السبت، 18 أبريل 2026

«الْقَوَاصِمُ الْأَثَرِيَّةُ بِالْمُقَدِّمَاتِ السَّلَفِيَّةِ، عَلَى رِسَالَةِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" لِإِمَامِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ»

 





 

«الْقَوَاصِمُ الْأَثَرِيَّةُ بِالْمُقَدِّمَاتِ السَّلَفِيَّةِ، عَلَى رِسَالَةِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" لِإِمَامِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ»

الْخُطَّةُ الْبَحْثِيَّةُ الْكَامِلَةُ لِتَحْقِيقِ وَدِرَاسَةِ (مَعْنَى الطَّاغُوتِ)

الخُطَّةُ المَصْمُتَةُ لِبَحْثِ وَتَحْقِيقِ مَتْنِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ"

​أَوَّلاً: الإِطَارُ المَنْهَجِيُّ (المُقَدِّمَةُ البَحْثِيَّةُ)

  • ​الاسْتِفْتَاحُ السَّلَفِيُّ: مَدْخَلٌ فِي تَعْظِيمِ التَّوْحِيدِ وَالنِّدِّيَّةِ.
  • ​1. اخْتِيَارُ المَتْنِ: لِمَاذَا هَذَا المَتْنُ؟ (عَشْرُ نِقَاطٍ مَنْهَجِيَّةٍ).
  • ​2. أَهْدَافُ البَحْثِ: خَمْسُ غَايَاتٍ بَحْثِيَّةٍ مَقْصُودَةٍ.
  • ​3. أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ: عَشْرَةُ عَنَاصِرَ تُبْرِزُ خُطُورَةَ المَوْضُوعِ وَأَهَمِّيَّتَهُ العَقَدِيَّةَ.
  • ​4. الدِّرَاسَاتُ السَّابِقَةُ: عَرْضُ مَنْ سَبَقَ إِلَى التَّحْقِيقِ وَالشَّرْحِ.

​ثَانِيًا: المَدْخَلُ إِلَى دِرَاسَةِ المَتْنِ

  • ​نِسْبَةُ الرِّسَالَةِ: التَّحَقُّقُ العِلْمِيُّ مِنْ نِسْبَةِ المَتْنِ لِلْمُؤَلِّفِ.
  • ​إِجَازَةُ البَاحِثِ: سَنَدُ البَاحِثِ (أَبِي أَنَسٍ) المُتَّصِلُ إِلَى المُؤَلِّفِ.

​ثَالِثًا: مَنْهَجِيَّةُ التَّحْقِيقِ

  • ​الضَّبْطُ الفِقْرِيُّ لِلْمَتْنِ، الِاشْتِقَاقُ، التَّفْسِيرُ الرُّبَاعِيُّ، الرَّبْطُ الثُّلَاثِيُّ بِأَقْوَالِ القُدَمَاءِ، وَتَخْرِيجُ الحَاشِيَةِ.

​رَابِعًا: المُقَدِّمَاتُ التَّحْرِيرِيَّةُ (التَّعْلِيقُ عَلَى نَصِّ الرِّسَالَةِ - 10 مُقَدِّمَاتٍ)​.

(وَهِيَ المَبَاحِثُ الَّتِي شَرَحْنَا فِيهَا فَقَرَاتِ المَتْنِ العَشْرَ)

المُقَدِّمَةُ الأُولَى: تَحْرِيرُ مَعْنَى (أَوَّلُ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى ابْنِ آدَمَ).

المُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: مَحَلُّ الدَّلِيلِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا}.

المُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: صِفَةُ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ (الرُّكْنُ القَلْبِيُّ وَالعَمَلِيُّ).

المُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ: تَحْرِيرُ مَعْنَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ كَمُقْتَضَىً لِلْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ.

المُقَدِّمَةُ الخَامِسَةُ: بَيَانُ رَأْسِ الطَّوَاغِيتِ الأَوَّلِ (الشَّيْطَانُ لَعَنَهُ اللَّهُ).

المُقَدِّمَةُ السَّادِسَةُ: بَيَانُ الطَّاغُوتِ الثَّانِي (الحَاكِمُ الجَائِرُ المُّبَدِّلُ لِأَحْكَامِ اللَّهِ).

المُقَدِّمَةُ السَّابِعَةُ: بَيَانُ الطَّاغُوتِ الثَّالِثِ (الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ).

المُقَدِّمَةُ الثَّامِنَةُ: بَيَانُ الطَّاغُوتِ الرَّابِعِ (مُدَّعِي عِلْمِ الغَيْبِ مِنْ دُونِ اللَّهِ).

المُقَدِّمَةُ التَّاسِعَةُ: بَيَانُ الطَّاغُوتِ الخَامِسِ (مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهُوَ رَاضٍ).

المُقَدِّمَةُ العَاشِرَةُ: خِتَامُ المَتْنِ وَتَحْرِيرُ مَعْنَى (العُرْوَةِ الوُثْقَى).

​خَامِسًا: مَجْمُوعُ تَحْرِيرِ المَبَاحِثِ (مِنَ المُقَدِّمَةِ 11 إِلَى 23)

  1. ​تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ الحُكْمِ بِالتَّشْرِيعِ: التَّأْصِيلُ وَالمَنَاطُ.
  2. ​تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ الحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ: أَقْسَامُهُ وَشُرُوطُهُ.
  3. ​تَحْرِيرُ الِاسْتِحْلَالِ القَلْبِيِّ وَالعَمَلِيِّ: أَنْوَاعُهُ وَصُوَرُهُ.
  4. ​تَحْرِيرُ التَّبْدِيلِ: مَفْهُومُهُ، أَنْوَاعُهُ، وَصُوَرُهُ الوَاقِعِيَّةُ.
  5. ​تَحْرِيرُ التَّشْرِيعِ العَامِّ: القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ بَيْنَ الكُفْرِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ.
  6. ​تَحْرِيرُ مَنَاطَاتِ التَّكْفِيرِ فِي مَسَائِلِ الحُكْمِ.
  7. ​تَحْرِيرُ مَسَائِلِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ: التَّحْدِيدُ وَالعَلَاقَةُ بِمَعْنَى الطَّاغُوتِ.
  8. ​تَحْرِيرُ التَّوَلِّي المُطْلَقِ: مَعْنَاهُ، أَحْكَامُهُ، وَأَدِلَّتُهُ.
  9. ​تَحْرِيرُ المُوَالَاةِ: الفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّوَلِّي (عَقَدِيّاً وَفِقْهِيّاً وَاصْطِلَاحِيّاً).
  10. ​تَحْرِيرُ الوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَمُوجِبَاتِ انْقِطَاعِهَا.
  11. ​تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ النُّصْرَةِ وَالمُظَاهَرَةِ.
  12. ​مُتَمِّمَاتُ المَنْهَجِ العِلْمِيِّ وَالتَّطْبِيقَاتِ المُّعَاصِرَةِ.
  13. ​مُتَمِّمَةُ جَامِعِ الثَّمَرَاتِ وَقَوَاعِدِ الحِجَاجِ.

​سَادِسًا: الخَاتِمَةُ وَالنَّتَائِجُ

  • ​النَّتَائِجُ الأَرْبَعُونَ - الوَصَايَا الأَرْبَعُونَ - الفِهْرِسُ التَّفْصِيلِيُّ.
  • ​خِتَامُ البَاحِثِ أَبِي أَنَسٍ (التَّارِيخُ وَالسَّاعَةُ).


------------------------------------------------&

الْمُقَدِّمَةُ السَّلَفِيَّةُ الْأُولَى(لِلتَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ)

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَبَ الْحَقَّ مَنَاراً لِسَالِكِيهِ، وَجَعَلَ التَّوْحِيدَ أَصْلَ الدِّينِ وَقَاعِدَتَهُ الَّتِي لَا يَقْبَلُ سِوَاهَا مِنْ قَاصِدِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً مَقْرُونَةً بِالْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ، مَبْنِيَّةً عَلَى الْإِخْلَاصِ لِحَيٍّ لَا يَمُوتُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْحُنَفَاءِ، وَقُدْوَةُ الْأَصْفِيَاءِ، بَعَثَهُ اللهُ بِاجْتِنَابِ الطَّاغُوتِ وَعِبَادَةِ رَبِّ السَّمَاءِ، فَصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَشْرَفَ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُتَنَافِسُونَ، وَأَجَلَّ مَا صَرَفَ فِيهِ الْأَوْقَاتَ الْبَاحِثُونَ، هُوَ تَحْقِيقُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَمَعْرِفَةُ حُدُودِهَا؛ إِذْ هِيَ مِفْتَاحُ دَارِ السَّلَامِ، وَالْفَارِقُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ "الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ"، ذَلِكَ الرُّكْنُ الَّذِي غَفَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أَوْ فَهَمُوهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ الْمَنْقُولِ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.

وَلَمَّا كَانَتْ رِسَالَةُ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ- قَدْ حَوَتْ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، كَانَ لِزَاماً عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَطُلَّابِهِ الِاعْتِنَاءُ بِهَا تَحْقِيقاً وَتَدْقِيقاً. إِنَّ التَّحْقِيقَ الْعِلْمِيَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ ضَبْطِ حُرُوفٍ، بَلْ هُوَ جَلَاءٌ لِلْمَعَانِي، وَرَبْطٌ لِلْمَتْنِ بِأُصُولِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.

وَمِنْ هُنَا انْبَرَى الْبَاحِثُ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ النُّسْخَةِ الْمُبَارَكَةِ، مُعْتَمِداً عَلَى مَنْهَجِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْمَخْطُوطَاتِ وَالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، مَعَ الِالْتِزَامِ بِالضَّبْطِ النَّحْوِيِّ الدَّقِيقِ الَّذِي يَمْنَعُ اللَّحْنَ وَيُحَقِّقُ الْفَهْمَ. وَقَدْ قُمْتُ فِي هَذَا الْعَمَلِ بِتَخْرِيجِ الْأَدِلَّةِ تَخْرِيجاً نَقْدِيّاً، وَبَيَانِ الِاشْتِقَاقَاتِ اللُّغَوِيَّةِ، وَالْحُدُودِ الصِّنَاعِيَّةِ لِلْمُصْطَلَحَاتِ، لِيَكُونَ الْعَمَلُ جَامِعاً بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَخَادِماً لِلْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ النَّقِيَّةِ مِمَّا شَابَهَا مِنْ أَوْهَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ.

ثانياً:أَسْبَابُ اخْتِيَارِ مَتْنِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" لِلتَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ والتعليق 

(١) تَحْقِيقُ أَصْلِ الْأُصُولِ: أَنَّ هَذَا الْمَتْنَ يَتَنَاوَلُ الرُّكْنَ الْأَوَّلَ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ "الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ" الَّذِي لَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبْدٍ إِلَّا بِهِ، فَاخْتِيَارُهُ هُوَ اخْتِيَارٌ لِأَهَمِّ مَسْأَلَةٍ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ.

(٢) الْحَاجَةُ إِلَى ضَبْطِ الْمُصْطَلَحِ: نَظَراً لِمَا لَحِقَ بِمَصْطَلَحِ "الطَّاغُوتِ" مِنْ تَحْرِيفِ الْغَالِينَ وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ؛ فَكَانَ لِزَاماً اخْتِيَارُ مَتْنٍ لِإِمَامٍ مُحَقِّقٍ يَنْفِي عَنْ هَذَا الْمَصْطَلَحِ مَا أُلْصِقَ بِهِ.

(٣) بَرَاعَةُ الِاسْتِقْرَاءِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: اخْتَرْتُ هَذَا الْمَتْنَ لِأَنَّ الشَّيْخَ -رَحِمَهُ اللهُ- اسْتَقْرَأَ فِيهِ رُؤُوسَ الطَّوَاغِيتِ وَحَصَرَهَا فِي خَمْسَةٍ، وَهَذَا الْحَصْرُ يُسَهِّلُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ فَهْمَ خَرِيطَةِ الضَّلَالِ وَاجْتِنَابَهَا.

(٤) الرَّبْطُ بَيْنَ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ: رَغِبْتُ فِي هَذَا الْمَتْنِ لِأَنَّ عِبَارَاتِهِ تَسْمَحُ لِلْبَاحِثِ بِتَفْجِيرِ الطَّاقَاتِ اللَّغَوِيَّةِ (اشْتِقَاقاً) وَالْعَقَدِيَّةِ (حَدّاً جَامِعاً)، مِمَّا يَرْبِطُ لُغَةَ الْعَرَبِ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.

(٥) تَصْحِيحُ الْمَسَارِ التَّحْقِيقِيِّ: لِأَنَّ كَثِيراً مِنَ النُّسَخِ الْمُتَدَاوَلَةِ لِهَذِهِ الرَّسَالَةِ وَقَعَ فِيهَا تَصْحِيفٌ أَوْ سَقْطٌ فِي الضَّبْطِ الْإِعْرَابِيِّ؛ فَاخْتَرْتُ تَحْقِيقَهَا لِإِخْرَاجِ نَصٍّ نَقِيٍّ يَعْتَمِدُهُ الْبَاحِثُونَ وَالْأَكَادِيِمِيُّونَ.

(٦) التَّأْصِيلُ لِمَقَامِ الْمُفَاصَلَةِ: أَنَّ الْمَتْنَ يُؤَصِّلُ لِقَضِيَّةِ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ" بِطَرِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ هَادِئَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ، بَعِيداً عَنْ تَهَيُّجِ الْعَوَاطِفِ، مِمَّا يَجْعَلُ الشَّرْحَ عَلَيْهِ بِنَاءً لِلْعَقْلِ السَّلَفِيِّ الصَّحِيحِ.

(٧) قُوَّةُ الِاسْتِدْلَالِ وَالِاحْتِجَاجِ: تَمَيُّزُ هَذَا الْمَتْنِ بِأَنَّهُ "مَتْنٌ دَلِيلِيٌّ"؛ أَيْ أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ فِيهِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى آيَةٍ مُحْكَمَةٍ، مِمَّا يُتِيحُ لِي كَبَاحِثٍ تَقْدِيمَ "تَخْرِيجٍ نَقْدِيٍّ" يَرْبِطُ الْمَتْنَ بِأُصُولِ الْوَحْيِ.

(٨) تَجْلِيَةُ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ: اخْتَرْتُهُ لِأَنَّهُ يُمَثِّلُ التَّطْبِيقَ الْعَمَلِيَّ لِمَا سَمَّاهُ اللهُ "أُسْوَةً حَسَنَةً" فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، وَهُوَ مَقْصَدٌ عَالٍ مِنْ مَقَاصِدِ التَّحْقِيقِ الْعِلْمِيِّ.

(٩) سَدُّ الثَّغْرِ فِي الْمَكْتَبَةِ الْأَكَادِيِمِيَّةِ: رَغْمَ كَثْرَةِ الشُّرُوحِ الصَّوْتِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الْمَكْتَبَةَ تَفْتَقِرُ إِلَى دِرَاسَةٍ (تَحْقِيقِيَّةٍ، لُغَوِيَّةٍ، نَقْدِيَّةٍ) لِهَذَا الْمَتْنِ تَجْمَعُ بَيْنَ كَلَامِ السَّلَفِ وَقَوَاعِدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي التَّحْقِيقِ.

(١٠) الرَّدُّ بِالْعِلْمِ لَا بِالْمُجَادَلَةِ: أَنَّ التَّعْلِيقَ عَلَى هَذَا الْمَتْنِ بِذِكْرِ (الْحُدُودِ الْجَامِعَةِ الْمَانِعَةِ) يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ رَمَى دَعْوَةَ الشَّيْخِ بِالْجَهْلِ أَوْ عَدَمِ الِانْضِبَاطِ الْعِلْمِيِّ، فَنُثْبِتُ بِهَذَا التَّحْقِيقِ عُمْقَ الْأَصَالَةِ الْبَحْثِيَّةِ فِي دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ.


ثالثاً:أَهَمِّيَّةُ مَتْنِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" 

(١) تَحْقِيقُ رُكْنِ التَّوْحِيدِ الْأَوَّلِ: تَنْبُعُ أَهَمِّيَّةُ الْمَتْنِ مِنْ كَوْنِهِ يَتَنَاوَلُ "الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ"، وَهُوَ الرُّكْنُ الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ، فَلَا يَتِمُّ التَّوْحِيدُ إِلَّا بِتَحْقِيقِ مَا حَوَتْهُ هَذِهِ الرِّسَالَةُ.

(٢) الِاخْتِصَارُ الْبَدِيعُ مَعَ الشُّمُولِ: أَنَّهُ حَصَرَ أَصْنَافَ الضَّلَالِ وَرُؤُوسَ الطَّوَاغِيتِ فِي وَرَقَاتٍ مَعْدُودَاتٍ، مِمَّا يَجْعَلُهُ خَارِطَةَ طَرِيقٍ عِلْمِيَّةٍ لِلْمُبْتَدِئِ، وَتَذْكِرَةً جَامِعَةً لِلْمُنْتَهِي.

(٣) الِارْتِبَاطُ الشَّرْطِيُّ بِالنَّجَاةِ: تَبْرُزُ أَهَمِّيَّتُهُ فِي رَبْطِ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ فَهْمِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ وَبَيْنَ الِاسْتِمْسَاكِ بِـ "الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى"، فَالْجَهْلُ بِمَا فِيهِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى انْفِصَامِ هَذِهِ الْعُرْوَةِ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ.

(٤) الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ الْحَصْرِ فِي الْأَصْنَامِ: يُعَدُّ الْمَتْنُ عُمْدَةً فِي بَيَانِ أَنَّ الطَّاغُوتَ لَيْسَ جَمَاداً فَقَدْ، بَلْ هُوَ عَامٌّ يَشْمَلُ الْمَعْبُودَ، وَالْمَتْبُوعَ، وَالْمُطَاعَ، مِمَّا يُحَصِّنُ الْمُسْلِمَ مِنَ التَّبَعِيَّةِ لِلْأَهْوَاءِ وَالنُّظُمِ الْجَاهِلِيَّةِ.

(٥) تَجْلِيَةُ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ: أَنَّ الْمَتْنَ يُبَيِّنُ أَنَّ مِلَّةَ الْخَلِيلِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ دَعْوَى، بَلْ هِيَ "صِفَةٌ" وَ"أُسْوَةٌ" تَقُومُ عَلَى الْبَرَاءَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.

(٦) تَقْعِيدُ مَسَائِلِ الْحُكْمِ وَالتَّشْرِيعِ: تَنْبُعُ أَهَمِّيَّتُهُ مِنْ نَصِّهِ الصَّرِيحِ عَلَى رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَتَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ، مِمَّا يَضْبُطُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ بَابَ "الْحَاكِمِيَّةِ" وَفْقَ مَنْهَجِ السَّلَفِ.

(٧) صِيَانَةُ جَنَابِ الْغَيْبِ: بَيَانُهُ لِلرَّأْسِ الرَّابِعِ (مَنِ ادَّعَى عِلْمَ الْغَيْبِ) يُمَثِّلُ حِصْناً عَقَدِيّاً ضِدَّ الْكُهَّانِ، وَالسَّحَرَةِ، وَأَرْبَابِ الطُّرُقِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ، وَحِفْظاً لِتَفَرُّدِ اللهِ بِعِلْمِ مَا غَابَ.

(٨) التَّمْيِيزُ بَيْنَ الرُّشْدِ وَالْغَيِّ: أَنَّهُ وَضَعَ مِيزَاناً قَبْرِيّاً وَدُنْيَوِيّاً لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَيْنَ أَدْيَانِ الْجَاهِلِيَّةِ (دِينِ أَبِي جَهْلٍ)، مِمَّا يُجَلِّي الْفَرْقَ بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ بِيَقِينٍ.

(٩) تَوْثِيقُ الِاعْتِقَادِ بِالدَّلِيلِ الْأَثَرِيِّ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ فِي هَذَا الْمَتْنِ مَقْرُونَةٌ بِـ "قَالَ اللهُ تَعَالَى"، مِمَّا يَغْرِسُ فِي نَفْسِ الْبَاحِثِ تَعْظِيمَ النَّصِّ، وَعَدَمَ الِاعْتِمَادِ عَلَى مُجَرَّدِ الْآرَاءِ الْبَشَرِيَّةِ فِي قَضَايَا الْعَقِيدَةِ.

(١٠) تَحْقِيقُ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): الْأَهَمِّيَّةُ الْقُصْوَى لِهَذَا الْمَتْنِ هِيَ شَرْحُهُ لِتَرَكُّبِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مِنْ (نَفْيٍ) هُوَ الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ، وَ(إِثْبَاتٍ) هُوَ الْإِيمَانُ بِاللهِ، وَبِدُونِ أَحَدِهِمَا لَا يَقُومُ لِلْإِسْلَامِ عَمُودٌ.

رابعاً:أَهْدَافِي فِي بَحْثِ (رِسَالَةِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ)

(١) تَحْقِيرُ مَبَانِي الشِّرْكِ وَتَعْظِيمُ مَبَانِي التَّوْحِيدِ: يَهْدِفُ هَذَا الْبَحْثُ فِي مَقَامِهِ الْأَوَّلِ إِلَى تَرْسِيخِ مَفْهُومِ "الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ" كَضَرُورَةٍ عَقَدِيَّةٍ لَا يَنْعَقِدُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهَا، وَتَجْلِيَةِ ذَلِكَ لِطَالِبِ الْعِلْمِ بِالدَّلِيلِ الْأَثَرِيِّ الصَّحِيحِ.

(٢) تَقْدِيمُ نَصٍّ مُحَقَّقٍ وَمَضْبُوطٍ بِالْقَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ: هَدَفِي هُوَ إِخْرَاجُ هَذَا الْمَتْنِ الْمُبَارَكِ فِي حُلَّةٍ عِلْمِيَّةٍ دَقِيقَةٍ، خَالِيَةٍ مِنَ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ، مَعَ ضَبْطِ كُلِّ كَلِمَةٍ بِالشَّكْلِ؛ لِضَمَانِ صِحَّةِ الْأَدَاءِ وَفَهْمِ الْمُرَادِ عَنِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللهُ.

(٣) التَّأْصِيلُ اللُّغَوِيُّ وَالِاصْطِلَاحِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ الْعَقَدِيَّةِ: أَسْعَى مِنْ خِلَالِ هَذَا الْعَمَلِ إِلَى رَبْطِ كُلِّ مُصْطَلَحٍ وَرَدَ فِي الْمَتْنِ (كَالطَّاغُوتِ، وَالْعُرْوَةِ، وَالرُّشْدِ) بِأَصْلِهِ فِي مَعَاجِمِ اللُّغَةِ، ثُمَّ بَيَانِ حَدِّهِ الْجَامِعِ الْمَانِعِ فِي الشَّرْعِ؛ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى التَّأْوِيلَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ.

(٤) إِبْرَازُ الْقِيمَةِ التَّفْسِيرِيَّةِ لِلْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ: يَهْدِفُ الْبَحْثُ إِلَى بَيَانِ "وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ" فِي كُلِّ آيَةٍ سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ، وَكَيْفَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ هِيَ الْأَعْمِدَةُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا فَهْمُ السَّلَفِ لِمَسَائِلِ الطَّاغُوتِ وَالْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ.

(٥) تَوْثِيقُ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ الْمَتْنِ وَأُمَّهَاتِ الْمَصَادِرِ السَّلَفِيَّةِ: مِنْ أَهَمِّ أَهْدَافِي تَعْضِيدُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِنُقُولٍ عَنْ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ (كَابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَابْنِ الْقَيِّمِ، وَابْنِ كَثِيرٍ) فِي الْحَاشِيَةِ؛ لِيَعْلَمَ الْقَارِئُ أَنَّ هَذَا الْمَتْنَ هُوَ امْتِدَادٌ لِمَدْرَسَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَبْرَ الْقُرُونِ.

خامساً:مَنْ سَبَقُونِي فِي تَحْقِيقِ وَدِرَاسَةِ مَتْنِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ"

(١) الدُّكْتُور دَغَش بْن شَبِيب الْعَجَمِيّ: فِي عَمَلِهِ الْكَبِيرِ لِتَصْحِيحِ وَتَحْقِيقِ "مَجْمُوعَةِ التَّوْحِيدِ"، حَيْثُ اعْتَنَى بِمَقَابَلَةِ رِسَالَةِ (مَعْنَى الطَّاغُوتِ) عَلَى عِدَّةِ نُسَخٍ خَطِّيَّةٍ، وَضَبْطِ أَلْفَاظِهَا ضَبْطاً دَقِيقاً.

(٢) الدُّكْتُور عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد آل عَبْد اللَّطِيف: فِي بَحْثِهِ الْمَوْسُومِ بـ "دَعَاوَى الْمُنَاوِئِينَ لِدَعْوَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ"؛ حَيْثُ قَامَ بِتَحْقِيقِ مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ وَرَدَّ الشُّبُهَاتِ حَوْلَهَا بِتَحْقِيقٍ أَكَادِيِمِيٍّ رَصِينٍ.

(٣) الْبَاحِث عَبْد الرَّحْمَن بْن حَسَن قَائِد: ضِمْنَ مَشْرُوعِ (آثَارِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ)؛ حَيْثُ اعْتَنَى بِتَوْثِيقِ نِسْبَةِ الرِّسَالَةِ وَتَحْرِيرِ نَصِّهَا وَفْقَ قَوَاعِدِ التَّحْقِيقِ الْحَدِيثَةِ.

(٤) الدُّكْتُور أَحْمَد بْن سَعْد بْن حَمْدَان الْغَامِدِيّ: فِي دِرَاسَتِهِ التَّأْصِيلِيَّةِ لِعَقِيدَةِ الشَّيْخِ، حَيْثُ شَرَحَ مَعْنَى الطَّاغُوتِ بِنَفَسٍ عَقَدِيٍّ مُقَارِنٍ بَيْنَ مَذَاهِبِ السَّلَفِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.

(٥) الدُّكْتُور صَالِح بْن سَعْد السُّحَيْمِيّ: فِي تَعْلِيقَاتِهِ الْمَطْبُوعَةِ عَلَى رَسَائِلِ الْإِمَامِ؛ حَيْثُ اعْتَنَى بِمَسَائِلِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ الْمُتَضَمَّنَةِ فِي الرِّسَالَةِ، وَرَبْطِهَا بِأَقْوَالِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ.

(٦) الدُّكْتُور فَهْد بْن سُلَيْمَان الْفُهَيْد: فِي تَحْقِيقِهِ وَتَعْلِيقِهِ عَلَى (مَجْمُوعِ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ)، حَيْثُ بَيَّنَ مَوَاضِعَ الِاسْتِشْهَادِ بِآيَاتِ سُورَتَيِ النَّحْلِ وَالْمُمْتَحَنَةِ.

(٧) الْبَاحِث عَبْد اللَّه بْن سُلَيْمَان الْمُزَيْنِيّ: الَّذِي اعْتَنَى بِتَحْقِيقِ (الرَّسَائِلِ الصُّغْرَى) لِلْإِمَامِ، وَمِنْ بَيْنِهَا رِسَالَةُ مَعْنَى الطَّاغُوتِ، مَعَ الْعِنَايَةِ بِتَخْرِيجِ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا.

(٨) الدُّكْتُور خَالِد بْن عَلِيّ الْمُشَيْقِح: لَهُ شَرْحٌ تَعْلِيقِيٌّ مُفَصَّلٌ عَلَى الرِّسَالَةِ، عُنِيَ فِيهِ بِتَقْسِيمِ رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ وَتَوْضِيحِ قُيُودِ كُلِّ رَأْسٍ (كَالرِّضَا بِالْعِبَادَةِ).

(٩) الْبَاحِث عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن قَاسِم (صَاحِبُ الدَّرَرِ السَّنِيَّةِ): وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ نِسْبَةً لَنَا، إِلَّا أَنَّ جُهْدَهُ فِي جَمْعِ وَتَصْنِيفِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ ضِمْنَ "الدَّرَرِ" يُعَدُّ أَصْلَ كُلِّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ.

(١٠) الدُّكْتُور عَبْد اللَّه بْن صَالِح الْفَوْزَان: فِي تَعْلِيقَاتِهِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ مَسَائِلَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ ضِمْنَ شُرُوحِهِ لِرَسَائِلِ


سادساً:مَنْهَجِيَّةُ الدِّرَاسَةِ وَالتَّعَلُّمِ لِمَتْنِ (مَعْنَى الطَّاغُوتِ) 

(١) ضَبْطُ الْحُرُوفِ قَبْلَ فَهْمِ الظُّرُوفِ: الْبَدَاءَةُ بِتَصْحِيحِ النُّطْقِ وَضَبْطِ حَرَكَاتِ الْمَتْنِ إِعْرَابًا وَصَرْفًا؛ لِأَنَّ اللَّحْنَ فِي الْمَبَانِي يُؤَدِّي إِلَى خَلَلٍ فِي الْمَعَانِي.

(٢) الِاسْتِظْهَارُ الْقَلْبِيُّ: حِفْظُ نَصِّ الرِّسَالَةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ لِقِصَرِهَا؛ لِتَكُونَ قَوَاعِدُهَا حَاضِرَةً عِنْدَ الِاسْتِدْلَالِ وَالْمُنَاظَرَةِ.

(٣) التَّحْلِيلُ اللَّفْظِيُّ (الِاشْتِقَاقُ): تَتَبُّعُ أَصْلِ كُلِّ كَلِمَةٍ لُغَةً (مِثْلُ: طَغَى، عَنَتَ، وَثَقَ)؛ لِفَهْمِ الدَّلَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ.

(٤) التَّجْرِيدُ الِاصْطِلَاحِيُّ (الْحَدُّ): وَضْعُ حَدٍّ جَامِعٍ مَانِعٍ لِكُلِّ رَأْسٍ مِنَ الطَّوَاغِيتِ، لِتَمْيِيزِ مَنْ يَدْخُلُ فِيهِ مِمَّنْ يَخْرُجُ عَنْهُ.

(٥) التَّفْكِيكُ لِلْمُتَلَازِمَاتِ: فَهْمُ الرَّابِطِ بَيْنَ "الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ" وَ"الْإِيمَانِ بِاللهِ"، وَكَيْفَ أَنَّهُمَا رُكْنَا كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ).

(٦) دِرَاسَةُ "السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ": مَنْهَجِيَّةُ الرُّجُوعِ إِلَى تَفَاسِيرِ السَّلَفِ لِلْآيَاتِ الَّتِي سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ، لِتَعْرِفَ لِمَاذَا اخْتَارَ هَذِهِ الْآيَةَ بِعَيْنِهَا.

(٧) الِاسْتِدْلَالُ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ (الطَّاغُوتِ الْعَامِّ) الَّذِي يَشْمَلُ كُلَّ مَعْبُودٍ، وَبَيْنَ (الرُّؤُوسِ الْخَمْسَةِ) الَّتِي هِيَ مَنَابِتُ الشَّرِّ.

(٨) الْجَرْدُ لِلْمُحْتَرَزَاتِ: تَعَلُّمُ الْقُيُودِ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّيْخُ (مِثْلُ: "وَهُوَ رَاضٍ") لِإِخْرَاجِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ مَصْطَلَحِ الطَّاغُوتِ.

(٩) الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ (الرُّشْدِ) وَ(الْغَيِّ): دِرَاسَةُ التَّضَادِّ الْمَعْرِفِيِّ فِي الرِّسَالَةِ، وَكَيْفَ بَنَى الْمُصَنِّفُ مَعْنَى الْإِسْلَامِ عَلَى مُبَايَنَةِ دِينِ الْمُشْرِكِينَ.

(١٠) التَّأْصِيلُ لِلْخَمْسَةِ الْأَرْكَانِ: تَفْكِيكُ "صِفَةِ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ" (اعْتِقَاد، تَرْك، بُغْض، تَكْفِير، مُعَادَاة) وَفَهْمُ كَيْفِيَّةِ تَنْزِيلِهَا عَلَى الْجَوَارِحِ وَالْقُلُوبِ.

(١١) السَّبْرُ لِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ فِي (الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ): دِرَاسَةُ مَوْضُوعِ (الْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ) فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ كَمَا أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ، وَكَيْفِيَّةِ الِاتِّبَاعِ فِيهَا.

(١٢) الرَّبْطُ بَيْنَ (الْعِلْمِ) وَ(الْعَمَلِ): عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالْفَهْمِ النَّظَرِيِّ، بَلْ بَحْثُ كَيْفِيَّةِ "اجْتِنَابِ" الطَّاغُوتِ فِي الْوَاقِعِ الْعَمَلِيِّ لِلْمُسْلِمِ.

(١٣) طَرِيقَةُ "التَّشْجِيرِ الذِّهْنِيِّ": رَسْمُ مَسَارَاتِ الرِّسَالَةِ فِي (مُشَجَّرٍ عِلْمِيٍّ) يَبْدَأُ مِنَ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ وَيَنْتَهِي بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى.

(١٤) التَّأَمُّلُ فِي (نُكَتِ) الِاسْتِدْلَالِ: التَّسَاؤُلُ عَنْ سِرِّ تَقْدِيمِ الْمُصَنِّفِ لِلشَّيْطَانِ كَرِأْسٍ أَوَّلَ، وَتَأْخِيرِ مَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ لِلْأَخِيرِ.

(١٥) الْمُرَاجَعَةُ عَلَى شُرُوحِ "أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ": لَا تُدْرَسُ الرِّسَالَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ (الدَّرَرِ السَّنِيَّةِ) لِفَهْمِ مَرَامِي أَلْفَاظِ الشَّيْخِ مِنْ خِلَالِ بِيئَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ.

(١٦) التَّفْرِيقُ بَيْنَ (الْجِنْسِ) وَ(الْعَيْنِ): تَعَلُّمُ مَنْهَجِ السَّلَفِ فِي التَّكْفِيرِ الْمُطْلَقِ لِلْأَفْعَالِ، وَالتَّوَقُّفِ فِي الْأَعْيَانِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ (نُكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ مُهِمَّةٌ لِلْبَاحِثِ).

(١٧) الِاسْتِقْرَاءُ لِمَفَاتِيحِ الْغَيْبِ: التَّبَحُّرُ فِي الرَّأْسِ الرَّابِعِ لِفَهْمِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْغَيْبِ، لِتَفْكِيكِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ.

(١٨) الْمُدَارَسَةُ الثُّنَائِيَّةُ: طَرِيقةُ (الْعَرْضِ وَالسَّمَاعِ) بَيْنَ الطَّالِبِ وَشَيْخِهِ، بِحَيْثُ يَشْرَحُ الطَّالِبُ فَهْمَهُ وَيُصَوِّبُ لَهُ الْمُعَلِّمُ.

(١٩) تَتَبُّعُ (مَوَاضِعِ النِّزَاعِ): التَّعَرُّفُ عَلَى الشُّبُهَاتِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُخَالِفُونَ عَلَى هَذَا الْمَتْنِ، وَكَيْفِيَّةُ الرَّدِّ عَلَيْهَا مِنَ الْمَتْنِ ذَاتِهِ.

(٢٠) الِاعْتِصَامُ بِـ (الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى): خَتْمُ الدِّرَاسَةِ بِتَحْقِيقِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) عِلْمًا وَعَمَلًا، لِيَكُونَ الْمَتْنُ بَاعِثًا لِلْخَشْيَةِ لَا مُجَرَّدَ تَرَفٍ عِلْمِيٍّ.

[مَبْحَثُ: نِسْبَةِ الرِّسَالَةِ إِلَى الْمُصَنِّفِ وَاتِّصَالِ سَنَدِهَا]

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِحِفْظِ دِينِهَا عَنْ طَرِيقِ الْأَسَانِيدِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الْعَبِيدِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعِيثُ التَّوْحِيدِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي الرَّأْيِ السَّدِيدِ.

أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ تَوْثِيقَ نِسْبَةِ "مَتْنِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ" لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ- يُعَدُّ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ لِقَطْعِ دَابِرِ الشُّكُوكِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ أَنَّ (الْإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ) (١).

أَوَّلاً: تَحْقِيقُ النِّسْبَةِ وَالثُّبُوتِ:

تَضَافَرَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ هِيَ مِنْ نِتَاجِ قَرِيحَةِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا يَلِي:

الِاسْتِفَاضَةُ: فَقَدْ طَبَقَتْ شُهْرَةُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ الْآفَاقَ بَيْنَ عُلَمَاءِ نَجْدٍ خَلَفاً عَنْ سَلَفٍ.

الْإِدْرَاجُ فِي الْمَجَامِيعِ: حَيْثُ نَصَّ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ فِي "الدَّرَرِ السَّنِيَّةِ" عَلَى نِسْبَتِهَا لَهُ (٢).

وِحْدَةُ النَّسَقِ عَقْلًا وَنَقْلًا: فَإِنَّ تَقْسِيمَ رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ لَا يُعْرَفُ بِهَذَا التَّحْرِيرِ إِلَّا عِنْدَ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ.

ثَانِيًا: سِيَاقُ الْأَسَانِيدِ الْمُتَّصِلَةِ (رِوَايَةُ النَّجْدِيِّينَ):

تُرْوَى هَذِهِ الرِّسَالَةُ بِالسَّنَدِ الْعَالِي الْمُتَّصِلِ كَالتَّالِي:

عَنْ أَئِمَّةِ الْعَصْرِ (كَابْنِ بَازٍ وَابْنِ عُثَيْمِينَ)، عَنِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيْخِ، عَنِ الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ الْإِمَامِ الْمُصَنِّفِ (٣).

[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالنِّكَاتِ الْعِلْمِيَّةِ]

(١) قُلْتُ (نُكْتَةٌ حَدِيثِيَّةٌ): هَذَا الْأَثَرُ مَشْهُورٌ عَنِ الْإِمَامِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ "صَحِيحِهِ"، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَحْثَ الْعِلْمِيَّ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِتَوْثِيقِ الْمَصَادِرِ وَاتِّصَالِ الرِّجَالِ.

(٢) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ الْعَاصِمِيُّ، الدَّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الْأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ط١ (١٣٨٥ هـ)، ج١، ص١٦١.

(٣) تَرَجَمَةُ الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ: (١٢٨٢ - ١٣٤٩ هـ)، هُوَ عَلَّامَةُ نَجْدٍ وَمُسْنِدُهَا، وُلِدَ فِي الْأَفْلَاجِ، وَرَحَلَ إِلَى الْهِنْدِ وَالْحِجَازِ، كَانَ عَلَى جَادَّةِ السَّلَفِ، وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي أَسَانِيدُ أَكْثَرِ نَجْدٍ فِي رَسَائِلِ التَّوْحِيدِ.

(٤) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: رِوَايَةُ "الصَّحِيحِ" لِلْمَتْنِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْبَاحِثُ عَلَى ذُكْرٍ مِنْ أَنَّ لَفْظَ "الطَّاغُوتِ" جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ، كُلُّهَا تَدُورُ حَوْلَ صَرْفِ النَّاسِ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ.

(٥) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: قَوْلُهُمْ "رُؤُوسُ الطَّوَاغِيتِ"، الرَّأْسُ هُنَا لَيْسَ جُزْءاً مِنَ الْبَدَنِ، بَلْ هُوَ (الرَّئِيسُ) وَالْمُقَدَّمُ فِي الشَّرِّ، كَمَا يُقَالُ رَأْسُ الْكُفْرِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ.

(٦) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلُ الشَّيْخِ، فَتْحُ الْمَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، تَحْقِيقُ: أَرْؤُوط، دَارُ الْبَيَانِ، ص٢٢.

----------------------------------------------&

📜 سَنَدُ وَإِجَازَةُ رِسَالَةِ (مَعْنَى الطَّاغُوتِ) 📜

✨ يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى اللهِ (أَبُو أَنَسٍ): ✨

عِمَادُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ الْمِصْرِيُّ

«الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الْإِسْنَادَ خَصِيصَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ الْمَعْلُومَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ.

أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ هُوَ رَبْطُ الْخَلَفِ بِالسَّلَفِ عَبْرَ حِبَالِ الْأَسَانِيدِ، وَإِنَّ مِمَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ أَنْ أَخْبَرَنِي جَمْعٌ مِنَ الْأَشْيَاخِ الْكِرَامِ -أَجَازُونِي إِجَازَةً خَاصَّةً وَعَامَّةً- بِمَرْوِيَّاتِهِمْ وَأَسَانِيدِهِمْ فِي رِوَايَةِ رِسَالَةِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" إِلَى مُؤَلِّفِهَا الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَقَدْ رَتَّبْتُهُمْ بِحَسَبِ بُلْدَانِهِم عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

📜 إِجَازَةٌ لِلطَّالِبِ النَّجِيبِ:

......................................................................................

أَوَّلًا: أَشْيَاخُ الْحِجَازِ (الْمَمْلَكَةُ الْعَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ):

💠 الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ الْمُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ.

💠 الشَّيْخُ بَدْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَامِي الْعُتَيْبِيُّ.

💠 الدُّكْتُورُ مَالِكُ بْنُ رِضَا الْمُحَمَّدِيُّ.

💠 الْمُسْنِدُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّهَامِيُّ.

💠 الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ آلُ إِبْرَاهِيمَ الْعَنْقَرِيُّ.

💠 الشَّيْخُ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَدْخَلِيُّ.

ثَانِيًا: أَشْيَاخُ مِصْرَ:

💠 الشَّيْخُ وَائِلُ كَمَالِ مُحَمَّدِ مُحَمَّدِ عَلِي.

💠 الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَارُوقٍ الْحَنْبَلِيُّ.

💠 الشَّيْخُ نَاصِرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيُّ.

💠 الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَرِيدٍ عَبْدُ الْهَادِي الْحَنْبَلِيُّ.

💠 الشَّيْخُ أَبُو سُهَيْلَةَ سَامِي بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فُتُوحِ آلُ مُرَادٍ.

💠 الشَّيْخُ أُسَامَةُ بْنُ السَّيِّدِ بْنِ عُبَيْدٍ التِّيدِيُّ.

💠 الشَّيْخُ عَاطِفُ عَبْدُ الْمُعِزِّ الْفَيُّومِيُّ.

ثَالِثًا: أَشْيَاخُ الْكُوَيْتِ وَالْيَمَنِ وَالْجَزَائِرِ وَغَيْرِهَا:

💠 الشَّيْخُ دَغْشُ بْنُ شَبِيبٍ الْعَجَمِيُّ.

💠 الشَّيْخُ أَبُو خَالِدٍ وَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغَرْبِيُّ.

💠 الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ الْمَجِيدِ جُمُعَةُ.

💠 الشَّيْخُ سُهَيْلُ حَسَن عَبْدُ الْغَفَّارِ الْعُمَرِفُورِيُّ.

💠 الشَّيْخُ مُحَمَّدُ كَامِلُ عَلِي الْكُرْدِيُّ.

💠 الشَّيْخُ حَمِيدٌ الْكُرْدِيُّ.

💠 الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَمْجَانُ حُسَيْن أَحْمَدُ الْبَشْدِيُّ.

🔗 السَّنَدُ الْمُتَّصِلُ لِلْإِمَامِ:

أَرْوِي عَنِ الْمَشَايِخِ الْمَذْكُورِينَ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ، عَنِ الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ وَالِدِهِ (الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ) رَحِمَهُ اللهُ.

📅 تَارِيخُ التَّحْرِيرِ:

يَوْمُ: .........................

غُرَّةِ شَوَّالٍ ١٤٤٧ هـ | أَبْرِيل ٢٠٢٦ م

🖋️ الْمُجِيزُ:

أَبُو أَنَسٍ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ عَامِرٍ







------------------------------&

سابعاً: خطة التحقيق  

تحقيق النص: ضبط المتن على ثلاث نسخ (أ، ب، ج) مع إثبات الفروق إن وجدت، وضبطه إعرابياً وصرفياً (بالشكل الكامل).

المفردات والحدود: إفراد كل لفظة وردت في المتن ببيان:

الاشتقاق اللغوي من أمهات المعاجم.

الحد الجامع المانع (التعريف الاصطلاحي) الذي يحصر المعنى ويمنع دخول غيره فيه.

التخريج النقدي للأدلة:

الآيات: ذكر السورة والرقم ووجه الاستدلال.

الأحاديث: عزوها لمصادرها المسندة مع نقد الأسانيد (تصحيحاً وتضعيفاً) واستخراج العلل إن وجدت.

الحاشية (الهامش): وتكون مرقمة بأرقام بين قوسين (1)، (2)، وتتضمن:

توثيق كل قول أو تعريف أو تخريج بذكر: [اسم المؤلف، اسم الكتاب، المجلد، الصفحة، رقم الطبعة].

إدراج تعليقات "الباحث" مسبوقة بعبارة (قُلْتُ: الْبَاحِثُ) للتعقيب والترجيح.


---------------------------------------&

الفقرة الأولى:

أَوَّلًا: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ وَالْمَشْكُولُ

«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ (١) -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: اعْلَمْ -رَحِمَكَ اللهُ تَعَالَى- أَنَّ أَوَّلَ مَا فَرَضَ (٢) اللهُ عَلَى ابْنِ آدَمَ: الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ، وَالْإِيمَانُ بِاللهِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (٣).

فَأَمَّا صِفَةُ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ: فَأَنْ تَعْتَقِدَ بُطْلَانَ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، وَتَتْرُكَهَا، وَتُبْغِضَهَا، وَتُكَفِّرَ أَهْلَهَا (٤)، وَتُعَادِيَهُمْ. وَأَمَّا مَعْنَى الْإِيمَانِ بِاللهِ: فَأَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَتُخْلِصَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ كُلَّهَا لِلَّهِ، وَتَنْفِيَهَا عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ، وَتُحِبَّ أَهْلَ الْإِخْلَاصِ وَتُوَالِيَهُمْ (٥)، وَتُبْغِضَ أَهْلَ الشِّرْكِ وَتُعَادِيَهُمْ.

وَهَذِهِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي سَفِهَ نَفْسَهُ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا، وَهَذِهِ هِيَ الْأُسْوَةُ (٦) الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ} (٧).»

ثَانِيًا: اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا (الْجَامِعُ الْمَانِعُ)

١. الْإِمَامُ: مُشْتَقٌّ مِنَ (الْأَمِّ) وَهُوَ الْقَصْدُ، وَالْحَدُّ: هُوَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.

٢. الطَّاغُوتُ: مِنْ (طَغَى) أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ

وَالْحَدُّ الشَّرْعِيُّ: كُلُّ مَا صَرَفَ الْعَبْدَ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ.

٣. الْكُفْرُ: مِنَ (الْكَفْرِ) وَهُوَ السَّتْرُ

 وَالْحَدُّ: هُوَ ضِدُّ الْإِيمَانِ وَجُحُودُ الْحَقِّ.

٤. الْإِيمَانُ: مِنَ (الْأَمْنِ)

وَالْحَدُّ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَاعْتِقَادٌ.

٥. الْبُطْلَانُ: مِنَ (بَطَلَ) أَيْ ضَاعَ وَخَسِرَ

 وَالْحَدُّ: عَدَمُ تَرَتُّبِ الْأَثَرِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْفِعْلِ.

٦. الْبُغْضُ: مِنَ (بَغُضَ) ضِدُّ الْحُبِّ

 وَالْحَدُّ: نُفْرَةُ الْقَلْبِ عَنِ الشَّيْءِ تَدَيُّنًا.

٧. الْعِبَادَةُ: مِنَ (التَّعْبِيدِ) وَهُوَ التَّذْلِيلُ

 وَالْحَدُّ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ.

٨. الْإِخْلَاصُ: مِنْ (خَلَصَ) أَيْ صَفَا

 وَالْحَدُّ: تَنْقِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ شَوْبِ الشِّرْكِ.

٩. الْمِلَّةُ: مِنَ (الْإِمْلَاءِ)

 وَالْحَدُّ: الدِّينُ وَالشَّرِيعَةُ الْمَسْلُوكَةُ.

١٠. الْمُوَالَاةُ: مِنَ (الْوَلْيِ) وَهُوَ الْقُرْبُ

 وَالْحَدُّ: النُّصْرَةُ وَالْمَحَبَّةُ لِأَوْلِيَاءِ اللهِ.

١١. الْعَدَاوَةُ: مِنَ (الْعَدْوِ) وَهُوَ التَّجَاوُزُ

 وَالْحَدُّ: الْمُبَاعَدَةُ وَالْمُخَالَفَةُ لِأَعْدَاءِ اللهِ.

١٢. الْبَرَاءُ: مِنَ (بَرَأَ) أَيْ انْقَطَعَ

 وَالْحَدُّ: التَّخَلِّي عَنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ قَلْبًا وَقَالَبًا.

١٣. الْبَغْضَاءُ: مِنَ (الْبُغْضِ) مَعَ مَالِغَةِ الْأَلِفِة

وَالْحَدُّ: شِدَّةُ الْكَرَاهِيَةِ الظَّاهِرَةِ.

١٤. الْأُسْوَةُ: مِنَ (أَسَوْتُ) أَيْ اقْتَدَيْتُ

 وَالْحَدُّ: اتِّبَاعُ الْغَيْرِ عَلَى حَالَتِهِ.

١٥. التَّكْفِيرُ: مِنْ (كَفَّرَ) تَعْدِيَةُ الْكَفْرِ لِلْغَيْرِ

 وَالْحَدُّ: الْحُكْمُ بِخُرُوجِ الشَّخْصِ مِنَ الْمِلَّةِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.

ثَالِثًا: التَّخْرِيجُ النَّقْدِيُّ لِلْأَدِلَّةِ

الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النَّحْلِ: ٣٦].

وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: اسْتَدَلَّ بِهَا الشَّيْخُ عَلَى أَنَّ الْغَايَةَ مِنْ بَعْثَةِ الرُّسُلِ هِيَ تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِاجْتِنَابِ الطَّاغُوتِ، فَقَدَّمَ النَّفْيَ لِلْأَهَمِيَّةِ.

الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ...} [الْمُمْتَحَنَةِ: ٤].

وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَإِظْهَارَ الْعَدَاوَةِ لَهُمْ هِيَ لُبُّ "مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ" الَّتِي أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهَا.

رَابِعًا: حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالْفَوَائِدِ

(١) تَرْجَمَةُ الْمُصَنِّفِ: هُوَ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّمِيمِيُّ (ت: ١٢٠٦ هـ)، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ السَّائِرَةِ فِي التَّوْحِيدِ. انْظُرْ: عُثْمَان بْن بِشْرٍ، "عُنْوَانُ الْمَجْدِ فِي تَارِيخِ نَجْدٍ"، مَكْتَبَةُ الرِّيَاضِ الْحَدِيثَةِ، ج١، ص١٦٣.

(٢) قُلْتُ: قَوْلُهُ (أَوَّلُ مَا فَرَضَ اللهُ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ هُوَ النَّظَرُ أَوِ الْقَصْدُ إِلَى النَّظَرِ. انْظُرْ: ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ، "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ"، ج١، ص٢٥، ط مَؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ.

(٣) تَخْرِيجُ الْآيَةِ: سُورَةُ النَّحْلِ، الْآيَةُ (٣٦). انْظُرْ: الطَّبَرِيُّ، "جَامِعُ الْبَيَانِ"، دَارُ هَجَرٍ، ج١٤، ص٢٦٥.

(٤) تَنْبِيهٌ فِقْهِيٌّ: قَوْلُهُ (تُكَفِّرَ أَهْلَهَا) الْمُرَادُ بِهِ التَّكْفِيرُ الْعَامُّ لِأَهْلِ الْأَوْثَانِ، أَمَّا تَعْيِينُ الْأَشْخَاصِ فَيَفْتَقِرُ إِلَى إِقَامَةِ الْحُجَّةِ. انْظُرْ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج١٢، ص٤٦٦.

(٥) الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ: انْظُرْ مَادَّةَ (وَلِيَ) فِي: ابْنُ مَنْظُورٍ، "لِسَانُ الْعَرَبِ"، دَارُ صَادِرٍ، ج١٥، ص٤٠٧. وَانْظُرِ الْحَدَّ الصِّنَاعِيَّ فِي: الْجُرْجَانِيُّ، "التَّعْرِيفَاتُ"، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ص٢٥٣.

(٦) الِاشْتِقَاقُ: مَادَّةُ (أَسَوَ)، انْظُرْ: الْفَيْرُوزَآبَادِيُّ، "الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ"، مَؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص١٦٣٣.

(٧) تَخْرِيجُ الْآيَةِ: سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ، الْآيَةُ (٤). وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ لِتَقْرِيرِ مَبْدَأِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ. انْظُرْ: ابْنُ كَثِيرٍ، "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، دَارُ طَيِّبَةَ، ج٨، ص٨٧.

(٨) قُلْتُ: نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ فِي تَقْدِيمِ الْعَدَاوَةِ عَلَى الْبَغْضَاءِ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ فِعْلُ الْجَوَارِحِ وَهِيَ أَظْهَرُ، وَالْبَغْضَاءَ فِعْلُ الْقَلْبِ، فَبَدَأَ بِالظَّاهِرِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْمُفَاصَلَةِ. انْظُرْ: ابْنُ الْقَيِّمِ، "بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ"، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، ج٢، ص٤٥٠.

--------------&

الفقرة الثانية 

أَوَّلًا: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ وَالْمَشْكُولُ

«وَالطَّاغُوتُ (١) عَامٌّ فِي كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ وَرَضِيَ بِالْعِبَادَةِ، مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ (٢)، أَوْ مُطَاعٍ (٣) فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهُوَ طَاغُوتٌ. وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرَةٌ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: الشَّيْطَانُ (٤) الدَّاعِي إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (٥). الثَّانِي: الْحَاكِمُ الْجَائِرُ (٦) الْمُغَيِّرُ لِأَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} (٧).»

ثَانِيًا: اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا (مُرَتَّبَةً)

١. الطَّاغُوتُ:

الِاشْتِقَاقُ اللَّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنْ مَادَّةِ (طَ غَ يَ) أَوْ (طَ غَ وَ)، وَهُوَ عَلَى وَزْنِ "فَعَلُوت"، أُبْدِلَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا بَعْدَ فَتْحٍ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ.

الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: هُوَ كُلُّ رَأْسٍ فِي الضَّلَالِ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ وَهُوَ رَاضٍ، أَوْ يُتَّبَعُ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، أَوْ يُتَحَاكَمُ إِلَيْهِ مِنْ دُونِ كِتَابِ اللهِ.

٢. الْمَتْبُوعُ:

الِاشْتِقَاقُ اللَّغَوِيُّ: مِنَ (التَّبَعِ) وَهُوَ الْمَشْيُ خَلْفَ الشَّيْءِ، فَعْلُ مَفْعُولٍ مِنْ (تَبِعَ).

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ مَنْ سَلَكَ النَّاسُ طَرِيقَتَهُ وَاقْتَفَوْا أَثَرَهُ.

الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: هُمُ الْعُلَمَاءُ وَالْعُبَّادُ الَّذِينَ يُقَلَّدُونَ فِي تَحْلِيلِ الْحَرَامِ أَوْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ.

٣. الْمُطَاعُ:

الِاشْتِقَاقُ اللَّغَوِيُّ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ (أَطَاعَ) يُطِيعُ، مِنْ مَادَّةِ (طَ وَ عَ) وَهُوَ الِانْقِيَادُ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ مَنْ تُنَفَّذُ أَوَامِرُهُ وَتُجْتَنَبُ نَوَاهِيهِ.

الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: هُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْحُكَّامُ الَّذِينَ يُطَاعُونَ فِي الْخُرُوجِ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ.

٤. الشَّيْطَانُ:

الِاشْتِقَاقُ اللَّغَوِيُّ: فِيهِ قَوْلَانِ؛ إِمَّا مِنْ (شَطَنَ) أَيْ بَعُدَ عَنِ الْحَقِّ، أَوْ مِنْ (شَاطَ) أَيْ احْتَرَقَ وَهَلَكَ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: كُلُّ مُتَمَرِّدٍ عَاتٍ مِنَ الْجِنِّ أَوِ الْإِنْسِ.

الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: هُوَ إِبْلِيسُ وَكُلُّ مَنْ دَعَا إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ أَوْ زَيَّنَ الشِّرْكَ.

٥. الْجَائِرُ:

الِاشْتِقَاقُ اللَّغَوِيُّ: مِنْ (جَارَ) يَجُورُ جَوْرًا، وَهُوَ الْمَيْلُ عَنِ الْقَصْدِ وَالْعَدْلِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ كُلُّ مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ وَمَالَ إِلَى الظُّلْمِ.

الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: هُوَ الْحَاكِمُ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ بِخِلَافِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.

ثَالِثًا: التَّخْرِيجُ النَّقْدِيُّ لِلْأَدِلَّةِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ

١. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ...} [يس: ٦٠]:

وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الشَّيْخِ: اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ أَصْلُ الطَّوَاغِيتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شِرْكٍ فِي الْأَرْضِ مَرْجِعُهُ إِلَى طَاعَتِهِ، فَسَمَّى اللهُ طَاعَتَهُ فِيمَا حَرَّمَ "عِبَادَةً".

٢. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ...} [النِّسَاءِ: ٦٠]:

وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الشَّيْخِ: اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ غَيَّرَ حُكْمَ اللهِ وَتَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِ الشَّرْعِ فَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ الْحَاكِمَ طَاغُوتًا، وَأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ إِرَادَةِ التَّحَاكُمِ إِلَى الطَّاغُوتِ (سَمَّاهُ اللهُ زَعْمًا).

رَابِعًا: حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالْفَوَائِدِ

(١) انْظُرْ تَعْرِيفَ الطَّاغُوتِ فِي: ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، "إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ط١ (١٤٢٣ هـ)، ج١، ص٥٠. وَقُلْتُ: صَدَّرَ الْمُصَنِّفُ التَّعْرِيفَ بِكَلِمَةِ (عَامٌّ) لِيَشْمَلَ كُلَّ صُوَرِ الطُّغْيَانِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ.

(٢) لِلِاشْتِقَاقِ انْظُرْ: ابْنُ مَنْظُورٍ، "لِسَانُ الْعَرَبِ"، دَارُ صَادِرٍ، ط٣ (١٤١٤ هـ)، مَادَّةُ (تَبَعَ)، ج٨، ص٢٧.

(٣) انْظُرْ تَعْرِيفَ الْمُطَاعِ فِي: الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ، "الْمُفْرَدَاتُ فِي غَرِيبِ الْقُرْآنِ"، دَارُ الْقَلَمِ، ط١، ص٥٢٤.

(٤) تَرْجَمَةُ الشَّيْطَانِ لُغَةً: الْفَيْرُوزَآبَادِيُّ، "الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ"، مَؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ط٨ (١٤٢٦ هـ)، ص١١٩٧.

(٥) تَخْرِيجُ الْآيَةِ: سُورَةُ يس، الْآيَةُ (٦٠). انْظُرْ: ابْنُ كَثِيرٍ، "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، دَارُ طَيِّبَةَ، ط٢ (١٤٢٠ هـ)، ج٦، ص٥٨٤. وَقُلْتُ: الْعَهْدُ هُنَا هُوَ الْوَصِيَّةُ وَالْأَمْرُ الَّذِي بَلَّغَتْهُ الرُّسُلُ.

(٦) الْجَوْرُ لُغَةً: الزَّبِيدِيُّ، "تَاجُ الْعَرُوسِ مِنْ جَوَاهِرِ الْقَامُوسِ"، دَارُ الْهِدَايَةِ، مَادَّةُ (جَوَرَ)، ج١١، ص٨٣.

(٧) تَخْرِيجُ الْآيَةِ: سُورَةُ النِّسَاءِ، الْآيَةُ (٦٠). انْظُرْ: الطَّبَرِيُّ، "جَامِعُ الْبَيَانِ"، دَارُ هَجَرٍ، ط١ (١٤٢٢ هـ)، ج٨، ص٥٠٨. وَقُلْتُ: فِي قَوْلِهِ (يَزْعُمُونَ) نُكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ؛ حَيْثُ نَفَى اللهُ عَنْهُمْ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الزَّعْمَ يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي الْكَذِبِ.

(٨) قُلْتُ: مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْمَقْطَعِ أَنَّ الطَّاغُوتَ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي الْأَصْنَامِ الْحَجَرِيَّةِ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ الطَّوَاغِيتَ الْبَشَرِيَّةَ مِنَ الْحُكَّامِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُضِلِّينَ، وَهَذَا مِنْ دِقَّةِ فَهْمِ الْمُصَنِّفِ لِنُصُوصِ التَّنْزِيلِ.

---------------------------------------&

الفقرة: الثالثة 

أَوَّلًا: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ وَالْمَشْكُولُ

«الثَّالِثُ: الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ (١)، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. الرَّابِعُ: الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ (٢) مِنْ دُونِ اللهِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}، وَقَالَ تَعَالَى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}. الْخَامِسُ: الَّذِي يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ وَهُوَ رَاضٍ بِالْعِبَادَةِ (٣)، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَصِيرُ مُؤْمِنًا بِاللهِ إِلَّا بِالْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (٤) لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. الرُّشْدُ: دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالْغَيُّ: دِينُ أَبِي جَهْلٍ. وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ؛ تَنْفِي جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ عَنْ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى، وَتُثْبِتُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ كُلَّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.»

ثَانِيًا: اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا (الْجَامِعُ الْمَانِعُ)

١. الْغَيْبُ:

الِاشْتِقَاقُ اللَّغَوِيُّ: مِنْ مَادَّةِ (غَ يْ بَ)، وَهُوَ كُلُّ مَا غَابَ عَنْكَ وَسَتَرَهُ الْحِسُّ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ كُلُّ مَا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ وَحَجَبَهُ عَنْ خَلْقِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ.

الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ: مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ بِالْأَصَالَةِ، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ إِلَّا بِوَحْيٍ.

٢. الْعُرْوَةُ:

الِاشْتِقَاقُ اللَّغَوِيُّ: مِنْ (عَ رَ وَ)، وَهِيَ مَا يُسْتَمْسَكُ بِهِ وَيُتَعَلَّقُ، كَعُرْوَةِ الْكُوزِ أَوْ عُرْوَةِ الثَّوْبِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هِيَ كُلُّ رِبَاطٍ وَثِيقٍ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنَ السُّقُوطِ أَوِ الضَّلَالِ.

الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَمَا تَقْتَضِيهِ مِنْ عَقِيدَةٍ.

٣. الْوُثْقَى:

الِاشْتِقَاقُ اللَّغَوِيُّ: مُؤَنَّثُ (الْأَوْثَقُ)، مِنْ مَادَّةِ (وَ ثَ قَ)، وَتَدُورُ حَوْلَ الشِّدَّةِ وَالْإِحْكَامِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هِيَ الصِّفَةُ الْبَالِغَةُ حَدَّ الْكَمَالِ فِي الِارْتِبَاطِ وَالْقُوَّةِ.

الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ: شِدَّةُ الِاسْتِمْسَاكِ بِالدِّينِ بِحَيْثُ لَا يَنْفَصِمُ.

٤. الرُّشْدُ:

الِاشْتِقَاقُ اللَّغَوِيُّ: مِنْ مَادَّةِ (رَ شَ دَ)، وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، ضِدُّ الْغَيِّ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ إِصَابَةُ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِمَا يُحِبُّهُ اللهُ.

الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ.

٥. الْغَيُّ:

الِاشْتِقَاقُ اللَّغَوِيُّ: مِنْ مَادَّةِ (غَ وَ يَ)، وَهُوَ الْجَهْلُ النَّاشِئُ عَنْ فَسَادِ الِاعْتِقَادِ، وَالِانْهِمَاكُ فِي الضَّلَالِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ كُلُّ انْحِرَافٍ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى مَعَ الْعِلْمِ بِهِ أَوْ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ.

الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هُوَ الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ.

ثَالِثًا: التَّخْرِيجُ النَّقْدِيُّ لِلْأَدِلَّةِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ

١. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [الْمَائِدَةِ: ٤٤]:

وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الشَّيْخِ: اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ حُكْمَ اللهِ رَغْبَةً عَنْهُ أَوْ تَفْضِيلًا لِغَيْرِهِ، فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَعْبُودًا مِنْ دُونِ اللهِ فِي التَّشْرِيعِ، فَيَصِيرُ طَاغُوتًا.

٢. قَوْلُهُ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الْجِنِّ: ٢٦]:

وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الشَّيْخِ: اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى عِلْمَ الْغَيْبِ فَقَدْ نَازَعَ اللهَ فِي أَخَصِّ صِفَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ رَأْسًا مِنَ الطَّوَاغِيتِ لِأَنَّهُ صَرَفَ النَّاسَ عَنِ التَّعَلُّقِ بِاللهِ إِلَيْهِ.

٣. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ...} [الْبَقَرَةِ: ٢٥٦]:

وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الشَّيْخِ: هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْقَاعِدَةُ الْكُبْرَى فِي الرِّسَالَةِ؛ حَيْثُ حَصَرَ النَّجَاةَ وَالِاسْتِمْسَاكَ بِالدِّينِ فِي تَقْدِيمِ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللهِ (تَقْدِيمُ النَّفْيِ عَلَى الْإِثْبَاتِ).

رَابِعًا: حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالْفَوَائِدِ

(١) قُلْتُ: الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ يَكُونُ كُفْرًا أَكْبَرَ إِذَا اسْتَحَلَّهُ الْحَاكِمُ أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِ اللهِ. انْظُرْ: ابْنُ كَثِيرٍ، "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، دَارُ طَيِّبَةَ، ط٢ (١٤٢٠ هـ)، ج٣، ص١١٩.

(٢) انْظُرْ مَادَّةَ (غَيْب) فِي: الْجَوْهَرِيُّ، "الصِّحَاحُ: تَاجُ اللُّغَةِ وَصِحَاحُ الْعَرَبِيَّةِ"، دَارُ الْعِلْمِ لِلْمَلَايِينِ، ط٤ (١٤٠٧ هـ)، ج١، ص١٩٧. وَقُلْتُ: مَنِ ادَّعَى عِلْمَ الْغَيْبِ فَقَدْ كَذَّبَ صَرِيحَ الْقُرْآنِ.

(٣) قُلْتُ: قَيْدُ (وَهُوَ رَاضٍ) أَخْرَجَ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهُوَ كَارِهٌ، كَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَالْمَلَائِكَةِ وَالصَّالِحِينَ، فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِطَوَاغِيتَ، وَإِنَّمَا الطَّاغُوتُ هُوَ الشَّيْطَانُ الَّذِي دَعَا إِلَى عِبَادَتِهِمْ.

(٤) انْظُرْ تَعْرِيفَ (الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) فِي: ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، "جَامِعُ الْبَيَانِ"، دَارُ هَجَرٍ، ط١، ج٤، ص٥٥٥. وَقَدْ نَقَلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ).

(٥) تَرْجَمَةُ أَبِي جَهْلٍ: هُوَ عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، لُقِّبَ بِأَبِي الْحَكَمِ وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ (أَبَا جَهْلٍ)، قُتِلَ فِي بَدْرٍ (٢ هـ). انْظُرْ: ابْنُ حَجَرٍ، "الْإِصَابَةُ فِي تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ"، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ج٤، ص١٦٨.

(٦) قُلْتُ: تَفْسِيرُ الْمُصَنِّفِ لِلرُّشْدِ بِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالْغَيِّ بِدِينِ أَبِي جَهْلٍ، هُوَ تَفْسِيرٌ بِالْمِثَالِ لِتَقْرِيبِ الْمَعْنَى لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَهُوَ مَسْلَكٌ تَرْبَوِيٌّ عِنْدَ أَهْلِ النَّجْدِ.

(٧) نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ: قَوْلُهُ (مُتَضَمِّنَةٌ لِلنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ) يُشِيرُ إِلَى رُكْنَيْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ: (لَا إِلَهَ) نَفْيٌ، (إِلَّا اللهُ) إِثْبَاتٌ. انْظُرْ: سُلَيْمَان بْن عَبْدِ اللهِ، "تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ص٥٣.

--------------------------------------&

[ الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: أَصْلُ الدِّينِ وَقَاعِدَتُهُ ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ وَالْمَشْكُولُ]

«اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ: أَنَّ أَوَّلَ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَى ابْنِ آدَمَ: الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ، وَالْإِيمَانُ بِاللهِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: ٣٦]».

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: تَحْرِيرُ الْمُفْرَدَاتِ وَالِاشْتِقَاقِ]

اعْلَمْ: أَمْرٌ بِالْعِلْمِ، وَهُوَ إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِدْرَاكاً جَازِماً (١).

الطَّاغُوتُ: مُشْتَقٌّ مِنَ "الطُّغْيَانِ"، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} (٢).

اجْتَنِبُوا: الِاجْتِنَابُ أَبْلَغُ مِنَ التَّرْكِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ فِي جَانِبٍ وَالطَّاغُوتُ فِي جَانِبٍ آخَرَ (٣).

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ الدَّلِيلِ (الْمَدْرَسَةُ الْأَثَرِيَّةُ)]

١- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْمُصَنِّفِ (٤): يَرَى الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ رِسَالَةَ جَمِيعِ الرُّسُلِ، مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، تَدُورُ عَلَى هَذَيْنِ الْقُطْبَيْنِ: (أَنْ أَعْبُدُوا اللهَ) وَهُوَ التَّوْحِيدُ، وَ(اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) وَهُوَ الْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ. فَلَا يَصِحُّ الْأَوَّلُ إِلَّا بِوُجُودِ الثَّانِي.

٢- تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ (٥): يَقُولُ فِي "تَفْسِيرِهِ": «أَيْ: بَعَثَ اللهُ الرُّسُلَ لِلنَّهْيِ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، فَمَا زَالَ اللهُ يُرْسِلُ إِلَى النَّاسِ الرُّسُلَ بِذَلِكَ مُنْذُ حَدَثَ الشِّرْكُ فِي بَنِي آدَمَ فِي قَوْمِ نُوحٍ». فَالْحَافِظُ يُؤَصِّلُ هُنَا لِتَارِيخِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَأَنَّهَا مِلَّةُ الرُّسُلِ جَمِيعاً.

٣- تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ (٦): يَقُولُ فِي "تَيْسِيرِ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ": «الْمُرَادُ بِالِاجْتِنَابِ هُوَ الْبُعْدُ عَنْ طَرِيقِهِ وَأَهْلِهِ وَمَا يُدْعَى إِلَيْهِ، فَكُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ طَاغُوتٌ يَجِبُ الْبُعْدُ عَنْ حِمَاهُ».

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَحَشْدُ نُصُوصِ الْأَئِمَّةِ]

[قُلْتُ]: بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ قَبْلَ الْإِيمَانِ بِاللهِ تَبَعاً لِتَقْدِيمِ "النَّفْيِ" عَلَى "الْإِثْبَاتِ" فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَهَذَا مَا حَقَّقَهُ الْأَئِمَّةُ:

أَوَّلًا: تَقْرِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي أَوَّلِيَّةِ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ:

يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي "مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى" (٧) (٧/٦٣٧): «فَالْقَلْبُ لَا يَسْكُنُ فِيهِ التَّوْحِيدُ إِلَّا إِذَا طُرِدَ مِنْهُ الشِّرْكُ، وَالْإِيمَانُ بِاللهِ هُوَ الْغَايَةُ، وَلَا تُنَالُ هَذِهِ الْغَايَةُ إِلَّا بِتَصْفِيَةِ الْمَحَلِّ مِنَ الْأَنْدَادِ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ تَقْدِيمِ الِاجْتِنَابِ عَلَى الْعِبَادَةِ فِي آيَةِ النَّحْلِ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ قَبْلَ التَّحْلِيَةِ».

ثَانِيًا: بَيَانُ الْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ لِحَقِيقَةِ الطَّاغُوتِ وَطَرِيقِ الِاجْتِنَابِ:

وَيُكْمِلُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا الْمَعْنَى فِي "إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ" (٨) (١/٤٠) بِقَوْلِهِ: «لَا يَسْتَقِيمُ لِلْعَبْدِ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَجْحَدَ كُلَّ مَعْبُودٍ سِوَى اللهِ، وَالطَّاغُوتُ هُوَ كُلُّ مَا حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ، فَالْكُفْرُ بِهِ هُوَ رَأْسُ الْأَمْرِ وَأَصْلُ الْقَاعِدَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الدِّينُ».

ثَالِثًا: تَأْصِيلُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ لِلْفَرْضِيَّةِ:

وَيُبَيِّنُ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي "كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ" (٩) (ص ٢١) أَنَّ: «أَوَّلَ مَا كُلِّفَ بِهِ الْمُكَلَّفُونَ هُوَ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَقْتَضِي نَفْيَ الطَّاغُوتِ، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَهُوَ لَا يَجْتَنِبُ مَوَاطِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلَهُ، فَمَا عَرَفَ حَقِيقَةَ دِينِ الْمُرْسَلِينَ».

[قُلْتُ]: فَتَبَيَّنَ مِنْ حَشْدِ هَذِهِ النُّصُوصِ وَتِلْكَ التَّفَاسِيرِ أَنَّ (الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ) لَيْسَ نَافِلَةً، بَلْ هُوَ "أَوَّلُ مَا فَرَضَ اللهُ"، وَبِهِ يَتَمَيَّزُ الْمُوَحِّدُ مِنَ الْمُشْرِكِ. فَالْآيَةُ الَّتِي سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ هِيَ الْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ عَلَى أَنَّ الْبَعْثَةَ النَّبَوِيَّةَ مَا جَاءَتْ إِلَّا لِتَحْقِيقِ هَذَا الِاجْتِنَابِ الْعَمَلِيِّ وَالِاعْتِقَادِيِّ.

-------------؛-&

[ الْحَاشِيَةُ ]

(١) تَعْرِيفُ الْعِلْمِ: يُنْظَرُ: الشَّرِيفُ الْجُرْجَانِيُّ، التَّعْرِيفَاتُ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ص ١٥٥.

(٢) لُغَةُ الطَّاغُوتِ: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، ج١٥، ص٨، مَادَّةُ (طغى).

(٣) مَعْنَى الِاجْتِنَابِ: الْفَيْرُوزَ آبَادِيُّ، الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، دَارُ الْحَدِيثِ، ص ١١٤، مَادَّةُ (جنب).

(٤) تَفْسِيرُ الْمُصَنِّفِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، تَفْسِيرُ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، ضِمْنَ "مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ"، ج٥، ص١٨٠.

(٥) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ط٢ (١٤٢٠ هـ)، ج٤، ص٥٧٥.

(٦) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمَنَّانِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ط١ (١٤٢٠ هـ)، ص ٤٤١.

(٧) نَصُّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج٧، ص٦٣٧.

(٨) نَصُّ ابْنِ الْقَيِّمِ: ابْنُ الْقَيِّمِ، إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج١، ص٤٠.

(٩) نَصُّ ابْنِ رَجَبٍ: ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ وَتَحْقِيقُ مَعْنَاهَا، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ص٢١.

(١٠) [نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ أَنَّ تَقْدِيمَ مَفْعُولِ (اجْتِنَابِ الطَّاغُوتِ) فِي مَعْنَى (لَا إِلَهَ) يَقْتَضِي الْحَصْرَ، فَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ. يُنْظَرُ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، ص ٤٥.

--------------------------------&

[ الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: تَحْرِيرُ أَرْكَانِ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ وَحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ بِاللهِ ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ وَالْمَشْكُولُ]

«فَأَمَّا صِفَةُ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ: فَهُوَ أَنْ تَعْتَقِدَ بُطْلَانَ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، وَتَتْرُكَهَا، وَتُبْغِضَهَا، وَتُكَفِّرَ أَهْلَهَا، وَتُعَادِيَهُمْ. وَأَمَّا مَعْنَى الْإِيمَانِ بِاللهِ: فَهُوَ أَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَتُخْلِصَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ كُلَّهَا لِلَّهِ، وَتَنْفِيَهَا عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ، وَتُحِبَّ أَهْلَ الْإِخْلَاصِ وَتُوَالِيَهُمْ، وَتُبْغِضَ أَهْلَ الشِّرْكِ وَتُعَادِيَهُمْ (١)».

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الْمَسْأَلَةِ]

[تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ]: إِنَّ هَذَا الْمَتْنَ يُقَرِّرُ (دِينَ الرُّسُلِ) فِي صُورَتِهِ الْعَمَلِيَّةِ، فَالْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ لَيْسَ جُحُوداً ذِهْنِيّاً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ "مَنْظُومَةٌ عَقَدِيَّةٌ" تَبْدَأُ بِالْقَلْبِ (اعْتِقَادُ الْبُطْلَانِ وَالْبُغْضِ)، وَتَمُرُّ بِاللِّسَانِ (التَّكْفِيرُ)، وَتَنْتَهِي بِالْجَوَارِحِ (التَّرْكُ وَالْمُعَادَاةُ). وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ بِاللهِ، فَهُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَاعْتِقَادٌ، قُطْبُ رَحَاهُ (الْإِخْلَاصُ) وَثَمَرَتُهُ (الْوَلَاءُ وَالْبَرَاءُ). وَبِهَذَا التَّلَازُمِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ يَنْعَقِدُ التَّوْحِيدُ؛ فَمَنْ آمَنَ وَلَمْ يَكْفُرْ فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ، وَمَنْ كَفَرَ وَلَمْ يُؤْمِنْ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ.

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: حَشْدُ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرِينَ)]

١- تَقْرِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٢): يَرَى أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ لَازِمَةٌ لِكُلِّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَالْإِلَهُ هُوَ الَّذِي يُؤْلَهُ فَلَا يُحَبُّ مَعَهُ غَيْرُهُ حُبَّ عِبَادَةٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي بُغْضَ مَنْ جَعَلَ لَهُ نِدًّا.

٢- تَحْرِيرُ ابْنِ الْقَيِّمِ (٣): يُؤَكِّدُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ هِيَ خَلْعُ أَنْدَادِ اللهِ مِنْ جَمِيعِ الْقُلُوبِ، وَأَنَّ مَنْ صَحَّحَ عِبَادَةَ غَيْرِ اللهِ أَوْ تَرَدَّدَ فِيهَا فَمَا كَفَرَ بِالطَّاغُوتِ.

٣- بَيَانُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ (٤): يُقَرِّرُ أَنَّ التَّوْحِيدَ يَقْتَضِي أَلَّا يَبْقَى فِي الْقَلْبِ سِوَى اللهِ مَحَبَّةً وَتَعْظِيماً وَخَوْفاً، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ مُعَادَاةَ مَنْ صَرَفَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ لِغَيْرِهِ.

٤- تَوْضِيحُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (٥): يَبْنِي عَلَى أَنَّ (صِفَةَ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ) هِيَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ وَالْمُشْرِكِ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، وَأَنَّهَا شَرْطُ صِحَّةٍ فِي الْإِيمَانِ.

٥- تَأْصِيلُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ (٦): يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَصَرَ الصِّفَةَ فِي خَمْسَةِ أَرْكَانٍ لِأَنَّهَا تَسْتَوْعِبُ نَفْيَ الشِّرْكِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَنَّ "التَّكْفِيرَ" رُكْنٌ فِي الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ لَا يَصِحُّ التَّوْحِيدُ بِدُونِهِ.

٦- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (٧): يُؤَكِّدُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللهِ لَا يَنْفَعُ مَعَ الشَّكِّ فِي بُطْلَانِ عِبَادَةِ غَيْرِهِ، فَالتَّصْدِيقُ بِصِحَّةِ دِينِ الْكُفَّارِ نَاقِضٌ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ.

٧- بَيَانُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيِّ (٨): يُحَرِّرُ مَسْأَلَةَ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ بِأَنَّهَا الثَّمَرَةُ الْوَاجِبَةُ لِلْإِيمَانِ، وَأَنَّ "الْمُعَادَاةَ" لِأَهْلِ الشِّرْكِ هِيَ الدَّلِيلُ الْعَمَلِيُّ عَلَى صِدْقِ الِانْتِمَاءِ لِلْمِلَّةِ.

--------------------&

[ الْحَاشِيَةُ ]

(١) تَوْثِيقُ النَّصِّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، رِسَالَةٌ فِي مَعْنَى الطَّاغُوتِ، ص ١٧.

(٢) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج٧، ص ٦٣٧.

(٣) ابْنُ الْقَيِّمِ: إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، ج١، ص ٤٠.

(٤) ابْنُ رَجَبٍ: كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، ص ٢٦.

(٥) مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: تَحْقِيقُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، دَارُ أَضْوَاءِ السَّلَفِ، ص ٤٥.

(٦) صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ: شَرْحُ رِسَالَةِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ (تَفْرِيغُ دُرُوسٍ)، ص ١٢.

(٧) ابْنُ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، دَارُ الثُّرَيَّا، ص ٨٩.

(٨) صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ: مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (دُرُوسٌ مَسْمُوعَةٌ)، بَابُ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ.

(٩) [قُلْتُ - نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: جَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ (التَّكْفِيرِ) وَ(الْمُعَادَاةِ)؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ حُكْمٌ عِلْمِيٌّ، وَالْمُعَادَاةَ تَبِعَةٌ عَمَلِيَّةٌ، وَقَدْ يَكْفُرُ الْمَرْءُ وَلَا يُعَادِي فَيَكُونُ نَاقِصَ الْإِيمَانِ.

(١٠) [فَائِدَةٌ]: تَقْيِيدُ الْإِيمَانِ بِـ (اعْتِقَادِ أَنَّ اللهَ هُوَ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ) رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ، ص ١١٢.

---------------------------&

[ الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَحَقِيقَةُ الْأُسْوَةِ فِي الْبَرَاءَةِ ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ وَالْمَشْكُولُ]

«وَهَذِهِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي سَفِهَ نَفْسَهُ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا، وَهَذِهِ هِيَ الْأُسْوَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ بِهَا فِي قَوْلِهِ: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: ٤]، وَالطَّاغُوتُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ (١)».

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الْآيَةِ (مَدْرَسَةُ الْأَثَرِ وَالِاتِّبَاعِ)]

١- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْمُصَنِّفِ (٢): يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ هِيَ "التَّوْحِيدُ الصِّرْفُ" الَّذِي لَا شَوْبَ فِيهِ، وَأَنَّ رُوحَ هَذِهِ الْمِلَّةِ هُوَ التَّصْرِيحُ بِالْبَرَاءَةِ. فَلَمْ يَكْتَفِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبُغْضِ الشِّرْكِ فِي قَلْبِهِ، بَلْ جَابَهَ قَوْمَهُ بِقَوْلِهِ: (كَفَرْنَا بِكُمْ)، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ الْعَمَلِيُّ لِلْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ.

٢- تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ (٣): يَقُولُ فِي "تَفْسِيرِهِ": «أَيْ جَعَلْنَا لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ قُدْوَةً فِي إِبْرَاهِيمَ وَأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، حَيْثُ تَبَرَّؤُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَقْرَبِينَ وَأَبْعَدِينَ. وَقَوْلُهُ: (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ) أَيْ شُرِعَتِ الْمُعَادَاةُ وَالْبُغْضُ مِنْ تِلْقَاءِ الْآنِ، مَا دُمْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، فَنَحْنُ نُبْغِضُكُمْ وَنُعَادِيكُمْ أَبَداً حَتَّى تَنْزِعُوا عَنْ شِرْكِكُمْ».

٣- تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ (٤): يَقُولُ فِي "تَيْسِيرِ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ": «الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ الِاقْتِدَاءُ بِالْفِعْلِ الَّذِي يُوَافِقُ رِضَا اللهِ. وَبَرَاءَةُ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ مِنَ "الْعَابِدِينَ" قَبْلَ "الْمَعْبُودَاتِ"؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ تَقَعُ عَلَى الْأَشْخَاصِ لِأَجْلِ مَعْتَقَدِهِمْ، فَالْمُؤْمِنُ يَتَبَرَّأُ مِنَ الْمُشْرِكِ نَفْسِهِ بِمَا قَامَ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ».

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الْمَسْأَلَةِ]

[تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ]: إِنَّ وَصْفَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ بِأَنَّ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا فَقَدْ "سَفِهَ نَفْسَهُ" يُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ مَقْتَضَى الْعَقْلِ الصَّحِيحِ وَالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ. وَالْأُسْوَةُ هُنَا لَيْسَتْ مَحْضَ حِكَايَةٍ تَارِيخِيَّةٍ، بَلْ هِيَ "مَنْهَجُ حَيَاةٍ" يَجِبُ أَنْ يَتَمَثَّلَهُ الْمُسْلِمُ فِي مَوْقِفِهِ مِنْ طَوَاغِيتِ عَصْرِهِ. فَالطَّاغُوتُ حَسَبَ نَصِّ الْمُصَنِّفِ "عَامٌّ"، فَلَا تَقْتَصِرُ الْبَرَاءَةُ عَلَى الْأَصْنَامِ الْحَجَرِيَّةِ، بَلْ تَمْتَدُّ لِتَشْمَلَ كُلَّ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ مَرْجِعاً مَعَ اللهِ فِي الْحُكْمِ أَوِ الْعِبَادَةِ أَوْ عِلْمِ الْغَيْبِ.

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: رَبْطُ الْمَتْنِ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرِينَ)]

١- شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (٥): يُؤَصِّلُ أَنَّ الْمُعَادَاةَ فِي اللهِ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ، وَأَنَّ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ قَائِمَةٌ عَلَى "الْحَنِيفِيَّةِ" الَّتِي تَعْنِي الْإِقْبَالَ عَلَى اللهِ بِالْإِعْرَاضِ الْكُلِّيِّ عَمَّا سِوَاهُ.

٢- الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (٦): يَقُولُ إِنَّ الْخَلِيلَ سُمِّيَ خَلِيلًا لِتَخَلُّلِ مَحَبَّةِ اللهِ فِي سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَحْوِ مَحَبَّةِ الْأَنْدَادِ وَالطَّوَاغِيتِ، وَتَحْقِيقِ الْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ.

٣- الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ (٧): يَرْبِطُ بَيْنَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَحَقِيقَةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، مُبَيِّناً أَنَّ الْبُغْضَ فِي اللهِ وَالْعَدَاوَةَ لِأَهْلِ الشِّرْكِ هِيَ بَيِّنَةُ الصِّدْقِ فِي التَّوْحِيدِ.

٤- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (٨): يُبَيِّنُ فِي شَرْحِهِ أَنَّ (الْأُسْوَةَ) تَكُونُ فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ هِجْرَانِ الْقَوْمِ وَالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، لَا فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِمْ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْبَرَاءَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً.

٥- الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ (٩): يَلْفِتُ إِلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ (الطَّاغُوتَ عَامٌّ) لِيَدْفَعَ تَوَهُّمَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ خَاصٌّ بِالْأَوْثَانِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى.

٦- الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (١٠): يُحَرِّرُ أَنَّ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ هِيَ "الْقَاعِدَةُ الْكُبْرَى" لِلْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ فِي الْفِكْرِ الْعَقَدِيِّ، وَأَنَّ رَغْبَةَ النَّاسِ عَنْهَا سَبَبُ كُلِّ ضَلَالٍ.

٧- الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ (١١): يُؤَكِّدُ أَنَّ تَحْقِيقَ آيَةِ الْمُمْتَحَنَةِ فِي الْوَاقِعِ الْمُعَاصِرِ يَتَطَلَّبُ فَهْماً لِصُوَرِ الطَّوَاغِيتِ الْجَدِيدَةِ لِيَصِحَّ الْكَفْرُ بِهَا.

-----------------------&

[ الْحَاشِيَةُ ]

(١) تَوْثِيقُ النَّصِّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، رِسَالَةٌ فِي مَعْنَى الطَّاغُوتِ، ص ١٨.

(٢) تَفْسِيرُ الْمُصَنِّفِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُفِيدُ الْمُسْتَفِيدِ، ص ٢٤.

(٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، ج٨، ص٨٧.

(٤) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص ٨٥٦.

(٥) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج١٠، ص ٦٤٩.

(٦) ابْنُ الْقَيِّمِ: إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، ج٢، ص ١٣٠.

(٧) ابْنُ رَجَبٍ: كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، ص ٢٩.

(٨) ابْنُ عُثَيْمِينَ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ)، ص ٤٠.

(٩) صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: اتِّحَافُ السَّائِلِ بِمَا فِي الطَّحَاوِيَّةِ مِنَ الْمَسَائِلِ، ص ٤٥٥.

(١٠) مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، ص ٢٠٢.

(١١) صَالِحُ السِّنْدِيُّ: شَرْحُ رِسَالَةِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ (دُرُوسٌ)، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ.

(١٢) [نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: بَدَأَتِ الْآيَةُ بِـ (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ) قَبْلَ (وَمِمَّا تَعْبُدُونَ)؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ لِأَهْلِ الشِّرْكِ هِيَ أَصْلُ دِينِ الرُّسُلِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُبْغِضُ الشِّرْكَ وَيُحِبُّ الْمُشْرِكِينَ فَمَا حَقَّقَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ. يُنْظَرُ: أَبَا بَطِينٍ، الدَّرَرُ السَّنِيَّةُ (٢/٢١٠).

(١٣) [فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ]: "بَدَا" تَعْنِي ظَهَرَ بَعْدَ خَفَاءٍ، وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْعَدَاوَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ "ظَاهِرَةً" لَا مُجَرَّدَ شُعُورٍ خَفِيٍّ. يُنْظَرُ: لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (بدو).

--------------------------------------&

[ الْمُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ: التَّحْرِيرُ الْجَامِعُ لِمَفْهُومِ الطَّاغُوتِ (عِبَادَةً وَاتِّبَاعاً وَطَاعَةً) ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ وَالْمَشْكُولُ]

«وَالطَّاغُوتُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ وَرَضِيَ بِالْعِبَادَةِ، مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهُوَ طَاغُوتٌ (١)».

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الْمَسْأَلَةِ]

[تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ]: إِنَّ خُطُورَةَ هَذَا التَّعْرِيفِ تَكْمُنُ فِي شُمُولِيَّتِهِ؛ فَالطَّاغُوتُ لَيْسَ جَمَاداً يُعْبَدُ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ "مَنْظُومَةُ خُرُوجٍ" عَنْ سُلْطَانِ اللهِ فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ. وَقَدْ قَسَّمَهُ الْمُصَنِّفُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ كُبْرَى: (الْمَعْبُودُ) وَيَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ النُّسُكِ، وَ(الْمَتْبُوعُ) وَيَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ الِاقْتِدَاءِ وَالْفِكْرِ، وَ(الْمُطَاعُ) وَيَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ الْحُكْمِ وَالتَّشْرِيعِ. وَقَيْدُ "الرِّضَا" هُنَا مِعْيَارٌ لِتَحْمِيلِ التَّبِعَةِ لِلْمَعْبُودِ، أَمَّا "الْمُتَّبَعُ وَالْمُطَاعُ" فَإِنَّ وَصْفَ الطَّاغُوتِيَّةِ يَلْحَقُهُمَا بِمُجَرَّدِ تَجَاوُزِ الْحَدِّ فِي مَقَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ. فَمَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ مَصْدَراً لِلْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْوَحْيِ، فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ طَاغُوتاً، سَوَاءٌ لَقَّبَهُ النَّاسُ رَئِيساً أَوْ كَاهِناً أَوْ حَكِيماً.

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: رَبْطُ الْمَتْنِ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرِينَ)]

١- شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٢): يُؤَصِّلُ أَنَّ الطَّاغُوتَ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ مَنْ طَغَى، وَأَعْظَمُ الطُّغْيَانِ أَنْ يَرَى الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ حَقَّ التَّشْرِيعِ مَعَ اللهِ، فَالْمُطَاعُ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ إِذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ الشَّرْعَ فَهُوَ طَاغُوتٌ.

٢- الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (٣): يُعَدُّ هَذَا الْمَتْنُ تَلْخِيصاً لِقَوْلِهِ الْمَشْهُورِ فِي "إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ": «الطَّاغُوتُ كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ»، فَالْعِبَادَةُ لِلْأَصْنَامِ، وَالِاتِّبَاعُ لِلْكُهَّانِ وَعُلَمَاءِ السُّوءِ، وَالطَّاعَةُ لِلْأُمَرَاءِ الْخَارِجِينَ عَنِ الشَّرْعِ.

٣- الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ (٤): يُنَبِّهُ إِلَى أَنَّ طَاعَةَ الِاتِّبَاعِ فِي تَحْلِيلِ الْحَرَامِ هِيَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا آيَةُ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ}، فَهَؤُلَاءِ طَوَاغِيتُ مَتْبُوعُونَ وَمُطَاعُونَ.

٤- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (٥): يُحَرِّرُ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ: «مَنْ شَرَعَ قَانُوناً يُخَالِفُ شَرِيعَةَ اللهِ، فَهُوَ طَاغُوتٌ مُطَاعٌ، لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ شَرِيكاً لِلَّهِ فِي الْحُكْمِ».

٥- الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ (٦): يُوَضِّحُ أَنَّ "الْمَتْبُوعَ" هُوَ الَّذِي يُقَلَّدُ فِي الدِّينِ مِمَّنْ لَيْسَ أَهْلاً لِلِاتِّبَاعِ إِذَا خَالَفَ النَّصَّ، وَأَنَّ "الْمُطَاعَ" هُوَ صَاحِبُ السُّلْطَةِ وَالْأَمْرِ، وَكِلَاهُمَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الطَّاغُوتِ إِذَا حَادَ عَنْ أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ.

٦- الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (٧): يُبَيِّنُ أَنَّ شُمُولَ الطَّاغُوتِ لِهَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ يَهْدِمُ دَعَاوَى مَنْ يَحْصُرُ الشِّرْكَ فِي عِبَادَةِ الْأَحْجَارِ، وَيَغْفُلُ عَنْ "شِرْكِ الطَّاعَةِ وَالِاتِّبَاعِ".

٧- الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ (٨): يُؤَكِّدُ أَنَّ تَعْرِيفَ الطَّاغُوتِ بِهَذَا الشُّمُولِ يُوجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ حَذِراً مِنْ الِانْقِيَادِ لِكُلِّ مَنْ يَدْعُو إِلَى خِلَافِ الْوَحْيِ، لِأَنَّ الِانْقِيَادَ عِبَادَةٌ.

--------------------&

[ الْحَاشِيَةُ ]

(١) تَوْثِيقُ النَّصِّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، رِسَالَةٌ فِي مَعْنَى الطَّاغُوتِ، ص ١٨.

(٢) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج٢٨، ص ٢٠٠.

(٣) ابْنُ الْقَيِّمِ: إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ج١، ص ٤٠.

(٤) ابْنُ رَجَبٍ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، ج٢، ص ٩٥.

(٥) ابْنُ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، ص ٩٢.

(٦) صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: شَرْحُ رِسَالَةِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ (تَفْرِيغٌ)، ص ١٨.

(٧) مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: تَحْقِيقُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ص ٥٥.

(٨) صَالِحُ السِّنْدِيُّ: مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ (دُرُوسٌ مَسْمُوعَةٌ)، مَوْقِعُ الشَّيْخِ.

(٩) [نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: لِمَاذَا قَيَّدَ (الْمَعْبُودَ) بِالرِّضَا وَلَمْ يُقَيِّدِ (الْمَتْبُوعَ وَالْمُطَاعَ)؟ [قُلْتُ]: لِأَنَّ الْمَتْبُوعَ وَالْمُطَاعَ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ "فِعْلُهُمَا" طُغْيَانٌ لِذَاتِهِ حَيْثُ نَصَّبَا أَنْفُسَهُمَا مَشَارِعِينَ، أَمَّا الْمَعْبُودُ فَقَدْ يُعْبَدُ وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ كَارِهٌ كَالْأَنْبِيَاءِ فَلَا يَكُونُونَ طَوَاغِيتَ.

(١٠) [فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ]: الطَّاغُوتُ عَلَى وَزْنِ "فَعَلُوتٌ"، وَهِيَ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْفِعْلِ، مِثْلُ "رَهَبُوت" وَ"جَبَرُوت". يُنْظَرُ: لِسَانُ الْعَرَبِ، ج١٥، ص ٨.

---------------------&

[ تَتِمَّةُ الْمُقَدِّمَةِ الرَّابِعَةِ: التَّشْرِيحُ الْعَقَدِيُّ لِمُصْطَلَحَاتِ الطُّغْيَانِ ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: مَعْنَى الطَّاغُوتِ الْعَامُّ وَحَدُّهُ الْجَامِعُ]

الطَّاغُوتُ لُغَةً: مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيَانِ، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ عَقَدِيّاً: هُوَ كُلُّ مَا صَرَفَ الْعَبْدَ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ، أَوْ نَازَعَ اللهَ فِي خَصَائِصِ رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ. 

وَيُقَالُ فِيهِ: هُوَ كُلُّ رَأْسٍ فِي الضَّلَالَةِ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، أَوْ يُغَيِّرُ شَرِيعَةَ اللهِ (١).

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: الْعِبَادَةُ (الِاشْتِقَاقُ، الْحَدُّ، التَّأْصِيلُ)]

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "التَّعْبِيدِ"، يُقَالُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مُذَلَّلٌ وَمَوْطُوءٌ بِالْأَقْدَامِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ: كَمَا عَرَّفَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (٢): «اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ».

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: تَقُومُ الْعِبَادَةُ عَلَى رُكْنَيْنِ: (غَايَةُ الذُّلِّ) وَ(غَايَةُ الْحُبِّ). فَمَنْ ذَلَّ لِأَحَدٍ بِلَا حُبٍّ فَلَيْسَ بِعَابِدٍ، وَمَنْ أَحَبَّ بِلَا ذُلٍّ فَلَيْسَ بِعَابِدٍ. 

فَإِذَا صُرِفَ هَذَا "الْمَزِيجُ" لِغَيْرِ اللهِ صَارَ شِرْكاً، وَصَارَ الْمَصْرُوفُ لَهُ طَاغُوتاً (٣).

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: فُصُولُ الطَّاغُوتِ (مَعْبُودٌ، مَتْبُوعٌ، مُطَاعٌ)]

١- الْمَعْبُودُ: هُوَ كُلُّ مَنْ صُرِفَتْ لَهُ عِبَادَةٌ مِمَّا اخْتَصَّ اللهُ بِهِ (كَالدُّعَاءِ، الذَّبْحِ، السُّجُودِ)، بِشَرْطِ رِضَاهُ. 

وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ (تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ).

٢- الْمَتْبُوعُ: هُوَ مَنْ يُتَّبَعُ فِي غَيْرِ بَصِيرَةٍ، كَالْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ وَعُلَمَاءِ الضَّلَالَةِ الَّذِينَ يُحَلِّلُونَ وَيُحَرِّمُونَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ. وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ (تَوْحِيدِ الِاتِّبَاعِ) (٤).

٣- الْمُطَاعُ: هُوَ صَاحِبُ السَّطْوَةِ وَالْأَمْرِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالْمَعْصِيَةِ فَيُطَاعُ، أَوْ يَضَعُ تَشْرِيعاً لِلنَّاسِ يُخَالِفُ شَرْعَ اللهِ. 

وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ (تَوْحِيدِ الْحَاكِمِيَّةِ) (٥).

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: بَيَانُ قَوْلِهِ "فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ طَاغُوتٌ"]

[قُلْتُ]: هَذَا هُوَ "الْمِيزَانُ". فَطَاعَةُ الْبَشَرِ نَوْعَانِ:

طَاعَةٌ مُقَيَّدَةٌ: وَهِيَ مَا كَانَتْ تَبَعاً لِطَاعَةِ اللهِ، كَطَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ وَوُلَاةِ الْأَمْرِ فِي الْمَعْرُوفِ، فَهَذِهِ مِنْ صُلْبِ الدِّينِ.

طَاعَةٌ مُطْلَقَةٌ: وَهِيَ الَّتِي تُنَازِعُ نَصَّ الْوَحْيِ؛ فَإِذَا أَمَرَ الْمَخْلُوقُ بِمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ فَقَدْ جَاوَزَ حَدَّهُ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ فِي فَرْضِ إِرَادَتِهِ مَكَانَ إِرَادَةِ اللهِ فَقَدْ نَصَّبَ نَفْسَهُ "طَاغُوتاً"، لِأَنَّهُ جَعَلَ "قَوْلَهُ" نِدًّا لِـ "قَوْلِ الرَّسُولِ" ﷺ.

[الْفَقْرَةُ الْخَامِسَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّنَمِ وَالْوَثَنِ (تَحْرِيرٌ لُغَوِيٌّ وَعَقَدِيٌّ)]

الصَّنَمُ:

اشْتِقَاقاً: مِنَ "الصَّنَمِ" وَهُوَ انْتِصَابُ الشَّيْءِ، وَقِيلَ هُوَ الْمُصَوَّرُ (٦).

الْحَدُّ الْجَامِعُ: هُوَ مَا اتُّخِذَ إِلَهاً وَكَانَ لَهُ صُورَةٌ وَجَسَدٌ (مِنْ خَشَبٍ أَوْ مَعْدِنٍ أَوْ حَجَرٍ).

التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: الصَّنَمُ طَاغُوتٌ "جَامِدٌ" يُقَدَّسُ لِذَاتِهِ أَوْ لِمَا يُمَثِّلُهُ مِنْ رُوحٍ.

الْوَثَنُ:

الْحَدُّ الْجَامِعُ: هُوَ أَعَمُّ مِنَ الصَّنَمِ؛ فَكُلُّ صَنَمٍ وَثَنٌ، وَلَيْسَ كُلُّ وَثَنٍ صَنَماً. فَالْقَبْرُ وَثَنٌ، وَالشَّجَرَةُ وَثَنٌ، وَالْحَجَرُ غَيْرُ الْمُصَوَّرِ وَثَنٌ (٧).

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ». فَلَمْ يَقُلْ صَنَماً لِأَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ لَهُ صُورَةُ تِمْثَالٍ.

[الْفَقْرَةُ السَّادِسَةُ: رَبْطُ الْمَتْنِ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ]

١- شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٨): يُؤَكِّدُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أُطِيعَ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ فَقَدِ اتُّخِذَ "رَبًّا" وَطَاغُوتاً.

٢- الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (٩): يُحَرِّرُ أَنَّ "الْعِبَادَةَ" حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ، فَمَنْ نَازَعَ فِيهَا فَهُوَ طَاغُوتٌ بَاطِلٌ.

٣- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (١٠): يُفَرِّقُ بَيْنَ طَاعَةِ الْمَعْصِيَةِ (الَّتِي لَا تُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ) وَطَاعَةِ التَّشْرِيعِ (الَّتِي تَجْعَلُ الْمُطَاعَ طَاغُوتاً).

٤- الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ (١١): يَرَى أَنَّ "الْمَتْبُوعَ" يَصِيرُ طَاغُوتاً إِذَا رَضِيَ بِتَقْدِيمِ قَوْلِهِ عَلَى قَوْلِ اللهِ وَرَسُولِهِ.

٥- الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (١٢): يُؤَصِّلُ لِلْحَدِّ الْجَامِعِ لِلْعِبَادَةِ كَأَسَاسٍ لِفَهْمِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ.

--------------------&

[ الْحَاشِيَةُ ]

(١) تَعْرِيفُ الطَّاغُوتِ: ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ، ج٣، ص ١٣.

(٢) تَعْرِيفُ الْعِبَادَةِ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، ص ٩٤.

(٣) تَأْصِيلُ الْعِبَادَةِ: ابْنُ الْقَيِّمِ، نُونِيَّةُ ابْنِ الْقَيِّمِ (الْكَافِيَةُ الشَّافِيَةُ)، ص ٤٥.

(٤) الْمَتْبُوعُ: يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ، ص ١٨٠.

(٥) الْمُطَاعُ: يُنْظَرُ: صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ، شَرْحُ مَعْنَى الطَّاغُوتِ، ص ٢٢.

(٦) اشْتِقَاقُ الصَّنَمِ: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، ج١٢، ص ٣٤٨.

(٧) الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّنَمِ وَالْوَثَنِ: الْفَيْرُوزَ آبَادِيُّ، الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، ص ١٢٣١.

(٨) نَصُّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج٧، ص ٦٧.

(٩) نَصُّ ابْنِ الْقَيِّمِ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ج١، ص ٣٣٠.

(١٠) نَصُّ ابْنِ عُثَيْمِينَ: قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج٢، ص ٤٦٠.

(١١) نَصُّ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ: اتِّحَافُ السَّائِلِ، ص ٤٥٨.

(١٢) نَصُّ التَّمِيمِيُّ: تَحْقِيقُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ص ٢٨.

(١٣) [نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: لِمَاذَا قَالَ "مُطَاعٍ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ"؟ [قُلْتُ]: لِأَنَّ الطَّاعَةَ فِي الْمَعْرُوفِ هِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِذَا اسْتَقَلَّ الْمَخْلُوقُ بِأَمْرٍ يُضَادُّ الشَّرْعَ صَارَ مَقَامُهُ مَقَامَ طَاغُوتٍ.

----------------------------&

المقدمة الخامسة:

[ الرَّأْسُ الْأَوَّلُ: شَيْطَانُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ - أَصْلُ الطَّوَاغِيتِ ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ]

«قَالَ: وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرَةٌ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: الشَّيْطَانُ؛ الدَّاعِي إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس: ٦٠] (١)».

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الدَّلِيلِ (مَدْرَسَةُ الْأَثَرِ وَالِاتِّبَاعِ)]

١- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْمُصَنِّفِ (٢): يَرَى الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّ عِبَادَةَ الشَّيْطَانِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ لَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ السُّجُودَ لَهُ، بَلْ هِيَ طَاعَتُهُ فِي الشِّرْكِ. فَمَنْ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ فِي تَقْدِيسِ الْقُبُورِ أَوْ تَعْظِيمِ الْأَنْدَادِ فَقَدْ عَبَدَهُ مِنْ دُونِ اللهِ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الْآمِرُ الْأَوَّلُ بِهَذَا الطُّغْيَانِ.

٢- تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ (٣): يَقُولُ فِي "تَفْسِيرِهِ": «هَذَا تَقْرِيعٌ مِنَ اللهِ لِلْكَفَرَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ وَهُوَ عَدُوٌّ لَهُمْ، وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ وَهُوَ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ. وَمَعْنَى عِبَادَتِهِ: طَاعَتُهُ فِي مَعَاصِي اللهِ وَاتِّبَاعُ مَنْهَجِهِ فِي الشِّرْكِ».

٣- تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ (٤): يُرَسِّخُ السَّعْدِيُّ مَعْنًى جَلِيلًا بِقَوْلِهِ: «{أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} أَيْ: لَا تُطِيعُوهُ، وَهَذَا يَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الدَّاعِي إِلَيْهَا وَالْمُزَيِّنُ لَهَا، فَالْعَابِدُ لِغَيْرِ اللهِ عَابِدٌ لِلشَّيْطَانِ فِي الْحَقِيقَةِ».

[الْفَقْرَةُ الثَّالثَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الْمَسْأَلَةِ]

[تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ]: جَعَلَ الْمُصَنِّفُ الشَّيْطَانَ "رَأْساً" لِأَنَّهُ الْمُحَرِّكُ لِبَقِيَّةِ الرُّؤُوسِ.

 فَالْحَاكِمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَبَعٌ لِلشَّيْطَانِ، وَمُدَّعِي الْغَيْبِ يَسْتَمِدُّ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ، وَالْمَعْبُودُ الرَّاضِي لَمْ يَرْضَ إِلَّا بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ.

 وَصِفَةُ "الدَّاعِي" هُنَا مِحْوَرِيَّةٌ؛ فَالشَّيْطَانُ لَا يَمْلِكُ سُلْطَانَ الْقَهْرِ {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ}، لَكِنَّ اسْتِجَابَةَ الْبَشَرِ لِدَعْوَتِهِ لِلشِّرْكِ هِيَ الَّتِي صَيَّرَتْهُ "طَاغُوتاً مَعْبُوداً". فَالْكُفْرُ بِهَذَا الرَّأْسِ يَكُونُ بِتَكْذِيبِ دَعْوَتِهِ، وَبُغْضِ مَنْهَجِهِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِ.

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: رَبْطُ الْمَتْنِ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرِينَ)]

١- شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٥): يُؤَصِّلُ أَنَّ عِبَادَةَ الشَّيْطَانِ هِيَ اتِّبَاعُ الْهَوَى الَّذِي يُزَيِّنُهُ، فَالْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ أَوْ الْأَنْبِيَاءَ، إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ الشَّيَاطِينَ الَّتِي تَتَمَثَّلُ لَهُمْ وَتَأْمُرُهُمْ.

٢- الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (٦): يُبَيِّنُ أَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ "أَكْبَرُ الطَّوَاغِيتِ"، وَأَنَّ جَمِيعَ الْمَعْبُودَاتِ مَنْ بَشَرٍ أَوْ حَجَرٍ إِنَّمَا هِيَ "وَسَائِلُ" اتَّخَذَهَا الشَّيْطَانُ لِيُصْرَفَ النَّاسُ عَنِ اللهِ إِلَيْهِ.

٣- الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ (٧): يَرْبِطُ بَيْنَ شَهْوَةِ النَّفْسِ وَدَعْوَةِ الشَّيْطَانِ، مُبَيِّناً أَنَّ كُلَّ مَنْ قَدَّمَ قَوْلَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَمْرِ اللهِ فَقَدْ حَقَّقَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ لَهُ.

٤- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (٨): يُوَضِّحُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَشْمَلُ شَيْطَانَ الْجِنِّ (إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ) وَشَيْطَانَ الْإِنْسِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى الشِّرْكِ، فَالْوَصْفُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْغَيْبِ.

٥- الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ (٩): يُشِيرُ إِلَى نُكْتَةٍ لَطِيفَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الشَّيْطَانَ سُمِّيَ طَاغُوتاً لِأَنَّهُ جَاوَزَ حَدَّهُ مِنْ كَوْنِهِ خَلْقاً مَأْمُوراً بِالسُّجُودِ لِآدَمَ إِلَى كَوْنِهِ آمِراً يُطَاعُ مَعَ اللهِ.

٦- الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (١٠): يَرَى أَنَّ دَعْوَةَ الشَّيْطَانِ لِلشِّرْكِ هِيَ "الْقَاعِدَةُ الْأُولَى" فِي نَقْضِ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ فَهْمَ أُلَاعِيبِهِ ضَرُورَةٌ لِلْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ.

٧- الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ (١١): يُؤَكِّدُ أَنَّ عَدَاوَةَ الشَّيْطَانِ "مُبِينَةٌ" كَمَا جَاءَ فِي الدَّلِيلِ، وَمِنْ بَيَانِهَا أَنَّهُ يَدْعُو لِمَا فِيهِ هَلَاكُ الْإِنْسَانِ، فَمَنْ أَطَاعَهُ فَهُوَ سَفِيهٌ قَدْ عَبَدَ عَدُوَّهُ.

----------&

[ الْحَاشِيَةُ ]

(١) تَوْثِيقُ النَّصِّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، رِسَالَةٌ فِي مَعْنَى الطَّاغُوتِ، ص ١٨.

(٢) تَفْسِيرُ الْمُصَنِّفِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَسَائِلُ الْجَاهِلِيَّةِ، ص ٤٤.

(٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، ج٦، ص ٥٨٤.

(٤) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص ٦٩٨.

(٥) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج٣٥، ص ١٥٠.

(٦) ابْنُ الْقَيِّمِ: إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ، ج٢، ص ٢٠١.

(٧) ابْنُ رَجَبٍ: كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، ص ٣٣.

(٨) ابْنُ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، ص ٩٣.

(٩) صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: شَرْحُ مَعْنَى الطَّاغُوتِ، ص ٢٥.

(١٠) مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ، ص ١٩٠.

(١١) صَالِحُ السِّنْدِيُّ: دُرُوسٌ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، شَرِيطٌ رَقْم (٥).

(١٢) [نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: لِمَاذَا جَعَلَ الشَّيْطَانَ "الرَّأْسَ الْأَوَّلَ"؟ [قُلْتُ]: لِأَنَّهُ الْمُصَدِّرُ لِكُلِّ طُغْيَانٍ، فَلَوْلَا وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ لَمَا طَغَى حَاكِمٌ وَلَا ادَّعَى دَاعٍ عِلْمَ الْغَيْبِ. فَالْبَرَاءَةُ مِنْهُ بَرَاءَةٌ مِنَ "الْمُحَرِّكِ" لِلشِّرْكِ.

(١٣) [فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ]: الشَّيْطَانُ مِنَ "الشَّطَنِ" وَهُوَ الْبُعْدُ، أَوْ مِنَ "الشَّيْطِ" وَهُوَ الِاحْتِرَاقُ، وَكِلَاهُمَا يَلِيقُ بِحَالِهِ بَعِيداً عَنِ الرَّحْمَةِ، مُحْتَرِقاً بِالْحَسَدِ. يُنْظَرُ: لِسَانُ الْعَرَبِ، ج١٣، ص ٢٣٨.

---------------------------&

المقدمة السادسة:-

[ الرَّأْسُ الثَّانِي: الْحَاكِمُ الْجَائِرُ الْمُغَيِّرُ لِأَحْكَامِ اللهِ ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ ]

«الثَّانِي: الْحَاكِمُ الْجَائِرُ الْمُغَيِّرُ لِأَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى (١)».

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: التَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ]

الْحَاكِمُ: لُغَةً مِنَ "الْحُكْمِ" وَهُوَ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ حَكَمَةُ الدَّابَّةِ لِأَنَّهَا تَمْنَعُهَا مِنَ الْجِمَاحِ. وَاصْطِلَاحاً: هُوَ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِلْزَامِهِمْ بِالْقَوْلِ (٢).

الْجَائِرُ: مِنَ "الْجَوْرِ" وَهُوَ الْمَيْلُ عَنِ الْقَصْدِ وَالظُّلْمُ، وَضِدُّهُ الْعَادِلُ (٣).

الْمُغَيِّرُ: مِنَ "التَّغْيِيرِ" وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ.

الْأَحْكَامُ: جَمْعُ حُكْمٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا شَرِيعَةُ اللهِ الْمُنَزَّلَةُ الَّتِي حَدَّهَا لِعِبَادِهِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ كُلُّ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ مَصْدَراً لِلْتَّشْرِيعِ، أَوْ حَكَمَ بَيْنَ الرَّعِيَّةِ بِقَانُونٍ يُضَادُّ قَطْعِيَّاتِ الْوَحْيِ، نَاقِلًا لَهُمْ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ الْأَنْظِمَةِ وَالْآرَاءِ الْبَشَرِيَّةِ.

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ]

[تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ]: إِنَّ وَصْفَ هَذَا الصِّنْفِ بِـ "الطَّاغُوتِ" يَعُودُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ خَصِيصَةٌ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}؛ فَالْمُغَيِّرُ لِلشَّرْعِ قَدْ نَازَعَ اللهَ فِي رِدَائِهِ، وَادَّعَى لِنَفْسِهِ حَقَّ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ. وَهَذَا الطَّعْنُ فِي التَّوْحِيدِ يَتَمَثَّلُ فِي ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:

١- رُكْنُ الِاعْتِقَادِ: أَنْ يَرَى جَوَازَ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ.

٢- رُكْنُ التَّشْرِيعِ: أَنْ يَضَعَ قَاعِدَةً كُلِّيَّةً مُلْزِمَةً تُخَالِفُ الشَّرْعَ.

٣- رُكْنُ التَّنْفِيذِ: أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِتِلْكَ التَّغْيِيرَاتِ وَيُعَاقِبَ عَلَى تَرْكِهَا.

فَمَنْ جَمَعَ هَذِهِ فَقَدْ جَاوَزَ حَدَّ الْعُبُودِيَّةِ إِلَى رُتْبَةِ "الطَّاغُوتِيَّةِ". وَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ "الْجَوْرِ" بِمَعْنَى الظُّلْمِ فِي الْقَضَايَا الْأَعْيَانِ (مَعَ بَقَاءِ الشَّرِيعَةِ هِيَ الْمَرْجِعَ)، وَبَيْنَ "التَّغْيِيرِ" الَّذِي يَعْنِي اسْتِبْدَالَ الْمِلَّةِ بِمِلَّةٍ أُخْرَى، فَالْأَوَّلُ مَعْصِيَةٌ وَالثَّانِي كُفْرٌ نَاقِلٌ عَنِ الْمِلَّةِ إِذَا تَحَقَّقَتْ شُرُوطُهُ.

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْوَاعُ الْحَاكِمِ الْمُغَيِّرِ وَصُوَرُهُ وَأَحْكَامُهُ]

١- الْمُسْتَبْدِلُ بِالْكُلِّيَّةِ: وَهُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الشَّرِيعَةَ وَيَضَعُ مَكَانَهَا "الْيَاسِقَ" أَوْ الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةَ. فَهَذَا طَاغُوتٌ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ.

٢- الْمُغَيِّرُ لِبَعْضِ الْأَحْكَامِ قَصْداً: كَمَنْ يُسْقِطُ حَدَّ السَّرِقَةِ وَيَضَعُ السِّجْنَ، مُعْتَقِداً أَنَّ ذَلِكَ أَنْسَبُ لِلْعَصْرِ.

٣- الْجَائِرُ فِي التَّطْبِيقِ: وَهُوَ الَّذِي يَعْرِفُ شَرْعَ اللهِ لَكِنَّهُ يَمِيلُ لِهَوًى أَوْ رَشْوَةٍ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهَذَا "كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ" مَا لَمْ يَسْتَحِلَّ أَوْ يُشَرِّعْ ذَلِكَ قَانُوناً مَطْرُوداً.

[الْفَقْرَةُ الْخَامِسَةُ: رَبْطُ الْمَتْنِ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرِينَ)]

١- شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٤): يُقَرِّرُ فِي "مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى": «الْإِنْسَانُ مَتَى حَلَّلَ الْحَرَامَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ، أَوْ حَرَّمَ الْحَلَالَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ، أَوْ بَدَّلَ الشَّرْعَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ، كَانَ كَافِراً مُرْتَدًّا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ».

٢- الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (٥): يَقُولُ فِي "إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ" إِنَّ الطَّاغُوتَ هُوَ كُلُّ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَرَسُولُهُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مَتْبُوعاً مِنْ دُونِ اللهِ.

٣- الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ (٦): يُؤَكِّدُ أَنَّ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ يَقْتَضِي إِفْرَادَ اللهِ بِالطَّاعَةِ الْمُطْلَقَةِ، فَمَنْ أَطَاعَ مَنْ غَيَّرَ حُكْمَ اللهِ فَقَدِ اتَّخَذَهُ رَبًّا.

٤- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (٧): يُفَصِّلُ فِيمَنْ وَضَعَ لِلنَّاسِ قَوَانِينَ تُخَالِفُ الشَّرْعَ فَيَقُولُ: «هَذَا كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ نِدًّا لِلَّهِ فِي التَّشْرِيعِ».

٥- الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ (٨): يُبَيِّنُ أَنَّ لَفْظَ "الْمُغَيِّرِ" عِنْدَ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي الَّذِي يَجْعَلُ لِلنَّاسِ شَرْعاً بَدِيلًا، فَهَذَا هُوَ الرَّأْسُ مِنْ رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ.

٦- الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (٩): يَرْبِطُ بَيْنَ "تَبْدِيلِ الشَّرْعِ" وَبَيْنَ "عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ" الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.

٧- الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ (١٠): يُحَرِّرُ الضَّوَابِطَ الشَّرْعِيَّةَ فِي تَنْزِيلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَعْيَانِ حَذَراً مِنَ الْغُلُوِّ أَوِ الْجَفَاءِ.

-------------------&

[ الْحَاشِيَةُ ]

(١) تَوْثِيقُ النَّصِّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، رِسَالَةٌ فِي مَعْنَى الطَّاغُوتِ، ص ١٨.

(٢) لُغَةُ الْحُكْمِ: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، ج١٢، ص ١٤٠.

(٣) لُغَةُ الْجَوْرِ: الْفَيْرُوزَ آبَادِيُّ، الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، ص ٤٦٠.

(٤) نَصُّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ط٣ (١٤٢٥ هـ)، ج٣، ص ٢٦٧.

(٥) نَصُّ ابْنِ الْقَيِّمِ: إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج١، ص ٤٠.

(٦) نَصُّ ابْنِ رَجَبٍ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج٢، ص ٩٤.

(٧) نَصُّ ابْنِ عُثَيْمِينَ: قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج٢، ص ٤٦٥.

(٨) نَصُّ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ: شَرْحُ رِسَالَةِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ (تَفْرِيغُ دُرُوسٍ)، ص ٣٠.

(٩) نَصُّ التَّمِيمِيِّ: تَحْقِيقُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ص ٦٢.

(١٠) نَصُّ السِّنْدِيِّ: شَرْحُ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ (دُرُوسٌ مَسْمُوعَةٌ).

(١١) [نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِـ "الْمُغَيِّرِ" لِيَخْرُجَ مَنْ جَارَ فِي حُكْمٍ مَعَ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ حُكْمَ اللهِ هُوَ الْحَقُّ وَالْوَاجِبُ، فَالْأَوَّلُ طَاغُوتٌ لِتَبْدِيلِهِ، وَالثَّانِي ظَالِمٌ لِمَعْصِيَتِهِ. يُنْظَرُ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، ص ٥٥٠.

(١٢) [فَائِدَةٌ]: صُوَرُ التَّغْيِيرِ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ تَتَمَثَّلُ فِي الْقَوَانِينِ الْفِرَنْسِيَّةِ وَالْبَرِيطَانِيَّةِ الَّتِي أُحِلَّتْ مَحَلَّ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ مَا سَمَّاهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ "الْكُفْرَ الْأَكْبَرَ الْمُسْتَبِينَ". يُنْظَرُ: تَحْكِيمُ الْقَوَانِينِ، ص ٥.

----------------------------------&

[ مُتَمِّمَةُ الْمُقَدِّمَةِ السَّادِسَةِ: التَّحَاكُمُ إِلَى الطَّاغُوتِ وَنَقْضُ دَعْوَى الْإِيمَانِ ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ وَالْمَشْكُولُ]

«وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: ٦٠] (١)».

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الدَّلِيلِ (مَدْرَسَةُ الْأَثَرِ وَالِاتِّبَاعِ)]

١- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْمُصَنِّفِ (٢): يَنْتَزِعُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْ قَوْلِهِ (يَزْعُمُونَ) أَنَّ مَنْ أَرَادَ التَّحَاكُمَ إِلَى غَيْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَقَدْ كَذَبَ فِي زَعْمِهِ الْإِيمَانَ. فَالْإِيمَانُ وَإِرَادَةُ التَّحَاكُمِ إِلَى الطَّاغُوتِ ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ اللهَ جَعَلَ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ شَرْطاً لِلْإِيمَانِ بِهِ، وَهَؤُلَاءِ فَعَلُوا النَّقِيضَ.

٢- تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ (٣): يَقُولُ فِي "تَفْسِيرِهِ": «هَذَا إِنْكَارٌ مِنَ اللهِ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْإِيمَانَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنْ يَتَحَاكَمَ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) أَيْ أَنَّ مَنْ أَرَادَ التَّحَاكُمَ إِلَيْهِ فَمَا كَفَرَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِناً بِاللهِ».

٣- تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ (٤): يُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ مِمَّنْ يَنْتَسِبُونَ لِلْإِسْلَامِ لَكِنَّهُمْ آثَرُوا حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَيَقُولُ: «فَالْإِيمَانُ الصَّحِيحُ يَقْتَضِي الِانْقِيَادَ لِحُكْمِ اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنْ طَلَبَ غَيْرَهُ فَقَدْ سَلَكَ طَرِيقَ الشَّيْطَانِ الَّذِي يُرِيدُ إِضْلَالَهُمْ».

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ]

[تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ]: إِنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ الرَّأْسِ الثَّانِي (الْحَاكِمُ الْمُغَيِّرُ) وَبَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ رَبْطُ "الْعِلَّةِ بِالْمَعْلُولِ"؛ فَالْحَاكِمُ الْمُغَيِّرُ يَضَعُ الطَّاغُوتَ، وَالْمُتَحَاكِمُ إِلَيْهِ يُحَقِّقُ هَذِهِ الطَّاغُوتِيَّةَ بِفِعْلِهِ. وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ (يُرِيدُونَ)، فَجَعَلَ مُجَرَّدَ "الْإِرَادَةِ" وَالْمَيْلِ الْقَلْبِيِّ لِلتَّحَاكُمِ إِلَى غَيْرِ الشَّرْعِ نَاقِضاً لِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ. وَهَذَا يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ: (أَنَّ التَّحَاكُمَ عِبَادَةٌ)؛ فَكَمَا أَنَّ السُّجُودَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ، فَالتَّحَاكُمُ فِي مَظَالِمِ الْعِبَادِ وَدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لَا يَكُونُ إِلَّا لِشَرْعِ اللهِ. فَمَنْ جَعَلَ لِلْبَشَرِ حَقَّ الْفَصْلِ الْمُسْتَقِلِّ عَنِ الْوَحْيِ فَقَدِ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ، وَهَذَا هُوَ "الضَّلَالُ الْبَعِيدُ" الَّذِي ذَكَرَتْهُ الْآيَةُ لِأَنَّهُ ضَلَالٌ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ لَا فِي فُرُوعِ الْأَعْمَالِ.

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: رَبْطُ الْمَتْنِ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرِينَ)]

١- شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٥): يَقُولُ فِي "الْمِنْهَاجِ": «فَمَنْ خَرَجَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَشَرِيعَتِهِ فَقَدْ حَكَمَ بِالطَّاغُوتِ، وَالَّذِي يَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ زَاعِماً أَنَّهُ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ بِعَقْلِهِ دُونَ الْوَحْيِ هُوَ مِمَّنْ سَفِهَ نَفْسَهُ».

٢- الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (٦): يُؤَكِّدُ أَنَّ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ "التَّحَاكُمَ إِلَى الطَّاغُوتِ" مُنَافٍ لِلْإِيمَانِ، وَأَنَّ مَنْ تَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ فَقَدْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ.

٣- الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ (٧): يَرْبِطُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ "تَحْكِيمِ الْهَوَى"، مُبَيِّناً أَنَّ الشَّيْطَانَ يُزَيِّنُ لِلنَّاسِ أَنَّ فِي حُكْمِ الطَّاغُوتِ مَصْلَحَةً أَوْ عَدْلًا لِيُضِلَّهُمْ عَنْ صِرَاطِ اللهِ.

٤- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (٨): يُقَرِّرُ أَنَّ قَوْلَهُ (يَزْعُمُونَ) يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ عَمَّنْ تَرَكَ التَّحَاكُمَ لِلْوَحْيِ، وَيُفَصِّلُ فِي صُوَرِ الِاضْطِرَارِ وَالِاخْتِيَارِ فِيهِ.

٥- الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ (٩): يَلْفِتُ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ جَعَلَتِ الْأَمْرَ بِالْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) سَابِقاً لِذِكْرِ فِعْلِهِمْ، لِبَيَانِ أَنَّهُمْ خَالَفُوا أَمْراً مَعْلُوماً مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.

٦- الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (١٠): يُحَرِّرُ مَسْأَلَةَ "الْإِرَادَةِ" فِي الْآيَةِ، وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ حُكْمَ غَيْرِ اللهِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ يَقِيناً.

٧- الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ (١١): يُؤَصِّلُ لِتَعْرِيفِ "الطَّاغُوتِ" فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ كُلُّ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ مِمَّا يُخَالِفُ أُصُولَهَا.

-----------------------&

[ الْحَاشِيَةُ ]

(١) تَوْثِيقُ النَّصِّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، رِسَالَةٌ فِي مَعْنَى الطَّاغُوتِ، ص ١٨.

(٢) تَفْسِيرُ الْمُصَنِّفِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ...}، ص ٦٥.

(٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج٢، ص ٣٤٥.

(٤) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص ١٨٣.

(٥) نَصُّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، ج٥، ص ١٣٠.

(٦) نَصُّ ابْنِ الْقَيِّمِ: طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ، ص ٤٦٠.

(٧) نَصُّ ابْنِ رَجَبٍ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، ج٢، ص ٩٨.

(٨) نَصُّ ابْنِ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج٢، ص ٤٦٠.

(٩) نَصُّ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ: إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج٢، ص ٢٥٠.

(١٠) نَصُّ التَّمِيمِيُّ: مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، ص ٢١٠.

(١١) نَصُّ السِّنْدِيُّ: تَعْلِيقَاتٌ عَلَى مَعْنَى الطَّاغُوتِ (دُرُوسٌ مَسْمُوعَةٌ).

(١٢) [نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ لَفْظَ "الطَّاغُوتِ" فِي الْآيَةِ جَاءَ بَعْدَ ذِكْرِ "الَّذِينَ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ"، لِيُبَيِّنَ أَنَّ أَيَّ مَصْدَرٍ لِلتَّحَاكُمِ خَارِجَ الْوَحْيِ هُوَ طَاغُوتٌ، سَوَاءٌ كَانَ كَاهِناً أَوْ قَانُوناً أَوْ عُرْفاً جَاهِلِيّاً. يُنْظَرُ: فَتْحُ الْمَجِيدِ، ص ٣٤٠.

(١٣) [فَائِدَةٌ]: الْفَرْقُ بَيْنَ (التَّحَاكُمِ) وَ(التَّقَاضِي) أَنَّ التَّحَاكُمَ فِيهِ إِرَادَةُ الِانْقِيَادِ لِحُكْمِ الطَّاغُوتِ رِضاً بِهِ، وَهَذَا هُوَ مَحَلُّ النَّقْضِ.

--------------------------------&

المقدمة السابعة:-

[ الرَّأْسُ الثَّالِثُ: الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ ]

«الثَّالِثُ: الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤٤] (١)».

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: تَحْقِيقُ أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ (كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ) مَخْرَجاً وَطُرُقاً]

اشْتُهِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: «لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ»، وَ«كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ».

تَخْرِيجُ الْأَثَرِ: أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" (٢)، وَالْمَرْوَزِيُّ فِي "تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ" (٣) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

التَّحْقِيقُ الْعِلْمِيُّ: هِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ تَفَرَّدَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَقَدْ خَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِيهِ (أَنَّهُ كُفْرٌ) دُونَ زِيَادَةِ "دُونَ كُفْرٍ". 

وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ تَلَقَّى الْعُلَمَاءُ هَذَا الْمَعْنَى بِالْقَبُولِ فِي سِيَاقِ "الْحَاكِمِ فِي الْوَاقِعَةِ الْعَيْنِيَّةِ" لَا فِي "الْمُشَرِّعِ لِلْقَوَانِينِ" (٤).

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (تَفْصِيلُ أَنْوَاعِ الْحُكْمِ)]

[تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ]: يَجِبُ تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِتَقْسِيمِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَى حَالَاتٍ:

١- الْكُفْرُ الْأَكْبَرُ (الْمُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ): وَلَهُ صُوَرٌ:

الِاسْتِحْلَالُ: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ جَائِزٌ.

التَّفْضِيلُ: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ حُكْمَ الطَّاغُوتِ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِ اللهِ.

الْمُسَاوَاةُ: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ.

التَّشْرِيعُ الْعَامُّ (التَّبْدِيلُ): وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَانُوناً مُلْزِماً يُضَاهِي شَرْعَ اللهِ؛ فَهَذَا كُفْرٌ لِذَاتِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ رَبًّا مُشَرِّعاً (٥).

٢- الْكُفْرُ الْأَصْغَرُ (كُفْرُ النِّعْمَةِ / كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ): 

وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ (كَقَضِيَّةِ زَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو) بِغَيْرِ الشَّرْعِ لِهَوًى أَوْ رَشْوَةٍ، مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ عَاصٍ وَأَنَّ حُكْمَ اللهِ هُوَ الْوَاجِبُ. 

فَهَذَا "ظَالِمٌ فَاسِقٌ" وَكُفْرُهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ (٦).

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: رَبْطُ الْمَتْنِ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرِينَ)]

١- شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (٧): يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَاكِمِ الَّذِي لَهُ شَرِيعَةٌ مُبَدَّلَةٌ (فَهَذَا كَافِرٌ)، وَبَيْنَ مَنْ حَكَمَ بِالظُّلْمِ فِي قَضِيَّةٍ عَيْنِيَّةٍ (فَهَذَا عَاصٍ).

٢- الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (٨):

 يُؤَصِّلُ فِي "مَدَارِجِ السَّالِكِينَ" أَنَّ الْكُفْرَ نَوْعَانِ: كُفْرُ عَمَلٍ وَكُفْرُ جُحُودٍ، وَيَجْعَلُ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كُفْرِ الْعَمَلِ الَّذِي قَدْ يَصِلُ لِلْأَكْبَرِ بِحَسَبِ الِاعْتِقَادِ.

٣- الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ (٩): 

يَرَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَعَاصِي أَنَّهَا كُفْرٌ أَصْغَرُ، لَكِنَّ التَّحَاكُمَ إِلَى الطَّاغُوتِ وَتَرْكَ حُكْمِ اللهِ رَغْبَةً عَنْهُ هُوَ الْكُفْرُ الْبَوَاحُ.

٤- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (١٠):

 يَقُولُ: «مَنْ شَرَّعَ تَشْرِيعاً عَامًّا يَتَّبِعُهُ النَّاسُ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ شَرِيكاً لِلَّهِ، وَهَذَا كُفْرٌ مَخْرَجٌ لِأَنَّهُ بَدَّلَ الدِّينَ».

٥- الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ (١١): 

يُحَرِّرُ أَنَّ مَنْ جَعَلَ "الْقَانُونَ" مَرْجِعاً ثَابِتاً فَقَدْ كَفَرَ، أَمَّا مَنْ زَلَّ فِي قَضِيَّةٍ فَهُوَ صَاحِبُ كَبِيرَةٍ.

٦- الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (١٢): 

يَرْبِطُ هَذَا الرَّأْسَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ (الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)، وَيُبَيِّنُ خُطُورَةَ التَّشْرِيعِ الْعَامِّ.

٧- الشَّيْخُ صَالِحُ السِّنْدِيُّ (١٣): 

يُؤَكِّدُ عَلَى ضَرُورَةِ فَهْمِ مَقَاصِدِ السَّلَفِ فِي (كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ) لِئَلَّا تُسْتَخْدَمَ لِتَبْرِيرِ تَنْحِيَةِ الشَّرِيعَةِ.

----------------------&

[ الْحَاشِيَةُ ]

(١) تَوْثِيقُ الْمَتْنِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، رِسَالَةٌ فِي مَعْنَى الطَّاغُوتِ، ص ١٨.

(٢) أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ، الْمُسْتَدْرَكُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ط١ (١٤١١هـ)، ج٢، ص ٣٤٢.

(٣) تَخْرِيجٌ آخَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، تَعْظِيمُ قَدْرِ الصَّلَاةِ، مَكْتَبَةُ الدَّارِ بِالْمَدِينَةِ، ط١ (١٤٠٦هـ)، ج٢، ص ٥٢٠.

(٤) تَحْقِيقُ الْأَثَرِ: يُنْظَرُ: سُلَيْمَانُ بْنُ سَحْمَانَ، إِرْشَادُ الطَّالِبِ إِلَى أَهَمِّ الْمَطَالِبِ، ص ١٤٠.

(٥) أَنْوَاعُ الْكُفْرِ: الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، رِسَالَةُ تَحْكِيمِ الْقَوَانِينِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ بِمَكَّةَ، ص ٦.

(٦) تَفْصِيلُ الْحُكْمِ: ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، مَكْتَبَةُ الْمَعَارِفِ، ص ٣١٥.

(٧) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج ٣٥، ص ٣٧٢.

(٨) ابْنُ الْقَيِّمِ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، ج١، ص ٣٣٥.

(٩) ابْنُ رَجَبٍ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج٢، ص ٩٥.

(١٠) ابْنُ عُثَيْمِينَ: فِتْنَةُ التَّكْفِيرِ (مَجْمُوعُ رَسَائِلِهِ)، دَارُ الثُّرَيَّا، ج١، ص ٥١.

(١١) صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: شَرْحُ رِسَالَةِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ (تَفْرِيغٌ)، ص ٣٢.

(١٢) التَّمِيمِيُّ: تَحْقِيقُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ص ٧٠.

(١٣) السِّنْدِيُّ: شَرْحُ رِسَالَةِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ (دَرْسٌ مَسْمُوعٌ).

(١٤) [نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: لِمَاذَا جَعَلَ الْمُصَنِّفُ "الْحَاكِمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ" رَأْساً مُسْتَقِلًّا عَنِ "الْحَاكِمِ الْمُغَيِّرِ"؟ [قُلْتُ]: لِأَنَّ الْمُغَيِّرَ رَأْسٌ فِي "التَّشْرِيعِ"، وَهَذَا رَأْسٌ فِي "التَّنْفِيذِ"؛ فَكِلَاهُمَا يُنَازِعُ اللهَ فِي خَصَائِصِ أَمْرِهِ.

(١٥) [فَائِدَةٌ]: تَنْكِيرُ لَفْظِ (الْكَافِرُونَ) فِي آيَةِ المائدة قَدْ يَدُلُّ عَلَى جِنْسِ الْكُفْرِ، فَيَنْصَرِفُ لِلْأَكْبَرِ أَوِ الْأَصْغَرِ بِالْقَرِينَةِ.

---------------------&

المقدمة الثامنة:-

[ الرَّأْسُ الرَّابِعُ: الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ مِنْ دُونِ اللهِ ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: النَّصُّ الْمُحَقَّقُ ]

«الرَّابِعُ: الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ مِنْ دُونِ اللهِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: ٢٦-٢٧] (١)».

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الدَّلِيلِ ]

١- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْمُصَنِّفِ (٢): يَرَى الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ : أَنَّ ادِّعَاءَ عِلْمِ الْغَيْبِ هُوَ نَوْعٌ مِنْ مُنَازَعَةِ اللهِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ "الْغَيْبَ" مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِهِ، فَمَنِ ادَّعَى مَعْرِفَةَ مَا فِِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ مَا غَابَ عَنِ الْأَبْصَارِ بِغَيْرِ وَحْيٍ، فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ شَرِيكاً لِلَّهِ فِي أَخَصِّ صِفَاتِهِ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ وَصْفِهِ بِـ "الطَّاغُوتِ".

٢- تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ (٣): يَقُولُ فِي "تَفْسِيرِهِ": «هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ الْغَيْبِ، فَلَا يَطَّلِعُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا مَنِ اصْطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْ غَيْبِهِ لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لَهُ. أَمَّا غَيْرُ الرُّسُلِ، فَمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ فَهُوَ كَاذِبٌ طَاغٍ».

٣- تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ (٤): يُؤَصِّلُ بِقَوْلِهِ: «{عَالِمُ الْغَيْبِ} أَيْ: الْغَيْبُ الْمُطْلَقُ، فَـ (أَحَداً) فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ كُلَّ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ وَالْجِنِّ، فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا غَابَ إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللهِ ، وَمَنِ ادَّعَى مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ الْكَوْنِيَّةِ بِالنُّجُومِ أَوْ الْكَهَانَةِ فَقَدْ كَفَرَ بِهَذِهِ الْآيَةِ».

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الْمَسْأَلَةِ]

[تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ]: 

إِنَّ عِلْمَ الْغَيْبِ يَنْقَسِمُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَى قِسْمَيْنِ:

١ـ (غَيْبٌ مُطْلَقٌ) لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ

٢- وَ(غَيْبٌ نِسْبِيٌّ) يَعْلَمُهُ بَعْضُ الْخَلْقِ دُونَ بَعْضٍ. 

وَالطَّاغُوتُ هُنَا هُوَ مَنِ ادَّعَى (الْغَيْبَ الْمُطْلَقَ) الَّذِي هُوَ مِنْ مَفَاتِحِ الْغَيْبِ الْخَمْسِ، أَوْ مَنِ ادَّعَى عِلْمَ مَا غَابَ عَنْهُ بِطَرِيقٍ غَيْرِ شَرِيعٍ كَالِاسْتِعَانَةِ بِالْجِنِّ.

[قُلْتُ]: وَإِنَّمَا جَعَلَ الْمُصَنِّفُ "مُدَّعِيَ الْغَيْبِ" رَأْساً لِأَنَّ النَّاسَ يَتَعَلَّقُونَ بِهِ تَعَلُّقَ عِبَادَةٍ، فَيَخَافُونَ مِنْهُ وَيَرْجُونَهُ وَيُصَدِّقُونَهُ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ، وَهَذَا صَرْفٌ لِعِبَادَةِ الْقَلْبِ لِغَيْرِ اللهِ ،فَالْكُفْرُ بِهَذَا الطَّاغُوتِ هُوَ اعْتِقَادُ عَجْزِهِ وَجَهْلِهِ وَكَذِبِهِ، وَبُغْضِ طَرِيقَتِهِ الَّتِي تُنَازِعُ الْوَحْيَ.

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: رَبْطُ الْمَتْنِ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرِينَ)]

١- شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٥): يُبَيِّنُ فِي "الْفُرْقَانِ" أَنَّ شَيَاطِينَ الْجِنِّ تَنْقُلُ لِلْكُهَّانِ بَعْضَ الْمُغَيَّبَاتِ (النِّسْبِيَّةِ) لِيَفْتِنُوا النَّاسَ، وَأَنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَقَدْ جَعَلَ لِلشَّيْطَانِ سُلْطَاناً عَلَيْهِ وَصَارَ طَاغُوتاً مَتْبُوعاً.

٢- الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (٦): يَقُولُ فِي "مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ" إِنَّ عِلْمَ النُّجُومِ وَالْخَطِّ فِي الرَّمْلِ وَالْكَهَانَةِ كُلُّهَا دَعَاوَى طَاغُوتِيَّةٌ لِمُزَاحَمَةِ خَبَرِ السَّمَاءِ.

٣- الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ (٧): يَرْبِطُ بَيْنَ الِاسْتِغْنَاءِ بِالْوَحْيِ وَبَيْنَ الْبَرَاءَةِ مِنْ أَهْلِ الدَّجَلِ، مُبَيِّناً أَنَّ الْقَلْبَ إِذَا امْتَلَأَ بِعَظَمَةِ اللهِ عَلِمَ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلَا ضَرًّا وَلَا غَيْباً.

٤- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (٨): يُقَرِّرُ أَنَّ ادِّعَاءَ عِلْمِ الْغَيْبِ "كُفْرٌ مُخْرِجٌ" لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ}.

٥- الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ (٩): يُوَضِّحُ أَنَّ هَذَا الرَّأْسَ يَشْمَلُ الْعَرَّافَ وَالْكَاهِنَ وَالْمُنَجِّمَ وَمَنْ يَدَّعِي الْكَشْفَ مِن غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ طَوَاغِيتُ.

٦- الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (١٠): يُحَرِّرُ مَسْأَلَةَ "الرَّصَدِ" لِلرُّسُلِ، وَكَيْفَ أَنَّ اللهَ حَمَى وَحْيَهُ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الْوَحْيِ لَا طَرِيقَ لَهُ لِلْغَيْبِ.

٧- الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ (١١): يُؤَكِّدُ أَنَّ جَانِبَ "الِاعْتِقَادِ" فِي عِلْمِ الْغَيْبِ هُوَ الْفَاصِلُ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ فِي عَصْرٍ انْتَشَرَتْ فِيهِ "الْأَبْرَاجُ" وَ"الْقِرَاءَاتُ الْغَيْبِيَّةُ".

--------------&

[ الْحَاشِيَةُ ]

(١) تَوْثِيقُ النَّصِّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، رِسَالَةٌ فِي مَعْنَى الطَّاغُوتِ، ص ١٩.

(٢) تَفْسِيرُ الْمُصَنِّفِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكُهَّانِ وَنَحْوِهِمْ، ص ٥٥.

(٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ط٢ (١٤٢٠هـ)، ج٨، ص ٢٤٥.

(٤) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص ٨٩١.

(٥) نَصُّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: الْفُرْقَانُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص ٨٠.

(٦) نَصُّ ابْنِ الْقَيِّمِ: مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، ج٢، ص ٤٠٠.

(٧) نَصُّ ابْنِ رَجَبٍ: نُورُ الِاقْتِبَاسِ فِي مِشْكَاةِ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ، ص ٤٥.

(٨) نَصُّ ابْنِ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص ٩٥.

(٩) نَصُّ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ: شَرْحُ رِسَالَةِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ (تَفْرِيغُ دُرُوسٍ)، ص ٣٥.

(١٠) نَصُّ التَّمِيمِيُّ: مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، ص ٢٢٠.

(١١) نَصُّ السِّنْدِيُّ: تَعْلِيقَاتٌ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ (دَرْسٌ مَسْمُوعٌ).

(١٢) [نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: لِمَاذَا اسْتَثْنَى اللهُ الرَّسُولَ فِي آيَةِ الْجِنِّ؟ [قُلْتُ]: لِبَيَانِ أَنَّ إِطْلَاعَ الْخَلْقِ عَلَى الْغَيْبِ "آيَةٌ" لَا "صِفَةٌ"، فَهِيَ آيَةٌ لِلْمُرْسَلِ، وَلَيْسَتْ صِفَةً ذَاتِيَّةً لَهُ، فَمَا بَالُكَ بِمَنْ دُونَهُمْ.

(١٣) [فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ]: (الرَّصَدُ) فِي الْآيَةِ جَمْعُ رَاصِدٍ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَحْرُسُونَ الْوَحْيَ، وَهَذَا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الشَّيَاطِينِ أَنْ يَسْتَرِقُوا شَيْئاً مِنْ غَيْبِ اللهِ الَّذِي يُوحِيهِ

-----------------------------------&

 الْمُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ: من المقدمة الثامنة 

[صُوَرُ ادِّعَاءِ الْغَيْبِ وَتَحْرِيرُ مَقَامَاتِ الْإِتْيَانِ وَالتَّصْدِيقِ ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: صُوَرُ ادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ]

تَتَنَوَّعُ صُوَرُ ادِّعَاءِ الْغَيْبِ، وَكُلُّهَا مَشْرَبُهَا وَاحِدٌ وَهُوَ "الطَّاغُوتِيَّةُ":

١- الْكَهَانَةُ: وَهِيَ الْإِخْبَارُ عَمَّا سَيَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِاعْتِمَادِ الشَّيَاطِينِ.

٢- الْعِرَافَةُ: وَهِيَ ادِّعَاءُ مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ كَالْمَسْرُوقِ وَالضَّالَّةِ بِطُرُقٍ خَفِيَّةٍ.

٣- التَّنْجِيمُ: اسْتِدْلَالٌ بِالْأَحْوَالِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَّةِ.

٤- الْكَشْفُ الصُّوفِيُّ الْمَزْعُومُ: ادِّعَاءُ بَعْضِ الْغُلَاةِ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الضَّمَائِرِ أَوْ يَنْظُرُونَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (١).

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ الْإِتْيَانِ (بَيْنَ السُّؤَالِ وَالتَّصْدِيقِ)]

تَنْقَسِمُ مَرَاتِبُ مَنْ أَتَى كَاهِناً أَوْ عَرَّافاً إِلَى ثَلَاثَةِ مَرَاتِبَ دَقِيقَةٍ:

الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى (مُجَرَّدُ السُّؤَالِ): أَنْ يَأْتِيَهُ فَيَسْأَلَهُ دُونَ تَصْدِيقٍ (لِمُجَرَّدِ الْفُضُولِ أَوْ التَّجْرِبَةِ).

الْحُكْمُ: حَرَامٌ، وَعُقُوبَتُهُ: (لَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (٢).

الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ (السُّؤَالُ مَعَ التَّصْدِيقِ): أَنْ يَسْأَلَهُ وَيَعْتَقِدَ صِدْقَهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْغَيْبِ.

الْحُكْمُ: كُفْرٌ أَكْبَرُ مَخْرَجٌ عَنِ الْمِلَّةِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ (٣).

الْمَرْتَبَةُ الثَّالثَةُ (السُّؤَالُ لِلِاخْتِبَارِ وَالْإِفْحَامِ): أَنْ يَسْأَلَهُ لِيُظْهِرَ كَذِبَهُ لِلنَّاسِ أَوْ لِيَمْتَحِنَهُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ ابْنِ صَيَّادٍ.

الْحُكْمُ: جَائِزٌ، بَلْ قَدْ يَكُونُ وَاجِباً لِدَفْعِ فِتْنَتِهِ (٤).

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]

[تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ]: يَكْمُنُ الْفَرْقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ "عُقُوبَةِ السُّؤَالِ" وَ"عُقُوبَةِ التَّصْدِيقِ" فِي مُتَعَلَّقِ الْجُرْمِ؛ فَالْمُجَرَّدُ فِي السُّؤَالِ قَدْ تَلَبَّسَ بِوَسِيلَةِ الشِّرْكِ فَعُوقِبَ بِحِرْمَانِ الثَّوَابِ مَعَ صِحَّةِ الْأَجْزَاءِ (أَيْ لَا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ لَكِنْ لَا أَجْرَ لَهُ). 

أَمَّا "التَّصْدِيقُ" فَهُوَ إِقْرَارٌ لِلْمَخْلُوقِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهُوَ "عِلْمُ الْغَيْبِ الذَّاتِيُّ" أَوْ الِاطِّلَاعُ الْمُسْتَقِلُّ، وَهَذَا نَاقِضٌ لِأَصْلِ التَّوْحِيدِ، وَتَكْذِيبٌ لِقَطْعِيَّاتِ الْكِتَابِ. 

لِذَا فَالْمُصَدِّقُ لِلْكَاهِنِ قَدْ "كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ" لِأَنَّ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ يَقْطَعُ بِانْفِرَادِ اللهِ بِالْغَيْبِ.

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: رَبْطُ الْمَتْنِ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرِينَ)]

١- شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٥): يُؤَصِّلُ أَنَّ جِنْسَ الْكُهَّانِ هُمْ "نُوَّابُ الشَّيْطَانِ"، وَأَنَّ الَّذِي يُصَدِّقُهُمْ بِمَا يَسْتَرِقُونَهُ مِنَ السَّمَاءِ قَدْ جَعَلَ لَهُمْ بَعْضَ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ.

٢- الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (٦): يَقُولُ: «مَنْ عَرَفَ اللهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ اسْتَحَالَ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى كَاهِنٍ، لِأَنَّ عِلْمَ الْغَيْبِ حِمًى مَحْرُوسٌ بِالرَّصَدِ».

٣- الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ (٧): يُحَرِّرُ فِي "الْفَتْحِ" مَعْنَى (لَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ) بِأَنَّهُ نَفْيٌ لِلثَّوَابِ لَا لِلْإِجْزَاءِ، وَهَذَا مِنْ دَقِيقِ فِقْهِ الْحَدِيثِ.

٤- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (٨): يُقَرِّرُ أَنَّ "التَّصْدِيقَ" فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقْتَضِي الْكُفْرَ الْأَكْبَرَ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْآنِ.

٥- الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ (٩): يُفَصِّلُ فِي كَوْنِ الْكَاهِنِ "طَاغُوتاً" لِأَنَّهُ نَصَّبَ نَفْسَهُ مَعْبُوداً بِالْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ وَخَضَعَ لَهُ النَّاسُ.

٦- الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (١٠): يَرْبِطُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ "شِرْكِ الرُّبُوبِيَّةِ" الَّذِي هُوَ أَصْلُ شِرْكِ الْأُلُوهِيَّةِ.

-----------------------&

[ الْحَاشِيَةُ ]

(١) تَحْرِيرُ الصُّوَرِ: يُنْظَرُ: سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، مَكْتَبَةُ الرِّيَاضِ، ج١، ص ٤٥٠.

(٢) تَخْرِيجُ حَدِيثِ (لَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ): أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ السَّلَامِ، بَابُ تَحْرِيمِ الْكَهَانَةِ، رَقْم (٢٢٣٠) عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ.

(٣) تَخْرِيجُ حَدِيثِ (فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ): أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣٩٠٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (١٣٥)، وَابْنُ مَاجَهْ (٦٣٩)، وَأَحْمَدُ (٩٥٣٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ بِطُرُقِهِ وَشَوَاهِدِهِ.

(٤) تَحْرِيرُ الْمَرَاتِبِ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، قَوْلُ الْمُفِيدِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج٢، ص ٤٥-٤٧.

(٥) نَصُّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ط مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج١٩، ص ٣٥.

(٦) نَصُّ ابْنِ الْقَيِّمِ: مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، ج٣، ص ١١٤٠.

(٧) نَصُّ ابْنِ حَجَرٍ: فَتْحُ الْبَارِي، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، ج١٠، ص ٢١٧.

(٨) نَصُّ ابْنِ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ص ٣٩٠.

(٩) نَصُّ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ: اتِّحَافُ السَّائِلِ، ص ٤٧٠.

(١٠) نَصُّ التَّمِيمِيُّ: مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ، ص ٢٢٥.

(١١) [نُكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: لِمَاذَا جَاءَتْ عُقُوبَةُ السُّؤَالِ (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)؟ [قُلْتُ]: لِأَنَّ السُّؤَالَ يَفْتَحُ بَابَ الشَّكِّ فِي يَقِينِ التَّوْحِيدِ، فَجُوزِيَ بِحِرْمَانِ ثَمَرَةِ أَعْظَمِ عِبَادَةٍ بَدَنِيَّةٍ لِهَذِهِ الْمُدَّةِ زَجْراً لَهُ عَنْ مُشَارَكَةِ الْكُهَّانِ فِي بَاطِلِهِمْ.

(١٢) [تَحْقِيقُ عِلَّةٍ]: بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ضَعَّفَ لَفْظَةَ (فَقَدْ كَفَرَ) لِأَنَّ فِي سَنَدِهَا مَقَالًا، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَعْنَاهَا ثَابِتٌ بِأَدِلَّةِ الْقُرْآنِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي حَصَرَتِ الْغَيْبَ فِي اللهِ، فَتَصْدِيقُ غَيْرِهِ تَكْذِيبٌ لَهُ.

--------------------------------&

المتممة الثالثة:- المقدمة الثامنة 

 التَّحْقِيقُ الْأَسْنَدِيُّ وَالْعَقَدِيُّ لِمَقَامَاتِ إِتْيَانِ الْكُهَّانِ 

​[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: التَّخْرِيجُ الْحَدِيثِيُّ الْجَامِعُ وَتَحْقِيقُ الطُّرُقِ]

​١- حَدِيثُ السُّؤَالِ من أتي عرافا أو كاهناً فسأله: 

  • ​مَخْرَجُ الْحَدِيثِ: رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (١).
  • ​الطَّرِيقُ وَالرِّوَايَةُ: مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ صَفِيَّةَ (بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ) عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ (حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا)
  • بِلَفْظِ: «مَنْ أَتَى عَرَّافاً فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».
  • ​تَحْقِيقُ الْمُحَدِّثِينَ: الْحَدِيثُ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ، وَقَدْ أَعَلَّهُ بَعْضُهُمْ بِالِانْقِطَاعِ بَيْنَ صَفِيَّةَ وَحَفْصَةَ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ سَمَاعُهَا مِنْهَا كَمَا حَقَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

​٢- حَدِيثُ التَّصْدِيقِ («مَنْ أَتَى كَاهِناً فَصَدَّقَهُ.».):

  • ​طَرِيقُ أَبِي هُرَيْرَةَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ (٢) مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ خِلَاسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَوْفٌ ثِقَةٌ، وَخِلَاسٌ فِيهِ مَقَالٌ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ لَهُ شَوَاهِدُ يَرْتَقِي بِهَا إِلَى (الصَّحِيحِ لِغَيْرِهِ).
  • ​طَرِيقُ جَابِرٍ: رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ بِلَفْظِ: «مَنْ أَتَى كَاهِناً فَصَدَّقَهُ...».
  • ​طَرِيقُ ابْنِ مَسْعُودٍ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفاً وَمَرْفُوعاً، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ.

​[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: التَّحْرِيرُ الْفِقْهِيُّ وَالْعَقَدِيُّ لِلْمَرَاتِبِ (تَحْرِيرٌ مُحَقَّقٌ)]

​[تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ]: لَا بُدَّ مِنْ تَفْكِيكِ "الْإِتْيَانِ" إِلَى مَقَاصِدَ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَرْبَعٍ:

​١- مَرْتَبَةُ "السُّؤَالِ الْمُجَرَّدِ":

١- عَقَدِيّاً: مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ 

 ٢- فِقْهِيّاً: بَطَلَانُ الثَّوَابِ لَا الْإِجْزَاءِ). 

الصورة :-وَهِيَ أَنْ يَسْأَلَهُ دُونَ تَصْدِيقٍ وَدُونَ قَصْدِ إِبْطَالِ سِحْرِهِ. 

قَالُوا: لِأَنَّ مُجَرَّدَ السُّؤَالِ "تَعْظِيمٌ" لِلطَّاغُوتِ وَتَرْوِيجٌ لَهُ،فَجُزائه  بِنَفْيِ قَبُولِ الصَّلَاةِ زَجْراً (الأجر ) لا (الإجزاء).

٢- مَرْتَبَةُ "التَّصْدِيقِ بِالْغَيْبِ": 

- عَقَدِيّاً: كُفْرٌ أَكْبَرُ 

- فِقْهِيّاً: رِدَّةٌ ، وَعِلَّتُهُ أَنَّ التَّصْدِيقَ "إِيمَانٌ" بِأَنَّ لِلْمَخْلُوقِ طَرِيقاً لِلْغَيْبِ الْمُطْلَقِ، وَهَذَا يُصَادِمُ {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ} فَالْمُصَدِّقُ هُنَا كَذَّبَ الْقُرْآنَ فِيمَا نَفَاهُ، وَأَثْبَتَ لِلْكَاهِنِ مَا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِهِ.

٣- مَرْتَبَةُ "الِاعْتِقَادِ فِي السَّبَبِيَّةِ": 

 إِذَا صَدَّقَهُ فِيمَا يَسْرِقُهُ الْجِنُّ (مِنَ الْغَيْبِ النِّسْبِيِّ) 

مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ الْمُطَّلِعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَهَذَا عِنْدَ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ "كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ" إِذَا كَانَ عَالِماً بِطَرِيقِ الشَّيْطَانِ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ سَدُّ الذَّرِيعَةِ بِالْإِطْلَاقِ.

٤- مَرْتَبَةُ "الِاخْتِبَارِ لِلْإِبْطَالِ": وَهِيَ مَقَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنِ صَيَّادٍ: «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئاً». 

١- فَهَذَا إِتْيَانُ "مُحَارَبَةٍ" 

٢- لَا إِتْيَانُ "مُسَالَمَةٍ"، فَهُوَ مَشْرُوعٌ.

​[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: رَبْطُ الْمَتْنِ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ]

​١- ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٣): يُحَرِّرُ أَنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَرَاجِعَ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ فَقَدْ نَقَضَ عَهْدَ الْإِسْلَامِ الَّذِي جَاءَ بِإِبْطَالِ دَعْوَاهُمْ.

٢- الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ (٤): يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَرَّافِ (الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ الْمَقْدِمَاتِ) وَالْكَاهِنِ (الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ)، وَيَجْعَلُ حُكْمَهُمَا فِي الطَّاغُوتِيَّةِ سَوَاءً.

٣- الشَّيْخُ حَمَدُ بْنُ عَتِيقٍ (٥): يُؤَصِّلُ أَنَّ هَذَا الرَّأْسَ مِنْ أَعْظَمِ رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ لِأَنَّ فِتْنَتَهُ تَمَسُّ "عِلْمَ اللهِ".

٤- الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ (٦): يُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ "اتِّصَالِ" النَّاسِ بِهِمْ عَبْرَ الْقَنَوَاتِ أَوِ الْهَوَاتِفِ يَدْخُلُ فِي عُقُوبَةِ الْأَرْبَعِينَ.

-------------------------------&

[ الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]

​(١) تَوْثِيقُ مُسْلِمٍ: مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، الصَّحِيحُ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، كِتَابُ السَّلَامِ، ج٤، ص ١٧٥١، رَقْم (٢٢٣٠).

(٢) تَوْثِيقُ أَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَدَ: أَبُو دَاوُدَ، السُّنَنُ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ، ج٤، ص ٢١، رَقْم (٣٩٠٤). أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، الْمُسْنَدُ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ج١٥، ص ٣٣٠، رَقْم (٩٥٣٦).

(٣) نَصُّ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: الْكَافِي فِي فِقْهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ج٢، ص ١١٤٠.

(٤) نَصُّ الْبَغَوِيِّ: شَرْحُ السُّنَّةِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ج١٢، ص ١٨٢.

(٥) نَصُّ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ: إِبْطَالُ التَّنْدِيدِ بِاخْتِصَارِ شَرْحِ التَّوْحِيدِ، ص ١٦٠.

(٦) نَصُّ ابْنِ بَازٍ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ج٢، ص ١٢٠.

(٧) [نُكْتَةٌ حَدِيثِيَّةٌ]: لِمَاذَا ذُكِرَتْ (أَرْبَعُونَ لَيْلَةً)؟ [قُلْتُ]: تَنَاسُباً مَعَ تَطْهِيرِ النَّفْسِ، فَكَمَا أَنَّ النُّطْفَةَ تَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، فَإِنَّ أَثَرَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ يَبْقَى فِي ظُلْمَةِ الْقَلْبِ حَتَّى يَتَطَهَّرَ بِتِلْكَ الْمُدَّةِ والله اعلم.

(٨) [فَائِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ]: 

الْفَرْقُ بَيْنَ (الْقَبُولِ) الْمَنْفِيِّ هُنَا وَ(الصِّحَّةِ)

١-  أَنَّ الصِّحَّةَ هِيَ "مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ وَإِسْقَاطُ الْقَضَاءِ"

٢-  وَالْقَبُولَ هُوَ "تَرَتُّبُ الثَّوَابِ"، فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ لَكِنْ لَا أَجْرَ فِيهَا. يُنْظَرُ: شَرْحُ الْكَوْكَبِ الْمُنِيرِ، ج١، ص ٤٥٠.

(٩) [تَحْقِيقُ عِلَّةِ الْكُفْرِ]:

١- كُفْرُ الْمُصَدِّقِ لَيْسَ "كَفَرَ نِعْمَةٍ"

٢- بَلْ هُوَ "كَفَرُ تَكْذِيبٍ"

 لِأَنَّهُ جَعَلَ صِدْقَ الْكَاهِنِ (الْمُمْكِنَ عِنْدَهُ) مُقَدَّماً عَلَى نَصِّ الْوَحْيِ (الْقَاطِعِ بِالْمَنْعِ).

-----------------------------------&

[ الْمُتَمِّمَةُ الرَّابِعَةُ: التَّحْرِيرُ لِمَسْأَلَةِ التَّنْجِيمِ وَأَنْوَاعِهِ ]

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ]

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: التَّنْجِيمُ مَصْدَرُ "نَجَّمَ" يُنَجِّمُ، وَأَصْلُهُ مِنَ "النَّجْمِ" وَهُوَ الْكَوكَبُ الظَّاهِرُ.

 وَفِي اللِّسَانِ يُقَالُ: "نَجَمَ الشَّيْءُ" إِذَا طَلَعَ وَبَدَا، وَسُمِيَتِ النُّجُومُ نُجُوماً لِظُهُورِهَا فِي اللَّيْلِ بَعْدَ خَفَاءٍ. 

وَمِنْهُ تَنْجِيمُ الدَّيْنِ أَيْ جَعْلُهُ أَقْسَاطاً تَظْهَرُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ، وَتَنْجِيمُ الْقُرْآنِ أَيْ نُزُولُهُ مُفَرَّقاً بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ (١).

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِأَحْوَالِ الْأَفْلَاكِ، مِنِ اقْتِرَانِ كَوْكَبٍ بِكَوْكَبٍ، أَوْ حُلُولِهِ فِي بُرْجٍ مُعَيَّنٍ، عَلَى وُقُوعِ أَحْدَاثٍ فِي الْأَرْضِ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ، سَوَاءٌ كَانَتْ خَيْراً أَوْ شَرًّا، أَوْ مَوْتاً أَوْ حَيَاةً.

التَّأْصِيلُ الِاصْطِلَاحِيُّ: هُوَ ادِّعَاءُ رَبْطٍ سَبَبِيٍّ بَيْنَ حَرَكَةِ الْأَجْرَامِ السَّمَاوِيَّةِ وَبَيْنَ أَقْدَارِ الْبَشَرِ، وَجَعْلُ ذَلِكَ طَرِيقاً لِمَعْرِفَةِ الْغَيْبِ.

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: تَقْسِيمُ أَنْوَاعِ التَّنْجِيمِ وَصُوَرِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ]

١- عِلْمُ التَّأْثِيرِ (الصُّورَةُ الْأُولَى):

١- وَصُورَتُهُ:- أَنْ يَعْتَقِدَ الْمُنَجِّمُ أَنَّ هَذِهِ النُّجُومَ وَالْكَوَاكِبَ هِيَ "الْخَالِقَةُ" لِلْحَوَادِثِ

٢-  أَوْ أَنَّ لَهَا تَدْبِيراً مُسْتَقِلًّا فِي هَذَا الْكَوْنِ بَعِيداً عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ.

 وَهَذَا كَانَ دِينُ الصَّابِئَةِ وَعَبَدَةِ الْكَوَاكِبِ الَّذِينَ كَانُوا يَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ وَيُقَدِّمُونَ لَهَا الْقَرَابِينَ لِتَدْفَعَ عَنْهُمُ الضَّرَّ.

الْحُكْمُ: كُفْرٌ أَكْبَرُ مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ

١- شرك : لِأَنَّهُ شِرْكٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ (تَعَدٍّ عَلَى صِفَةِ الْخَلْقِ)

٢- وَشِرْكٌ فِي الْأُلُوهِيَّةِ (صَرْفُ الْقُرُبَاتِ لَهَا).


٢- عِلْمُ الِاسْتِدْلَالِ (الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ):

وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: "النُّجُومُ لَا تَخْلُقُ، لَكِنَّ اللهَ جَعَلَهَا عَلَامَاتٍ عَلَى مَقَادِيرِ النَّاسِ".

 فَمَنْ وُلِدَ فِي "بُرْجِ الْحَمَلِ" فَهُوَ شُجَاعٌ، وَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ نَجْمُ كَذَا فَلَنْ يَرْبَحَ فِي تِجَارَتِهِ. 

فَهُمُ اسْتَدَلُّوا بِحَرَكَةِ الْأَفْلَاكِ عَلَى "الْغَيْبِ النِّسْبِيِّ وَالْمُطْلَقِ".

الْحُكْمُ: شِرْكٌ، وَقَدْ يَكُونُ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ. 

١- فَهُوَ أَكْبَرُ إِذَا ادَّعَى بِهِ عِلْمَ الْغَيْبِ الْمُطْلَقِ

٢-  وَأَصْغَرُ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ (النُّجُومِ) سَبَباً لِلْأَحْدَاثِ الْأَرْضِيَّةِ، وَاللهُ لَمْ يَجْعَلِ النُّجُومَ سَبَباً لِشَقَاوَةِ الْإِنْسَانِ أَوْ سَعَادَتِهِ.

٣- عِلْمُ التَّسْيِيرِ وَالِاهْتِدَاءِ (الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ):

١- وَصُورَتُهُ الِاسْتِدْلَالُ بِمَطَالِعِ النُّجُومِ لِمَعْرِفَةِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ لِلْمُسَافِرِ

٢- أَوْ مَعْرِفَةِ الطُّرُقِ فِي الْفَيَافِي وَالْبِحَارِ

٣-  أَوْ مَعْرِفَةِ دُخُولِ فُصُولِ السَّنَةِ (كَالْمُرَبَّعَانِيَّةِ وَالصَّرِيفِ) لِأَهْلِ الزِّرَاعَةِ. 

وَهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْمُشَاهَدَةِ الْحِسِّيَّةِ وَالْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ.

الْحُكْمُ: مَشْرُوعٌ وَمَطْلُوبٌ

 وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: ١٦]. فَالِاهْتِدَاءُ هُنَا حِسِّيٌّ بَدَنِيٌّ لَا غَيْبِيٌّ قَلْبِيٌّ.

٤- عِلْمُ الْحِسَابِ وَالْأَوْقَاتِ (الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ):

وَصُورَتُهُ حِسَابُ سَيْرِ الْكَوَاكِبِ لِمَعْرِفَةِ مَوَاعِيدِ الْخُسُوفِ وَالْكُسُوفِ، أَوْ بِدَايَةِ الشُّهُورِ الْقَمَرِيَّةِ، وَرَصْدِ مَنَازِلِ الْقَمَرِ لِمَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ. 

وَهَذَا يَقُومُ عَلَى قَوَاعِدَ رِيَاضِيَّةٍ ثَابِتَةٍ لَا عِلَاقَةَ لَهَا بِالْبَخْتِ أَوْ الْغَيْبِ.

الْحُكْمُ: جَائِزٌ، بَلْ قَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ لِأُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَالدَّلِيلُ {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: ٥].

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]

[قُلْتُ : يَتَحَصَّلُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ "التَّنْجِيمَ الطَّاغُوتِيَّ" يَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ رَكَائِزَ بَاطِلَةٍ:

١- مُنَازَعَةُ الرُّبُوبِيَّةِ: بِجَعْلِ النُّجُومِ أَرْبَاباً مُدَبِّرَةً أَوْ أَسْبَاباً لِلْغَيْبِ والغيب إما :

١- غيب مطلق : هو الذي التأثر الله به لنفسه

٢-غيب نسبي : والذي يغيب عن أحد ويعرفه أحد

٢- مُنَازَعَةُ الْأُلُوهِيَّةِ: بِتَعْلِيقِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ بِطُلُوعِ النَّجْمِ وَغُرُوبِهِ، وَهَذَا صَرْفٌ لِعِبَادَةِ الْقَلْبِ.

٣- مُنَازَعَةُ الْوَحْيِ: بِإِيجَادِ مَصْدَرٍ بَدِيلٍ لِلْتَّلَقِّي (قَوْلُ الْمُنَجِّمِ) يُعَارِضُ خَبَرَ اللهِ.

إِنَّ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ نَجْماً يَبْعُدُ عَنِ الْأَرْضِ مِلْيَارَاتِ الْأَمْيَالِ يَتَحَكَّمُ فِي صِحَّةِ مَوْلُودٍ أَوْ خَسَارَةِ تَاجِرٍ، فَقَدْ أَلْغَى عَقْلَهُ وَنَقَضَ تَوْحِيدَهُ.

 فَالْبَرَاءَةُ مِنْ هَذَا الطَّاغُوتِ هِيَ بَرَاءَةٌ مِنْ كُلِّ نِدٍّ يُزَاحِمُ سُلْطَانَ اللهِ فِي عِلْمِهِ وَقَدَرِهِ.

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: أَقْوَالُ الْأَئِمَّةِ ]

١- شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٢):: يُبَيِّنُ أَنَّ التَّنْجِيمَ نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي "الْخَفَاءِ". وَيَقُولُ إِنَّ الْمُنَجِّمِينَ هُمْ "أَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ الْعَقْلِ وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى الشَّيْطَانِ"، لِأَنَّهُمْ يَبْنُونَ مَذْهَبَهُمْ عَلَى أَوْهَامٍ، فَلَا هُوَ عِلْمٌ حِسِّيٌّ مُنْضَبِطٌ، وَلَا هُوَ وَحْيٌ مُنَزَّلٌ.

٢- الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (٣):: فِي "مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ" سَاقَ مِائَةَ وَجْهٍ فِي إِبْطَالِ التَّنْجِيمِ، وَجَعَلَ مَنْ يُصَدِّقُ الْمُنَجِّمَ كَمَنْ يَسْجُدُ لِلْصَّنَمِ، لِأَنَّ كِلَيْهِمَا عَبَدَ مَخْلُوقاً لَا يَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعاً.

٣- الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ (٤): يُحَذِّرُ مِنْ عِلْمِ "الْأَنْوَاءِ" وَالِانْشِغَالِ بِحَرَكَةِ الْكَوَاكِبِ لِمَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا فِي طَرِيقٍ أَوْ قِبْلَةٍ، مُعْتَبِراً ذَلِكَ قَسْوَةً لِلْقَلْبِ وَمَدْخَلًا لِلْشِّرْكِ.

٤- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (٥):  يُفَصِّلُ فِي صُوَرِ التَّنْجِيمِ الْمُعَاصِرِ (كَالْأَبْرَاجِ)، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ مُجَرَّدَ قِرَاءَتِهَا مَعَ الشَّكِّ فِي صِدْقِهَا مَعْصِيَةٌ، أَمَّا التَّصْدِيقُ فَهُوَ الَّذِي يَنْقُضُ الْإِيمَانَ بِالْوَحْيِ.

٥- الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ (٦):يُحَرِّرُ أَنَّ الطَّاغُوتَ فِي التَّنْجِيمِ لَيْسَ النَّجْمَ نَفْسَهُ، بَلِ "الْمُنَجِّمُ" الَّذِي ادَّعَى عِلْمَ اللهِ، وَأَنَّ الْكُفْرَ بِهِ يَقْتَضِي إِهَانَةَ قَوْلِهِ وَتَكْذِيبَهُ.

الفقرة الخامسة: الإستشهاد بالأحاديث 

(٢) تَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ:

١-الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ».(٦)


٢-الْحَدِيثُ الثَّانِي: «أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي بَعْدِي ثَلَاثًا: جَوْرَ الْأَئِمَّةِ، وَالْإِيمَانَ بِالنُّجُومِ، وَالتَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ».(٧)

 

----------------&

[ الْحَاشِيَةُ  ]

(١) الِاشْتِقَاقُ وَالْمَصَادِرُ: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، ج١٢، ص ٥٧١. وَالْجُرْجَانِيُّ، التَّعْرِيفَاتُ، ص ٧٦.

(٢) تَوْثِيقُ النُّقُولِ:

ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج٣٥، ص ١٦٧.

ابْنُ الْقَيِّمِ، مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، ج٣، ص ١١٤٠.

ابْنُ رَجَبٍ، فَضْلُ عِلْمِ السَّلَفِ، ص ٤٢.

ابْنُ عُثَيْمِينَ، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ، ج٢، ص ٣٨.

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ، شَرْحُ التَّوْحِيدِ، ص ٤٥٥.

(٣) نِكْتَةٌ حَدِيثِيَّةٌ: قَوْلُهُ (زَادَ مَا زَادَ)؛ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ يَتَفَاوَتَانِ، فَكُلَّمَا تَبَحَّرَ الْمُنَجِّمُ فِي ضَلَالِهِ زَادَ سِحْرُهُ وَبَعُدَ عَنِ اللهِ.

(٤) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ (أَيْ نِسْبَةُ الْمَطَرِ لِلْنَّجْمِ) هُوَ مِنْ شِرْكِ الْأَلْفَاظِ الَّذِي قَدْ يَصِلُ لِلْأَكْبَرِ إِذَا اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ.

(٥) وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ: قَوْلُهُ {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} حَصَرَ فَائِدَةَ النَّجْمِ فِي الْهِدَايَةِ الْمَكَانِيَّةِ، مِمَّا يَدُلُّ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عَلَى بَطَلَانِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا فِي الْهِدَايَةِ الْغَيْبِيَّةِ.

(٦)أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣٩٠٥)، وَابْنُ مَاجَهْ (٣٧٥٢)، وَأَحْمَدُ (٢٠٠٠) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.

(٧) رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي "السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ" (١١٢٧).

---------------------------&

[ الْمُتَمِّمَةُ الخامسة: التَّحْرِيرُ  لِأَحَادِيثِ التَّنْجِيمِ ]

نُصُوصُ الْأَحَادِيثِ الْمَحَلُّ لِلْبَحْثِ:

١- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ».

٢- عَنْ أَبِي مِحْجَنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي بَعْدِي ثَلَاثًا: جَوْرَ الْأَئِمَّةِ، وَالْإِيمَانَ بِالنُّجُومِ، وَالتَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ».

الْفَقْرَةُ الْأُولَى: تَشْرِيحُ مُفْرَدَاتِ الْأَحَادِيثِ

١- الِاقْتِبَاسُ: 

(الِاشْتِقَاقُ): مِنَ "الْقَبَسِ" وَهُوَ لَهَبُ النَّارِ. 

(الْحَدُّ الْجَامِعُ): طَلَبُ الِاسْتِفَادَةِ مِنْ شَيْءٍ قَائِمٍ لِيَكُونَ نُوراً أَوْ نَاراً. 

(الِاصْطِلَاحُ الشَّرْعِيُّ): هُوَ تَلَقِّي عُلُومِ الْفَلَكِ لِغَرَضِ الِاسْتِدْلَالِ الْغَيْبِيِّ، فَالْمُقْتَبِسُ كَأَنَّهُ يَأْخُذُ شُعْلَةً تُحْرِقُ تَوْحِيدَهُ (١).

٢- الشُّعْبَةُ:

 (الِاشْتِقَاقُ): مِنَ "الشَّعْبِ" وَهُوَ الِافْتِرَاقُ وَالِاتِّصَالُ فِي آنٍ وَاحِدٍ. 

(الْحَدُّ الْجَامِعُ): الْقِطْعَةُ أَوِ الْجُزْءُ الَّذِي يَنْفَصِلُ عَنِ الْأَصْلِ مَعَ بَقَاءِ الرَّابِطِ.

 (الِاصْطِلَاحُ الشَّرْعِيُّ): أَنَّ التَّنْجِيمَ قِطْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ مِنْ مَاهِيَّةِ السِّحْرِ، فَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فِي الْحُكْمِ وَالْأَثَرِ (٢).

٣- الْإِيمَانُ بِالنُّجُومِ: 

(الِاشْتِقَاقُ): مِنَ "الْأَمْنِ" ضِدُّ الْخَوْفِ، وَهُوَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ. (الْحَدُّ الْجَامِعُ): الرُّكُونُ وَالِاعْتِمَادُ. 

(الِاصْطِلَاحُ الشَّرْعِيُّ): هُوَ اعْتِقَادُ نَفْعِهَا أَوْ ضَرِّهَا، أَوْ كَوْنِهَا مَصْدَراً لِلْمَعْلُومَاتِ الْغَيْبِيَّةِ، وَهَذَا يُنَافِي الْإِيمَانَ بِاللهِ (٣).

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]

[قُلْتُ]:

١- إِنَّ التَّنْجِيمَ يُمَثِّلُ انْحِرَافاً فِي بَابِ الْأَسْبَابِ، لِأَنَّهُ رَبْطُ مَخْلُوقٍ بِمَخْلُوقٍ فِي مَقَامِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

٢- السِّرُّ فِي وَصْفِهِ بِالسِّحْرِ هُوَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي دَعْوَى الِاطِّلَاعِ عَلَى مَكْنُونِ الْأَسْرَارِ بِطُرُقٍ خَفِيَّةٍ لَا تَعْتَمِدُ الشَّرْعَ.

٣- الْإِيمَانُ بِالنُّجُومِ يُورِثُ فِي الْقَلْبِ تَعَلُّقاً بِالْعَلَوِيَّاتِ مِمَّا يُفْضِي إِلَى نَوْعٍ مِنَ الشِّرْكِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ.

٤- التَّنْجِيمُ مَدْخَلٌ لِضَعْفِ التَّوَكُّلِ، فَالْمُنَجِّمُ يَنْتَظِرُ حَرَكَةَ الْكَوكَبِ لِيَقْدَمَ أَوْ يُحْجِمَ، وَهَذَا عَيْنُ التَّطَيُّرِ الْمُبْطَلِ.

٥- كُلُّ مُدَّعٍ لِلْغَيْبِ عَبْرَ النُّجُومِ هُوَ طَاغُوتٌ، لِأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ قِبْلَةً لِلْعَوَامِّ بَدَلًا مِنْ قَوْلِ اللهِ وَرَسُولِهِ.

٦- التَّنْجِيمُ يُفْسِدُ الْفِطْرَةَ، لِأَنَّ الْفِطْرَةَ مَجْبُولَةٌ عَلَى الِافْتِقَارِ لِلْخَالِقِ لَا لِلْجَمَادَاتِ السَّابِحَةِ فِي الْفَضَاءِ.

٧- الزِّيَادَةُ فِي طَلَبِ عِلْمِ النُّجُومِ الِاعْتِقَادِيِّ هِيَ زِيَادَةٌ فِي الْبُعْدِ عَنْ مَنَابِعِ الْوَحْيِ وَالصَّفَاءِ الْعَقَدِيِّ.

٨- اقْتِرَانُ التَّنْجِيمِ بِالتَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُنَجِّمَ يَرَى نَفْسَهُ مُسْتَقِلًّا عَنْ جَرَيَانِ أَقْدَارِ اللهِ.

٩- الْحَذَرُ مِنَ التَّنْجِيمِ هُوَ حَذَرٌ مِنْ تَعْطِيلِ سُلْطَانِ الْعَقْلِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُدْرِكُ عَجْزَ الْمَخْلُوقَاتِ.

١٠- التَّأْصِيلُ الْحَقُّ هُوَ الِاسْتِغْنَاءُ بِمَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِلْنُّجُومِ (زِينَةً، رُجُوماً، عَلَامَاتٍ) عَمَّا ادَّعَاهُ الضَّالُّونَ.

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: شُرُوحُ الْأَئِمَّةِ لِلْأَحَادِيثِ]

شَرْحُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٤): يَرَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ التَّنْجِيمِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالشَّيَاطِينِ أَوْ التَّشَبُّهِ بِمَسَالِكِهِمْ ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْمُنَجِّمَ يَدَّعِي عِلْمَ مَا لَمْ يُطْلِعْهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الْكَذِبُ وَالشِّرْكُ. وَيُفَصِّلُ أَنَّ مَنْ زَادَ فِي تَعَلُّمِ هَذَا الْبَاطِلِ زَادَهُ اللهُ خِذْلَاناً، لِأَنَّهُ طَلَبَ النُّورَ فِي ظُلُمَاتِ السِّحْرِ، وَهَذَا مِنِ انْتِكَاسِ الْبَصِيرَةِ.

شَرْحُ ابْنِ الْقَيِّمِ (٥): يُبَيِّنُ فِي "الْمِفْتَاحِ" أَنَّ التَّنْجِيمَ هُوَ أَكْبَرُ عَدُوٍّ لِلْنُّبُوَّاتِ، لِأَنَّهُ يُحَاوِلُ إِيْجَادَ بَدِيلٍ لِلْإِخْبَارِ عَمَّا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ.

 وَيُشَرِّحُ مَعْنَى (شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ) بِأَنَّ مَآلَ التَّنْجِيمِ هُوَ مَآلُ السِّحْرِ فِي الضَّرَرِ وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ.

 وَيُحَذِّرُ بِقُوَّةٍ مِنْ رُكُونِ النَّفْسِ لِهَذِهِ الْأَوْهَامِ الَّتِي تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَعِيشُ فِي مَتَاهَةِ الْأَفْلَاكِ بَدَلًا مِنْ أَنْوَارِ الْآيَاتِ.

شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ (٦): يُحَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ "التَّنْجِيمَ" 

أَقْسَامٌ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ يَنْصَرِفُ لِلْتَّأْثِيرِيِّ وَالِاسْتِدْلَالِيِّ. 

وَيُوَضِّحُ أَنَّ وَصْفَهُ بِالسِّحْرِ يَقْتَضِي عِظَمَ الْجُرْمِ، لِأَنَّ السِّحْرَ مَقْرُونٌ بِالشِّرْكِ.

 وَيُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ (زَادَ مَا زَادَ) يَعْنِي أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ يَجُرُّ إِلَى الْكَثِيرِ، وَأَنَّهُ لَا يُوجَدُ حَدٌّ يَقِفُ عِنْدَهُ الْمُنْفَتِنُ بِهَذَا الْعِلْمِ حَتَّى يَنْسَلِخَ مِنْ دِينِهِ.

شَرْحُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (٧): 

يُؤَصِّلُ أَنَّ مَسْأَلَةَ التَّنْجِيمِ هِيَ اخْتِبَارٌ لِثَبَاتِ الْمُوَحِّدِ فِي بَابِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ. 

وَيُبَيِّنُ أَنَّ التَّنْجِيمَ الطَّاغُوتِيَّ هُوَ مَا ادَّعَى نَوْعاً مِنَ التَّصَرُّفِ أَوْ الْكَشْفِ، مِمَّا يَجْعَلُ الْمُنَجِّمَ مَحَلَّ تَعْظِيمٍ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ. وَيَرْبِطُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أُصُولِ "التَّدْمُرِيَّةِ" فِي مَسْأَلَةِ الصِّفَاتِ وَالتَّأْثِيرِ.

شَرْحُ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (٨): يُقَرِّرُ أَنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ حَرَكَةِ الْكَوَاكِبِ وَنَفْسِيَّاتِ الْبَشَرِ (كَمَا فِي الْأَبْرَاجِ الْمُعَاصِرَةِ) هُوَ تَنْجِيمٌ جَاهِلِيٌّ بِلِبَاسٍ جَدِيدٍ. 

وَيُؤَكِّدُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ سَدٌّ لِلذَّرِيعَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الشِّرْكُ مِنَ الْقَلْبِ.

 وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ رَأَى هَذِهِ الْعُلُومَ "ثَقَافَةً" فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى نَبْذِ كُلِّ هَذِهِ التَّعَلُّقَاتِ.

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: الْفَوَائِدُ الْعَقَدِيَّةُ وَالْقَوَاعِدُ]

فوائد حديث الاقتباس:

١- إِثْبَاتُ أَنَّ التَّنْجِيمَ جُزْءٌ مِنَ السِّحْرِ تَحْرِيماً وَمَاهِيَّةً.

٢- بَيَانُ أَنَّ الْعُلُومَ الَّتِي لَا تَنْفَعُ فِِي الْآخِرَةِ قَدْ تَكُونُ وَبَالاً عَلَى صَاحِبِهَا.

٣- التَّحْذِيرُ مِنْ فِتْنَةِ التَّبَحُّرِ فِي الْبَاطِلِ (زَادَ مَا زَادَ).

٤- وُجُوبُ حِمَايَةِ الْعَقْلِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْخُرَافَاتِ الْفَلَكِيَّةِ.

٥- تَأْكِيدُ انْفِرَادِ اللهِ بِالْغَيْبِ وَبُطْلَانِ كُلِّ طَرِيقٍ يَدَّعِي غَيْرَ ذَلِكَ.

فوائد حديث الإيمان بالنجوم:

١- شَفَقَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الِانْحِرَافَاتِ الْعَقَدِيَّةِ.

٢- بَيَانُ أَنَّ التَّنْجِيمَ يُنَافِي كَمَالَ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ.

٣- الرَّبْطُ بَيْنَ فَسَادِ الْوِلَايَةِ (الْجَوْرِ) وَفَسَادِ الدِّينِ (التَّنْجِيمِ).

٤- التَّحْذِيرُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ سَتَقَعُ فِي الْأُمَّةِ (بَعْدِي).

٥- لُزُومُ التَّمَسُّكِ بِالْقَدَرِ لِمُوَاجَهَةِ دَعَاوَى الْمُنَجِّمِينَ.

[الْفَقْرَةُ الْخَامِسَةُ: الْحُكْمُ الْفِقْهِيُّ وَالْقَوَاعِدُ]

الْحُكْمُ الْفِقْهِيُّ:

تَحْرُمُ صِناعةُ التَّنْجِيمِ وَتَعَلُّمُهَا وَتَعْلِيمُهَا وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا، وَيَحْرُمُ الِارْتِزَاقُ مِنْهَا بِأَيِّ وَجْهٍ، فَكُلُّ مَالٍ نَاتِجٍ عَنْهَا هُوَ مَالٌ مُحَرَّمٌ (سُحْتٌ).

 وَالْمُنَجِّمُ يُعَزَّرُ تَعْزِيراً بَلِيغاً يَرْدَعُهُ عَنْ ضَلَالِهِ، وَإِذَا كَانَ عَمَلُهُ يَتَضَمَّنُ سِحْراً فِيهِ شِرْكٌ، فُعِلَ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالسَّاحِرِ مِنْ حَدِّ الْقَتْلِ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (٩).

الْقَوَاعِدُ الْمُسْتَنْبَطَةُ:

١- قَاعِدَةُ: (كُلُّ عِلْمٍ أَفْضَى إِلَى شِرْكٍ فَهُوَ مَحْظُورٌ).

٢- قَاعِدَةُ: (الْفَرْعُ يَأْخُذُ حُكْمَ أَصْلِهِ - التَّنْجِيمُ فَرْعُ السِّحْرِ).

٣- قَاعِدَةُ: (دَرْءُ الْمَفَاسِدِ الْعَقَدِيَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنَافِعِ الِاسْتِطْلَاعِ).

٤- قَاعِدَةُ: (مَا أَدَّى إِلَى التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ فَهُوَ بَاطِلٌ).

-----------------------&

[ الْحَاشِيَةُ  ]

(١) تَخْرِيجُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "الْمُسْنَدِ" (٢٠٠٠)، وَأَبُو دَاوُدَ (٣٩٠٥)، وَابْنُ مَاجَهْ (٣٧٥٢). 

مَدَارُ السَّنَدِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. 

وَالْوَلِيدُ وَإِنْ كَانَ مُدَلِّساً فَقَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ عِنْدَ أَحْمَدَ، فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ. نَظَرَ: صَحِيحُ الْجَامِعِ (٦٠٧٤).

(٢) تَخْرِيجُ حَدِيثِ أَبِي مِحْجَنٍ: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى (٤٠٢٦) وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "الْكَبِيرِ" (١١٢٧١). 

وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي الصَّحِيحَةِ (١١٢٧).

(٣) نِكْتَةٌ حَدِيثِيَّةٌ: قَوْلُهُ (زَادَ مَا زَادَ)؛ تَعْنِي أَنَّ التَّنْجِيمَ لَا نِهَايَةَ لِخُرَافَتِهِ، فَكُلَّمَا أَوْغَلَ فِيهِ الْمَرْءُ، أَوْغَلَ فِي السِّحْرِ. وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ التَّحْذِيرِ مِنْ بَدَايَاتِ الِانْحِرَافِ الْعَقَدِيِّ الَّتِي قَدْ تَبْدُو صَغِيرَةً (١٠).

(٤) الْمَصَادِرُ وَالنُّقُولُ:

ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج٣٥، ص ١٩٥.

ابْنُ الْقَيِّمِ، مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، ج٣، ص ١١٤٦.

ابْنُ عُثَيْمِينَ، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ، ج٢، ص ٤٣.

مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ، الْعَقِيدَةُ التَّدْمُرِيَّةُ (تَحْقِيقٌ)، ص ١١٠.

صَالِحٌ سِنْدِي، شَرْحُ التَّوْحِيدِ، مَوْقِعُهُ الرَّسْمِيُّ.

(٥) نِكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: الِاقْتِبَاسُ عَادَةً يَكُونُ لِلْنَّفْعِ، لَكِنَّ اسْتِعْمَالَهُ هُنَا فِيهِ "تَهَكُّمٌ" بِالْمُنَجِّمِ، فَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَقْتَبِسُ نُوراً، وَإِنَّمَا يَقْتَبِسُ قِطْعَةً مِنْ نَارِ السِّحْرِ (١١).

(٦) فَائِدَةٌ: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ "نَجَمَ" وَ"قَبَسَ". الْقُرْطُبِيُّ، التَّفْسِيرُ، ج٧، ص ٣١.

-----------------------------&

[ الْمُتَمِّمَةُ السادسة]: من المقدمة الثامنة 

[تَحْرِيرُ مَقَامِ الْغَيْبِ فِي ضَوْءِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ ]

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الْأَنْعَام: ٥٩].

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: تَشْرِيحُ مُفْرَدَاتِ الْآيَةِ (تَحْقِيقٌ لُغَوِيٌّ وَاصْطِلَاحِيٌّ)]

١- مَفَاتِيحُ: 

(الِاشْتِقَاقُ): جَمْعُ "مِفْتَاحٍ" أَوْ "مَفْتَحٍ" مِنْ "فَتَحَ". 

(الْحَدُّ الْجَامِعُ): مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ الْمُغْلَقُ. 

(الِاصْطِلَاحُ): هِيَ خَزَائِنُ الْغَيْبِ أَوْ أَوَائِلُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ مَبَادِئَهَا إِلَّا اللهُ (١).

٢- الْغَيْبُ:

 (الْحَدُّ الْجَامِعُ): مَا غَابَ عَنِ الْحَوَاسِّ وَالْعُقُولِ. (الِاصْطِلَاحُ): يَنْقَسِمُ إِلَى:

أ- غَيْبٌ مُطْلَقٌ: وَهُوَ مَا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ، كالصفات الله تعالى و كَالسَّاعَةِ وَمَقَادِيرِ الْخَلْقِ قَبْلَ كَوْنِهَا، فَلَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ،[وهذا النوع حقيقة لا مجاز فيها ولا يثبت إلا من طريق واحد وهو (الخبر عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم فهو إعلم الخلق بربه)]

ب- غَيْبٌ نِسْبِيٌّ: مَا غَابَ عَنْ بَعْضِ الْخَلْقِ وَعَلِمَهُ بَعْضُهُمْ (كَالَّذِي فِي بَيْتِكَ هُوَ غَيْبٌ عَنِّي لَكِنَّهُ شَهَادَةٌ لَكَ) (٢).

٣- الْبَرُّ وَالْبَحْرُ:

 (الْحَدُّ الْجَامِعُ): "الْبَرُّ" هُوَ الْفَضَاءُ الْيَابِسُ، وَ"الْبَحْرُ" هُوَ مُسْتَقَرُّ الْمَاءِ الْكَثِيرِ. 

وَالْمُرَادُ اسْتِيعَابُ عِلْمِهِ لِكُلِّ مَا سَكَنَ فِيهِمَا مِنْ حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ وَجَمَادٍ.

٤- ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ: (الْحَدُّ الْجَامِعُ): بَطْنُ الْأَرْضِ وَمَا انْقَطَعَ عَنْهُ الضَّوْءُ، وَقِيلَ: طَبَقَاتُ الْأَرْضِ السُّفْلَى.

٥- الرَّطْبُ وَالْيَابِسُ: (الْحَدُّ الْجَامِعُ): ضِدَّانِ يَشْمَلَانِ كُلَّ مَوْجُودٍ؛ فَالنَّبَاتُ رَطْبٌ وَالْحَجَرُ يَابِسٌ، وَالْمُرَادُ الشُّمُولُ الذَّرِّيُّ لِكُلِّ دَقِيقٍ وَجَلِيلٍ.

٦- كِتَابٍ مُبِينٍ: (الِاصْطِلَاحُ الشَّرْعِيُّ): هُوَ "اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ" الَّذِي كُتِبَ فِيهِ مَقَادِيرُ الْخَلَائِقِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٣).

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ]

١- تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ (٤): يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ "أَعْظَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ بَيَّنَتْ سَعَةَ عِلْمِ اللهِ"وَيُفَصِّلُ فِيمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ، بِأَنَّ اللهَ يَعْلَمُ حَرَكَتَهَا وَسُكُونَهَا وَمَآلَهَا، وَأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ مُحِيطٌ بِالْمَعْدُومَاتِ كَمَا هُوَ مُحِيطٌ بِالْمَوْجُودَاتِ.

 وَيُبَيِّنُ أَنَّ حَصْرَ الْعِلْمِ فِي "مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ" لِلَّهِ وَحْدَهُ هُوَ هَدْمٌ لِكُلِّ دَعَاوَى الْمُشَعْوِذِينَ وَالْمُنَجِّمِينَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ فَتْحَ هَذِهِ الْخَزَائِنِ.

٢- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ (٥): يُؤَكِّدُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ رَسَائِلِهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أصلٌ فِي "تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ" الْمُسْتَلْزِمِ لِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ فِي نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ أَنَّهُ يَعْلَمُ هَذِهِ الْمَفَاتِيحَ فَقَدْ جَعَلَهُ نِدًّا لِلَّهِ وَأَشْرَكَ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ ، وَيُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ كَمَالَ الْعِلْمِ بِالْحَبَّةِ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ يَقْتَضِي إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لِهَذَا الرَّبِّ الْعَلِيمِ بِخَفَايَا الصُّدُورِ.

٣- تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ (٦): يُفَصِّلُ فِي "تَيْسِيرِ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ" بَدِيعَ صُنْعِ اللهِ، مُوَضِّحاً أَنَّ تَقْيِيدَ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ يُورِثُ الْعَبْدَ تَعْظِيماً لِلَّهِ وَهَيْبَةً. 

وَيَقُولُ إِنَّ قَوْلَهُ (وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ) يَعْنِي أَنَّ أُمُورَ الْمُسْتَقْبَلِ وَالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لَا مَدْخَلَ لِأَحَدٍ فِيهَا.

 وَيُبَيِّنُ أَنَّ عِلْمَهُ بِمَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يَشْمَلُ جُزْئِيَّاتِ الْحَوَادِثِ وَكُلِّيَّاتِهَا، مِمَّا يَقْطَعُ الطَّمَعَ فِي سِوَى اللهِ لِطَلَبِ النَّفْعِ.

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]

[قُلْتُ]:إِنَّ الِارْتِبَاطَ الْعَقَدِيَّ بَيْنَ "مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ" وَ"التَّوْحِيدِ" هُوَ ارْتِبَاطُ وُجُودٍ وَعَدَمٍ؛ فَالْغَيْبُ هُوَ سِرُّ اللهِ فِي خَلْقِهِ، وَمَنِ ادَّعَى فَتْحَ بَابِهِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ إِلَهاً 

١-  التَّأْصِيلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ حَصْرَ الْعِلْمِ بِـ (إِلَّا هُوَ) يُبْطِلُ كُلَّ مَذَاهِبِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْغُلَاةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ اطِّلَاعَ أَئِمَّتِهِمْ عَلَى الْغَيْبِ.

٢-  التَّأْصِيلُ الثَّانِي: أَنَّ ذِكْرَ "الْوَرَقَةِ" وَ"الْحَبَّةِ" هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ بِمُرَاقَبَةِ اللهِ الذَّاتِيَّةِ، فَمَنْ عَلِمَ تَفَاصِيلَ مَوْتِ الْخَلَايَا فِي بَطْنِ الْأَرْضِ، كَيْفَ يَغِيبُ عَنْهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ؟

٣-  التَّأْصِيلُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ سَدٌّ مَنِيعٌ أَمَامَ "طَاغُوتِ التَّنْجِيمِ"؛ فَالنُّجُومُ مَخْلُوقَةٌ دَاخِلَةٌ فِي عِلْمِهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ هِيَ مَصْدَرُ عِلْمِهِ؟ 

٤- التَّأْصِيلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ يُرِيحُ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ، لِأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ -رَطْباً كَانَ أَوْ يَابِساً- مَقْدُورٌ مَكْتُوبٌ لِحِكْمَةٍ، فَلَا جَزَعَ وَلَا هَلَعَ.

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: التَّحْرِيرُ الْفِقْهِيُّ وَالْقَوَاعِدُ]

الْحُكْمُ الْفِقْهِيُّ: يَحْرُمُ قَطْعاً ادِّعَاءُ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَتَعَلُّمُ الْوَسَائِلِ الْمُوصِلَةِ إِلَى ذَلِكَ (سِحْر، تَنْجِيم، ضَرْب رَمْل) ، وَمَنْ صَدَّقَ غَيْرَ اللهِ فِي عِلْمِ مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ فَقَدْ نَقَضَ إِيمَانَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَتُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ عِنْدَ الِافْتِقَارِ لِلْمُغَيَّبَاتِ (كَالِاسْتِخَارَةِ) لِأَنَّهَا اعْتِرَافٌ بِمَضْمُونِ الْآيَةِ.

الْقَوَاعِدُ الْمُسْتَنْبَطَةُ:

١- قَاعِدَةُ: (كَمَالُ الْعِلْمِ يَسْتَلْزِمُ كَمَالَ التَّصَرُّفِ).

٢- قَاعِدَةُ: (الْأَصْلُ فِي الْغَيْبِ الْحَظْرُ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ).

٣- قَاعِدَةُ: (نَفْيُ الْعِلْمِ عَنِ الْبَشَرِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْهُمْ).

---------------:::&

[ الْحَاشِيَةُ  ]

(١) تَوْثِيقُ الْمُفْرَدَاتِ: الْبُخَارِيُّ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ التَّفْسِيرِ، رَقْم (٤٦٢٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي بَيَانِ مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ الْخَمْسِ. وَيُنْظَرُ: لِسَانُ الْعَرَبِ مَادَّةُ "فَتَحَ".

(٢) تَقْسِيمُ الْغَيْبِ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ط مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج١٣، ص ٢١٣؛ وَج١٦، ص ١١٠.

(٣) تَحْقِيقُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ: مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْقَدَرِ، رَقْم (٢٦٥٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

(٤) تَوْثِيقُ نَقْلِ ابْنِ كَثِيرٍ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج٣، ص ٢٤٥-٢٤٨.

(٥) تَوْثِيقُ نَقْلِ الْمُجَدِّدِ: رَسَائِلُ فِي التَّوْحِيدِ (مَجْمُوعَةُ الْمُؤَلَّفَاتِ)، ج١، ص ٤٥.

(٦) تَوْثِيقُ نَقْلِ السَّعْدِيِّ: تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص ٢٥٩.

(٧) [نِكْتَةٌ حَدِيثِيَّةٌ]: 

لِمَاذَا جَاءَتْ (وَرَقَةٍ) بِالتَّنْكِيرِ؟ 

[قُلْتُ]: لِتُفِيدَ الشُّمُولَ لِأَصْغَرِ وَرَقَةٍ فِي أَبْعَدِ غَابَةٍ، فَإِذَا كَانَ عِلْمُهُ مُحِيطاً بِسُقُوطِهَا، فَكَيْفَ بِحَرَكَاتِ الْمُكَلَّفِينَ؟

(٨) [فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ]: قَرَنَ اللهُ الْبَرَّ بِالْبَحْرِ لِأَنَّ الْبَحْرَ عَالَمٌ مَخْفِيٌّ عَنِ الْبَشَرِ، فَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَفَاءَ عِنْدَهُمْ جَلَاءٌ عِنْدَهُ.

(٩) [تَحْقِيقُ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ]: 

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "الرَّطْبُ هُوَ الْمَاءُ وَمَا فِيهِ، وَالْيَابِسُ هُوَ مَا لَا مَاءَ فِيهِ"، وَهَذَا يَسْتَغْرِقُ كُلَّ ذَرَّةٍ فِي الْكَوْنِ.

-------------------------------&

 الْمُقَدِّمَةُ الْتاسعة:

 تَحْرِيرُ الرَّأْسِ الْخَامِسِ "الْمَعْبُودُ الرَّاضِي" 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ: (الْخَامِسُ: الَّذِي يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ وَهُوَ رَاضٍ بِعِبَادَتِهِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الْأَنْبِيَاء: ٢٩]).

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: تَشْرِيحُ مُفْرَدَاتِ الْآيَةِ وَالْمَتْنِ (لُغَةً وَاصْطِلَاحاً)]

١- يُعْبَدُ:

 (الِاشْتِقَاقُ): مِنَ "الْعُبُودِيَّةِ" وَهِيَ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ. 

(الْحَدُّ الْجَامِعُ): اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، لَكِنَّهَا هُنَا صُرِفَتْ لِغَيْرِهِ. 

(الِاصْطِلَاحُ الشَّرْعِيُّ): خُضُوعُ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ لِمَخْلُوقٍ بِالتَّأْلِيهِ أَوْ الطَّاعَةِ الْمُطْلَقَةِ (١).

٢- الرِّضَا بِالْعِبَادَةِ:

 (الْحَدُّ الْجَامِعُ): سُكُونُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ وَقَبُولُهُ. (الِاصْطِلَاحُ): أَنْ يَعْلَمَ الْمَخْلُوقُ أَنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَهُ إِلَهاً أَوْ مَصْدَراً لِلْتَّشْرِيعِ فَيُقِرُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُهُ، فَيَصِيرُ بِهَذَا "طَاغُوتاً".

٣- إِلَهٌ: 

(الِاشْتِقَاقُ): مِنْ "أَلَهَ" أَيْ عَبَدَ وَتَأَلَّهَ. 

(الْحَدُّ الْجَامِعُ): الْمَعْبُودُ الَّذِي تَعْبُدُهُ الْقُلُوبُ مَحَبَّةً وَتَعْظِيماً. (الِاصْطِلَاحُ الشَّرْعِيُّ): مَنِ ادَّعَى الْحَقَّ فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ دُونَ اللهِ (٢).

٤- نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ: 

(الْحَدُّ الْجَامِعُ): "الْجَزَاءُ" الْمُكَافَأَةُ عَلَى الْفِعْلِ.

 (الِاصْطِلَاحُ): الْوَعِيدُ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ لِكُلِّ مَنْ نَازَعَ اللهَ رِدَاءَ كِبْرِيَائِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ.

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]

[قُلْتُ]:

١- إِنَّ هَذَا الرَّأْسَ مِنَ الطَّوَاغِيتِ هُوَ أَقْبَحُهَا نَفْساً، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ "كُفْرِ الِاسْتِكْبَارِ" وَبَيْنَ "إِضْلَالِ الْعِبَادِ".

٢- قَيْدُ (وَهُوَ رَاضٍ) أخرجَ الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ (كَالْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ)، فَهُمْ عُبِدُوا لَكِنَّهُمْ لَمْ يَرْضَوْا، فَلَا يَلْحَقُهُمْ ذَمُّ الطَّاغُوتِ.

٣- الرِّضَا هُنَا هُوَ "فِعْلُ قَلْبٍ" يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي عَدَمِ الْإِنْكَارِ، بَلْ وَفِي تَزْيِينِ هَذَا الْمَقَامِ لِلْنَّاسِ.

٤- كُلُّ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ مَصْدَراً لِلْتَّشْرِيعِ يُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللهُ وَيُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ وَهُوَ رَاضٍ، فَقَدْ ادَّعَى مَقَامَ الْأُلُوهِيَّةِ.

٥- الدَّعْوَةُ إِلَى عِبَادَةِ النَّفْسِ قَدْ لَا تَكُونُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ، بَلْ بِطَلَبِ الْخُضُوعِ الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ.

٦- الْجَزَاءُ بـ "جَهَنَّمَ" لِمَنِ ادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ هُوَ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ أَعْظَمَ الظُّلْمِ {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.

٧- لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُوَحِّداً حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ رَاضٍ بَعِبَادَتِهِ، كَمَا تَبَرَّأَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ قَوْمِهِ.

٨- الْكَافِرُ بِالطَّاغُوتِ هُوَ الَّذِي يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، وَيُبْغِضُهَا، وَيُكَفِّرُ أَهْلَهَا، وَيُعَادِيهِمْ فِيهِ.

٩- هَذَا الرَّأْسُ يَشْمَلُ بَعْضَ مَشَايِخِ الطُّرُقِ وَالْغُلَاةِ الَّذِينَ يَسْجُدُ لَهُمُ النَّاسُ أَوْ يَقْبَلُونَ مِنْهُمُ التَّصَرُّفَ فِي الْكَونِ.

١٠- التَّأْصِيلُ الْحَقُّ أَنَّ الْعِبَادَةَ حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ، فَالرَّاضِي بِمُزَاحَمَةِ اللهِ فِيهَا هُوَ حَرْبٌ عَلَى التَّوْحِيدِ.

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: شُرُوحُ الْأَئِمَّةِ لِلْآيَةِ وَالْمَتْنِ]

١- شَرْحُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٣): يُقَرِّرُ فِي "مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى" أَنَّ الطَّاغُوتَ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ النَّاسَ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الرِّضَا بِالْعِبَادَةِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الْمَخْلُوقَ شَيْطَاناً مَرْجُوماً، لِأَنَّهُ نَازَعَ الرَّبَّ فِي أخصِّ صِفَاتِهِ. وَيُفَصِّلُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ هُوَ أَخْطَرُ أَنْوَاعِ الطَّوَاغِيتِ لِأَنَّهُ يَلْبَسُ لِبَاسَ الدِّينِ أَوْ الْقِيَادَةِ لِيُسْتَعْبَدَ الْخَلْقُ.

٢- شَرْحُ ابْنِ الْقَيِّمِ (٤): فِي "إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ" يُعَرِّفُ الطَّاغُوتَ بِأَنَّهُ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ رَضِيَ بِتَحْكِيمِ النَّاسِ لَهُ بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ فَقَدْ رَضِيَ بِالْعُبُودِيَّةِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ عُقُوبَةَ جَهَنَّمَ هُنَا عَدْلٌ، لِأَنَّ الْجُرْمَ لَمْ يَقَعْ عَلَى حَقِّ مَخْلُوقٍ بَلْ عَلَى حَقِّ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ.

٣- شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ (٥): يُحَرِّرُ الشَّيْخُ فِي "الْقَوْلِ الْمُفِيدِ" أَنَّ مَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ الشِّرْكَ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ غَلَا فِيهِ وَصَرَفَ لَهُ نَوْعاً مِنَ الْعِبَادَةِ (كَالطَّوَافِ بِهِ أَوْ السُّجُودِ) فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْوَعِيدِ. وَيُؤَصِّلُ أَنَّ الرِّضَا يَكُونُ مَعْلُوماً بِالْقَرِينَةِ أَوْ بِالْمُشَافَهَةِ.

٤- شَرْحُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (٦): يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الصِّنْفَ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ وِزْرَهُ وَوِزْرَ مَنْ عَبَدَهُ، لِأَنَّهُ صَارَ "قُدْوَةً فِي الضَّلَالَةِ". وَيُحَلِّلُ الْآيَةَ {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ} بِأَنَّ مُجَرَّدَ "الْقَوْلِ" أَوْ "الِادِّعَاءِ" كَافٍ فِي دُخُولِ النَّارِ، لِأَنَّهُ تَجْرِؤٌ عَلَى مَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي لَا تَقُومُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا بِهِ.

٥- شَرْحُ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (٧): يُؤَكِّدُ أَنَّ الرِّضَا بِالْعِبَادَةِ نَاقِضٌ لِأَصْلِ الدِّينِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ رَأَى فِتْنَةَ النَّاسِ بِهِ أَنْ يَصْرِفَهُمْ إِلَى اللهِ كَمَا فَعَلَ الرُّسُلُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ يَتَلَذَّذُ بِتَعْظِيمِ النَّاسِ لَهُ تَعْظِيماً لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ فَقَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ "الطَّاغُوتِيةِ".

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: الْفَوَائِدُ الْعَقَدِيَّةُ وَالْقَوَاعِدُ]

فَوَائِدُ الْآيَةِ {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ}:

١- إِثْبَاتُ عُقُوبَةِ جَهَنَّمَ لِمَنِ ادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ.

٢- أَنَّ كُلَّ مَنِ ادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ فَهُوَ "ظَالِمٌ" (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).

٣- بَيَانُ أَنَّ الرُّسُلَ وَالْمَلَائِكَةَ بَرَاءٌ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ.

٤- التَّحْذِيرُ مِنْ رَفْعِ الْمَخْلُوقِ فَوْقَ قَدْرِهِ.

٥- وُجُوبُ الْكُفْرِ بِكُلِّ مَنْ رَضِيَ بِأَنْ يَكُونَ إِلَهاً.

الْقَوَاعِدُ الْمُسْتَنْبَطَةُ:

١- قَاعِدَةُ: (الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ).

٢- قَاعِدَةُ: (الْعِبَادَةُ حَقٌّ خَالِصٌ لِلَّهِ، وَالْمُنَازَعَةُ فِيهَا طُغْيَانٌ).

٣- قَاعِدَةُ: (لَا إِيمَانَ بِاللهِ إِلَّا بِالْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ).

٤- قَاعِدَةُ: (الْأَسْمَاءُ تَتْبَعُ الْمُسَمَّيَاتِ؛ فَالرَّاضِي بِالْعِبَادَةِ إِلَهٌ بَاطِلٌ).

--------------------------------------&

[ الْحَاشِيَةُ  ]

(١) تَوْثِيقُ الْمُفْرَدَاتِ: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ "عَبَدَ" (ج٣، ص ٢٧٣). وَالْجُرْجَانِيُّ، التَّعْرِيفَاتُ (ص ١٤٧).

(٢) مَعْنَى الْإِلَهِ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج١، ص ٢٤.

(٣) تَوْثِيقُ نَقْلِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج٢٨، ص ٢٠٠؛ وَج٧، ص ٥٥٨.

(٤) تَوْثِيقُ نَقْلِ ابْنِ الْقَيِّمِ: إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج١، ص ٥٠.

(٥) تَوْثِيقُ نَقْلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: الْقَوْلُ الْمُفِيدُ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج١، ص ٣٠.

(٦) تَوْثِيقُ مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ: شَرْحُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، ص ٨٥.

(٧) تَوْثِيقُ صَالِحٍ سِنْدِي: شَرْحُ الْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ (دُرُوسٌ مَسْمُوعَةٌ وَمُفَرَّغَةٌ).

(٨) تَخْرِيجُ الْآيَةِ: سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ، الْآيَةُ (٢٩).

(٩) [نِكْتَةٌ بَحْثِيَّةٌ]: قَوْلُهُ (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ)؛ هَذَا شَرْطٌ لَا يَقَعُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَكِنَّهُ لِبَيَانِ اسْتِحَالَةِ الْمَقَامِ وَشِدَّةِ الْوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ لِلْنَّبِيِّ {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}.

(١٠) [فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ]: لِمَاذَا جَعَلَ الْمُؤَلِّفُ الرِّضَا قَيْداً؟ 

[قُلْتُ]: لِأَنَّ الظُّلْمَ قَدْ يَقَعُ عَلَى الصَّالِحِ بِعِبَادَتِهِ رَغْماً عَنْهُ، فَكَانَ الْعَدْلُ الْإِلَهِيُّ أَنْ يَحْصَرَ الطَّاغُوتِيَّةَ فِي "الرِّضَا".

(١١) تَوْثِيقُ التَّفْسِيرِ: ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، ج٥، ص ٣٣٨.

--------------------------------&

[الْمُقَدِّمَةِ العاشرة: تَحْرِيرُ مَقَامِ الِاسْتِمْسَاكِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ]

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ٢٥٦]. 

الرُّشْدُ: دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ

وَالْغَيُّ: دِينُ أَبِي جَهْلٍ 

وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: تَشْرِيحُ مُفْرَدَاتِ الْمَتْنِ وَالْآيَةِ]

١- الرُّشْدُ: 

(الِاشْتِقَاقُ): مِنَ "رَشَدَ" يَرْشُدُ، وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ.

 (الْحَدُّ الْجَامِعُ): الِإصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.

(الِاصْطِلَاحُ): هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَقَدْ خَصَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِـ "دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ" لِأَنَّهُ غَايَةُ الرُّشْدِ (١).

٢- الْغَيُّ: 

(الِاشْتِقَاقُ): مِنَ "غَوَى"، وَهُوَ الِانْهِمَاكُ فِي الْبَاطِلِ.

(الْحَدُّ الْجَامِعُ): الْجَهْلُ النَّاشِئُ عَنْ فَسَادِ الْقَصْدِ. (الِاصْطِلَاحُ): هُوَ كُلُّ مَا خَالَفَ هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَمَّاهُ الْمُؤَلِّفُ "دِينَ أَبِي جَهْلٍ" لِأَنَّهُ مَنْبَعُ الْجَهَالَةِ وَالْعِنَادِ.

٣- الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى: 

(الِاشْتِقَاقُ): "الْعُرْوَةُ" مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ، وَ"الْوُثْقَى" تَأْنِيثُ الْأَوْثَقِ أَيِ الْأَحْكَمِ. 

(الْحَدُّ الْجَامِعُ): الرِّبَاطُ الَّذِي لَا يَنْحَلُّ. 

(الِاصْطِلَاحُ الشَّرْعِيُّ): هِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا (٢).

٤- الِانْفِصَامُ: 

(الِاشْتِقَاقُ): مِنَ "الْفَصْمِ" وَهُوَ كَسْرٌ بِغَيْرِ بُيُونَةٍ (أَيْ دُونَ انْقِطَاعٍ كَامِلٍ). 

(الِاصْطِلَاحُ): نَفْيُ أَيِّ خَلَلٍ أَوْ ضَعْفٍ فِي مِيثَاقِ التَّوْحِيدِ، فَهِيَ عُرْوَةٌ أَبَدِيَّةٌ لَا تَنْقَطِعُ عَمَّنْ صَدَقَ فِيهَا.

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ: التَّفْسِيرُ الْمَأْثُورُ (ابْنُ كَثِيرٍ وَالسَّعْدِيُّ)]

تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ (٣): يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ خَلَعَ الْأَنْدَادَ وَالْأَوْثَانَ وَكُلَّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَوَحَّدَ اللهَ وَعَبَدَهُ وَحْدَهُ، فَقَدِ اسْتَقَامَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ "الْعُرْوَةَ الْوُثْقَى" هِيَ دِينُ اللهِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ (لَا انْفِصَامَ لَهَا) أَيْ لَا زَوَالَ لَهَا وَلَا انْقِطَاعَ لِصَاحِبِهَا عَنْ دَارِ الْكَرَامَةِ.

تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ (٤): 

يُفَصِّلُ بِأَنَّ الِاسْتِمْسَاكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِرُكْنَيْنِ:

 الْأَوَّلُ: الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ بِاعْتِقَادِ بُطْلَانِهِ وَتَرْكِهِ

وَالثَّانِي: الْإِيمَانُ بِاللَّهِ بِإِفْرَادِهِ بِكُلِّ أَنْوَاعِ التَّأْلِيهِ. 

وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَصَلَ إِلَى السَّعَادَةِ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا شَقَاءٌ، وَأَنَّ ذِكْرَ (السَّمِيعِ الْعَلِيمِ) فِي الْخِتَامِ هُوَ لِلْعِلْمِ بِأَقْوَالِ الْعِبَادِ وَنِيَّاتِهِمْ فِي هَذَا الِاسْتِمْسَاكِ.

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]

[قُلْتُ]:

١- إِنَّ تَقْدِيمَ "الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ" عَلَى "الْإِيمَانِ بِاللَّهِ" فِي الْآيَةِ هُوَ تَقْدِيمُ "التَّخْلِيَةِ" عَلَى "التَّحْلِيَةِ"، فَلَا يَصِحُّ إِيمَانٌ فِي قَلْبٍ لَمْ يَتَطَهَّرْ مِنْ رِجْسِ الْأَنْدَادِ.

٢- التَّوْحِيدُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ هُوَ "مُرَكَّبٌ" مِنْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ؛ فَنَفْيُ (لَا إِلَهَ) هُوَ الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ، وَإِثْبَاتُ (إِلَّا اللهُ) هُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ.

٣- قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ (دِينُ أَبِي جَهْلٍ) لَيْسَ لِمُجَرَّدِ الذَّمِّ، بَلْ لِتَبْيِينِ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَنْكَرَ صَرْفَ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ فَهُوَ وَارِثٌ لِأَبِي جَهْلٍ فِي غَيِّهِ.

٤- الِاسْتِمْسَاكُ بِالْعُرْوَةِ يَسْتَلْزِمُ "الْقُوَّةَ" وَ"الْعِلْمَ"، فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الِانْتِسَابِ دُونَ يَقِينٍ جَازِمٍ بِبُطْلَانِ الطَّاغُوتِ.

٥- الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَهُوَ مِفْتَاحُ الدُّخُولِ فِي دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ.

٦- التَّوْحِيدُ الَّذِي لَا يُعَادِي الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ هُوَ تَوْحِيدٌ مَنْقُوصٌ لَا يُحَقِّقُ صِفَةَ الِاسْتِمْسَاكِ.

٧- سُمِّيَتْ "وُثْقَى" لِأَنَّهَا مَوْصُولَةٌ بِجَنَابِ الرَّبِّ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا فَقَدْ تَمَسَّكَ بِمَا لَا يَهْلِكُ.

٨- النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ هُمَا جَنَاحَا الطَّائِرِ؛ مَنْ أَخَلَّ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا سَقَطَ فِي هَاوِيَةِ الشِّرْكِ أَوْ التَّعْطِيلِ.

٩- الْإِيمَانُ بِاللَّهِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَوْحِيدِ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ، وَجَعْلِ الْإِرَادَةِ تَبَعاً لِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ.

١٠- الْخَاتِمَةُ (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) بَيَانٌ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ يَسْمَعُهُ اللهُ، وَاعْتِقَادٌ فِي الْجَنَانِ يَعْلَمُهُ اللهُ.

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: رَبْطُ الْمَتْنِ بِأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ (قُدَامَى وَمُعَاصِرِينَ)]

١- شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (٥): يُؤَصِّلُ فِي "الْمَجْمُوعِ" أَنَّ الطَّاغُوتَ هُوَ كُلُّ مَا يُعْبَدُ بِدُونِ اللهِ، وَأَنَّ كَمَالَ الِاسْتِمْسَاكِ يَكُونُ بِتَحْقِيقِ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَالْبُغْضِ لِأَعْدَائِهِ، وَهَذَا هُوَ الرُّشْدُ الْحَقِيقِيُّ.

٢- الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (٦): يُشَرِّحُ "الْعُرْوَةَ الْوُثْقَى" بِأَنَّهَا الِانْقِيَادُ الْكَامِلُ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ هُوَ تَبْرِئَةُ السَّاحَةِ عَنْ كُلِّ مَنْ نَازَعَ اللهَ حُكْمَهُ.

٣- الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ (٧): يَرَى أَنَّ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" لَا تَنْفَعُ قَائِلَهَا إِلَّا إِذَا كَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَهَذَا مَعْنَى الِاسْتِمْسَاكِ الَّذِي يُنْجِي مِنَ النَّارِ.

٤- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (٨): يُحَرِّرُ فِي شَرْحِهِ أَنَّ (مَنْ) فِي الْآيَةِ لِلْعُمُومِ

 وَأَنَّ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ يَقْتَضِي ثَلَاثَةَ أُمُورٍ:

١- الِاعْتِقَادُ بِبُطْلَانِهِ

٢- وَبُغْضُهُ

٣-  وَتَرْكُهُ.

٥- مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (٩): يَرْبِطُ هَذَا الْمَقَامَ بِتَحْقِيقِ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ"، مُعْتَبِراً أَنَّ الرُّشْدَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ هَدْمُ كُلِّ صَنَمٍ مَعْنَوِيٍّ أَوْ حِسِّيٍّ.

٦- صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (١٠): يُنَبِّهُ إِلَى أَنَّ الْبَعْضَ قَدْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَلَكِنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ، فَلَا يَكُونُ مُسْتَمْسِكاً بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْأَصْلِ.

٧- الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ (١١): يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ فَيْصَلُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ وَالْمُشْرِكِ، وَأَنَّ دِينَ أَبِي جَهْلٍ بَاقٍ فِي صُوَرٍ جَدِيدَةٍ يَجِبُ الْحَذَرُ مِنْهَا.

-------------------&

[ الْحَاشِيَةُ  ]

(١) تَوْثِيقُ الرُّشْدِ: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ "رَشَدَ" (ج٣، ص ١٧٥). وَيُنْظَرُ: مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ لِلرَّاغِبِ الْأَصْفَهَانِيِّ (ص ٣٥٤).

(٢) تَحْقِيقُ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى: أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ (ج٥، ص ٤١٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ.

(٣) نَقْلُ ابْنِ كَثِيرٍ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج١، ص ٦٨٤-٦٨٥.

(٤) نَقْلُ السَّعْدِيِّ: تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص ١١١.

(٥) نَقْلُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج١٠، ص ٢٦٢؛ وَج٧، ص ٥٥٠ (ط مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ).

(٦) نَقْلُ ابْنِ الْقَيِّمِ: إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، ج١، ص ٤٨؛ وَطَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ، ص ٢٧٧.

(٧) نَقْلُ ابْنِ رَجَبٍ: كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، دَارُ الْبَشَائِرِ، ص ٣٥.

(٨) نَقْلُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، دَارُ الثُّرَيَّا، ص ١٤٨.

(٩) نَقْلُ التَّمِيمِيِّ: شَرْحُ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ، ص ٤٠.

(١٠) نَقْلُ صَالِحٍ سِنْدِي: تَعْلِيقَاتٌ عَلَى الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (دُرُوسٌ مُفَرَّغَةٌ)، مَوْقِعُهُ الرَّسْمِيُّ.

(١١) نَقْلُ الْفَوْزَانِ: إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج١، ص ٣١٥.

(١٢) [نِكْتَةٌ تَفْسِيرِيَّةٌ]: لِمَاذَا نَفَى الِانْفِصَامَ عَنِ الْعُرْوَةِ؟ [قُلْتُ]: لِأَنَّ الْعُرَى الدُّنْيَوِيَّةَ مَهْمَا كَانَتْ وَثِيقَةً تَنْفَصِمُ بِالْمَوْتِ أَوْ الْفِرَاقِ، أَمَّا عُرْوَةُ التَّوْحِيدِ فَهِيَ مَوْصُولَةٌ بِالسَّمَاءِ وَمُتَّصِلَةٌ بِالْآخِرَةِ، فَلَا انْفِصَامَ لَهَا أَبَداً.

(١٣) [فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ]: (فَمَنْ يَكْفُرْ) جَاءَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ وَتَجَدُّدِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ طَاغُوتٍ يَظْهَرُ، فَكُلَّمَا نَجَمَ قَرْنٌ لِلْشِّرْكِ كَفَرَ بِهِ الْمُوَحِّدُ.

---------------------------&

المقدمة الحادية عشرة: تحرير وتحقيق مناط مسائل الحكم والتشريع

تمهيد في ضبط المصطلحات (تحرير المعنى قبل المبنى)

لا يستقيم للطالب فقهُ هذه المقدمة ما لم يقف على حقيقة "المناط" الذي ندندن حوله؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وتنزيل الحكم على الواقعة (تحقيق المناط) هو زلة القدم في هذا الزمان.

1. المَنَاط لغةً:

المناط اسم مكان من الفعل (نَاطَ)، يَنُوطُ، نَوْطاً، فهو مَنُوط. والنَّوْطُ هو التعليق؛ يقال: نُطتُ هذا الشيء بهذا المسمار، أي علقته به. فالمناط هو "محل التعليق" [1].

2. المَنَاط اصطلاحاً:

هو العلة التي عُلّق بها الحكم الشرعي وجوداً وعدماً. فكل حكم شرعي له "مَناق" (أي علة أو سبب) إذا وُجد ذلك المناط وُجد الحكم، وإذا انتفى انتفى الحكم [2].

3. تحرير وتخريج وتحقيق المناط (الحد الجامع):

تخريج المناط: هو استنباط العلة من النص.

تنقيح المناط: هو تصفية العلة مما ليس له أثر في الحكم.

تحقيق المناط: هو "بذل الجهد في معرفة وجود العلة في أفراد الصور والوقائع" [3]. وهذا هو مكمن الخطر؛ فكثير من الناس يعرف الحكم (أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر) لكنه يخطئ في "تحقيق المناط" (هل هذه الصورة المعاصرة هي فعلاً مضاهاة للشرع أم معصية جزئية؟).

أولاً: تحرير محل النزاع في مسألة الحاكمية والتشريع

إنَّ تحرير محل النزاع في هذه المسألة يقتضي منا تفكيك صور "الحكم" وتنزيلها على مناطاتها الصحيحة، لنتجنب الغلو والجفاء:

مناط التشريع العام (المضاهاة):

وهو أن يضع الإنسان نظاماً يسير عليه الناس بصفة دائمة ومستقرة، يضاهي به شرع الله، سواء في التحليل أو التحريم. وهذا المناط هو الذي يجعله "طاغوتاً"؛ لأنه نازع الله في أخص خصائص ربوبيته، وهي "الحاكمية والتشريع". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء» [4].

مناط الحكم في الواقعة المعينة (الجور):

وهو أن يكون أصل الشريعة هو المرجع والمحكم، لكن القاضي أو الحاكم يحيد في واقعة واحدة لشهوة أو رشوة، مع إقراره بوجوب حكم الله. فهذا مناطه "المعصية والظلم"، ولا يخرج صاحبه من الملة بمجرد الفعل ما لم يستحل. قال العلامة ابن القيم: «وهذا هو التفصيل الحقيق في المسألة؛ فإنَّ الحاكم بغير ما أنزل الله إن كان يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً.. فهو كفر أصغر» [5].

مناط الاستبدال الكلي:

وهو مكمن الخطر الأعظم في العصر الحديث، حيث يتم تنحية الشريعة بالكلية واستبدالها بالقوانين الوضعية. وهذا ليس مجرد "جور" في قضية، بل هو "هدم للأصل". قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: «وهذا هو الكفر الأكبر المستبين، الذي لا يشك فيه من له أدنى نصيب من إيمان، وهو جعل القوانين الوضعية بديلة عن الشريعة الربانية» [6].

مناط التحاكم إلى غير شرع الله:

وهو فعل "المحكوم" الذي يترك شرع الله طواعية ليتحاكم إلى الطاغوت. وهذا المناط يتعلق بمسمى الإيمان في قلب العبد، إذ لا يجتمع إيمان وتحاكم إلى الطاغوت في آن واحد بنص القرآن: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ} [7].

---------------------&

الحاشية :

[1] يُنظر: "لسان العرب"، لابن منظور، مادة (نوط)، ج7، ص414، دار صادر، بيروت.

[2] يُنظر: "البحر المحيط في أصول الفقه"، للزركشي، ج5، ص254، دار الكتبي، الطبعة الأولى.

[3] يُنظر: "الموافقات"، للإمام الشاطبي، ج4، ص92، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان.

[4] "مجموع الفتاوى"، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج3، ص267، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة.

[5] "مدارج السالكين"، لابن القيم الجوزية، ج1، ص336، دار الكتاب العربي، بيروت.

[6] "رسالة تحكيم القوانين"، للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ص5، مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، الطبعة الأولى.

[7] سورة النساء، الآية (60).

----------------------------------------&

المقدمة الثانية عشرة: تحرير وتحقيق مناط "كفر دون كفر"

المبحث الثالث: تحقيق المناط في الكفر الأصغر (الوجهة السلفية)

إنَّ ضبط هذا المبحث هو صمام الأمان من الانزلاق في فكر الخوارج، وهو مبني على الأثر المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما. فما كان من الحاكم بغير ما أنزل الله واقعاً في دائرة المعصية مع بقاء أصل الإيمان، فإنه يُنزل على مناط "كفر دون كفر".

أولاً: نص الأثر المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما

عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: سُئل ابن عباس عن قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [1]، قال: «هي به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله» [2]. وفي لفظ آخر صح عنه: «كفر دون كفر» [3].

ثانياً: تحقيق مناط "أصل الالتزام" (القلبي والظاهري)

المناط الأول والأهم في التفريق بين الكفر المخرج وغير المخرج هو "أصل الالتزام". والسلف يقررون أن الحاكم المسلم الذي دخل الدين بيقين، يبقى إسلامه بيقين ما لم يأتِ بناقض صريح. وأصل الالتزام هنا مركب من شقين: باطني وهو تصديق القلب بوجوب حكم الله وانقياده له، وظاهري وهو الانتساب للملة وإقامة شعائرها كالصلاة. فما دام الحاكم لم يجهر بترك الالتزام أو يخلع ربقة الإسلام من عنقه، فإننا لا نشقق عن قلبه، ونحمله على أصل الإيمان. والشرع لم يجعل "مجرد الفعل المخالف" ناقضاً لأصل الالتزام القلبي، بل جعل الناقض هو "الجحود" أو "الرغبة عن الشرع" أو "الاستبدال الكلي" الذي ينبئ عن زوال الالتزام الباطني. وهذا المناط يحفظ للأمة استقرارها ويمنع تكفير الحكام بالظنون أو لمجرد المعاصي والكبائر التي تقع في الحكم والقضاء.

ثالثاً: مناط "عدم الاستحلال" (الفارق بين الفعل والاعتقاد)

الاستحلال هو مناط قلبي في المقام الأول، وهو أن يرى الحاكم أن الحكم بغير ما أنزل الله "حلال" أو "جائز" أو "مساوٍ" لحكم الله. وتحقيق المناط هنا يوجب علينا التفريق بين "الاستحلال الفعلي" و"الاستحلال العقدي". فالفقيه السلفي لا يحكم على الحاكم بالكفر الأكبر لمجرد أنه حكم بغير الشرع في قضايا معينة، بل يتربص بالدليل على "اعتقاد الحلية". فإذا كان الحاكم يقر بلسانه أو بلسان حاله (كأن يستغفر أو يعتذر أو يقر بفضل الشريعة) بأن ما فعله مخالف للشرع، فإنه يبقى في دائرة "كفر دون كفر". إن الاستحلال الذي ينقل الصاحب من الملة هو "الاستبشار بالباطل" وتقديمه على الوحي معتقداً كماله ونقصان الوحي. وهذا التدقيق يمنع من الخلط بين "عاصٍ مستسلم للشرع في الجملة" وبين "طاغوت متمرد على الشرع بالكلية".

رابعاً: صور تطبيقية وحكمها (التحقيق العملي)

تتعدد الصور التي يختبرها طالب العلم في واقعنا، ومنها: قاضٍ يحكم في قضية أرض أو مال لغير مستحقها إرضاءً لذي سلطان أو طمعاً في مال، مع إيمانه بأن هذا ظلم. ومناط هذه الصورة هو "المعصية والجور"، وحكمها "كفر دون كفر". ومنها أيضاً: تعطيل الحاكم لبعض الحدود الشرعية في حوادث معينة لضغوط سياسية أو شبهات قانونية، مع بقاء اعترافه بأن الحدود حق لله. فهذا مناطه "التقصير والعجز أو الهوى"، وحكمه الفسق والكفر الأصغر. وكذلك القوانين التي تنظم شؤون الناس الحياتية مما لم يرد فيه نص (كقوانين السير والبناء)، فهذه من باب "المصالح المرسلة" وطاعتها واجبة، ومخالفتها معصية لولي الأمر لا كفر فيها، لأنها لا تضاهي أصل التشريع الإلهي بل تخدم مقاصد الخلق.

خامساً: أقوال أئمة التحقيق في المسألة

شيخ الإسلام ابن تيمية: قرر أن "كفر دون كفر" هو قول عامة السلف، وأن الإنسان قد يكون فيه إيمان وكفر، فإذا حكم بغير ما أنزل الله لهوى فهو كافر كفراً لا ينقل عن الملة، فما لم يجحد وجوب الحكم بما أنزل الله فهو عاصٍ [4].

الإمام ابن القيم: أكد أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، فإذا أقر بوجوب حكم الله وعدل عنه عصياناً فهو كفر أصغر، أما إذا اعتقد أنه غير واجب أو أنه مخير فيه فهذا كفر أكبر [5].

العلامة ابن عثيمين: يرى أن الحاكم الذي يضع قوانين مخالفة للشرع وهو يعلم أنها مخالفة، لكن حمله على ذلك ضغط أو خوف أو هوى مع إيمانه بالحق، فهو كافر كفراً أصغر ولا يخرج من الملة [6].

الشيخ محمد بن خليفة: يؤكد على ضرورة تحقيق المناط في "المضاهاة التشريعية" وفرقها عن "المخالفة الجزئية"، محذراً من تكفير الحكام بغير بينة شرعية قطعية [7].

الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي: يشدد على أن أصل الالتزام يبقى ثابتاً للحاكم المسلم ما لم يأتِ بصريح الكفر، وأن القول بـ "كفر دون كفر" هو المنهج الوسط الذي يحفظ بيضة الإسلام [8].

----------------------------&

الحاشية :

[1] سورة المائدة، الآية (44).

[2] تخريج أثر ابن عباس ودراسة علله:

طريق ابن طاووس: أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (1/ 191)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (2/ 522)، والحاكم (2/ 313). وسنده: (سفيان الثوري عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس). وهذا أصح سنده، ورجاله كلهم ثقات أثبات، وهو ثابت لا علة فيه.

طريق هشام بن حسان: أخرجه الفريابي في "تفسيره" وابن جرير الطبري.

العلل: تكلم بعضهم في طريق هشام بن حسان عن عكرمة؛ لأن هشاماً روي عنه أوهام في عكرمة، كما أن عكرمة اتُهم برأي الخوارج، ولكن هذه العلة مندفعة بمتابعة سفيان الثوري لمعمر، وثبوت الرواية من طريق ابن طاووس الذي هو أوثق الناس في أبيه.

أقوال المصححين: صحح الأثر الإمام أحمد شاكر في تعليقه على الطبري، والعلامة الألباني في "الصحيحة" (2552)، والشيخ مقبل الوادعي في "الجامع الصحيح"، والشيخ المعلمي اليماني، والشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه على "سير أعلام النبلاء" (5/ 464).

[3] لفظ "كفر دون كفر" أخرجه المروزي (573) بسند صحيح عن طاووس.

[4] "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية، ج 7، ص 312، مجمع الملك فهد، المدينة المنورة.

[5] "مدارج السالكين"، ابن القيم، ج 1، ص 337، دار الكتاب العربي، بيروت.

[6] "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين"، ج 2، ص 143، دار الثريا، الرياض.

[7] يُنظر: "عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الحكم"، محمد بن خليفة، ص 88.

[8] يُنظر: "التحريرات العلمية في مسائل الحاكمية"، صالح بن عبد العزيز السندي، ص 45.

-------------------------------------&

المقدمة الثالثة عشرة: تحرير مناط مسألتي الاستحلال القلبي والعملي

​تمهيد: في حقيقة الاستحلال ومكمن الخطر فيه

​إنَّ مكمن الخطر في هذا المبحث يكمن في "الخلط" بين مجرد فعل الحرام، وبين جعل الحرام حلالاً. فالاستحلال في حقيقته هو "رفع الحظر عن الفعل"، وهو عمل يتنوع بين ما هو قابع في شغاف القلب، وبين ما هو ظاهر في واقع العمل والتشريع. وتحقيق المناط هنا يوجب علينا تفكيك هذه المسألة إلى أنواع وصور دقيقة.

​المبحث الأول: الاستحلال القلبي (مناط الاعتقاد)

​الاستحلال القلبي هو أن يعتقد العبد بقلبه أن الحرام الذي حرمه الله "حلال"، أو أن حكم الله "غير ملزم"، أو أن غيره "أحسن منه".

​1. مناط التحقيق:

هذا الاستحلال هو "كفر جحود وتكذيب" في المقام الأول، وهو مخرج من الملة بإجماع الأمة، حتى لو لم يعمل الإنسان بهذا الحرام. فمن اعتقد أن الزنا حلال فهو كافر، وإن لم يزني قط. قال شيخ الاسلام ابن تيمية: «إنَّ الاستحلال هو اعتقاد أن الله لم يحرمه، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمه.. وهذا كفر جحد» [1].

​2. صوره والحكم عليها:

  • ​صورة "التفضيل": أن يعتقد بقلبه أن القوانين الوضعية أفضل من أحكام الشريعة. حكمها: كفر مخرج من الملة.
  • ​صورة "المساواة": أن يعتقد أن حكم البشر مساوٍ لحكم الله في العدل والمصلحة. حكمها: كفر مخرج من الملة.
  • ​صورة "التخيير": أن يعتقد أن الله شرع الأحكام لكننا مخيرون في اتباعها أو اتباع غيرها. حكمها: كفر مخرج من الملة.

​المبحث الثاني: الاستحلال العملي (مناط التشريع والمضاهاة)

​وهنا نضع النور على مكمن الخطر المعاصر؛ فهل يكون العمل "استحلالاً" بذاته دون التصريح بالقلب؟ هذا ما يسميه العلماء "الاستحلال العملي".

​1. مناط التحقيق:

الاستحلال العملي هو أن يضع الإنسان "نظاماً" يبيح فيه ما حرم الله بصفة عامة وملزمة، فهذا الفعل في ظاهره "مضاهاة" لشرع الله. وقد اختلف العلماء في تسميته؛ فمنهم من جعله كفراً بذاته (كفر عملي مخرج) ومنهم من جعله دليلاً قطعياً على استحلال القلب.

​2. أنواعه وصوره:

  • ​النوع الأول: الاستحلال التشريعي (التشريع العام): وهو أن يسن الحاكم قانوناً يبيح الربا أو الخمر ويحمي هذا القانون بسلطان الدولة. فهذا ليس مجرد "فعل حرام"، بل هو "إحلال للحرام" مكان الشرع. قال العلامة ابن القيم: «الحاكم بغير ما أنزل الله إن كان يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعرفه في هذه الواقعة وعدل عنه عصياناً فهو كافر كفراً أصغر، أما إن شرع شرعاً عاماً مخالفاً لشرع الله فهذا استحلال عملي مخرج» [2].
  • ​النوع الثاني: الاستحلال الفعلي المتكرر: وهو الإصرار على فعل الحرام مع نوع من "المنازعة" للشريعة، لكن دون وضعه في قالب قانوني. حكمه: عند جمهور السلف هو "معصية وفسق" ما لم يصرح بعقيدته، إلا إذا كان مما يعلم من الدين بالضرورة وظهرت منه أمارات الاستخفاف.

​المبحث الثالث: الفرق بين "فعل الحرام" و"استحلال الحرام"

​هذا هو الضابط الذي يجب أن يعلمه الطالب؛ فالفاعل للحرام (كزانٍ أو سارق) معترف بالحرمة هو "عاصٍ"، أما المستحل (الذي يقول الزنا حلال) فهو "كافر".

  • ​تحقيق المناط: في حال الحكام؛ الحاكم الذي يترك شرع الله لهوى أو رشوة مع إقراره بوجوب الشرع، هذا "فعل حرام" (كفر أصغر). أما الحاكم الذي يضع تشريعاً بديلاً ويفرضه على الناس، فقد وقع في "الاستحلال العملي" الذي هو مكمن الخطر ومحل النزاع بين المحققين.

​المبحث الرابع: أقوال العلماء في ضبط مناط الاستحلال

  1. ​شيخ الإسلام ابن تيمية: يرى أن الاستحلال قد يكون بالقلب وقد يكون بالعمل الذي لا يصدر إلا عن مستحل، ويفرق بين "التبديل" وبين "الجور" [3].
  2. ​العلامة ابن عثيمين: يفرق دقةً بين "القضية المعينة" وبين "التشريع العام"؛ فالتشريع العام عنده هو استبدال للشرع، وهو كفر لأن واضعه يرى أنه أصلح للناس من شرع الله [4].
  3. ​الشيخ محمد بن خليفة: يؤكد أن الاستحلال العملي (التشريع العام) هو قرينة قاطعة على زوال انقياد القلب، وبالتالي هو كفر مخرج [5].
  4. ​الشيخ صالح السندي: يشدد على أن الاستحلال هو "رفع التحريم"، وأن من جعل الحرام قانوناً مباحاً فقد وقع في حقيقة الاستحلال [6].
---------------------------&

الحاشية :

​[1] "صارم المسلول على شاتم الرسول"، ابن تيمية، ج 3، ص 971، تحقيق: محمد الحلواني، دار ابن حزم.

[2] يُنظر: "مدارج السالكين"، ابن القيم، ج 1، ص 337. ويُلاحظ أن ابن القيم جعل التشريع العام في مرتبة الاستبدال الذي هو كفر.

[3] "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية، ج 3، ص 267.

[4] "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين"، ج 2، ص 143. ونحوه في "شرح الأصول الثلاثة" له.

[5] "عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الحكم"، محمد بن خليفة، ص 112.

[6] "التحريرات العلمية في مسائل الحاكمية"، صالح بن عبد العزيز السندي، ص 58.

[7] يُنظر أيضاً: "فتح الباري"، ابن حجر، ج 12، ص 298، في شرح حديث "من بدل دينه فاقتلوه"، وتفصيله في معنى التبديل بالاستحلال.

---------------------------&

المقدمة الرابعة عشرة: تحرير وتحقيق مناط "التبديل"

المبحث الأول: التحرير اللغوي والاصطلاحي للفظة (التبديل)

1. الاشتقاق والمعنى اللغوي:

التبديل من الفعل (بدَّل)، يُقال: بدَّل الشيءَ أي غيَّره، وبدَّل الشيءَ بالشيءِ أي جعل هذا مكان ذاك. والأصل في مادة (ب د ل) هو "إقامة شيء مقام شيء آخر". ويختلف عن "الإبدال" في أن التبديل غالباً ما يكون في الصفات أو في الذوات مع تغير الجوهر [1].

2. الحد الجامع المانع (المعنى الاصطلاحي والشرعي):

هو رفع الحكم الشرعي الثابت بالوحي، وإحلال حكم طاغوتي وضعي مكانه، مع نسبته للدين (تزويراً) أو إلزام الناس به كقانون عام بديل عن شرع الله.

الحد المانع: يخرج منه "النسخ" لأنه تبديل من الله بعلم الله، ويخرج منه "الخطأ في الاجتهاد" لأنه لم يقصد إقامة غير الشرع مقام الشرع.

المبحث الثاني: مفهوم التبديل وأنواعه

التبديل عند المحققين من أهل السنة ليس نوعاً واحداً، بل هو على مراتب:

1. التبديل الاعتقادي (نسبة الكذب إلى الله):

وهو أن يغير الحكم ويقول: "هذا من عند الله" أو "هذا هو حكم الشرع" وهو يعلم أنه ليس منه. وهذا هو المذكور في قوله تعالى: {فبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [2].

2. التبديل العملي (الاستبدال الكلي):

وهو تنحية الشريعة الإسلامية عن الريادة والحكم، وإحلال القوانين الوضعية مكانها لتكون هي المرجع الأعلى عند التنازع. وهذا النوع هو الذي وضع عليه النور أئمة الدعوة النجدية وعلماء العصر [3].

المبحث الثالث: صور التبديل من الواقع المعاصر

لتحقيق المناط، لا بد من عرض صور حية يظهر فيها مكمن الخطر:

الصورة الأولى: إلغاء حد السرقة أو الزنا بالكلية، ووضع مواد قانونية تنص على السجن أو الغرامة كبديل نهائي ملزم.

الصورة الثانية: تغيير قوانين المواريث القطعية لتتوافق مع الاتفاقيات الدولية، مع إلزام المحاكم بالعمل بها ومنع الحكم بالقرآن في هذا الباب.

الصورة الثالثة: وضع "دساتير" تنص على أن حق التشريع المطلق للشعب أو للبرلمان، مما يعني إمكانية تبديل أي حكم شرعي بالتصويت.

المبحث الرابع: حكم التبديل والتأصيل العقدي للباحث

التبديل هو "كفر مخرج من الملة" في أصله؛ لأنه يتضمن معنى "المضاهاة" لخلق الله وأمره.

التأصيل العقدي:

الباحث المحقق يرى أن التبديل يجمع بين عدة نواقض:

مناقضة التوحيد في الربوبية: لأن المبدل جعل نفسه مشرعاً، والتشريع حق ربوبي خالص.

كفر الجحود أو الإعراض: لأن تنحية الشرع كلياً إعراض عما جاء به الرسول ﷺ.

الخروج عن مسمى الإسلام: إذ الإسلام هو "الاستسلام"، والمبدل لم يستسلم بل استبدل [4].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والشرع المبدل: وهو الأكاذيب التي نصبتها الأنبياء، أو التي تأولها الضلال.. فهذا التبديل من كفر بآية من القرآن فقد كفر بجميع القرآن، ومن بدل حكماً واحداً مجمعاً عليه فقد كفر» [5].

-------------------&

الحاشية :

[1] يُنظر: "مقاييس اللغة"، لابن فارس، مادة (بدل)، ج1، ص210، دار الفكر.

[2] سورة البقرة، الآية (59).

[3] يُنظر: "رسالة تحكيم القوانين"، للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ص 5، حيث جعل التبديل والاستبدال من أعظم صور الكفر الأكبر.

[4] يُنظر: "أضواء البيان"، للعلامة الشنقيطي، ج4، ص83، في تفسير قوله تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحداً}.

[5] "مجموع الفتاوى"، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج3، ص267، مجمع الملك فهد، المدينة المنورة.

[6] يُنظر: "تيسير العزيز الحميد"، للشيخ سليمان بن عبد الله، ص 554، في شرح معنى الطاغوت المبدل لأحكام الله.

[7] "القول المفيد على كتاب التوحيد"، للعلامة ابن عثيمين، ج2، ص271، دار ابن الجوزي، حيث فصل في الفرق بين التبديل الكلي وبين الجور في واقعة.

--------------------------------&

المقدمة الخامسة عشرة: تحرير مناط التشريع العام (القوانين الوضعية) بين الكفر الأكبر والأصغر

المبحث الأول: التحرير المفاهيمي للتشريع العام

1. المعنى اللغوي والاشتقاق:

التشريع من (شَرَعَ)، والشريعة هي مورد الشاربة، ويقال: شَرَعَ فلانٌ أي سنَّ طريقاً نهجاً. 

والتشريع العام يعني وضع "قاعدة قانونية" تتصف بالعموم والتجريد والإلزام [1].

2. الحد الجامع المانع للتشريع العام:

هو تنحية حكم شرعي ثابت، وإحلال قانون وضعي مكانه بصفة مستمرة وشاملة لجميع أفراد المجتمع، بحيث يُصيّر هذا القانون مرجعاً عند التنازع بدلاً من الكتاب والسنة.

المبحث الثاني: مناط الكفر الأكبر في التشريع العام

وضع النور على مكمن الخطر هنا يقتضي بيان أن التشريع العام يخرج إلى الكفر الأكبر في حالات محددة، وهي:

1. مناط المضاهاة (إقامة ندٍّ لله):

عندما يضع البشر نظاماً عاماً (كالربا أو إباحة الفواحش بقانون)، فإنهم قد أقاموا "ديناً" يضاهي دين الله. قال العلامة الشنقيطي: «إنَّ الذين يتبعون القوانين الوضعية.. لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته» [2].

2. مناط الاستبدال الكلي:

وهو أن ترفع الشريعة من مقام "المرجعية العليا" وتُستبدل بقوانين فرنسية أو إنجليزية أو غيرها. قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «وهذا هو الكفر الأكبر المستبين.. وهو جعل القوانين الوضعية بديلة عن الشريعة الربانية» [3].

3. مناط التزام الحكم بالتشريع:

عندما يصبح القانون هو "الحكم المتبع" الذي يُوالى ويُعادى عليه، وتُقام عليه المحاكم، فهنا تحقق مناط "اتخاذ الأرباب من دون الله".

المبحث الثالث: مناط الكفر الأصغر في القوانين الوضعية

تحقيقاً للمناط على الطريقة السلفية، هناك صور تُعد قوانين لكنها لا تخرج من الملة، وهي:

1. مناط "المصالح المرسلة" (القوانين الإجرائية):

مثل قوانين المرور، تنظيم الصحة، سجلات الموظفين. فهذه وإن كانت قوانين وضعها البشر، إلا أنها لا تصادم نصاً شرعياً، بل تخدم مقاصد الشريعة في حفظ الأنفس والأموال. طاعتها واجبة، ومخالفتها معصية وفسق، لا كفر [4].

2. مناط "المخالفة الجزئية" مع بقاء المرجعية:

أن يكون أصل الدولة وشريعتها هو الإسلام، ولكن يُسن قانون مخالف في جزئية معينة لضرورة متوهمة أو ضغط، مع اعتراف المشرعين بأن هذا مخالف للشرع وأنهم عصاة. فهذا عند بعض المحققين يندرج في "كفر دون كفر" ما لم يستحلوا ذلك بقلوبهم.

المبحث الرابع: تحقيق الفرق الجوهري (لماذا التشريع العام كفر أكبر؟)

يكمن الفرق في أن "المعصية الجزئية" هي زلة قدم من عبد مقر بالعبودية، أما "التشريع العام" فهو:

تغيير للولاية: من ولاية الله إلى ولاية البشر.

إلغاء لخصيصة الربوبية: وهي الحكم.

إلزام بالكفر: إذ يُجبر الناس على التحاكم لغير الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه.. أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء» [5].

الحاشية (التوثيق والمصادر):

[1] يُنظر: "المعجم الوجيز"، مجمع اللغة العربية، مادة (شرع).

[2] "أضواء البيان"، للعلامة محمد الأمين الشنقيطي، ج4، ص83، دار الفكر، بيروت.

[3] "رسالة تحكيم القوانين"، للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ص 5، مطبعة الحكومة، مكة.

[4] يُنظر: "الاعتصام"، للإمام الشاطبي، ج2، ص612، في تفصيل المصالح المرسلة والفرق بين البدعة التشريعية والمصلحة التنظيمية.

[5] "مجموع الفتاوى"، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج3، ص267.

[6] يُنظر: "القول المفيد"، للعلامة ابن عثيمين، ج2، ص273، حيث فرق بين من يشرع تشريعاً عاماً يضاهي به شرع الله وبين من يحكم في قضية معينة بغير الحق.

[7] يُنظر: "التحريرات العلمية"، للشيخ صالح السندي، ص 62، في بيان أن التشريع العام هو مناط الاستبدال الذي كفّر به السلف.

--------------------------

المقدمة السادسة عشرة: تحرير مناطات التكفير في مسائل الحكم

​تمهيد: في الفرق بين "كفر النوع" و"كفر العين"

​إنَّ تحرير مناطات التكفير يقتضي من الباحث السلفي التفريق الدقيق بين (الحكم المطلق) على الفعل بأنه كفر، وبين (إسقاط الحكم على المعين). مكمن الخطر هنا هو التسرع في التكفير دون استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، أو التميع في إطلاق وصف الكفر على ما سماه الله ورسوله كفراً [1].

​المبحث الأول: التحرير اللغوي والاصطلاحي لمناط التكفير

  • ​المناط لغة: كما سلف، هو محل التعليق.
  • ​التكفير شرعاً: هو الحكم بوجوب الخروج من الملة لمن أتى بناقض من نواقض الإيمان القولية أو الفعلية أو الاعتقادية.
  • ​تحرير المناط في هذا الباب: هو حصر الأوصاف والعلل التي إذا وجدت في مسألة من مسائل الحكم، استوجبت وصف الكفر الأكبر.

​المبحث الثاني: المناطات الموجبة للكفر الأكبر في باب الحكم

​لقد استقر استقراء أئمة التحقيق على أن التكفير في مسائل الحكم يدور حول أربعة مناطات رئيسة:

​1. مناط الجحود والتكذيب:

وهو أن يحكم بغير ما أنزل الله جاحداً لوجوب حكم الله، أو مكذباً لرسالة النبي ﷺ في شموليتها. وهذا كفر إجماعي، ومحله القلب ويظهر باللسان [2].

​2. مناط الاستبدال والمضاهاة (التشريع العام):

وهو من أوضح المناطات المعاصرة؛ فمن رفع الشريعة وأحل مكانها "قانوناً" يضاهي به شرع الله، فقد تحقق فيه وصف "الطاغوت". وتحقيق المناط هنا أن الفعل بذاته (التشريع العام) كفر مخرج لأنه منازعة في حق الربوبية. قال العلامة ابن عثيمين: «من وضع قوانين تضاهي شرع الله.. فقد جعل نفسه نداً لله ولرسوله» [3].

​3. مناط الاستباحة (الاستحلال):

وهو أن يرى أن الحكم بغير ما أنزل الله "جائز" أو "مباح". وهذا المناط يخرج الفاعل من الملة ولو حكم بالعدل في الظاهر، لأنه أحل ما حرم الله إجماعاً.

​4. مناط التفضيل أو المساواة:

أن يعتقد الحاكم أو المشرع أن حكم القوانين الوضعية "أكمل" لمصالح الناس من حكم الشريعة، أو أنها "مساوية" له. وهذا ناقض من نواقض الإسلام المجمع عليها [4].

​المبحث الثالث: مناط "التبعية المطلقة" لغير الوحي

​وضع النور على مكمن الخطر في "التبعية"؛ فمن جعل مرجعيته المطلقة وتحاكمه الدائم إلى (الدستور الوضعي) أو (الاتفاقيات الدولية) مقدماً إياها على الوحي عند التعارض، فقد تحقق فيه مناط "اتخاذ الأرباب". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله، واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله، كان مرتداً كافراً يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة» [5].

​المبحث الرابع: موانع تنزيل مناط التكفير على المعين

​تحقيقاً للمنهج السلفي، لا يُكفر الحاكم أو القاضي المعين بمجرد وجود هذه المناطات إلا بعد:

  1. ​ثبوت العلم: وانتفاء الجهل في المسائل التي قد تخفى.
  2. ​انتفاء التأويل السائغ: (وهو قليل في أصول التوحيد والحاكمية، لكنه يُنظر فيه في تفاصيل القوانين).
  3. ​الاختيار: انتفاء الإكراه الملجئ الذي قد يقع على بعض الحكام أو القضاة في ظروف استثنائية [6].
--------------------&

الحاشية:

​[1] يُنظر: "مجموع الفتاوى"، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج12، ص466، مجمع الملك فهد. حيث قرر أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين حتى تقوم عليه الحجة.

[2] "التمهيد"، لابن عبد البر، ج17، ص16.

[3] "القول المفيد على كتاب التوحيد"، للعلامة ابن عثيمين، ج2، ص271، دار ابن الجوزي.

[4] يُنظر: "نواقض الإسلام"، للإمام محمد بن عبد الوهاب، الناقض الرابع: "من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه".

[5] "مجموع الفتاوى"، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج35، ص372.

[6] يُنظر: "عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الحكم"، محمد بن خليفة، ص145، في مبحث الشروط والموانع.

[7] يُنظر: "التحريرات العلمية"، للشيخ صالح السندي، ص72، في ضبط الفرق بين كفر الفعل وكفر الفاعل.

[8] أخرج البخاري (4418) ومسلم (1733) قصة حاطب بن أبي بلتة، وهي أصل في اعتبار الموانع وصرف الحكم عن المعين رغم وجود صورة العمل الكفري.

------------------&

المُقَدِّمَةُ السَّابِعَةُ عَشَرَةَ: 

تَحْرِيرُ أَصْلِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ وَعَلَاقَتِهِ بِكُفْرِ الطَّاغُوتِ

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: التَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ وَالِاصْطِلَاحِيُّ لِلْوَلَاءِ وَالبَرَاءِ

1. الوَلَاءُ (لُغَةً وَاصْطِلَاحاً):

لُغَةً: مِنَ (الوَلْيِ)، وَهُوَ القُرْبُ وَالدُّنُوُّ، وَالوَليُّ هُوَ النَّاصِرُ وَالمُحِبُّ [1].

اصْطِلَاحاً: هُوَ مَحَبَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ وَعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ، وَنُصْرَتُهُمْ وَإِعْزَازُهُمْ.

2. البَرَاءُ (لُغَةً وَاصْطِلَاحاً):

لُغَةً: مِنَ (البَرْءِ)، وَهُوَ القَطْعُ وَالتَّخَلُّصُ؛ يُقَالُ: بَرِئَ مِنَ المَرَضِ أَيِ انْقَطَعَتْ صِلَتُهُ بِهِ [2].

اصْطِلَاحاً: هُوَ بُغْضُ البَاطِلِ وَأَهْلِهِ، وَقَطْعُ المُوَالَاةِ مَعَ الكُفَّارِ وَالطَّوَاغِيتِ، وَمُعَادَاتُهُمْ فِي اللهِ.

المَبْحَثُ الثَّانِي: تَحْقِيقُ مَنَاطِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ وَمَعْنَى الطَّاغُوتِ

إِنَّ عَقِيدَةَ "الولَاءِ وَالبَرَاءِ" هِيَ المِصْدَاقُ العَمَلِيُّ لِلكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ المُصَنِّفُ مَتْنَهُ، وَيَتَحَقَّقُ هَذَا المَنَاطُ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

1. مَنَاطُ "المَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ":

الطَّاغُوتُ هُوَ كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ. فَمَنْ أَحَبَّ تَشْرِيعَ الطَّاغُوتِ أَوْ عَظَّمَ القَوَانِينَ الوَضْعِيَّةَ فِي قَلْبِهِ، فَقَدِ انْخَرَمَ عِنْدَهُ أَصْلُ "البَرَاءِ مِنَ الطَّاغُوتِ"؛ إِذْ لَا يَجْتَمِعُ بُغْضُ الطَّاغُوتِ مَعَ تَعْظِيمِ نِظَامِهِ.

2. مَنَاطُ "النُّصْرَةِ وَالتَّمْكِينِ":

الولَاءُ يَعْنِي النُّصْرَةَ. فَمَنْ نَصَرَ نِظَاماً طَاغُوتِيّاً يُشَرِّعُ مِنْ دُونِ اللهِ، أَوْ أَعَانَ عَلَى تَثْبِيتِ حُكْمٍ مُّبَدِّلٍ لِلشَّرِيعَةِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي "المُوَالَاةِ الكُبْرَى" الَّتِي تُنَاقِضُ أَصْلَ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ [3].

3. مَنَاطُ "التَّحَاكُمِ وَالرِّضَا":

الولَاءُ لِلوَحْيِ يَقْتَضِي البَرَاءَ مِنَ التَّحَاكُمِ إِلَى الطَّاغُوتِ. قَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ} [4]. فَجَعَلَ اللهُ "الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ" (وَهُوَ حَقِيقَةُ البَرَاءِ) شَرْطاً لِصِحَّةِ الإِيمَانِ.

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: تَأْصِيلُ الوَجْهِ السَّلَفِيِّ فِي أَنْوَاعِ المُوَالَاةِ

لِكَي لَا يَزِلَّ الطَّالِبُ فِي مَهَاوِي الغُلُوِّ، وَجَبَ تَحْرِيرُ الفَرْقِ بَيْنَ "التَّوَلِّي" وَ"المُوَالَاةِ":

التَّوَلِّي الكُلِّيُّ (الكُفْرِيُّ): وَهُوَ نُصْرَةُ الطَّاغُوتِ عَلَى الشَّرِيعَةِ، أَوْ مَحَبَّةُ انْتِصَارِ القَوَانِينَ الوَضْعِيَّةِ عَلَى أَحْكَامِ اللهِ. وَهَذَا مُخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ إِجْمَاعاً [5].

المُوَالَاةُ الصُّغْرَى (المَعْصِيَةُ): وَهِيَ مُدَاهَنَةُ أَصْحَابِ القَوَانِينَ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ البُغْضِ لَهُمْ وَالإِيمَانِ بِالشَّرِيعَةِ. وَهَذَا مَنَاطُهُ "المَعْصِيَةُ وَالكَبِيرَةُ"، وَلَا يَكُونُ كُفْراً أَكْبَرَ إِلَّا بِاسْتِحْلَالٍ أَوْ تَبْدِيلٍ كُلِّيٍّ.

---------------&

الحَاشِيَةُ:

[1] يُنْظَرُ: "مَقَايِيسُ اللُّغَةِ"، لِابْنِ فَارِسٍ، مَادَّةُ (وَلِيَ)، ج6، ص141، دَارُ الفِكْرِ، بَيْرُوتَ.

[2] يُنْظَرُ: "لِسَانُ العَرَبِ"، لِابْنِ مَنْظُورٍ، مَادَّةُ (بَرَأَ)، ج1، ص31، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوتَ.

[3] يُنْظَرُ: "نَوَاقِضُ الإِسْلَامِ"، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، النَّاقِضُ الثَّامِنُ: "مُظَاهَرَةُ المُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى المُسْلِمِينَ".

[4] سُورَةُ النِّسَاءِ، الآيَةُ (60).

[5] يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج7، ص522، مَجْمَعُ المَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ، المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ.

[6] يُنْظَرُ: "طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ"، لِابْنِ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ، ص342، دَارُ عَالَمِ الفَوَائِدِ، مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ. حَيْثُ نَصَّ عَلَى أَنَّ رُوحَ التَّوْحِيدِ هُوَ البَرَاءُ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ أَوْ حَاكِمٍ سِوَى اللهِ.

[7] يُنْظَرُ: "التَّحْرِيرَاتُ العِلْمِيَّةُ فِي مَسَائِلِ الحَاكِمِيَّةِ"، لِلشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّنْدِيِّ، ص88، طَبْعَةُ دَارِ الِاسْتِقَامَةِ.

--------------------&

المُقَدِّمَةُ الثَّامِنَةُ عَشَرَةَ: تَحْرِيرُ مَنَاطِ التَّوَلِّي المُطْلَقِ

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: التَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ وَالِاصْطِلَاحِيُّ لِلتَّوَلِّي المُطْلَقِ

1. الِاشْتِقَاقُ وَالمَعْنَى اللُّغَوِيُّ:

التَّوَلِّي مَصْدَرُ الفِعْلِ (تَوَلَّى)، وَهُوَ مُطَاوِعُ (وَلَّى). وَيَأْتِي فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:

الأَوَّلُ: الإِقْبَالُ بِالمَحَبَّةِ وَالنُّصْرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يَتَوَلَّ اللّٰهَ وَرَسُولَهُ} [1].

الثَّانِي: الإِعْرَاضُ وَالِانْصِرَافُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَوَلَّىٰ وَأَعْرَضَ}.

وَالمَقْصُودُ هُنَا هُوَ "التَّوَلِّي لِلْكَافِرِينَ وَالطَّوَاغِيتِ" بِمَعْنَى الإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ وَالِانْصِرَافِ عَنِ المُؤْمِنِينَ [2].

2. الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ):

هُوَ نُصْرَةُ الكُفَّارِ أَوِ الطَّوَاغِيتِ المُرَبَّبِينَ، وَمَظَاهَرَتُهُمْ عَلَى المُسْلِمِينَ، أَوْ الرِّضَا المُطْلَقُ بِدِينِهِمْ وَتَشْرِيعَاتِهِمْ، بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ أَصْلُ الوَلَاءِ لِلإِسْلَامِ فِي هَذَا البَابِ.

الحَدُّ المَانِعُ: يَخْرُجُ مِنْهُ "المُوَالَاةُ الصُّغْرَى" الَّتِي تَكُونُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ البُغْضِ وَالِانْتِمَاءِ لِلشَّرِيعَةِ، فَتِلْكَ مَعْصِيَةٌ لَا تَوَلٍّ كُلِّيٌّ.

المَبْحَثُ الثَّانِي: مَنَاطُ "التَّوَلِّي المُطْلَقِ" وَعَلَاقَتُهُ بِالحُكْمِ

يَتَحَقَّقُ مَنَاطُ التَّوَلِّي المُطْلَقِ فِي مَسَائِلِ الحُكْمِ عَبْرَ صُوَرٍ قَطْعِيَّةٍ:

مَنَاطُ النُّصْرَةِ العَسْكَرِيَّةِ وَالقَانُونِيَّةِ: أَنْ يُعِينَ الحَاكِمُ أَوِ المَسْؤُولُ أَنْظِمَةَ الطَّاغُوتِ الدُّوَلِيَّةِ لِهَدْمِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ، أَوْ لِتَمْكِينِ القَانُونِ الوَضْعِيِّ مِنَ الرِّقَابِ.

مَنَاطُ الِانْضِمَامِ لِلْأَحْلَافِ الطَّاغُوتِيَّةِ: التَّوَلِّي المُطْلَقُ لِلْمَنَاظِمِ الَّتِي تَشْتَرِطُ نَبْذَ الشَّرِيعَةِ أَوْ تَقْدِيمَ المَوَاثِيقِ الوَضْعِيَّةِ عَلَى الوَحْيِ عِنْدَ التَّعَارُضِ [3].

مَنَاطُ التَّوَلِّي القَلْبِيِّ الظَّاهِرِ: وَهُوَ الِاسْتِبْشَارُ بِظُهُورِ القَوَانِينِ الوَضْعِيَّةِ وَضِيقُ الصَّدْرِ بِأَحْكَامِ اللهِ، وَهَذَا نِفَاقٌ أَكْبَرُ يُوجِبُ التَّوَلِّيَ المُطْلَقَ.

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: حُكْمُ التَّوَلِّي المُطْلَقِ وَأَدِلَّتُهُ

حُكْمُهُ: كُفْرٌ أَكْبَرُ مُخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ إِجْمَاعاً، وَهُوَ النَّاقِضُ الثَّامِنُ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ.

الأَدِلَّةُ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ:

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [4]. قَرَّرَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ فِي أَنَّ تَوَلِّيَ الكُفَّارِ يُصَيِّرُ العَبْدَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ فِي الحُكْمِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [5]. فَجَعَلَ الخُلُودَ فِي العَذَابِ جَزَاءً لِهَذَا التَّوَلِّي.

مِنَ الآثَارِ: قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ كَاتِبِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ النَّصْرَانِيِّ: «لَا تُدْنُوهُمْ وَقَدْ أَقْصَاهُمُ اللهُ، وَلَا تُعِزُّوهُمْ وَقَدْ أَذَلَّهُمُ اللهُ، وَلَا تُؤْمِنُوهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمُ اللهُ» [6].

---------------&

الحَاشِيَةُ :

[1] سُورَةُ المَائِدَةِ، الآيَةُ (56).

[2] يُنْظَرُ: "مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ القُرْآنِ"، لِلرَّاغِبِ الأَصْفَهَانِيِّ، ص885، دَارُ القَلَمِ، دِمَشْقَ.

[3] يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، لِابْنِ كَثِيرٍ، ج3، ص132، دَارُ طِيبَةَ. حَيْثُ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الكَافِرِينَ بِنُصْرَتِهِمْ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ أَهْلِ الإِيمَانِ.

[4] سُورَةُ المَائِدَةِ، الآيَةُ (51).

[5] سُورَةُ المَائِدَةِ، الآيَةُ (80).

[6] أخرجه البَيْهَقِيُّ فِي "السُّنَنِ الكُبْرَى" (9/ 204)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

[7] يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (7/ 522). حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ "أَصْلِ المُوَالَاةِ" وَ"التَّوَلِّي الَّذِي يَنْفِي الإِيمَانَ".

[8] يُنْظَرُ: "رِسَالَةُ تَحْكِيمِ القَوَانِينِ"، لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ص11. فِي ضَبْطِ تَعَاوُنِ الحُكَّامِ مَعَ أَهْلِ القَوَانِينِ.

[9] يُنْظَرُ: "التَّحْرِيرَاتُ العِلْمِيَّةُ"، لِلصَّالِحِ السِّنْدِيِّ، ص94. فِي بَيَانِ أَنَّ التَّوَلِّيَ المُطْلَقَ مَنَاطُهُ مَنَاطٌ عَقَدِيٌّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ سِيَاسِيّاً.

---------------------&

المُقَدِّمَةُ التَّاسِعَةُ عَشَرَةَ: تَحْرِيرُ مَنَاطِ المُوَالَاةِ وَالفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّوَلِّي

​أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ

​1. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ:

المُوَالَاةُ مَصْدَرُ الفِعْلِ (وَالَى)، وَهُوَ يُفِيدُ القُرْبَ وَالمُتَابَعَةَ وَالمُؤَازَرَةَ. وَأَصْلُ المَادَّةِ (وَلِيَ) تَدُلُّ عَلَى القُرْبِ؛ فَالمُوَالِي هُوَ الَّذِي يَقْرُبُ مِنْ غَيْرِهِ بِنَصْرٍ أَوْ مَحَبَّةٍ أَوْ حِلْفٍ. وَيُقَالُ: وَالَى بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا تَابَعَ بَيْنَهُمَا، وَالمُوَالَاةُ هِيَ نَقِيضُ المُعَادَاةِ، وَهِيَ أَصْلُ العَلَاقَةِ الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ أَوْ كِيَانَيْنِ فِي هَدَفٍ وَاحِدٍ [1].

​2. الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ):

المُوَالَاةُ هِيَ التَّقَرُّبُ إِلَى الكُفَّارِ أَوِ الطَّوَاغِيتِ بِمَوْدَّةٍ أَوْ نُصْرَةٍ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الإِيمَانِ وَبُغْضِ دِينِهِمْ وَتَشْرِيعَاتِهِمْ فِي القَلْبِ.

  • ​الحَدُّ المَانِعُ: يَخْرُجُ مِنْهُ "التَّوَلِّي"، فَمَنِ انْصَرَفَ بِقَلْبِهِ كُلِّيَّةً لِلطَّاغُوتِ فَقَدْ تَوَلَّى، أَمَّا المُوَالِي فَهُوَ مَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ فِي "نُصْرَةٍ جُزْئِيَّةٍ" أَوْ "مَوَدَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ" لِمَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ دُونَ نَبْذِ أَصْلِ الدِّينِ.

​ثَانِيًا: المَعْنَى التَّأْصِيلِيُّ لِلْمُوَالَاةِ

​المُوَالَاةُ فِي التَّأْصِيلِ الشَّرْعِيِّ تَقَعُ فِي دَائِرَةِ "الكُفْرِ العَمَلِيِّ" أَوْ "الذُّنُوبِ الكَبَائِرِ" إِذَا لَمْ تَصِلْ إِلَى حَدِّ النَّاقِضِ. فَهِيَ مَيْلٌ إِلَى أَعْدَاءِ اللهِ لَا يَقْدَحُ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ وَلَكِنَّهُ يَنْقُصُ كَمَالَهُ الوَاجِبَ. وَهِيَ مَنَاطٌ مُرَكَّبٌ؛ إِذْ يَجْتَمِعُ فِي المُوَالِي مَحَبَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ مَعَ نَوْعٍ مِنْ مُدَاهَنَةِ أَعْدَاءِ اللهِ لِخَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ. وَقَدْ حَذَّرَ الشَّرْعُ مِنْهَا لِأَنَّهَا "بَرِيدُ التَّوَلِّي"، فَمَنْ كَثُرَتْ مُوَالَاتُهُ لِلطَّوَاغِيتِ أَوْشَكَ أَنْ يَنْخَلِعَ قَلْبُهُ مِنْ بَرَاءَةِ الإِيمَانِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَقُومُ عَلَى "عَقْدِ القَلْبِ" بَدْءًا، ثُمَّ تَظْهَرُ عَلَى الجَوَارِحِ فِعْلًا [2].

​ثَالِثًا: الفَرْقُ بَيْنَ المُوَالَاةِ وَالتَّوَلِّي (عَقَدِيًّا وَفِقْهِيًّا)

​يَكْمُنُ الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ فِي مَنَاطِ "القَصْدِ" وَ"النَّتِيجَةِ":

  1. ​عَقَدِيًّا: التَّوَلِّي هُوَ "تَوَلِّي نُصْرَةٍ وَدِينٍ"؛ أَيْ نُصْرَةُ الكَافِرِ عَلَى المُسْلِمِ لِأَجْلِ كُفْرِهِ، أَوْ مَحَبَّةُ دِينِهِ. أَمَّا المُوَالَاةُ فَهِيَ "تَوَلِّي غَرَضٍ وَشَهْوَةٍ"؛ مِثْلَ مُسَاعَدَةِ الكَافِرِ لِأَجْلِ قَرَابَةٍ أَوْ مَالٍ مَعَ الإِقْرَارِ بِبُطْلَانِ دِينِهِ.
  2. ​فِقْهِيًّا: التَّوَلِّي نَاقِضٌ مِنَ النَّوَاقِضِ يُوجِبُ الِارْتِدَادَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إِجْمَاعًا. بَيْنَمَا المُوَالَاةُ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ لَا تُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، وَصَاحِبُهَا تَحْتَ المَشِيئَةِ، وَيُسَمَّى "مُؤْمِنًا بِمَا مَعَهُ مِنَ الإِيمَانِ، كَافِرًا كُفْرًا دُونَ كُفْرٍ بِمَا مَعَهُ مِنَ المُوَالَاةِ" [3].

​رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ هَذِهِ المَسْأَلَةِ

​يَرَى البَاحِثُ المُحَقِّقُ أَنَّ الخَلْطَ بَيْنَ المَنَاطَيْنِ هُوَ مَنْشَأُ ضَلَالِ الخَوَارِجِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ فَهُمْ جَعَلُوا كُلَّ تَعَامُلٍ مَعَ الطَّوَاغِيتِ أَوْ نُصْرَةٍ لَهُمْ فِي أَمْرٍ مَا "تَوَلِّيًا" مُطْلَقًا، وَغَفَلُوا عَنِ الفَرْقِ الدَّقِيقِ الَّذِي قَرَّرَهُ الصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ التَّابِعِينَ. التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ السَّلِيمُ يَقْتَضِي أَنْ نُقَرِّرَ أَنَّ "التَّوَلِّيَ" مَنَاطُهُ رَاجِعٌ إِلَى الكُفْرِ بِاللهِ وَنُصْرَةِ مَنْ كَفَرَ بِهِ لِذَاتِ كُفْرِهِ، بَيْنَمَا "المُوَالَاةُ" مَنَاطُهَا رَاجِعٌ إِلَى مَعْصِيَةِ اللهِ بِاتِّبَاعِ الهَوَى مَعَ بَقَاءِ انْقِيَادِ القَلْبِ لِلتَّوْحِيدِ. وَهَذَا التَّقْسِيمُ يَحْفَظُ لِلْأُمَّةِ مَنْزِلَةَ "العِصْمَةِ" لِمَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ فِي شَهْوَةٍ دُونَ أَنْ يَنْقُضَ أَصْلَ الدِّينِ.

​خَامِسًا: الشَّاهِدُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَتَفْسِيرُ العُلَمَاءِ

  • ​الشَّاهِدُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [4].
  • ​التَّفْسِيرُ: قَالَ الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: "نَهَى اللهُ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ أَنْ يُوَالُوا الكَافِرِينَ، وَأَنْ يَتَّخِذُوهُمْ أَصْدِقَاءَ يُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ" [5]. وَقَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: "نَادَاهُمْ بِاسْمِ الإِيمَانِ لِيَحُثَّهُمْ عَلَى الِامْتِثَالِ، فَالإِيمَانُ يَقْتَضِي مُعَادَاةَ أَعْدَاءِ اللهِ، وَإِلْقَاءُ المَوَدَّةِ إِلَيْهِمْ مَعْصِيَةٌ تَنْتَقِصُ هَذَا الإِيمَانَ" [6].

​سَادِسًا: رَبْطُ المَسْأَلَةِ بِمَتْنِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ"

​إِنَّ الإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي مَتْنِهِ نَصَّ عَلَى أَنَّ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِبُغْضِهِ وَمُعَادَاتِهِ. وَالرَّبْطُ هُنَا يَتَجَلَّى فِي أَنَّ مَنْ "وَالَى" الطَّاغُوتَ لَمْ يُحَقِّقِ الكَمَالَ الوَاجِبَ فِي الكُفْرِ بِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْقُضْ أَصْلَ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ مَا لَمْ "يَتَوَلَّهُ" تَوَلِّيًا مُطْلَقًا. فَمُجَرَّدُ المُوَالَاةِ لِلطَّاغُوتِ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ هُوَ خَلَلٌ فِي عَقِيدَةِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ يَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُصَيِّرُ صَاحِبَهُ طَاغُوتًا وَلَا يَنْقُلُهُ إِلَى مِلَّةِ الطَّوَاغِيتِ إِلَّا بِرِضًا أَوْ نُصْرَةٍ دِينِيَّةٍ.

​سَابِعًا: قِصَّةُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَتَحْقِيقُهَا

​1. القِصَّةُ: عِنْدَمَا كَتَبَ حَاطِبٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِمْ، نَزَلَ الوَحْيُ بِذَلِكَ. فَقَالَ عُمَرُ: "دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ". فَقَالَ ﷺ لِحَاطِبٍ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟". قَالَ: "مَا فَعَلْتُهُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَكِنْ لِي قَرَابَةٌ بِمَكَّةَ أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَهُمْ يَدٌ". فَقَالَ ﷺ: "صَدَقَكُمْ" [7].

2. الفَوَائِدُ وَالقَوَاعِدُ العَقَدِيَّةُ:

  • ​القَاعِدَةُ الأُولَى: "المُوَالَاةُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ لَيْسَتْ كُفْرًا أَكْبَرَ"؛ إِذْ نَادَاهُ اللهُ بَعْدَ فِعْلِهِ بِاسْمِ "الإِيمَانِ" فِي مَطْلَعِ سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ.
  • ​القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: "اعْتِبَارُ مَنَاطِ القَلْبِ فِي المُكَفِّرَاتِ العَمَلِيَّةِ"؛ فَسُؤَالُ النَّبِيِّ ﷺ "مَا حَمَلَكَ؟" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صُورَةَ الفِعْلِ (الجَاسُوسِيَّةُ لِلْكُفَّارِ) تَحْتَمِلُ التَّوَلِّيَ وَتَحْتَمِلُ المُوَالَاةَ، وَالعِبْرَةُ بِمَنَاطِ البَاعِثِ.
  • ​القَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: "الحَسَنَاتُ العِظَامُ تَمْحُو كَبَائِرَ المُوَالَاةِ"؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: "مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ".
  • ​الفَائِدَةُ العَقَدِيَّةُ: أَنَّ ذَنْبَ حَاطِبٍ كَانَ "مُوَالَاةً" لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ أَهْلِهِ، وَلَمْ يَكُنْ "تَوَلِّيًا" لِرَغْبَةٍ عَنِ الإِسْلَامِ، وَهَذَا هُوَ الفَرْقُ الفَيْصَلُ.
--------------------&

الحَاشِيَةُ :

​[1] يُنْظَرُ: "تَاجُ العَرُوسِ"، لِلزَّبِيدِيِّ، مَادَّةُ (وَلِيَ)، ج39، ص465، دَارُ الهِدَايَةِ.

[2] يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج7، ص522.

[3] يُنْظَرُ: "تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ"، لِلشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ص553، دَارُ السَّمِيعِيِّ.

[4] سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ، الآيَةُ (1).

[5] "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، لِابْنِ كَثِيرٍ، ج8، ص74، دَارُ طِيبَةَ.

[6] "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيِّ، ص848، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ.

[7] أخرجه البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" بَابُ غَزْوَةِ الفَتْحِ (4890)، وَمُسْلِمٌ (2494).

[8] يُنْظَرُ: "الرَّسَائِلُ وَالمَسَائِلُ النَّجْدِيَّةُ"، ج1، ص654، حَيْثُ نَصَّ عُلَمَاءُ الدَّعْوَةِ عَلَى اعْتِبَارِ قِصَّةِ حَاطِبٍ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُرْتَدِّ وَالعَاصِي بِمُوَالَاتِهِ.

------------------------&

تَتِمَّةُ (١) المقدمة التَّاسِعَةِ عَشَرَةَ:تَّحْرِيرُ  مَنَاطِ المُوَالَاةِ

أَوَّلاً: التَّحْرِيرُ بَيْنَ "المُوَالَاةِ" وَ"المُدَارَاةِ" (مَنَاطُ الحَاجَةِ وَالغَرَضِ)

مِنْ أَهَمِّ الجَوَانِبِ الَّتِي يَجِبُ تَوْضِيحُهَا لِلطَّالِبِ هِيَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ "المُوَالَاةِ المُحَرَّمَةِ" وَ"المُدَارَاةِ المَشْرُوعَةِ"؛ فَقَدْ يَلْتَبِسُ الأَمْرُ عِنْدَ رُؤْيَةِ تَعَامُلِ الحُكَّامِ أَوْ الأَفْرَادِ مَعَ أَهْلِ القَوَانِينِ وَالطَّوَاغِيتِ.

مَنَاطُ المُدَارَاةِ: هُوَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصِيَانَةِ الدِّينِ أَوِ النَّفْسِ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِشَرْطِ بَقَاءِ البُغْضِ القَلْبِيِّ. قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إِنَّا لَنُكَشِّرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ، وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ» [1].

مَنَاطُ المُوَالَاةِ: هُوَ بَذْلُ الدِّينِ (أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ) لِأَجْلِ صِيَانَةِ الدُّنْيَا وَتَحْصِيلِ المَصَالِحِ المَادِّيَّةِ الزَّائِلَةِ. وَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الذَّمِّ وَالكَبِيرَةِ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّحْذِيرُ الشَّرْعِيُّ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِحُظُوظِ النَّفْسِ عَلَى حَقِيقَةِ البَرَاءِ [2].

ثَانِيًا: مَنَاطُ "الإِكْرَاهِ" وَ"التَّأْوِيلِ" فِي المُوَالَاةِ

لَا يَسْتَقِيمُ التَّحْرِيرُ دُونَ النَّظَرِ فِي العَوَارِضِ الَّتِي تَعْتَرِي مَنَاطَ الحُكْمِ:

مَنَاطُ الإِكْرَاهِ: إِذَا أُكْرِهَ المُسْلِمُ عَلَى نُصْرَةِ الطَّاغُوتِ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالبَرَاءِ، فَهَذَا لَا يُسَمَّى مُوَالِيًا وَلَا مُتَوَلِّيًا، بَلْ هُوَ مَعْذُورٌ بِنَصِّ القُرْآنِ.

مَنَاطُ التَّأْوِيلِ: قَدْ يَقَعُ الحَاكِمُ أَوْ العَالِمُ فِي نَوْعٍ مِنَ المُوَالَاةِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا "مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ" لِلْمُسْلِمِينَ (كَمَا فَعَلَ حَاطِبٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِتَأْوِيلِ حِمَايَةِ أَهْلِهِ)، فَهُنَا يُعَامَلُ مَنَاطُهُ بِمُقْتَضَى "الشُّبْهَةِ"، فَلَا يُكَفَّرُ بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ الخَطَأُ وَتُزَالُ الشُّبْهَةُ، وَهَذَا جَانِبٌ بَحْثِيٌّ دَقِيقٌ يُغْفِلُهُ الغُلَاةُ [3].

ثَالِثًا: المُوَالَاةُ فِي "الإنضمام إلي التَّنْظِيمِ الدولية" (تَحْقِيقُ مَنَاطٍ مُعَاصِرٍ)

يُطْرَحُ سُؤَالٌ بَحْثِيٌّ: هَلْ يُعَدُّ الِانْضِمَامُ لِلْمُنَظَّمَاتِ الدُّوَلِيَّةِ (الَّتِي قَدْ تُحَاكِمُ لِغَيْرِ الشَّرْعِ) مُوَالَاةً؟

تَحْرِيرُ المَنَاطِ: إِذَا كَانَ الِانْضِمَامُ لِغَرَضِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ المُسْلِمِينَ أَوْ تَحْصِيلِ حَقٍّ مَغْصُوبٍ مَعَ بَقَاءِ الِاعْتِقَادِ بِكُفْرِ هَذِهِ النُّظُمِ، فَهَذَا يَدْخُلُ فِي "السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ" وَالمُدَارَاةِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الِانْضِمَامُ بِقَصْدِ "التَّحَاكُمِ الطَّوْعِيِّ" وَالرِّضَا بِقَوَانِينِهِمْ كَبَدِيلٍ عَنِ الشَّرْعِ، فَهَذَا هُوَ "مَنَاطُ المُوَالَاةِ المَحْظُورَةِ" الَّتِي قَدْ تَنْجَرُّ إِلَى التَّوَلِّي [4].

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قَاعِدَةُ تَبْعِيضِ الإِيمَانِ)

يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ البَاحِثُ أَنَّ الإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ، وَكَذَلِكَ الكُفْرُ. فَالشَّخْصُ الوَاحِدُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ "وَلَاءٌ لِلَّهِ" مِنْ جِهَةِ إِيمَانِهِ، وَ"مُوَالَاةٌ لِلشَّيْطَانِ" مِنْ جِهَةِ مَعْصِيَتِهِ وَنُصْرَتِهِ لِلطَّاغُوتِ فِي جُزْئِيَّةٍ مَا. وَهَذَا التَّأْصِيلُ هُوَ الَّذِي يُفَسِّرُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِعُمَرَ عَنْ حَاطِبٍ: «إِنَّهُ قَدْ صَدَقَ»، أَيْ صَدَقَ فِي بَقَاءِ أَصْلِ إِيمَانِهِ رَغْمَ فِعْلِهِ. هَذِهِ القَاعِدَةُ هِيَ "النُّورُ" الَّذِي يَمْنَعُ تَعْمِيمَ الحُكْمِ بِالرِّدَّةِ عَلَى كُلِّ مَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ فِي بَابِ المُوَالَاةِ [5].

خَامِسًا: الفَوَائِدُ العَقَدِيَّةُ وَالقَوَاعِدُ المُسْتَنْبَطَةُ مِنَ التَّحْقِيقِ

القَاعِدَةُ الأُولَى: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَافَقَ الكُفَّارَ أَوْ الطَّوَاغِيتَ فِي ظَاهِرِ فِعْلٍ يُعَدُّ مُتَوَلِّيًا لَهُمْ كُفْرًا"؛ بَلْ يُنْظَرُ فِي البَاعِثِ وَالقَصْدِ.

القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: "المُوَالَاةُ النَّاتِجَةُ عَنْ تَأْوِيلٍ أَوْ حَاجَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مَعَ بَقَاءِ الإِيمَانِ تَمْنَعُ مِنَ التَّكْفِيرِ"؛ عَمَلًا بِأَصْلِ قِصَّةِ حَاطِبٍ وَتَعَامُلِ الصَّحَابَةِ مَعَهَا.

القَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: "الحُكْمُ بِالمُوَالَاةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المَقَاصِدِ"؛ فَنُصْرَةُ الطَّاغُوتِ لِإِعْلَاءِ كُفْرِهِ (تَوَلٍّ)، وَنُصْرَتُهُ لِحِمَايَةِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ مَعَ بُغْضِهِ (مُوَالَاةٌ مَعْصِيَةٌ).

-----------------------&

الحَاشِيَةُ :

[1] أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" مُعَلَّقاً فِي بَابِ المُدَارَاةِ مَعَ النَّاسِ، وَيُنْظَرُ: "فَتْحُ البَارِي"، لِابْنِ حَجَرٍ، ج10، ص528، دَارُ المَعْرِفَةِ.

[2] يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج28، ص208. حَيْثُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الفَرْقَ بَيْنَ المُدَارَاةِ وَالمُدَاهَنَةِ هُوَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِلدِّينِ أَوْ بَذْلُ الدِّينِ لِلدُّنْيَا.

[3] يُنْظَرُ: "الرَّسَائِلُ وَالمَسَائِلُ النَّجْدِيَّةُ"، ج3، ص124. فِي رَدِّهِمْ عَلَى مَنْ كَفَّرَ عُمُومَ النَّاسِ بِالشُّبْهَةِ فِي المَوَاقِفِ السِّيَاسِيَّةِ.

[4] يُنْظَرُ: "أَضْوَاءُ البَيَانِ"، لِلْعَلَّامَةِ الشَّنْقِيطِيِّ، ج4، ص84. فِي بَيَانِ مَنَاطَاتِ الدُّخُولِ فِي النُّظُمِ الجَاهِلِيَّةِ.

[5] يُنْظَرُ: "التَّحْرِيرَاتُ العِلْمِيَّةُ"، لِلصَّالِحِ السِّنْدِيِّ، ص102. حَيْثُ قَرَّرَ أَنَّ قِصَّةَ حَاطِبٍ هِيَ الأَصْلُ فِي بَابِ العُذْرِ بِالتَّأْوِيلِ فِي المُوَالَاةِ الفِعْلِيَّةِ.

[6] يُنْظَرُ: "الوَلاءُ وَالبَرَاءُ"، لِلْقَحْطَانِيِّ، ص230. فِي تَوْضِيحِ أَنَّ المُوَالَاةَ هِيَ ذَنْبٌ قَدْ يَغْفِرُهُ اللهُ بِيَقِينِ الإِيمَانِ السَّابِقِ.

------------------------------&

تَتِمَّةُ (٢)المُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ عَشَرَةَ :

 شَرْحُ القَوَاعِدِ العَقَدِيَّةِ فِي مَنَاطِ المُوَالَاةِ

القَاعِدَةُ الأُولَى: المَحَبَّةُ أَوِ النُّصْرَةُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ لَيْسَتْ كُفْرًا أَكْبَرَ مَا لَمْ تَنْتَقِضْ عَقِيدَةُ البَرَاءِ القَلْبِيَّةِ

الشَّرْحُ: هَذِهِ القَاعِدَةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ (النُّصْرَةِ الدِّينِيَّةِ) الَّتِي هِيَ "تَوَلٍّ"، وبَيْنَ (النُّصْرَةِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ). فَمَنِ انْدَفَعَ لِمُعَاوَنَةِ الطَّاغُوتِ خَوْفًا عَلَى مَالِهِ أَوْ جَاهِهِ، مَعَ جَزْمِهِ بِبُطْلَانِ فِعْلِ هَذَا الطَّاغُوتِ، فَقَدْ أَتَى كَبِيرَةً لَا تُخْرِجُهُ مِنَ المِلَّةِ.

الشَّاهِدُ الِاسْتِنْبَاطِيُّ: مَطْلَعُ سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ. قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [1].

التَّفْسِيرُ والتَّحْقِيقُ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَاطَبَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ بِوَصْفِ (الإِيمَانِ) رَغْمَ فِعْلِهِ. قَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: «فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَعْصِيَةَ -وَإِنْ عَظُمَتْ- لَا تُخْرِجُ مِنَ الإِيمَانِ إِذَا لَمْ تَكُنْ كُفْرًا» [2]. فَنِدَاءُ اللهِ لَهُمْ بِـ{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بَعْدَ إِفْشَاءِ سِرِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ أَصْلِ الِانْتِمَاءِ لِلْمِلَّةِ.

القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: اعْتِبَارُ مَنَاطِ القَلْبِ فِي المُكَفِّرَاتِ العَمَلِيَّةِ (تَحْقِيقُ مَنَاطِ "مَا حَمَلَكَ؟")

الشَّرْحُ: تُقَرِّرُ هَذِهِ القَاعِدَةُ أَنَّ صُورَةَ الفِعْلِ الظَّاهِرَةِ (كَالجَاسُوسِيَّةِ أَوْ نُصْرَةِ الظَّلَمَةِ) قَدْ تَكُونُ "مُحْتَمِلَةً". لِذَا كَانَ سُؤَالُ النَّبِيِّ ﷺ لِحَاطِبٍ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟» فَيْصَلًا فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ (التَّوَلِّي) الَّذِي هُوَ رِدَّةٌ، وبَيْنَ (المُوَالَاةِ) الَّتِي هِيَ مَعْصِيَةٌ.

التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ: لَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الفِعْلِ (الجَاسُوسِيَّةِ) كُفْرًا عَيْنِيًّا لَمَا سَأَلَهُ ﷺ عَنْ بَاعِثِهِ. فَمَنَاطُ البَاعِثِ هُنَا هُوَ الَّذِي حَوَّلَ الحُكْمَ مِنَ الرِّدَّةِ إِلَى الذَّنْبِ. هَذَا يُعَلِّمُ البَاحِثَ أَنْ لَا يَقْطَعَ بِتَكْفِيرِ مَنْ عَمِلَ مَعَ الطَّوَاغِيتِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَنَاطُ حَمْلِهِ (أَهِيَ نُصْرَةُ الكُفْرِ أَمْ طَلَبُ الدُّنْيَا؟).

القَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَافَقَ الطَّوَاغِيتَ فِي ظَاهِرِ فِعْلٍ يُعَدُّ مُتَوَلِّيًا لَهُمْ كُفْرًا

الشَّرْحُ: المُوَافَقَةُ الظَّاهِرِيَّةُ (كَمُشَارَكَةِ الحُكَّامِ فِي بَعْضِ مَرَاسِمِهِمْ أَوْ أَنْظِمَتِهِمُ القَانُونِيَّةِ) لَا تَسْتَلْزِمُ "التَّوَلِّيَ العَقَدِيَّ". فَقَدْ تَكُونُ المُوافَقَةُ "مُدَارَاةً" لِدَفْعِ شَرٍّ، أَوْ "مُدَاهَنَةً" مُحَرَّمَةً لِجَلْبِ نَفْعٍ، ولَكِنَّهَا لَا تَصِلُ لِكَوْنِهَا "دِينًا بَدِيلًا" مَا دَامَ القَلْبُ مُنْقَادًا لِلشَّرْعِ.

الِاصْطِلَاحُ الفِقْهِيُّ: هَذِهِ تُسَمَّى "مُوَافَقَةُ الظَّاهِرِ مَعَ مُخَالَفَةِ البَاطِنِ"، وهِيَ مَنَاطُ العُذْرِ الَّذِي قَرَّرَهُ السَّلَفُ فِي المَسَائِلِ الَّتِي يَعْظُمُ فِيهَا البَلَاءُ.

القَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: المُوَالَاةُ النَّاتِجَةُ عَنْ تَأْوِيلٍ أَوْ حَاجَةٍ مَعَ بَقَاءِ الإِيمَانِ تَمْنَعُ مِنَ التَّكْفِيرِ عَيْنًا

الشَّرْحُ: هَذِهِ القَاعِدَةُ تَرْبِطُ بَيْنَ (التَّأْوِيلِ) وبَيْنَ (المَانِعِ مِنَ التَّكْفِيرِ). حَاطِبٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (تَأَوَّلَ) أَنَّ فِعْلَهُ لَا يَضُرُّ الإِسْلَامَ لِقُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وتَأَوَّلَ أَنَّ لَهُ عُذْرًا فِي حِمَايَةِ أَهْلِهِ.

تَحْقِيقُ المَنَاطِ: التَّأْوِيلُ السَّائِغُ (أَوْ شُبْهَةُ التَّأْوِيلِ) هِيَ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ العَيْنِيِّ. فَالصَّحَابَةُ -وعَلَى رَأْسِهِمْ عُمَرُ- لَمَّا رَأَوْا صُورَةَ الفِعْلِ أَرَادُوا قَتْلَهُ، ولَكِنَّ تَحْقِيقَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَنَاطِ مَنَعَ ذَلِكَ [3].

القَاعِدَةُ الخَامِسَةُ: حُكْمُ المَوْالَاةِ يَتَبَعُ مَنَاطَ المَقْصِدِ (نُصْرَةُ الكُفْرِ أَمْ حِمَايَةُ النَّفْسِ)

الشَّرْحُ: هُنَا نُفَصِّلُ الحُكْمَ بِحَسَبِ "المَقْصِدِ الأَسَاسِيِّ":

نُصْرَةُ الطَّاغُوتِ لِإِعْلَاءِ كُفْرِهِ: هَذَا (تَوَلٍّ مُطْلَقٌ) وهُوَ كُفْرٌ أَكْبَرُ.

نُصْرَةُ الطَّاغُوتِ لِحِمَايَةِ مَالٍ أَوْ جَاهٍ مَعَ بُغْضِهِ: هَذِهِ (مُوَالَاةٌ مَعْصِيَةٌ) وهِيَ "كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ" [4].

التَّأْصِيلُ اللُّغَوِيُّ: المُوَالَاةُ هُنَا لَمْ تَبْلُغْ مَعْنَى "الِاتِّبَاعِ فِي الدِّينِ"، بَلْ وَقَفَتْ عِنْدَ مَعْنَى "المُشَارَكَةِ فِي الدُّنْيَا".

تَأْصِيلُ البَاحِثِ (المُدَوِّنِ) لِهَذِهِ القَوَاعِدِ

يَرَى البَاحِثُ أَنَّ هَذِهِ القَوَاعِدَ الخَمْسَ تُمَثِّلُ "الحِصْنَ المَنِيعَ" لِلْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ الوَسَطِ. فَالغُلَاةُ أَخَذُوا (صُورَةَ الفِعْلِ) وحَكَمُوا بِالرِّدَّةِ عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَطَ الأَنْظِمَةَ الوَضْعِيَّةَ، والمُرْجِئَةُ جَعَلُوا (الولَاءَ والبَرَاءَ) أَمْرًا قَلْبِيًّا مَحْضًا لَا يَتَأَثَّرُ بِالفِعْلِ.

أَمَّا التَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ فَيَقُومُ عَلَى أَنَّ: "الفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى القَلْبِ، ولَكِنَّ القَلْبَ قَدْ يَعْتَصِمُ بِأَصْلِ الإِيمَانِ رَغْمَ زَلَّةِ الفِعْلِ". وَهَذَا هُوَ النُّورُ الَّذِي نَضَعُهُ عَلَى "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" لَدَى الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ؛ حَيْثُ نَفْهَمُ أَنَّ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ لَهُ (أَصْلٌ) لَا يَزُولُ إِلَّا بِالتَّوَلِّي، ولَهُ (كَمَالٌ) يَنْقُصُ بِمُجَرَّدِ المُوَالَاةِ.

------------&

الحَاشِيَةُ :

[1] سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ، الآيَةُ (1).

[2] "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، لِلْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ، ص848، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ.

[3] يُنْظَرُ: "فَتْحُ البَارِي"، لِابْنِ حَجَرٍ، ج7، ص521. فِي شَرْحِ حَدِيثِ حَاطِبٍ وبَيَانِ أَنَّ العُذْرَ بِالحَسَنَةِ العُظْمَى (بَدْرٍ) وبِالتَّأْوِيلِ هُوَ مَانِعٌ مِنَ القَتْلِ والتَّكْفِيرِ.

[4] يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج7، ص523. حَيْثُ نَصَّ عَلَى تَبْعِيضِ الإِيمَانِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ.

[5] يُنْظَرُ: "الرَّسَائِلُ والمَسَائِلُ النَّجْدِيَّةُ"، ج1، ص654. حَيْثُ تَمَّ الِاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ حَاطِبٍ لِتَقْرِيرِ أَنَّ الجَاسُوسِيَّةَ لَيْسَتْ رِدَّةً بِمُجَرَّدِهَا.

-------------------------&

تَتِمَّةُ المُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ عَشَرَةَ (4): الاسْتِقْصَاءُ الجَامِعُ لِمَنَاطَاتِ النُّصْرَةِ وَالمُظَاهَرَةِ

أَوَّلاً: التَّحْرِيرُ الِاصْطِلَاحِيُّ وَاللُّغَوِيُّ (بِتَوَسُّعٍ عَمِيقٍ)

المَنَاطُ اللُّغَوِيُّ:

النُّصْرَةُ: مَادَّةُ (نَصَرَ) تَدُلُّ فِي لِسَانِ العَرَبِ عَلَى الإِعَانَةِ بِمَا يَقْهَرُ الخَصْمَ. وَفِي مَقَايِيسِ اللُّغَةِ: "النَّصْرُ: إِعَانَةُ المَظْلُومِ، وَالمَطَرُ يُسَمَّى نَصْراً لِأَنَّهُ يُغِيثُ الأَرْضَ". فَالمُتَّصِفُ بِالنُّصْرَةِ هُوَ مَنْ مَدَّ غَيْرَهُ بِأَسْبَابِ الغَلَبَةِ الحِسِّيَّةِ أَوِ المَعْنَوِيَّةِ.

المُظَاهَرَةُ: هِيَ صِيغَةُ (مُفَاعَلَة) تَقْتَضِي التَّعَاوُنَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ "الظَّهْرِ"؛ أَيْ أَنْ يَصِيرَ لَكَ ظَهْرٌ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ. وَفِي الِاشْتِقَاقِ الشَّرْعِيِّ: "هِيَ صَيْرُورَةُ المُسْلِمِ ظَهِيراً لِلْكَافِرِ أَوْ الطَّاغُوتِ عَلَى بَنِي مِلَّتِهِ".

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ:

هِيَ: «بَذْلُ كُلِّ مَا يَتَقَوَّى بِهِ الكَافِرُ أَوِ الطَّاغُوتُ المُّبَدِّلُ لِلشَّرِيعَةِ، فِي حَرْبِهِ لِلإِسْلَامِ أَوْ تَنْحِيَتِهِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، بِمَا يَؤُولُ إِلَى عُلُوِّ حُكْمِ الجَاهِلِيَّةِ عَلَى حُكْمِ اللهِ».

يَخْرُجُ بِالقَيْدِ: المُدَارَاةُ الَّتِي لَا تَقْوِيَةَ فِيهَا لِلشَّوْكَةِ، وَالمُعَامَلَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَحْضَةِ (كَاسْتِئْجَارِ المُسْلِمِ لِلْكَافِرِ أَوْ العَكْسِ فِي عَمَلٍ لَا يَضُرُّ الدِّينَ)، فَهَذِهِ لَيْسَتْ نُصْرَةً وَلَا مُظَاهَرَةً بِالمَعْنَى العَقَدِيِّ.

ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ (مَنَاطُ التَّوَلِّي)

النُّصْرَةُ وَالمُظَاهَرَةُ هِيَ مَحْضُ "التَّوَلِّي" الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ فِي قَوْلِهِ {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}. وَهَذَا التَّوَلِّي مَنَاطُهُ:

نُصْرَةُ "الدِّينِ وَالمَنْهَجِ": أَنْ يُعِينَ الطَّاغُوتَ لِأَنَّهُ يُرِيدُ عَقِيدَتَهُ أَوْ تَوْجُّهَهُ العَلْمَانِيَّ أَوْ القَانُونِيَّ.

نُصْرَةُ "الشَّوْكَةِ": أَنْ يُعِينَهُ فِي قِتَالِ المُؤْمِنِينَ وَلَوْ لَمْ يُحِبَّ دِينَهُ، لِأَنَّ الغَايَةَ هُنَا هِيَ "كَسْرُ حُكْمِ اللهِ" بِفِعْلِ هَذِهِ النُّصْرَةِ.

ثَالِثًا: إِيرَادُ أَقْوَالِ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ القُدَامَى (تَحْرِيرٌ مُوَسَّعٌ)

1. الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت 310هـ):

«أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الكُفَّارَ وَصَارَ نَصِيراً لَهُمْ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَدْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ حُكْمَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْصُرُ الكَافِرَ عَلَى المُسْلِمِ إِلَّا وَهُوَ رَاضٍ بِكُفْرِهِ، أَوْ مُؤْثِرٌ لِظُهُورِهِ. وَهَذَا عَيْنُ الخُرُوجِ عَنْ مِلَّةِ الإِسْلَامِ، إِذِ الولَايَةُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ تَقْتَضِي البَرَاءَ مِمَّنْ حَادَّ اللهَ» [1].

2. الإِمَامُ البربهاري (ت 329هـ):

«وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَعَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَوْ صَاحِبَ ضَلَالَةٍ (فَكَيْفَ بِالطَّاغُوتِ؟) فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الإِسْلَامِ. فَالمُظَاهَرَةُ هِيَ رُكْنُ البَاطِلِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ، وَمَنْ شَدَّ أَزْرَ الطَّاغُوتِ فَقَدْ نَقَضَ عُرْوَةَ الإِيمَانِ، لِأَنَّ الإِيمَانَ عُقْدَةٌ فِي القَلْبِ تَظْهَرُ نُصْرَةً لِلَّهِ لَا لِأَعْدَائِهِ» [2].

3. الإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ):

فِي رَدِّهِ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالطَّوَاغِيتِ، قَرَّرَ أَنَّ "النُّصْرَةَ" هِيَ المِعْيَارُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ حِزْبُ اللهِ مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ. وَأَنَّ مَنْ كَانَ ظَهِيراً لِلْمُبَدِّلِينَ لِعِلْمِ اللهِ وَشَرْعِهِ، فَقَدْ حَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ مِنْهُمْ، إِذِ المُظَاهَرَةُ "فِعْلٌ قَلْبِيٌّ" تَلَبَّسَ بِصُورَةِ العَمَلِ [3].

4. الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (ت 241هـ):

رُوِيَ عَنْهُ فِي مَسَائِلِ الجِهَادِ وَالمُرَابَطَةِ أَنَّ مَنْ أَعَانَ العَدُوَّ عَلَى أَهْلِ الإِسْلَامِ، أَوْ دَلَّهُمْ عَلَى عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ، أَوْ كَانَ فِي صَفِّهِمْ يُكَثِّرُ سَوَادَهُمْ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حُكْمِ السَّلَامَةِ، وَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ مَنْ نَصَرَهُمْ، لِأَنَّ "المُكَثِّرَ لِلسَّوَادِ" نَاصِرٌ بِالهَيْئَةِ وَالصُّورَةِ [4].

5. شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):

«النُّصْرَةُ نَوْعَانِ: نُصْرَةٌ لِلْكَافِرِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مَعَ بَقَاءِ الإِيمَانِ بِبُطْلَانِ دِينِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ. وَنُصْرَةٌ لَهُ بِقَصْدِ تَمْكِينِهِ مِنْ رِقَابِ المُسْلِمِينَ أَوْ لِأَجْلِ الرِّضَا بِقَانُونِهِ وَتَبْدِيلِهِ، فَهَذَا هُوَ التَّوَلِّي المُّخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ. وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَنَاطِ (المُوَالَاةِ لِغَرَضٍ) وَبَيْنَ مَنَاطِ (التَّوَلِّي لِلنُّصْرَةِ)، وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّتَارُ وَمَنْ شَايَعَهُمْ مِنَ المُنْتَسِبِينَ لِلإِسْلَامِ» [5].

6. الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ (ت 751هـ):

«حَقِيقَةُ المُظَاهَرَةِ هِيَ "مُوَافَقَةُ المُرَادِ"؛ فَمَنْ كَانَ مُرَادُهُ نَصْرَ الطَّاغُوتِ وَتَمْكِينَهُ مِنْ حُكْمِ العِبَادِ بِمَا لَمْ يُنْزِلِ اللهُ، فَقَدْ جَعَلَ هَذَا الطَّاغُوتَ "وَلِيّاً" مِنْ دُونِ اللهِ. وَكُلُّ مَا بَذَلَهُ لَهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ هُوَ "قُرْبَانٌ" لِغَيْرِ اللهِ، لِأَنَّهُ بَذَلَهُ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ. وَلَا يَجْتَمِعُ تَوْحِيدُ اللهِ وَنُصْرَةُ مَنْ يُحَادُّ اللهَ فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ أَبَداً» [6].

رَابِعًا: أَقْوَالُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ وَالمُحَقِّقِينَ

1. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آل الشَّيْخِ:

«المُظَاهَرَةُ هِيَ النَّاقِضُ الثَّامِنُ، وَمَنَاطُهَا الشَّرْعِيُّ هُوَ (التَّعَاوُنُ الَّذِي يَقْوَى بِهِ مَرْكَزُ الكُفَّارِ عَلَى المُسْلِمِينَ). وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الِاعْتِقَادُ بِصِحَّةِ دِينِهِمْ، بَلْ يَكْفِي "الفِعْلُ المُّتَعَدِّي" الَّذِي يَضُرُّ بَيْضَةَ الإِسْلَامِ. وَقَدْ تَتَعَدَّدُ الصُّورُ فِي هَذَا الزَّمَانِ لِتَشْمَلَ المَعُونَةَ الِاسْتِخْبَارَاتِيَّةَ وَالدِّعَايَةَ الإِعْلَامِيَّةَ لِتَجْمِيلِ وَجْهِ الطَّوَاغِيتِ» [7].

2. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ السِّنْدِيُّ:

«يَجِبُ التَّحْقِيقُ فِي مَنَاطِ (النُّصْرَةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ) وَ(النُّصْرَةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ). فَالمُظَاهَرَةُ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ هِيَ الَّتِي تَقُومُ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَتَرْكِ بِلَادِ المُسْلِمِينَ لِلِحَاقِ بِدَارِ الكُفْرِ نُصْرَةً لَهُمْ. أَمَّا مَا يَقَعُ فِيهِ المَكْرَهُونَ فَلَهُ أَحْكَامُ الإِكْرَاهِ. وَلَكِنَّ المُّبَدِّلِينَ لِلشَّرِيعَةِ اليَوْمَ يَجْعَلُونَ النُّصْرَةَ "اتِّفَاقِيَّاتٍ" تُلْزِمُ المُسْلِمِينَ بِتَرْكِ دِينِهِمْ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ نَوَاقِضِ العَصْرِ» [8].

3. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ التَّمِيمِيُّ:

فِي رَسَائِلِهِ فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ وَالتَّنْدِيدِ، أَكَّدَ أَنَّ "النُّصْرَةَ" هِيَ خَيْطُ الولَاءِ الرَّقِيقِ. فَمَنْ جَعَلَ قَلَمَهُ أَوْ لِسَانَهُ ظَهِيراً لِمَنْ يَحْكُمُ بِالقَانُونِ الوَضْعِيِّ، وَيُدَافِعُ عَنْهُ، وَيُبَرِّرُ لَهُ نَقْضَ الشَّرِيعَةِ، فَقَدْ دَخَلَ فِي مَنَاطِ المُظَاهَرَةِ المُّحَرَّمَةِ، لِأَنَّ "النُّصْرَةَ بِالبَيَانِ" لَا تَقِلُّ عَنِ "النُّصْرَةِ بِالسِّنَانِ" [9].

4. العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (رَحِمَهُ اللهُ):

«المُظَاهَرَةُ نَوْعَانِ: نُصْرَةٌ لِلْكَافِرِ لِيَظْهَرَ كُفْرُهُ (رِدَّةٌ)، وَنُصْرَةٌ لَهُ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مَعَ كَرَاهَةِ دِينِهِ (كَبِيرَةٌ). وَالضَّابِطُ هُوَ: هَلْ هَذِهِ النُّصْرَةُ فِيهَا تَرْكٌ لِوَاجِبٍ شَرْعِيٍّ أَوْ فِعْلٌ لِمُحَرَّمٍ؟ فَمَنْ نَصَرَهُمْ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ فَقَدْ أَتَى كَبِيرَةً مُوبِقَةً، وَمَنْ نَصَرَهُمْ لِيَهْدِمُوا مَسْجِداً أَوْ يَمْنَعُوا شَرِيعَةً فَقَدْ كَفَرَ» [10].

خَامِسًا: صُوَرٌ وَأَمْثِلَةٌ تَطْبِيقِيَّةٌ لِلْمُظَاهَرَةِ وَالنُّصْرَةِ

1. صُوَرُ النُّصْرَةِ العَسْكَرِيَّةِ:

الِانْخِرَاطُ فِي جُيُوشِ الطَّوَاغِيتِ الَّتِي تُقَاتِلُ مَنْ يُرِيدُ إِقَامَةَ الشَّرِيعَةِ، بِقَصْدِ تَمْكِينِ النِّظَامِ الوَضْعِيِّ.

تَقْدِيمُ السِّلاحِ وَالمَؤُونَةِ لِلْكُفَّارِ المُّحَارِبِينَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي بِلادِهِمْ.

2. صُوَرُ النُّصْرَةِ الِاسْتِخْبَارَاتِيَّةِ (الجَاسُوسِيَّةِ):

التَّحْقِيقُ المُّوَسَّعُ هُنَا يُمَيِّزُ بَيْنَ (حَاطِبٍ) الَّذِي أَرَادَ مَصْلَحَةً خَاصَّةً مَعَ يَقِينِهِ بِنَصْرِ اللهِ لِلنَّبِيِّ، وَبَيْنَ (الجَاسُوسِ المُّتَوَلِّي) الَّذِي يَدُلُّ الكُفَّارَ لِيَسْتَأْصِلُوا شَأْفَةَ المُسْلِمِينَ رِضاً بِحَالِهِمْ.

3. صُوَرُ النُّصْرَةِ الإِعْلَامِيَّةِ وَالفِكْرِيَّةِ:

الدِّفَاعُ عَنِ الأَنْظِمَةِ الطَّاغُوتِيَّةِ المُّبَدِّلَةِ لِلشَّرْعِ، وَتَصْوِيرُهَا عَلَى أَنَّهَا "وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ"، وَتَحْرِيضُهُمْ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالتَّوْحِيدِ.

المُشَارَكَةُ فِي صِيَاغَةِ القَوَانِينِ الَّتِي تُمَكِّنُ لِلْمُشْرِكِينَ فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ بِمَا يُسَمَّى "المُوَاطَنَةَ العَالَمِيَّةَ" المُّتَصَادِمَةَ مَعَ الولَاءِ وَالبَرَاءِ.

4. صُوَرُ النُّصْرَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ:

تَمْوِيلُ المَشَارِيعِ الَّتِي تَهْدِفُ إِلَى تَغْيِيرِ الهُوِيَّةِ العَقَدِيَّةِ لِلأُمَّةِ نُصْرَةً لِلْمُخَطَّطَاتِ التَّغْرِيبِيَّةِ.

سَادِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (المُدَوِّنِ)

يُحَقِّقُ البَاحِثُ أَنَّ جَوْهَرَ (المُظَاهَرَةِ) هُوَ "خِيَانَةُ المِيثَاقِ". فَإِنَّ اللهَ أَخَذَ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ. فَمَنْ جَعَلَ يَدَهُ مَعَ الطَّاغُوتِ فَقَدْ نَقَضَ تَوْحِيدَهُ العَمَلِيَّ. وَالبَاحِثُ يُؤَكِّدُ أَنَّ "النُّصْرَةَ" فِي مَتْنِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ مَنَاطُهَا الحَقِيقِيُّ هُوَ (الِانْحِيَازُ)؛ فَالطَّاغُوتُ يَجِبُ أَنْ يُهْجَرَ وَيُبْغَضَ وَيُكَفَّرَ بِهِ، فَمَنْ نَصَرَهُ فَقَدْ جَعَلَهُ مَحْبُوباً مَنْصُوراً مُمَكَّناً، وَهَذَا ضِدُّ (الكُفْرِ بِهِ) تَمَاماً. إِنَّ التَّحْقِيقَ السَّلَفِيَّ يَمْنَعُ تَمْيِيعَ المَسْأَلَةِ بِحُجَّةِ "المَصْلَحَةِ" إِذَا كَانَتْ هَذِهِ المَصْلَحَةُ تَعْنِي هَدْمَ أَصْلِ البَرَاءِ.

-------------------------&

الحَاشِيَةُ :

[1] "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ"، ج10، ص399، طَبْعَةُ دَارِ هَجْرٍ. نَصَّ عَلَى مَنَاطِ الرِّضَا بِالكُفْرِ فِي النُّصْرَةِ.

[2] "شَرْحُ السُّنَّةِ"، لِلْبربهاري، ص68، دَارُ الصَّمِيعِيِّ.

[3] "الرَّدُّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ"، لِلدَّارِمِيِّ، ص142، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ.

[4] يُنْظَرُ: "الفُرُوعُ"، لِابْنِ مُفْلِحٍ، ج10، ص188، فِي أَحْكَامِ مَنْ أَعَانَ العَدُوَّ.

[5] "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ج28، ص530. فِي نَقْدِ أَحْوَالِ المُنْتَسِبِينَ لِلإِسْلَامِ مَعَ التَّتارِ.

[6] "بَدَائِعُ الفَوَائِدِ"، لِابْنِ القَيِّمِ، ج2، ص310.

[7] "شَرْحُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ" (صَوْتِيٌّ مُفَرَّغٌ)، الشَّيْخُ صَالِحُ آل الشَّيْخِ، النَّاقِضُ الثَّامِنُ.

[8] "التَّحْرِيرَاتُ العَقَدِيَّةُ"، الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ، ص122.

[9] "رَسَائِلُ التَّوْحِيدِ"، مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ التَّمِيمِيُّ، ص45.

[10] "تَفْسِيرُ القُرْآنِ الكَرِيمِ (سُورَةُ المَائِدَةِ)"، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ج2، ص144.

-------------------------------&

المُقَدِّمَةُ العِشْرُونَ: 

تَحْرِيرُ مَنَاطِ الوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَمُوجِبَاتِ انْقِطَاعِهَا

أَوَّلاً: التَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ وَالِاصْطِلَاحِيُّ لِلْوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ

1. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ:

الوِلَايَةُ (بِكَسْرِ الوَاوِ أَوْ فَتْحِهَا) مِنَ (الوَلْيِ)، وَتَدُلُّ عَلَى النُّصْرَةِ وَالسُّلْطَانِ وَتَدْبِيرِ الأَمْرِ. وَيُقَالُ: وَلِيَ الأَمْرَ أَيْ مَلَكَهُ وَقَامَ بِهِ. وَالمَقْصُودُ هُنَا "وِلَايَةُ الحُكْمِ" الَّتِي هِيَ نِيَابَةٌ عَنِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا [1].

2. الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ):

هِيَ سُلْطَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَسْتَمِدُّهَا الحَاكِمُ مِنْ عَقْدِ "البَيْعَةِ" عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، لِيَقُومَ بِمَصَالِحِ العِبَادِ وَإِقَامَةِ الحُدُودِ وَحِمَايَةِ الثُّغُورِ.

الحَدُّ المَانِعُ: يَخْرُجُ مِنْهَا "الوِلَايَةُ الطَّاغُوتِيَّةُ" الَّتِي تَقُومُ عَلَى مَحْضِ القَهْرِ أَوْ التَّشْرِيعِ الوَضْعِيِّ البَدِيلِ عَنِ الشَّرْعِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ سُمِّيَتْ وِلَايَةً فِي الوَاقِعِ، إِلَّا أَنَّهَا فَقَدَتْ وَصْفَ "الشَّرْعِيَّةِ" [2].

ثَانِيًا: مَنَاطُ "الوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ" (أَرْكَانُ القِيَامِ)

تَتَحَقَّقُ الوِلَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ بِمَنَاطَيْنِ رَئِيسَيْنِ:

مَنَاطُ "أَصْلِ الإِسْلَامِ": فَلَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ بِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ.

مَنَاطُ "الِالْتِزَامِ بِالحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ": فَالغَايَةُ مِنْ تَنْصِيبِ الإِمَامِ هِيَ إِقَامَةُ الشَّرْعِ. قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «مَقْصُودُ الوِلَايَةِ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا» [3].

ثَالِثًا: مُوجِبَاتُ انْقِطَاعِ الوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ (تَحْقِيقُ مَنَاطِ العَزْلِ)

تَنْقَطِعُ الوِلَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَتَسْقُطُ طَاعَةُ الحَاكِمِ فِقْهِيّاً وَعَقَدِيّاً فِي ثَلَاثِ حَالَاتٍ رَئِيسَةٍ:

1. المُنَاطُ الأَوَّلُ: الكُفْرُ البَوَاحُ:

وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الحَاكِمُ بِنَاقِضٍ صَرِيحٍ مِنَ النَّوَاقِضِ (كَسَبِّ الدِّينِ، أَوْ تَبْدِيلِ الشَّرْعِ كُلِيّاً، أَوْ مُظَاهَرَةِ الكُفَّارِ).

الشَّاهِدُ: قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ: «...أَلَّا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [4].

2. المَنَاطُ الثَّانِي: تَرْكُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ (بِمَعْنَاهَا الشَّامِلِ):

وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ إِقَامَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ وَالحُكْمِ بِهِ.

الشَّاهِدُ: قَوْلُهُ ﷺ حِينَ سُئِلَ: أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ» [5].

3. المَنَاطُ الثَّالِثُ: العَجْزُ الكُلِّيُّ أَوْ زَوَالُ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ:

بِحَيْثُ لَا يَعُودُ قَادِرًا عَلَى حِمَايَةِ المُسْلِمِينَ أَوْ إِقَامَةِ الدِّينِ، فَتَنْقَطِعُ وِلَايَتُهُ لِفَوَاتِ مَقْصُودِهَا [6].

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (تَحْرِيرُ الفَرْقِ بَيْنَ الجَوْرِ وَالكُفْرِ)

يَرَى البَاحِثُ المُحَقِّقُ أَنَّ الوِلَايَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَنْقَطِعُ بِمُجَرَّدِ "الجَوْرِ" (الظُّلْمِ) أَوْ "الفِسْقِ" الشَّخْصِيِّ، بَلْ بَقِيَتْ نُصُوصُ السَّلَفِ آمِرَةً بِالطَّاعَةِ فِي المَعْرُوفِ لِمَنْ جَارَ وَظَلَمَ حِفْظاً لِجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ. إِنَّمَا يَنْقَطِعُ المَنَاطُ عِنْدَ "تَبْدِيلِ المَرْجِعِيَّةِ"؛ فَإِذَا صَارَ الحَاكِمُ يَدْعُو لِتَحْكِيمِ الطَّاغُوتِ وَيُنَحِّي الشَّرْعَ عَمْداً وَتَشْرِيعاً، فَقَدْ فَارَقَ مَنَاطَ "الوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ" إِلَى "الوِلَايَةِ الطَّاغُوتِيَّةِ"، وَهُنَا يَنْبَغِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ (الصَّبْرِ عَلَى ظُلْمِ الحَاكِمِ المُسْلِمِ) وَبَيْنَ (الرِّضَا بِكُفْرِ الحَاكِمِ المُّبَدِّلِ).

خَامِسًا: الرَّبْطُ بِمَتْنِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ"

إِنَّ مَنْ انْقَطَعَتْ وِلَايَتُهُ بِالكُفْرِ البَوَاحِ أَوِ التَّبْدِيلِ، فَقَدْ دَخَلَ فِي مُسَمَّى "الحَاكِمِ الجَائِرِ المُّبَدِّلِ لأَحْكَامِ اللهِ"، وَهُوَ أَحَدُ الرُّؤُوسِ الخَمْسَةِ لِلطَّاغُوتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ. فَالكُفْرُ بِهَذَا الطَّاغُوتِ يَقْتَضِي اعْتِقَادَ بطلَانِ وِلَايَتِهِ وَبُغْضَ طَرِيقَتِهِ، مَعَ مُرَاعَاةِ القُدْرَةِ وَالمَصْلَحَةِ فِي التَّغْيِيرِ حَتَّى لَا تَقَعَ مَفْسَدَةٌ أَعْظَمُ [7].

----------------&

الحَاشِيَةُ :

[1] يُنْظَرُ: "الأَحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةُ"، لِلْمَاوَرْدِيِّ، ص5، دَارُ الحَدِيثِ، القَاهِرَةُ.

[2] يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج35، ص18.

[3] "السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي إِصْلَاحِ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ"، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ص12، دَارُ الآفَاقِ الجَدِيدَةِ.

[4] أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (7056) وَمُسْلِمٌ (1709).

[5] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (1855) مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

[6] يُنْظَرُ: "مُغْنِي المُحْتَاجِ"، لِلشِّرْبِينِيِّ، ج4، ص132. فِي بَيَانِ شُرُوطِ انْعِقَادِ الإِمَامَةِ وَانْفِسَاخِهَا.

[7] يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ"، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَشَرْحُهَا فِي "الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ"، ج1، ص161. فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ الحَاكِمِ بغيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ.

-----------------------------&

تَتِمَّةُ(١) المُقَدِّمَةِ العِشْرِينَ:

 تَحْرِيرُ مَنَاطِ الخُرُوجِ وَضَوَابِطِهِ الشَّرْعِيَّةِ 

أَوَّلاً: تَحْرِيرُ مَنَاطِ الخُرُوجِ (بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالصُّورَةِ)

الخُرُوجُ لُغَةً: البُرُوزُ وَالِانْفِصَالُ. وَاصْطِلَاحاً: هُوَ مُنَابَذَةُ مَنْ ثَبَتَتْ وِلَايَتُهُ بِالسَّيْفِ أَوْ بِنَزْعِ اليَدِ مِنَ الطَّاعَةِ [1].

 وَالتَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ يَقْتَضِي تَقْرِيرَ أَنَّ "الأَصْلَ" هُوَ حُرْمَةُ الخُرُوجِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ زَوَالِ الأَمْنِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَأَنَّ هَذَا الكَفَّ هُوَ عَيْنُ السُّولُوكِ الشَّرْعِيِّ المُنْضَبِطِ.

ثَانِيًا: ضَوَابِطُ الكَفِّ عَنِ الخُرُوجِ (تَحْقِيقُ مَنَاطِ الِاسْتِطَاعَةِ وَالأَمْنِ)

إِنَّ تَقْرِيرَ الِامْتِنَاعِ عَنِ الخُرُوجِ يَقُومُ عَلَى دَعَائِمَ شَرْعِيَّةٍ رَصِينَةٍ:

ضَابِطُ "حِفْظِ الأَمْنِ وَالأَمَانِ": فَإِنَّ وُجُودَ وِلَايَةٍ قَائِمَةٍ (وَلَوْ جَارَتْ أَوْ خَالَفَتْ) يَحْفَظُ بَيْضَةَ المُسْلِمِينَ وَيَمْنَعُ الفَوْضَى.

ضَابِطُ "السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ العَجْزِ": فَإِذَا فُقِدَتِ القُدْرَةُ عَلَى نَزْعِ حَاكِمٍ وَتَنْصِيبِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ بِلَا مَفْسَدَةٍ، فَالوَاجِبُ هُوَ الكَفُّ اتِّبَاعاً لِلسُّنَّةِ [2].

ضَابِطُ "المَصْلَحَةِ العُلْيَا": وَهُوَ أَنَّ دَرْءَ مَفْسَدَةِ الفِتْنَةِ وَالقِتَالِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَصْلَحَةِ التَّغْيِيرِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ عُقْبَاهَا.

ثَالِثًا: الرَّبْطُ بِالمُقَدِّمَةِ الـ 20 (مُوجِبَاتُ الِانْقِطَاعِ)

الرَّبْطُ هُنَا يَتَجَلَّى فِي أَنَّ انْقِطَاعَ الوِلَايَةِ (بِالمَعْنَى الوَصْفِيِّ) عِنْدَ ظُهُورِ مَا يُوجِبُهُ، لَا يَعْنِي انْفِرَاطَ عَقْدِ الجَمَاعَةِ. 

بَلْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي "مَنَاطِ التَّنْفِيذِ" مَحْكُوماً بِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ فِي حِفْظِ الدِّمَاءِ، فَيَكُونُ الِامْتِنَاعُ عَنِ الخُرُوجِ عِبَادَةً وَاتِّبَاعاً لَا رِضاً بِالمُنْكَرِ.

رَابِعًا: الرَّبْطُ بِمَعْنَى الطَّاغُوتِ عِنْدَ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ

إِنَّ "الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ" عِنْدَ الإِمَامِ يَبْدَأُ بِالاعْتِقَادِ وَالبُغْضِ وَالبَرَاءِ. وَهَذَا البَرَاءُ لَا يَسْتَلْزِمُ الخُرُوجَ المَادِّيَّ الَّذِي يَهْدِمُ العُمْرَانَ وَيُذْهِبُ الأَمَانَ. فَالكَافِرُ بِالطَّاغُوتِ هُوَ مَنْ نَبَذَ عِبَادَتَهُ وَحُكْمَهُ فِي قَلْبِهِ وَعَمَلِهِ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ، مَعَ لُزُومِ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ وَعَدَمِ شَقِّ العَصَا اتِّبَاعاً لِلآثَارِ [3].

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ البَحْثِيُّ (التَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ لِلْمُدَوِّنِ)

يُقَرِّرُ البَاحِثُ المُحَقِّقُ أَنَّ عَدَمَ الخُرُوجِ عَلَى مَنْ ثَبَتَتْ وِلَايَتُهُ (وَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا طَرَأَ) هُوَ مَحْضُ الِاتِّبَاعِ لِلسُّنَّةِ، وَهُوَ السَّبِيلُ الوَحِيدُ لِحِفْظِ دِمَاءِ المُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضِهِمْ. إِنَّ العَقْلَ الشَّرْعِيَّ السَّلِيمَ يَرَى أَنَّ بَقَاءَ الدَّوْلَةِ وَأَمْنَهَا مَقْصِدٌ ضَرُورِيٌّ، وَأَنَّ الخُرُوجَ العَشْوَائِيَّ فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ تَهْدِمُ وَلَا تَبْنِي. لِذَا، فَإِنَّ الكَفَّ عَنِ الخُرُوجِ هُوَ "سِيَاسَةٌ شَرْعِيَّةٌ" رَصِينَةٌ تَقُومُ عَلَى فِقْهِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَتَنْظُرُ فِي مَآلَاتِ الأَفْعَالِ، بَعِيداً عَنْ عَوَاطِفِ الغُلَاةِ الَّذِينَ أَفْسَدُوا الحَرْثَ وَالنَّسْلَ بِاسْمِ التَّغْيِيرِ [4].

سَادِسًا: الِاسْتِشْهَادُ بِالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ السَّلَفِ فِي عَدَمِ الخُرُوجِ

1. الشَّوَاهِدُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:

الحَدِيثُ الأَوَّلُ: عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ ﷺ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» [5].

الحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُوَ بِهِ...» [6].

2. أَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الهُدَى فِي الكَفِّ عَنِ الخُرُوجِ:

الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَمَّا جَاءَهُ الفُقَهَاءُ فِي فِتْنَةِ (خَلْقِ القُرْآنِ) يُرِيدُونَ الخُرُوجَ، مَنَعَهُمْ وَقَالَ: «الدِّمَاءَ الدِّمَاءَ! لَا أَرْضَى هَذَا وَلَا آمُرُ بِهِ، الصَّبْرُ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ خَيْرٌ مِنْ فِتْنَةٍ تُسْفَكُ فِيهَا الدِّمَاءُ، وَتُسْتَبَاحُ فِيهَا الأَمْوَالُ» [7].

الحَسَنُ البَصْرِيُّ: كَانَ يَنْهَى عَنِ الخُرُوجِ عَلَى الحَجَّاجِ وَيَقُولُ: «وَاللهِ لَوْ أَنَّ النَّاسَ إِذَا ابْتُلُوا مِنْ قِبَلِ سُلْطَانِهِمْ صَبَرُوا، مَا لَبِثُوا أَنْ يَرْفَعَ اللهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَفْزَعُونَ إِلَى السَّيْفِ فَيُوكَلُونَ إِلَيْهِ» [8].

شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: قَرَّرَ أَنَّ "مَفْسَدَةَ الخُرُوجِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ الظُّلْمِ"، وَأَنَّ مَا مِنْ قَوْمٍ خَرَجُوا عَلَى سُلْطَانِهِمْ إِلَّا كَانَ حَالُهُمْ بَعْدَ الخُرُوجِ شَرّاً مِنْ حَالِهِمْ قَبْلَهُ [9].

الإِمَامُ البربهاري: قَالَ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ): «وَمَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ فَهُوَ خَارِجِيٌّ، قَدْ شَقَّ عَصَا المُسْلِمِينَ، وَخَالَفَ الآثَارَ، وَمِيْتَتُهُ مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ» [10].

العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ: كَانَ يُؤَكِّدُ أَنَّ عَدَمَ الخُرُوجِ هُوَ عَيْنُ العَقْلِ وَالشَّرْعِ لِحِمَايَةِ المَصَالِحِ، وَأَنَّ النَّصِيحَةَ بِالرِّفْقِ هِيَ السَّبِيلُ لَا المُنَابَذَةُ [11].

-------------------&

الحَاشِيَةُ :

[1] يُنْظَرُ: "مُغْنِي المُحْتَاجِ"، لِلشِّرْبِينِيِّ، ج4، ص124.

[2] يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج28، ص179.

[3] يُنْظَرُ: "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ"، ج10، ص54.

[4] يُنْظَرُ: "التَّحْرِيرَاتُ العِلْمِيَّةُ"، لِلشَّيْخِ صَالِحِ السِّنْدِيِّ، ص110.

[5] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (1847).

[6] أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي "السُّنَّةِ" (1096)، وَأَحْمَدُ فِي "المُسْنَدِ" (15333)، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.

[7] يُنْظَرُ: "الآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ"، لِابْنِ مُفْلِحٍ، ج1، ص195، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ.

[8] يُنْظَرُ: "الزُّهْدُ"، لِابْنِ المُبَارَكِ، ص441.

[9] "مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ"، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ج3، ص391، مُؤَسَّسَةُ قُرْطُبَةَ.

[10] "شَرْحُ السُّنَّةِ"، لِلْبربهاري، ص42، دَارُ الصَّمِيعِيِّ.

[11] يُنْظَرُ: "فَتَاوَى الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ"، ج8، ص202.

-----------------------&

المُقَدِّمَةُ الحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: تَحْرِيرُ مَنَاطِ العُذْرِ بِالجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ

أَوَّلاً: التَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ وَالِاصْطِلَاحِيُّ (الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ)

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ:

العُذْرُ: مِنَ (عَذَرَ)، وَيَدُلُّ عَلَى مَحْوِ الذَّنْبِ أَوْ تَرْكِ المُؤَاخَذَةِ بِهِ لِحُصُولِ مَانِعٍ. وَالعُذْرُ هُوَ الحُجَّةُ الَّتِي يُعْذَرُ بِهَا الشَّخْصُ.

الجَهْلُ: ضِدُّ العِلْمِ، وَهُوَ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، أَوْ خَلَاءُ النَّفْسِ مِنَ العِلْمِ بِهِ أَصْلًا.

التَّأْوِيلُ: مِنَ (الأَوْلِ) أَيْ الرُّجُوعِ، وَاصْطِلَاحاً: صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الظَّاهِرِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ لِدَلِيلٍ أَوْ شُبْهَةٍ قَامَتْ عِنْدَ المُّتَأَوِّلِ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ:

العُذْرُ بِالجَهْلِ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ: هُوَ «تَعْلِيقُ حُكْمِ التَّكْفِيرِ عَمَّنْ تَلَبَّسَ بِعِبَادَةِ الطَّاغُوتِ أَوْ نُصْرَتِهِ أَوْ التَّحَاكُمِ إِلَيْهِ، لِعَدَمِ بُلُوغِ الحُجَّةِ الرَّسَالِيَّةِ إِلَيْهِ، أَوْ لِخَفَاءِ المَسْأَلَةِ عَلَى مِثْلِهِ فِي مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ نَادِرٍ».

يَخْرُجُ بِالقَيْدِ (الجَامِعِ المَانِعِ): المَسَائِلُ الظَّاهِرَةُ الَّتِي لَا يَجْهَلُهَا مُسْلِمٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ (كَأَصْلِ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ)، فَالجَهْلُ فِيهَا يُسَمَّى "إِعْرَاضاً" لَا جَهْلًا يُعْذَرُ بِهِ صَاحِبُهُ [1].

ثَانِيًا: مَنَاطُ التَّفْرِيقِ فِي العُذْرِ (تَأْصِيلٌ شَرْعِيٌّ)

يُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ العُذْرَ بِالجَهْلِ مَنَاطُهُ (انْتِفَاءُ الحُجَّةِ). وَفِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ، يَنْقَسِمُ الأَمْرُ إِلَى:

مَسَائِلُ (أَصْلِ الدِّينِ): كَعِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، فَهَذِهِ لَا عُذْرَ فِيهَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ لِظُهُورِ القُرْآنِ.

مَسَائِلُ (الخَفَاءِ وَالتَّفْصِيلِ): كَبَعْضِ صُوَرِ التَّحَاكُمِ المُّعَقَّدَةِ أَوْ التَّأْوِيلاتِ فِي المُّظَاهَرَةِ، فَهَذِهِ يُنْظَرُ فِيهَا لِحَالِ الشَّخْصِ وَقِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ.

ثَالِثًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الكِتَابِ وَالنَّقْلِ

مِنَ الكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]. هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ العَذَابَ (وَمِنْهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا فِي التَّكْفِيرِ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ) مَنُوطٌ بِبُلُوغِ الرِّسَالَةِ.

مِنَ النَّقْلِ (السُّنَّةِ): حَدِيثُ الَّذِي أَمَرَ أَوْلَادَهُ بِحَرْقِهِ (حَدِيثُ الجَهْلِ بِقُدْرَةِ اللهِ)، حَيْثُ قَالَ: «لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي...». فَعَذَرَهُ اللهُ بِجَهْلِهِ لِفَرْطِ خَوْفِهِ، مَعَ أَنَّ مَسْأَلَةَ القُدْرَةِ مِنْ أَصْلِ الدِّينِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْحَدْهَا عِنَاداً [2].

رَابِعًا: أَقْوَالُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالمُحَقِّقِينَ (قَدِيماً)

1. الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (ت 204هـ):

«لِلَّهِ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ جَاءَ بِهَا كِتَابُهُ، وَأَخْبَرَ بِهَا نَبِيُّهُ ﷺ، لَا يَسَعُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ قَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ رَدَّهَا... فَإِنْ خَالَفَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ فَهِيَ الكُفْرُ، وَأَمَّا قَبْلَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ فَمَعْذُورٌ بِالجَهْلِ؛ لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ وَلَا بِالرُّؤْيَةِ وَالفِكْرِ» [3].

2. الإِمَامُ ابْنُ مَنْدَه (ت 395هـ):

قَرَّرَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ أَنَّ العِلْمَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ، وَأَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي نَاقِضٍ عَنْ جَهْلٍ بِصِدْقِ الرَّسُولِ أَوْ بِبُلُوغِ الخَبَرِ لَمْ يَكْفُرْ حَتَّى تَبِينَ لَهُ السُّبُلُ. وَجَعَلَ مَنَاطَ التَّكْفِيرِ هُوَ (الرَّدَّ وَالجُحُودَ) بَعْدَ اليَقِينِ، لَا مُجَرَّدَ الوُقُوعِ فِي الفِعْلِ حَالَ الخَفَاءِ [4].

3. شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):

«إِنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْياً عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إِلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إِلَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ الرَّسَالِيَّةُ الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِراً تَارَةً وَفَاسِقاً أُخْرَى. وَأَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ خَطَأَهَا، وَذَلِكَ يَعُمُّ الخَطَأَ فِي المَسَائِلِ الخَبَرِيَّةِ القَوْلِيَّةِ وَالمَسَائِلِ العَمَلِيَّةِ» [5].

4. الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ (ت 751هـ):

«الحُجَّةُ تَقُومُ عَلَى العَبْدِ بِتَمَكُّنِهِ مِنَ العِلْمِ، فَلَيْسَ الشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِالفِعْلِ، بَلْ أَنْ يَكُونَ تَمَكُّنُهُ مِنَ العِلْمِ مَوْجُوداً فَيُعْرِضُ عَنْهُ. أَمَّا مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ طَلَبِ العِلْمِ وَمَعْرِفَةِ الحَقِّ، فَهَذَا لَا يَكْفُرُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ الَّتِي يُكَفَّرُ تَارِكُهَا» [6].

5. الإِمَامُ ابْنُ الوَزِيرِ (ت 840هـ):

نَصَّ فِي (الرَّوْضِ البَاسِمِ) عَلَى أَنَّ التَّوَسُّعَ فِي التَّكْفِيرِ مَعَ وُجُودِ الجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ فِي مَسَائِلِ (الطَّاغُوتِ وَالمُوَالَاةِ) مَزَلَّةُ قَدَمٍ، وَأَنَّ الإِسْلَامَ الظَّاهِرَ لَا يَزُولُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَاليَقِينُ لَا يَحْصُلُ مَعَ احْتِمَالِ الجَهْلِ الصَّادِقِ غَيْرِ المُّعَانِدِ [7].

خَامِسًا: الرَّبْطُ بِمَتْنِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ

إِنَّ الإِمَامَ فِي رِسَالَتِهِ عَرَّفَ الطَّاغُوتَ وَأَوْجَبَ الكُفْرَ بِهِ. وَالتَّحْرِيرُ هُنَا أَنَّ (العُذْرَ بِالجَهْلِ) لَا يَعْنِي "تَصْحِيحَ طَرِيقَةِ الطَّاغُوتِ"، بَلْ هُوَ حُكْمٌ عَلَى (الفَاعِلِ المُعَيَّنِ). فَالطَّاغُوتُ عِنْدَ الإِمَامِ رِجْسٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ، لَكِنَّ مَنْ قَصَّرَ فِي مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ بَعْضِ الطَّوَاغِيتِ لِخَفَاءِ حَالِهِمْ أَوْ لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَامَلُ بِمَنَاطِ (البَيَانِ) قَبْلَ (السِّنَانِ). فَالرَّبْطُ هُوَ: أَنَّ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ أَصْلٌ، وَالعُذْرَ بِالجَهْلِ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ إِنْفَاذِ الوَعِيدِ عَلَى المُّعَيَّنِ [8].

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ

الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آل الشَّيْخِ: قَرَّرَ أَنَّ المَسَائِلَ تَنْقَسِمُ إِلَى "ظَاهِرَةٍ" لَا عُذْرَ فِيهَا فِي دَارِ الإِسْلَامِ، وَ"خَفِيَّةٍ" يُعْذَرُ فِيهَا الجَاهِلُ. وَأَنَّ مَنَاطَ التَّكْفِيرِ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ يَحْتَاجُ إِلَى "تَحْقِيقِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ المَوَانِعِ" [9].

الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ التَّأْوِيلَ السَّائِغَ (أَيِ الَّذِي لَهُ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ) يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ، وَأَنَّ مَسَائِلَ التَّحَاكُمِ وَالمُظَاهَرَةِ فِيهَا جَوَانِبُ دَقِيقَةٌ يُعْذَرُ فِيهَا مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ المَنَاطُ [10].

سَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (المُدَوِّنِ)

يُحَقِّقُ البَاحِثُ أَنَّ مَسْأَلَةَ العُذْرِ بِالجَهْلِ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ هِيَ "صَمَّامُ الأَمَانِ" لِعَقِيدَةِ السَّلَفِ. فَالغُلُوُّ فِي نَفْيِ العُذْرِ كُلِيّاً يُؤَدِّي إِلَى مَذْهَبِ الخَوَارِجِ، وَالتَّوَسُّعُ فِيهِ يُؤَدِّي إِلَى الإِرْجَاءِ. التَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ هُوَ أَنَّ (الأَصْلَ) هُوَ تَوْحِيدُ اللهِ وَالكَفْرُ بِالطَّاغُوتِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي خِلَافِ ذَلِكَ نُظِرَ فِي حَالِهِ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَبْلُغُهُ العِلْمُ وَأَعْرَضَ فَلَا عُذْرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ خَفِيَ عَلَيْهِ الحَقُّ لِفِتْنَةٍ أَوْ سُوءِ بَيَانٍ مِنْ عُلَمَاءِ الضَّلَالِ، فَهَذَا يُبَيَّنُ لَهُ، فَإِنْ أَصَرَّ كَفَرَ.

----------------&

الحَاشِيَةُ:

[1] يُنْظَرُ: "التَّمْهِيدُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ"، صَالِحُ آل الشَّيْخِ، ص 154.

[2] رَوَاهُ البُخَارِيُّ (3481) وَمُسْلِمٌ (2756).

[3] نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ القَيِّمِ فِي "إِعْلَامِ المُوَقِّعِينَ"، ج2، ص 394.

[4] يُنْظَرُ: "كِتَابُ التَّوْحِيدِ"، لِابْنِ مَنْدَه، ج1، ص 312.

[5] "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ج3، ص 229.

[6] "طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ"، ابْنُ القَيِّمِ، ص 411، دَارُ ابْنِ القَيِّمِ.

[7] "الرَّوْضُ البَاسِمُ"، ابْنُ الوَزِيرِ، ج2، ص 415.

[8] يُنْظَرُ: "تَطْهِيرُ الِاعْتِقَادِ"، الصَّنْعَانِيُّ، ص 33، حَيْثُ نَاقَشَ العُذْرَ بِالجَهْلِ فِي مَسَائِلِ الشِّرْكِ.

[9] يُنْظَرُ: "شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" (صَوْتِيٌّ)، صَالِحُ آل الشَّيْخِ.

[10] "التَّحْرِيرَاتُ العَقَدِيَّةُ"، صَالِحٌ السِّنْدِيُّ، ص 88.

------------------------::-&

المُتَمِّمَةُ الأُولَى (21-ب): الفَرْقُ بَيْنَ الجَهْلِ بِالحُكْمِ وَالجَهْلِ بِالحَالِ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ

أَوَّلاً: التَّحْرِيرُ الِاصْطِلَاحِيُّ لِلْمَنَاطَيْنِ (بِدِقَّةٍ عِلْمِيَّةٍ)

الجَهْلُ بِالحُكْمِ:

تَعْرِيفُهُ: هُوَ أَنْ يَكُونَ المُكَلَّفُ عَالِماً بِأَنَّهُ يَفْعَلُ فِعْلاً مُعَيَّناً (كَمُبَايَعَةِ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ)، لَكِنَّهُ يَجْهَلُ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ المُّتَرَتِّبَ عَلَى هَذَا الفِعْلِ، أَوْ يَجْهَلُ أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ هَذَا الفِعْلَ نَاقِضاً لِلإِسْلَامِ.

مَنَاطُهُ: يَرْتَبِطُ بِـ (بُلُوغِ الرِّسَالَةِ)؛ أَيْ هَلْ وَصَلَهُ القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِ مَعْنَى "الطَّاغُوتِ" وَوُجُوبِ الكُفْرِ بِهِ أَمْ لَا؟

الجَهْلُ بِالحَالِ:

تَعْرِيفُهُ: هُوَ أَنْ يَكُونَ المُكَلَّفُ عَالِماً بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ (أَيْ يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِالقَانُونِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ طَاغُوتاً)، لَكِنَّهُ يَجْهَلُ "وَاقِعَ هَذَا الفِعْلِ"؛ فَلَا يَعْلَمُ -مَثَلًا- أَنَّ هَذَا الدُّسْتُورَ المُّعَيَّنَ يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّ الحَاكِمَ يَقْصِدُ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً لَا التَّبْدِيلَ.

مَنَاطُهُ: يَرْتَبِطُ بِـ (تَحْقِيقِ المَنَاطِ)؛ أَيْ تَنْزِيلُ الحُكْمِ الكُلِّيِّ عَلَى الوَاقِعَةِ العَيْنِيَّةِ.

ثَانِيًا: أَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ فِي التَّفْرِيقِ

1. الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت 310هـ):

«إِنَّ الشَّارِعَ قَدْ عَذَرَ مَنْ كَانَ جَهْلُهُ بِالحَالِ سَبَباً فِي وُقُوعِهِ فِي المَحْظُورِ، لِأَنَّ القَصْدَ هُنَا لَمْ يَتَوَجَّهْ لِلمُخَالَفَةِ. فَمَنْ نَصَرَ مُبْطِلًا وَهُوَ يَظُنُّهُ مُحِقًّا، فَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ قَصَدَ نُصْرَةَ الحَقِّ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِمَا لَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ صَدْرُهُ مِنْ حَقِيقَةِ البَاطِلِ. وَالجَهْلُ بِالحَالِ مَانِعٌ عِنْدَ القِيَاسِ عَلَى مَنْ ظَنَّ الكَافِرَ الحَرْبِيَّ مَعْصُومَ الدَّمِ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، أَوْ عَكَسَ ذَلِكَ» [1].

2. شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):

«الجَهْلُ بِالحُكْمِ قَدْ لَا يُعْذَرُ فِيهِ مَنْ تَمَكَّنَ مِنَ العِلْمِ فَأَعْرَضَ، أَمَّا الجَهْلُ بِالحَالِ فَهُوَ عُذْرٌ جَارٍ عَلَى القَوَاعِدِ؛ لِأَنَّ الأَحْكَامَ مَنُوطَةٌ بِعِلْمِ العَبْدِ بِصُورَةِ الفِعْلِ. وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً بِاللهِ وَرَسُولِهِ، لَكِنَّهُ يُعَاوِنُ طَائِفَةً لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ كُفْرِهَا، بَلْ لِتَلْبِيسٍ حَصَلَ لَهُ فِي حَالِهِمْ، فَهَذَا لَا يُكَفَّرُ، بَلْ لَا يُفَسَّقُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مَنْ يَنْصُرُهُمْ هُمْ أَعْدَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ» [2].

3. الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ (ت 751هـ):

«المُكَلَّفُ قَدْ يَكُونُ مُتَمَسِّكاً بِالأَصْلِ (وَهُوَ التَّوْحِيدُ)، لَكِنَّهُ يَجْهَلُ الحَالَ؛ كَمَنْ يُخْبِرُهُ عَالِمُ سُوءٍ أَنَّ هَذَا الفِعْلَ لَيْسَ شِرْكاً، أَوْ أَنَّ هَذَا الطَّاغُوتَ إِمَامٌ عَدْلٌ. فَهَذَا عُذْرُهُ بِالحَالِ يَمْنَعُ تَنْزِيلَ الوَعِيدِ، لِأَنَّ العَبْدَ إِنَّمَا يُكَفَّرُ إِذَا تَعَمَّدَ الرَّدَّ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُ. فَمَنْ جَهِلَ صُورَةَ المَنَاطِ (أَيِ الوَاقِعَ) فَهُوَ أَوْلَى بِالعُذْرِ مِمَّنْ جَهِلَ أَصْلَ الخَبَرِ» [3].

4. الإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ):

قَرَّرَ فِي رَدِّهِ عَلَى المُّبْطِلِينَ أَنَّ الإِيمَانَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَلَا بِالجَهْلِ بِبَوَاطِنِ الأُمُورِ الَّتِي غَابَتْ عَنْ عِيَانِ المُسْلِمِ. فَمَنِ اعْتَقَدَ نُصْرَةَ الدِّينِ فِي جِهَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ بِمَظْهَرِ الإِسْلَامِ وَهِيَ تَبْطُنُ الكُفْرَ، لَمْ يَلْحَقْهُ حُكْمُهَا إِلَّا بَعْدَ كَشْفِ الحَالِ لَهُ وَإِصْرَارِهِ عَلَيْهَا [4].

5. الإِمَامُ ابْنُ مَنْدَه (ت 395هـ):

نَصَّ عَلَى أَنَّ "تَسْمِيَةَ الأَشْيَاءِ بِغَيْرِ مُّسَمَّيَاتِهَا" مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ جَهْلِ الحَالِ. فَمَنْ سَمَّى "الطَّاغُوتَ" مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، أَوْ سَمَّى "تَبْدِيلَ الشَّرْعِ" تَنْظِيماً إِدَارِيّاً، فَالجَاهِلُ بِهَذِهِ التَّسْمِيَاتِ المُّضَلِّلَةِ مَعْذُورٌ، لِأَنَّهُ جَهِلَ حَقِيقَةَ مَا وَقَعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ حُكْمَ اللهِ فِي الأَصْلِ [5].

ثَالِثًا: الرَّبْطُ بِرِسَالَةِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ

إِنَّ الإِمَامَ فِي رِسَالَتِهِ رَسَمَ المَعَالِمَ الكُبْرَى لِلطَّاغُوتِ (مَنْ دَعَا إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ...).

رَبْطُ الجَهْلِ بِالحُكْمِ: الإِمَامُ يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ المَسَائِلَ هِيَ "أَصْلُ الدِّينِ"، وَلَكِنَّهُ فِي رَسَائِلِهِ الأُخْرَى كَانَ لَا يُكَفِّرُ مَنْ عَبَدَ الصَّنَمَ عَلَى قَبْرِ "البَدَوِيِّ" لِجَهْلِهِمْ بِمَنْ يُنَبِّهُهُمْ. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَسَائِلِ الطَّاغُوتِ الَّتِي قَدْ يَدْخُلُهَا التَّأْوِيلُ؟

رَبْطُ الجَهْلِ بِالحَالِ: عِنْدَمَا يَقُولُ الإِمَامُ "مَنِ ادَّعَى عِلْمَ الغَيْبِ"، فَمَنْ صَدَّقَ كَاهِناً يَظُنُّهُ وَلِيّاً صَالِحاً يُخْبِرُ بِفِرَاسَتِهِ (جَهْلُ حَالٍ)، فَهَذَا عِنْدَ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ يُعَرَّفُ أَوَّلاً، لِأَنَّ قَصْدَهُ كَانَ لِكَرَامَةِ الأَوْلِيَاءِ لَا لِادِّعَاءِ عِلْمِ الغَيْبِ [6].

رَابِعًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ (تَحْرِيرُ المَنَاطِ)

الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آل الشَّيْخِ:

«التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَنْ جَهِلَ صُورَةَ المَسْأَلَةِ (الحَالِ) وَمَنْ جَهِلَ حُكْمَهَا هُوَ دِيْدَنُ المُّحَقِّقِينَ. فَالَّذِي يَعِيشُ فِي بِلَادٍ لَا يُنَادَى فِيهَا بِغَيْرِ القَانُونِ، وَيَسْمَعُ القُضَاةَ وَالمُّفْتِينَ يَمْدَحُونَهُ، هُوَ جَاهِلٌ بِحَالِ هَذَا القَانُونِ وَمُصَادَمَتِهِ لِلشَّرْعِ. فَلَا يُكَفَّرُ حَتَّى يُفَصَّلَ لَهُ القَوْلُ فِي نَوَاقِضِ هَذَا النِّظَامِ وَبُعْدِهِ عَنْ دِينِ اللهِ» [7].

الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ السِّنْدِيُّ:

«الجَهْلُ بِالحَالِ عُذْرٌ يُطَبَّقُ فِي مَسَائِلِ المُظَاهَرَةِ وَالنُّصْرَةِ كَثِيراً؛ فَقَدْ يَنْصُرُ المُّسْلِمُ طَائِفَةً لَا يَعْلَمُ تَبْدِيلَهَا، فَهَذَا لَمْ يَقْصِدِ التَّوَلِّيَ الكُفْرِيَّ. وَيَجِبُ الحَذَرُ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: (لَا عُذْرَ بِالجَهْلِ مُطْلَقاً)، لِأَنَّ هَذَا يَقُودُ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ لَمْ يَقْصِدِ الكُفْرَ أَصْلًا» [8].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ البَرَّاكُ:

«إِنَّ مَنَاطَ التَّكْفِيرِ فِي الطَّاغُوتِ هُوَ (الِارْتِضَاءُ وَالتَّحَاكُمُ الِاخْتِيَارِيُّ)؛ فَإِذَا جَهِلَ المُّكَلَّفُ أَنَّ مَا هُوَ فِيهِ هُوَ طَاغُوتٌ، بِأَنْ ظَنَّهُ وِلَايَةً شَرْعِيَّةً لِجَهْلِهِ بِالحَالِ، فَهَذَا لَا يَزُولُ إِيمَانُهُ بِتَوَهُّمِهِ، بَلْ هُوَ عَلَى إِسْلَامِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ المُّزِيلَةُ لِتَوَهُّمِهِ» [9].

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ 

يُحَقِّقُ البَاحِثُ أَنَّ "الجَهْلَ بِالحَالِ" هُوَ الوَاقِعُ الغَالِبُ عَلَى عَوَامِّ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ. فَالنَّاسُ لَا يَقْصِدُونَ عِبَادَةَ الطَّاغُوتِ وَلَا نُصْرَةَ الكُفْرِ، لَكِنَّهُمْ يَعِيشُونَ فِي "تَلْبِيسٍ عَقَدِيٍّ" عَظِيمٍ. التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ يُوجِبُ رَدَّ التَّكْفِيرِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ القَصْدُ. فَمَنْ جَهِلَ أَنَّ "المَحْكَمَةَ الفُلَانِيَّةَ" تَحْكُمُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ، فَذَهَبَ إِلَيْهَا لِيَأْخُذَ حَقَّهُ، فَهَذَا جَاهِلٌ بِالحَالِ مُتَمَسِّكٌ بِأَصْلِ طَلَبِ العَدْلِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ اللهُ. وَالبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ هُوَ كُفْرٌ بِـ "الحَقِيقَةِ" لَا بِمُجَرَّدِ "اللَّفْظِ"، فَمَنْ غَابَتْ عَنْهُ الحَقِيقَةُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ حُكْمُ المُّخَالِفِ [10].

--------------&

[1] "جَامِعُ البَيَانِ فِي تَأْوِيلِ القُرْآنِ"، لِلطَّبَرِيِّ، ج14، ص 223، دَارُ هَجْرٍ.

[2] "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ج35، ص 165. فِي مَسْأَلَةِ مَنْ تَلَبَّسَ بِأَحْوَالِ الكُفَّارِ جَهْلًا.

[3] "الصَّوَاعِقُ المُّرْسَلَةُ"، لِابْنِ القَيِّمِ، ج2، ص 518. فِي بَيَانِ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ بِالتَّأْوِيلِ وَالجَهْلِ.

[4] "الرَّدُّ عَلَى المَّرِيسِيِّ"، لِلدَّارِمِيِّ، ص 210، مَطْبَعَةُ أَنْصَارِ السُّنَّةِ.

[5] "كِتَابُ التَّوْحِيدِ"، لِابْنِ مَنْدَه، ج2، ص 45.

[6] يُنْظَرُ: "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ"، ج1، ص 102. فِي مَسْأَلَةِ مَنْ عَبَدَ قَبْرَ الكَوَّازِ جَهْلًا بِحَالِهِ.

[7] "تَفْرِيغُ شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ"، لِلشَّيْخِ صَالِحِ آل الشَّيْخِ، النَّاقِضُ الرَّابِعُ.

[8] "التَّحْرِيرَاتُ العَقَدِيَّةُ"، لِلصَّالِحِ السِّنْدِيِّ، ص 134.

[9] "تَعْلِيقَاتٌ عَلَى نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ"، لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ البَرَّاكِ، ص 62.

[10] يُنْظَرُ: "المُدَوَّنَةُ العِلْمِيَّةُ لِلْبَاحِثِ (أَبُو أَنَسٍ)"، مَبْحَثُ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَنَوَاقِضِهِ.

------------------------&

المُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ (المقدمة 21): 

تَحْرِيرُ مَنَاطِ التَّأْوِيلِ وَشُرُوطِ العُذْرِ فِي نَوَاقِضِ الطَّاغُوتِ

​أَوَّلاً: التَّأْصيلُ الفِقْهِيُّ لِلتَّأْوِيلِ المَانِعِ مِنَ التَّكْفِيرِ

​التَّأْوِيلُ لَيْسَ بَاباً مَفْتُوحاً لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الِانْفِلَاتَ مِنَ الأَحْكَامِ، بَلْ هُوَ مَنَاطٌ عِلْمِيٌّ دَقِيقٌ.

  1. ​التَّأْوِيلُ السَّائِغُ: هُوَ مَا كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ اللُّغَوِيِّ أَوْ الشَّرْعِيِّ، أَوْ قَامَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ لَدَى المُّكَلَّفِ تَجْعَلُهُ يَظُنُّ أَنَّ فِعْلَهُ لَا يُصَادِمُ أَصْلَ الدِّينِ.
  2. ​التَّأْوِيلُ المُّسْتَهْجَنُ (اللَّعِبُ): هُوَ مَا كَانَ صَرْفاً لِلنُّصُوصِ عَنْ مَعَانِيهَا الظَّاهِرَةِ بِلَا دَلِيلٍ، بَلْ لِمُجَرَّدِ الهَوَى أَوْ نُصْرَةِ الطَّاغُوتِ عَمْداً، فَهَذَا لَا يَمْنَعُ تَنْزِيلَ الحُكْمِ.

​ثَانِيًا: أَقْوَالُ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ فِي مَنَاطِ العُذْرِ (تَوَسُّعٌ اسْتِقْصَائِيٌّ)

​1. الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (ت 241هـ):

«كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ يَدْعُو لِلْخَلِيفَةِ الَّذِي حَمَلَ النَّاسَ عَلَى القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ (وَهُوَ كُفْرٌ)، وَيَرَى إِمَامَتَهُ، وَذَلِكَ لِقِيَامِ مَانِعِ التَّأْوِيلِ وَالجَهْلِ عِنْدَهُ. فَلَمْ يُكَفِّرْهُ عَيْناً مَعَ قَوْلِهِ بِكُفْرِ المَّقَالَةِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحَاكِمَ إِذَا تَأَوَّلَ شُبْهَةً أَوِ اغْتَرَّ بِقَوْلِ عُلَمَاءِ السُّوءِ، فَإِنَّهُ يُعَامَلُ بِمُقْتَضَى "بَيَانِ الحُجَّةِ" أَوَّلاً، وَلَا يُنْزَعُ عَنْهُ وَصْفُ الإِسْلَامِ لِمُجَرَّدِ التَّلَبُّسِ بِالخَطَأِ العَقَدِيِّ المُّتَأَوَّلِ» [1].

​2. الإِمَامُ ابْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت 456هـ):

«مَنْ طَلَبَ الدِّينَ فَأَخْطَأَ، فَهُوَ مَأْجُورٌ، وَإِنْ وَقَعَ فِي عَيْنِ الكُفْرِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُ إِلَّا بِالقَصْدِ. فَالَّذِي يَتَأَوَّلُ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ وَالمُوَالَاةِ يَظُنُّ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ نَصٌّ يَزْجُرُهُ، أَوْ بَلَغَهُ فَتَأَوَّلَهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، فَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَى تَكْفِيرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ الَّتِي لَا مَحِيدَ عَنْهَا» [2].

​3. شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):

«إِنَّ المَقَالَةَ تَكُونُ كُفْراً، وَيَكُونُ الرَّجُلُ الَّذِي قَالَهَا مَعْذُوراً لِجَهْلِهِ أَوْ تَأْوِيلِهِ، وَهَذَا مَطَّرِدٌ فِي مَسَائِلِ الشِّرْكِ وَنَوَاقِضِ الإِسْلَامِ كُلِّهَا. فَالطَّاغُوتُ الَّذِي يُعْبَدُ أَوِ الحَاكِمُ الَّذِي يُبَدِّلُ، قَدْ يَكُونُ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ النَّاصِرِينَ مَعْذُورِينَ إِذَا كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا الحَاكِمَ هُوَ "وَلِيُّ الأَمْرِ" الشَّرْعِيُّ، وَأَنَّ طَاعَتَهُ فَرِيضَةٌ، فَهَؤُلَاءِ ضَلُّوا فِي التَّصَوُّرِ فَيُعْذَرُونَ فِي الحُكْمِ حَتَّى يُفْهَمُوا حَقِيقَةَ النَّاقِضِ» [3].

​4. الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ (ت 751هـ):

«فَرَّقَ بَيْنَ (مُقَلِّدٍ) لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ العِلْمِ، وَبَيْنَ (مُعْرِضٍ) كَانَ قَادِراً عَلَى الفَهْمِ فَتَرَكَهُ. فَالَّذِينَ نَصَرُوا الطَّوَاغِيتَ تَقْلِيداً لِعُلَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ، هُمْ أَصْحَابُ شُبْهَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى كَشْفٍ. وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ» [4].

​5. الدكتور مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ التَّمِيمِيُّ (مِنْ أَعْلَامِ الدَّعْوَةِ معاصر):

«إِنَّ مَنَاطَ العُذْرِ فِي التَّأْوِيلِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الفَاعِلُ مُرِيداً لِلْإِسْلَامِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْخُرُوجِ عَنْهُ. فَالَّذِي يَتَحَاكَمُ إِلَى الطَّاغُوتِ مُتَأَوِّلًا أَنَّهُ يَسْتَخْلِصُ حَقَّهُ المَّظْلُومَ، وَأَنَّ هَذِهِ ضَرُورَةٌ لَا تَنْقُضُ أَصْلَ دِينِهِ، يُعَامَلُ بِالبَيَانِ. لَكِنَّنَا نُقَرِّرُ أَنَّ الفِعْلَ نَفْسَهُ (التَّحَاكُمَ لِلطَّاغُوتِ) كُفْرٌ، وَلَكِنَّ الفَاعِلَ لَا يَكْفُرُ لِشُبْهَةِ التَّأْوِيلِ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ» [5].

​ثَالِثًا: الرَّبْطُ بِمَتْنِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" لِلإِمَامِ (تَوَسُّعٌ فِي مَنَاطِ الِاجْتِنَابِ)

​يَقُولُ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ: "وَصِفَةُ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ: أَنْ تَعْتَقِدَ بُطْلَانَ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، وَتَتْرُكَهَا، وَتُبْغِضَهَا، وَتُكَفِّرَ أَهْلَهَا، وَتُعَادِيَهُمْ".

  1. ​مَنَاطُ العُذْرِ فِي (تَكْفِيرِ أَهْلِهَا): هُنَا يَظْهَرُ التَّأْوِيلُ؛ فَقَدْ يَعْتَقِدُ المُسْلِمُ بُطْلَانَ الطَّاغُوتِ، لَكِنَّهُ يَتَأَوَّلُ فِي "تَكْفِيرِ المُّتَلَبِّسِينَ بِهِ" لِشُبْهَةٍ عِنْدَهُ فِي العُذْرِ بِالجَهْلِ. فَهَلْ يُكَفَّرُ هَذَا المُسْلِمُ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرِ الطَّاغُوتَ؟
  2. ​التَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ: أَنَّهُ مَا دَامَ قَدْ حَقَّقَ أَصْلَ (اعْتِقَادِ البُطْلَانِ) وَ(البُغْضِ)، فَإِنَّ تَرَدُّدَهُ فِي "تَكْفِيرِ أَهْلِ الطَّاغُوتِ" لِشُبْهَةٍ عِلْمِيَّةٍ هُوَ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ يَمْنَعُ تَكْفِيرَهُ هُوَ، بَلْ يُصَحَّحُ لَهُ فَهْمُ المَنَاطِ [6].

​رَابِعًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ حَوْلَ "قِيَامِ الحُجَّةِ"

  • ​العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (رَحِمَهُ اللهُ): «الحُجَّةُ لَا تَقُومُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِ القُرْآنِ إِلَى أَعْجَمِيٍّ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ، كَذَلِكَ لَا تَقُومُ عَلَى مَنْ نَشَأَ فِي بِيئَةٍ تَرَى الطَّاغُوتَ إِمَاماً. فَقِيَامُ الحُجَّةِ أَنْ يَفْهَمَ الشَّخْصُ أَنَّ مَا هُوَ فِيهِ يُضَادُّ التَّوْحِيدَ. وَفِي مَسَائِلِ (الحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ)، الشُّبُهَاتُ كَثِيرَةٌ، فَلَا نُكَفِّرُ المُّعَيَّنَ حَتَّى نَكْشِفَ عَنْهُ كُلَّ لَبْسٍ» [7].
  • ​الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آل الشَّيْخِ: «قِيَامُ الحُجَّةِ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ اليَوْمَ يَحْتَاجُ إِلَى "عُلَمَاءَ رَبَّانِيِّينَ" يُبَيِّنُونَ لِلنَّاسِ مَنَاطَ الشِّرْكِ فِي التَّشْرِيعِ. فَإِذَا كَانَتِ القَنَوَاتُ وَالمَنَابِرُ كُلُّهَا تَدْعُو لِتَعْظِيمِ هَذِهِ القَوَانِينِ، فَالجَهْلُ هُنَا "جَهْلٌ بَسِيطٌ" يُعْذَرُ بِهِ العَامِّيُّ، بَلْ وَطَالِبُ العِلْمِ الَّذِي لَمْ يَتَبَحَّرْ فِي هَذِهِ النَّوَاقِضِ» [8].
  • ​الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ: «إِنَّ مَنَاطَ (التَّأْوِيلِ) فِي نُصْرَةِ الطَّاغُوتِ قَدْ يَكُونُ (تَأْوِيلَ الضَّرُورَةِ) أَوْ (تَأْوِيلَ الإِكْرَاهِ المَّظْنُونِ). وَالشَّرِيعَةُ تَدْرَأُ التَّكْفِيرَ بِالشُّبْهَةِ كَمَا تَدْرَأُ الحُدُودَ. فَمَنْ نَصَرَ الطَّاغُوتَ مُتَأَوِّلًا أَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ المَّفَاسِدِ لِحِفْظِ الأَمْنِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَافِراً عَيْناً حَتَّى تَنْهَدِمَ شُبْهَتُهُ بَيَانًا عِلْمِيًّا سَلَفِيًّا» [9].

​خَامِسًا: صُوَرُ التَّأْوِيلِ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ وَكَيْفِيَّةُ التَّعَامُلِ مَعَهَا

  1. ​تَأْوِيلُ "المَصْلَحَةِ المَّرْمُوقَةِ":
    • ​الصُّورَةُ: أَنْ يُشَارِكَ فِي بَرْلَمَانٍ شِرْكِيٍّ (طَاغُوتِيٍّ) بِزَعْمِ تَقْلِيلِ الشَّرِّ.
    • ​الحُكْمُ العَقَدِيُّ: الفِعْلُ مَنَاطُهُ الكُفْرُ (لِأَنَّهُ تَشْرِيعٌ مَعَ اللهِ)، لَكِنَّ الفَاعِلَ مَعْذُورٌ بِالتَّأْوِيلِ لِشُبْهَةِ "المَصْلَحَةِ" حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِأَنَّ التَّوْحِيدَ لَا مَصْلَحَةَ فَوْقَهُ.
  2. ​تَأْوِيلُ "طَاعَةِ وِلَاةِ الأَمْرِ":
    • ​الصُّورَةُ: نُصْرَةُ الحَاكِمِ المُّبَدِّلِ ظَنّاً أَنَّهُ "إِمَامٌ شَرْعِيٌّ" تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي المَّنْشَطِ وَالمَّكْرَهِ.
    • ​الحُكْمُ العَقَدِيُّ: هَذَا جَهْلٌ بِالحَالِ وَتَأْوِيلٌ فِي الحُكْمِ، يُعْذَرُ صَاحِبُهُ لِعُمُومِ البَلْوَى وَتَلْبِيسِ عُلَمَاءِ السَّلَاطِينِ.

​سَادِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (المُدَوِّنِ)

​يُحَقِّقُ البَاحِثُ أَنَّ (التَّأْوِيلَ) هُوَ المَيْدَانُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَتَحَلَّى فِيهِ طَالِبُ العِلْمِ بِـ (الوَرَعِ). فَالنَّاسُ فِي زَمَانِنَا لَمْ يَقْصِدُوا تَرْكَ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَكِنَّهُمْ أُوتُوا مِنْ قِبَلِ (التَّشْبِيهِ البَاطِلِ). فَالطَّاغُوتُ اليَوْمَ لَيْسَ صَنَماً مِنْ حَجَرٍ، بَلْ هُوَ "نِظَامٌ وَفِكْرٌ" يَتَسَمَّى بِأَسْمَاءَ بَرَّاقَةٍ. التَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ لِلْبَاحِثِ يَقْضِي بِأَنَّ (العُذْرَ بِالتَّأْوِيلِ) هُوَ تَوْقِيرٌ لِعَقْدِ الإِسْلَامِ الثَّابِتِ فِي حَقِّ المُسْلِمِينَ، فَلَا نَنْزِعُهُ عَنْهُمْ إِلَّا بِمِثْلِ مَا ثَبَتَ بِهِ، وَهُوَ "القَصْدُ المُّحَقَّقُ لِلمُخَالَفَةِ" بَعْدَ انْكِشَافِ كُلِّ شُبْهَةٍ. فَالرَّبْطُ بِمَتْنِ الإِمَامِ هُوَ أَنَّ (مَعْنَى الطَّاغُوتِ) عِلْمٌ يَجِبُ بَثُّهُ لِإِزَالَةِ هَذِهِ المَعَاذِيرِ، لَا لِاتِّخَاذِهِ سَيْفاً عَلَى رِقَابِ المُّتَأَوِّلِينَ [10].

​--------------------------&

​[1] "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ج7، ص 507. فِي بَيَانِ عُذْرِ الأَئِمَّةِ لِلْمَأْمُونِ وَالمُّعْتَصِمِ.

[2] "الفِصَلُ فِي المِلَلِ وَالأَهْوَاءِ وَالنِّحَلِ"، ابْنُ حَزْمٍ، ج3، ص 254.

[3] "الرَّدُّ عَلَى البَكْرِيِّ"، شَيْخُ الإِسْلَامِ، ص 311، دَارُ الوَطَنِ.

[4] "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ"، ابْنُ القَيِّمِ، ج1، ص 362.

[5] "مُخْتَصَرُ مَسَائِلِ الشِّرْكِ"، مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ التَّمِيمِيُّ، ص 22.

[6] يُنْظَرُ: "تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ"، سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ آل الشَّيْخِ، ص 154.

[7] "مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ"، ج2، ص 128.

[8] "شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ" (تَفْرِيغٌ)، صَالِحُ آل الشَّيْخِ، مَبْحَثُ الأَسْمَاءِ وَالأَحْكَامِ.

[9] "تَحْرِيرُ مَسَائِلِ العُذْرِ"، صَالِحٌ السِّنْدِيُّ، ص 145.

[10] يُنْظَرُ: "المُدَوَّنَةُ العِلْمِيَّةُ لِلْبَاحِثِ (أَبُو أَنَسٍ)"، مَبْحَثُ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ.

-----------::::&

المُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: تَحْرِيرُ مَنَاطَاتِ الإِكْرَاهِ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ

أَوَّلاً: التَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ وَالِاصْطِلَاحِيُّ (الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ)

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ:

الإِكْرَاهُ: مَأْخُوذٌ مِنَ (الكُرْهِ) بِالضَّمِّ وهوَ المَشَقَّةُ، أَوْ بِالفَتْحِ وهوَ القَهْرُ. وهوَ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الإِنْسَانُ بِغَيْرِهِ فَيَنْفِي رِضَاهُ وَيُفْسِدُ اخْتِيَارَهُ.

الطَّاغُوتُ: كَمَا سَبَقَ تَحْرِيرُهُ، هوَ كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ، وَالإِكْرَاهُ هُنَا يَقَعُ غَالِباً مِنْ (طَاغُوتِ التَّسَلُّطِ وَالحُكْمِ).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ:

الإِكْرَاهُ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ: هوَ «إِلْجَاءُ المُّكَلَّفِ بِتَهْدِيدٍ جِدِّيٍّ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ، عَلَى قَوْلِ كَلِمَةِ الكُفْرِ أَوْ فِعْلِ نَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِ الإِيمَانِ المُّتَعَلِّقَةِ بِالطَّاغُوتِ، مَعَ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ بِالإِيمَانِ وَكَرَاهِيَةِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ».

يَخْرُجُ بِالقَيْدِ: (المُدَارَاةُ) الَّتِي لَا بَأْسَ فِيهَا دُونَ وُقُوعٍ فِي الكُفْرِ، وَ(المُدَاهَنَةُ) الَّتِي هِيَ بَذْلُ الدِّينِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا اخْتِيَاراً، فَهَذِهِ لَا تُسَمَّى إِكْرَاهاً شَرْعِيّاً [1].

ثَانِيًا: مَنَاطُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ إِكْرَاهِ القَوْلِ وَإِكْرَاهِ الفِعْلِ

يُقَرِّرُ المُّحَقِّقُونَ أَنَّ الإِكْرَاهَ المُّعْتَبَرَ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ (كَسَبِّ الدِّينِ أَوْ إِظْهَارِ نُصْرَةِ الكَافِرِ) يَنْقَسِمُ إلى:

إِكْرَاهٌ مُلْجِئٌ: وهوَ الَّذِي لَا يَبْقَى لِلإِنْسَانِ مَعَهُ قُدْرَةٌ وَلَا اخْتِيَارٌ (كَالقَتْلِ أَوْ التَّعْذِيبِ الشَّدِيدِ).

إِكْرَاهٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ: وهوَ التَّهْدِيدُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ (كَالسَّجْنِ اليَسِيرِ أَوْ أَخْذِ المَالِ)، وَهَذَا مَحَلُّ نِزَاعٍ فِي اعْتِبَارِهِ عُذْراً فِي مَسَائِلِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ.

ثَالِثًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الكِتَابِ وَالنَّقْلِ

مِنَ الكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106]. نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ لَمَّا نَالَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِلِسَانِهِ تَحْتَ وَطْأَةِ تَعْذِيبِ المُّشْرِكِينَ.

مِنَ النَّقْلِ (السُّنَّةِ): قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». وَهَذَا حُجَّةٌ فِي أَنَّ فِعْلَ المُّكْرَهِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إِلَيْهِ حُكْماً [2].

رَابِعًا: أَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ قَدِيماً (تَوَسُّعٌ اسْتِقْصَائِيٌّ)

1. الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت 310هـ):

«أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الكُفْرِ حَتَّى خَافَ عَلَى نَفْسِهِ القَتْلَ، فَقَالَهَا بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ، أَنَّهُ لَا كُفْرَ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا التَّعْذِيبُ وَالوَعِيدُ لِمَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْراً، أَيْ اخْتَارَهُ وَرَضِيَ بِهِ ظَاهِراً وَبَاطِناً» [3].

2. الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (ت 241هـ):

سُئِلَ عَنِ الإِكْرَاهِ فِي "المِحْنَةِ"، فَكَانَ يَرَى أَنَّ الَّذِينَ أَجَابُوا خَوْفاً مِنَ القَتْلِ أَوْ السَّجْنِ المُّهِينِ مَعْذُورُونَ، وَكَانَ يَقُولُ: «إِذَا أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى مَا فِيهِ كُفْرٌ، فَإِنَّمَا هُوَ بِاللِّسَانِ». وَفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ أُكْرِهَ فَقَالَ كَلِمَةً، وَبَيْنَ مَنْ فَعَلَ الفِعْلَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا الكُفْرَ اخْتِيَاراً [4].

3. شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):

«الإِكْرَاهُ المُّبِيحُ لِلتَّكَلُّمِ بِالكُفْرِ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ هوَ الخَوْفُ المُّحَقَّقُ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الأَعْضَاءِ. أَمَّا اليَسِيرُ مِنَ الأَذَى فَلَا يُبِيحُ قَوْلَ الكُفْرِ. وَالمُّكْرَهُ لَا يَصِيرُ كَافِراً بِاتِّفَاقِ الأُمَّةِ إِذَا بَقِيَ قَلْبُهُ مُنْكِراً لِلطَّاغُوتِ، لِأَنَّ الفِعْلَ حِينئِذٍ لَيْسَ لَهُ، بَلْ هُوَ لِلْمُكْرِهِ» [5].

4. الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ (ت 751هـ):

«اللهُ سُبْحَانَهُ وَضَعَ عَنِ المُّكْرَهِ مَا فَعَلَهُ أَوْ قَالَهُ، وَجَعَلَهُ كَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ. فَإِذَا أُكْرِهَ المُؤْمِنُ عَلَى عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ أَوْ نُصْرَتِهِ، فَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ عَابِدٌ لِلَّهِ بِمُصَابَرَتِهِ، وَإِنَّمَا جَرَى عَلَى جَوَارِحِهِ مَا قُهِرَ عَلَيْهِ. لَكِنَّ هَذَا مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ الإِكْرَاهُ قَتْلًا لِمُسْلِمٍ آخَرَ، إِذْ لَا يَجُوزُ فِدَاءُ النَّفْسِ بِتَلَفِ غَيْرِهَا» [6].

5. الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ (ت 774هـ):

«المُّكْرَهُ عَلَى الكُفْرِ لَهُ رُخْصَةٌ فِي الأَخْذِ بِهَا، وَالعَزِيمَةُ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يُقْتَلَ، كَمَا فَعَلَ بِلَالٌ وَآلُ يَاسِرٍ. وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ مَنْ أَخَذَ بِالرُّخْصَةِ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ هُوَ مَنْ وَضَعَهَا رَحْمَةً بِالعِبَادِ» [7].

خَامِسًا: الرَّبْطُ بِمَتْنِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ

يُقَرِّرُ الإِمَامُ أَنَّ رَأْسَ الأَمْرِ هوَ الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ. وَالرَّبْطُ مَعَ الإِكْرَاهِ يَأْتِي مِنْ جِهَتَيْنِ:

انْتِفَاءُ الرِّضَا: مَنْ كَفَرَ بِالطَّاغُوتِ قَلْبِيّاً، لَكِنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى إِظْهَارِ طَاعَتِهِ، فَلَمْ يَنْتَقِضْ عِنْدَهُ مَعْنَى "الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ" الَّذِي ذَكَرَهُ الإِمَامُ، لِأَنَّ "الكُفْرَ" هُنَا فِعْلُ القَلْبِ وَالقَصْدِ.

حَقِيقَةُ الِاجْتِنَابِ: الإِمَامُ أَوْجَبَ اجْتِنَابَ الطَّاغُوتِ، وَالمُّكْرَهُ لَمْ يَتْرُكِ الِاجْتِنَابَ اخْتِيَاراً، بَلْ سِيقَ قَهْراً، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ دِينِهِ حَتَّى يَنْجَلِيَ الإِكْرَاهُ [8].

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ

الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آل الشَّيْخِ: «الإِكْرَاهُ فِي بَابِ النَّوَاقِضِ يُعْتَبَرُ عُذْراً إِذَا كَانَ الإِلْجَاءُ حَقِيقِيّاً. وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الخَوْفُ المُّتَوَهَّمُ أَوْ الطَّمَعُ فِي المَالِ وَالجَاهِ. فَالمُّدَاهِنُ لِلطَّاغُوتِ لِأَجْلِ مَنْصِبٍ لَيْسَ بِمُكْرَهٍ، وَإِنَّمَا هوَ بَائِعٌ لِدِينِهِ» [9].

الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ: «يَجِبُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ مَنَاطَ الإِكْرَاهِ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ (كَالتَّحَاكُمِ المُّضْطَرِّ إِلَيْهِ) لَهُ أَحْكَامٌ دَقِيقَةٌ. فَمَنْ لَا سَبِيلَ لَهُ لِاسْتِخْلَاصِ حَقِّهِ إِلَّا بِذَلِكَ وَهُوَ كَارِهٌ مُبْغِضٌ، فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُ العُلَمَاءِ فِي حُكْمِ المُّكْرَهِ حُكْمِيّاً لِلضَّرُورَةِ، مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ البَرَاءَةِ فِي قَلْبِهِ» [10].

سَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (المُدَوِّنِ)

يُحَقِّقُ البَاحِثُ أَنَّ مَنَاطَ (الإِكْرَاهِ) هوَ مِيَزَانُ العَدْلِ بَيْنَ "عَزِيمَةِ التَّوْحِيدِ" وَ"رُخْصَةِ البَشَرِيَّةِ". فَالطَّاغُوتُ يَسْعَى دَائِماً لِقَهْرِ النَّاسِ عَلَى تَبَعِيَّتِهِ. التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ يُوجِبُ عَلَيْنَا عَدَمَ التَّسَرُّعِ فِي تَكْفِيرِ مَنْ هُمْ تَحْتَ سِيَاطِ الظُّلْمِ، مَا دَامَ القَلْبُ سَلِيماً مِنَ الرِّضَا. 

 يُقَرِّرُ الباحث: أَنَّ (الإِكْرَاهَ) لَا يُصَيِّرُ البَاطِلَ حَقّاً، بَلْ يَدْرَأُ الحُكْمَ عَنِ الفَاعِلِ فَقَطْ. فَالطَّاغُوتُ يَبْقَى طَاغُوتاً، وَالفِعْلُ يَبْقَى كُفْراً، لَكِنَّ المُسْلِمَ يَبْقَى مُسْلِماً لِفَقْدِ شَرْطِ الِاخْتِيَارِ [11].

--------------------------------------&

[1] "التَّمْهِيدُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ"، صَالِحُ آل الشَّيْخِ، ص 412.

[2] رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه (2045) وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.

[3] "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ"، ج14، ص 380.

[4] "الآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ"، لِابْنِ مُفْلِحٍ، ج1، ص 150.

[5] "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ج8، ص 462.

[6] "إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ"، ابْنُ القَيِّمِ، ج3، ص 48.

[7] "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ"، ج4، ص 605.

[8] يُنْظَرُ: "رَسَائِلُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ"، القِسْمُ العَقَدِيُّ، ص 12.

[9] "شَرْحُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ"، صَالِحُ آل الشَّيْخِ.

[10] "تَحْرِيرُ مَسَائِلِ الإِكْرَاهِ"، صَالِحٌ السِّنْدِيُّ، ص 77.

[11] "مُدَوَّنَةُ البَاحِثِ (أَبُو أَنَسٍ)"،مَبْحَثُ الإِكْرَاهِ وَأَثَرُهُ فِي العَقِيدَةِ.

-------------------&

المُتَمِّمَةُ الأُولَى لِجَامِعِ الثَّمَرَاتِ (23-ب): التَّطْبِيقَاتُ المُّعَاصِرَةُ لِمَسَائِلِ الطَّاغُوتِ (رُؤْيَةٌ سَلَفِيَّةٌ اشْتِبَاكِيَّةٌ)

إِنَّ الرُّؤْيَةَ السَّلَفِيَّةَ الحَقَّةَ لَا تَنْزَوِي عَنِ الوَاقِعِ، بَلْ تُشَرِّحُهُ بِمِشْرَطِ الوَحْيِ. وَالبَاحِثُ المُّحَقِّقُ يَرَى أَنَّ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" يَتَجَسَّدُ فِي عَصْرِنَا فِي صُوَرٍ جَلِيَّةٍ تَسْتَوْجِبُ البَيَانَ:

أَوَّلاً: طَاغُوتُ "تَشْرِيعِ المَشِيئَةِ البَشَرِيَّةِ" (القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ)

الاشْتِبَاكُ مَعَ الوَاقِعِ: إِنَّ أَعْظَمَ طَوَاغِيتِ العَصْرِ هِيَ القَوَانِينُ الَّتِي تُنَحِّي شَرِيعَةَ الرَّحْمَنِ لِتَجْعَلَ "المَشِيئَةَ البَشَرِيَّةَ" (سَوَاءً كَانَتْ لِفَرْدٍ أَوْ لِبَرْلَمَانٍ) هِيَ المَصْدَرَ الأَعْلَى لِلْتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ.

التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ: هَذَا نِزَاعٌ لِلَّهِ فِي (رُبُوبِيَّةِ التَّشْرِيعِ). وَالبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ مَنْ رَضِيَ بِهَذِهِ القَوَانِينِ مَدَاراً لِلْحَيَاةِ بَدِيلًا عَنِ الوَحْيِ، فَقَدْ نَقَضَ عُرْوَةَ "الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ". وَالرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ هُنَا تَصْدَعُ بِأَنَّ (الحُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ)، وَأَنَّ كُلَّ قَانُونٍ يُحِلُّ الرِّبَا أَوْ يَحْمِي الفَوَاحِشَ هُوَ طَاغُوتٌ يَجِبُ اعْتِقَادُ بُطْلَانِهِ وَالسَّعْيُ لِتَحْكِيمِ الشَّرْعِ مَكَانَهُ [1].

ثَانِيًا: طَاغُوتُ "العَوْلَمَةِ وَالمَنَاهِجِ المُّسْتَوْرَدَةِ" (أَصْنَامُ الفِكْرِ)

الاشْتِبَاكُ مَعَ الوَاقِعِ: تَقْدِيسُ مَفَاهِيمَ مِثْلَ (اللِّيْبِرَالِيَّةِ) الَّتِي تَعْنِي التَّحَلُّلَ مِنَ الشَّرْعِ، أَوْ (الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ) بِمَعْنَاهَا الَّذِي يَهْدِمُ ثَوَابِتَ الدِّينِ.

التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ: هَذِهِ هِيَ "الأَنْدَادُ المَعْنَوِيَّةُ". مَنْ جَعَلَ (الحُرِّيَّةَ) أَوْ (حُكْمَ الأَكْثَرِيَّةِ) حَاكِماً عَلَى نَصِّ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَقَدِ اتَّخَذَ هَذِهِ المَنَاهِجَ طَوَاغِيتَ مِنْ دُونِ اللهِ. البَاحِثُ يَرَى أَنَّ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ يَقْتَضِي (المُّفَاصَلَةَ الشُّعُورِيَّةَ وَالفِكْرِيَّةَ) مَعَ هَذِهِ الأَرْبَابِ المُّتَفَرِّقَةِ [2].

ثَالِثًا: مَنَاطُ "التَّحَاكُمِ" وَفِتْنَةُ الحُقُوقِ

الاشْتِبَاكُ مَعَ الوَاقِعِ: وُقُوعُ النَّاسِ فِي حَرَجٍ بَيْنَ ضَيَاعِ الحُقُوقِ وَبَيْنَ الذَّهَابِ لِلمَحَاكِمِ الطَّاغُوتِيَّةِ.

التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ: الرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ المُّحَقِّقَةُ تُمَيِّزُ بَيْنَ (الرِّضَا بِالتَّحَاكُمِ) وَبَيْنَ (الِاضْطِرَارِ لِاسْتِخْلَاصِ الحَقِّ). فَمَنْ ذَهَبَ لِلْمَحْكَمَةِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ حُكْمَ اللهِ هُوَ الحَقُّ، وَأَنَّ هَذَا القَانُونَ بَاطِلٌ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِحَقِّهِ مَسْلَكاً غَيْرَهُ، فَهَذَا عُذْرُهُ (جَهْلُ حَالٍ) أَوْ (ضَرُورَةٌ)، لَكِنَّ الأَصْلَ يَبْقَى هوَ السَّعْيُ لِإِيجَادِ القَضَاءِ الشَّرْعِيِّ المُسْتَقِلِّ [3].

رَابِعًا: طَاغُوتُ "الإِعْلَامِ وَصِنَاعَةِ القُدْوَةِ"

الاشْتِبَاكُ مَعَ الوَاقِعِ: تَوْجِيهُ الجَمَاهِيرِ لِتَعْظِيمِ رِجَالٍ أَوْ نِظَامٍ مَا عَلَى حِسَابِ ثَوَابِتِ العَقِيدَةِ.

التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ: هَذَا دَاخِلٌ فِي (طَاغُوتِ المَّتْبُوعِ). مَنْ طَاعَ العُلَمَاءَ أَوْ الأُمَرَاءَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ أَوْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ فَقَدِ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَاباً. البَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ (الِاجْتِنَابَ) المَّذْكُورَ فِي مَتْنِ الإِمَامِ يَشْمَلُ مُقَاطَعَةَ مَنَابِرِ الضَّلَالِ الَّتِي تَدْعُو لِتَأْلِيهِ البَشَرِ أَوْ تَمْجِيدِ النُّظُمِ المُّخَالِفَةِ لِلإِسْلَامِ [4].

خَامِسًا: مَنَاطُ "الضَّرُورَةِ وَالإِكْرَاهِ" فِي الوَظَائِفِ وَالمُّؤَسَّسَاتِ

الاشْتِبَاكُ مَعَ الوَاقِعِ: اشْتِرَاطُ القَسَمِ عَلَى احْتِرَامِ القَانُونِ أَوْ القِيَامِ بِأَعْمَالٍ فِيهَا شُبْهَةُ نُصْرَةِ الطَّاغُوتِ لِأَجْلِ العَيْشِ.

التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ: هُنَا تَظْهَرُ دِقَّةُ المَّنْهَجِ فِي (تَحْرِيرِ الإِكْرَاهِ). لَا يُكَفَّرُ المُسْلِمُ المُّضْطَرُّ لِقُوتِ عِيَالِهِ إِذَا كَانَ يُبْغِضُ البَاطِلَ بِقَلْبِهِ، لَكِنْ لَا يُسَمَّى فِعْلُهُ "تَوْحِيداً"، بَلْ هِيَ رُخْصَةٌ تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا مَعَ وُجُوبِ البَحْثِ عَنْ مَخْرَجٍ. الرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ لَا تُمَيِّعُ الحُكْمَ، لَكِنَّهَا لَا تَحْرِقُ المُؤْمِنَ المُّسْتَضْعَفَ [5].

خُلَاصَةُ الرُّؤْيَةِ التَّطْبِيقِيَّةِ لِلْبَاحِثِ (أَبِي أَنَسٍ):

إِنَّ هَذَا التَّوَسُّعَ يَكْشِفُ أَنَّ الطَّاغُوتَ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ يَتَسَلَّلُ عَبْرَ:

الشَّاشَاتِ (بِتَغْيِيرِ الوَلَاءِ).

الأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ (بِفَرْضِ القَوَانِينِ).

المَنَاهِجِ الدِّرَاسِيَّةِ (بِتَمْيِيعِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ).

وَعَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ العَمَلِيَّةَ لِلبَحْثِ هِيَ إِيجَادُ "مُجْتَمَعِ المُّوَحِّدِينَ" الَّذِي يَعْرِفُ زَمَانَهُ، فَيَعْرِفُ كَيْفَ يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ عَمَلِيّاً عَبْرَ (تَرْكِ التَّحَاكُمِ الِاخْتِيَارِيِّ)، وَ(بُغْضِ المَّظَاهِرِ الكُفْرِيَّةِ)، وَ(نَشْرِ العِلْمِ بِأَنَّ الحَقَّ فِي التَّوْحِيدِ). الرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ هِيَ رُؤْيَةُ "تَمْيِيزٍ" لَا تَقْبَلُ الخَلْطَ بَيْنَ حَقِّ اللهِ وَبَيْنَ مَا افْتَرَضَهُ البَشَرُ مِنْ أَنْظِمَةٍ تَصْدِمُ الشَّرِيعَة

------------------------------------&

[1] "أَضْوَاءُ البَيَانِ"، لِلشَّنْقِيطِيِّ، ج7، ص 150. (فِي تَحْرِيرِ كُفْرِ مَنِ اتَّبَعَ القَوَانِينَ الوَضْعِيَّةَ).

[2] "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ"، ج10، ص 502. (رَسَائِلُ عُلَمَاءِ نَجْدٍ فِي مَفْهُومِ الطَّاغُوتِ وَالمُّفَاصَلَةِ).

[3] "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ"، ج1، ص 790. (فِي مَسْأَلَةِ التَّحَاكُمِ المُّضْطَرِّ إِلَيْهِ).

[4] "تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ"، ص 553. (شَرْحُ بَابِ مَنْ أَطَاعَ العُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ).

[5] "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ج28، ص 524. (فِي حُكْمِ مَنْ وَلِيَ وِلَايَةً فِيهَا مَعْصِيَةٌ لِأَجْلِ تَقْلِيلِ الشَّرِّ).

[6] "مُدَوَّنَةُ البَاحِثِ (أَبُو أَنَسٍ)"، مَبْحَثُ: (نَوَاقِضُ التَّوْحِيدِ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ).

-------------------------------&

المُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ لِجَامِعِ الثَّمَرَاتِ (المقدمة 23):

 المَنْهَجُ العِلْمِيُّ فِي بِنَاءِ الحُجَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى المُّبْطِلِينَ

إنَّ خُصُومَ التَّوْحِيدِ وَأَنْصَارَ الطَّوَاغِيتِ يُثِيرُونَ شُبُهَاتٍ لِتَمْيِيعِ مَنَاطِ (الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ). وَعَلَى البَاحِثِ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِمَنْهَجِ الرَّدِّ وَالمُّقَابَلَةِ.

أَوَّلاً: قَوَاعِدُ بِنَاءِ الحُجَّةِ العَقَدِيَّةِ

قَاعِدَةُ (الإِحْكَامِ قَبْلَ الِاسْتِدْلَالِ): لَا تَدْخُلْ فِي جِدَالٍ حَوْلَ (فَرْعٍ) قَبْلَ تَقْرِيرِ (الأَصْلِ). ابْدَأْ بِتَقْرِيرِ مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" وَأَنَّهَا نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ. فَمَنْ أَقَرَّ بِالأَصْلِ لَزِمَهُ الإِقْرَارُ بِالكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ [1].

قَاعِدَةُ (الِاعْتِصَامِ بِالنُّصُوصِ المُحْكَمَةِ): رُدَّ الشُّبُهَاتِ إِلَى المُّحْكَمِ مِنْ كِتَابِ اللهِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}. هَذِهِ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ تَنْفِي كُلَّ دَعْوَى لِلْمُدَاهَنَةِ أَوْ التَّقْرِيبِ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالطَّاغُوتِ.

ثَانِيًا: مَنْهَجِيَّةُ الرَّدِّ عَلَى شُبُهَاتِ المُّبْطِلِينَ

1. الشُّبْهَةُ الأُولَى (شُبْهَةُ التَّكْفِيرِ):

دَعْوَاهُمْ: يَقُولُونَ إِنَّ الكَلَامَ فِي "الطَّاغُوتِ" يُؤَدِّي إِلَى تَكْفِيرِ المُجْتَمَعَاتِ.

الرَّدُّ العِلْمِيُّ: نَحْنُ نُفَرِّقُ بَيْنَ (الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ) كَرُكْنٍ لِلتَّوْحِيدِ، وَبَيْنَ (تَكْفِيرِ المُّعَيَّنِ). فَنَحْنُ نُكَفِّرُ بِالطَّاغُوتِ كَمَا أَمَرَ اللهُ، لَكِنَّنَا لَا نُكَفِّرُ المُسْلِمَ الَّذِي وَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ إِلَّا بَعْدَ البَيَانِ. فَالخَللُ عِنْدَهُمْ فِي خَلْطِ (الوَمْضَةِ العَقَدِيَّةِ) بِـ (الأَحْكَامِ القَضَائِيَّةِ) [2].

2. الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ (شُبْهَةُ المَصْلَحَةِ وَالسِّيَاسَةِ):

دَعْوَاهُمْ: أَنَّ الظُّرُوفَ المُّعَاصِرَةَ تَقْتَضِي مُدَارَاةَ الطَّوَاغِيتِ لِتَقْلِيلِ الشَّرِّ.

الرَّدُّ العِلْمِيُّ: المَصْلَحَةُ الَّتِي تَهْدِمُ (أَصْلَ التَّوْحِيدِ) هِيَ مَصْلَحَةٌ مَلْغَاةٌ بِيَقِينٍ. الإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ يُقَرِّرُ أَنَّ "أَعْظَمَ الفَسَادِ هوَ الشِّرْكُ"، وَالطَّاغُوتُ رَأْسُ الشِّرْكِ. فَلَا مَصْلَحَةَ تَقُومُ عَلَى أَنْقَاضِ (البَرَاءَةِ مِنَ الطَّاغُوتِ) [3].

ثَالِثًا: أَدَوَاتُ البَاحِثِ (المُّدَوِّنِ) فِي الدَّحْضِ

كِشَافُ المُّصْطَلَحَاتِ: ابْحَثْ عَنِ المُّصْطَلَحَاتِ "الطَّاغُوتِيَّةِ" المُّغَلَّفَةِ (كَالقَانُونِ العَالَمِيِّ، الشَّرْعِيَّةِ الدُّوَلِيَّةِ) وَبَيِّنْ مُصَادَمَتَهَا لِـ (الحَاكِمِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ).

الِاسْتِدْلَالُ بِفِعْلِ السَّلَفِ: اسْتَحْضِرْ مَوَاقِفَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ أَمَامَ جَبَابِرَةِ عَصْرِهِمْ، لِتُبَيِّنَ أَنَّ "الاجْتِنَابَ" هُوَ مَنْهَجٌ تَارِيخِيٌّ مُّسْتَمِرٌّ وَلَيْسَ بِدْعَةً حَدِيثَةً.

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلمُدَوِّنِ (أَبِي أَنَسٍ) فِي الخِتَامِ

يُحَقِّقُ البَاحِثُ أَنَّ (قُوَّةَ الحُجَّةِ) لَا تَكُونُ بِالصُّرَاخِ، بَلْ بِالرُّجُوعِ إِلَى "مَعْنَى الطَّاغُوتِ" كَمَا بَيَّنَهُ الشَّيْخُ فِي مَتْنِهِ. إِنَّ المَنْهَجَ العِلْمِيَّ يَقْضِي بِأَنَّنَا:

نَرْحَمُ الخَلْقَ: فَنُعَلِّمُهُمْ حَقِيقَةَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ التَّبَعِيَّةِ لِلطَّاغُوتِ.

وَنُعَظِّمُ الحَقَّ: فَلَا نُدَاهِنُ فِي أَصْلِ الدِّينِ لِأَجْلِ رِضَا أَحَدٍ.

إِنَّ هَذِهِ المُّتَمِّمَةَ هِيَ "الحِصْنُ" لِبَحْثِكَ؛ لِكَيْ لَا يَتَسَلَّلَ إِلَيْهِ المُّمْيِعُونَ أَوْ الغُلَاةُ. فَبَيَانُ (الطَّاغُوتِ) هوَ بَيَانُ الحُرِّيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ لِلْعَبْدِ مِنْ رِبْقَةِ العُبُودِيَّةِ لِلْبَشَرِ [4].

------------------------------------------&

[1] "مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ"، ابْنُ القَيِّمِ، ج1، ص 310.

[2] "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ"، ج8، ص 156. (فِي بَيَانِ الفَرْقِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالعَيْنِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ).

[3] "الِاسْتِقَامَةُ"، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ج2، ص 214.

[4] "مُدَوَّنَةُ البَاحِثِ (أَبُو أَنَسٍ)"، مَبْحَثُ: قَوَاعِدُ المُحَاجَّةِ فِي مَسَائِلِ العَقِيدَةِ.

----------------------------&

الخَاتِمَةُ الجَامِعَةُ: النَّتَائِجُ الأَرْبَعُونَ لِبَحْثِ وَتَحْقِيقِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ"

(أ) نَتَائِجُ أَصْلِ المَفْهُومِ وَالتَّعْرِيفِ:

الطَّاغُوتُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ مَا عُبِدَ أَوْ اتُّبِعَ أَوْ أُطِيعَ مِنْ دُونِ اللَّهِ بِمُجَاوَزَةِ الحَدِّ الشَّرْعِيِّ.

أَصْلُ اشْتِقَاقِ الطَّاغُوتِ مِنَ "الطُّغْيَانِ"، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ القَدْرِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ خُرُوجٍ عَنِ العُبُودِيَّةِ هُوَ شَطْرٌ نَحْوَ الطَّاغُوتِيَّةِ.

الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ رُكْنٌ أَصِيلٌ فِي التَّوْحِيدِ، لَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبْدٍ بِدُونِهِ (الرُّكْنُ الأَوَّلُ: النَّفْيُ).

العَلَاقَةُ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ عَلَاقَةٌ تَلَازُمِيَّةٌ؛ فَإِثْبَاتُ الأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهَا عَمَّا سِوَاهُ.

رُؤُوسُ الطَّوَاغِيتِ خَمْسَةٌ: (إِبْلِيسُ، الحَاكِمُ المُّبَدِّلُ، الحَاكِمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، مُدَّعِي عِلْمِ الغَيْبِ، المَعْبُودُ الرَّاضِي).

ذِكْرُ الرُّؤُوسِ الخَمْسَةِ فِي المَتْنِ هُوَ مِنْ بَابِ "التَّمْثِيلِ بِالمُنَافَاتِ الكُبْرَى" وَلَيْسَ حَصْرَ العَدَدِ.

الطَّاغُوتُ قَدْ يَكُونُ ذَاتاً (كَشَخْصٍ) أَوْ مَعْنًى (كَقَانُونٍ أَوْ هَوًى).

أَعْظَمُ الطَّوَاغِيتِ إِبْلِيسُ اللَّعِينُ، وَهُوَ المُحَرِّكُ لِكُلِّ خُيُوطِ الطُّغْيَانِ فِي الأَرْضِ.

(ب) نَتَائِجُ صِفَةِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ (الأَرْكَانُ الخَمْسَةُ):

اعْتِقَادُ بُطْلَانِ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ (رُكْنٌ قَلْبِيٌّ).

تَرْكُ الطَّاغُوتِ وَاجْتِنَابُهُ (رُكْنٌ عَمَلِيٌّ بِالجَوَارِحِ).

بُغْضُ الطَّاغُوتِ (رُكْنٌ عَاطِفِيٌّ إِيمَانِيٌّ).

تَكْفِيرُ الطَّاغُوتِ وَأَهْلِهِ (رُكْنٌ حُكْمِيٌّ عَقَدِيٌّ).

مُعَادَاةُ الطَّاغُوتِ (رُكْنُ مُفَاصَلَةٍ وَوَلَاءٍ وَبَرَاءٍ).

(ج) نَتَائِجُ التَّحْقِيقَاتِ فِي الحَاكِمِيَّةِ وَالتَّشْرِيعِ:

مَنِ ادَّعَى حَقَّ التَّشْرِيعِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ طَاغُوتاً.

الحَاكِمُ الَّذِي يُبَدِّلُ شَرْعَ اللَّهِ بِقَوَانِينَ وَضْعِيَّةٍ يُعْتَبَرُ رَأْساً مِنْ رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ.

مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مُسْتَحِلّاً أَوْ مُفَضِّلاً لِحُكْمِ البَشَرِ عَلَى شَرْعِ اللَّهِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ وَصْفَ الطَّاغُوتِ.

التَّشْرِيعُ الوَضْعِيُّ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ هُوَ الصُّورَةُ الأَبْرَزُ لِلطَّاغُوتِيَّةِ المُعَاصِرَةِ.

التَّفْرِيقُ بَيْنَ "القَوَانِينِ الإِدَارِيَّةِ" (المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ) وَبَيْنَ "التَّشْرِيعِ التَّحْلِيلِيِّ" (الطَّاغُوتِ المُبَدِّلِ).

(د) نَتَائِجُ العَوَارِضِ وَالمَوَانِعِ (الجَهْلُ، التَّأْوِيلُ، الإِكْرَاهُ):

الجَهْلُ المُعْتَبَرُ هُوَ الَّذِي يَحْجُبُ "تَصَوُّرَ المَنَاطِ"، خَاصَّةً فِي المَسَائِلِ الخَفِيَّةِ.

التَّفْرِيقُ بَيْنَ الجَهْلِ "بِالحُكْمِ" (الَّذِي يُؤَاخَذُ بِهِ المُقَصِّرُ) وَالجَهْلِ "بِالحَالِ" (الَّذِي يُعْذَرُ بِهِ المُّوَحِّدُ).

التَّأْوِيلُ السَّائِغُ يَمْنَعُ تَنْزِيلَ حُكْمِ التَّكْفِيرِ عَلَى المُعَيَّنِ صِيَانَةً لِعَقْدِ الإِسْلَامِ.

الإِكْرَاهُ المُلْجِئُ رُخْصَةٌ شَرْعِيَّةٌ تَدْرَأُ الكُفْرَ عَنِ الفَاعِلِ مَعَ بَقَاءِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ فِي القَلْبِ.

الضَّرُورَةُ فِي التَّحَاكُمِ لِاسْتِخْلَاصِ الحُقُوقِ (مَعَ كَرَاهِيَةِ القَانُونِ) مَنَاطٌ دَقِيقٌ يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ العَيْنِيَّ.

(هـ) نَتَائِجُ الآثَارِ العَمَلِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ:

الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ يُحَرِّرُ العَقْلَ البَشَرِيَّ مِنَ التَّبَعِيَّةِ العَمْيَاءِ لِلأَشْخَاصِ وَالمُنَظَّمَاتِ.

المُفَاصَلَةُ مَعَ الطَّاغُوتِ لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ الصِّدَامَ المُسَلَّحَ، بَلْ أَصْلُهَا البَرَاءَةُ القَلْبِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ.

الرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ تَجْمَعُ بَيْنَ "الصَّدْعِ بِالحَقِّ" وَ"الحِكْمَةِ فِي التَّغْيِيرِ" وَ"الرَّحْمَةِ بِالخَلْقِ".

الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ يُؤَسِّسُ لِمُجْتَمَعِ "العَبِيدِ لِلَّهِ وَحْدَهُ"، مِمَّا يُحَقِّقُ الأَمْنَ النَّفْسِيَّ وَالِاجْتِمَاعِيَّ.

التَّمَسُّكُ بِـ "العُرْوَةِ الوُثْقَى" هُوَ الثَّمْرَةُ الكُبْرَى لِعَمَلِيَّةِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانِ بِاللَّهِ.

(و) نَتَائِجُ المَنْهَجِيَّةِ البَحْثِيَّةِ وَالرُّدُودِ:

بِنَاءُ الحُجَّةِ يَبْدَأُ مِنَ "المُحْكَمَاتِ" قَبْلَ الدُّخُولِ فِي "المُتَشَابِهَاتِ".

الرَّدُّ عَلَى المُبْطِلِينَ يَتَطَلَّبُ فِقْهَ "دَلَالَاتِ الأَلْفَاظِ" وَكَشْفَ زَيْفِ المُصْطَلَحَاتِ المُعَاصِرَةِ.

التَّحْذِيرُ مِنْ غُلُوِّ الخَوَارِجِ (التَّكْفِيرِ بِالعُمُومِ) وَجَفَاءِ المُرْجِئَةِ (تَمْيِيعِ أَصْلِ البَرَاءَةِ).

المَنْهَجُ السَّلَفِيُّ هُوَ "الوَسَطُ العَدْلُ" فِي فَهْمِ وَتَنْزِيلِ مُقْتَضَيَاتِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ.

التَّدْوِينُ العِلْمِيُّ فِي مَسَائِلِ الطَّاغُوتِ هُوَ "جِهَادٌ بِالبَيَانِ" لِإِزَالَةِ الغَبَشِ عَنِ النَّاسِ.

(ز) نَتَائِجُ الخِتَامِ وَالِاسْتِخْلَاصِ النِّهَائِيِّ:

"مَعْنَى الطَّاغُوتِ" هُوَ مِفْتَاحُ فَهْمِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، إِذْ لَا تَخْلُو قِصَّةُ نَبِيٍّ مِنْ هَذَا الصِّرَاعِ.

الغَايَةُ مِنَ الخَلْقِ (العِبَادَةُ) لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالِاجْتِنَابِ التَّامِّ لِلطَّاغُوتِ.

الطَّاغُوتُ المُعَاصِرُ (العَلْمَانِيَّةُ، اللِّيْبِرَالِيَّةُ) يَتَطَلَّبُ "اجْتِهَاداً عَقَدِيّاً" لِكَشْفِ عَوَارِهِ.

المُّوَحِّدُ الحَقِيقِيُّ هُوَ مَنْ يَرَى "صِغَرَ الطَّوَاغِيتِ" أَمَامَ "عَظَمَةِ الخَالِقِ".

التَّحَقُّقُ بِـ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) هُوَ الكَمَالُ العَمَلِيُّ لِكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ.

البَحْثُ العِلْمِيُّ فِي هَذَا المَتْنِ هُوَ تَجْدِيدٌ لِعَهْدِ التَّوْحِيدِ فِي القُلُوبِ.

النَّتِيجَةُ الكُبْرَى: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ كَامِلٌ، يَبْدَأُ بِـ (لَا) لِلطَّاغُوتِ، وَيَنْتَهِي بِـ (إِلَّا اللَّهِ) لِلْمَعْبُودِ.

-------

أَرْبَعُونَ وَصِيَّةً وَتَوْصِيَةً حَوْلَ مَبْحَثِ "مَعْنَى الطَّاغُوتِ"

(أ) وَصَايَا فِي التَّأْصِيلِ وَالعِلْمِ:

الإِخْلَاصُ: اجْعَلْ بَحْثَكَ خَالِصاً لِوَجْهِ اللهِ، لَا لِطَلَبِ شُهْرَةٍ أَوْ مُنَاكَفَةِ خُصُومٍ.

تَعْظِيمُ النَّصِّ: قَدِّمْ قَوْلَ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى كُلِّ فَهْمٍ بَشَرِيٍّ مَهْمَا عَظُمَ صَاحِبُهُ.

الرُّجُوعُ لِلأَكَابِرِ: لَا تَخْرُجْ فِي تَوْصِيفِ الطَّاغُوتِ عَنْ فُهُومِ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ.

الاسْتِمْرَارُ فِي التَّعَلُّمِ: مَبَاحِثُ العَقِيدَةِ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، فَكُنْ دَائِمَ التَّنْقِيبِ فِي كُتُبِ الأَقْدَمِينَ.

التَّمْيِيزُ بَيْنَ المَفَاهِيمِ: دَقِّقْ فِي الفَرْقِ بَيْنَ "النَّاقِضِ العَقَدِيِّ" وَ"المَعْصِيَةِ السُّلُوكِيَّةِ".

دِرَاسَةُ الوَاقِعِ: افْهَمْ نُظُمَ عَصْرِكَ جَيِّداً لِتَعْرِفَ كَيْفَ تُسَمِّي الطَّاغُوتَ بِاسْمِهِ الحَقِيقِيِّ.

الحَذَرُ مِنَ المُّدَاهَنَةِ: لَا تُمَيِّعْ مَعَانِي التَّوْحِيدِ لِإِرْضَاءِ أَصْحَابِ المَنَاهِجِ المُّعَاصِرَةِ.

(ب) وَصَايَا فِي المَنْهَجِ وَالدَّعْوَةِ:

الرَّحْمَةُ بِالجَاهِلِينَ: فَرِّقْ بَيْنَ "رَأْسِ الطَّاغُوتِ" وَبَيْنَ "العَامِّيِّ المُّتَأَوِّلِ".

الحِكْمَةُ فِي البَيَانِ: ادْعُ إِلَى الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ بِالحُجَّةِ البَالِغَةِ وَاللِّينِ فِي المَقَالِ.

تَرْكُ التَّعْيِينِ لِلْعُلَمَاءِ: انْشَغِلْ بِبَيَانِ "الوَصْفِ" وَاتْرُكْ "تَنْزِيلَ الحُكْمِ عَلَى الأَعْيَانِ" لِأَهْلِ الِاجْتِهَادِ.

الوَسَطِيَّةُ: احْذَرْ مِنْ غُلُوِّ الخَوَارِجِ الَّذِي يُكَفِّرُ بِالذُّنُوبِ، وَجَفَاءِ المُرْجِئَةِ الَّذِي يَمْلَحُ التَّوْحِيدَ.

بِنَاءُ اليَقِينِ: ازْرَعْ فِي نُفُوسِ النَّاسِ أَنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ وَأَنَّ الطَّاغُوتَ مَهْمَا عَلَا فَهُوَ زَاهِقٌ.

التَّرْبِيَةُ العَقَدِيَّةُ: ابْدَأْ بِتَعْلِيمِ النَّاشِئَةِ مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" بِرُكْنَيْهَا.

الحَذَرُ مِنَ الشَّعْبَوِيَّةِ: لَا تَجْعَلْ مَسَائِلَ العَقِيدَةِ الكُبْرَى مَادَّةً لِلْإِثَارَةِ بَلْ لِلْهِدَايَةِ.

(ج) وَصَايَا لِلْبَاحِثِ (المُّدَوِّنِ أَبِي أَنَسٍ):

تَنْقِيحُ المُدَوَّنَةِ: اجْعَلْ مَقَالَاتِكَ مُرَتَّبَةً، تَبْدَأُ بِالنَّصِّ ثُمَّ الشَّرْحِ ثُمَّ الثَّمَرَةِ.

التَّوْثِيقُ الدَّقِيقُ: لَا تَنْقُلْ قَوْلاً إِلَّا مَعَ عَزْوِهِ لِمَصْدَرِهِ بِالجُزْءِ وَالصَّفْحَةِ.

اسْتِخْدَامُ اللُّغَةِ الرَّصِينَةِ: حَافِظْ عَلَى قُوَّةِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ فِي كِتَابَاتِكَ.

التَّفَاعُلُ المَّنْضَبِطُ: رُدَّ عَلَى التَّسَاؤُلَاتِ بِعِلْمٍ، وَتَجَنَّبِ المِرَاءَ الَّذِي لَا طَائِلَ مِنْهُ.

نَشْرُ المَتْنِ: اجْعَلْ مَتْنَ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ أَصْلًا يُحْفَظُ وَيُشْرَحُ.

تَنْوِيعُ الوَسَائِلِ: اسْتَخْدِمِ الصُّورَ التَّوْضِيحِيَّةَ وَالمُلَخَّصَاتِ لِتَقْرِيبِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ لِلْعَوَامِّ.

(د) وَصَايَا فِي العَمَلِ وَالثَّبَاتِ:

تَحْقِيقُ المَّقْصُودِ: لَا يَكُنْ هَمُّكَ إِنْهَاءَ البَحْثِ، بَلْ تَحْقِيقَ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ فِي قَلْبِكَ.

الثَّبَاتُ عَلَى المَبْدَأِ: قَدْ تُوَاجِهُ ضُغُوطاً لِتَغْيِيرِ قَنَاعَاتِكَ العَقَدِيَّةِ، فَاعْتَصِمْ بِاللهِ.

مُجَانَبَةُ الطَّوَاغِيتِ: اجْعَلْ حَيَاتَكَ نَمُوذَجاً لِلِاجْتِنَابِ العَمَلِيِّ لِكُلِّ مَا يُغْضِبُ اللهَ.

الدُّعَاءُ: سَلِ اللهَ دَائِماً أَنْ يُثَبِّتَ قَلْبَكَ عَلَى التَّوْحِيدِ حَتَّى المَمَاتِ.

الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى: بَيَانُ مَعْنَى الطَّاغُوتِ طَرِيقُ الأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ مَحْفُوفٌ بِالمَكَارِهِ.

تَجْدِيدُ النِّيَّةِ: رَاجِعْ نِيَّتَكَ مَعَ كُلِّ مَقَالٍ تَنْشُرُهُ أَوْ مَعْلُومَةٍ تُحَقِّقُهَا.

الوَلَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ: اجْعَلْ مَحَبَّتَكَ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ دِيدَنَكَ، مَهْمَا بَعُدَتِ المَسَافَاتُ.

(هـ) تَوْصِيَاتٌ لِمُسْتَقْبَلِ البَحْثِ:

التَّوَسُّعُ فِي مَسَائِلِ الإِكْرَاهِ: نَظَراً لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ.

تَأْلِيفُ رِسَالَةٍ مُوجَزَةٍ: تَجْمَعُ فِيهَا هَذِهِ المُقَدِّمَاتِ لِتَكُونَ "دَلِيلَ المُّوَحِّدِ".

رَصْدُ الشُّبُهَاتِ الحَدِيثَةِ: كُنْ يَقِظاً لِمَا يُبَثُّ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ بِمَنْطِقِ الطَّاغُوتِ.

رَبْطُ التَّوْحِيدِ بِالأَخْلَاقِ: بَيِّنْ أَنَّ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ يُهَذِّبُ النَّفْسَ وَيَمْنَعُ الظُّلْمَ.

الِاهْتِمَامُ بِفِقْهِ المُّوَازَنَاتِ: عِنْدَ تَنْزِيلِ الأَحْكَامِ فِي بِيئَاتٍ مُّخْتَلِفَةٍ.

دَعْمُ البَاحِثِينَ الشَّبَابِ: كُنْ مَنَارَةً لِمَنْ أَرَادَ سُلُوكَ هَذَا الطَّرِيقِ بِنُصْحِكَ.

الحِفَاظُ عَلَى المِيرَاثِ النَّجْدِيِّ: مَعَ بَيَانِ جَوْهَرِهِ العَالَمِيِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِكُلِّ زَمَانٍ.

(و) وَصَايَا خِتَامِيَّةٌ جَامِعَةٌ:

الطَّاغُوتُ يَبْدَأُ مِنَ الدَّاخِلِ: فَطَهِّرْ نَفْسَكَ مِنْ طَاغُوتِ "الكِبْرِ" وَ"العُجْبِ".

الحَقُّ أَبْلَجُ: فَلَا تَخْشَ قِلَّةَ السَّالِكِينَ فِي طَرِيقِ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ.

الِاعْتِدَالُ: لَا تَكُنْ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ فَيَنْفَضَّ النَّاسُ مِنْ حَوْلِ تَوْحِيدِكَ.

الوُضُوحُ: كُنْ وَاضِحاً فِي طَرْحِكَ، لَا تَسْتَخْدِمِ الكَلَامَ المُّحْتَمِلَ الَّذِي يُضِلُّ السَّامِعَ.

شُكْرُ النِّعْمَةِ: اشْكُرِ اللهَ أَنْ هَدَاكَ لِفَهْمِ هَذِهِ المَسَائِلِ الَّتِي ضَلَّ عَنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ.


الخَاتِمَةُ: اجْعَلْ آخِرَ كَلَامِكَ فِي الدُّنْيَا "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، مُحَقِّقاً لِمَعْنَاهَا، كَافِراً بِالطَّاغُوتِ، مُؤْمِناً بِاللهِ.

--------

فِي خِتَامِ هَذَا السِّفْرِ العَظِيمِ، نَحْمَدُ اللهَ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، فَقَدْ تَمَّ تَحْرِيرُ مَعْنَى الطَّاغُوتِ بِدِقَّةٍ وَيَقِينٍ، لِيَكُونَ مَنَارَةً لِكُلِّ مُوَحِّدٍ يَنْشُدُ الحَقَّ وَيَبْرَأُ مِنَ الأَنْدَادِ. إِنَّ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ هُوَ جَوْهَرُ الحُرِّيَّةِ وَأَصْلُ الفَلَاحِ، وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الدِّينُ وَتَصْلُحُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عَلَى مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ. فَاللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا العَمَلَ خَالِصاً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ، وَثَبِّتْنَا عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ حَتَّى نَلْقَاكَ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ.

اليَوْمُ: الإِثْنَيْنِ

السَّاعَةُ: 10:40 صَبَاحاً

التَّارِيخُ الهِجْرِيُّ: 3 ذُو القَعْدَةِ 1447 هـ

التَّارِيخُ المِيلَادِيُّ: 20 أَبْرِيل (نَيْسَان) 2026 م

خَتَمَهُ الرَّاجِي عَفْوَ رَبِّهِ: أَبُو أَنَسٍ عِمَاد بْن عَبْدِ العَزِيزِ آلِ عَامِر

الفِهْرِسُ التَّفْصِيلِيُّ لِبَحْثِ: "تَحْرِيرُ مَعْنَى الطَّاغُوتِ وَتَقْرِيرُ الرُّؤْيَةِ السَّلَفِيَّةِ"

أَوَّلاً: سِلْسِلَةُ المُقَدِّمَاتِ المَنْهَجِيَّةِ (مِنْ 1 إِلَى 22)

المُقَدِّمَةُ (1-5): التَّأْصِيلُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ لِلَفْظِ الطَّاغُوتِ وَارْتِبَاطِهِ بِالطُّغْيَانِ.

المُقَدِّمَةُ (6-10): الرَّبْطُ بَيْنَ رُكْنَيِ التَّوْحِيدِ (النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ) وَمَوْقِعِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ.

المُقَدِّمَةُ (11-15): تَشْرِيحُ "رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ الخَمْسَةِ" كَمَا وَرَدَتْ فِي مَتْنِ الإِمَامِ.

المُقَدِّمَةُ (16-20): بَيَانُ صِفَةِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ وَأَرْكَانِهِ الخَمْسَةِ (اعْتِقَادٌ، تَرْكٌ، بُغْضٌ، تَكْفِيرٌ، مُعَادَاةٌ).

المُقَدِّمَةُ (21-22): عِلاقَةُ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى وَمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.

ثَانِيًا: المُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ وَالعِشْرُونَ (جَامِعُ الثَّمَرَاتِ)

الوَجْهُ الأَصْلِيُّ (23-أ): الِاسْتِقْرَاءُ النَّهَائِيُّ لِمَنَاطَاتِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ وَثَمَرَاتِ التَّأْصِيلِ.

المُتَمِّمَةُ الأُولَى (23-ب): التَّطْبِيقَاتُ المُعَاصِرَةُ (الاشْتِبَاكُ مَعَ القَوَانِينِ الوَضْعِيَّةِ، العَوْلَمَةِ، وَفِقْهِ النَّوَازِلِ).

المُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ (23-ج): المَنْهَجُ العِلْمِيُّ فِي بِنَاء الحُجَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى الشُّبُهَاتِ وَالمُبْطِلِينَ.

ثَالِثًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ التَّحْقِيقِيَّةُ

قَاعِدَةُ الحَدِّ المَانِعِ فِي تَعْرِيفِ الطَّاغُوتِ.

ضَوَابِطُ العَوَارِضِ (الجَهْلُ بِالحَالِ، التَّأْوِيلُ، الإِكْرَاهُ).

تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ الحَاكِمِيَّةِ وَالتَّشْرِيعِ وَمَنَاطِ التَّحَاكُمِ.

رَابِعًا: الخَاتِمَةُ وَالنَّتَائِجُ النِّهَائِيَّةُ

النَّتَائِجُ الأَرْبَعُونَ: خُلَاصَةُ مَا تَوَصَّلَ إِلَيْهِ البَحْثُ فِي العَقِيدَةِ وَالوَاقِعِ.

الوَصَايَا الأَرْبَعُونَ: (40) وَصِيَّةً وَتَوْصِيَةً لِلْبَاحِثِ وَالمُدَوِّنِ وَطَالِبِ العِلْمِ.

خَامِسًا: التَّوْثِيقُ وَالمَصَادِرُ

ثَبْتُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ (الأُمَّهَاتُ، كُتُبُ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ، فَتَاوَى المُعَاصِرِينَ).

الحَوَاشِي العِلْمِيَّةُ المُدَقَّقَةُ.

سَادِسًا: التَّوْقِيعُ وَالخَتْمُ

بَيَانُ الخِتَامِ وَتَوْقِيعُ البَاحِثِ (أَبُو أَنَسٍ).

التَّأْرِيخُ الهِجْرِيُّ وَالمِيلَادِيُّ لِانْتِهَاءِ البَحْثِ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق