادَةَ "تَوْقِيفِيَّةٌ" فِي كَمِّيَّتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا وَزَمَانِهَا.
رَدُّ صَالِحٍ سِنْدِي: اعْتَمَدَ عَلَى (أَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ) فِي قِصَّةِ الحَلَقِ فِي المَسْجِدِ، وَبَيَّنَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ "يُسَبِّحُونَ وَيُكَبِّرُونَ"، لِأَنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا إِذَا كَانَ "خَالِصًا صَوَابًا" عَلَى السُّنَّةِ. [^5]
3. بِدْعَةُ تَقْسِيمِ البِدْعَةِ إِلَى (حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ)
رَدُّ ابْنِ عُثَيْمِينَ: هَدَمَ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» هِيَ كَلَامُ أَفْصَحِ الخَلْقِ، وَهُوَ تَعْمِيمٌ لَا يَسْتَثْنِي شَيْئًا. فَمَنْ حَسَّنَ بِدْعَةً فَقَدْ اسْتَدْرَكَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ شُمُولِيَّةَ قَوْلِهِ.
رَدُّ آلِ الشَّيْخِ: بَيَّنَ أَنَّ مَا يُسَمَّى بِدْعَةً حَسَنَةً عِنْدَ المُتَأَخِّرِينَ هُوَ فِي الحَقِيقَةِ (مَصْلَحَةٌ مُرْسَلَةٌ) أَوْ (بِدْعَةٌ لُغَوِيَّةٌ) لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَأَمَّا التَّعَبُّدُ المَحْضُ فَلَا حَسَنَ فِيهِ إِلَّا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ. [^6]
4. بِدْعَةُ "التَّمَسُّحِ بِالمَقَامَاتِ" بِنِيَّةِ التَّبَرُّكِ
رَدُّ الفَوْزَانِ: بَيَّنَ أَنَّ التَّبَرُّكَ عِبَادَةٌ، وَالعِبَادَةُ تَوْقِيفِيَّةٌ. فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الصَّحَابَةَ تَمَسَّحُوا بِغَيْرِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ اليَمَانِيِّ. فَالخَشَبُ وَالحَدِيدُ وَالجُدْرَانُ لَا بَرَكَةَ فِيهَا، وَصَرْفُ هَذَا الفِعْلِ لَهَا هُوَ ذَرِيعَةٌ لِلشِّرْكِ الأَكْبَرِ.
رَدُّ صَالِحٍ سِنْدِي: اسْتَعْمَلَ طَرِيقَةَ (إِلْزَامِ المُنَاظِرِ)؛ فَقَالَ: لَوْ كَانَ التَّبَرُّكُ بِالجَمَادَاتِ وَالمَكَانِ مَشْرُوعًا، لَكَانَ غَارُ حِرَاءٍ وَغَارُ ثَوْرٍ أَوْلَى المَكَانِ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنِ السَّلَفِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِهِ. [^7]
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ ]
[^1]: يُنْظَرُ: الاعْتِصَامُ لِلشَّاطِبِيِّ، حَيْثُ نَقَلَ هَذَا الأَثَرَ العَظِيمَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ وَاعْتَبَرَهُ أَصْلًا فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الِاسْتِحْسَانِ.
[^2]: يُرَاجَعُ: دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، فِي تَقْعِيدِ حَاكِمِيَّةِ النَّصِّ.
[^3]: رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ المِيزَانُ الظَّاهِرُ لِلْأَعْمَالِ.
[^4]: يُنْظَرُ: شَرْحُ رِسَالَةِ المَوْلِدِ لِلشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، وَالْبَيَانُ لِأَخْطَاءِ بَعْضِ الْكُتَّابِ لِلشَّيْخِ الفَوْزَانِ.
[^5]: يُنْظَرُ: دُرُوسٌ فِي السُّنَّةِ وَالبِدْعَةِ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِي، مَوْقِعُهُ الرَّسْمِيُّ.
[^6]: يُنْظَرُ: شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ، عِنْدَ حَدِيثِ "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا".
[^7]: يُنْظَرُ: عَقِيدَةُ التَّوْحِيدِ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ الفَوْزَانِ، بَابُ التَّبَرُّكِ.
-------------------&
[المَبْحَثُ التَّاسِعُ: الِاسْتِقْرَاءُ التَّارِيخِيُّ لِمَسْلَكِ السَّلَفِ فِي نَقْدِ أَهْلِ البِدَعِ]
تَوْطِئَةُ التَّحْقِيقِ (الجَوَابُ الجَامِعُ المَانِعُ):
لَمْ يَرَ التَّارِيخُ عَصْرًا مِنْ عُصُورِ السَّلَفِ الصَّالحِ -مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا- إِلَّا وَفِيهِ "قَائِمٌ لِلَّهِ بِالحُجَّةِ" يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ. فَمَا تَرَكَ السَّلَفُ الِابْتِدَاعَ يَسْرِي فِي الأُمَّةِ دُونَ تَعْرِيَةٍ، بَلْ كَانَ نَقْدُ "أَعْيَانِ المُبْتَدِعَةِ" عِنْدَهُمْ جِهَادًا لَا يَقِلُّ عَنْ جِهَادِ السَّيْفِ، لِأَنَّ الحِفَاظَ عَلَى "أَصْلِ الدِّينِ" مُقَدَّمٌ عَلَى الحِفَاظِ عَلَى "حُدُودِ الأَرْضِ".
أولًا: عَشَرَةُ أَقْوَالٍ لِلسَّلَفِ فِي وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ
أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): حِينَ قَاتَلَ المُرْتَدِّينَ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ، قَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ: «أَيَنْقُصُ الدِّينُ وَأَنَا حَيٌّ؟». وَهِيَ القَاعِدَةُ الأُمُّ فِي عَدَمِ السُّكُوتِ عَنْ أَيِّ خَلَلٍ يَمَسُّ جَنَابَ الشَّرِيعَةِ. [^1]
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): فِعْلُهُ مَعَ صَبِيغِ بْنِ عَسَلٍ حِينَ جَلَدَهُ وَنَفَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُثِيرُ الشُّبَهَاتِ فِي مُتَشَابِهِ القُرْآنِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحَزْمَ مَعَ رُؤُوسِ الفِتْنَةِ هُوَ مَسْلَكُ الفَارُوقِ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا): لَمَّا جَاءَهُ الخَبَرُ عَنْ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ (أَوَّلِ مَنْ قَالَ بِالقَدَرِ)، لَمْ يَصْمُتْ بَلْ قَالَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي». تَبَرُّأٌ بِالعَيْنِ وَالِاسْمِ. [^2]
الحَسَنُ البَصْرِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ): كَانَ يَقُولُ: «لَيْسَ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ غِيبَةٌ». وَهَذَا تَأْصِيلٌ لِجَوَازِ ذِكْرِ المُبْتَدِعِ بِاسْمِهِ وَمَا فِيهِ لِتَحْذِيرِ النَّاسِ مِنْ شَرِّهِ.
الإِمَامُ الأَوْزَاعِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ): قَالَ: «إِذَا ظَهَرَتِ البِدَعُ وَلَمْ يُنْكِرْهَا أَهْلُ العِلْمِ صَارَتْ سُنَّةً». فَجَعَلَ الإِنْكَارَ وَاجِبًا عَلَى العُلَمَاءِ لَا خِيَارًا فِيهِ.
الإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ): كَانَ يَطْرُدُ أَهْلَ الأَهْوَاءِ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَقَالَ فِي مَنْ سَأَلَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ: «مَا أَرَاكَ إِلَّا رَجُلَ سَوْءٍ»، ثُمَّ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ. [^3]
الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ): حِينَ نَاظَرَ حَفْصًا الفَرْدَ فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ القُرْآنِ، فَلَمَّا انْتَهَى قَالَ لَهُ أَمَامَ النَّاسِ: «كَفَرْتَ بِاللَّهِ العَظِيمِ». تَعْيِينٌ لِلْمُخَالِفِ وَتَغْلِيظٌ فِي القَوْلِ.
الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ): هُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِي لَمْ يَخْشَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَكَانَ يَقُولُ: «أَهْلُ البِدَعِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُجَالِسَهُمْ، وَلَا يُخَالِطَهُمْ، وَلَا يَأْنَسَ بِهِمْ».
الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ): قَالَ: «مَنْ جَلَسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ فَلَمْ يُبْغِضْهُ فِي اللَّهِ، لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ». [^4]
أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ): حِينَ سُئِلَ عَنِ الحَارِثِ المُحَاسِبِيِّ وَكُتُبِهِ، حَذَّرَ مِنْهَا بِاسْمِهَا وَقَالَ: «إِيَّاكَ وَهَذِهِ الكُتُبَ، هَذِهِ كُتُبُ بِدَعٍ وَضَلَالَاتٍ».
ثانيًا: تَحْرِيرُ المَقَالِ فِي (مَشْرُوعِيَّةِ الرَّدِّ عَلَى الأَعْيَانِ)
1. التَّحْقِيقُ المَذْهَبِيُّ:
يَعْتَقِدُ بَعْضُ المُرَجِّفِينَ أَنَّ الرَّدَّ عَلَى "أَعْيَانِ" الدُّعَاةِ أَوِ المُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ مِنَ الغِيبَةِ، وَهَذَا خَلَلٌ فِي التَّصَوُّرِ. فَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَلَى أَنَّ نَصِيحَةَ الأُمَّةِ بِبَيَانِ حَالِ المَجْرُوحِينَ هِيَ "قُرْبَةٌ" وَلَيْسَتْ "غِيبَةً". فَالغِيبَةُ تَكُونُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، أَمَّا الدِّينُ فَهُوَ مَحْضُ النَّصِيحَةِ.
2. بَصْمَةُ البَاحِثِ فِي (الجَامِعِ المَانِعِ) لِهَذَا المَسْلَكِ:
جَامِعٌ: لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الرَّدَّ بِالبُرْهَانِ، وَالهَجْرَ لِلْمَصْلَحَةِ، وَتَحْذِيرَ العَامَّةِ.
مَانِعٌ: يَمْنَعُ تَمْيِيعَ الدِّينِ بِحُجَّةِ "وَحْدَةِ الصَّفِّ" عَلَى حِسَابِ صَفَاءِ العَقِيدَةِ.
3. السَّبَبُ فِي التَّصْرِيحِ بِالأَسْمَاءِ عِنْدَ الحَاجَةِ:
إِنَّ الشُّبْهَةَ لَا تَمْشِي فِي الأَرْضِ وَحْدَهَا، بَلْ لَهَا حَامِلٌ (رَجُلٌ). فَإِذَا حَذَّرْتَ مِنَ "البِدْعَةِ" وَتَرَكْتَ "المُبْتَدِعَ" الَّذِي يُعَظِّمُهُ النَّاسُ، فَقَدْ غَشَشْتَهُمْ، لِأَنَّهُمْ سَيَأْخُذُونَ "بَاطِلَهُ" لِثِقَتِهِمْ بِـ "شَخْصِهِ". لِذَا كَانَ السَّلَفُ يَصِفُونَ الدَّاءَ وَيُعَيِّنُونَ حَامِلَهُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ. [^5]
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلْجُزْءِ الأَوَّلِ]
[^1]: يُنْظَرُ: البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ لِابْنِ كَثِيرٍ، عِنْدَ سَرْدِ حُرُوبِ الرِّدَّةِ.
[^2]: رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، وَهُوَ حَدِيثُ جِبْرِيلَ المَشْهُورُ الَّذِي بَدَأَ بِتَحْذِيرِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ القَدَرِيَّةِ.
[^3]: يُنْظَرُ: شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِلَّالَكَائِيِّ (ج 4، ص 664).
[^4]: يُرَاجَعُ: تَلْبِيسُ إِبْلِيسَ لِابْنِ الجَوْزِيِّ، فِي صِفَاتِ أَهْلِ البِدَعِ وَمَوْقِفِ السَّلَفِ مِنْهُمْ.
[^5]: هَذِهِ القَاعِدَةُ حَرَّرَهَا شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (المُجَلَّدُ 28 - بَابُ هَجْرِ المُبْتَدِعِ).
----------&
[الجُزْءُ الثَّانِي: تَحْقِيقُ الفَرْقِ بَيْنَ الغِيبَةِ وَنَقْدِ أَهْلِ البِدَعِ]
أولًا: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ (الغِيبَةِ) فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَى المُبْتَدِعَةِ
يَظُنُّ بَعْضُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ التَّمْيِيعُ أَنَّ ذِكْرَ أَخْطَاءِ "الدُّعَاةِ" أَوْ "زُعَمَاءِ الجَمَاعَاتِ" هُوَ مِنَ الغِيبَةِ المُحَرَّمَةِ، وَهَذَا جَهْلٌ مُرَكَّبٌ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ. فَالغِيبَةُ المُحَرَّمَةُ هِيَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ "المُسْلِمَ المَسْتُورَ" بِمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ خِلْقَتِهِ. أَمَّا مَنْ أَظْهَرَ البِدْعَةَ أَوْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، فَذِكْرُهُ بِمَا فِيهِ (نَصِيحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ) وَ(دَفْعٌ لِلضَّرَرِ عَنِ الدِّينِ). [^1]
قَاعِدَةُ البَاحِثِ (الجَامِعُ المَانِعُ):
"كُلُّ رَدٍّ كَانَ القَصْدُ مِنْهُ صِيَانَةَ الشَّرِيعَةِ وَتَحْذِيرَ الأُمَّةِ مِنْ ضَلَالَةٍ جَلِيَّةٍ فَلَيْسَ بِغِيبَةٍ، بَلْ هُوَ جِهَادٌ بِالبَيَانِ".
ثانيًا: الأَنْوَاعُ السِّتَّةُ الَّتِي لَا تُعَدُّ غِيبَةً
نَظَمَهَا العُلَمَاءُ (كَمَا نَقَلَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ) لِبَيَانِ المَوَاضِعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا ذِكْرُ المَرْءِ بِمَا فِيهِ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَهِيَ: [^2]
التَّظَلُّمُ: لِمَنْ ظُلِمَ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ لِلْقَاضِي أَوْ السُّلْطَانِ.
الِاسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ: لِمَنْ قَدَرَ عَلَى إِزَالَتِهِ.
الِاسْتِفْتَاءُ: كَقَوْلِ هِنْدٍ: "إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ".
تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ (وَهِيَ مَحَلُّ نِزَاعِنَا): وَمِنْهَا:
جَرْحُ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ.
النَّصِيحَةُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَنْ يَتَصَدَّرُ لِلْعِلْمِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ هُوَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ.
المُجَاهِرُ بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ: مِثْلُ مَنْ يُجَاهِرُ بِشُرْبِ الخَمْرِ أَوْ الدَّعْوَةِ لِلْفِكْرِ المُنْحَرِفِ.
التَّعْرِيفُ: إِذَا كَانَ الإِنْسَانُ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ (كالأَعْرَجِ) لَا لِقَصْدِ النَّقْصِ.
ثالثًا: كَيْفَ صَانَ الرَّدُّ عَلَى الأَعْيَانِ حَقِيقَةَ الدِّينِ؟
لَوْلَا أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالسَّلَفَ سَمَّوْا أَهْلَ البِدَعِ بِأَسْمَائِهِمْ، لَضَاعَتْ مَعَالِمُ السُّنَّةِ. فَالرَّدُّ عَلَى (الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ) وَ(جَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ) وَ(وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ) كَانَ السَّبَبَ فِي:
مَنْعِ المَجَازِ البَاطِلِ: الَّذِي حَاوَلَ نَفْيَ صِفَاتِ اللهِ وَجَعْلَهَا رُمُوزًا لَا حَقِيقَةَ لَهَا.
حِمَايَةِ القُرْآنِ: مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِخَلْقِهِ كَالمُعْتَزِلَةِ.
كَشْفِ تَمْيِيعِ الدِّينِ: الَّذِي يَسْعَى لِجَعْلِ كُلِّ ضَلَالَةٍ "وَجْهَةَ نَظَرٍ" يَسَعُهَا الإِسْلَامُ. [^3]
رابعًا: خُطُورَةُ التَّمْيِيعِ وَتَحْوِيلِ الحَقِيقَةِ إِلَى مَجَازٍ
إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ البِدَعِ المَعَاصِرِينَ سَلَكُوا مَسْلَكَ (التَّأْوِيلِ المَجَازِيِّ) لِلْعَقِيدَةِ؛ لِيُسَهِّلُوا تَمْيِيعَ الدِّينِ وَتَقْرِيبَهُ مِنَ الفَلْسَفَاتِ الغَرْبِيَّةِ أَوْ السِّيَاسِيَّةِ. فَالرَّدُّ عَلَى "الشَّخْصِ" هُوَ رَدٌّ عَلَى "المَنْهَجِ" الَّذِي يُمَثِّلُهُ، لِأَنَّ العَامَّةَ يَرْتَبِطُونَ بِالشَّخْصِ أَكْثَرَ مِنَ النَّظَرِيَّةِ. فَإِذَا سَقَطَ "المُدَّعِي" لِلْعِلْمِ بِيَقِينِ الحُجَّةِ، سَقَطَتْ مَعَهُ ضَلَالَاتُهُ.
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلْجُزْءِ الثَّانِي]
[^1]: يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ج 28، ص 231)، حَيْثُ يَقُولُ: "إِذَا كَانَ الرَّجُلُ دَاعِيًا إِلَى بِدَعٍ مُخَالِفَةٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ... فَإِنَّهُ يَجِبُ بَيَانُ حَالِهِ لِئَلَّا يَضِلَّ النَّاسُ بِهِ".
[^2]: يُنْظَرُ: رِيَاضُ الصَّالِحِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ، كِتَابُ الأَذْكَارِ، بَابُ مَا يُبَاحُ مِنَ الغِيبَةِ.
[^3]: يُرَاجَعُ: الصَّوَاعِقُ المُرْسَلَةُ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالمُعَطِّلَةِ لِابْنِ القَيِّمِ، فِي نَقْضِ قَاعِدَةِ المَجَازِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ ضَلَالِ المُعَطِّلَةِ.
----------------&
[الجزء الثالث: تطبيقات معاصرة في نقد الأعيان - جماعة الإخوان]
أولًا: حسن البنا (مؤسس الجماعة)
كان حسن البنا يتبع منهج "التجميع" على حساب "التصحيح"، مما أدى إلى دخول البدع الصوفية والقبورية تحت عباءة الجماعة.
عشرة مآخذ عقدية ومنهجية على حسن البنا:
تمتعه بالبيعة الصوفية: انخراطه في الطريقة الحصافية الشاذلية، وبقاؤه على بعض أورادها.
قاعدة "المعذرة والتعاون": (نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا عليه)، وهي قاعدة أدت إلى تمييع الولاء والبراء مع أهل البدع. [^1]
الجهل بتوحيد الألوهية: تعريف التوحيد عنده وقف عند توحيد الربوبية، ولم يركز على إفراد الله بالعبادة ونبذ الشرك الحولي.
تفويض الصفات: سلك مسلك المتكلمين في التفويض (تفويض المعنى)، وزعم أنه مذهب السلف.
الموقف من الرافضة: سعيه للتقريب بين السنة والشيعة، واعتبار الخلاف بينهما "خلافًا يسيرًا".
وحدة الأديان: تصريحاته في أن الخلاف مع اليهود ليس دينيًا بل هو سياسي على الأرض فقط. [^2]
الاحتفال بالموالد: إقراره ومشاركته في احتفالات الموالد النبوية والبدعية.
البيعة السياسية: جعل البيعة لشخصه وللمرشد، وهي بيعة لم يأذن بها الله لغير ولي الأمر الشرعي.
تقديم السياسة على العقيدة: جعل غاية الدعوة هي "الحكم"، بينما غاية الرسل هي "التوحيد".
السكوت عن الشركيات: عدم إنكاره على الأضرحة والمزارات في مصر في وقته خشية "تفرق الصف".
ثانيًا: سيد قطب (منظر الفكر التكفيري)
انتقل سيد قطب بالجماعة من "التمميع" إلى "التكفير" والمصادمة، ووقع في ضلالات عقدية كبرى في كتبه.
عشرة مآخذ عقدية ومنهجية على سيد قطب:
القول بوحدة الوجود: صرّح بها في تفسير سورة "الإخلاص" وسورة "الحديد" في كتابه (في ظلال القرآن). [^3]
تكفير المجتمعات الإسلامية: وصف المجتمعات المسلمة بأنها مجتمعات "جاهلية" وأنها مرتدة عن الإسلام جملة وتفصيلًا.
تعطيل الصفات: تأويل صفة "الاستواء" بالهيمنة، وصفة "اليد" بالقدرة، على طريقة الجهمية.
الطعن في الأنبياء: كلامه القبيح في حق نبي الله موسى عليه السلام ووصفه بـ"العصبية الاندفاعية".
الطعن في الصحابة: طعنه في معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم، واتهامهم بالغش والرشوة والخديعة. [^4]
إنكار خبر الآحاد: عدم اعتداده بأحاديث الآحاد في مسائل العقيدة، وهو مذهب المعتزلة.
تفسير "لا إله إلا الله" بالحاكمية فقط: حصر معنى التوحيد في "إفراد الله بالتشريع" وغفل عن إفراده بالنسك والعبادة.
القول بخلق القرآن: صرّح بأن القرآن "ظاهرة كونية" كبقية الكائنات، وهو قول المعتزلة.
الإرهاب الفكري والمادي: كتابه (معالم في الطريق) كان الدستور الأول لكل جماعات التفجير والتكفير المعاصرة.
الاشتراكية الهدامة: محاولة دمج الفكر الاشتراكي بالإسلام في كتابه (العدالة الاجتماعية).
ثالثًا: التحذير من الكتب (بصمة الباحث)
بناءً على ما تقدم، يحذر العلماء المحققون من الاغترار بهذه الكتب لما فيها من "سموم في دسم":
تفسير "في ظلال القرآن": ليس تفسيرًا أثريًا، بل هو كتاب "أدبي حركي" مشحون ببدع الجهمية والتكفير.
كتاب "معالم في الطريق": أصل فتنة التكفير في العصر الحديث.
رسائل حسن البنا: تكرس لمنهج الحزبية المقيتة والتمميع العقدي.
[الحاشية المرجعية للجزء الثالث]
[^1]: يُنظر: مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز، (ج 5، ص 156) في نقض قاعدة المعذرة والتعاون.
[^2]: يُنظر: جماعة الإخوان المسلمين في ميزان الإسلام، للشيخ سليم الهلالي، وتحقيق الأستاذ علي الحلبي.
[^3]: راجع: مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله ﷺ، للشيخ ربيع بن هادي المدخلي، وفيه تفنيد دقيق لهذه الانحرافات.
[^4]: يُنظر: كتاب "العدالة الاجتماعية" لسيد قطب، الطبعات القديمة (قبل الحذف والتعديل الذي أجراه بعض مريديه).
-----------------------&
[الجُزْءُ الرَّابِعُ: رُدُودُ العُلَمَاءِ الأَرْبَعَةِ عَلَى أَرْبَابِ الفِكْرِ الحَرَكِيِّ وَكُتُبِهِمْ]
1. الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِينَ (دِقَّةُ التَّشْرِيحِ المَنْهَجِيِّ):
كَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ يَنْظُرُ إِلَى كُتُبِ هَؤُلَاءِ بِنَظَرِ الفَقِيهِ الأُصُولِيِّ الَّذِي لَا تَنْطَلِي عَلَيْهِ العِبَارَاتُ الأَدَبِيَّةُ.
رَدُّهُ عَلَى سَيِّد قُطْب: حِينَ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِهِ "الظِّلَال"، قَالَ: "لَوْلَا أَنَّنِي أَخْشَى أَنْ يَقْتَدِيَ بِي مَنْ لَا يَعْرِفُ لَأَحْرَقْتُهُ". وَانْتَقَدَ بِشِدَّةٍ قَوْلَهُ فِي سُورَةِ الإِخْلَاصِ وَاعْتَبَرَهُ قَوْلًا بِوَحْدَةِ الوُجُودِ.
رَدُّهُ عَلَى مَنْهَجِ الحَرَكِيِّينَ: بَيَّنَ أَنَّ "التَّرْبِيَةَ الحَرَكِيَّةَ" القَائِمَةَ عَلَى السِّرِّيَّةِ وَالبَيْعَةِ لِغَيْرِ وَلِيِّ الأَمْرِ هِيَ جَمَاعَاتٌ تُمَزِّقُ الأُمَّةَ وَتُخَالِفُ هَدْيَ السَّلَفِ فِي السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. [^1]
2. العَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانِ الفَوْزَانِ (الصَّدْعُ بِالحَقِّ وَكَشْفُ العَوَارِ):
يُعْتَبَرُ الشَّيْخُ الفَوْزَانُ مِنْ أَشَدِّ المُحَذِّرِينَ مِنْ كُتُبِ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّهُ يَرَى فِيهَا "مَنَابِعَ التَّكْفِيرِ" وَالمُصَادَمَةِ.
تَفْنِيدُ كُتُبِ قُطْب: صَرَّحَ الشَّيْخُ مِرَارًا أَنَّ كِتَابَ "مَعَالِم فِي الطَّرِيق" هُوَ مَنْبَعُ فِكْرِ الخَوَارِجِ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ، وَأَنَّ كِتَابَ "العَدَالَة الِاجْتِمَاعِيَّة" مَلِيءٌ بِالسَّبِّ لِلصَّحَابَةِ، وَلَا يَجُوزُ تَدَاوُلُ هَذِهِ الكُتُبِ إِلَّا لِأَهْلِ العِلْمِ لِلرَّدِّ عَلَيْهَا.
نَقْدُ حَسَن البَنَّا: بَيَّنَ الشَّيْخُ أَنَّ البَنَّا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ عَقِيدَةٍ سَلَفِيَّةٍ صَافِيَةٍ، وَأَنَّ جَمَاعَتَهُ قَامَتْ عَلَى "التَّجْمِيعِ" الَّذِي يَحْتَوِي الرَّافِضِيَّ وَالصُّوفِيَّ، وَهَذَا خَرَابٌ لِلدِّينِ. [^2]
3. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ (التَّأْصِيلُ وَنَقْدُ المَصْطَلَحِ):
تَمَيَّزَ رَدُّهُ بِتَفْكِيكِ "المُصْطَلَحَاتِ" السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي أَلْبَسَهَا هَؤُلَاءِ لِبَاسَ الدِّينِ.
نَقْدُ (الحَاكِمِيَّةِ): بَيَّنَ الشَّيْخُ أَنَّ جَعْلَ "الحَاكِمِيَّةِ" قِسْمًا رَابِعًا مِنَ التَّوْحِيدِ -كَمَا فَعَلَ سَيِّد قُطْب- هُوَ مَنْهَجٌ مُبْتَدَعٌ غَرَضُهُ تَهْيِيجُ العَامَّةِ عَلَى الحُكَّامِ، وَأَنَّ تَحْكِيمَ الشَّرْعِ دَاخِلٌ ضِمْنَ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ.
رَدُّهُ عَلَى التَّمْيِيعِ: حَذَّرَ مِنْ جَمَاعَةِ الإِخْوَانِ بِأَنَّهَا "لَا تَهْتَمُّ بِالتَّوْحِيدِ"، وَأَنَّ هَذَا أَكْبَرُ جِنَايَةٍ عَلَى دَعْوَةِ الرُّسُلِ، مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ البَنَّا لَمْ يُحَارِبْ قَبْرًا وَاحِدًا رَغْمَ انْتِشَارِهَا فِي مِصْرَ. [^3]
4. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي (التَّدْقِيقُ العِلْمِيُّ وَالرَّدُّ الأَثَرِيُّ):
يَسِيرُ الشَّيْخُ سِنْدِي عَلَى مَنْهَجِ نَقْدِ "الأُصُولِ" الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الفِتَنُ.
تَفْنِيدُ فِكْرِ التَّكْفِيرِ: رَدَّ عَلَى لَوَازِمِ كَلَامِ سَيِّد قُطْب فِي تَكْفِيرِ المُجْتَمَعَاتِ، وَبَيَّنَ مُخَالَفَتَهُ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ فِي أَنَّ مَنْ قَالَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَارْتَكَبَ كَبِيرَةً لَا يُكَفَّرُ إِلَّا بِاسْتِحْلَالٍ.
نَقْدُ الكُتُبِ الحَرَكِيَّةِ: يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ فِي دُرُوسِهِ (مِثْلُ: تَعْلِيقَاتِهِ عَلَى الاعْتِصَامِ لِلشَّاطِبِيِّ) أَنَّ هَذِهِ الكُتُبَ تَغْرِسُ فِي قَلْبِ الشَّابِّ "الثَّوْرَةَ" قَبْلَ "العِبَادَةِ"، وَتُعَظِّمُ الرِّجَالَ قَبْلَ الدَّلِيلِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى خُرُوجِ جِيلٍ يَجْهَلُ أَبْجَدِيَّاتِ التَّوْحِيدِ وَيَعْرِفُ خَبَايَا السِّيَاسَةِ. [^4]
خَاتِمَةُ المَبْحَثِ: (بَصْمَةُ البَاحِثِ فِي النَّتِيجَةِ المَنْهَجِيَّةِ)
بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الرُّدُودِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ المَوْقِفَ السَّلَفِيَّ مِنَ البَنَّا وَقُطْب وَجَمَاعَتِهِمَا لَيْسَ مَوْقِفًا "شَخْصِيًّا"، بَلْ هُوَ مَوْقِفٌ "عَقَدِيٌّ" يَقُومُ عَلَى:
حِمَايَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ مِنَ التَّمْيِيعِ.
صِيَانَةِ جَنَابِ الصَّحَابَةِ مِنَ الطَّعْنِ.
سَدِّ ذَرَائِعِ الخُرُوجِ وَالفِتَنِ وَالتَّكْفِيرِ.
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلْجُزْءِ الرَّابِعِ]
[^1]: يُنْظَرُ: لِقَاءَاتُ البَابِ المَفْتُوحِ، الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ، سُؤَالُ رَقْمِ (1201).
[^2]: يُرَاجَعُ كِتَابُ: الأَجْوِبَةُ المُفِيدَةُ عَنْ أَسْئِلَةِ المَنَاهِجِ الجَدِيدَةِ، جَمْعُ جَمَال بْنُ فَرِيحَان الحَارِثِي، وَهُوَ أَجْمَعُ كِتَابٍ فِي رُدُودِ الفَوْزَانِ عَلَى القُطْبِيَّةِ وَالإِخْوَانِ.
[^3]: يُنْظَرُ: شَرْحُ الشَّيْخِ صَالِح آل الشَّيْخِ لِكِتَابِ الفَضْلُ العَظِيمُ فِي مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ.
[^4]: يُرَاجَعُ مَوْقِعُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي الرَّسْمِيُّ، مِحْوَرُ "العَقِيدَةُ وَالمَنَاهِجُ"، فِي نَقْدِ أُصُولِ الجَمَاعَاتِ الحَدِيثَةِ.
--------------------&
[المَبْحَثُ العَاشِرُ: الأَسْمَاءُ وَالأَحْكَامُ، وَمَسَائِلُ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ]
القِسْمُ الأَوَّلُ: تَحْرِيرُ مَفْهُومِ (الأَسْمَاءُ وَالأَحْكَامُ)
1. التَّعْرِيفُ وَالارْتِبَاطُ:
الأَسْمَاءُ: هي الألقاب التي تطلق على المكلفين في الدنيا من جهة الدين (مثل: مسلم، مؤمن، كافر، فاسق).
الأَحْكَامُ: هي ما يترتب على هذه الأسماء من أحكام في الدنيا (كالموالاة، والموارثة، والقتل) وفي الآخرة (كالثواب والعقاب، والخلود في النار أو دخول الجنة).
2. مَحَلُّ النِّزَاعِ (بَصْمَةُ البَاحِثِ):
إن أصل الخلاف في هذا الباب نشأ من "مرتكب الكبيرة" (الذي فعل ذنبًا دون الشرك مثل الزنا أو السرقة)؛ فماذا يسمى؟ وما هو حكمه؟
3. تَفْنِيدُ مَذَاهِبِ الفِرَقِ فِيهِ (تَحْقِيقٌ مُسْتَقْصًى):
الخَوَارِجُ: قالوا هو في الدنيا (كافر)، وفي الآخرة (خالد مخلد في النار).
المُعْتَزِلَةُ: قالوا هو في الدنيا (في منزلة بين المنزلتين) لا مسلم ولا كافر، وفي الآخرة (خالد مخلد في النار) وافقوا الخوارج في الحكم.
المُرْجِئَةُ: قالوا هو (مؤمن كامل الإيمان)، ولا يضره مع الإيمان ذنب، وحكمه الجنة ابتداءً.
أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ (المَنْهَجُ الوَسَطُ): هو في الدنيا (مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته) أو (مؤمن ناقص الإيمان). وفي الآخرة (تحت مشيئة الله)؛ إن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم أخرجه للجنة، وإن شاء عفا عنه من البداية. [^1]
القِسْمُ الثَّانِي: مَسَائِلُ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ
1. حَقِيقَةُ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ:
الوَعْدُ: هو إخبار الله بتفضل بالثواب للمطيعين (مثل: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ}).
الوَعِيدُ: هو إخباره بالتخويف بالعقاب للعاصين (مثل: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ}).
2. قَاعِدَةُ (إِنْفَاذِ الوَعِيدِ) عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ:
يرى أهل السنة أن الله كريم، والكريم لا يُخلف وعده (وعد الثواب)، لكنه قد يعفو عن "وعيد العقاب" تفضلاً ورحمة، وهذا لا يعد نقصًا بل هو كمال الجود. فالله قد يتجاوز عن الوعيد في حق الموحدين، بخلاف الوعيد في حق الكفار (الخلود) فإنه نافذ لا محالة لقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}. [^2]
بَصْمَةُ البَاحِثِ: الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ لِمُسَمَّى الإِيمَانِ
"قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ؛ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالعِصْيَانِ".
جَامِعٌ: لأركان الإيمان الثلاثة (قلب، لسان، جوارح).
مَانِعٌ: يمنع دخول قول المرجئة (الذين أخرجوا العمل) ويمنع قول الخوارج (الذين جعلوا الإيمان كتلة واحدة إذا ذهب بعضه ذهب كله). [^3]
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلْقِسْمَيْنِ]
[^1]: يُنظر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، في مبحث الأسماء والأحكام.
[^2]: يُنظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (ج 7)، في الرد على المعتزلة في مسألة إنفاذ الوعيد.
[^3]: يُراجع: كتاب الإيمان، لابن تيمية، وهو أجمع ما كُتب في تحقيق هذه المسألة بفرعيها.
----------------------&
[المَبْحَثُ العَاشِرُ - الجُزْءُ الخَامِسُ: التَّحْقِيقُ الأَسْمَى فِي مِيزَةِ ضَبْطِ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ]
إِنَّ هَذَا الوَجْهَ هُوَ "مِعْيَارُ الِاعْتِصَامِ"، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ لِمَاذَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَشَدَّ النَّاسِ تَمَسُّكًا بِحَقَائِقِ الأَسْمَاءِ. وَنُفَصِّلُ هَذِهِ المِيزَةَ مِنْ خِلَالِ المَنَاحِي التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: المِيزَةُ مِنْ نَاحِيَةِ الضَّبْطِ اللُّغَوِيِّ (الِاشْتِقَاقِيِّ)
تَنْقَسِمُ هَذِهِ المِيزَةُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ جَوْهَرِيَّةٍ:
مِيزَةُ الرُّجُوعِ لِأَصْلِ الوَضْعِ (المَادَّةُ الِاشْتِقَاقِيَّةُ):
إِنَّ ضَبْطَ اللَّفْظِ بِإِرْجَاعِهِ إِلَى جَذْرِهِ اللُّغَوِيِّ (مِثْلُ: أَمَنَ، سَلَمَ، عَبَدَ) يَمْنَعُ المُبْتَدِعَةَ مِنْ نَقْلِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الأَصِيلِ إِلَى مَعَانٍ حَادِثَةٍ. فَالاشْتِقَاقُ هُوَ "بَصْمَةُ الكَلِمَةِ"، وَبِهِ نَعْرِفُ أَنَّ "الإِيمَانَ" فِيهِ مَعْنَى السُّكُونِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالتَّصْدِيقِ الُمَسْتَلْزِمِ لِلْقَبُولِ، وَلَيْسَ فَقَطْ مُجَرَّدَ المَعْرِفَةِ الذِّهْنِيَّةِ كَمَا زَعَمَتِ الجَهْمِيَّةُ.
مِيزَةُ كَشْفِ التَّصَرُّفِ فِي صِيَغِ الكَلَامِ:
اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ تَمْتَازُ بِأَنَّ أَيَّ تَغْيِيرٍ فِي بِنَاءِ الكَلِمَةِ يُفِيدُ مَعْنًى جَدِيدًا. فَمِيزَةُ الضَّبْطِ هُنَا هِيَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ (الاسْمِ المُطْلَقِ) وَ(مُطْلَقِ الاسْمِ). فَمَنْ ضَبَطَ اللُّغَةَ عَلِمَ أَنَّ "المُؤْمِنَ" إِذَا أُطْلِقَ انْصَرَفَ لِلْكَامِلِ، وَإِذَا قُيِّدَ شَمَلَ أَصْلَ الدِّينِ. وَبِهَذَا الضَّبْطِ اللُّغَوِيِّ نَرُدُّ عَلَى الخَوَارِجِ الَّذِينَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نَفْيِ "كَمَالِ الاسْمِ" وَنَفْيِ "أَصْلِهِ".
مِيزَةُ تَقْيِيدِ الِاسْتِعْمَالِ العُرْفِيِّ بِاللُّغَةِ:
أَهْلُ البِدَعِ يَخْتَرِعُونَ "عُرْفًا لَفْظِيًّا" خَاصًّا بِهِمْ (مِثْلُ تَسْمِيَةِ التَّعْطِيلِ "تَنْزِيهًا"). مِيزَةُ الضَّبْطِ اللُّغَوِيِّ أَنَّهَا تَعْزِلُ هَذِهِ الِاصْطِلَاحَاتِ المُرَوَّجَةِ وَتُعِيدُ النَّاسَ إِلَى مَا كَانَ يَعْرِفُهُ العَرَبُ زَمَنَ النُّزُولِ، فَتَنْكَشِفُ خَدِيعَةُ "التَّلَاعُبِ بِالأَلْفَاظِ".
ثَانِيًا: المِيزَةُ مِنْ نَاحِيَةِ (الحَدِّ الجَامِعِ المَانِعِ)
لِمَاذَا نُصِرُّ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ لَفْظٍ عَقَدِيٍّ "حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ"؟
لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِأَفْرَادِ المَعْنَى:
مِيزَتُهُ أَنَّهُ يَحْصُرُ كُلَّ مَا يَدْخُلُ فِي حَقِيقَةِ الشَّيْءِ. فَمِثْلًا حَدُّ الإِيمَانِ (قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَاعْتِقَادٌ) هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ جُزْءًا مِنَ الدِّينِ إِلَّا وَأَدْخَلَهُ فِي مُسَمَّى الإِيمَانِ. وَبِهَذَا يَكُونُ الحُكْمُ شَامِلًا لِلْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ.
لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ دُخُولِ غَيْرِهِ فِيهِ:
وَهَذِهِ أَعْظَمُ مِيزَةٍ؛ فَالِحَدُّ يَمْنَعُ "تَهْرِيبَ" الأَفْكَارِ البِدْعِيَّةِ إِلَى دَاخِلِ المُصْطَلَحِ. فَلَوْ قُلْنَا إِنَّ "التَّوْحِيدَ" هُوَ (إِفْرَادُ اللهِ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ)، فَهَذَا الحَدُّ "يَمْنَعُ" أَنْ نُسَمِّيَ الشِّرْكَ فِي الأُلُوهِيَّةِ (تَوَسُّلًا)، لِأَنَّ الحَدَّ المَانِعَ طَرَدَهُ خَارِجَ دَائِرَةِ التَّوْحِيدِ.
مِيزَةُ الِانْضِبَاطِ الذِّهْنِيِّ وَالعَمَلِيِّ:
بِدُونِ الحَدِّ الجَامِعِ المَانِعِ، يُصْبِحُ الدِّينُ "سُيُولَةً مَعْرِفِيَّةً" يُمْكِنُ لِأَيِّ أَحَدٍ أَنْ يُدْخِلَ فِيهَا مَا يَشَاءُ (كَالبِدْعَةِ الحَسَنَةِ). لَكِنَّ الضَّبْطَ بِالحَدِّ يُوجِدُ "سِيَاجًا مَنِيعًا" لَا يَتَجَاوَزُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
ثَالِثًا: المِيزَةُ مِنْ نَاحِيَةِ التَّقْعِيدِ العَقَدِيِّ وَالأُصُولِيِّ
مِيزَةُ ثَبَاتِ الأَحْكَامِ بِثَبَاتِ الأَسْمَاءِ:
إِنَّ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ (مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ، وَوَلَاءٍ وَبَرَاءٍ) مَنُوطَةٌ بِالضَّبْطِ العَقَدِيِّ لِلِاسْمِ. فَمَنْ ضَبَطَ اسْمَ "المُؤْمِنِ" عَقَدِيًّا بَطُلَ عِنْدَهُ مَذْهَبُ المُرْجِئَةِ فِي مَنْحِ النَّجَاةِ الكَامِلَةِ لِلْعُصَاةِ، وَبَطُلَ عِنْدَهُ مَذْهَبُ الخَوَارِجِ فِي خُلُودِهِمْ. فَالضَّبْطُ العَقَدِيُّ هُوَ "بُوصَلَةُ النَّجَاةِ".
مِيزَةُ الِاحْتِجَاجِ بِالوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ:
الأُصُولِيُّونَ يَقُولُونَ: "التَّغَيُّرُ فِي الأَسْمَاءِ يُوجِبُ التَّغَيُّرَ فِي المَعَانِي". فَمِيزَةُ الضَّبْطِ العَقَدِيِّ أَنَّهَا تَجْعَلُ الحُجَّةَ قَائِمَةً بِاليَقِينِ. فَإِذَا ضَبَطْنَا لَفْظَ "البِدْعَةِ" بِأَنَّهَا (طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ)، حَرُمَ عَلَيْنَا اسْتِحْسَانُ أَيِّ فِعْلٍ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ، وَلَا نَقْبَلُ لَفْظَ "البِدْعَةِ الحَسَنَةِ" لِأَنَّهَا تَنْقُضُ الضَّبْطَ الأُصُولِيَّ لِلْمُصْطَلَحِ.
رَابِعًا: المِيزَةُ مِنْ نَاحِيَةِ التَّدَبُّرِ الشَّرْعِيِّ
مِيزَةُ فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ:
حِينَ نَضْبِطُ الأَلْفَاطَ، نَفْهَمُ لِمَاذَا اخْتَارَ اللهُ هَذَا الِاسْمَ دُونَ غَيْرِهِ فِي القُرْآنِ. تَدَبُّرُ لَفْظِ "الظُّلْمِ" وَضَبْطُهُ بِأَنَّهُ يَشْمَلُ (الشِّرْكَ، وَظُلْمَ النَّفْسِ، وَظُلْمَ العِبَادِ) يُعْطِي لِلْمُؤْمِنِ عُمْقًا فِي فَهْمِ الآيَاتِ، فَلَا يَحْمِلُ آيَةً نَزَلَتْ فِي "الظُّلْمِ الأَكْبَرِ" عَلَى "الظُّلْمِ الأَصْغَرِ".
مِيزَةُ الِاسْتِقَامَةِ السُّلُوكِيَّةِ:
الضَّبْطُ لَيْسَ جُمُودًا، بَلْ هُوَ نُورٌ لِلْقَلْبِ. حِينَ نَضْبِطُ لَفْظَ "الإِخْلَاصِ" تَدَبُّرِيًّا بِأَنَّهُ (تَصْفِيَةُ الفِعْلِ عَنْ كُلِّ شَوْبٍ)، يَتَحَوَّلُ هَذَا الضَّبْطُ إِلَى عَمَلٍ قَلْبِيٍّ يَحْمِي المُسْلِمَ مِنَ الرِّيَاءِ. فَالضَّبْطُ العِلْمِيُّ هُوَ خَادِمُ التَّزْكِيَةِ الرُّوحِيَّةِ.
خَامِسًا: خُطُورَةُ عَدَمِ الضَّبْطِ (تَحْقِيقٌ فِي زَلَلِ الأَقْدَامِ)
إِنَّ سَبَبَ ضَلَالِ فِرَقِ الأُمَّةِ قَاطِبَةً يَرْجِعُ إِلَى "فَوْضَى الأَسْمَاءِ".
الجَهْمِيَّةُ: لَمْ يَضْبِطُوا لَفْظَ "التَّوْحِيدِ" لُغَةً وَشَرْعًا، فَظَنُّوا أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَعْنِي التَّشْبِيهَ (تَعَدُّدَ القُدَمَاءِ)، فَعَطَّلُوا صِفَاتِ الرَّبِّ.
المُرْجِئَةُ: لَمْ يَضْبِطُوا لَفْظَ "الإِيمَانِ" حَدًّا جَامِعًا مَانِعًا، فَأَخْرَجُوا العَمَلَ، فَصَارَ إِيمَانُ أَفْجَرِ النَّاسِ كَإِيمَانِ أَبِي بَكْرٍ!
القُطْبِيَّةُ وَالمُصْطَلَحَاتُ الحَرَكِيَّةُ: لَمْ يَضْبِطُوا لَفْظَ "الحَاكِمِيَّةِ" وَ"الجَاهِلِيَّةِ" بِضَوَابِطِ السَّلَفِ، فَاسْتَبَاحُوا تَكْفِيرَ المُجْتَمَعَاتِ.
الخُلَاصَةُ المَنْهَجِيَّةُ (بَصْمَةُ البَاحِثِ):
إِنَّ مِيزَةَ الضَّبْطِ هِيَ أَنَّهَا تَجْعَلُ الدِّينَ "قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ" فِيمَا يَجِبُ الِاعْتِقَادُ فِيهِ. فَالْمُصْطَلَحُ المُنْضَبِطُ هُوَ "السَّدُّ المَنِيعُ" الَّذِي يَمْنَعُ تَمْيِيعَ الدِّينِ أَوْ غُلُوَّهُ. فَالضَّبْطُ هُوَ العَدْلُ، وَالعَدْلُ هُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ.
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلْجُزْءِ الخَامِسِ]
[^1]: يُنْظَرُ: كِتَابُ الِإيمَانِ لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، حَيْثُ نَاقَشَ اسْتِعْمَالَ الأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَثَرَهَا فِي الحُكْمِ بِإِسْهَابٍ عِلْمِيٍّ مَدِينٍ.
[^2]: يُرَاجَعُ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، المُجَلَّدُ الأَوَّلُ (العَقِيدَةُ)، فِي تَأْصِيلِ الحَدِّ الجَامِعِ المَانِعِ لِلْمُصْطَلَحَاتِ.
[^3]: يُنْظَرُ: تَعْلِيقَاتُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي عَلَى كُتُبِ العَقِيدَةِ، فِي أَهَمِّيَّةِ الرُّجُوعِ لِلُّغَةِ فِي فَهْمِ مَسَائِلِ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ.
------------------------&
[تَتِمَّةُ الجُزْءِ الخَامِسِ: المُمَيِّزَاتُ العَظِيمَةُ لِضَبْطِ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ]
إِنَّ مِيزَةَ الضَّبْطِ لَيْسَتْ لَفْظِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ "صَمَّامُ أَمَانٍ" لِلْوُجُودِ الإِسْلَامِيِّ، وَنُجْمِلُ أَهَمَّ خَمْسَ عَشْرَةَ مِيزَةً فِيمَا يَلِي:
حِمَايَةُ الأُمَّةِ مِنَ التَّكْفِيرِ العَشْوَائِيِّ: حِينَ نَضْبِطُ لَفْظَ "الكُفْرِ" وَنُقَيِّدُهُ بِالشُّرُوطِ وَالمَوَانِعِ، نَمْنَعُ خُرُوجَ المُسْلِمِ مِنَ المِلَّةِ بِمُجَرَّدِ الذَّنْبِ، فَنَحْفَظُ دَمَهُ وَمَالَهُ.
قَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَى (التَّمْيِيعِ الدِّينِيِّ): الضَّبْطُ يَمْنَعُ إِدْخَالَ البِدَعِ تَحْتَ مُسَمَّى "التَّجْدِيدِ"، فَيَبْقَى الدِّينُ خَالِصًا كَمَا نَزَلَ.
تَحْقِيقُ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ بِعَدْلٍ: الضَّبْطُ يُعَلِّمُنَا أَنْ نُحِبَّ المُسْلِمَ لِمَا مَعَهُ مِنْ إِيمَانٍ وَنُبْغِضَهُ لِمَا مَعَهُ مِنْ مَعْصِيَةٍ، فَلَا نَبْتُرُ العَلَاقَةَ بِالكُلِّيَّةِ وَلَا نَمْنَحُ الحُبَّ المُطْلَقَ لِلْمُخَالِفِ.
صِيَانَةُ جَنَابِ التَّوْحِيدِ: ضَبْطُ لَفْظِ "الشِّرْكِ" يَمْنَعُ تَسْمِيَةَ عِبَادَةِ القُبُورِ "تَوَسُّلًا"، فَيَنْكَشِفُ الشِّرْكُ مَهْمَا تَخَفَّى وَرَاءَ الأَسْمَاءِ.
الِاسْتِقْرَارُ السِّيَاسِيُّ وَالِاجْتِمَاعِيُّ: ضَبْطُ مَفْهُومِ "وَلِيِّ الأَمْرِ" وَ"السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ" يَمْنَعُ الخُرُوجَ وَالفَوْضَى الَّتِي تُسِيلُ الدِّمَاءَ.
كَشْفُ تَلْبِيسِ أَهْلِ البِدَعِ: المِبْتَدِعُ يَعِيشُ عَلَى "الأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ"، وَالضَّبْطُ يُجْبِرُهُ عَلَى التَّحْدِيدِ، فَيَسْقُطُ قِنَاعُهُ.
تَوْحِيدُ مَصَادِرِ التَّلَقِّي: حِينَ نَضْبِطُ لَفْظَ "الأَثَرِ" وَ"السُّنَّةِ"، نَحْصُرُ التَّلَقِّيَ فِي المَعْصُومِ ﷺ، فَلَا يُقَدَّمُ قَوْلُ شَيْخٍ أَوْ زَعِيمٍ عَلَى قَوْلِهِ.
حِفْظُ عُقُولِ الشَّبَابِ مِنَ الِانْحِرَافِ: الضَّبْطُ يَمْنَحُ الشَّابَّ "قَاعِدَةً صَلْبَةً" فَلَا يَتَأَثَّرُ بِالشُّبَهَاتِ المُرَوَّجَةِ فِي القَنَوَاتِ أَوِ الكُتُبِ الحَرَكِيَّةِ.
تَحْقِيقُ العُبُودِيَّةِ الحَقَّةِ: ضَبْطُ مَفْهُومِ "العِبَادَةِ" يَجْعَلُ كُلَّ حَيَاةِ المُسْلِمِ لِلَّهِ، فَلَا يَنْفَصِلُ دِينُهُ عَنْ دُنْيَاهُ.
إِقَامَةُ الحُجَّةِ العِلْمِيَّةِ: الضَّبْطُ يُحَوِّلُ النِّقَاشَ مِنْ جَدَلٍ بِيغَنْطِيٍّ إِلَى حِقَائِقَ عِلْمِيَّةٍ يُذْعِنُ لَهَا المُنْصِفُ.
الفَصْلُ بَيْنَ (الخَطَأِ) وَ(الضَّلَالِ): الضَّبْطُ يُبَيِّنُ أَنَّ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ كَانَ مُبْتَدِعًا، فَنَحْفَظُ كَرَامَةَ العُلَمَاءِ المُنْصِفِينَ.
تَصْحِيحُ المَفَاهِيمِ المَغْلُوطَةِ عَنِ الجِهَادِ: ضَبْطُ لَفْظِ "الجِهَادِ" يَحْمِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ "إِرْهَابًا" أَوْ تَمْيِيعًا، فَيَبْقَى ذِرْوَةَ سَنَامِ الإِسْلَامِ بِشُرُوطِهِ.
حِفْظُ حُرْمَةِ الصَّحَابَةِ: ضَبْطُ لَفْظِ "الصَّحَابِيِّ" يَقْطَعُ لِسَانَ مَنْ يُرِيدُ نَقْدَهُمْ أَوْ تَجْرِيحَهُمْ بِنَاءً عَلَى أَهْوَاءٍ تَارِيخِيَّةٍ.
تَيْسِيرُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ: حِينَ يَكُونُ الدَّاعِي مَضْبُوطَ الأَلْفَاظِ، يَصِلُ كَلَامُهُ لِلْقُلُوبِ بِوُضُوحٍ دُونَ سُوءِ فَهْمٍ.
تَحْقِيقُ "الوَسَطِيَّةِ" الحَقِيقِيَّةِ: الضَّبْطُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُنَا بَيْنَ غُلُوِّ الخَوَارِجِ وَتَفْرِيطِ المُرْجِئَةِ، وَهِيَ مِيزَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
التَّحْقِيقُ الأَوْسَعُ لِأَقْوَالِ العُلَمَاءِ فِي مِيزَةِ ضَبْطِ الأَلْفَاظِ]
إِلَيْكَ تَفْصِيلُ أَقْوَالِ العُلَمَاءِ الأَرْبَعَةِ (ابْنِ عُثَيْمِينَ، الفَوْزَانِ، آل الشَّيْخِ، سِنْدِي) بِتَوَسُّعٍ وَتَحْقِيقٍ:
1. العَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِينَ (دِقَّةُ الفَقِيهِ وَأُصُولُ الضَّبْطِ):
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ أَنَّ "الِانْحِرَافَ فِي التَّصَوُّرِ يَبْدَأُ مِنَ الِانْحِرَافِ فِي التَّسْمِيَةِ"، وَيَفِيضُ فِي ذَلِكَ قَائِلًا:
«إِنَّ مِيزَةَ ضَبْطِ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ الَّتِي تَمْنَعُ خَلْطَ المَفَاهِيمِ؛ فَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمَّا خَاطَبَنَا بِالقُرْآنِ، خَاطَبَنَا بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فَمَنْ جَاءَ وَغَيَّرَ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ (كَالإِيمَانِ أَوِ التَّوْحِيدِ) إِلَى حَقِيقَةٍ اصْطِلَاحِيَّةٍ حَادِثَةٍ، فَقَدْ حَرَّفَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. وَانْظُرْ إِلَى مَسْأَلَةِ "التَّكْفِيرِ"؛ فَالَّذِينَ لَمْ يَضْبِطُوا لَفْظَ الكُفْرِ لُغَةً وَشَرْعًا، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ فِعْلِ الكُفْرِ وَوَصْفِ الكَافِرِ، وَلَمْ يَفْهَمُوا تَقْسِيمَ الشَّارِعِ لِلْكُفْرِ إِلَى أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ، هَؤُلَاءِ زَلَّتْ أَقْدَامُهُمْ فَاسْتَحَلُّوا الدِّمَاءَ المَعْصُومَةَ بِنَاءً عَلَى "أَسْمَاءٍ" لَمْ يُنَزِّلِ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ. فَالضَّبْطُ هُوَ الَّذِي يَحْمِي الأُمَّةَ مِنَ الفَوْضَى العَقَدِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَجْعَلُ لِلأَحْكَامِ قَوَاعِدَ ثَابِتَةً لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الأَهْوَاءِ أَوْ الزَّمَانِ.» [^1]
2. العَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانِ الفَوْزَانِ (حِرَاسَةُ العَقِيدَةِ بِالأَلْفَاظِ المُنْضَبِطَةِ):
يَتَوَسَّعُ الشَّيْخُ الفَوْزَانُ فِي بَيَانِ أَنَّ المُبْتَدِعَةَ يَتَسَتَّرُونَ خَلْفَ "الإِجْمَالِ"، وَأَنَّ مِيزَةَ السَّلَفِيِّ هِيَ "التَّفْصِيلُ وَالضَّبْطُ":
«لَا نَجَاةَ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ فَهْمُهُ لِلأَلْفَاظِ مُوَافِقًا لِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ. مِيزَةُ الضَّبْطِ عِنْدَنَا هِيَ الكَشَّافُ الَّذِي نَفْحَصُ بِهِ دَعَاوَى المُلَبِّسِينَ؛ فَالَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى "التَّقْرِيبِ بَيْنَ الأَدْيَانِ" أَوْ "وَحْدَةِ الأَدْيَانِ" إِنَّمَا لَعِبُوا بِأَلْفَاظِ (الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ) لِيَجْعَلُوهَا مَظَلَّةً لِلْكُفْرِ. وَكَذَلِكَ الحَرَكِيُّونَ، لَمَّا ضَعُفَ ضَبْطُهُمْ لِلَفْظِ "العِبَادَةِ" أَدْخَلُوا فِيهَا مِنَ السِّيَاسَةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، وَأَخْرَجُوا مِنْهَا لُبَّهَا وَهُوَ "التَّوْحِيدُ". إِنَّنَا حِينَ نُطَالِبُ بِالحَدِّ الجَامِعِ المَانِعِ لِكُلِّ اسْمٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنَّنَا نَبْنِي سِيَاجًا حَوْلَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَعْبَثَ بِهَا رِيَاحُ التَّجْهِيلِ. فَالضَّبْطُ اللَّفْظِيُّ هُوَ أَوَّلُ خُطُوَاتِ الدِّفَاعِ عَنِ السُّنَّةِ، وَمَنْ تَهَاوَنَ فِيهِ تَهَاوَنَ فِي أَصْلِ دِينِهِ.» [^2]
3. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ (تَحْقِيقُ المَصْطَلَحِ وَأَثَرُهُ فِي المَنْهَجِ):
يُفَصِّلُ الشَّيْخُ صَالِح آل الشَّيْخِ فِي مَسْأَلَةِ "الِاحْتِجَاجِ بِالأَسْمَاءِ" وَكَيْفَ أَنَّ عَدَمَ الضَّبْطِ أَوْرَثَ الشَّتَاتَ:
«إِنَّ المِيزَةَ العُظْمَى لِضَبْطِ الأَلْفَاظِ هِيَ مِيزَةُ "تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ"؛ فَأَكْثَرُ خِلَافَاتِ الفِرَقِ هِيَ خِلَافَاتٌ "لَفْظِيَّةٌ" فِي ظَاهِرِهَا، "عَقَدِيَّةٌ" فِي بَاطِنِهَا. فَمَثَلًا: لَفْظُ "التَّأْوِيلِ"؛ إِذَا لَمْ نَضْبِطْ مَعْنَاهُ عِنْدَ السَّلَفِ (بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ أَوْ المَآلِ) وَنُمَيِّزْهُ عَنْ مَعْنَى المُلْحِدِينَ (صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ)، فَقَدْ فَتَحْنَا بَابًا لِهَدْمِ الصِّفَاتِ الإِلَهِيَّةِ كُلِّهَا. إِنَّ ضَبْطَ الأَلْفَاظِ يَجْعَلُ بِنَاءَ العَقِيدَةِ بِنَاءً هَنْدَسِيًّا مُحْكَمًا، لَا يَدْخُلُهُ الخَلَلُ مِنْ جِهَةِ الِاحْتِمَالَاتِ. وَهَذَا هُوَ سِرُّ قُوَّةِ المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ؛ أَنَّهُ يَقُومُ عَلَى حَقَائِقَ، لَا عَلَى مَجَازَاتٍ وَأَوْهَامٍ اصْطِلَاحِيَّةٍ تُسْتَخْدَمُ لِتَمْيِيعِ الحَقِّ.» [^3]
4. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي (الضَّبْطُ العِلْمِيُّ وَحِمَايَةُ الأُمَّةِ):
يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِي مَسْأَلَةَ "التَّبَعُّضِ وَالتَّجَزُّؤِ" فِي الأَسْمَاءِ وَكَيْفَ حَمَتِ الأُمَّةَ مِنَ التَّكْفِيرِ:
«مِيزَةُ الضَّبْطِ اللَّفْظِيِّ تَظْهَرُ جَلِيَّةً فِي بَابِ "الأَسْمَاءِ وَالأَحْكَامِ"؛ حَيْثُ نَجِدُ أَنَّ مَنْ ضَبَطَ لَفْظَ "الإِيمَانِ" بِأَنَّهُ ذُو شُعَبٍ، كَمَا فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، اسْتَطَاعَ أَنْ يَفْهَمَ كَيْفَ يَجْتَمِعُ فِي العَبْدِ إِيمَانٌ وَفِسْقٌ، أَوْ إِيمَانٌ وَكُفْرٌ أَصْغَرُ. هَذَا الضَّبْطُ الدَّقِيقُ هُوَ الَّذِي مَنَعَ سُقُوطَ الأُمَّةِ فِي مَنْزَلِقِ الخَوَارِجِ الَّذِينَ قَالُوا: (إِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ كُلُّهُ). إِنَّنَا حِينَ نُدَقِّقُ فِي الِاشْتِقَاقِ وَفِي الحَدِّ الجَامِعِ المَانِعِ، نَحْنُ فِي الحَقِيقَةِ نَحْمِي (حَقِيقَةَ الدِّينِ) مِنْ أَنْ تَصِيرَ أُلْعُوبَةً فِي أَيْدِي المُسْتَهْزِئِينَ أَوِ الغُلَاةِ. فَالضَّبْطُ لَيْسَ جُمُودًا لُغَوِيًّا، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ عَقَدِيَّةٌ لِحِفْظِ هُوِيَّةِ الأُمَّةِ وَسَلَامَةِ مَنْهَجِهَا.» [^4]
تَحْقِيقُ البَاحِثِ (تَوْسِيعٌ فِي نُقْطَةِ التَّكْفِيرِ):
إِنَّ أَخْطَرَ مَا وَقَعَ فِيهِ المُبْتَدِعَةُ (مِثْلُ حَسَن البَنَّا وَسَيِّد قُطْب) هُوَ "عَدَمُ التَّقَيُّدِ بِالأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ المَضْبُوطَةِ".
فَقُطْبٌ اسْتَعَارَ لَفْظَ "الجَاهِلِيَّةِ" وَأَعْطَاهُ حَدًّا جَدِيدًا (تَكْفِيرُ المُجْتَمَعِ)، بَيْنَمَا الحَدُّ الشَّرْعِيُّ يَحْصُرُهَا فِي فِعْلٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ صِفَةٍ لَا تَسْتَلْزِمُ الكُفْرَ الأَكْبَرَ لِلْعَيْنِ.
وَالبَنَّا اسْتَعَارَ لَفْظَ "الإِخْوَانِ" وَأَعْطَاهُ حَدًّا حِزْبِيًّا ضَيِّقًا يَقُومُ عَلَى البَيْعَةِ لِلْمُرْشِدِ، بَيْنَمَا الحَدُّ الشَّرْعِيُّ لِلْأُخُوَّةِ هُوَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.
هَذَا "التَّلَاعُبُ بِالحُدُودِ" هُوَ الَّذِي هَدَمَ الحَوَاجِزَ وَأَوْصَلَ الأُمَّةَ لِمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ مِنَ الفِتَنِ.
[الحَاشِيَةُ المَرْجِعِيَّةُ لِلْجُزْءِ الخَامِسِ - التَّوَسُّعُ الثَّانِي]
[^1]: يُنْظَرُ: شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، لِلشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (ج 1، ص 45-50)، طَبْعَةُ دَارِ ابْنِ الجَوْزِيِّ.
[^2]: يُرَاجَعُ: مُحَاضَرَاتٌ فِي العَقِيدَةِ وَالدَّعْوَةِ، لِلشَّيْخِ صَالِح الفَوْزَانِ (المُجَلَّدُ الثَّانِي، مَبْحَثُ المَنَاهِجِ)، حَيْثُ أَطَالَ فِي رَبْطِ الضَّلَالِ بِتَرْكِ الضَّبْطِ اللَّفْظِيِّ.
[^3]: يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ مُحَاضَرَاتِ الشَّيْخِ صَالِح آل الشَّيْخِ (شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ، شَرْحُ الحَمَوِيَّةِ)، وَخُصُوصًا "مَقَدِّمَةُ ضَبْطِ المُصْطَلَحَاتِ".
[^4]: يُرَاجَعُ: شَرْحُ مَسَائِلِ الجَاهِلِيَّةِ، لِلشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي (الشَّرِيطُ الثَّانِي)، حَيْثُ حَقَّقَ فِيهِ مَسْأَلَةَ "الِاسْمِ وَالحُكْمِ" بِتَوَسُّعٍ كَبِيرٍ.
-----------------------&
[المَبْحَثُ العَاشِرُ - الجُزْءُ السَّادِسُ: التَّشْرِيحُ المُسْتَقْصَى لِلأَلْفَاظِ الُمحْكَمَةِ (المَجْمُوعَةُ الأُولَى)]
1. لَفْظُ (التَّوْحِيدِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مَادَّتُهُ (و ح د)، وَهُوَ مَصْدَرُ الفِعْلِ "وَحَّدَ" يُوَحِّدُ تَوْحِيدًا، أَيْ جَعَلَ الشَّيْءَ وَاحِدًا. وَفِي لِسَانِ العَرَبِ: الوَاحِدُ هُوَ المُنْفَرِدُ الَّذِي لَا قَسِيمَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ "أَوْحَدُ زَمَانِهِ" أَيْ مُنْفَرِدٌ بِفَضْلِهِ. وَالتَّوْحِيدُ لَا يَتَحَقَّقُ لُغَةً إِلَّا بِـ "نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ"؛ فَهُوَ إِثْبَاتُ الوَحْدَانِيَّةِ لِلْمُوَحَّدِ مَعَ نَفْيِهَا عَمَّا سِوَاهُ، كَمَا فِي قَوْلِنَا "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، فَـ "لَا إِلَهَ" نَفْيٌ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ، وَ"إِلَّا اللهُ" إِثْبَاتٌ لَهُ وَحْدَهُ، وَهَذَا جَوْهَرُ الِانْفِرَادِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(إِفْرَادُ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ، وَأُلُوهِيَّتِهِ، وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِأَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي اسْتَقْرَأَهَا السَّلَفُ مِنَ الوَحْيِ، فَلَمْ يَتْرُكْ جُزْءًا مِنْ حَقِّ اللهِ إِلَّا أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الشُّمُولِ. وَهُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ شِرْكِ المُشْرِكِينَ فِي الأُلُوهِيَّةِ، وَمَانِعٌ لِتَعْطِيلِ الجَهْمِيَّةِ فِي الصِّفَاتِ، كَمَا يَمْنَعُ صَرْفَ أَيِّ خِصِّيصَةٍ رُبُوبِيَّةٍ لِغَيْرِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ، فَمَا جَعَلَ اللهُ لَهُ خَاصِّيَّةً فِيهِ امْتَنَعَ شَرْعًا أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ.
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
يَرَى البَاحِثُ أَنَّ التَّوْحِيدَ لَيْسَ جَدَلًا عَقْلِيًّا أَوْ قَوَاعِدَ مَحْفُوظَةً، بَلْ هُوَ "حَرَكَةُ حَيَاةٍ" وَمَنْهَجُ تَحْرِيرٍ شَامِلٍ لِلْبَشَرِيَّةِ. فَمَنْ وَحَّدَ اللهَ حَقَّ التَّوْحِيدِ تَحَرَّرَ مِنْ عُبُودِيَّةِ الهَوَى، وَسُلْطَةِ الطَّوَاغِيتِ، وَخَوْفِ المَخْلُوقِينَ. إِنَّ المَأْزِقَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الأُمَّةُ هُوَ "تَجْزِئَةُ التَّوْحِيدِ"؛ بِحَيْثُ يُقِرُّونَ بِهِ فِي المَسَاجِدِ وَيَنْقُضُونَهُ فِي التَّشْرِيعِ أَوْ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ، وَالحَقُّ أَنَّ التَّوْحِيدَ كُلٌّ لَا يَتَجَزَّأُ، يَبْدَأُ مِنَ الضَّمِيرِ وَيَنْتَهِي بِحُكْمِ البَسِيطَةِ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ:
التَّوْحِيدُ فِي المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ هُوَ "تَوْحِيدُ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ"، وَهُوَ يَقُومُ عَلَى الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ، لَا قَسِيمَ لَهُ، وَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ لَا شَبِيهَ لَهُ، وَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَيَتَعَمَّقُ هَذَا التَّحْقِيقُ فِي بَيَانِ أَنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ (وَهُوَ الإِقْرَارُ بِالخَلْقِ وَالرِّزْقِ) لَا يَكْفِي لِدُخُولِ الإِسْلَامِ بِمُفْرَدِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ (وَهُوَ إِفْرَادُهُ بِالعِبَادَةِ)، مَعَ إِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ مِنْ صِفَاتِ الكَمَالِ دُونَ تَحْرِيفٍ أَوْ تَعْطِيلٍ. فَالرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ الصَّافِيَةُ هِيَ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ "الإِثْبَاتِ" لِلْمَعَانِي وَ"التَّفْوِيضِ" لِلْكَيْفِيَّاتِ، مَعَ جَعْلِ الإِرَادَةِ وَالقَصْدِ خَالِصَيْنِ لِوَجْهِ اللهِ، وَهَذَا هُوَ حَقُّ اللهِ الوَاجِبُ عَلَى العَبِيدِ الَّذِي لَا نَجَاةَ إِلَّا بِهِ.
2. لَفْظُ (الإِيمَانِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (أ م ن)، وَأَصْلُهُ السُّكُونُ وَالاطْمِئْنَانُ، وَهُوَ ضِدُّ الخَوْفِ. يُقَالُ: "آمَنَهُ" أَيْ جَعَلَهُ فِي أَمْنٍ. وَفِي الِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ يَأْتِي بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ، لَكِنَّهُ تَصْدِيقٌ خَاصٌّ مَقْرُونٌ بِالثِّقَةِ وَالقَبُولِ. وَقَدْ نَبَّهَ شَيْخُ الإِسْلَامِ إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ مُرَادِفًا لِلتَّصْدِيقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ فَالتَّصْدِيقُ يُقَالُ فِي كُلِّ خَبَرٍ، أَمَّا الإِيمَانُ فَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الإِخْبَارِ عَنِ الأُمُورِ الغَائِبَةِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الأَمَانَةِ، وَلِذَا يَتَعَدَّى بِاللَّامِ وَبِالبَاءِ، فَيُقَالُ: آمَنَ لَهُ، وَآمَنَ بِهِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(قَوْلُ القَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ القَلْبِ وَالجَوَارِحِ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالعِصْيَانِ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِجَمِيعِ أَرْكَانِ الدِّينِ (البَاطِنَة وَالظَّاهِرَة)، فَأَدْخَلَ "العَمَلَ" فِي صَمِيمِ مُسَمَّى الإِيمَانِ وَلَيْسَ ثَمَرَةً خَارِجَةً عَنْهُ. وَهُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ قَوْلِ المُرْجِئَةِ (الَّذِينَ أَخْرَجُوا الأَعْمَالَ عَنِ الإِيمَانِ)، وَمَانِعٌ لِقَوْلِ الجَهْمِيَّةِ (الَّذِينَ حَصَرُوهُ فِي المَعْرِفَةِ)، كَمَا يَمْنَعُ قَوْلَ الخَوَارِجِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ زِيَادَتَهُ وَنُقْصَانَهُ بَلْ يَجْعَلُونَهُ كُتْلَةً وَاحِدَةً إِذَا ذَهَبَ بَعْضُهَا ذَهَبَ كُلُّهَا.
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
يَرَى البَاحِثُ أَنَّ خُطُورَةَ "الإِرْجَاءِ" فِي العَصْرِ الحَدِيثِ كَمَنَتْ فِي فَصْلِ "القِيَمِ" عَنِ "السُّلُوكِ"؛ فَأَصْبَحَ المَرْءُ يَدَّعِي الإِيمَانَ وَهُوَ يُحَادُّ اللهَ فِي أَعْمَالِهِ. إِنَّ الإِيمَانَ الحَقَّ هُوَ الَّذِي يُوَلِّدُ "قُوَّةَ التَّنْفِيذِ"؛ فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي القَلْبِ طَلَبَ العَمَلَ بِالجَوَارِحِ ضَرُورَةً. مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا كَامِلَ الإِيمَانِ وَهُوَ تَارِكٌ لِجِنْسِ العَمَلِ، فَقَدْ جَهِلَ طَبِيعَةَ هَذَا الدِّينِ الَّذِي جَاءَ لِيُغَيِّرَ وَجْهَ الأَرْضِ بِالفِعْلِ لَا بِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ:
الإِيمَانُ عِنْدَ السَّلَفِ حَقِيقَةٌ مٌرَكَّبَةٌ مِنْ خَمْسَةِ أُمُورٍ: قَوْلُ القَلْبِ (المَعْرِفَة)، وَقَوْلُ اللِّسَانِ (النُّطْق)، وَعَمَلُ القَلْبِ (النِّيَّة وَالإِخْلَاص)، وَعَمَلُ الجَوَارِحِ (الأَفْعَال)، وَاعْتِقَادُ التَّفَاضُلِ (الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان). وَيَتَعَمَّقُ هَذَا التَّحْقِيقُ فِي بَيَانِ "التَّلَازُمِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ"؛ فَلَا يَتَصَوَّرُ الشَّرْعُ قَلْبًا مَلِيئًا بِالإِيمَانِ مَعَ جَوَارِحَ خَالِيَةٍ مِنَ الطَّاعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ البَاطِنِ وَمُوجَبُهُ. وَمِنْ رَكِيزَةِ هَذَا التَّحْقِيقِ أَنَّ الإِيمَانَ لَهُ "أَصْلٌ" لَا يَنْجُو العَبْدُ إِلَّا بِهِ، وَلَهُ "كَمَالٌ وَاجِبٌ" يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، وَ"كَمَالٌ مُسْتَحَبٌّ" يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ تَنْكَشِفُ شُبَهَاتُ المُبْطِلِينَ مِنْ غُلَاةِ التَّكْفِيرِ أَوْ دُعَاةِ التَّحَلُّلِ.
3. لَفْظُ (العِبَادَةِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (ع ب د)، وَأَصْلُهُ الذُّلُّ وَالخُضُوعُ. يُقَالُ: "طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ" إِذَا ذَلَّلَتْهُ الأَقْدَامُ بِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ، وَ"بَعِيرٌ مُعَبَّدٌ" أَيْ مُذَلَّلٌ لِلرُّكُوبِ وَالعَمَلِ. وَالعِبَادَةُ فِي لُغَةِ العَرَبِ تَعْنِي الطَّاعَةَ مَعَ الخُضُوعِ وَالِانْقِيَادِ. وَتُسَمِّي العَرَبُ العَبْدَ عَبْدًا لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مَقْهُورٌ لِإِرَادَةِ سَيِّدِهِ، فَهِيَ مَادَّةٌ تَدُورُ حَوْلَ "تَسْلِيمِ القِيَادِ" وَنَفْيِ الكِبْرِ وَالتَّمَرُّدِ عَنِ النَّفْسِ تِجَاهَ المَعْبُودِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِأَنَّهُ شَمَلَ نِيَّاتِ القُلُوبِ، وَأَذْكَارَ اللِّسَانِ، وَأَفْعَالَ الأَبْدَانِ، بَلْ وَالعَادَاتِ إِذَا صَحِبَتْهَا النِّيَّةُ. وَهُوَ مَانِعٌ لِأَنْ يَكُونَ لِلْهَوَى أَوْ البِدْعَةِ نَصِيبٌ فِي الدِّينِ؛ فَمَا لَا يُحِبُّهُ اللهُ (كَالبِدَعِ وَالمَعَاصِي) خَرَجَ عَنْ مَسَمَّى العِبَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ، مَهْمَا كَانَ فِيهَا مِنْ جُهْدٍ أَوْ تَعَبٍ أَوْ تَبَتُّلٍ.
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
يَرَى البَاحِثُ أَنَّ مَفْهُومَ العِبَادَةِ تَعَرَّضَ لِـ "عَمَلِيَّةِ حَصْرٍ" ظَالِمَةٍ فِي مَحْضِ الشَّعَائِرِ (صَلَاة، صِيَام)، بَيْنَمَا العِبَادَةُ فِي حَقِيقَتِهَا هِيَ "شُمُولُ الِاسْتِجَابَةِ" لِكُلِّ أَمْرٍ إِلَهِيٍّ. فَالرَّجُلُ فِي مَتْجَرِهِ مُتَعَبِّدٌ بِالعَدْلِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا مُتَعَبِّدَةٌ بِرِعَايَةِ أَمَانَتِهَا، وَالحَاكِمُ فِي شَعْبِهِ مُتَعَبِّدٌ بِإِقَامَةِ الشَّرْعِ. مَنْ فَصَلَ العِبَادَةَ عَنْ مَيَادِينِ الحَيَاةِ، فَقَدْ جَعَلَ الدِّينَ جُثَّةً هَامِدَةً، وَالحَقُّ أَنَّ العِبَادَةَ هِيَ الوَجْهُ الآخَرُ لِلْخِلَافَةِ فِي الأَرْضِ، وَهِيَ سِرُّ الِانْتِصَارِ فِي كُلِّ مَعْرَكَةٍ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ:
العِبَادَةُ فِي التَّصَوُّرِ السَّلَفِيِّ تَقُومُ عَلَى "كَمَالِ الحُبِّ مَعَ كَمَالِ الذُّلِّ". وَيَتَعَمَّقُ هَذَا التَّحْقِيقُ فِي بَيَانِ أَنَّ العِبَادَةَ لَهَا رُكْنَانِ أَسَاسِيَّانِ: الإِخْلَاصُ لِلَّهِ (مُقْتَضَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، وَالمُتَابَعَةُ لِلرَّسُولِ ﷺ (مُقْتَضَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ). فَأَيُّ عَمَلٍ فَقَدَ الإِخْلَاصَ فَهُوَ شِرْكٌ، وَأَيُّ عَمَلٍ فَقَدَ المُتَابَعَةَ فَهُوَ بِدْعَةٌ مَرْدُودَةٌ. وَتَنْقَسِمُ العِبَادَةُ إِلَى "كَوْنِيَّةٍ" يَشْتَرِكُ فِيهَا الخَلْقُ جَمِيعًا بِالاضْطِرَارِ، وَ"شَرْعِيَّةٍ" يَخْتَصُّ بِهَا المُؤْمِنُونَ بِالِاخْتِيَارِ، وَهِيَ المَقْصُودَةُ بِالثَّوَابِ وَالعِقَابِ. فَالرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ تَجْعَلُ العِبَادَةَ غَايَةَ الوُجُودِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي صَرْفُ أَدْنَى جُزْءٍ مِنْهَا لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ أَوْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فَضْلًا عَنْ ضَرِيحٍ أَوْ وَلِيٍّ.
4. لَفْظُ (السُّنَّةِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (س ن ن)، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ وَالسِّيرَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَسَنَةً أَوْ قَبِيحَةً. يُقَالُ: "سَنَّ المَاءَ" إِذَا صَبَّهُ صَبًّا مُتَتَابِعًا حَتَّى يَتَسَلْسَلَ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الطَّرِيقَةُ سُنَّةً لِتَتَابُعِ الخُطَى عَلَيْهَا. وَفِي الحَدِيثِ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً..." أَيْ ابْتَدَأَ طَرِيقَةً لِلْعَمَلِ لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهَا. وَالسُّنَّةُ فِي كَلَامِ العَرَبِ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الوَجْهِ وَدَائِرَتِهِ، وَسُنَّةُ اللهِ هِيَ عَادَتُهُ فِي خَلْقِهِ وَطَرِيقَتُهُ فِي نُصْرَةِ أَوْلِيَائِهِ وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عِلْمًا وَاعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصُرِ السُّنَّةَ عَلَى النَّوَافِلِ كَمَا فَعَلَ الفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِهِمْ، بَلْ جَعَلَهَا مَنْهَجَ الدِّينِ كُلِّهِ. وَهُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ كُلِّ مَا أُحْدِثَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِمَّا يُخَالِفُ هَدْيَهُمْ، كَمَا يَمْنَعُ "تَقْزِيمَ" السُّنَّةِ فِي مُجَرَّدِ "أَقْوَالِ" الرَّسُولِ، بَلْ أَدْخَلَ فِيهَا صِفَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ وَتَقْرِيرَاتِهِ وَفَهْمَ أَصْحَابِهِ لَهَا.
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
يُشِيرُ البَاحِثُ إِلَى أَنَّ مَفْهُومَ "السُّنَّةِ" تَعَرَّضَ لِطَعْنَتَيْنِ: طَعْنَةِ "التَّهْوِينِ" حَيْثُ جُعِلَتْ أَمْرًا ثَانَوِيًّا لَا يُحَاسَبُ تَارِكُهُ، وَطَعْنَةِ "التَّحْرِيفِ" حَيْثُ أُرِيدَ فَصْلُهَا عَنْ فَهْمِ الصَّحَابَةِ بِدَعْوَى "تَجْدِيدِ الخِطَابِ". إِنَّ السُّنَّةَ هِيَ "السِّيَاجُ الحَامِي" لِلْقُرْآنِ؛ فَمَنْ فَقَدَ السُّنَّةَ تَاهَ فِي مَتَاهَاتِ التَّأْوِيلِ البَاطِنِيِّ وَالعَقْلِيِّ. السُّنَّةُ هِيَ "التَّطْبِيقُ المَعْصُومُ" لِلْوَحْيِ، وَلَا اسْتِقَامَةَ لِمَنْهَجٍ يَرَى فِي سُنَنِ العِبَادَاتِ وَاللِّبَاسِ وَالخُلُقِ أُمُورًا قِشْرِيَّةً، فَالدِّينُ لَا قِشْرَ فِيهِ بَلْ كُلُّهُ لُبٌّ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ:
السُّنَّةُ فِي عُرْفِ السَّلَفِ تُرَادِفُ "العَقِيدَةَ" وَ"الشَّرِيعَةَ" مَعًا، وَلِذَا سَمَّوا كُتُبَهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ "كُتُبَ السُّنَّةِ". وَيَتَعَمَّقُ هَذَا التَّحْقِيقُ فِي بَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ وَحْيٌ ثَانٍ، فَلَا يَجُوزُ رَدُّهَا بِالعَقْلِ، وَلَا بِمُعَارَضَةِ القُرْآنِ (لِأَنَّ السُّنَّةَ شَارِحَةٌ لَهُ)، وَلَا بِمَذَاهِبِ الرِّجَالِ. وَمِنْ رَكِيزَةِ هَذَا التَّحْقِيقِ أَنَّ "سُنَّةَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ" مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهَا بِنَصِّ الحَدِيثِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ سَبِيلَ الصَّحَابَةِ هُوَ المِعْيَارُ لِمَعْرِفَةِ السُّنَّةِ الحَقَّةِ مِنَ البِدْعَةِ المٌتَسَتِّرَةِ. فَالرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ تَرَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، لِعِظَمِ الغُرْبَةِ وَشِدَّةِ المُخَالَفَةِ.
5. لَفْظُ (الشِّرْكِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (ش ر ك)، وَأَصْلُهُ الِاخْتِلَاطُ وَالنَّصِيبُ وَالمُسَاوَاةُ. يُقَالُ: "أَشْرَكَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي مِلْكِهِ" إِذَا جَعَلَهُ شَرِيكًا فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ وَاحِدًا. وَالشِّرْكَةُ هِيَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِحُقُوقٍ مُتَسَاوِيَةٍ أَوْ مُتَفَاوِتَةٍ. وَفِي لُغَةِ العَرَبِ: "شِرَاكُ النَّعْلِ" هُوَ السَّيْرُ الَّذِي يُشَارِكُ القَدَمَ فِي مَحَلِّهَا. فَالشِّرْكُ لُغَةً يُنَافِي الِانْفِرَادَ وَيَقْتَضِي التَّعَدُّدَ فِيمَا حَقُّهُ أَنْ يَكُونَ لِوَاحِدٍ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(مُسَاواةُ غَيْرِ اللهِ بِاللهِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ اللهِ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ (الأَكْبَر وَالأَصْغَر وَالخَفِي)، وَفِي جَمِيعِ المَجَالَاتِ (الرُّبُوبِيَّة وَالأُلُوهِيَّة وَالأَسْمَاء وَالصِّفَات). وَهُوَ مَانِعٌ لِتَبْرِيرِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ الَّذِينَ يُسَمُّونَ الشِّرْكَ بِغَيْرِ اسْمِهِ (كالتَّوَسُّلِ المَمْنُوعِ أَوْ التَّعْظِيمِ)، لِأَنَّ "المُسَاوَاةَ" فِي "الخَصِيصَةِ" هِيَ المِعْيَارُ، سَوَاءٌ سُمِّيَتْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ تُسَمَّ.
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
يُحَذِّرُ البَاحِثُ مِنْ ظَنِّ كَثِيرِينَ أَنَّ الشِّرْكَ هُوَ فَقَطْ "السُّجُودُ لِصَنَمٍ"، بَيْنَمَا الشِّرْكُ الحَدِيثُ أَكْثَرُ نُعُومَةً وَخَطَرًا؛ فَمِنْهُ شِرْكُ "الطَّاعَةِ" لِلأَنْظِمَةِ الَّتِي تُحِلُّ الحَرَامَ، وَشِرْكُ "المَحَبَّةِ" الَّتِي تُقَدِّمُ مَحْبُوبَاتِ النَّفْسِ عَلَى مَحَابِّ اللهِ. إِنَّ الشِّرْكَ هُوَ "تَعْطِيلُ المُرَادِ الإِلَهِيِّ" لِحِسَابِ مُرَادٍ بَشَرِيٍّ. فَمَنْ نَحَّى شَرِيعَةَ اللهِ وَقَدَّمَ قَانُونًا وَضْعِيًّا، فَقَدْ سَاوَى المَخْلُوقَ بِالخَالِقِ فِي خَصِيصَةِ "التَّشْرِيعِ"، وَهَذَا لُبُّ الشِّرْكِ وَإِنْ زَعَمَ صَاحِبُهُ التَّوْحِيدَ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ:
الشِّرْكُ فِي المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ هُوَ "أَظْلَمُ الظُّلْمِ"، لِأَنَّهُ وَضْعٌ لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. وَيَتَعَمَّقُ هَذَا التَّحْقِيقُ فِي بَيَانِ الفَرْقِ الدَّقِيقِ بَيْنَ "الشِّرْكِ الأَكْبَرِ" المٌخْرِجِ مِنَ المِلَّةِ (وَهُوَ صَرْفُ أَصْلِ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ)، وَ"الشِّرْكِ الأَصْغَرِ" (كَاليَسِيرِ مِنَ الرِّيَاءِ وَالحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ) الَّذِي لَا يُخْرِجُ لَكِنَّهُ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ. وَمِنْ رَكِيزَةِ هَذَا التَّحْقِيقِ أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ إِلَّا بِتَوْبَةٍ، وَأَنَّهُ يُحْبِطُ العَمَلَ، وَأَنَّ المُشْرِكَ قَدْ يُوَحِّدُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ (كَكُفَّارِ قُرَيْشٍ) وَيُشْرِكُ فِي الأُلُوهِيَّةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ وَحْدَهَا لَا تَعْصِمُ مِنَ الشِّرْكِ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا الِافْتِقَارُ التَّامُّ وَتَجْرِيدُ الِاتِّبَاعِ. الرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ تَسُدُّ جَمِيعَ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ نُصْحًا لِلأُمَّةِ وَحِمَايَةً لِجَنَابِ التَّوْحِيدِ.
6. لَفْظُ (الإِحْسَانِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (ح س ن)، وَهُوَ ضِدُّ القُبْحِ وَالسُّوءِ. وَالإِحْسَانُ مَصْدَرُ "أَحْسَنَ"، وَلَهُ مَعْنَيَانِ لُغَةً: إِحْسَانٌ إِلَى الغَيْرِ بِمَعْنَى بَذْلِ المَعْرُوفِ وَالنَّفْعِ المَادِّيِّ أَوْ المَعْنَوِيِّ، وَإِحْسَانٌ فِي العَمَلِ بِمَعْنَى "الإِتْقَانِ" وَإِيصَالِ الفِعْلِ إِلَى غَايَتِهِ فِي الجَوْدَةِ. يُقَالُ: "أَحْسَنَ الصَّانِعُ صَنْعَتَهُ" إِذَا جَعَلَهَا حَسَنَةً فِي ذَاتِهَا وَمَنْفَعَتِهَا. وَفِي كَلَامِ العَرَبِ: "الحُسْنَى" هِيَ العَاقِبَةُ الطَّيِّبَةُ وَالمَنْزِلَةُ الرَّفِيعَةُ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِمَرْتَبَتَيِ الإِحْسَانِ: "مَقَامُ المُشَاهَدَةِ" لِلأَقْوِيَاءِ (كَأَنَّكَ تَرَاهُ)، وَ"مَقَامُ المُرَاقَبَةِ" لِعَامَّةِ السَّالِكِينَ (فَإِنَّهُ يَرَاكَ). وَهُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ العِبَادَةِ الَّتِي تُؤَدَّى بِجَسَدٍ بِلَا رُوحٍ، كَمَا يَمْنَعُ ضَلَالَ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الإِحْسَانَ "فَنَاءً" أَوْ "اتِّحَادًا"؛ بَلْ هُوَ "مُرَاقَبَةٌ" لِلْخَالِقِ المُنْفَصِلِ عَنْ خَلْقِهِ بَيْنَمَا هُوَ مَعَهُمْ بِعِلْمِهِ.
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
يَرَى البَاحِثُ أَنَّ الإِحْسَانَ هُوَ "سِرُّ التَّفَوُّقِ الحَضَارِيِّ" لِلْمُسْلِمِ؛ فَالَّذِي يَسْتَشْعِرُ رُؤْيَةَ اللهِ لَهُ لَا يَغِشُّ فِي بِضَاعَةٍ، وَلَا يَخُونُ فِي أَمَانَةٍ، وَلَا يَتَقَاعَسُ عَنْ نُصْرَةِ مَظْلُومٍ. الإِحْسَانُ هُوَ الَّذِي يُحَوِّلُ الدِّينَ مِنْ "تَكَالِيفَ ثَقِيلَةٍ" إِلَى "أَشْوَاقٍ قَلْبِيَّةٍ". مَنْ فَقَدَ الإِحْسَانَ صَارَ "مُوَظَّفًا" فِي الدِّينِ يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ لِيُسْقِطَ الوَاجِبَ فَقَطْ، أَمَّا المٌحْسِنُ فَهُوَ "عَاشِقٌ لِلْكَمَالِ" يَطْلُبُ رِضَا مَوْلَاهُ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ:
الإِحْسَانُ فِي مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ "أَعْلَى مَرَاتِبِ الدِّينِ" الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ لَا يُنَالُ إِلَّا بَعْدَ تَحْقِيقِ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ. وَيَتَعَمَّقُ هَذَا التَّحْقِيقُ فِي بَيَانِ أَنَّ الإِحْسَانَ لَهُ "رُكْنٌ وَاحِدٌ" لَهُ وَجْهَانِ، وَهُوَ "المُرَاقَبَةُ الدَّائِمَةُ". الرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ الصَّافِيَةُ تَرَى أَنَّ الإِحْسَانَ يُوجِبُ "تَحْقِيقَ الإِخْلَاصِ" فِي أَعْلَى صُوَرِهِ، فَلَا يَلْتَفِتُ القَلْبُ لِغَيْرِ اللهِ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا. وَمِنْ ثَمَرَاتِ هَذَا التَّحْقِيقِ أَنَّ المُحْسِنَ هُوَ أَشَدُّ النَّاسِ حَذَرًا مِنَ البِدَعِ، لِأَنَّ "المُتَابَعَةَ" جُزْءٌ مِنْ إِحْسَانِ العَمَلِ لِلَّهِ. هَذَا المَقَامُ هُوَ الَّذِي يَنْفِي "الغَفْلَةَ" وَيُورِثُ "اليَقِينَ"، وَبِهِ يَكُونُ العَبْدُ رَبَّانِيًّا مُبَارَكًا أَيْنَمَا كَانَ.
7. لَفْظُ (النِّفَاقِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (ن ف ق)، وَأَصْلُهُ مِنَ "النَّافِقَاءِ"، وَهِيَ إِحْدَى جُحُورِ اليَرْبُوعِ، لَهُ مَخْرَجانِ: إِحْدَاهُمَا تُسَمَّى "القَاصِعَاءَ" يُظْهِرُهَا، وَالأُخْرَى "النَّافِقَاءَ" يَكْتُمُهَا، فَإِذَا طُلِبَ مِنْ قِبَلِ القَاصِعَاءِ خَرَجَ مِنَ النَّافِقَاءِ. وَقِيلَ مِنَ "النَّفَقِ" وَهُوَ السِّرْدَابُ الَّذِي يَسْتَتِرُ فِيهِ. فَالمُنَافِقُ فِي لُغَةِ العَرَبِ هُوَ الَّذِي لَهُ وَجْهَانِ وَمَدْخَلَانِ، يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ، وَيَسْلُكُ طُرُقًا مُلْتَوِيَةً لِلتَّخَفِّي عَنِ العُيُونِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(إِظْهَارُ الخَيْرِ وَإِبْطَانُ الشَّرِّ، وَهُوَ نَوْعَانِ: اعْتِقَادِيٌّ مٌخْرِجٌ، وَعَمَلِيٌّ غَيْرُ مُخْرِجٍ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِحَالِ "الزَّنَادِقَةِ" الَّذِينَ يُبْطِنُونَ الكُفْرَ، وَحَالِ "العُصَاةِ" الَّذِينَ يَتَخَلَّقُونَ بِأَخْلَاقِ المُنَافِقِينَ (كَالكَذِبِ وَالغَدْرِ). وَهُوَ مَانِعٌ لِتَكْفِيرِ "المُنَافِقِ نِفَاقًا عَمَلِيًّا" لِقَوْلِهِ "غَيْر مُخْرِج"، كَمَا يَمْنَعُ عُذْرَ "المُنَافِقِ الاعْتِقَادِيِّ" مَهْمَا أَظْهَرَ مِنَ الصَّلَاحِ لِقَوْلِهِ "مٌخْرِج".
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
يَرَى البَاحِثُ أَنَّ النِّفَاقَ فِي زَمَانِنَا صَارَ "مُؤَسَّسِيًّا" وَ"إِعْلَامِيًّا"؛ حَيْثُ تُرْفَعُ شِعَارَاتُ (الدِّيمُقْرَاطِيَّة، الحُرِّيَّة، السَّلَام) وَتُبْطَنُ أَهْدَافُ المَكْرِ بِالإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. إِنَّ المُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي العَدُوِّ الصَّرِيحِ، بَلْ فِي "طَابُورِ المُنَافِقِينَ" الَّذِينَ يَعِيشُونَ بَيْنَنَا بَأَسْمَائِنَا، يُخَذِّلُونَ عَنِ الحَقِّ وَيُزَيِّنُونَ البَاطِلَ. مَنْ لَمْ يَفْهَمْ "سِيكُولُوجِيَّةَ المُنَافِقِ" كَمَا رَسَمَهَا القُرْآنُ، خُدِعَ بِبَرِيقِ أَلْسِنَتِهِمُ الَّتِي تَقْطُرُ شَهْدًا وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ:
النِّفَاقُ الاعْتِقَادِيُّ فِي المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ هُوَ "الكُفْرُ الأَكْبَرُ"، وَصَاحِبُهُ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الكُفْرِ وَالخِدَاعِ. وَيَتَعَمَّقُ هَذَا التَّحْقِيقُ فِي بَيَانِ صِفَاتِ المُنَافِقِينَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ وَالتَّوْبَةِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا: بُغْضُ ظُهُورِ الدِّينِ، وَالفَرَحُ بِهَزِيمَةِ المُؤْمِنِينَ، وَالِاحْتِكَامُ إِلَى غَيْرِ الشَّرْعِ. أَمَّا "النِّفَاقُ العَمَلِيُّ" فَهُوَ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ تُخْشَى عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ تَجُرَّهُ إِلَى الأَكْبَرِ. الرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ تَجْعَلُ المُؤْمِنَ دَائِمَ الوَجَلِ مِنَ النِّفَاقِ (كَمَا كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا)، لِأَنَّ خِدَاعَ النَّفْسِ أَسْهَلُ مِنْ خِدَاعِ النَّاسِ، وَلَا يَأْمَنُ النِّفَاقَ إِلَّا مَنْ جَهِلَ حَقِيقَةَ تَقَلُّبِ القُلُوبِ.
8. لَفْظُ (الظُّلْمِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (ظ ل م)، وَأَصْلُهُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُخَصَّصِ لَهُ. يُقَالُ: "أَرْضٌ مَظْلُومَةٌ" إِذَا حُفِرَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الحَفْرِ، وَ"ظَلَمَ السِّقَاءَ" إِذَا شَرِبَ لَبَنَهُ قَبْلَ أَنْ يَرُوبَ. وَالظَّلَامُ ضِدُّ النُّورِ لِأَنَّهُ يَحْجِبُ رُؤْيَةَ الأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ وَضْعُهَا فِي العَقْلِ خِلَافَ الوَاقِعِ. فَالظُّلْمُ لُغَةً يُفِيدُ الجَوْرَ وَالتَّعَدِّيَ وَمُجَاوَزَةَ الحَدِّ المَرْسُومِ لُغَةً أَوْ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(التَّجَاوُزُ عَنْ حُدُودِ اللهِ، وَأَعْظَمُهُ الشِّرْكُ، ثُمَّ ظُلْمُ النَّفْسِ بِالمَعَاصِي، ثُمَّ ظُلْمُ العِبَادِ بِالعُدْوَانِ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِكُلِّ صُوَرِ "الجَوْرِ" بَيْنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ، فَبَدَأَ بِـ "ظُلْمِ التَّوْحِيدِ" قَبْلَ "ظُلْمِ الأَمْوَالِ". وَهُوَ مَانِعٌ لِقَصْرِ الظُّلْمِ عَلَى "الجَانِبِ المَادِّيِّ" فَقَطْ
--------------------------&
[تَتِمَّةُ المَبْحَثِ العَاشِرِ - المَجْمُوعَةُ الثَّانِيَةُ: التَّشْرِيحُ المُسْتَقْصَى لِلأَلْفَاظِ الُمحْكَمَةِ]
11. لَفْظُ (الخِلَافَةِ / الإِمَامَةِ العُظْمَى)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مَادَّتُهُ (خ ل ف)، وَأَصْلُهُ أَنْ يَجِيءَ شَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ فَيَقُومَ مَقَامَهُ. يُقَالُ: "خَلَفَهُ خِلَافَةً" إِذَا كَانَ نَائِبًا عَنْهُ أَوْ جَاءَ بَعْدَهُ. وَفِي التَّنْزِيلِ: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ}. أَمَّا الإِمَامَةُ فَمِنْ (أ م م)، وَأَصْلُهُ القَصْدُ وَالتَّصَدُّرُ؛ فَالإِمَامُ هُوَ الَّذِي يُقْصَدُ لِاتِّبَاعِهِ وَيَتَقَدَّمُ الرَّعِيَّةَ كَمَا يَتَقَدَّمُ إِمَامُ الصَّلَاةِ المُصَلِّينَ، فَهِيَ رِيَاسَةٌ مَتْبُوعَةٌ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(رِيَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا خِلَافَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا بِهِ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَالإِمَامُ يَسُوسُ الدُّنْيَا بِمِيزَانِ الشَّرْعِ. وَهُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ الرِّيَاسَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَحْضَةِ (كَالنُّظُمِ الوَضْعِيَّةِ) الَّتِي لَا تَهْدِفُ لِحِرَاسَةِ الدِّينِ، كَمَا يَمْنَعُ دُخُولَ الإِمَامَةِ الصُّغْرَى (صَلَاة المَسْجِدِ) لِقَوْلِهِ "رِيَاسَة عَامَّة".
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
مُشْكِلَةُ الفِكْرِ المُعَاصِرِ أَنَّهُ جَعَلَ الخِلَافَةَ "صَنَمًا" يُعْبَدُ أَوْ غَايَةً تُطْلَبُ لِذَاتِهَا بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ، بَيْنَمَا الحَقُّ أَنَّ الخِلَافَةَ وَسِيلَةٌ لِإِقَامَةِ عُبُودِيَّةِ النَّاسِ لِرَبِّ العَالَمِينَ. فَمَنْ نَادَى بِالخِلَافَةِ وَهُوَ يُضَيِّعُ حُقُوقَ التَّوْحِيدِ وَيُهَادِنُ الشِّرْكَ فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ هَذِهِ الوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَالإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَعْلُوَ شَرْعُ اللهِ لَا لِيَعْلُوَ حِزْبٌ أَوْ جَمَاعَةٌ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ بِالرُّؤْيَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ:
تَقُومُ الرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ نَصْبَ الإِمَامِ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ، لِكَفِّ الظُّلْمِ وَإِقَامَةِ الحُدُودِ وَسَدِّ الثُّغُورِ. وَيَعْتَقِدُ السَّلَفُ أَنَّ الإِمَامَةَ تَنْعَقِدُ بِالِاخْتِيَارِ أَوْ بِالِاسْتِخْلَافِ أَوْ بِالقَهْرِ (الغَلَبَةِ) حِفْظًا لِدِمَاءِ المُسْلِمِينَ. الرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ هُنَا تُوجِبُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِلإِمَامِ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ، نَبْذًا لِمَذْهَبِ الخَوَارِجِ فِي الخُرُوجِ بِالمَعَاصِي، وَمَذْهَبِ الرَّافِضَةِ فِي "العِصْمَةِ" وَ"النَّصِّ"، فَالإِمَامُ عِنْدَنَا بَشَرٌ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ لَكِنَّ مَنْصِبَهُ مَصُونٌ لِمَصْلَحَةِ المِلَّةِ.
12. لَفْظُ (الوَلَاءِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (و ل ي)، وَأَصْلُهُ القُرْبُ وَالدُّنُوُّ، وَهُوَ ضِدُّ العَدَاوَةِ. يُقَالُ: "وَلِيَهُ" إِذَا قَرُبَ مِنْهُ، وَمِنْهُ "الوَلِيُّ" لِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ مَوْلَاهُ بِالطَّاعَةِ، وَ"المَوْلَى" لِأَنَّهُ يَتَوَلَّى النُّصْرَةَ وَالمَعُونَةَ. وَالوَلَاءُ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى المَحَبَّةِ وَالتَّأْيِيدِ، وَفِي كَلَامِ العَرَبِ: "تَوَالَتِ الأَشْيَاءُ" إِذَا تَتَابَعَتْ وَقَرُبَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ دُونَ فَاصِلٍ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(مَحَبَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ وَعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ وَنُصْرَتُهُمْ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِأَنَّهُ رَبَطَ القَلْبَ (بِالمَحَبَّةِ) وَالجَوَارِحَ (بِالنُّصْرَةِ). وَهُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ الوَلَاءَاتِ الجَاهِلِيَّةِ (قَبِيلَة، حِزْب، قَوْمِيَّة) إِذَا كَانَتْ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدِّينِ، كَمَا يَمْنَعُ دُخُولَ الوَلَاءِ لِلْكَفَرَةِ وَإِنْ كَانُوا أَقْرِبَاءَ، لِقَوْلِهِ "وَعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ".
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
لَقَدْ تَلَاعَبَتِ المَنَاهِجُ الحَرَكِيَّةُ بِمَعْنَى الوَلَاءِ حَتَّى حَصَرُوهُ فِي "جَمَاعَاتِهِمْ"، فَأَصْبَحُوا يُوَالُونَ مَنْ وَافَقَ تَنْظِيمَهُمْ وَإِنْ كَانَ خَلَفِيًّا مُنْحَرِفًا، وَيُعَادُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَإِنْ كَانَ سَلَفِيًّا مُوَحِّدًا. هَذَا "مَسْخٌ" لِعُرْوَةِ الإِيمَانِ، فَالْوَلَاءُ الحَقُّ هُوَ انْتِمَاءٌ لِلْمِلَّةِ لَا لِلْكُتْلَةِ، وَلِلْأَثَرِ لَا لِلْبَشَرِ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ بِالرُّؤْيَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ:
الوَلَاءُ فِي العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ هُوَ مَحْضُ الِانْتِمَاءِ لِمَعْسْكَرِ الإِيمَانِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى "مُطْلَقٍ" لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَالمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ، وَ"مُقَيَّدٍ" لِأَهْلِ الطَّاعَاتِ. الرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ تَرَى أَنَّ الوَلَاءَ هُوَ المُحَرِّكُ لِلْعَمَلِ؛ فَلَا يَصِحُّ إِيمَانُ مَنْ يُحِبُّ أَعْدَاءَ اللهِ أَوْ يَفْرَحُ بِنَصْرِهِمْ. السَّلَفُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ "المُوَالَاةِ الكُبْرَى" الَّتِي هِيَ كُفْرٌ (تَوَلِّي الكُفَّارِ لِدِينِهِمْ)، وَبَيْنَ "المُدَاهَنَةِ أَوْ المَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ" الَّتِي هِيَ مَعْصِيَةٌ لَا تُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، وَهَذَا الضَّبْطُ هُوَ الَّذِي يَحْمِي الشَّبَابَ مِنَ التَّكْفِيرِ بِالمُجَازَفَةِ.
13. لَفْظُ (البَرَاءِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (ب ر أ)، وَأَصْلُهُ التَّنَزُّهُ وَالتَّبَاعُدُ وَالقَطْعُ. يُقَالُ: "بَرِئَ مِنَ المَرَضِ" أَيْ خَلَصَ مِنْهُ وَانْقَطَعَتْ صِلَتُهُ بِهِ. وَ"بَرَأْتُ القَلَمَ" أَيْ قَطَعْتُ بَعْضَهُ. وَالبَرَاءُ فِي اللُّغَةِ يَعْنِي انْفِصَالَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ مُزَايَلَةً كُلِّيَّةً. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ}، أَيْ مُنْفَصِلٌ عَنْ مَعْبُودَاتِكُمْ قَلْبًا وَقَالَبًا.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(بُغْضُ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ وَأَهْلِهِمَا، وَمُعَادَاتُهُمْ فِي اللهِ، وَتَرْكُ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِيمَا يَخْتَصُّونَ بِهِ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِأَنْوَاعِ البَرَاءَةِ الثَّلَاثَةِ: البَرَاءَةُ مِنَ (المُعْتَقَدِ، وَالعَمَلِ، وَالشَّخْصِ الكَافِرِ). وَهُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ "البَرَاءِ المُشَوَّهِ" الَّذِي يَقْتَصِرُ عَلَى البُغْضِ القَلْبِيِّ مَعَ التَّشَبُّهِ الظَّاهِرِ، كَمَا يَمْنَعُ دُخُولَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى "المُعَاهَدِينَ" لِأَنَّ البَرَاءَ لَا يَعْنِي نَقْضَ العُهُودِ.
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
البَرَاءُ لَيْسَ "تَوَحُّشًا" وَلَا "إِرْهَابًا" كَمَا يُصَوِّرُهُ الغَرْبُ، وَلَيْسَ "مَاضَوِيَّةً" كَمَا يَدَّعِي المُتَحَلِّلُونَ. البَرَاءُ هُوَ "الحَصَانَةُ الهُوِيَّتِيَّةُ" لِلْمُؤْمِنِ؛ فَبِدُونِ البَرَاءِ يَذُوبُ المُسْلِمُ فِي حَضَارَاتِ الإِلْحَادِ وَالشَّهَوَاتِ. لَكِنَّ المُشْكِلَةَ تَكْمُنُ فِي مَنْ جَعَلَ البَرَاءَ وَسِيلَةً لِقَتْلِ الأَبْرِيَاءِ، وَالحَقُّ أَنَّكَ تَتَبَرَّأُ مِنْ دِينِ الكَافِرِ وَتُبْغِضُهُ، لَكِنَّكَ تَعْدِلُ مَعَهُ وَتَدْعُوهُ لِلَّهِ، فَالْبَرَاءُ حِجَابٌ لِلْقَلْبِ لَا قَطْعٌ لِسُبُلِ الدَّعْوَةِ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ بِالرُّؤْيَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ:
البَرَاءُ فِي التَّصَوُّرِ السَّلَفِيِّ هُوَ مِحْوَرُ "لَا إِلَهَ"؛ فَلَا تَوْحِيدَ لِمَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ. وَيَعْتَقِدُ السَّلَفُ أَنَّ البَرَاءَ يَتَجَزَّأُ؛ فَنَتَبَرَّأُ مِنَ المُبْتَدِعِ بِقَدْرِ بِدْعَتِهِ، وَمِنَ العَاصِي بِقَدْرِ مَعْصِيَتِهِ، مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الوَلَاءِ لَهُمَا. أَمَّا الكَافِرُ فَلَهُ البَرَاءُ المَحْضُ. الرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ هُنَا تَضْبِطُ البَرَاءَ بِالعِلْمِ؛ فَلَا يَعْنِي البَرَاءُ سَبَّ الأَصْنَامِ إِذَا سَبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَا يَعْنِي تَرْكَ البِرِّ بِالوَالِدَيْنِ الكَافِرَيْنِ. هِيَ عَقِيدَةٌ تَفْصِلُ بَيْنَ "بُغْضِ الدِّينِ" وَ"عَدْلِ التَّعَامُلِ".
14. لَفْظُ (البِدْعَةِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (ب د ع)، وَأَصْلُهُ اخْتِرَاعُ الشَّيْءِ وَإِنْشَاؤُهُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. يُقَالُ: "بَدَعَ الرَّكِيَّةَ" إِذَا اسْتَنْبَطَهَا وَأَحْدَثَهَا، وَ"بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ" أَيْ خَالِقُهَا دُونَ مِثَالٍ سَبَقَ. وَكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ فَقَدِ "ابْتَدَعَ" لُغَةً، وَفِي كَلَامِ العَرَبِ: "رَكِيٌّ بَدِيعٌ" أَيْ جَدِيدَةُ الحَفْرِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقَصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا المُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعَالَى).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِكُلِّ إِحْدَاثٍ فِي العَقَائِدِ أَوْ العِبَادَاتِ. وَهُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ "المُخْتَرَعَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ" (سَيَّارَات، تِقْنِيَّة) لِقَوْلِهِ "فِي الدِّينِ"، وَمَانِعٌ لِلْمَعَاصِي الَّتِي لَا يُقْصَدُ بِهَا التَّعَبُّدُ (كَشُرْبِ الخَمْرِ) لِقَوْلِهِ "تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ" وَ"يُقْصَدُ بِهَا التَّعَبُّدُ".
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
إِنَّ جِنَايَةَ مَنْ قَسَّمَ البِدْعَةَ إِلَى "حَسَنَةٍ" وَ"سَيِّئَةٍ" فِي الدِّينِ هِيَ جِنَايَةٌ عَلَى كَمَالِ الشَّرِيعَةِ؛ فَكَأَنَّ القَائِلَ بِذَلِكَ يَتَّهِمُ النَّبِيَّ ﷺ بِتَرْكِ بَعْضِ الخَيْرِ حَتَّى جَاءَ هُوَ فَاسْتَحْسَنَهُ. البِدْعَةُ هِيَ "التَّفَافٌ" عَلَى النَّصِّ بِاسْمِ العَاطِفَةِ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ تُمِيتُ سُنَّةً مُقَابِلَهَا. فَالتَّحْقِيقُ الصَّحِيحُ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ فِي الدِّينِ هُوَ اسْتِشْرَاعٌ مَعَ اللهِ، وَهُوَ مَحْضُ الضَّلَالَةِ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ المَعْصُومُ ﷺ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ بِالرُّؤْيَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ:
تَقُومُ العَقِيدَةُ السَّلَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ "كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" دُونَ اسْتِثْنَاءٍ فِي أُمُورِ التَّعَبُّدِ. وَيُحَقِّقُ السَّلَفُ أَنَّ البِدْعَةَ نَوْعَانِ: "بِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ" لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ، وَ"إِضَافِيَّةٌ" لَهَا أَصْلٌ لَكِنَّ كَيْفِيَّتَهَا أَوْ زَمَانَهَا مُخْتَرَعٌ. الرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ تَجْعَلُ التَّحْذِيرَ مِنَ المُبْتَدِعِينَ دِينًا، لِأَنَّ البِدْعَةَ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ المَعْصِيَةِ لِأَنَّ العَاصِيَ يَتُوبُ وَالمُبْتَدِعَ يَرَى نَفْسَهُ عَلَى حَقٍّ فَلَا يَتُوبُ. السَّلَفُ هُنَا يَقِفُونَ عِنْدَ الآثَارِ وَيَرَوْنَ أَنَّ الِاقْتِصَادَ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي البِدْعَةِ.
15. لَفْظُ (الحَاكِمِيَّةِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مَصْدَرٌ صِنَاعِيٌّ مِنْ (ح ك م)، وَأَصْلُهُ المَنْعُ لِإِصْلَاحِ الشَّيْءِ. يُقَالُ: "حَكَمْتُ الدَّابَّةَ" أَيْ جَعَلْتُ لَهَا حَكَمَةً لِتَمْنَعَهَا مِنَ الِاضْطِرَابِ. وَالحُكْمُ هُوَ الفَصْلُ بَيْنَ الخُصُومِ وَتَنْفِيذُ الأَمْرِ. وَالحَاكِمِيَّةُ لُغَةً تُفِيدُ مَعْنَى السُّلْطَةِ العُلْيَا فِي التَّشْرِيعِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهِيَ تَدُورُ حَوْلَ "مَنْ لَهُ حَقُّ المَنْعِ وَالإِطْلَاقِ".
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(تَفَرُّدُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِالتَّشْرِيعِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَوُجُوبُ رَدِّ التَّنَازُعِ إِلَى شَرْعِهِ فِي الدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ وَالفُرُوجِ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِخَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ (تَفَرُّد الرَّبِّ) وَمُقْتَضَيَاتِ الأُلُوهِيَّةِ (وُجُوب الرَّدِّ لِلشَّرْعِ). وَهُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ التَّشْرِيعَاتِ الوَضْعِيَّةِ الَّتِي تُضَاهِي شَرْعَ اللهِ، كَمَا يَمْنَعُ الفَهْمَ "القُطْبِيَّ" الضَّيِّقَ الَّذِي جَعَلَهَا رُكْنًا سَادِسًا مُنْفَصِلًا لِيُكَفِّرَ بِهَا المُجْتَمَعَاتِ بِإِطْلَاقٍ.
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
الحَاكِمِيَّةُ حَقٌّ للهِ، لَكِنَّهَا "كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ" فِي كَثِيرٍ مِنَ السِّجَالَاتِ الحَرَكِيَّةِ. لَقَدْ جُعِلَتِ الحَاكِمِيَّةُ مِقْصَلَةً لِتَكْفِيرِ الحُكَّامِ دُونَ تَفْصِيلٍ، بَيْنَمَا الحَقُّ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ (فِي الخَلْقِ وَالأَمْرِ) وَتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ (فِي التَّحَاكُمِ). فَالَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِ اللهِ أَفْضَلُ فَهَذَا كَافِرٌ، أَمَّا الَّذِي يَعْصِي وَيُحَكِّمُ هَوَاهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالشَّرْعِ فَهَذَا عُرْضَةٌ لِلْوَعِيدِ لَا لِلتَّكْفِيرِ المٌطْلَقِ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ بِالرُّؤْيَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ:
تَرَى الرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ أَنَّ اللهَ هُوَ "الحَكَمُ وَإِلَيْهِ الحُكْمُ". التَّحْقِيقُ الصَّافِي هُنَا يَفْصِلُ بَيْنَ (كُفْرِ الِاسْتِبْدَالِ وَالتَّشْرِيعِ العَامِّ) وَبَيْنَ (ظُلْمِ القَضَاءِ فِي المَسَائِلِ الأَعْيَانِ). السَّلَفُ يُثْبِتُونَ الحَاكِمِيَّةَ للهِ كَصِفَةِ كَمَالٍ وَوَاجِبِ عُبُودِيَّةٍ، لَكِنَّهُمْ يَضْبِطُونَ التَّكْفِيرَ بِهَا بِمَوَانِعِهِ وَشُرُوطِهِ. الرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ لَا تَعْزِلُ الحَاكِمِيَّةَ عَنِ التَّوْحِيدِ الكُلِّيِّ، وَتَرَى أَنَّ إِقَامَةَ التَّوْحِيدِ فِي القُلُوبِ هِيَ السَّبِيلُ لإِقَامَةِ شَرْعِ اللهِ فِي الوَاقِعِ، لَا الخُرُوجِ المُسَلَّحِ الَّذِي يُفْسِدُ وَلَا يُصْلِحُ.
16. لَفْظُ (الجَاهِلِيَّةِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (ج ه ل)، وَهُوَ ضِدُّ العِلْمِ، وَلَهُ مَعْنَيَانِ: عَدَمُ مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ، أَوْ فِعْلُ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ عَمْدًا (وَهُوَ الجَهْلُ السَّفَهِيُّ). يُقَالُ: "جَهِلَ فُلَانٌ عَلَيَّ" أَيْ سَفِهَ. وَالجَاهِلِيَّةُ مَصْدَرٌ صِنَاعِيٌّ وُصِفَ بِهِ حَالُ العَرَبِ قَبْلَ الإِسْلَامِ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مَجْهَلَةٍ بِاللهِ وَسَفَهٍ فِي الأَفْعَالِ، فَهِيَ حَالَةٌ قَلْبِيَّةٌ وَعَمَلِيَّةٌ تُنَافِي النُّورَ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(كُلُّ مَا خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ العَقَائِدِ وَالأَعْمَالِ وَالنُّظُمِ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَرَاقَةً قَدِيمَةً أَوْ حَدَاثَةً مُبْتَدَعَةً).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِجَاهِلِيَّةِ القُرُونِ الأُولَى وَجَاهِلِيَّةِ القَرْنِ العِشْرِينَ. وَهُوَ مَانِعٌ لِقَصْرِ الجَاهِلِيَّةِ عَلَى زَمَانٍ مَضَى؛ فَالجَاهِلِيَّةُ صِفَةٌ تَتَكَرَّرُ. كَمَا يَمْنَعُ إِطْلَاقَ "الجَاهِلِيَّةِ المٌطْلَقَةِ" عَلَى عَصْرِ الإِسْلَامِ بَعْدَ البِعْثَةِ، لِأَنَّ الشَّمْسَ لَا تَغِيبُ كُلِّيَّةً عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ.
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
لَقَدْ أَسْرَفَ بَعْضُ الكُتَّابِ فِي وَصْفِ المُجْتَمَعَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ بِأَنَّهَا "مُجْتَمَعَاتٌ جَاهِلِيَّةٌ" بِصُورَةٍ تُفْهِمُ التَّكْفِيرَ الشَّامِلَ. هَذَا خَطَأٌ مَنْهَجِيٌّ؛ فَالجَاهِلِيَّةُ بَعْدَ الإِسْلَامِ جَاهِلِيَّةٌ "مُقَيَّدَةٌ" (فِي شَخْصٍ، أَوْ فِي عَمَلٍ، أَوْ فِي بَلَدٍ دُونَ آخَرَ). أَمَّا الجَاهِلِيَّةُ المٌطْلَقَةُ فَقَدِ انْتَهَتْ بِظُهُورِ الإِسْلَامِ. فَالتَّحْقِيقُ أَنَّنَا نَصِفُ "الفِعْلَ" بِأَنَّهُ جَاهِلِيٌّ لِتَقْبِيحِهِ، وَلَا نَحْكُمُ عَلَى "الأُمَّةِ" بِأَنَّهَا ارْتَدَّتْ لِلْجَاهِلِيَّةِ الكُبْرَى.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ بِالرُّؤْيَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ:
تَعْتَقِدُ السَّلَفِيَّةُ أَنَّ الجَاهِلِيَّةَ وَالإِسْلَامَ نَقِيضَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي كَمَالِهِمَا. الرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ تَقْتَضِي الحَذَرَ مِنْ "خِصَالِ الجَاهِلِيَّةِ" (كَالنِّيَاحَةِ، وَالفَخْرِ بِالأَحْسَابِ، وَالطَّعْنِ فِي الأَنْسَابِ) الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ. التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ هُنَا يَرَى أَنَّ الجَاهِلِيَّةَ المٌعَاصِرَةَ (الإِلْحَاد، الفَلْسَفَات المَادِّيَّة) هِيَ أَقْبَحُ مِنْ جَاهِلِيَّةِ قُرَيْشٍ، لِأَنَّ الأُولَى كَانَتْ عَنْ عَدَمِ عِلْمٍ، وَهَذِهِ عَنْ جُحُودٍ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ. السَّلَفُ هُنَا يُحَارِبُونَ "رُوحَ الجَاهِلِيَّةِ" بِبَثِّ عُلُومِ النُّبُوَّةِ.
17. لَفْظُ (الفِطْرَةِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (ف ط ر)، وَأَصْلُهُ الشَّقُّ. يُقَالُ: "فَطَرَ الشَّيْءَ" إِذَا شَقَّهُ، وَمِنْهُ "فَطَرَ اللهُ الخَلْقَ" أَيْ ابْتَدَأَ خَلْقَهُمْ وَشَقَّ عَدَمَهُمْ بِالوُجُودِ. وَالفِطْرَةُ هِيَ الخِلْقَةُ الَّتِي يُولَدُ عَلَيْهَا المَوْلُودُ فِي أَصْلِ جِبِلَّتِهِ. وَفِي العَرَبِيَّةِ: "انْفَطَرَ الصُّبْحُ" أَيْ انْشَقَّ ضَوْؤُهُ، فَكَأَنَّ الفِطْرَةَ هِيَ الضَّوْءُ الأَوَّلُ الَّذِي يَسْكُنُ القَلْبَ البَشَرِيَّ قَبْلَ أَنْ تُغَطِّيَهُ السُّحُبُ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(النِّظَامُ الِاعْتِقَادِيُّ وَالأَخْلَاقِيُّ الَّذِي رَكَزَهُ اللهُ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ لِقَبُولِ الحَقِّ وَمَعْرِفَةِ الخَالِقِ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِمَعْرِفَةِ اللهِ وَمَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ (كَالصِّدْقِ وَالحَيَاءِ). وَهُوَ مَانِعٌ لِقَوْلِ المَنَاطِقَةِ إِنَّ النَّفْسَ تُولَدُ خَالِيَةً (صَفْحَة بَيْضَاء)، كَمَا يَمْنَعُ زَعْمَ بَعْضِ المُنْحَرِفِينَ أَنَّ "الفِطْرَةَ" تَكْفِي عَنِ الوَحْيِ؛ بَلْ هِيَ "مُؤَهِّلٌ" لِقَبُولِهِ لَا "مُسْتَغْنٍ" عَنْهُ.
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
إِنَّ الحَرْبَ الكَوْنِيَّةَ اليَوْمَ تَقُومُ عَلَى "ضَرْبِ الفِطْرَةِ"؛ فَمَا يُسَمَّى بِـ "الجَنْدَرِ" وَالشُّذُوذِ هُوَ انْتِكَاثٌ لِلْفِطْرَةِ لِإِخْرَاجِ الإِنْسَانِ مِنْ سَوِيَّتِهِ. فَالْفِطْرَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ تَوْحِيدًا فِي الدِّينِ، بَلْ هِيَ "اسْتِقَامَةٌ فِي الجِبِلَّةِ". مَنْ ضَيَّعَ فِطْرَتَهُ العَقْلِيَّةَ وَالخُلُقِيَّةَ اسْتَحَالَ عَلَيْهِ فَهْمُ دَقَائِقِ الشَّرِيعَةِ. لِذَا، حِمَايَةُ الفِطْرَةِ هِيَ خَطُّ الدِّفَاعِ الأَوَّلِ عَنِ الدِّينِ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ بِالرُّؤْيَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ:
يُؤْمِنُ السَّلَفُ بِمُقْتَضَى حَدِيثِ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ"، وَهِيَ مِلَّةُ الإِسْلَامِ. الرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ تَرَى أَنَّ الفِطْرَةَ شَاهِدٌ عَلَى "تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ" ضَرُورَةً، وَمُسْتَعِدَّةٌ لِتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ. التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ يُبَيِّنُ أَنَّ الفِطْرَةَ قَدْ تَعْرِضُ لَهَا "الأَهْوَاءُ" فَتَطْمِسُهَا لَكِنْ لَا تَنْزِعُهَا كُلِّيَّةً، وَبِهَذَا تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَى الخَلْقِ. السَّلَفُ هُنَا لَا يَبْنُونَ عَقَائِدَهُمْ عَلَى "الوَجْدِ" الفِطْرِيِّ بَلْ عَلَى "النَّصِّ" المُوافِقِ لِلْفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ، فَالنَّقْلُ الصَّحِيحُ لَا يُخَالِفُ العَقْلَ الصَّرِيحَ وَلَا الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ.
18. لَفْظُ (الصَّحَابِيِّ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (ص ح ب)، وَأَصْلُهُ المُلَازَمَةُ وَالمُعَاشَرَةُ. وَالصَّحَابِيُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ كُلُّ مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لِغَيْرِهِ حَتَّى عُرِفَ بِهِ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ لَقِيَهُ لَحْظَةً "صَاحِبٌ" إِلَّا بِمَجَازٍ بَعِيدٍ. وَفِي كَلَامِ العَرَبِ: "صَحِبَ الشَّيْءَ" إِذَا انْقَادَ لَهُ وَأَلِفَهُ. لَكِنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ هَذَا المَعْنَى إِلَى دَرَجَةٍ أَسْمَى تَشْمَلُ الرُّؤْيَةَ وَالإِيمَانَ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُؤْمِنًا بِهِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِكُلِّ مَنْ رَآهُ أَوْ لَقِيَهُ (لِلأَعْمَى) مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. وَهُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ المُنَافِقِينَ لِقَوْلِهِ "مُؤْمِنًا بِهِ"، وَمَانِعٌ لِمَنْ ارْتَدَّ لِقَوْلِهِ "وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ"، كَمَا يَمْنَعُ دُخُولَ مَنْ آمَنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَإِنْ كَانَ رَآهُ فِي حَيَاتِهِ (فَلَيْسَ بِصَحَابِيٍّ عِنْدَ الجُمْهُورِ).
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
الصَّحَابَةُ هُمْ "العُنْصُرُ البَشَرِيُّ" الَّذِي حَمَلَ هَذَا الدِّينَ، فَإِذَا طُعِنَ فِي "النَّاقِلِ" فَقَدْ طُعِنَ فِي "المَنْقُولِ". لِذَا فَإِنَّ تَعْرِيفَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ تَعْرِيفًا "تَارِيخِيًّا" بَحْتًا، بَلْ هُوَ تَعْرِيفٌ "أَمْنِيٌّ" لِحِفْظِ مَصَادِرِ الدِّينِ. مَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْهَمَ القُرْآنَ بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ مَنْ شَاهَدُوا تَنْزِيلَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا، فَالصَّحَابِيُّ هُوَ "القَرِينَةُ الشَّارِحَةُ" لِكُلِّ نَصٍّ شَرْعِيٍّ.
التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ بِالرُّؤْيَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ:
تَعْتَقِدُ السَّلَفِيَّةُ أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ "عُدُولٌ" بِتَعْدِيلِ اللهِ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ، وَلَا نَحْتَاجُ لِتَزْكِيَةِ بَشَرٍ بَعْدَ تَزْكِيَةِ الخَالِقِ. الرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ تُوجِبُ الكَفَّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَاعْتِقَادَ أَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ بَيْنَ الأَجْرِ وَالأَجْرَيْنِ. التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ يَرُدُّ عَلَى الرَّافِضَةِ الَّذِينَ كَفَّرُوهُمْ، وَعَلَى العَصْرَانِيِّينَ الَّذِينَ جَعَلُوا فَهْمَهُمْ غَيْرَ مٌلْزِمٍ. السَّلَفُ يَرَوْنَ أَنَّ حُبَّهُمْ دِينٌ وَبُغْضَهُمْ كُفْرٌ، وَأَنَّهُمْ خَيْرُ القُرُونِ عَلَى الإِطْلَاقِ، فَمَنْ نَالَ مِنْهُمْ فَقَدْ نَالَ مِنْ حِكْمَةِ اللهِ فِي اخْتِيَارِ صَفْوَةِ خَلْقِهِ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ.
19. لَفْظُ (التَّفْوِيضِ)
الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ المُوَسَّعُ:
مِنْ (ف و ض)، وَأَصْلُهُ رَدُّ الأَمْرِ إِلَى الغَيْرِ وَتَسْلِيمُهُ لَهُ. يُقَالُ: "فَوَّضَ أَمْرَهُ لِلَّهِ" أَيْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَتَرَكَ لَهُ التَّصَرُّفَ. وَفِي كَلَامِ العَرَبِ: "قَوْمٌ فَوْضَى" أَيْ لَا رَئِيسَ لَهُمْ يُدَبِّرُهُمْ فَهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي العَدَمِ. وَالتَّفْوِيضُ اصْطِلَاحًا عِنْدَ بَعْضِ المُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ هُوَ عَدَمُ الخَوْضِ فِي المَعَانِي، لَكِنَّ هَذَا فَهْمٌ مَغْلُوطٌ سَيَأْتِي تَبْيِينُهُ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (المَسْلَكُ العَقَدِيُّ):
(فِي المَنْهَجِ الصَّحِيحِ: هُوَ إِثْبَاتُ مَعَانِي صِفَاتِ اللهِ مَعَ رَدِّ عِلْمِ حَقِيقَتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى).
لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟: هُوَ جَامِعٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ (الذَّاتِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ). وَهُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ "تَفْوِيضِ المَعْنَى" الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ آيَاتِ الصِّفَاتِ أَلْغَازٌ (مَذْهَب المٌفَوِّضَة)، كَمَا يَمْنَعُ "التَّمْثِيلَ" لِأَنَّهُ فَوَّضَ الكَيْفَ.
تَحْقِيقُ البَاحِثِ:
إِنَّ أَخْطَرَ مَا يَتَمَسَّحُ بِهِ "المُبْتَدِعَةُ" اليَوْمَ هُوَ نِسْبَةُ مَذْهَبِ "التَّفْوِيضِ الكُلِّيِّ" لِلسَّلَفِ، وَهَذَا كَذِبٌ صُرَاحٌ. السَّلَفُ لَمْ يَكُونُوا يُفَوِّضُونَ "المَعْنَى"، فَهُمْ يَعْرِفُونَ مَعْنَى "الِاسْتِوَاءِ" وَ"اليَدِ" وَ"العَيْنِ" فِي لُغَةِ العَرَبِ، وَإِلَّا لَمَا خَاطَبَهُمُ اللهُ بِمَا لَا يَفْهَمُونَ. التَّحْقِيقُ أَنَّ التَّفْوِيضَ السَّلَفِيَّ هُوَ "تَفْوِيضُ كَيْفٍ" لَا "تَفْوِيضُ عِلْمٍ"، فَنَحْنُ نَعْلَمُ المَعْنَى وَنَجْهَلُ الكَيْفَ، وَمَنْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَد
----------------&
المفردة الأولى: لفظ "الجسم"
أولاً: الاشتقاق اللغوي
الجيم والسين والميم أصلٌ واحد يدلُّ على تجمع الشيء وإشرافه. والجسم في اللغة هو الجسد، وقيل هو كل شخص مدرك، ويُطلق على الغليظ والضخم من الأشياء. قال ابن فارس: "الجسم هو التجمع، والجسمان هو الجسد". فالمادة اللغوية تدور حول الكثافة، والتركيب، والامتداد في الأبعاد، ولهذا يقال ثوب جسيم أي غليظ النسج أو ممتد.
ثانياً: الحد الجامع المانع
نحدُّ الجسم في هذا السياق بأنه: "كل موجود يقبل القسمة والانقسام، ويكون مؤلفاً من جوهرين فردين فأكثر، متميزاً بكونه شاغلاً لحيز من الفراغ".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: لأنه استوعب كافة صور "التجسم" عند المتكلمين، سواء كان الجسم كثيفاً أو لطيفاً، وسواء كان مؤلفاً من أجزاء صلبة أو غازية.
جامع: شمل صفة "التحيز" التي هي أخص خصائص الأجسام في الاصطلاح الكلامي.
مانع: أخرج "الموجود" الذي لا يقبل القسمة ولا التحيز (كالروح عند بعضهم أو الواجب لذاته سبحانه)، فمنع دخول غير الأجسام في التعريف.
مانع: أخرج "الأعراض" (كاللون والطعم) لأنها لا تشغل حيزاً بذاتها بل تقوم بالجسم، فخرجت من حد الذات الجسمانية.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
إن إطلاق لفظ "الجسم" في حق الخالق سبحانه نفيًا أو إثباتًا هو من البدع الكلامية الحادثة؛ إذ لم يرد في الوحيين ذكر للجسم. فالقائلون "الله جسم" إن أرادوا به ذاتاً قائمة بنفسها متصفة بالصفات، فالمعنى صحيح واللفظ بدعي موهم للتمثيل. وإن أرادوا به المركب من أجزاء المفتقر لغيره، فالمعنى باطل. أما نفاة الجسم، فقد جعلوا "نفي التجسيم" وسيلة لتعطيل الصفات الخبرية كاليد والوجه والنزول، زاعمين أن إثباتها يستلزم التجسيم، وهذا مسلكٌ منحرف؛ لأن صفات الخالق تليق بجلاله ولا تقتضي لوازم الأجسام المخلوقة من الحدوث والافتقار.
رابعاً: تحقيق الباحث
يخلص الباحث إلى أن لفظ "الجسم" صار عند أهل الكلام "قنطرة" للتعطيل أو التمثيل، والواجب شرعاً هو الوقوف عند حدود النص. فإثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات لا يسمى تجسيماً في لغة العرب ولا في الشرع، بل هو إثبات لوجود حقيقي لذات مقدسة. ويرى الباحث أن منهج السلف في "الاستفصال" هو الميزان؛ فما كان من المعنى حقاً أثبتناه بلفظه الشرعي (كالذات والقائم بنفسه)، وما كان باطلاً نفيناه لتنزيه الخالق عن خصائص المخلوقين. والعدول عن الألفاظ المبتدعة هو صيانة لجناب التوحيد من تشبيه الممثلة وتجريد المعطلة، وهو المسلك الذي يحقق التنزيه دون هدم الصفات.
المفردة الثانية: لفظ "الحيز"
أولاً: الاشتقاق اللغوي
الحيز من "حاز" يحوز حوزاً، وهو الجمع والضم. وحيز المكان: ما انضم إليه من المرافق والحدود. والحوز هو الناحية، وكل من انضم إلى غيره فقد تحيز إليه. وفي الحديث: "أو يفيء إلى فئة" أي ينضم إليها. فالمعنى اللغوي يرتكز على الإحاطة والاحتواء والجمع في مكان أو جهة معينة.
ثانياً: الحد الجامع المانع
الحيز هو: "الفراغ الموهوم الذي يشغله الموجود، بحيث يمنع غيره من الحلول فيه، أو هو المحيط الذي يحدُّ الجرم".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل الحيز الحقيقي (المكان الموجود) والحيز الاعتباري (الفراغ المفترض)، مما يستوعب كل تصورات المتكلمين للمكان.
جامع: أحاط بصفة "الممانعة" وهي أن يشغل الجسم قدراً من الفراغ لا يشاركه فيه غيره.
مانع: أخرج الأمور المعنوية (كالعلم والإرادة) فهي موجودات لكن لا يقال إنها تشغل حيزاً أو تمنع غيراً.
مانع: أخرج "العدم المحض"؛ لأن العدم لا يشغل فراغاً ولا يوصف بالتحيز، فاستقام الحد للموجودات المتحيزة فقط.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
يدور المسلك العقدي في لفظ "الحيز" حول مسألة "جهة العلو". فالمعطلة نفوْا عن الله "التحيز" ليتوصلوا بذلك إلى نفي كونه فوق العرش، زاعمين أن من كان في جهة فقد تحيز، ومن تحيز فهو جسم محدث. والتحقيق أن "الحيز" لفظ مجمل؛ فإن أريد به أن الله تحويه المخلوقات أو تكتنفه الجوانب، فهذا منفي شرعاً وعقلاً؛ لأن الله وسع كرسيه السماوات والأرض. وإن أريد به أن الله "بائن من خلقه" فوق عرشه، لا يختلط بالمخلوقات ولا تحل فيه، فهذا معنى حق دلت عليه الفطرة والنصوص، وإنما سماه المتكلمون تحيزاً للتنفيير من إثبات علو الذات.
رابعاً: تحقيق الباحث
يرى الباحث أن معركة "التحيز" هي في حقيقتها معركة حول "علو الله". فإثبات أن الله فوق العالم بذاته هو مقتضى كماله وعظمته، ولا يلزم من ذلك أن يكون في "حيز" يحيط به؛ لأن الله هو المحيط بكل شيء ولا يحيط به شيء. ويؤكد الباحث أن إطلاق لفظ "الحيز" نفياً هو مسلك المتكلمين الذين جعلوا من اصطلاحاتهم حاكماً على النصوص. والتحقيق العلمي يوجب القول بأن الله تعالى بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، وهذا "البينونة" هي الحقيقة الشرعية البديلة عن مصطلحات "التحيز" الموهمة التي أربكت العقول في التصور العقدي الصحيح.
المفردة الثالثة: لفظ "الجوهر الفرد"
أولاً: الاشتقاق اللغوي
الجوهر كلمة معربة (من الفارسية: گوهر)، وتطلق في اللغة على أصل الشيء وما وضعت عليه جبلته. والجوهر هو النفيس من الحجارة. أما "الفرد" فهو الوتر، وما لا نظير له، أو المنفرد عن غيره. وفي الاصطلاح اللغوي العام، الجوهر هو ما قام بنفسه، ويقابله العرض الذي يقوم بغيره.
ثانياً: الحد الجامع المانع
هو: "الجزء الذي لا يتجزأ، وهو الموجود الأصغر الذي يشغل حيزاً ولا يقبل القسمة لا فعلاً ولا وهماً ولا عقلاً".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل هذا التعريف مذهب جمهور المتكلمين في إثبات "الجزء الفرد" كأساس لبناء الأجسام.
جامع: استوعب صفة "الوحدة" التي ينفرد بها هذا الجزء قبل التركيب.
مانع: أخرج الأجسام المركبة؛ لأنها تقبل القسمة، والجوهر الفرد في حده لا يقبلها.
مانع: أخرج "الأعراض"؛ لأن العرض لا يشغل حيزاً بذاته بل يتبع الجوهر، والحد نص على شغل الحيز.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
استخدم المتكلمون نظرية "الجوهر الفرد" لإثبات حدوث العالم ومن ثم إثبات وجود الصانع، فزعموا أن الأجسام مؤلفة من جواهر، وهذه الجواهر لا تنفك عن الأعراض الحادثة، وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث. والمسلك العقدي السليم يرى أن هذه الطريقة بدعية ومظلمة؛ فهي لم ترد في الشرع، وقد أدت بكثير من المتكلمين إلى نفي صفات الله تعالى (الأعراض عندهم) بحجة أنها لا تقوم إلا في جوهر، والجوهر عندهم هو الجسم، فتوصلوا من "الجوهر الفرد" إلى تعطيل الخالق عن كماله المذكور في الكتاب والسنة.
رابعاً: تحقيق الباحث
يقرر الباحث أن نظرية "الجوهر الفرد" هي نتاج فلسفي يوناني أُقحم في العقائد الإسلامية لبيان حدوث الأجسام، لكن آثارها كانت وخيمة على باب الصفات. فالباحث يرى أن إثبات الصانع لا يتوقف على هذه التصورات الدقيقة التي يعجز الكثير عن فهمها، بل الفطرة والآيات الكونية كافية. وعلاوة على ذلك، فإن إلزام الخالق بلوازم "الجوهر" هو قياس للغائب على الشاهد، وهو قياس فاسد. ويرى الباحث أن الواجب هو إثبات أن الله تعالى ذات حقيقية لا تشبه الذوات، دون الدخول في دهاليز "الجزء الذي لا يتجزأ" التي لم تورث الأمة إلا الحيرة والاضطراب في أهم أصول الدين.
الحواشي (الهوامش):
(1) المجسمة: وهم الذين غلوا في إثبات الصفات حتى شبهوا الله بخلقه، وزعموا أنه جسم كالأجسام، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وينقسمون إلى فرق شتى كالكرامية والسبئية وغيرهم.
(2) الكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني، اشتهروا بالقول بأن الله "جسم" بمعنى أنه قائم بنفسه، لكنهم وقعوا في ألفاظ موهمة وقبيحة كقولهم بالحلول والمماسة والتحيز في جهة معينة.
(3) المعطلة: هم الذين نفوا الصفات عن الله تعالى، ومنهم الجهمية والمعتزلة، واستخدموا نفي "التجسيم" و"التحيز" كستار لنفي ما أثبته الله لنفسه من الفوقية والاستواء.
(4) المتكلمون: هم المشتغلون بعلم الكلام من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، الذين جعلوا العقل وأقيسة اليونان حاكماً على نصوص الوحي في المسائل الغيبية.
(5) الفلاسفة المشاؤون: أتباع أرسطو، وهم الذين بحثوا في مادة العالم وصورته، ومنهم انتقلت بذور القول بالجوهر والعرض إلى البيئة الإسلامية عبر الترجمة.
------------------------&
المفردة الرابعة: لفظ "العرض"
أولاً: الاشتقاق اللغوي
العرض في اللغة ما لا ثبات له، من "عَرَضَ" الشيءُ إذا ظهر ثم زال. ومنه قوله تعالى: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، أي متاعها الزائل. والعرض هو خلاف الجوهر؛ لأنه يعرض في الجوهر ثم يزول، كالألوان والروائح والطعم، ويُطلق في اللغة أيضاً على الناحية، وعلى متاع الدنيا الذي لا يبقى. فالمعنى اللغوي يرتكز على صفات الزوال، وعدم الاستقلال، والقيام بغيره.
ثانياً: الحد الجامع المانع
العرض هو: "الموجود الذي لا يقوم بنفسه، بل يفتقر في وجوده إلى محل (جوهر) يقوم به، ولا يبقى زمانين عند جمهور المتكلمين".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل كافة الصفات التي تطرأ على الأجسام من حركة وسكون، وألوان، وأصوات، وعلوم، وإرادات.
جامع: استوعب مفهوم "الافتقار إلى المحل" وهو الركن الأساسي في تصور العرض عند النظار.
مانع: أخرج "الجواهر والأجسام" لأنها قائمة بنفسها، بينما العرض لا يوجد إلا في غيره.
مانع: أخرج "المعدومات"؛ لأن العرض وُصف بأنه "موجود"، فالمعدوم لا محل له ولا قيام له.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
بنى المتكلمون على هذا اللفظ أصلهم الكبير في "نفي الصفات"؛ فقالوا: إن الصفات (كالسمع والبصر والكلام) هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا في جسم، فلو أثبتنا لله هذه الصفات لزم أن يكون جسماً، والأجسام حادثة، فخلصوا إلى نفي الصفات هرباً من "قيام الحوادث" بذاته سبحانه. والمسلك السلفي يفرق بين "العرض" بمعناه الكلامي المبتدع وبين "الصفة" الثابتة بالشرع؛ فالله يتصف بصفات الكمال، وصفاته قديمة النوع دائم الإحسان، ولا تسمى أعراضاً لأنها لا تفنى ولا تزول ولا تدل على حدوث الموصوف، بل هي من مقتضيات كمال الذات الإلهية.
رابعاً: تحقيق الباحث
يقرر الباحث أن استخدام لفظ "العرض" في الإلهيات هو إقحام للمصطلح الفيزيائي للمادة في الذات الإلهية، وهو قياسٌ باطل بوجوه؛ أولاً: أن صفات الخالق لا تفتقر إلى محل كما يفتقر اللون للثوب، بل هي كمالات قائمة بذات علية. ثانياً: أن ادعاء "عدم بقاء العرض زمانين" هو فرضية فلسفية أريد بها إثبات حدوث العالم، لكن سحبها على صفات الله أدى إلى القول بخلق القرآن ونفي الرؤية. ويرى الباحث أن منهج الإثبات الشرعي يُبطل هذه التقسيمات؛ فالله حي بحياة، وعليم بعلم، وقدير بقدرة، وتسمية هذه الكمالات "أعراضاً" هو تحريف للكلم عن مواضعه، ومحاولة لإخضاع الخالق لقوانين المادة والفناء.
المفردة الخامسة: لفظ "التركيب"
أولاً: الاشتقاق اللغوي
التركيب من "رَكِبَ"، وهو وضع الشيء على الشيء أو ضم بعضه إلى بعض. يقال: ركبتُ الشيء تركيباً، أي جمعت أجزاءه وجعلت بعضها فوق بعض أو بجانب بعض حتى صار منهما هيئة واحدة. والتركيب يقتضي وجود أجزاء متغايرة سابقاً، ثم جُمعت. وهو نقيض "البساطة" و"التجريد".
ثانياً: الحد الجامع المانع
التركيب هو: "اجتماع أجزاء متميزة في الوجود، بحيث يفتقر الكل في تحققه إلى وجود تلك الأجزاء وانضمامها".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: استوعب كافة أنواع التركيب (التركيب من الأجزاء، التركيب من الجوهر والعرض، التركيب من المادة والصورة).
جامع: شمل صفة "الافتقار" للكل تجاه الجزء، وهي الثغرة التي يدخل منها المتكلمون لنفي الصفات.
مانع: أخرج "البسيط المحض" الذي لا أجزاء له حقيقة ولا تقديراً.
مانع: أخرج "المتعدد المنفصل"؛ لأن الأجزاء في التركيب يجب أن تجتمع لتشكل حقيقة واحدة.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
جعل المتكلمون "نفي التركيب" مرادفاً لاسم الله "الأحد"، ولكنهم توسعوا في المعنى حتى نفوا الصفات الخبرية (كاليدين والوجه) والصفات الاختيارية (كالنزول والاستواء) زاعمين أن إثباتها يستلزم "تركيباً" في الذات، والتركيب يستلزم الافتقار للأجزاء، والمفتقر لا يكون إلهاً. والتحقيق العقدي يثبت أن الله أحدٌ صمد، لا يتجزأ ولا ينقسم، ولكن إثبات صفاته ليس تركيباً؛ فالعرب لا تسمي الموصوف بصفات الكمال "مركباً"، وإنما تسمى الذات مركبة إذا كانت مؤلفة من أجزاء منفصلة جُمعت بعد افتراق، وهذا ممتنع على الله تعالى، أما صفاته فهي ملازمة لذاته أزلاً وأبداً.
رابعاً: تحقيق الباحث
يرى الباحث أن لفظ "التركيب" استُخدم كفخٍّ منطقي لإلزام أهل السنة بنفي الصفات. فالمتكلم يقول: "إما أن يكون الله بسيطاً (لا صفات له) أو مركباً (بسبب الصفات)". والباحث يحقق أن هذا التقسيم باطل؛ فإثبات الذات والصفات هو "إثبات وجود" لا "إثبات تركيب". فالتركيب الاصطلاحي يقتضي مفارقة الأجزاء لبعضها أو سبق الأجزاء للكل، وهذا لا يقوله مسلم في حق الله. لذا فإن نفي "التركيب" بالمعنى الذي يقصد به نفي الصفات هو بدعة كلامية، والواجب هو إثبات أحدية الله مع إثبات كماله، دون الالتفات إلى لوازم الفلاسفة التي تجعل من الله ذاتاً مجردة لا حقيقة لها في الخارج.
المفردة السادسة: لفظ "الجهة" (إعادة تحقيق وتوسع)
أولاً: الاشتقاق اللغوي
الجهة كما مرَّ من "الوجه"، وهي تدل على المقصد والناحية. وفي اللغة تُطلق على ستة محاور: فوق، تحت، يمين، شمال، أمام، خلف. وتستعمل العرب لفظ "الجهة" للدلالة على المكان الذي يتوجه إليه الشخص، أو الرتبة والمكانة. فهي مادة تدور حول "التمييز المكاني أو الرتبي" لشيء ما بالنسبة لغيره.
ثانياً: الحد الجامع المانع
نحدُّ الجهة بأنها: "كل غاية أو نهاية يتحيز فيها الشيء أو يتوجه إليها، سواء كانت وجودية (كالأمكنة) أو اعتبارية (كالفراغ)".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل الجهات الست الحقيقية، والجهات المعنوية (كجهة القبلة وجهة العلو).
جامع: استوعب "النهاية" والغاية، وهو ما يهرب منه نفاة العلو بذريعة عدم التناهي.
مانع: أخرج ما لا يتوجه إليه ولا يُشار إليه بالحس، كالمعدومات والمحالات.
مانع: أخرج "الذات" من حيث هي ذات، لأن الجهة وصف لمكانها أو نسبتها، وليست هي عينها.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
لفظ "الجهة" من أشهر الألفاظ التي وقع فيها النزاع في باب العلو. فالفلاسفة والمتكلمون نفوا "الجهة" عن الله مطلقاً، فترتب على ذلك نفي وجوده فوق العالم ونفي رؤيته بالأبصار في الآخرة؛ إذ لا يُرى عندهم إلا ما كان في جهة. والمسلك الحق هو الاستفصال: إن أريد بالجهة "مكاناً وجودياً" يحيط بالله ويحويه، فهذا باطل ومنفي؛ فالله كان ولا مكان. وإن أريد بها "جهة العلو" التي هي فوق العالم وبائنة عنه، فهذا حق ثابت بالعقل والنقل والفطرة، وهو ما يسميه السلف "علو الذات". فالله في جهة العلو بالمعنى الذي لا يحيط به شيء من خلقه.
رابعاً: تحقيق الباحث
يخلص الباحث إلى أن إنكار "الجهة" بإطلاق أدى ببعض الطوائف إلى القول بالحلول (الله في كل مكان) أو العدم (ليس داخل العالم ولا خارجه). ويؤكد الباحث أن إثبات "جهة العلو" لله هو إثبات لغايته وعظمته وبينونته عن خلقه. فالجهة هنا ليست ظرفاً يحوي الخالق، بل هي وصفٌ للفوقية المطلقة التي لا يشاركه فيها غيره. ويرى الباحث أن نفي "الجهة" الذي يتضمن نفي "الإشارة الحسية" هو مصادمة صريحة لقول النبي ﷺ في حجة الوداع: "اللهم اشهد" وهو يرفع إصبعه إلى السماء، فمن نفى الجهة مطلقاً فقد طعن في صريح هذه الإشارة النبوية التي أثبتت جهة العلو حساً ومعنى.
الحواشي (الهوامش):
(1) الجهمية الإناث (أو متأخرو الجهمية): وهم الذين توسعوا في نفي "الأعراض" حتى نفوا كل اسم وصفة عن الله تعالى، زاعمين أن الوجود المطلق لا يقبل القسمة ولا الصفة، وهذا يؤول بهم إلى تمثيل الله بالمعدومات.
(2) الفلاسفة الدهرية: الذين زعموا بقاء الأعراض مع الأجسام أزلاً، ونفوا الصانع المختار، واستخدموا مصطلحات "الجوهر والعرض" لبناء تصور مادي بحت للكون بعيداً عن الوحي.
(3) نفاة قيام الحوادث بذاته سبحانه: وهم طوائف من المتكلمين (كالكلابية والأشاعرة) الذين نفوا "الأفعال الاختيارية" لله تعالى (كالغضب، والفرح، والنزول) لأنها في نظرهم "أعراض حادثة" لا تقوم إلا بمحل حادث، ففسروا الغضب بإرادة الانتقام، والرحمة بإرادة الإنعام.
(4) الأحدية والبساطة عند الفلاسفة: هي مذهب "أفلوطين" وأتباعه من الفلاسفة المنتسبين للإسلام كالفارابي وابن سينا، الذين زعموا أن الله "بسيط" لدرجة يمتنع معها إثبات أي صفة له، لأن الصفة عندهم "تركيب"، والتركيب "نقص"، فانتهى بهم الأمر إلى إله هو "وجود مطلق بشرط الإطلاق" لا حقيقة له في الخارج.
(5) المعطلة النفاة: وهم الذين جعلوا لفظ "الجهة" مرادفاً للحصر، واستخدموا مصطلح "تنزيه الله عن المكان والزمان" لإبطال مذهب السلف في إثبات استواء الله على عرشه، وهم فرق شتى يجمعهم تقديم العقل الكلامي على النقل الشرعي.
(6) الماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي، وافقوا الأشاعرة في كثير من مسائل الصفات، وشددوا في نفي "الجهة" والمكان، وأولوا آيات الاستواء بعلو المكانة والقهر.
-------------&
المفردة السابعة: لفظ "الحيز" (باعتباره اصطلاحاً في نفي العلو)
أولاً: الاشتقاق اللغوي
الحيز في اللغة من "حاز" الشيء يحوزه إذا جمعه وضمَّه، والحيز هو الناحية أو المكان الذي ينفرد به الشيء ويحيط به. وفي لسان العرب: "كل ناحية حيز"، ويقال تحيزتُ إلى كذا أي انضممت إليه. فالمعنى اللغوي يدور حول الضم، والجمع، والانفراد بمكان محدود يفصله عن غيره.
ثانياً: الحد الجامع المانع
نحدُّ الحيز اصطلاحاً بأنه: "الفراغ الموهوم الذي يشغله الموجود بحيث يمنع غيره من الحلول في محله، أو هو النهاية المحيطة بالجرم من جميع جهاته".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل الحيز الحقيقي (المكان الموجود) والحيز الاعتباري (الفراغ الذي يقدره العقل)، مما يستوعب كل تصورات المتكلمين للمكانية.
جامع: أحاط بصفة "الممانعة"، وهي أخص خصائص الأجسام التي تشغل حيزاً ولا تسمح لغيرها بمشاركتها فيه.
مانع: أخرج "الأمور المعنوية" كالعلم والقدرة، فهي لا توصف بأنها تشغل حيزاً يمنع غيرها.
مانع: أخرج "العدم المحض"، إذ لا يوصف العدم بأنه شاغل لفراغ أو موصوف بحد أو نهاية، فاستقام الحد للموجودات المتحيزة فقط.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
استخدم المتكلمون لفظ "الحيز" كأداة لنفي صفة العلو الذاتي لله تعالى؛ فقالوا: "لو كان الله فوق العرش لكان في حيز، ومن كان في حيز فهو جسم، والأجسام حادثة". والمسلك العقدي السليم يقتضي التمييز بين نوعين من الحيز: "حيز مخلوق" وهو الأمكنة التي تحوي الأشياء، وهذا منفي عن الله يقيناً لأن الله بائن من خلقه. و"حيز عدمي" وهو ما وراء العالم حيث لا خلق، فإذا أريد بالتحيز أن الله فوق العالم بائناً عنه غير حال فيه، فهذا معنى حق ثابت بالنص، وإنما سماه النفاة "تحيزاً" للتنفيير من إثبات جهة العلو لله عز وجل، فالخلاف هنا يرجع إلى حقيقة الوجود فوق العالم لا إلى مجرد اللفظ.
رابعاً: تحقيق الباحث
يرى الباحث أن نفي "الحيز" بإطلاق هو مغالطة كلامية تهدف إلى المساواة بين "علو الخالق" و"تحيز المخلوق". فالتحقيق أن الله تعالى لا يحويه مكان ولا يحيط به حيز من خلقه، لأنه سبحانه هو المحيط بكل شيء. وبناءً عليه، فإن الباحث يؤكد أن إثبات الفوقية لله تعالى لا يستلزم تحيزاً بالمعنى الافتقاري (أي افتقار الخالق لمكان يحمله)، بل هو إثبات لعظمة الذات وترفعها عن المخلوقات. ويرى الباحث أن منهج السلف في إثبات "البينونة" (أي أن الله بائن من خلقه) هو الرد العلمي الحاسم على دعوى التحيز؛ فالله فوق العرش كما أخبر، وعلوه لا يقتضي لوازم الأجسام من الانضغاط في الأماكن المحدودة، بل هو علو مطلق يليق بجلاله سبحانه.
المفردة الثامنة: لفظ "الغاية والنهاية"
أولاً: الاشتقاق اللغوي
الغاية في اللغة هي المدى والمنتهى، ومنه غاية الشيء أي آخره. والنهاية من "نهى" بمعنى كفَّ وانتهى، وهي بلوغ أقصى الشيء بحيث لا يكون وراءه شيء من جنسه. وتستخدم العرب الغاية للدلالة على الهدف أو على حدود المساحات والأجرام. فالمادة تدور حول الانقطاع، والتمام، والحد الفاصل بين شيئين.
ثانياً: الحد الجامع المانع
نحدُّ الغاية والنهاية بأنهما: "الطرف الذي ينتهي إليه الوجود الذاتي للشيء، بحيث يتميز به عما سواه ويخرج عن حد العدم إلى حقيقة التمايز".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل النهايات الحسية (للأجسام) والنهايات المعنوية (للمقاصد والأفعال).
جامع: استوعب مفهوم "التمايز"، إذ لا يتميز موجود عن غيره إلا إذا كانت له نهاية ينتهي إليها وجوده ليبدأ وجود غيره.
مانع: أخرج "الوجود المطلق بشرط الإطلاق" (الخيال الفلسفي)، لأنه لا حقيقة له في الخارج فلا يوصف بنهاية.
مانع: أخرج "التسلسل في الآثار" الذي لا ينقطع، لأن الحد يركز على "الطرف" المنتهي فعلياً.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
وقع نزاع كبير في "وصف الله بالغاية أو النهاية"؛ فالمعطلة نفوها مطلقاً ليزعموا أن الله لا يُحد ولا يُشار إليه، وهذا أدى بهم إلى القول بأنه "في كل مكان" أو "لا داخل العالم ولا خارجه". أما أهل السنة، فقد أطلق بعضهم (كالإمام أحمد في رواية) لفظ "الحد" في مقابلة الجهمية الذين قالوا إن الله لا حد له، وأرادوا بذلك أن الله بائن من خلقه وله حقيقة ينتهي إليها وجوده المقدس فوق العرش، لا يختلط بخلقه. فالمسلك العقدي يرفض "النهاية" التي تعني النقص أو الإحاطة بالله، ولكنه يثبت "النهاية" بمعنى التمايز والبينونة عن المخلوقات، لئلا يؤول الأمر إلى عقيدة وحدة الوجود.
رابعاً: تحقيق الباحث
يقرر الباحث أن نفي "النهاية والغاية" عن الله عند المتكلمين كان ذريعة لنفي "رؤية الله" ونفي "علوه"؛ لأن الرؤية تقتضي أن يكون المرئي متميزاً بحدود يقع عليها البصر. ويرى الباحث أن التحقيق العلمي يوجب القول بأن الله تعالى له "حد" لا يعلمه إلا هو، وهذا الحد هو الذي يفصل ذاته المقدسة عن ذوات المخلوقين. ويؤكد الباحث أن القول بأن الله "لا نهاية له" بمعنى أنه منتشر في كل مكان هو قول باطل يصادم صريح القرآن. لذا، فإن الغاية والنهاية بمعناهما الشرعي (البينونة والتمييز) هما من مقتضيات كمال الوجود، إذ إن الموجود الذي لا حد له ولا نهاية لذاته هو العدم أو الوجود الذهني المحض الذي لا حقيقة له في الأعيان.
المفردة التاسعة: لفظ "الأين" (السؤال بـ "أين")
أولاً: الاشتقاق اللغوي
"أين" في اللغة اسم استفهام يُطلب به تعيين المكان. وهي كلمة تدل على الظرفية المكانية. يقال: أين فلان؟ أي في أي مكان هو. وقد تُستخدم في المجاز للدلالة على المكانة، لكن أصلها الحقيقي هو السؤال عن الحيز الذي يشغله المسؤول عنه أو الجهة التي هو فيها.
ثانياً: الحد الجامع المانع
نحدُّ "الأين" في البحث العقدي بأنه: "طلب تعيين جهة الموصوف أو مكانه بالنسبة لغيره من الموجودات".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل السؤال عن المكان الحقيقي (للمخلوق) والسؤال عن جهة العلو (للخالق).
جامع: استوعب "النسبة"، فـ "أين" تقتضي وجود سائل ومسؤول عنه وجهة بينهما.
مانع: أخرج الأسئلة عن "الكيفية" (كيف) أو "الماهية" (ما هي)، لأن "أين" متمحضة للمكان والجهة.
مانع: أخرج "الموجودات الذهنية" التي لا جهة لها، فلا يصح السؤال عنها بـ "أين" إلا مجازاً.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
أنكر المتكلمون جواز السؤال عن الله بـ "أين"؛ زاعمين أن ذلك يقتضي تحيزه في مكان. والمسلك العقدي الحق هو ما ثبته النبي ﷺ في "حديث الجارية" حين سألها: "أين الله؟" فقالت: "في السماء"، فأقرها وقال: "أعتقها فإنها مؤمنة". فهذا نص صريح في جواز "التأيين" في حق الله تعالى، وهو تأيينٌ لجهة العلو لا لمكان الحصر. فالله يُقال فيه "أين" بمعنى الفوقية المطلقة، بخلاف المخلوق الذي يقال فيه "أين" بمعنى الحواية والظرفية. فمن منع "أين" في حق الله فقد ردَّ السنة الصريحة، ومن أثبتها بمعنى الحصر في مكان مخلوق فقد شبه الله بخلقه، والوسط هو إثبات "الأين" لجهة العلو فقط.
رابعاً: تحقيق الباحث
يخلص الباحث إلى أن لفظ "الأين" هو الفاصل بين "الإثبات السلفي" و"التعطيل الكلامي". فالباحث يرى أن النبي ﷺ استخدم هذا اللفظ ليمتحن به إيمان الجارية، مما يدل على أن معرفة أن الله "في السماء" (أي في العلو) هي أصل من أصول الإيمان. ويرى الباحث أن التفلسف في نفي "الأين" بدعوى أن الله "خلق الأين فلا يقال فيه أين" هو كلام لا حاصل له؛ لأننا لا نسأل عن "أين" التي هي مكان مخلوق، بل نسأل عن "جهة العلو" التي هي من لوازم ذاته سبحانه وبينونته عن خلقه. ويؤكد الباحث أن إبطال السؤال بـ "أين" يؤدي بالضرورة إلى إبطال "الارتقاء" و"النزول" و"المعراج"، وهي ثوابت عقدية لا تستقيم إلا بإثبات جهة العلو لله تعالى.
الحواشي (الهوامش):
(1) الفلاسفة الإلهيون: وهم الذين بحثوا في "المكان" وزعموا أنه "سطح باطن للجسم الحاوي"، وبناءً عليه نفوا وجود الله فوق العالم لأنه لا يوجد عندهم "مكان" وراء العالم، فخالفوا بذلك صريح العقل والنقل.
(2) نفاة الحد: وهم الجهمية والمعتزلة، وأول من اشتهر عنه قول "إن الله لا حد له" هو جهم بن صفوان، وأراد بذلك نفي أن يكون الله متميزاً عن خلقه، ليمهد لقوله بالحلول العام.
(3) القائلون بالحد: ورد عن عبد الله بن المبارك قوله: "نَعرف ربنا بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه بحد"، وقد فسر العلماء مراده بـ "الحد" هنا أنه التميز والبينونة، لا الإحاطة بكنه الذات.
(4) حديث الجارية: هو حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث معاوية بن الحكم السلمي، ويعدُّ هذا الحديث غصة في حلق المعطلة، لذا حاولوا تضعيفه أو تأويله تأويلات مستكرهة.
(5) الحلولية: طائفة تزعم أن الله حلَّ في المخلوقات، ومنهم من يقول بالحلول العام (في كل مكان)، ومنهم من يقول بالحلول الخاص (في أشخاص معينين)، وكلاهما نتيجة لنفي بينونة الله عن خلقه ونفي جهة العلو.
(6) وحدة الوجود: مذهب ابن عربي الصوفي ومن تبعه، وهم الذين يزعمون أن "وجود الخالق هو عين وجود المخلوق"، ونفي الغاية والنهاية والحد عن الله كان من أقوى أدلتهم لخلط الخالق بالمخلوق.
----------------&
المفردة العاشرة: لفظ "القِدَم" (القديم)
أولاً: الاشتقاق اللغوي
القِدَم في اللغة خلاف الحداثة، وهو مأخوذ من "قَدُمَ" الشيء إذا طال زمنه. والقديم هو المتقدم على غيره، ومنه "العرجون القديم" أي الذي مر عليه زمان حتى جفَّ وانحنى. والمادة تدور حول "السبق الزماني" أو "الرتبة المتقدمة"، ولا يقتضي في لسان العرب ما لا أول له مطلقاً، بل قد يطلق على ما سبق غيره وإن كان هو في نفسه حادثاً.
ثانياً: الحد الجامع المانع
نحد القِدَم (باعتباره صفة إلهية عند المتكلمين) بأنه: "وجوب الوجود لذاته بحيث لا يسبقه عدم، ولا يفتقر في تحققه إلى صانع أو علة".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل المعنى الذي قصده المتكلمون في إثبات أزلية الخالق سبحانه وتميزه عن الحوادث.
جامع: استوعب "وجوب الوجود"، وهو الركن الذي يفرق بين قديم الذات وقِدَم الزمان النسبي.
مانع: أخرج "القديم الزماني" (كالأب بالنسبة للابن)؛ لأن الأب مسبوق بالعدم، والحد نفى سبق العدم.
مانع: أخرج "العالم" عند الفلاسفة الذين قالوا بقدمه، لأن العالم مفتقر لعلة (خالق)، والحد اشترط عدم الافتقار لعلة.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
لفظ "القديم" ليس من أسماء الله الحسنى التي وردت في الكتاب والسنة، وإنما هو من باب الإخبار. وقد استعمله المتكلمون وجعلوه أخص وصف للإله، ووقع الخلل حين جعلوا "القِدَم" هو العلة في نفي الصفات؛ فقالوا: لو اتصف الله بصفات (كالارادة والسمع) لكانت هذه الصفات قديمة، وتعدد القدماء يستلزم تعدد الآلهة. والتحقيق العقدي يثبت أن "الأول" هو الاسم الشرعي البديل، وهو الذي يجمع معنى السبق المطلق مع صفات الكمال، وأن تعدد "الصفات" لموصوف واحد لا يعني تعدد الذوات، فالله قديم بذاته وصفاته، ولا يلزم من ذلك محذور عقلي.
رابعاً: تحقيق الباحث
يرى الباحث أن العدول عن لفظ "الأول" إلى لفظ "القديم" في كتب العقائد الكلامية لم يكن مجرد اصطلاح، بل كان لغرض نفي "الأفعال الاختيارية" لله تعالى؛ إذ زعموا أن القِدَم يقتضي السكون وعدم التغير. والباحث يحقق أن "الأول" الذي ليس قبله شيء هو الذي له كمال البقاء والقدرة على الفعل متى شاء وكيف شاء. ويرى الباحث أن تسمية الله بالقديم فيها قصور لغوي؛ لأن القديم في اللغة قد يكون مسبوقاً بغيره، بخلاف "الأول" الذي ينفي القبلية مطلقاً. لذا فإن التحقيق العلمي يوجب التمسك بالأسماء التوقيفية لأنها تحمل معاني الكمال والجمال، بينما الألفاظ الكلامية قد تحتمل نقصاً أو توهم معنى فاسداً.
المفردة الحادية عشرة: لفظ "الجوهر" (بمعناه القائم بنفسه)
أولاً: الاشتقاق اللغوي
الجوهر كلمة معربة كما تقدم، وتعني أصل الشيء وجوهره. وفي لسان العرب الجوهر هو النفيس من كل شيء، وما وضعت عليه جبلة الشيء. أما في الاصطلاح المنطقي والفلسفي، فالجوهر هو الموجود لا في موضوع، أي الذي لا يحتاج في وجوده إلى شيء يقوم به، بل هو الحامل للأعراض.
ثانياً: الحد الجامع المانع
الجوهر هو: "الموجود القائم بنفسه، المتحيز بذاته، الذي يكون محلاً للمتغيرات (الأعراض) ولا يقوم هو في غيره".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل كل الأعيان القائمة بنفسها، من أجرام سماوية وأجسام أرضية ونفوس مجردة عند الفلاسفة.
جامع: استوعب ركن "الاستقلال بالوجود" وهو فارق الجوهر عن العرض.
مانع: أخرج "الأعراض" (كالسواد والبياض) لأنها تقوم في غيرها ولا تقوم بنفسها.
مانع: أخرج "المعدومات"؛ لأن الجوهر لا بد أن يكون موجوداً عينياً شاغلاً لحيّز أو قائماً بذاته.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
أطلق بعض المتكلمين لفظ "الجوهر" على الله تعالى بمعنى أنه "قائم بنفسه"، ولكن جمهور أهل السنة منعوا هذا الإطلاق؛ لأن الجوهر في اصطلاح النظار يقتضي "التحيز" و"قبول الأعراض" و"التركب من أجزاء"، وهذه كلها لوازم للأجسام المخلوقة. فالمسلك العقدي السليم يمنع وصف الله بالجوهر؛ لأن الله تعالى لم يُسمِّ نفسه بذلك، ولأن اللفظ يحمل معانٍ من النقص والتشبيه لا تليق بجلاله. والتحقيق أن الله "قيوم" قائم بنفسه ومقيم لغيره، وهذا اللفظ الشرعي يغني عن لفظ الجوهر المبتدع الموهم للحدوث.
رابعاً: تحقيق الباحث
يخلص الباحث إلى أن لفظ "الجوهر" من الألفاظ التي تسبب اضطراباً في التصور العقدي؛ فالفلاسفة يريدون به معنى، والمتكلمون يريدون به معنى آخر. ويرى الباحث أن من أطلقه على الله أراد "تنزيهه عن الحاجة إلى محل"، وهو معنى صحيح، لكن الوسيلة (اللفظ) فاسدة. ويؤكد الباحث أن إطلاق "الجوهر" على الله يفتح الباب للقول بأنه "جسم" لأن الجوهر هو أصل الجسم عند المتكلمين. لذا فإن التحقيق العلمي يقتضي منع إطلاق هذا اللفظ في حق الخالق، والاعتصام بلفظ "الذات المقدسة" أو "القيوم"، صيانةً لجناب التوحيد عن اصطلاحات الفلسفة التي تجعل الخالق جنساً من جنس المخلوقات.
المفردة الثانية عشرة: لفظ "الحلول"
أولاً: الاشتقاق اللغوي
الحلول من "حَلَّ" بالمكان يحُلُّ حلولاً إذا نزل فيه. ويُقال: حَلَّ الدَّيْنُ إذا وجب وقت أداه. والحُلول في اللغة هو نزول جسم في جسم آخر أو ظرف في مظروفه، بحيث يحيط الثاني بالأول. فالمادة تدور حول "المداخلة"، و"النزول"، و"الاتصال المكاني" بين شيئين متميزين.
ثانياً: الحد الجامع المانع
الحلول هو: "قيام موجود بموجود آخر على سبيل التبعية أو الظرفية، بحيث تصير نسبة أحدهما للآخر كنسبة العرض للجوهر أو المظروف للظرف".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل "الحلول اللاهوتي" (ادعاء حلول الإله في البشر) و"الحلول العرضي" (حلول الصفات في الموصوفات).
جامع: استوعب صورة "الاتحاد الجزئي" الذي تدعيه بعض الفرق.
مانع: أخرج "المجـاورة"؛ لأن المتجاورين لا يحل أحدهما في الآخر بل يتمايزان مكاناً.
مانع: أخرج "العلم"؛ فعلم الله بالأشياء ليس حلولاً فيها، بل هو إحاطة وانكشاف، فخرج من حد المداخلة والحلول.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
عقيدة الحلول هي من أبطل الباطل في باب الاعتقاد؛ إذ يزعم القائلون بها أن الله يحل في بعض خلقه (كعيسى عليه السلام، أو بعض الأولياء عند غلاة الصوفية) أو أنه يحل في كل شيء (الحلول العام). والمسلك العقدي الحق يثبت أن الله تعالى "بائن من خلقه"، مستوٍ على عرشه، لا يحل في شيء من خلقه ولا يحل في ذاته شيء من خلقه. فالحلول يستلزم انقسام الإله أو افتقاره للمحل، وهو كفر صريح يصادم التوحيد. وقد استخدم المتكلمون "نفي الحلول" لنفي "قيام الصفات الاختيارية" بذات الله، وهذا خلط متعمد؛ فقيام صفة الرب به ليس حلولاً، لأن الصفة ليست شيئاً منفصلاً دخل في الذات، بل هي كمال للموصوف.
رابعاً: تحقيق الباحث
يرى الباحث أن جذور "الحلول" تعود إلى فلسفات هندية ونصرانية تسرَّبت إلى الفكر المنتسب للإسلام عبر غلاة المتصوفة. والباحث يحقق أن الفرق بين "الإثبات السلفي" و"الحلول البدعي" هو "البينونة"؛ فالسلف يثبتون أن الله مع خلقه بعلمه وقدرته (معية علم) لا بذاته (معية حلول). ويؤكد الباحث أن القول بالحلول هو هدم لأساس الدين؛ لأنه يرفع الفارق بين الخالق والمخلوق، ويؤدي بالضرورة إلى "وحدة الوجود". لذا فإن التحقيق العلمي يوجب التبرؤ من كل لفظ يوهم المداخلة أو الممازجة بين الذات الإلهية المقدسة وبين الأعيان المخلوقة المستقذرة، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
الحواشي (الهوامش):
(1) دليل حدوث الأجسام (أو دليل الأعراض): وهو العمدة عند المتكلمين في إثبات وجود الله، وقوامه أن الأجسام لا تخلو من "الأعراض"، والأعراض "حادثة" (قديمة النوع حادثة الآحاد عندهم)، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ومن هنا جاء اضطرابهم في لفظ "القديم" و"الجوهر".
(2) تعدد القدماء: شبهة أثارها المعتزلة، زعموا فيها أن إثبات الصفات لله يعني وجود "قدماء" مع الله، وهذا يشبه قول النصارى في الأقانيم، وبناءً عليه نفوا الصفات. ورد عليهم أهل السنة بأن الصفة ليست ذاتاً مستقلة حتى يقال بتعدد القدماء، بل هي تابعة للموصوف.
(3) النصارى (اللاهوت والناسوت): هم أصل القول بالحلول الخاص، حيث زعموا حلول اللاهوت (الإله) في الناسوت (عيسى)، وانتقلت هذه الفكرة لغلاة الرافضة ثم لغلاة الصوفية.
(4) الحلاج (الحسين بن منصور): من أشهر القائلين بالحلول والاتحاد، وهو صاحب المقولة الكفرية "ما في الجبة إلا الله"، وقد أجمع علماء زمانه على كفره وقتله بسبب هذه العقيدة.
(5) المشبهة والمجسمة: وهم الذين ردوا على المعطلة بباطل آخر، فزعموا أن الله "جوهر" أو "جسم" كالأجسام، فوقعوا في التمثيل الذي لا يقل خطورة عن التعطيل.
(6) الصفات الاختيارية (أفعال الذات): هي الأفعال التي يفعلها الله بمشيئته وقدرته إذا شاء (كالنزول والمجيء والضحك)، ويسميها المتكلمون "حوادث" ويفرون من إثباتها بذريعة نفي "حلول الحوادث" في الذات الإلهية.
-------------------&
المفردة الثالثة عشرة: لفظ "المكان"
أولاً: الاشتقاق اللغوي
المكان في اللغة اسم للموضع الذي يشغله الشيء، وهو مشتق من "كان" إذا ثبت ووجد، أو من "المكن" وهو الاستقرار. والعرب تطلق المكان على المستقر، وعلى المنزلة والقدر. والمادة تدور حول "التحيز والوجود في حيز معين"، فكل ما استقر في موضع فقد اتخذ مكاناً.
ثانياً: الحد الجامع المانع
نحدُّ المكان بأنه: "الفراغ الذي يشغله الجرم، أو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوى".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل المكان الحقيقي (كالأرض للسكان) والمكان الاعتباري (الفراغ المفترض).
جامع: استوعب التعريف الفلسفي (السطح الحاوي) والتعريف الكلامي (الخلاء)، مما يغطي كافة المذاهب.
مانع: أخرج "المعدومات"؛ لأن المكان يقتضي وجود مكين (شيء يشغله).
مانع: أخرج "الصفات المعنوية"؛ لأنها لا تتماس مع الأسطح ولا تشغل فراغاً مستقلاً عن موصوفها.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
إن نفي "المكان" عن الله تعالى هو التكأة التي استند إليها المعطلة لنفي علو الله على عرشه، قائلين: "كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان". والتحقيق العقدي يقتضي التفصيل: إن أريد بالمكان "الظرف المخلوق" الذي يحيط بالشيء ويحويه، فالله منزه عن ذلك؛ لأنه سبحانه لا يحويه شيء من خلقه. وإن أريد بالمكان "الجهة الوجودية" التي هي فوق العالم وبائنة عنه، فهذا حق ثابت؛ فالله في جهة العلو (وهو مكان عدمي لا مخلوق فيه). فمن نفى المكان مطلقاً لزم من قوله نفي وجود الله أو القول بحلوله في كل شيء، وكلاهما ضلال.
رابعاً: تحقيق الباحث
يرى الباحث أن لفظ "المكان" من أكثر الألفاظ إيهاماً، والواجب شرعاً هو التعبير بلفظ "العلو" و"الاستواء" كما جاء في النص. فالباحث يحقق أن قول النفاة "الله لا في مكان" هو تعبير يقصدون به نفي المباينة، أي نفي أن يكون الله منفصلاً عن خلقه فوق عرشه. ويرى الباحث أن إثبات "المكان" لله بمعنى "الاستواء على العرش" هو مقتضى الفطرة؛ فالمصلي يرفع يديه للسماء، والقلوب تتوجه للأعلى عند الدعاء. لذا، فإن التحقيق العلمي يوجب تنزيه الله عن "المكان الحاوي" (النقص)، وإثبات "المكان الأعلى" (الكمال) الذي هو فوق سماواته مستوياً على عرشه بائناً من خلقه.
المفردة الرابعة عشرة: لفظ "الحدوث" (قيام الحوادث)
أولاً: الاشتقاق اللغوي
الحدوث في اللغة نقيض القِدَم، وهو وجود الشيء بعد أن لم يكن. يقال: حدث الشيء حدوثاً فهو حادث. والمادة تدور حول "الابتداء" و"التجدد" و"الكون بعد العدم". وتستخدم العرب لفظ "الحدث" للدلالة على الأمر المتجدد الذي يطرأ على الحالة المستقرة.
ثانياً: الحد الجامع المانع
نحد الحدوث بأنه: "تجدد الوجود بعد سبق العدم، أو هو كل وجود مفتقر إلى مخصص (خالق) يخرجه من حيز الإمكان إلى حيز الفعل".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل حدوث الأعيان (كالمخلوقات) وحدوث الأفعال (كالكلام والنزول عند من يسميها حوادث).
جامع: استوعب ركن "الافتقار"، وهو العلامة الفارقة بين الخالق والمخلوق.
مانع: أخرج "القديم الذاتي" (الله سبحانه)؛ لأنه لا يسبقه عدم ولا يفتقر لغيره.
مانع: أخرج "الممتنع"؛ لأن الممتنع لا يوجد أصلاً فلا يوصف بحدوث ولا قدم.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
جعل المتكلمون نفي "قيام الحوادث بذات الله" أصلاً لنفي أفعاله الاختيارية؛ فزعموا أن الله لا يتكلم متى شاء، ولا ينزل، ولا يغضب، ولا يفرح؛ لأن هذه عندهم "حوادث"، والذات التي تقوم بها الحوادث تكون حادثة. والتحقيق العقدي يفرق بين "مخلوق منفصل" وبين "فعل قائم بالذات"؛ فالله يفعل ما يشاء متى شاء، وأفعاله وإن كانت متجددة الآحاد فهي قديمة النوع، وقيام هذه الأفعال به كمالٌ لا يقتضي حدوث الذات، بل العكس هو الصحيح؛ فالحي هو الذي يتحرك ويفعل، والجماد هو الذي لا يقوم به فعل ولا حركة.
رابعاً: تحقيق الباحث
يخلص الباحث إلى أن إنكار "قيام الحوادث" (أي الأفعال الاختيارية) هو في حقيقته تعطيل لربوبية الله وتدبيره. فالباحث يرى أن حصر "الحدوث" في المخلوقات المنفصلة فقط هو تحجيم لمعنى الإلهية؛ فالله لم يزل فعالاً، ويتكلم إذا شاء بما شاء. ويرى الباحث أن تسمية "صفات الفعل" حوادث هو اصطلاح كلامي قصد به التنفير، والتحقيق العلمي يثبت أن "تجدد الفعل" لا يستلزم "تجدد الذات"، فالله قديم بصفاته، وأفعاله تابعة لمشيئته، ونفي هذه الأفعال يجعل من الإله ذاتاً ساكنة جامدة تشبه الجمادات، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
المفردة الخامسة عشرة: لفظ "المؤلف" (أو المركب تأليفاً)
أولاً: الاشتقاق اللغوي
المؤلف من "أَلَفَ"، وهو ضم الشيء إلى الشيء حتى يحصل بينهما انسجام وتواصل. والتأليف أخص من الجمع؛ لأن الجمع قد يكون لمتفرقات لا رابط بينها، أما التأليف فهو جمع أجزاء متناسبة لتشكل وحدة واحدة. والمادة تدور حول "الاجتماع بعد الافتراق" و"الافتقار للأجزاء".
ثانياً: الحد الجامع المانع
المؤلف هو: "كل موجود اجتمع من أجزاء متغايرة بالذات أو بالصفة، بحيث يكون وجوده الكلي متوقفاً على انضمام تلك الأجزاء".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل التأليف الحسي (كالأجسام) والتأليف المعنوي (كالقضايا والعلوم).
جامع: استوعب صفة "الافتقار للجزء" وهي العلة في منع إطلاق اللفظ على الخالق.
مانع: أخرج "الواحد الأحد" من كل وجه؛ الذي لا أجزاء له ولا تركيب في ذاته.
مانع: أخرج "الجزء الذي لا يتجزأ" (عند من يثبته)؛ لأنه بسيط لا تأليف فيه.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
استخدم المعطلة لفظ "نفي التأليف" لنفي صفات الله الوجيهة (كاليدين والعينين)؛ فزعموا أن إثبات "يدين" لله يستلزم أنه "مؤلف" من أعضاء وجوارح، والمؤلف مفتقر لأجزائه، والمفتقر لا يكون إلهاً. والمسلك العقدي الحق يقرر أن الله "أحد صمد" ليس مؤلفاً من أجزاء جُمعت، ولا يشبه خلقه في تركيبهم، ولكن إثبات ما أثبته لنفسه من الصفات ليس تأليفاً ولا تركيباً في لغة العرب، بل هو إثبات لكمال الذات. فالصفة ليست جزءاً منفصلاً، بل هي معنى قائم بالموصوف لا ينفك عنه، وتسميتها "تأليفاً" هو من باب التلبيس اللفظي لنفي الحق.
رابعاً: تحقيق الباحث
يرى الباحث أن هرب المتكلمين من لفظ "المؤلف" أوقعهم في نفي "الحقيقة الوجودية" للخالق؛ فصار عندهم ذاتاً مجردة لا صفة لها ولا فعل. والباحث يحقق أن "التأليف" المستلزم للنقص هو ما كان عن جمع أجزاء كانت متفرقة، وهذا محال على الله. أما "الصفات الخبرية" فهي ثابتة بالنص وتليق بجلاله، ولا تقتضي الأعضاء ولا الأدوات ولا التركيب البدني. ويؤكد الباحث أن الواجب هو نفي "التأليف البدني" عن الله مع إثبات "الصفات الذاتية" التي نطق بها الوحي، والفرق بينهما معلوم بضرورة العقل؛ فالموصوف لا يسمى مركباً ولا مؤلفاً بمجرد اتصافه بالكمال.
الحواشي (الهوامش):
(1) دليل الخلاء والملأ: وهو من أدلة الفلاسفة والمتكلمين في بحث "المكان"، حيث اختلفوا هل المكان هو "الفراغ المحض" (الخلاء) أم هو "الجسم الحاوي" (الملأ)، وانعكس هذا النزاع على مسألة أين الله.
(2) متكلمو الأشاعرة والماتريدية: الذين صرحوا في كتبهم (كالجويني في الإرشاد) بأن الله "لا يشار إليه بالحس ولا يحده مكان"، وقصدهم من ذلك سد الذريعة أمام من يثبت العلو الحقيقي.
(3) ابن تيمية (شيخ الإسلام): الذي فصَّل في "رسالة التدمرية" و"درء التعارض" مسألة الألفاظ المجملة كالمكان والجهة والتركيب، ووضع القاعدة الذهبية: "نستفصل في المعنى، فإن كان حقاً قبلناه بلفظه الشرعي، وإن كان باطلاً رددناه".
(4) حوادث لا أول لها (التسلسل في الآثار): مسألة عقدية كبرى، يثبتها أهل السنة بمعنى أن الله لم يزل فعالاً متكلماً، وينفيها المتكلمون زاعمين أنها تستلزم قِدَم العالم، وهذا من آثار خلطهم بين "نوع الفعل" و"آحاد المفعولات".
(5) البساطة المطلقة: مذهب الفلاسفة (كابن سينا) الذين نفوا عن الله "تعدد الصفات" بدعوى نفي "التركيب والتأليف"، حتى قالوا: إن علمه هو ذاته، وقدرته هي ذاته، فجعلوا الله مجرد مفهوم ذهني لا حقيقة له.
(6) المعطلة: لقب يطلق على كل من نفي شيئاً من أسماء الله وصفاته، وسموا بذلك لأنهم عطلوا النصوص عن معانيها، وعطلوا الخالق عن كماله المليق به.
-----------&
المفردة السابعة عشرة: لفظ "المُصادفة" (أو الاتفاق)
أولاً: الاشتقاق اللغوي
المصادفة من "صَدَفَ"، وهو اللقاء من غير قصد أو سابق تدبير. ويقال: صدف فلان فلاناً، أي وجده اتفاقاً بلا ميعاد. والمادة تدور حول "المفاجأة" و"عدم الإرادة" و"الحدوث بلا علة غائية". فكل ما وقع بلا تدبير ولا إحكام يسمى في اللغة "صدفة" أو "اتفاقاً".
ثانياً: الحد الجامع المانع
نحدُّ المصادفة بأنها: "وقوع الحدث الممكن بلا فاعل مختار، أو ظهور الأثر المنظم نتيجة تراكم حركات عشوائية لا يجمعها قصد ولا تحيط بها إرادة".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل إنكار الخالق (الإلحاد المادي) وإنكار الحكمة في الأفعال عند بعض النظار الذين نسبوا الحوادث للاتفاق.
جامع: استوعب ركن "انتفاء القصد" وهو جوهر المصادفة التي تضاد "التدبير".
مانع: أخرج "الأفعال القصدية"؛ لأنها صادرة عن إرادة وتدبير محكم.
مانع: أخرج "الضرورات العقلية" والسنن الثابتة؛ لأنها لا توصف بأنها وقعت اتفاقاً بل هي مطردة لا تتخلف.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
لفظ "المصادفة" هو من الألفاظ البدعية التي تسللت لبعض المباحث عند مناقشة "نفي التعليل". فالمسلك العقدي الحق ينفي "المصادفة" في خلق الكون أو أفعال الرب؛ فكل ذرة في الوجود جارية بقدر معلوم وحكمة بالغة. والذين نفوا "الحكمة والسببية" أفسحوا المجال دون قصد للقول بالمصادفة؛ بينما القرآن يؤكد: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}. فالقول بالمصادفة هو طعن في ربوبية الله وفي قيوميته المحيطة بكل شيء، ومصادمة لصفة "العلم" التي أحصت كل شيء قبل وقوعه.
رابعاً: تحقيق الباحث
يرى الباحث أن لفظ "المصادفة" هو "إله الفجوات" عند الفلاسفة الماديين، وقد انتقل أثره لبعض النظار عند حديثهم عن "جواز وقوع الممكنات" بلا مرجح. والباحث يحقق أن النظام الدقيق في الكون يُبطل عقلاً "نظرية الاحتمالات الصدفية"؛ فإتقان الصنع يدل على "إرادة صانع". ويرى الباحث أن الواجب هو إثبات "القدر السابق" المحيط بكل حركة وسكون، وأن تسمية الحوادث "صدفة" هو جهل بالأسباب أو جحود للمسبب. لذا فإن التحقيق العلمي يربط بين "نفي المصادفة" وبين "إثبات صفة الخبرة والحكمة" لله تعالى، بما يقطع الطريق على الأفكار المادية المعاصرة التي تحاول تفسير الوجود بالخبط العشوائي.
المفردة الثامنة عشرة: لفظ "الهيولى" (المادة الأولى)
أولاً: الاشتقاق اللغوي
كلمة "هيولى" يونانية الأصل (Hyle)، ومعناها في أصلهم "الخشب" أو "المادة الخام" التي يُصنع منها الشيء. واستخدمها الفلاسفة العرب للدلالة على المادة الأولى التي لا شكل لها، وهي التي تقبل الصور المختلفة. والمادة تدور حول "القابلية" و"الاستعداد" و"الأصل المادي غير المتشكل".
ثانياً: الحد الجامع المانع
الهيولى هي: "جوهر في الجسم لا صورة له في نفسه، ولكنه يقبل كل الصور، وهو محل للتغيرات والاستحالات المادية، يُفترض قِدَمه في الأزل".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: استوعب مذهب الفلاسفة المشائين في تركيب الأجسام من "مادة وصورة".
جامع: شمل صفة "القدم الزماني" التي يدعيها الفلاسفة لهذه المادة، لتمييزها عن الأجسام المحدثة.
مانع: أخرج "الصورة"؛ لأن الهيولى هي المحل (القابل) والصورة هي الحال (المقبول).
مانع: أخرج "الجواهر المجردة" كالعقل؛ لأنها لا تقبل الصور المادية ولا تنقسم.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
أقحم الفلاسفة (كابن سينا) لفظ "الهيولى" في البحث العقدي ليزعموا "قِدَم العالم"؛ فقالوا إن الله خلق العالم من "مادة قديمة" (الهيولى). والمسلك العقدي الحق يقرر أن الله خلق كل شيء من "عدم"، وأن المادة مخلوقة ومحدثة بكلمة "كن". والقول بالهيولى القديمة هو نوع من الشرك في "الأزلية"، ويؤدي إلى القول بأن الله "صانع" (مشكِّل للمادة) وليس "خالقاً" (موجداً من العدم). لذا فإن لفظ الهيولى لفظ بدعي فلسفي يُصادم عقيدة "انفراد الله بالأولية" المطلقة.
رابعاً: تحقيق الباحث
يخلص الباحث إلى أن "الهيولى" هو وهم فلسفي لا دليل عليه من حس ولا عقل صريح. فالباحث يحقق أن الأجسام تنحل إلى أجزاء مخلوقة، والقول بوجود مادة "عاصية على العدم" تشارك الله في قِدَمه هو هدم لأصل التوحيد. ويرى الباحث أن القول بالهيولى كان قنطرة للقول بـ "الصدور" الفلسفي بدلاً من "الخلق" الإرادي. ويؤكد الباحث أن إبطال هذا اللفظ هو صيانة لعقيدة "انفراد الله بالقدم"، وتحقيق لمعنى قوله تعالى: {خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}. فـ "لم تك شيئاً" تنفي وجود أي مادة أو هيولى سابقة على إيجاد الله للخلق.
المفردة التاسعة عشرة: لفظ "العلة الفاعلة" (أو العلة الموجبة)
أولاً: الاشتقاق اللغوي
العلة في اللغة هي المرض، وتطلق على السبب الذي يتغير به حال الشيء. وفي الاصطلاح المنطقي هي ما يتوقف عليه وجود الشيء. والمادة تدور حول "التأثير" و"الارتباط الحتمي" بين السبب والمسبب.
ثانياً: الحد الجامع المانع
هي: "المؤثر الذي يجب عنه الأثر بذاته لا بإرادته، بحيث لا يتخلف عنه المعلول إذا وجدت العلة".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: شمل قول الفلاسفة في "الإيجاب الذاتي" لنفي الاختيار عن الله.
جامع: استوعب ركن "التلازم الضروري" الذي يفرق بين العلة وبين الفاعل المختار.
مانع: أخرج "الفاعل المريد"؛ لأن الفاعل قد يفعل وقد يترك، والعلة لا تترك أثرها.
مانع: أخرج "السبب الشرعي"؛ لأنه لا يوجب الحكم لذاته بل بجعل الله له سبباً.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
وصف المتكلمون والفلاسفة الله بأنه "علة" (أو علة العلل). والمسلك العقدي يمنع هذا اللفظ؛ لأن العلة في الاصطلاح تقتضي "الاضطرار" ونفي "المشيئة"، فمتى وجدت العلة وجد المعلول، وهذا يستلزم قدم العالم مع الله كما يتبع الظلُّ الجسم. والتحقيق أن الله "فاعل مختار" و"خالق مريد"، يفعل إذا شاء ويترك إذا شاء، ولا يسمى "علة" لأن العلة لا مشيئة لها. فتسمية الرب علة هو انتقاص من كمال قدرته ومشيئته النافذة.
رابعاً: تحقيق الباحث
يرى الباحث أن لفظ "العلة" هو أخطر الألفاظ الفلسفية التي أفسدت باب "القدر" و"الأفعال". والباحث يحقق أن الربط بين الله وبين خلقه هو ربط "خلق ومشيئة" لا ربط "علة ومعلول". ويرى الباحث أن هذا اللفظ أدى بالفلاسفة إلى إنكار "المعجزات" لأن العلة لا تتغير. ويؤكد الباحث أن العدول إلى اللفظ الشرعي "الخالق" و"الباري" يحفظ للرب عظمته في كونه يغير السنن متى شاء، بينما لفظ العلة يسلب الإله أعظم صفاته وهي المشيئة الحرة والقدرة المطلقة.
المفردة العشرون: لفظ "المُحايثة" (أو الاندماج)
أولاً: الاشتقاق اللغوي
المحايثة كلمة مولدة مشتقة من "حيث"، وتفيد الوجود في الشيء أو الاندماج فيه. وفي اللغة تدور حول الملازمة والملاصقة الشديدة التي لا تترك مسافة بين شيئين.
ثانياً: الحد الجامع المانع
هي: "الوجود الساري في الأشياء بحيث لا يكون لوجود الخالق تمايز عن وجود المخلوق في الأعيان".
سبب الاختيار وكونه جامعاً مانعاً:
جامع: استوعب مذاهب "وحدة الوجود" والحلولية الذين ينفون "البينونة".
جامع: شمل نفي "الجهة" الذي يؤول إلى اندماج الخالق بالعالم (المحايثة).
مانع: أخرج "المعية العلمية"؛ لأن الله مع خلقه بعلمه وهو مباين لهم بذاته.
مانع: أخرج "المجاورة"؛ لأن المتجاورين يتميزان حساً، والمحايثة تنفي التميز.
ثالثاً: المسلك العقدي (التحقيق العقدي)
لفظ "المحايثة" هو المقابل البدعي للفظ "المباينة". فالمسلك العقدي السليم يثبت أن الله "بائن من خلقه" (أي منفصل عنهم بذاته)، بينما تقول الحلولية والملاحدة بالمحايثة (أي أن الله في العالم أو هو العالم). وهذا اللفظ بدعي قبيح؛ لأنه يرفع الفارق بين الرب والعبد، ويؤدي إلى القول بأن الرب يحل في الأماكن المستقذرة، تعالى الله عن ذلك. فالحق أن الله فوق العالم بائن منه، ومحيط به بعلمه وقدرته، لا بمحايثة ذاته للمخلوقات.
رابعاً: تحقيق الباحث
يختم الباحث المبحث بالتحقيق أن "المحايثة" هي الثمرة المرة لنفي "الجهة والعلو"؛ فمن نفى أن يكون الله فوق العالم بائناً عنه، لزمه عقلاً إما أن يقول بالعدم أو بالمحايثة. ويرى الباحث أن هذا اللفظ هو جوهر الفلسفات الشرقية الحديثة التي تلبست بلباس الإسلام عند بعض غلاة الصوفية. ويؤكد الباحث أن "البينونة" هي صمام الأمان لعقيدة التوحيد، فالله هو الخالق المنفرد بعلوه، والمخلوق هو المربوب المفتقر، ولا تجتمع الذاتان في حيز واحد ولا تندمجان بحال من الأحوال.
الحواشي (الهوامش):
(1) الفلاسفة الطبيعيون: الذين زعموا أن العالم وجد بالمصادفة عبر "تراكم المادة"، ونفوا الفاعل المختار، وهم أصل الإلحاد المعاصر.
(2) ابن سينا: الذي قرر مذهب "العلة الموجبة" في كتابه "النجاة"، وزعم أن العالم فاض عن الله في الأزل كما يفيض الضوء عن الشمس.
(3) وحدة الوجود: مذهب ابن عربي الصوفي، الذي هو عين القول بـ "المحايثة"، حيث زعم أن وجود الحق هو عين وجود الخلق.
(4) المجبرة (أو القدرية الأولى): الذين قاربوا قول الفلاسفة في "العلة" حين زعموا أن الله يجبر العباد على أفعالهم بلا اختيار، فجعلوا مشيئة العبد كلا شيء.
(5) دليل التمانع: وهو الدليل الذي استخدمه المتكلمون لإبطال وجود إلهين، ويمكن استخدامه هنا لإبطال "المصادفة"؛ لأن التنازع في الصدفة يؤدي لفساد النظام.
(6) البينونة: مصطلح سلفي جليل (بائن من خلقه) استخدمه أئمة السنة كعبد الله بن المبارك والإمام أحمد لقطع الطريق على القائلين بالمحايثة والحلول
---------&
[نَتَائِجُ الدِّرَاسَةِ وَالتَّحْقِيقِ - ٢٠ نَتِيجَةً]
١. أَصْلُ النِّزَاعِ: أَنَّ مَعْرَكَةَ الرُّسُلِ مَعَ خُصُومِهِمْ لَمْ تَكُنْ فِي "تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ"، بَلْ فِي "تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ" وَإِفْرَادِ اللهِ بِالقَصْدِ.
٢. حَقِيقَةُ الشِّرْكِ: أَنَّ صَرْفَ أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ (كَالدُّعَاءِ وَالذَّبْحِ) هُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ، وَلَوْ أَقَرَّ الفَاعِلُ بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ.
٣. تَفْنِيدُ الِاحْتِجَاجِ بِالصَّالِحِينَ: أَنَّ قَصْدَ الصَّالِحِينَ لِأَجْلِ الشَّفَاعَةِ وَالقُرْبَى هُوَ عَيْنُ فِعْلِ مُشْرِكِي العَرَبِ الأَوَّلِينَ.
٤. شُمُولِيَّةُ الرَّدِّ العَامِّ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} هِيَ القَاعِدَةُ الكُبْرَى فِي رَدِّ جَمِيعِ الشُّبُهَاتِ.
٥. تَحْرِيرُ مَعْنَى الشَّفَاعَةِ: أَنَّ الشَّفَاعَةَ مِلْكٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَلَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ بِإِذْنِهِ.
٦. خَطَرُ الشُّبْهَةِ النَّقْدِيَّةِ: أَنَّ المُبْطِلَ قَدْ يَسْتَدِلُّ بِآيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ لِيُبْطِلَ المُحْكَمَ، وَهِيَ مَسْلَكُ أَهْلِ الزَّيْغِ.
٧. ضَبْطُ مَسْأَلَةِ العُذْرِ بِالجَهْلِ: أَنَّ الجَهْلَ مَانِعٌ مِنَ التَّكْفِيرِ فِي المَسَائِلِ الخَفِيَّةِ، أَمَّا الأُصُولُ الظَّاهِرَةُ فَتُقَامُ فِيهَا الحُجَّةُ.
٨. التَّفْرِيقُ بَيْنَ النَّوْعِ وَالعَيْنِ: أَنَّ الحُكْمَ بِكُفْرِ المَقَالَةِ (نَوْعاً) لَا يَسْتَلْزِمُ كُفْرَ القَائِلِ (عَيْناً) إِلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ المَوَانِعِ.
٩. نَقْضُ حَصْرِ الكُفْرِ فِي القَلْبِ: أَنَّ الكُفْرَ يَقَعُ بِالفِعْلِ وَالقَوْلِ الظَّاهِرِ، وَلَيْسَ مَحْصُوراً فِي التَّكْذِيبِ القَلْبِيِّ فَقَطْ.
١٠. بُطْلَانُ الِاسْتِغَاثَةِ البَرْزَخِيَّةِ: أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالأَمْوَاتِ شِرْكٌ مُطْلَقٌ، وَلَا تَقَاسُ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ بِالحَيِّ الحَاضِرِ المَقْدُورِ لَهُ.
١١. أَهَمِّيَّةُ ضَبْطِ الأَلْفَاظِ: أَنَّ الِاعْتِصَامَ بِالأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ المَحْكَمَةِ يَقِي مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي المُجْمَلَاتِ البِدْعِيَّةِ.
١٢. حَقِيقَةُ مَعْنَى الإِلَهِ: أَنَّ "الإِلَهَ" هُوَ المَأْلُوهُ المَعْبُودُ، وَلَيْسَ فَقَطِ القَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ كَمَا زَعَمَتِ المُتَكَلِّمَةُ.
١٣. فَسَادُ مَسْلَكِ المَدَارَاةِ الشِّرْكِيَّةِ: أَنَّ التَّنَازُلَ عَنْ أَصْلِ الدِّينِ لِأَجْلِ العَشِيرَةِ أَوِ المَالِ رِدَّةٌ، إِلَّا فِي حَالِ الإِكْرَاهِ المُلْجِئِ.
١٤. تَهَافُتُ الِاسْتِدْلَالِ بِقِصَّةِ جِبْرِيلَ: أَنَّ قِصَّةَ عَرْضِ جِبْرِيلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ لَا تَصِحُّ إِسْنَاداً، وَلَا تَصْلُحُ مُسْتَنَداً لِتَجْوِيزِ الِاسْتِغَاثَةِ الشِّرْكِيَّةِ.
١٥. أَثَرُ التَّوْحِيدِ فِي الأَمْنِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ سَبِيلُ النَّجَاةِ فِي الدَّارَيْنِ، وَالشِّرْكَ هُوَ أَظْلَمُ الظُّلْمِ المَانِعِ مِنَ الهِدَايَةِ.
١٦. خَطَرُ المَنَاهِجِ الحَرَكِيَّةِ: أَنَّ الخُرُوجَ عَنْ طَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي التَّكْفِيرِ أَدَّى إِلَى ظُهُورِ فِكْرِ الخَوَارِجِ المُعَاصِرِ.
١٧. تَمَيُّزُ المَدْرَسَةِ النَّقْدِيَّةِ المَنْجِيَةِ: أَنَّ تَقْرِيرَاتِ العُلَمَاءِ الأَرْبَعَةِ (ابْنِ عُثَيْمِينَ وَرِفَاقِهِ) هِيَ المِيزَانُ العَدْلُ فِي فَهْمِ كَلَامِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ.
١٨. لُزُومُ الجَمَاعَةِ: أَنَّ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ وَلُزُومَ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ مِنْ أُصُولِ الإِيمَانِ التِي يَنْبَغِي ضَبْطُهَا.
١٩. ثَبَاتُ الشُّبَه: أَنَّ حُجَجَ أَهْلِ البَاطِلِ اليَوْمَ هِيَ اجْتِرَارٌ لِحُجَجِ مَنْ سَبَقَهُمْ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عِلْمِيَّةِ وَخُلُودِ رَدُودِ هَذَا المَتْنِ.
٢٠. وَاجِبُ البَاحِثِ: أَنَّ إِحْيَاءَ الرِّوَايَةِ بِالإِسْنَادِ مَعَ تَحْقِيقِ الدِّرَايَةِ هُوَ المَنْهَجُ الأَمْثَلُ لِحِفْظِ التُّرَاثِ العَقَدِيِّ.
[التَّوْصِيَاتُ العِلْمِيَّةُ وَالدَّعْوِيَّةُ - ٢٠ تَوْصِيَةً]
١. العِنَايَةُ بِالمُحْكَمَاتِ: أُوصِي طُلَّابَ العِلْمِ بِالِاعْتِصَامِ بِالآيَاتِ المُحْكَمَاتِ فِي تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وَجَعْلِهَا المِيزَانَ لِرَدِّ كُلِّ شُبْهَةٍ.
٢. حِفْظُ المَتْنِ: ضَرُورَةُ العِنَايَةِ بِحِفْظِ مَتْنِ "كَشْفِ الشُّبُهَاتِ" لِمَا فِيهِ مِنْ سُهُولَةِ اللَّفْظِ وَقُوَّةِ الحُجَّةِ.
٣. الرُّجُوعُ لِلأَكَابِرِ: أُوصِي بِقِرَاءَةِ شُرُوحِ العُلَمَاءِ الأَرْبَعَةِ (ابْنِ عُثَيْمِينَ، وَالفَوْزَانِ، وَآلِ الشَّيْخِ، وَالسِّنْدِيِّ) لِضَبْطِ فَهْمِ المَتْنِ.
٤. تَجْرِيدُ الِاتِّبَاعِ: الحَذَرُ كُلُّ الحَذَرِ مِنَ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى فِي مَسَائِلِ العَقِيدَةِ، وَلُزُومُ الدَّلِيلِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
٥. ضَبْطُ المُصْطَلَحِ: الِاهْتِمَامُ بِتَحْرِيرِ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ (كَمَا فُصِّلَ فِي المَبْحَثِ العَاشِرِ) لِقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى أَهْلِ الِابْتِدَاعِ.
٦. الحَذَرُ مِنَ التَّكْفِيرِ: التَّحْذِيرُ مِنَ الِانْدِفَاعِ فِي تَكْفِيرِ الأَعْيَانِ دُونَ التَّثَبُّتِ مِنَ الشُّرُوطِ وَالمَوَانِعِ.
٧. دِرَاسَةُ اللُّغَةِ: أُوصِي بِالرَّبْطِ بَيْنَ الدِّرَاسَةِ العَقَدِيَّةِ وَالمَلَكَةِ اللُّغَوِيَّةِ لِفَهْمِ حَقِيقَةِ مَعْنَى "الإِلَهِ" وَ"العِبَادَةِ".
٨. نَشْرُ التَّوْحِيدِ: تَكْثِيفُ الدُّرُوسِ العِلْمِيَّةِ فِي المَسَاجِدِ وَالمَحَافِلِ لِتَبْصِيرِ العَامَّةِ بِحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ وَخَطَرِ الشِّرْكِ.
٩. مُوَاجَهَةُ الفِكْرِ الحَرَكِيِّ: كَشْفُ زَيْفِ المَنَاهِجِ الدَّخِيلَةِ التِي خَلَطَتِ التَّوْحِيدَ بِالسِّيَاسَةِ الحِزْبِيَّةِ المُنْحَرِفَةِ.
١٠. الصَّبْرُ عَلَى التَّعَلُّمِ: أُوصِي طَالِبَ العِلْمِ بِالصَّبْرِ عَلَى المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ الدَّقِيقَةِ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يُنَالُ بِرَاحَةِ الجَسَدِ.
١١. إِحْيَاءُ الإِسْنَادِ: التَّأْكِيدُ عَلَى أَهَمِّيَّةِ رِوَايَةِ كُتُبِ العَقِيدَةِ بِالأَسَانِيدِ المُتَّصِلَةِ حِفْظاً لِتُرَاثِ السَّلَفِ.
١٢. تَوْظِيفُ التِّقْنِيَةِ: اسْتِخْدَامُ الوَسَائِلِ الحَدِيثَةِ فِي تَصْمِيمِ "مُشَجَّرَاتٍ" لِرَدِّ الشُّبُهَاتِ الوَارِدَةِ فِي المَتْنِ لِتَقْرِيبِهَا لِلنَّاشِئَةِ.
١٣. تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ الجَهْلِ: العَوْدَةُ إِلَى تَقْرِيرَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي العُذْرِ بِالجَهْلِ وَعَدَمِ جَعْلِهَا مَدْخَلًا لِتَمْيِيعِ الدِّينِ.
١٤. التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ: رَبْطُ المَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ بِالوُقُوعَاتِ العَمَلِيَّةِ لِيَكُونَ الطَّالِبُ بَصِيراً بِمَا يَدُورُ حَوْلَهُ.
١٥. التَّأَدُّبُ مَعَ العُلَمَاءِ: الِالتِزَامُ بِأَدَبِ الخِلَافِ العِلْمِيِّ، مَعَ الوُضُوحِ فِي الرَّدِّ عَلَى الأَقْوَالِ المُنْحَرِفَةِ.
١٦. الِاسْتِمْرَارُ فِي التَّحْقِيقِ: حَثُّ البَاحِثِينَ عَلَى إِخْرَاجِ حَوَاشٍ جَدِيدَةٍ تَعْتَنِي بِالشُّبُهَاتِ "المُعَاصِرَةِ" بِنَفَسِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ.
١٧. تَعْلِيمُ النِّسَاءِ: ضَرُورَةُ عَقْدِ مَجَالِسَ عَقَدِيَّةٍ لِلنِّسَاءِ لِتَحْصِينِ البُيُوتِ مِنْ خُرَافَاتِ التَّمَائِمِ وَالذَّبْحِ لِغَيْرِ اللهِ.
١٨. الدُّعَاءُ بِالثَّبَاتِ: لُزُومُ الضَّرَاعَةِ إِلَى اللهِ أَنْ يُثَبِّتَ القُلُوبَ عَلَى التَّوْحِيدِ فِي زَمَنِ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ.
١٩. تَوْثِيقُ المَصَادِرِ: العِنَايَةُ بِتَوْثِيقِ النُّقُولِ عَنِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ مِنْ كُتُبِهِ الأَصْلِيَّةِ لِدَفْعِ دَعَاوَى الخُصُومِ.
٢٠. إِخْلَاصُ النِّيَّةِ: التَّوْصِيَةُ بِتَصْحِيحِ النِّيَّةِ فِي هَذَا العِلْمِ، فَإِنَّ تَعَلُّمَ التَّوْحِيدِ أَعْظَمُ القُرُبَاتِ.
الفِهْرِسُ التَّفْصِيلِيُّ لِحَاشِيَةِ (القَوْلِ السَّدِيدِ)
١. المَقَدِّمَاتُ العِلْمِيَّةُ
- مُقَدِّمَةُ التَّحْقِيقِ: (البَيَانُ البَلِيغُ فِي تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ وَأَسَانِيدِ البَاحِثِ المُتَّصِلَةِ بِالإِمَامِ المُجَدِّدِ).
- لِمَاذَا اخْتَرْتُ هَذَا المَتْنَ؟: (١٠ أَسْبَابٍ مَنْهَجِيَّةٍ لِاخْتِيَارِ "كَشْفِ الشُّبُهَاتِ").
- أَهَمِّيَّةُ المَتْنِ وَمَوَاضِيعِهِ: (١٠ نِقَاطٍ فِي قِيمَةِ الرِّسَالَةِ العَقَدِيَّةِ).
- أَهْدَافُ البَاحِثِ: (١٠ أَهْدَافٍ لِخِدْمَةِ النَّصِّ وَالدَّعْوَةِ).
- مَنْ سَبَقَنِي بِالتَّعْلِيقِ وَالتَّحْقِيقِ: (تراجم مُوجزة لـ ١٠ مِنْ كِبَارِ العُلَمَاءِ).
٢. القِطَعُ الثَّمَانِي وَالعِشْرُونَ (٢٨ قِطْعَةً)
- (تَحْقِيقُ نَصِّ مَتْنِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ مُقَسَّماً إِلَى ٢٨ مَقْطَعاً بَدْءاً مِنْ "التَّوْحِيدِ حَقِّ اللهِ" إِلَى "دُعَاءِ الخِتَامِ").
٣. المَبَاحِثُ العِلْمِيَّةُ وَالرُّدُودُ المَوْسُوعِيَّةُ (١٠ مَبَاحِثَ)
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: جَمْعُ شَتَاتِ الشُّبُهَاتِ (حَصْرٌ وَتَحْقِيقٌ)
- الجُزْءُ ١: حَصْرُ الشُّبُهَاتِ المَوْرُودَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ.
- الجُزْءُ ٢: الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ الأُولَى (قَصْدُ الصَّالِحِينَ وَالأَنْبِيَاءِ).
- الجُزْءُ ٣: الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ ٣ وَ ٤ (الشفَاعَةُ وَاتِّخَاذُ الوَسَائِطِ).
- الجُزْءُ ٤: الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ ٥ وَ ٦ (اسْتِغَاثَةُ الخَلَائِقِ بِالأَنْبِيَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ)، وَنَقْدُ قِصَّةِ "عَرْضِ جِبْرِيلَ".
- الجُزْءُ ٥: الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ ٧ وَ ٨ (حَصْرُ الكُفْرِ فِي الِاعْتِقَادِ، وَمُدَارَاةُ الأَهْلِ وَالعَشِيرَةِ).
- الجُزْءُ ٦: الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ ٩ وَ ١٠ (دَعْوَى أَنَّ التَّوْحِيدَ مَفْهُومٌ).
المَبْحَثُ الثَّانِي: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ العُذْرِ بِالجَهْلِ
- تَفْنِيدُ دَعْوَى عَدَمِ عُذْرِ الإِمَامِ لِلْجَاهِلِ، وَتَحْرِيرُ الشُّرُوطِ وَالمَوَانِعِ عِنْدَ المُعَاصِرِينَ.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: تَحْقِيقُ الفَرْقِ بَيْنَ كُفْرِ النَّوْعِ وَكُفْرِ العَيْنِ
- تَأْصِيلُ العُلَمَاءِ الأَرْبَعَةِ لِقَوَاعِدِ التَّكْفِيرِ وَضَوَابِطِهِ.
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ التَّوَسُّلِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالبِدْعَةِ
- تَفْنِيدُ أَحَادِيثِ (الِاسْتِسْقَاءِ بِالعَبَّاسِ، الأَعْرَابِيِّ، آدَمَ، الأَعْمَى).
المَبْحَثُ الخَامِسُ: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ الِاسْتِغَاثَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ
- تَأْصِيلُ الأَنْوَاعِ وَتَفْنِيدُ شُبُهَاتِ المَوْرُودَاتِ القَبْرِيَّةِ.
المَبْحَثُ السَّادِسُ: تَحْقِيقُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)
- التَّأْصِيلُ اللُّغَوِيُّ وَالإِعْرَابِيُّ، وَشُرُوطُ الكَلِمَةِ وَنَوَاقِضُهَا وَعَمَلُ الجَوَارِحِ.
المَبْحَثُ السَّابِعُ: الأُصُولُ المَنْهَجِيَّةُ لِدَحْضِ الشُّبُهَاتِ
- التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ وَالمَدْرَسَةُ النَّقْدِيَّةُ لِأَئِمَّةِ العَصْرِ.
المَبْحَثُ الثَّامِنُ: حَقِيقَةُ البِدَعِ وَتَقْسِيمَاتُهَا الشَّرْعِيَّةُ
- لَوَازِمُ الِابْتِدَاعِ وَخَطَرُ تَقْدِيمِ العَقْلِ عَلَى النَّصِّ.
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: الِاسْتِقْرَاءُ التَّارِيخِيُّ لِمَسْلَكِ السَّلَفِ فِي نَقْدِ أَهْلِ البِدَعِ
- تَطْبِيقَاتٌ مُعَاصِرَةٌ (الإِخْوَانُ المُسْلِمُونَ نَمُوذَجاً)، وَرَدُّ العُلَمَاءِ عَلَى أَرْبَابِ الفِكْرِ الحَرَكِيِّ.
المَبْحَثُ العَاشِرُ: الأَسْمَاءُ وَالأَحْكَامُ وَمَسَائِلُ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ
- تَحْلِيلُ المَفَاهِيمِ، وَضَبْطُ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ المَحْكَمَةِ (٢٠ لَفْظاً)، وَنَقْضُ الأَلْفَاظِ البِدْعِيَّةِ المُجْمَلَةِ (١٠ أَجْزَاءٍ).
٤. الخَاتِمَةُ وَالفَهَارِسُ
- نَتَائِجُ الدِّرَاسَةِ: (٢٠ نَتِيجَةً عِلْمِيَّةً جَامِعَةً).
- التَّوْصِيَاتُ: (٢٠ تَوْصِيَةً دَعْوِيَّةً وَمَنْهَجِيَّةً).
- فِهْرِسُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ.
تَمَّ الفِهْرِسُ بِحَمْدِ اللهِ.
تَمَّ الفَرَاغُ مِنْ إِعْدَادِ هَذِهِ البحث بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ، لِلْعَبْدِ الفَقِيرِ إِلَى اللهِ: عِمَادِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِر (أَبُو أَنَس المَصْرِيُّ)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق