الأربعاء، 15 أبريل 2026

قلم الباحث في استخراج وتحقيق المباحث حول ما يتميز به المسلم عن المشركإجازة علمية في مبحث (تميز المسلم عن المشرك) الحمد لله الذي رفع أهل العلم درجات، ووصل حبال المتأخرين بالمتقدمين بالسند المتصل إلى صاحب الرسالات، والصلاة والسلام على نبينا محمد صاحب المعجزات، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسموات، أما بعد: فإن شرف العلم بشرف معلومه، وإن مبحث "ما يتميز به المسلم عن المشرك" من أصول الاعتقاد التي جرد لها أئمة السلف الأقلام، وصانوها من لوثات أهل البدع والأوهام، ولما كان الاتصال بالسند من خصائص هذه الأمة المرحومة، فقد أجزت هذا المبحث لمن تثبت أهليته بالعلم والديانة. وقد أجاد العبد الفقير: عماد أبو أنس/ عماد بن عبد العزيز بن طه آل عامر المصري الطالب: ............................................................ الطالبة: ............................................................ أجزته/أجزتها بهذا البحث الموسوم بـ: (قلم الباحث في استخراج وتحقيق المباحث حول ما يتميز به المسلم عن المشرك) إجازة علمية بعد أن درسه معي وقرأه وحلّ مسائله وأسئلته، فآنسَتُ منه/منها فهماً لمقاصده، فكتبت له هذه الإجازة بشرط أن يُدرِّسه لإخوانه وطلاب العلم، وأن يعقد مجلساً للقراءة على طلاب العلم لهذا البحث، بشرطين: الأول: أن يقرأه بطريقة صحيحة تضبط مبانيه وتوضح معانيه. الثاني: أن يكون (سلفياً على الجادة)، ليس من أهل البدع، ولا من الخوارج القاعدية، ثابتاً على ما كان عليه سلف الأمة. فأجزته إجازة علمية خاصة في معين بمعين، على الشرط المعتبر عند أهل الحديث والأثر. تحريراً في: اليوم: .................... الشهر الهجري: .................... السنة الهجرية: .................... هـ الشهر الميلادي: .................... السنة الميلادية: .................... م توقيع الشيخ: ختم الشيخ: ............................ ( ............................ )

                           
                   

 


 قلم الباحث
 في استخراج وتحقيق المباحث حول
    ما يتميز به المسلم عن المشرك

[الْخُطَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ الشَّامِلَةُ لِبَحْثِ: مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ]
أوَّلًا: مَرْحَلَةُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْصِيلِ (الْوُجُوهُ ١ - ١٥)
١. بَابُ الِاسْتِفْتَاحِ: الِاسْمُ الْكَامِلُ لِلْبَحْثِ وَتَحْدِيدُ مَنْهَجِ "الْبَاحِثِ عِمَادِ الدِّينِ".
٢. بَابُ الْبَوَاعِثِ: (١٠ نِقَاطٍ) تَفْصِيلِيَّةٍ عَنْ دَوَاعِي اخْتِيَارِ هَذَا الْمَتْنِ دُونَ غَيْرِهِ.
٣. بَابُ الْمَقَاصِدِ: أَهْدَافُ الْبَحْثِ (الْعِلْمِيَّةُ، الْعَقَدِيَّةُ، الدَّعَوِيَّةُ).
٤. بَابُ الْقِيمَةِ الْعِلْمِيَّةِ: بَيَانُ أَهَمِّيَّةِ الرِّسَالَةِ فِي حِفْظِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ.
٥. بَابُ النَّقْدِ الْمَنْهَجِيِّ: مَنْ سَبَقَ فِي تَنَاوُلِ الْمَتْنِ وَأَوْجُهُ التَّقْصِيرِ الَّتِي عَالَجَهَا هَذَا الْبَحْثُ.
٦. بَابُ التَّحْقِيقِ التَّارِيخِيِّ: نِسْبَةُ الْمَتْنِ لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ بِالْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ.
٧. بَابُ الِاتِّصَالِ: إِجَازَةُ الْبَاحِثِ بِالسَّنَدِ الْمُتَّصِلِ لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ (تَوْثِيقُ الرِّوَايَةِ).
ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ التَّحْقِيقِ التَّشْرِيحِيِّ (١٦ فِقْرَةً نَصِّيَّةً) (الْوُجُوهُ ١٦ - ٧٥)
(تم تشريح المتن إلى ١٦ فِقْرَةً، تَمَّ تَنَاوُلُ كُلِّ فِقْرَةٍ بِمَنْهَجِ: الِاشْتِقَاقِ، الْحَدِّ، الِاصْطِلَاحِ، التَّمَيُّزِ):
١. الْفِقْرَةُ ١: (الْبَسْمَلَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ) - تَأْصِيلُ مَبْدَأِ الْبُدَاءَةِ.
٢. الْفِقْرَةُ ٢: (حَقِيقَةُ الْإِخْلَاصِ) - التَّمَيُّزُ فِي قَصْدِ الْعِبَادَةِ.
٣. الْفِقْرَةُ ٣: (تَعْرِيفُ الشِّرْكِ وَخَطَرُهُ) - الْمُفَاصَلَةُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ وَالْمُشْرِكِ.
٤. الْفِقْرَةُ ٤: (الِاحْتِجَاجُ بِالْفِطْرَةِ) - كَيْفَ يَسْتَدِلُّ الْمُسْلِمُ بِفِطْرَتِهِ.
٥. الْفِقْرَةُ ٥: (قَاعِدَةُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ) - بَيَانُ أَنَّهَا لَا تَكْفِي لِلتَّمَيُّزِ النِّهَائِيِّ.
٦. الْفِقْرَةُ ٦: (شُبْهَةُ الشَّفَاعَةِ) - تَشْرِيحُ دَعَاوَى الْقُبُورِيِّينَ.
٧. الْفِقْرَةُ ٧: (الْوَسَاطَةُ الْبَاطِلَةُ) - الْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَسُّلِ الشَّرْعِيِّ وَالشِّرْكِيِّ.
٨. الْفِقْرَةُ ٨: (صِفَاتُ الْإِلَهِ الْحَقِّ) - التَّمَيُّزُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ.
٩. الْفِقْرَةُ ٩: (نَقْضُ مَذْهَبِ أَهْلِ الْكَلَامِ) - كَيْفَ ضَلُّوا فِي بَابِ الصِّفَاتِ.
١٠. الْفِقْرَةُ ١٠: (قَاعِدَةُ الْإِثْبَاتِ) - الْتِزَامُ طَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي النَّعْتِ.
١١. الْفِقْرَةُ ١١: (نَفْيُ التَّمْثِيلِ وَالتَّكْيِيفِ) - تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْخَلْقِ.
١٢. الْفِقْرَةُ ١٢: (الِاسْتِعْلَاءُ بِالْوَحْيِ) - تَقْدِيمُ النَّقْلِ الصَّحِيحِ عَلَى الْعَقْلِ الصَّرِيحِ.
١٣. الْفِقْرَةُ ١٣: (أَدِلَّةُ الْعُلُوِّ) - تَثْبِيتُ صِفَةِ الْعُلُوِّ كَمَظْهَرٍ لِتَعْظِيمِ الْخَالِقِ.
١٤. الْفِقْرَةُ ١٤: (الرَّدُّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ) - كَشْفُ تَنَاقُضَاتِ النُّفَاةِ.
١٥. الْفِقْرَةُ ١٥: (الثَّبَاتُ عَلَى الْمِلَّةِ) - مَعَالِمُ الصُّمُودِ الْعَقَدِيِّ.
١٦. الْفِقْرَةُ ١٦: (الْخَاتِمَةُ النَّصِّيَّةُ) - جَمْعُ شَتَاتِ التَّمَيُّزِ فِي الْعِبَادَةِ.
ثَالِثًا: مَرْحَلَةُ الْمَبَاحِثِ التَّأْصِيلِيَّةِ (١٢ مَبْحَثاً) (الْوُجُوهُ ٧٦ - ٩٤)
(مَبَاحِثُ كُبْرَى مُنْبَثِقَةٌ عَنِ التَّحْقِيقِ):
الْمَبَاحِثُ ١-١٠: تَفْصِيلُ قَوَاعِدِ الصِّفَاتِ، نَقْضُ الْإِرْجَاءِ، بَيَانُ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، مَسَالِكِ الِاسْتِدْلَالِ الْحِسِّيِّ.
الْمَبْحَثُ ١١ (الْوَجْهُ ٩٢): "الْقَوَاعِدُ السَّلَفِيَّةُ فِي الصِّفَاتِ وَأَثَرُهَا فِي التَّمَيُّزِ".
الْمَبْحَثُ ١٢ (الْوَجْهُ ٩٤): "الِاسْتِعْلَاءُ بِالْإِيمَانِ وَتَحْقِيقُ التَّمَيُّزِ النِّهَائِيِّ".
رَابِعًا: مَرْحَلَةُ الْخِتَامِ وَالثَّمَرَاتِ (الْوُجُوهُ ٩٥ - ٩٨)
نَتَائِجُ الْبَحْثِ (٩٥ - ٩٧): (٤٠ نَتِيجَةً) عِلْمِيَّةً صِيغَتْ بِقَلَمِ الْبَاحِثِ.
وَصَايَا الْبَاحِثِ (٩٨): (٢٠ وَصِيَّةً) شَامِلَةً (مَعْنَوِيَّةٌ، حِسِّيَّةٌ، عَقَدِيَّةٌ).
الْمَنْهَجُ التَّدْرِيسِيُّ: الطَّرِيقَةُ الْخُمَاسِيَّةُ (تَشْرِيحٌ، تَثْلِيثٌ، تَحْلِيلٌ، تَأْصِيلٌ، اسْتِنْبَاطٌ).
خَامِسًا: مُلَخَّصُ الْإِحْصَاءِ الْبَيَانِيِّ لِلْبَحْثِ
عَدَدُ الْوُجُوهِ: ٩٨ وَجْهاً بَحْثِيّاً.
فِقْرَاتُ التَّحْقِيقِ: ١٦ فِقْرَةً نَصِّيَّةً مُشَرَّحَةً.
الْمَبَاحِثُ الِاسْتِقْلَالِيَّةُ: ١٢ مَبْحَثاً كَبِيراً.
نَتَائِجُ الْبَحْثِ: ٤٠ نَتِيجَةً مُحَقَّقَةً.
وَصَايَا الْبَاحِثِ: ٢٠ وَصِيَّةً لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ.
عَدَدُ أَسْطُرِ الْحَاشِيَةِ: ١٥ سَطْراً ثَابِتاً فِي كُلِّ وَجْهٍ (بِإِجْمَالِي ١٤٧٠ سَطْراً حَاشِيَةً).

[الوَجْهُ الأَوَّلُ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مُقَدِّمَةُ التَّحْقِيقِ وَالْبَيَانِ فِي مُفَاصَلَةِ أَهْلِ الْإِيمَانِ عَنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ التَّوْحِيدَ أَعْظَمَ الْحُقُوقِ، وَفَصَلَ بِهِ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ الصَّدُوقِ وَالْمُشْرِكِ الْمَسْبُوقِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى إِمَامِ الْمُوَحِّدِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ "التَّمَيُّزَ" فِي دِينِ اللَّهِ لَيْسَ شِعَاراً يُرْفَعُ، بَلْ هُوَ فُرْقَانٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، تَتَمَايَزُ بِهِ الصُّفُوفُ وَتَتَحَقَّقُ بِهِ النَّجَاةُ. وَتَأْتِي رِسَالَةُ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ، شَيْخِ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- الْمَوْسُومَةُ بِـ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، لِتَضَعَ النِّقَاطَ عَلَى الْحُرُوفِ فِي زَمَنٍ الْتَبَسَ فِيهِ أَصْلُ الْمِلَّةِ عِنْدَ الْكَثِيرِينَ، وَاخْتَلَطَتْ فِيهِ حَقِيقَةُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" بِمُحْدَثَاتِ الشِّرْكِ وَشُبُهَاتِ الضَّلَالِ.

مَنْهَجُ الْإِمَامِ فِي الرِّسَالَةِ:

لَقَدِ اعْتَمَدَ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ مَنْهَجاً "تَجْرِيدِيّاً" يَقُومُ عَلَى نَزْعِ رِدَاءِ الشِّرْكِ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَإِثْبَاتِ أَنَّ الْفَارِقَ الْجَوْهَرِيَّ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ يَكْمُنُ فِي "صَرْفِ الْقَصْدِ لِلَّهِ وَحْدَهُ". فَالْإِمَامُ لَمْ يَبْتَدِعْ قَوْلاً، بَلْ أَحْيَا مَنْهَجَ السَّلَفِ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ عَلَى الْوَاقِعِ التَّطْبِيقِيِّ، مُبَيِّناً أَنَّ شِرْكَ الْأَوَّلِينَ فِي الْأُلُوهِيَّةِ هُوَ عَيْنُ مَا وَقَعَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنِ اتِّخَاذِ الْأَوْلِيَاءِ شُفَعَاءَ وَوَسَائِطَ، فَكَشَفَ الزَّيْفَ وَبَدَّدَ الظُّلْمَةَ بِنُورِ الْوَحْيَيْنِ.

تَقْرِيرُ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ:

إِنَّ مَا قَرَّرَهُ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ هُوَ صُلْبُ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ مِنْ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَأَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِنَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ: نَفْيُ الْعِبَادَةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ، وَإِثْبَاتُهَا لَهُ وَحْدَهُ. وَهَذَا التَّمَيُّزُ يَقْتَضِي "الْمُفَاصَلَةَ الْعَقَدِيَّةَ" الَّتِي لَا مُدَاهَنَةَ فِيهَا، بِحَيْثُ يَعْلَمُ الْمُوَحِّدُ حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَيَقِفُ عِنْدَهَا وَلَا يَتَجَاوَزُهَا إِلَى مَسَالِكِ الْغُلُوِّ أَوِ الْجَفَاءِ.

التَّحْقِيقُ فِي مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ وَالتَّمَايُزِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْعَيْنِ:

وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمَنْهَجِيَّةِ الَّتِي حَرَصَ الْإِمَامُ عَلَى تَوْضِيحِهَا -تَحْقِيقاً لَا تَخْمِيناً- هِيَ مَسْأَلَةُ "الْأَحْكَامِ". فَالْبَاحِثُ الْمُدَقِّقُ فِي رَسَائِلِ الشَّيْخِ يَجِدُ بِوُضُوحٍ أَنَّهُ كَانَ يُفَرِّقُ تَفْرِيقاً حَازِماً بَيْنَ "كُفْرِ النَّوْعِ" وَ**"كُفْرِ الْعَيْنِ"**.

إِنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ هُوَ بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ "الْأَفْعَالَ" (كَالذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ دُعَاءِ الْأَمْوَاتِ) هِيَ كُفْرٌ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ بِإِطْلَاقٍ (كُفْرُ النَّوْعِ)، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى التَّنْزِيلِ. أَمَّا إِنْزَالُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى "الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ"، فَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَوْرَعَ النَّاسِ فِيهِ؛ إِذْ يَرَى أَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْعَيْنِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ:

إِقَامَةِ الْحُجَّةِ الرِّسَالِيَّةِ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا.

إِزَالَةِ الشُّبْهَةِ الْعَارِضَةِ مِنْ جَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ.

فَالشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ يُكَفِّرُ الْأَعْيَانَ جُزَافاً، بَلْ كَانَ قَصْدُهُ "حِمَايَةَ جَنَابِ التَّوْحِيدِ" وَتَعْرِيفَ الْمُسْلِمِ بِمَا يُخْرِجُهُ عَنْ مِلَّتِهِ لِيَتَجَنَّبَهُ، لَا لِيَحْكُمَ عَلَى الْخَلْقِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ. فَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ هُوَ اعْتِصَامُهُ بِالتَّوْحِيدِ عِلْماً وَعَمَلاً، وَتَجَنُّبُهُ لِلشِّرْكِ وَسَدُّ ذَرَائِعِهِ، مَعَ لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.

فَهَذَا "الْقَلَمُ الْبَاحِثُ" يَسْتَخْرِجُ مِنْ هَذِهِ الرِّسَالَةِ غُرَرَ الْمَبَاحِثِ، لِيُقَدِّمَهَا لِلْقَارِئِ الْمُوَحِّدِ بِصِبْغَةٍ أَكَادِيمِيَّةٍ سَلَفِيَّةٍ، تَجْمَعُ بَيْنَ قُوَّةِ الدَّلِيلِ وَرَصَانَةِ التَّحْقِيقِ، بَعِيداً عَنْ غُلُوِّ الْخَوَارِجِ وَجَفَاءِ الْمُرْجِئَةِ.

نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَلِيَّ الْقَدِيرَ أَنْ يَنْفَعَ بِهَذَا الْجُهْدِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصاً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ.


----------------------[٢]---------------------------

لِمَاذَا اخْتَرْتُ هَذَا الْمَتْنَ (تَحْقِيقاً وَتَعْلِيقاً)؟

تَعُودُ أَسْبَابُ اصْطِفَاءِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ لِلْعِنَايَةِ وَالتَّحْقِيقِ إِلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْمُوجِبَاتِ الْمَنْهَجِيَّةِ، أَبْرَزُهَا:

أَهَمِّيَّةُ الْمَوْضُوعِ: لِأَنَّهَا تَبْحَثُ فِي أَصْلِ الْأُصُولِ، وَهُوَ "التَّوْحِيدُ" وَمَا يُضَادُّهُ مِنَ "الشِّرْكِ"، وَبَيَانُ الْفَارِقِ الْجَوْهَرِيِّ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ نَجَاةُ الْعَبْدِ أَوْ هَلَاكُهُ.

شِدَّةُ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا: لِمَا رَأَيْتُهُ مِنْ خَفَاءِ مَعَالِمِ "التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ" عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَالْتِبَاسِ مَفَاهِيمِ الْإِسْلَامِ بِأَعْمَالِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَمْصَارِ.

مَكَانَةُ الْمُؤَلِّفِ: فَالْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مَعْرُوفٌ بِدِقَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ وَقُوَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَتَقْدِيمِهِ لِلْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ بِأَيْسَرِ عِبَارَةٍ وَأَمْتَنِ صِيغَةٍ.

الْقُوَّةُ الْمَنْهَجِيَّةُ: تَمَيُّزُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ بِتَأْصِيلِ "الْمُفَاصَلَةِ الْعَقَدِيَّةِ" بَعِيداً عَنْ تَعْقِيدَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ، مِمَّا يَجْعَلُهَا صَالِحَةً لِلتَّدْرِيسِ وَالتَّحْقِيقِ الْأَكَادِيمِيِّ.

دَفْعُ الشُّبُهَاتِ: رَغْبَةً فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ مَنْهَجِ الشَّيْخِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُكَفِّراً لِلْأَعْيَانِ جُزَافاً، بَلْ كَانَ نَاقِداً لِلْأَفْعَالِ الشِّرْكِيَّةِ (كُفْرِ النَّوْعِ) صِيَانَةً لِحِمَى التَّوْحِيدِ.

التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ: لِأَنَّ الرِّسَالَةَ تَكْشِفُ خَطَرَ خَلْطِ بَعْضِ الْعَادَاتِ الشِّرْكِيَّةِ بِصَمِيمِ الْعِبَادَةِ، وَتُعِيدُ ضَبْطَ الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ لِلْعَمَلِ الْمَقْبُولِ.

الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْإِرْجَاءِ وَالْغُلُوِّ: فَهِيَ تَقِفُ وَسَطاً بَيْنَ مَنْ تَهَاوَنَ فِي أَعْمَالِ الشِّرْكِ، وَبَيْنَ مَنْ غَلَا فِي تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، مِمَّا يَجْعَلُهَا حَكَماً عَدْلًا.

تَقْرِيبُ التُّرَاثِ السَّلَفِيِّ: سَعَيْتُ إِلَى إِخْرَاجِ هَذَا الْمَتْنِ بِمَظْهَرٍ تَحْقِيقِيٍّ حَدِيثٍ، يَجْمَعُ بَيْنَ صِحَّةِ النَّصِّ وَدِقَّةِ التَّعْلِيقِ، لِيَسْهُلَ عَلَى طُلَّابِ الْعِلْمِ الِانْتِفَاعُ بِهِ.

تَجْرِيدُ الِاتِّبَاعِ: لِأَنَّ الرِّسَالَةَ تَدْعُو إِلَى الْتِزَامِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- فِي تَعَامُلِهِمْ مَعَ نُصُوصِ الْوَعِيدِ وَالْكُفْرِ، دُونَ هَوَىً أَوْ تَعَصُّبٍ.

الرَّغْبَةُ فِي بَذْلِ النُّصْحِ لِلْأُمَّةِ: فَالْمَقْصِدُ الْأَسْمَى هُوَ "تَحْقِيقُ النَّصِيحَةِ" لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بِتَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَخْدِشُ تَوْحِيدَهُمْ.

-------------------------[٣]--------------------

أَهَمِّيَّةُ هَذَا الْمَتْنِ الْمُبَارَكِ

تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ فِي مَكَانَتِهَا الْعِلْمِيَّةِ وَأَثَرِهَا الدَّعْوِيِّ، وَيُمْكِنُ إِجْمَالُ ذَلِكَ فِي النِّقَاطِ الْآتِيَةِ:

(١) تَقْرِيرُ الْفَرْقَانِ الْأَعْظَمِ: أَنَّهَا تُبَيِّنُ الْحَدَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي مَيَّزَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ.

(٢) صِيَانَةُ جَنَابِ التَّوْحِيدِ: عَمَلُهَا عَلَى حِمَايَةِ عَقِيدَةِ الْمُسْلِمِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ وَالْجَلِيِّ الَّذِي قَدْ يَتَسَرَّلُ إِلَى الْعِبَادَاتِ.

(٣) تَصْحِيحُ مَفْهُومِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: إِيضَاحُ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ لَفْظٍ، بَلْ هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ يَقْتَضِي الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.

(٤) كَشْفُ شُبُهَاتِ الْمُبْطِلِينَ: الرَّدُّ الْعِلْمِيُّ الْمُفْحِمُ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الشِّرْكَ مَقْصُورٌ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الْحَجَرِيَّةِ فَقَطْ، وَبَيَانُ صُوَرِهِ الْمُعَاصِرَةِ.

(٥) تَأْصِيلُ الْمُفَاصَلَةِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ: تَرْبِيَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى الِاعْتِزَازِ بِدِينِهِ وَتَمَيُّزِهِ عَنْ مَسَالِكِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي التَّوَجُّهِ وَالْقَصْدِ.

(٦) بَيَانُ شُمُولِيَّةِ الْعِبَادَةِ: تَنْبِيهُ الْمُسْلِمِ إِلَى أَنَّ التَّمَيُّزَ يَكُونُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ؛ مِنَ الدُّعَاءِ، وَالذَّبْحِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ.

(٧) الرَّبْطُ بِدَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ: إِثْبَاتُ أَنَّ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّيْخُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ هُوَ جَوْهَرُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ جَمِيعاً: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}.

(٨) ضَبْطُ مَسَائِلِ التَّكْفِيرِ: وَضْعُ الْأُطُرِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ الْغُلُوِّ فِي التَّكْفِيرِ، مِنْ خِلَالِ التَّرْكِيزِ عَلَى تَوْصِيفِ الْفِعْلِ لَا الْحُكْمِ عَلَى الْفَاعِلِ ابْتِدَاءً.

(٩) سُهُولَةُ الْعِبَارَةِ مَعَ عُمْقِ الْأَثَرِ: أَهَمِّيَّةُ الرِّسَالَةِ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى إِيصَالِ أَعْقَدِ الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ بِلُغَةٍ سَلِسَةٍ يَفْهَمُهَا الْعَامُّ وَالْخَاصُّ.

(١٠) تَحْقِيقُ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ: تَرْسِيخُ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ فِي نُفُوسِ الْمُؤْمِنِينَ، مِمَّا يَحْفَظُ لِلْأُمَّةِ هُوِيَّتَهَا وَتَمَاسُكَهَا الْعَقَدِيَّ.

----------------------(٤)-------------------

أَهْدَافُ الْبَحْثِ وَالتَّحْقِيقِ

يَسْعَى هَذَا الْعَمَلُ إِلَى تَحْقِيقِ جُمْلَةٍ مِنَ الْأَهْدَافِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَنْهَجِيَّةِ، وَمِنْ أَبْرَزِهَا:

(١) تَجْرِيدُ التَّوْحِيدِ: الْوُصُولُ بِالْقَارِئِ إِلَى فَهْمٍ عَمِيقٍ لِحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَتَنْقِيَةِ الْقَلْبِ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ تُنَاقِضُ هَذَا الْأَصْلَ.

(٢) تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ: بَيَانُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ لَيْسَ فِي مُجَرَّدِ "الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ"، بَلْ فِي "إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ" وَتَرْكِ الْوَسَائِطِ.

(٣) تَرْسِيخُ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي الِاسْتِدْلَالِ: تَعْوِيدُ طَالِبِ الْعِلْمِ عَلَى اسْتِقَاءِ الْعَقِيدَةِ مِنْ صَرِيحِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، كَمَا فَعَلَ الشَّيْخُ فِي رِسَالَتِهِ، بَعِيداً عَنْ تَمَحُّكَاتِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.

(٤) تَوْضِيحُ ضَوَابِطِ التَّكْفِيرِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ: إِبْرَازُ الْفَرْقِ الدَّقِيقِ بَيْنَ "كُفْرِ النَّوْعِ" وَ"كُفْرِ الْعَيْنِ"، لِحِمَايَةِ الْمُجْتَمَعِ مِنَ الْغُلُوِّ وَالتَّفْرِيطِ، وَبَيَانِ بَرَاءَةِ الشَّيْخِ مِنْ مَنْهَجِ الْخَوَارِجِ.

(٥) إِحْيَاءُ عَقِيدَةِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ: تَهْدِفُ الرِّسَالَةُ إِلَى بِنَاءِ شَخْصِيَّةِ الْمُسْلِمِ الْمُعْتَزِّ بِتَوْحِيدِهِ، الَّذِي يَعْرِفُ مَعَالِمَ دِينِهِ وَيَتَمَيَّزُ عَنْ مَسَالِكِ الْمُشْرِكِينَ فِي كُلِّ شُؤُونِهِ.

------------------------(٥)-------------------

تَوْثِيقُ نِسْبَةِ المَتْنِ إِلَى الإِمَامِ المُجَدِّدِ

إِنَّ رِسَالَةَ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ" ثَابِتَةُ النِّسْبَةِ لِشَيْخِ الإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ الطُّرُقِ الآتِيَةِ:

(١) الوُجُودُ فِي المَجْمُوعَاتِ المَنْقُولَةِ: لَقَدْ حُفِظَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ ضِمْنَ "مَؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ" الَّتِي جَمَعَهَا عُلَمَاءُ الدَّعْوَةِ وَحَقَّقَهَا البَاحِثُونَ فِي جَامِعَةِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ الإِسْلَامِيَّةِ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ طُلَّابِ العِلْمِ بِهَذَا الاسْمِ.

(٢) السَّنَدُ المُتَّصِلُ عِنْدَ العُلَمَاءِ: تَنَاقَلَ عُلَمَاءُ نَجْدٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ رَسَائِلَ الشَّيْخِ بِالأَسَانِيدِ المُتَّصِلَةِ؛ حَيْثُ يَرْوِيهَا الأَحْفَادُ عَنِ الأَجْدَادِ. وَمِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (صَاحِبِ المَجْمُوعِ) الَّذِي أَوْدَعَهَا فِي "دُرَرِهِ"، وَرَوَاهَا بِسَنَدِهِ إِلَى أَبْنَاءِ الشَّيْخِ وَتَلَامِيذِهِ عَنِ الشَّيْخِ نَفْسِهِ.

(٣) السَّنَدُ العَالِي عَنْ طَرِيقِ أَهْلِ الحَدِيثِ: تُرْوَى هَذِهِ الرِّسَالَةُ ضِمْنَ مَجْمُوعَةِ رَسَائِلِ التَّوْحِيدِ بِسَنَدِ العَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ، وَالعَلَّامَةِ ابْنِ بَازٍ، وَالعَلَّامَةِ الفَوْزَانِ، عَنْ مَشَايِخِهِمْ، وُصُولاً إِلَى الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ أَبِيهِ المجدد -رَحِمَهُ اللَّهُ-.

(٤) وَحْدَةُ المَنْهَجِ وَالأُسْلُوبِ: إِنَّ النَّاظِرَ فِي عِبَارَاتِ المَتْنِ وَقُوَّةِ اسْتِدْلَالِهِ بِالآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ يَجِدُ فِيهِ نَفَسَ الشَّيْخِ المَعْرُوفَ فِي "كِتَابِ التَّوْحِيدِ" وَ"الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ"، مِمَّا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ صُدُورِهِ عَنْ قَلَمِهِ.

(٥) العِنَايَةُ الشَّرْحِيَّةُ: لَقَدِ اعْتَنَى العُلَمُاءُ بِشَرْحِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ وَتَدْرِيسِهَا بِنِسْبَتِهَا لِلشَّيْخِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَدَهَا بِالتَّعْلِيقِ، مِمَّا يُعَدُّ إِجْمَاعاً عَمَلِيّاً عَلَى صِحَّةِ النِّسْبَةِ.

-----------------------(٦)-------------------

الدِّرَاسَاتُ الأَكَادِيمِيَّةُ السَّابِقَةُ (مَاجِسْتِير وَدُكْتُورَاه)

لَقَدْ حَظِيَتْ رَسَائِلُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بِعِنَايَةٍ بَالِغَةٍ فِي الرَّهَاقِ الأَكَادِيمِيِّ السُّعُودِيِّ، وَمِنْ أَبْرَزِ مَنْ سَبَقَ فِي تَحْقِيقِ أَوْ دِرَاسَةِ مَسَائِلِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ:

(١) الدُّكْتُورُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ المُسْلِمُ: فِي أُطْرُوحَتِهِ لِلدُّكْتُورَاه (جَامِعَةُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ)، حَيْثُ قَامَ بِتَحْقِيقِ "مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ - قِسْمُ العَقِيدَةِ"، وَتَدْخُلُ هَذِهِ الرِّسَالَةُ ضِمْنَ تَحْقِيقِهِ المَنْهَجِيِّ لِلنُّصُوصِ.

(٢) البَاحِثُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانِ العُثَيْمِينُ: فِي دِرَاسَتِهِ التَّوثِيقِيَّةِ لِمَخْطُوطَاتِ وَرَسَائِلِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ، حَيْثُ اعْتَنَى بِضَبْطِ نِسْبَةِ هَذِهِ المَبَاحِثِ إِلَى الإِمَامِ وَتَتَبُّعِ نُسَخِهَا الخَطِّيَّةِ.

(٣) الدُّكْتُورُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ زَيْدٍ الرُّومِيُّ: شَارَكَ فِي تَحْقِيقِ مَجْمُوعِ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ، وَبَحَثَ فِي خَصَائِصِ مَنْهَجِ الشَّيْخِ فِي الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ مِمَّا يَمَسُّ صَمِيمَ رَسَالَةِ "التَّمَيُّزِ".

(٤) البَاحِثُ نَاصِرُ بْنُ سَعْدٍ الرَّشِيدُ: فِي عَمَلِهِ الأَكَادِيمِيِّ حَوْلَ "قَوَاعِدِ وَمَسَائِلِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ"، حَيْثُ اسْتَقْرَأَ مَسَائِلَ التَّمَيُّزِ وَالمُفَاصَلَةِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا المَتْنِ.

(٥) الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الشُّوَيْعِرُ: لَهُ دِرَاسَاتٌ تَحْقِيقِيَّةٌ مَنْشُورَةٌ فِي مَجَلَّاتٍ عِلْمِيَّةٍ مُحَكَّمَةٍ حَوْلَ "تَصْحِيحِ المَفَاهِيمِ العَقَدِيَّةِ فِي رَسَائِلِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ"، وَقَدْ تَنَاوَلَ فِيهَا مَسْأَلَةَ "كُفْرِ النَّوْعِ" وَبَرَاءَةِ الشَّيْخِ مِنَ التَّكْفِيرِ بِالعَيْنِ.

(٦) الدُّكْتُورُ فَهْدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ المِيَّاحُ: فِي أَبْحَاثِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِتَحْقِيقِ المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ فِي كُتُبِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ، حَيْثُ اعْتَنَى بِإِبْرَازِ جَوَانِبِ التَّمَيُّزِ بَيْنَ حَقِيقَةِ الإِسْلَامِ وَالجَاهِلِيَّةِ.

(٧) الدُّكْتُورُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ العَبُودِيُّ: لَهُ جُهُودٌ فِي بَيَانِ "الْمَنْهَجِ العَقَدِيِّ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ"، وَدِرَاسَةُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ تَدْخُلُ فِي صَمِيمِ بَحْثِهِ لِلأُصُولِ العَقَدِيَّةِ.

(٨) الدُّكْتُورُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانِ العُثَيْمُ: لَهُ عِنَايَةٌ بِمَسَائِلِ الحُكْمِ وَالتَّكْفِيرِ فِي الفِكْرِ العَقَدِيِّ السَّلَفِيِّ، وَقَدْ حَقَّقَ مَنَاطَاتِ "التَّمَيُّزِ" الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ فِي رَسَائِلِهِ الصَّغِيرَةِ.

(٩) البَاحِثُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ سُلَيْمَانِ الحُصَيْنُ: فِي بَحْثِهِ التَّكْمِيلِيِّ لِنَيْلِ دَرَجَةِ المَاجِسْتِيرِ، حَيْثُ رَكَّزَ عَلَى "مَسَائِلِ الجَاهِلِيَّةِ وَمُفَارَقَتِهَا لِلتَّوْحِيدِ"، مُعْتَمِداً بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ عَلَى مَتْنِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ.

(١٠) الدُّكْتُورُ نَاصِرُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ العَقْلُ: (فِي جَانِبِهِ الأَكَادِيمِيِّ الصَّرْفِ) عِنْدَمَا حَقَّقَ وَدَرَّسَ "مُجْمَلَ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ"، حَيْثُ أَرَّخَ لِتَطَوُّرِ كِتَابَةِ رَسَائِلِ "التَّمَيُّزِ العَقَدِيِّ" فِي مَدْرَسَةِ الإِمَامِ.

----------------------(٨)-------------------

                            إِجَازَةٌ

[قُرَّةُ العَيْنِ بِإِسْنَادِ رِسَالَةِ (مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ) إِلَى إِمَامِ النَّجْدِيَّيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ]

يَقُولُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى اللهِ (أَبُو أَنَسٍ):

عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيُّ

«الحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَ الإِسْنَادَ خَصِيصَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ المَعْلُومَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاسْتِقَامةِ.

أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ هُوَ رَبْطُ الخَلَفِ بِالسَّلَفِ عَبْرَ حِبَالِ الأَسَانِيدِ، وَإِنَّ مِمَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ أَنْ أَخْبَرَنِي جَمْعٌ مِنَ الأَشْيَاخِ الكِرَامِ -أَجَازُونِي إِجَازَةً خَاصَّةً وَعَامَّةً- بِمَرْوِيَّاتِهِمْ وَأَسَانِيدِهِمْ فِي رِوَايَةِ رِسَالَةِ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ" إِلَى مُؤَلِّفِهَا الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَقَدْ رَتَّبْتُهُمْ بِحَسَبِ بُلْدَانِهِم عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

أَوَّلًا: أَشْيَاخُ الحِجَازِ (المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ):

(١) الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ المُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ القَاسِمُ (إِمَامُ وَخَطِيبُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ).

(٢) الشَّيْخُ بَدْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَامِي العُتَيْبِيُّ.

(٣) الدُّكْتُورُ مَالِكُ بْنُ رِضَا المُحَمَّدِيُّ.

(٤) المُسْنِدُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الدَّهَامِيُّ.

(٥) الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ آلُ إِبْرَاهِيمَ العَنْقَرِيُّ.

(٦) الشَّيْخُ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ المَدْخَلِيُّ.

ثَانِيًا: أَشْيَاخُ مِصْرَ:

(٧) الشَّيْخُ وَائِلُ كَمَالِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدِ عَلِي (صَاحِبُ مَدْرَسَةِ الآجُرِّيِّ).

(٨) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيُّ.

(٩) الشَّيْخُ نَاصِرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيُّ.

(١٠) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَرِيدٍ عَبْدُ الهَادِي الحَنْبَلِيُّ.

(١١) الشَّيْخُ أَبُو سُهَيْلَةَ سَامِي بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فُتُوحِ آلُ مُرَادٍ المِصْرِيُّ الحَنْبَلِيُّ.

(١٢) الشَّيْخُ أُسَامَةُ بْنُ السَّيِّدِ بْنِ عُبَيْدٍ التِّيدِيُّ.

(١٣) الشَّيْخُ عَاطِفُ عَبْدُ المُعِزِّ الفَيُّومِيُّ.

ثَالِثًا: أَشْيَاخُ الكُوَيْتِ وَاليَمَنِ وَالجَزَائِرِ وَغَيْرِهَا:

(١٤) الشَّيْخُ دَغْشُ بْنُ شَبِيبٍ العَجَمِيُّ (الكُوَيْت).

(١٥) الشَّيْخُ أَبُو خَالِدٍ وَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الغَرْبِيُّ (اليَمَن).

(١٦) الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ الأُصُولِيُّ عَبْدُ المَجِيدِ جُمُعَةُ (الجَزَائِر).

(١٧) الشَّيْخُ سُهَيْلُ حَسَن عَبْدُ الغَفَّارِ العُمَرِفُورِيُّ (الهِنْد).

(١٨) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ كَامِلُ عَلِي الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ حَمِيدٌ الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَمْجَانُ حُسَيْن أَحْمَدُ البَشْدِيُّ الكُرْدِيُّ.

[الوَجْهُ العَاشِرُ]

السَّنَدُ المُتَّصِلُ لِرِسَالَةِ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ":

أَرْوِي رِسَالَةَ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ" مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ المَشَايِخِ المَذْكُورِينَ أَعْلَاهُ، وَأَرْوِي عَنْهُمْ، عَنِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ المُسْنِدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، وَعَنِ الشَّيْخِ المُعَمَّرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ آلِ الشَّيْخِ، وَهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ:

الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ (صَاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ). وَكَذَلِكَ يَرْوِي الشَّيْخُ سَعْدُ بْنُ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ جَدِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ.

[سِيَاقُ السَّنَدِ إِلَى الإِمَامِ]:

يَرْوِي الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ وَالِدِهِ (الإِمَامِ المُجدِّدِ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

تَمَّ هَذَا الثَّبْتُ الخَاصُّ بِرِوَايَةِ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ" بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ.

كَتَبَهُ / أَبُو أَنَسٍ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيُّ

تَحْرِيرًا فِي غُرَّةِ شَوَّالٍ ١٤٤٧ هـ (أَبْرِيل ٢٠٢٦ م)»

------------------------(٩)-------------------

عِشْرُونَ مَدْخَلًا مَنْهَجِيًّا لِفَهْمِ رِسَالَةِ

 "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"

قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ هَذَا الْمَتْنِ، يَجِبُ عَلَى الطَّالِبِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ لِيَفْهَمَ مُرَادَ الشَّيْخِ وَيَنْجُوَ مِنَ الْخَطَأِ فِي التَّأْوِيلِ:

(١) مَنَاطُ التَّمَيُّزِ: أَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ لَيْسَ فِي رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ (الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ)، بَلْ فِي إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْقَصْدِ وَالطَّلَبِ (الْأُلُوهِيَّةِ).

(٢) التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ: الشَّيْخُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ يَصِفُ "الْأَفْعَالَ" بِأَنَّهَا شِرْكِيَّةٌ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ طَرْدُ الْحُكْمِ عَلَى كُلِّ مَنْ فَعَلَهَا دُونَ النَّظَرِ فِي الشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ.

(٣) إِطْلَاقُ كُفْرِ النَّوْعِ: يَنْبَغِي فَهْمُ إِطْلَاقَاتِ الشَّيْخِ لِلْكُفْرِ عَلَى أَنَّهَا "كُفْرُ نَوْعٍ" (أَيْ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ كُفْرٌ)، وَهُوَ مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ.

(٤) الِاحْتِرَازُ فِي كُفْرِ الْعَيْنِ: أَنَّ تَنْزِيلَ حُكْمِ الْكُفْرِ عَلَى "شَخْصٍ مُعَيَّنٍ" مَنَاطُهُ إِلَى الْقَضَاءِ الشَّرْعِيِّ بَعْدَ إِزَالَةِ الشُّبْهَةِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَلَيْسَ لِآحَادِ الطُّلَّابِ.

(٥) مَقْصَدُ الرِّسَالَةِ (التَّحْذِيرُ لَا التَّكْفِيرُ): غَرَضُ الشَّيْخِ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ الْمُسْلِمُ طَرِيقَ الْمُجْرِمِينَ لِيَتَجَنَّبَهُ، لَا لِيَتَسَلَّطَ بِهِ عَلَى أَعْيَانِ الْمُسْلِمِينَ.

(٦) قَاعِدَةُ شِرْكِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ شِرْكَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَغْلَظُ مِنْ بَعْضِ وُجُوهِ شِرْكِ الْأَوَّلِينَ، لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ يُشْرِكُونَ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ.

(٧) مَنَاطُ "الْوَاسِطَةِ": فَهْمُ أَنَّ جَوْهَرَ الشِّرْكِ الَّذِي حَارَبَهُ الرُّسُلُ هُوَ اتِّخَاذُ "الْوَسَائِطِ" لِتُقَرِّبَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَهِيَ أَخْطَرُ مَنَاطَاتِ الرِّسَالَةِ.

(٨) قَاعِدَةُ "الْجَهْلِ": لَا يُفْهَمُ مِنْ نُصُوصِ الشَّيْخِ إِهْدَارُ عُذْرِ الْجَهْلِ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ هُوَ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْعِلْمِ فَأَعْرَضَ، وَبَيْنَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الْحُجَّةُ.

(٩) فَهْمُ الِاصْطِلَاحِ: الِانْتِبَاهُ لِمُصْطَلَحَاتِ الشَّيْخِ مِثْلِ (الْعِبَادَةِ، الطَّاغُوتِ، التَّأْلِيهِ) وَرَدُّهَا إِلَى فَهْمِ السَّلَفِ لَا إِلَى اصْطِلَاحَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ.

(١٠) الرَّبْطُ بِالسِّيرَةِ: الرِّسَالَةُ تَقُومُ عَلَى فَهْمِ حَالِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَالَ "الْمُشْرِكِ" الَّذِي قَاتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ التَّمَيُّزِ.

(١١) مَنَاطُ "الْإِعْرَاضِ": يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ الْإِعْرَاضَ الْكُلِّيَّ عَنْ تَعَلُّمِ أَصْلِ الدِّينِ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا ضَابِطٌ مُهِمٌّ لِلتَّمَيُّزِ.

(١٢) قَاعِدَةُ "الْمُوَالاةِ وَالْبَرَاءِ": الرِّسَالَةُ تُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ الظَّاهِرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَمَيُّزِ الْقَلْبِ بِمَحَبَّةِ الْمُوَحِّدِينَ وَبُغْضِ الشِّرْكِ.

(١٣) الْحَذَرُ مِنَ "التَّلَازُمِ الْقَهْرِيِّ": لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ وَقَعَ الشِّرْكُ عَلَيْهِ؛ فَهَذِهِ الرِّسَالَةُ لِتَعْرِيفِ الدَّاءِ، وَالْحُكْمُ يَحْتَاجُ إِلَى طَبِيبٍ (عَالِمٍ رَاسِخٍ).

(١٤) مَنَاطُ "الدُّعَاءِ": تَرْكِيزُ الشَّيْخِ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَأَنَّ صَرْفَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ هُوَ أَوْضَحُ نُقْطَةِ تَمَايُزٍ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ.

(١٥) الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ: عَدَمُ قِيَاسِ طَلَبِ الدُّعَاءِ مِنَ الْحَيِّ الْحَاضِرِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، بِطَلَبِهِ مِنَ الْمَيِّتِ أَوِ الْغَائِبِ، وَهَذَا مَبْحَثٌ جَلِيلٌ فِي الرِّسَالَةِ.

(١٦) فَهْمُ سِيَاقِ الرَّدِّ: كَثِيرٌ مِنْ إِطْلَاقَاتِ الشَّيْخِ كَانَتْ رَدّاً عَلَى خُصُومٍ مُعَيَّنِينَ فِي زَمَانِهِ، فَيَجِبُ فَهْمُ السِّياقِ لِتَنْزِيلِ النَّصِّ مَنْزِلَهُ الصَّحِيحَ.

(١٧) ضَابِطُ "الْإِخْلَاصِ": التَّمَيُّزُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ (تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ) مِنْ إِرَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَهُوَ مَا رَكَزَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ فِي مَبَاحِثِهِ.

(١٨) قَاعِدَةُ "الْبَيَانِ قَبْلَ الْعِقَابِ": اسْتِصْحَابُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ حَتَّى يَبْعَثَ رَسُولاً، فَالرِّسَالَةُ هِيَ مَحْضُ "بَيَانٍ" لِلنَّاسِ لِقَطْعِ الْعُذْرِ.

(١٩) التَّكَامُلُ مَعَ بَقِيَّةِ الْكُتُبِ: يَجِبُ قِرَاءَةُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ جَنْباً إِلَى جَنْبٍ مَعَ "كَشْفِ الشُّبُهَاتِ" لِأَنَّهُمَا يُمَثِّلَانِ بِنَاءً وَاحِداً فِي فَهْمِ مَنَاطِ التَّمَيُّزِ.

(٢٠) الِافْتِقَارُ إِلَى اللَّهِ: مَدْخَلُ الطَّالِبِ لِهَذِهِ الْكُتُبِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِسُؤَالِ اللَّهِ الْهِدَايَةَ وَالثَّبَاتَ، فَإِنَّ التَّمَيُّزَ بِالتَّوْحِيدِ مِنْحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ لَا تَنَالُ بِالذَّكَاءِ الْمُجَرَّدِ.

----------------------------(١١)------------------

مَنْهَجِيَّةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ (الْخُطَّةُ )

سَيَسِيرُ هَذَا الْبَحْثُ -بِعَوْنِ اللَّهِ- عَلَى وَفْقِ قَوَاعِدَ أَكَادِيمِيَّةٍ دَقِيقَةٍ، تَنْقَسِمُ إِلَى مَنَاطَاتٍ تَنْفِيذِيَّةٍ كَمَا يَلِي:

(١) ضَبْطُ النَّصِّ وَالْمُقَابَلَةُ:

تَتِمُّ مُقَابَلَةُ مَتْنِ الرِّسَالَةِ عَلَى ثَلَاثِ نُسَخٍ خَطِّيَّةٍ وَمَطْبُوعَةٍ لِضَمَانِ سَلَامَةِ اللَّفْظِ:

النُّسْخَةُ (أ): وَهِيَ النُّسْخَةُ الْأَصْلِيَّةُ الْمُعْتَمَدَةُ.

النُّسْخَةُ (ب): نُسْخَةٌ مُسَاعِدَةٌ لِلتَّرْجِيحِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ.

النُّسْخَةُ (ج): وَهِيَ النُّسْخَةُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيِ الْبَاحِثِ (قَيْدَ التَّحْقِيقِ).

الْتِزَامُ التَّشْكِيلِ: يُشْكَلُ النَّصُّ كَامِلًا (الْمَتْنُ وَالْمَبَاحِثُ) شَكْلًا بِنْيَوِيًّا وَإِعْرَابِيًّا دَقِيقًا.

(٢) التَّعَامُلُ مَعَ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ:

الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ: تُوضَعُ بَيْنَ قَوْسَيْنِ مُزَهَّرَيْنِ، وَيُذْكَرُ اسْمُ السُّورَةِ وَرَقْمُ الْآيَةِ بِجِوَارِهَا فِي الْمَتْنِ مُبَاشَرَةً.

الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ: يُوضَعُ رَقْمٌ عُلْوِيٌّ عِنْدَ كُلِّ حَدِيثٍ، وَيُخَرَّجُ فِي الْحَاشِيَةِ (تَخْرِيجًا مُحَدِّثِيًّا عَالِيًا)، بِذِكْرِ مَصَادِرِهِ، وَشَوَاهِدِهِ، وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ (صَحِيحٌ، حَسَنٌ، ضَعِيفٌ لَهُ شَوَاهِدُ.. إِلَخْ).

(٣) التَّعْلِيقُ وَالْحَاشِيَةُ (النِّظَامُ التَّوْثِيقِيُّ):

تَوْثِيقُ الْمَصَادِرِ: يُذْكَرُ (اسْمُ الْمُؤَلِّفِ، ثُمَّ اسْمُ الْكِتَابِ، ثُمَّ رَقْمُ الطَّبْعَةِ، ثُمَّ الْمُجَلَّدُ، ثُمَّ الصَّفْحَةُ).

شَرْحُ الْغَرِيبِ وَالْمُصْطَلَحَاتِ: عِنْدَ وُرُودِ كَلِمَةٍ غَرِيبَةٍ، يُوضَعُ رَقْمٌ عُلْوِيٌّ، وَيُتَنَاوَلُ فِي الْحَاشِيَةِ وَفْقَ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مَعَ ذِكْرِ الْمَصْدَرِ اللُّغَوِيِّ (مِثْلَ لِسَانِ الْعَرَبِ أَوْ تَّاجِ الْعَرُوسِ).

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: تَعْرِيفُ الْمُفْرَدَةِ تَعْرِيفًا دَقِيقًا يَمْنَعُ دُخُولَ غَيْرِهَا فِيهَا.

التَّأْصِيلُ الْإِصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: بَيَانُ مُرَادِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالشَّرْعِ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ.

(٤) نِظَامُ التَّرْقِيمِ وَالْفَهْرَسَةِ:

يَحْمِلُ كُلُّ وَجْهٍ (صَفْحَةٍ) رَقْمًا وَاحِدًا مُسْتَقِلًّا فِي الْأَسْفَلِ بَيْنَ قَوْسَيْنِ، لِتَسْهِيلِ بِنَاءِ الْفَهَارِسِ الْفَنِّيَّةِ لَاحِقًا، وَلِضَمَانِ سُرْعَةِ الِاسْتِرْجَاعِ لِأَيِّ مَبْحَثٍ أَوْ كَلِمَةٍ.

تَحْدِيدُ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي الْمُقَابَلَةِ

لِضَمَانِ أَعْلَى دَرَجَاتِ الضَّبْطِ الْعِلْمِيِّ، سَنَقُومُ بِمُقَابَلَةِ النَّصِّ عَلَى النُّسَخِ الرَّصِينَةِ التَّالِيَةِ:

(١) النُّسْخَةُ (أ) - [نُسْخَةُ مَجْمُوعِ الْمُؤَلَّفَاتِ]: وَهِيَ النُّسْخَةُ الَّتِي حَقَّقَهَا الدُّكْتُورُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الرُّومِيُّ، وَالدُّكْتُورُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْمُسْلِمُ، وَالدُّكْتُورُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ زَيْدٍ الرُّومِيُّ، وَنَشَرَتْهَا جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ الْإِسْلَامِيَّةِ. وَهِيَ أَوْثَقُ نُسْخَةٍ مَطْبُوعَةٍ لِاتِّصَالِهَا بِالْأُصُولِ الْخَطِّيَّةِ فِي نَجْدٍ.

(٢) النُّسْخَةُ (ب) - [نُسْخَةُ الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ]: وَهِيَ النُّسْخَةُ الَّتِي أَوْدَعَهَا الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي سِفْرِهِ الْعَظِيمِ "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الْأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ"، وَتَمْتَازُ بِضَبْطِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الدَّعْوَةِ الْأَقْرَبِينَ لِعَهْدِ الشَّيْخِ.

(٣) النُّسْخَةُ (ج) - [النُّسْخَةُ الْبَاحِثَةُ]: وَهِيَ النُّسْخَةُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيِ الْبَاحِثِ (أَبِي أَنَسٍ)، وَالَّتِي سَتَكُونُ مَحَلَّ التَّحْقِيقِ وَالتَّعْلِيقِ، حَيْثُ نُثْبِتُ فِيهَا أَصَحَّ الْأَلْفَاظِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا النُّسْخَتَانِ (أ) وَ(ب)، مَعَ الْإِشَارَةِ لِأَيِّ فُرُوقٍ جَوْهَرِيَّةٍ فِي الْحَاشِيَةِ.

آلِيَّةُ التَّدْوِينِ:

إِذَا اخْتَلَفَتِ النُّسْخَتَانِ فِي لَفْظَةٍ، نَضَعُ الْأَصَحَّ فِي الْمَتْنِ، وَنَذْكُرُ فِي الْحَاشِيَةِ: "فِي (أ): كَذَا، وَفِي (ب): كَذَا".

نَلْتَزِمُ بِمَا جَاءَ فِي النُّسْخَةِ (أ) كَأَصْلٍ عِنْدَ التَّسَاوِي لِقُوَّةِ تَحْقِيقِهَا الْأَكَادِيمِيِّ.

اعْتِمَادُ مَنْهَجِيَّةِ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ

لَقَدْ تَمَّ -بِحَمْدِ اللَّهِ- الِاتِّفَاقُ عَلَى هَذِهِ الْخُطَّةِ الْمُبَارَكَةِ، وَسَيَكُونُ هَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْفَاصِلَ بَيْنَ الْمُقَدِّمَاتِ التَّأْصِيلِيَّةِ وَبَيْنَ الشُّرُوعِ فِي "مَتْنِ الرِّسَالَةِ".

(١) الْقِيَادَةُ الْمَنْهَجِيَّةُ: سَيَلْتَزِمُ الْبَاحِثُ (أَبُو أَنَسٍ) بِإِجْرَاءِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) [جَامِعَةُ الْإِمَامِ] وَالنُّسْخَةِ (ب) [الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ]، لِيَخْرُجَ النَّصُّ فِي النُّسْخَةِ (ج) مُصَفًّى مِنْ كُلِّ لَحْنٍ أَوْ تَحْرِيفٍ.

(٢) الدِّقَّةُ الْفَنِّيَّةُ: كُلُّ وَجْهٍ قَادِمٍ سَيَحْمِلُ رَقْمًا وَاحِدًا فَقَطْ (مِثْلَ هَذَا الْوَجْه)، وَسَيَكُونُ التَّشْكِيلُ شَامِلًا لِلْمَتْنِ وَالْحَاشِيَةِ، مَعَ إِثْبَاتِ الْفُرُوقِ بَيْنَ النُّسَخِ بِكُلِّ أَمَانَةٍ عِلْمِيَّةٍ.

(٣) التَّخْرِيجُ وَالشَّرْحُ: سَنَشْرَعُ فَوْرَ الْبَدْءِ فِي الْمَتْنِ بِتَنْفِيذِ مَنَاطَاتِ (الِاشْتِقَاقِ، الْحَدِّ، التَّأْصِيلِ) لِلْمُفْرَدَاتِ، وَالتَّخْرِيجِ الْعَالِي لِلْأَحَادِيثِ، لِيَكُونَ الْبَحْثُ جَامِعًا بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ.

(٤) ضَبْطُ الْإِحَالَاتِ: سَتُوثَّقُ الْمَصَادِرُ فِي الْحَوَاشِي بِذِكْرِ (الْمُؤَلِّفِ، الْكِتَابِ، الطَّبْعَةِ، الْمُجَلَّدِ، الصَّفْحَةِ) لِيَكُونَ الْعَمَلُ مَرْجِعًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الصِّنَاعَةِ الْأَكَادِيمِيَّةِ.


-----------------------(١٢)---------------------

[الْفَقْرَةُ الْأُولَى: خُطْبَةُ الْمُؤَلِّفِ]

قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ عَلَى وُجُودِهِ بِبَدَائِعِ مَا لَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ، الْمُنَزَّهِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنِ النَّظَائِرِ وَالْأَمْثَالِ، أَنْشَأَ الْمَوْجُودَاتِ فَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالٌ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ إِذْ هَدَانَا لِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَزَاحَ عَنَّا شُبَهَ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ شَهَادَةَ مُوَحِّدٍ لَهُ فِي الْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ نَبِيٌّ جَاءَنَا بِدِينٍ قَوِيمٍ، فَارْتَوَيْنَا مِمَّا جَاءَنَا بِهِ مِنْ عَذْبٍ زُلَالٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ صَاحِبٍ وَآلٍ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا. أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ طَلَبَ مِنِّي بَعْضُ الْأَصْدِقَاءِ الَّذِينَ لَا تَنْبَغِي مُخَالَفَتُهُمْ أَنْ أَجْمَعَ مُؤَلَّفًا يَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ أَرْبَعٍ، يَتَمَيَّزُ بِهِنَّ الْمُسْلِمُ مِنَ الْمُشْرِكِ).

-----------------------------------------&

[الْحَاشِيَةُ ]

[الْمُقَابَلَةُ وَتَحْقِيقُ خُطْبَةِ الْمُصَنِّفِ]

(أَوَّلًا): نَصُّ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

لَقَدْ قُمْنَا بِمُقَابَلَةِ الْفَقْرَةِ الْأُولَى مِنْ (خُطْبَةِ الْمُصَنِّفِ) عَلَى النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَإِلَيْكَ الْبَيَانُ:

فِي قَوْلِهِ: (بِبَدَائِعِ مَا لَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ)؛ اتَّفَقَتِ النُّسْخَتَانِ (أ) وَ(ب) عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَبِهِ أُثْبِتَ فِي (ج).

فِي قَوْلِهِ: (الْمُنَزَّهِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنِ النَّظَائِرِ)؛ جَاءَ فِي النُّسْخَةِ (أ): «النَّظَائِرِ»، وَجَاءَ فِي النُّسْخَةِ (ب): «الْأَشْبَاهِ»، وَالْمُخْتَارُ فِي النُّسْخَةِ (ج) هُوَ مَا جَاءَ فِي (أ) لِقُوَّةِ سَبْكِهِ مَعَ (الْأَمْثَالِ).

فِي قَوْلِهِ: (أَزَاحَ عَنَّا شُبَهَ الزَّيْغِ)؛ جَاءَ فِي النُّسْخَةِ (أ) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ: «شُبَهَ»، وَجَاءَ فِي (ب) بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ: «شُبْهَةَ»، وَاعْتَمَدْنَا الْجَمْعَ فِي (ج) لِتَعَدُّدِ مَزَالِقِ أَهْلِ الضَّلَالِ.

فِي قَوْلِهِ: (فَارْتَوَيْنَا مِمَّا جَاءَنَا بِهِ مِنْ عَذْبٍ زُلَالٍ)؛ اتَّفَقَتِ النُّسَخُ عَلَيْهَا، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ فِي (ج).

فِي قَوْلِهِ: (انْ أَجْمَعَ مُؤَلَّفًا يَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ أَرْبَعٍ)؛ جَاءَ فِي (أ): «مَسَائِلَ أَرْبَعٍ»، وَفِي (ب): «أَرْبَعِ مَسَائِلَ»، وَقَدَّمْنَا فِي (ج) مَا وَافَقَ رَسَائِلَ الشَّيْخِ الْأُخْرَى كَالْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ.

أَوَّلًا: تَخْرِيجُ نَصِّ الْمَتْنِ وَالنُّكَتِ الْبَلَاغِيَّةِ:

(١) الْبَدَاءَةُ بِالْبَسْمَلَةِ: اسْتَفْتَحَ الْمُصَنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- بِالْبَسْمَلَةِ اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَعَمَلًا بِالْأَثَرِ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ»، وَفِي رِوَايَةٍ «أَبْتَرُ»، وَالتَّسْمِيَةُ هُنَا لِاسْتِصْحَابِ الْبَرَكَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ (الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ).

(٢) بَرَاعَةُ الِاسْتِهْلَالِ: قَوْلُهُ (يُسْتَدَلُّ عَلَى وُجُودِهِ بِبَدَائِعِ مَا لَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ كَدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ فِطْرِيٍّ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ مَسْلَكُ الْقُرْآنِ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ.

(٣) نَفْيُ الْمُمَاثَلَةِ: قَوْلُهُ (الْمُنَزَّهِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنِ النَّظَائِرِ وَالْأَمْثَالِ) فِيهِ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وَهُوَ رَدٌّ عَلَى أَهْلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ، وَإِثْبَاتٌ لِعُلُوِّ الشَّأْنِ وَالْعَظَمَةِ.

(٤) شُمُولُ الْعِلْمِ: قَوْلُهُ (فَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالٌ) نُكْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ فِي إِثْبَاتِ صِفَةِ الْعِلْمِ الْمُحِيطِ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ إِلَّا الْكُلِّيَّاتِ.

ثَانِيًا: شَرْحُ الْغَرِيبِ وَالْمُصْطَلَحَاتِ (بِالْمَنَاطَاتِ الثَّلَاثَةِ):

بَدَائِعُ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: جَمْعُ (بَدِيعَةٍ)، مِنَ الْمَادَّةِ (بَدَعَ)، وَهِيَ إِنْشَاءُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. [الْفَيْرُوزُ آبَادِي، الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، ط٨، ص٩١٢].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: كُلُّ مُخْتَرَعٍ مُتْقَنٍ فُطِرَ ابْتِدَاءً دُونَ نَمُوذْجٍ مُحْتَذًى.

التَّأْصِيلُ الْإِصْطِلَاحِيُّ: تَقَعُ صِفَةً لِأَفْعَالِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ فِي الْخَلْقِ.

الْمُنَزَّهُ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (النَّزْهِ)، وَهُوَ الْبُعْدُ وَالتَّبَاعُدُ عَنِ الْمَكَارِهِ وَالنَّقَائِصِ. [الْجَوْهَرِيُّ، الصِّحَاحُ، ط٤، ج٦، ص٢٢٤٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: الْبَرَاءَةُ الْمُطْلَقَةُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ أَوْ نَقْصٍ يُضَادُّ الْكَمَالَ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ مَعْنَى (التَّسْبِيحِ)، أَيْ تَبْرِئَةُ اللَّهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْإِشْرَاكِ وَالتَّعْطِيلِ.

النَّظَائِرُ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: جَمْعُ (نَظِيرٍ)، مِنَ (النَّظَرِ)، وَالْمَقْصُودُ بِهِ الْمُثِيلُ الْمُشَابِهُ الَّذِي إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ وَجَدْتَهُ كَالْآخَرِ. [الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ، الْمُفْرَدَاتُ، ط١، ص٨١٢].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: الْمُسَاوِي لِلشَّيْءِ فِي صِفَاتِهِ وَجَوْهَرِهِ.

التَّأْصِيلُ الْإِصْطِلَاحِيُّ: نَفْيُ النَّظِيرِ عَنِ اللَّهِ يُوجِبُ تَوْحِيدَهُ، إِذْ لَا نِدَّ لَهُ وَلَا سَمِيَّ لَهُ سُبْحَانَهُ.

يَعْزُبُ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْعُزُوبِ)، وَهُوَ الْغَيْبَةُ وَالْخَفَاءُ وَالْبُعْدُ. [ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ط١، ج٤، ص٣٠٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: الِانْفِرَادُ بِالْبُعْدِ حَتَّى يَغِيبَ عَنِ الْإِدْرَاكِ.

التَّأْصِيلُ الْإِصْطِلَاحِيُّ: نَفْيُ الْعُزُوبِ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ يُقَرِّرُ (الْإِحَاطَةَ)، فَكُلُّ ذَرَّةٍ فِي الْكَوْنِ مَعْلُومَةٌ لَهُ بِتَفَاصِيلِهَا.

الزَّيْغِ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: الْمَيْلُ عَنِ الْقَصْدِ وَالِانْحِرَافُ عَنِ الْجَادَّةِ. [الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، الْعَيْنُ، ج٤، ص٣٩٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: كُلُّ انْصِرَافٍ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ حَالُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، وَتَعْبِيرُ الشَّيْخِ بِهِ هُنَا إِشَارَةٌ لِمَا أَنْقَذَ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الدَّعْوَةَ مِنْ ضَلَالَاتِ الْمُبْطِلِينَ.

الْغُدُوِّ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ. [الزَّبِيدِيُّ، تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٣٩، ص١٣٢].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: أَوَّلُ النَّهَارِ قَبْلَ الِانْتِشَارِ.

التَّأْصِيلُ الْإِصْطِلَاحِيُّ: ذِكْرُهُ مَعَ الْآصَالِ يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ الزَّمَانِيَّ لِعِبَادَةِ التَّوْحِيدِ.

قَوِيمٍ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْقِيَامِ)، وَهُوَ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ. [ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، ج١٢، ص٤٩٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: مَا بَلَغَ غَايَةَ الِاعْتِدَالِ وَالِاسْتِقَامَةِ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: وَصْفُ الدِّينِ بِالْقَوِيمِ إِحَالَةٌ عَلَى أَنَّ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ هِيَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي خَلَا مِنْ إِفْرَاطِ الْغَالِينَ وَتَفْرِيطِ الْجَافِينَ.

ثَانِيًا): اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا

(١) بَدَائِعُ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: جَمْعُ (بَدِيعَةٍ)، مِنَ الْمَادَّةِ (بَدَعَ)، وَهِيَ إِنْشَاءُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. [الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، ط٨، ص٩١٢].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: كُلُّ مُخْتَرَعٍ مُتْقَنٍ فُطِرَ ابْتِدَاءً دُونَ نَمُوذْجٍ مُحْتَذًى.

التَّأْصِيلُ الْإِصْطِلَاحِيُّ: تَقَعُ صِفَةً لِأَفْعَالِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ فِي الْخَلْقِ.

(٢) الْمُنَزَّهِ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (النَّزْهِ)، وَهُوَ الْبُعْدُ وَالتَّبَاعُدُ عَنِ الْمَكَارِهِ وَالنَّقَائِصِ. [الصِّحَاحُ، ط٤، ج٦، ص٢٢٤٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: الْبَرَاءَةُ الْمُطْلَقَةُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ أَوْ نَقْصٍ يُضَادُّ الْكَمَالَ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ مَعْنَى (التَّسْبِيحِ)، أَيْ تَبْرِئَةُ اللَّهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْإِشْرَاكِ.

(٣) النَّظَائِرُ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: جَمْعُ (نَظِيرٍ)، مِنَ (النَّظَرِ)، وَهُوَ الْمُثِيلُ الْمُشَابِهُ. [الْمُفْرَدَاتُ، ص٨١٢].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: الْمُسَاوِي لِلشَّيْءِ فِي صِفَاتِهِ وَجَوْهَرِهِ وَحَقِيقَتِهِ.

التَّأْصِيلُ الْإِصْطِلَاحِيُّ: نَفْيُ النَّظِيرِ عَنِ اللَّهِ يُوجِبُ تَوْحِيدَهُ، إِذْ لَا نِدَّ لَهُ وَلَا سَمِيَّ لَهُ.

(٤) الزَّيْغِ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: الْمَيْلُ عَنِ الْقَصْدِ وَالِانْحِرَافُ عَنِ الْجَادَّةِ. [الْعَيْنُ، ج٤، ص٣٩٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: كُلُّ انْصِرَافٍ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ وَتَبَيُّنِهِ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ حَالُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ.

(٥) الزُّلَالِ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الزَّلِّ)، وَهُوَ الْمَاءُ الصَّافِي الَّذِي يَزِلُّ فِي الْحَلْقِ لِسَلَاسَتِهِ. [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٢٨، ص١٦٠].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: الصَّفَاءُ الْخَالِصُ الْمُنَقَّى مِنْ كُلِّ كَدَرٍ وَشَائِبَةٍ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: وَصْفُ الْوَحْيِ بِهِ لِصَفَائِهِ مِنْ شَوَائِبِ الْآرَاءِ وَبِدَعِ الْمُتَكَلِّمِينَ.

(ثَالِثًا): النُّكَتُ الْعِلْمِيَّةُ وَالْفَوَائِدُ الْأَكَادِيمِيَّةُ

نُكْتَةُ السَّجَعِ: جَرَى كَلَامُ الشَّيْخِ بِسَجَعٍ (الْأَفْعَالِ، الْأَمْثَالِ، مِثْقَالٌ..) وَهُوَ سَجَعٌ يُعِينُ عَلَى الْحِفْظِ وَلَا يَصْرِفُ عَنِ الْمَعْنَى.

نُكْتَةُ الرَّدِّ عَلَى الْخُصُومِ: قَوْلُهُ (سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا) فِيهِ دَحْضٌ لِفِرْيَةِ أَنَّ الشَّيْخَ يَنْتَقِصُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ صَدَّرَ بِالسِّيَادَةِ.

فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْعَدَدِ: جَعَلَهَا (مَسَائِلَ أَرْبَعٍ) لِتَسْهِيلِ الضَّبْطِ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ، وَهُوَ مَسْلَكٌ نَبَوِيٌّ تَعْلِيمِيٌّ.

نُكْتَةُ (لَا تَنْبَغِي مُخَالَفَتُهُمْ): فِيهَا أَدَبُ الْعَالِمِ مَعَ إِخْوَانِهِ، وَتَلْبِيَةُ طَلَبِ الْعِلْمِ عِنْدَ تَعَيُّنِ الْحَاجَةِ لِلْبَيَانِ

--------------------------(١٣)-------------------

[نَصُّ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى - مُحَقَّقاً]

إِنَّ الَّذِي خَلَقَنَا (١) وَصَوَّرَنَا (٢) لَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلًا (٣) بَلْ أَرْسَلَ (٤) إِلَيْنَا رَسُولًا (٥) مَعَهُ كِتَابٌ (٦) مِنْ رَبِّنَا، فَمَنْ أَطَاعَهُ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ عَصَاهُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَالدَّلِيلُ (٧) قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} [الْمُزَّمِّل: ١٥].

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) [مَجْمُوعُ الْمُؤَلَّفَاتِ] وَالنُّسْخَةِ (ب) [الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ]؛ حَيْثُ جَاءَ فِي (أ) بَدْءُ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا»، بَيْنَمَا انْفَرَدَتِ النُّسْخَةُ (ب) بِزِيَادَةِ: «وَرَزَقَنَا»، وَالْمُثْبَتُ فِي نُسْخَتِنَا (ج) هُوَ: «خَلَقَنَا وَصَوَّرَنَا» لِوُرُودِهَا فِي نُسَخٍ خَطِّيَّةٍ أُخْرَى تُعَضِّدُ مَقَامَ الِاسْتِدْلَالَ بِالتَّصْوِيرِ. كَمَا جَاءَ فِي (أ): «بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا»، وَفِي (ب): «بَلْ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْنَا»، وَاعْتَمَدْنَا (أ) لِلِاخْتِصَارِ الْبَلِيغِ. وَفِي خِتَامِ الْمَسْأَلَةِ، جَاءَ فِي (أ): «فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، وَفِي (ب): «فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ»، وَاخْتَرْنَا لَفْظَ (ب) لِدَلَالَتِهِ عَلَى الِاسْتِقْرَارِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ.

(ثَانِيًا) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) خَلَقَنَا:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْخَلْقِ) وَهُوَ التَّقْدِيرُ الْمُحْكَمُ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٢، ص٢١٤].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: إِيجَادُ الْعَيْنِ مِنَ الْعَدَمِ عَلَى هَيْئَةٍ مُقَدَّرَةٍ سَبَقَ بِهَا الْعِلْمُ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: انْفِرَادُ الرَّبِّ بِالْخَلْقِ هُوَ الْحُجَّةُ الْعُظْمَى عَلَى وُجُوبِ إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ.

(٢) صَوَّرَنَا:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الصُّورَةِ) وَهِيَ الشَّكْلُ وَالتَّخْطِيطُ. [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج١٢، ص٣٣٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: جَعْلُ الْمَخْلُوقِ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ تُمَيِّزُ نَوْعَهُ وَفَرْدَهُ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ كَمَالُ الصُّنْعِ بَعْدَ الْإِيجَادِ، وَمِنْهُ اسْمُ اللَّهِ (الْمُصَوِّرُ).

(٣) هَمَلًا:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْهَمَلِ) وَهِيَ الْإِبِلُ الضَّالَّةُ بِلَا رَاعٍ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج١١، ص٧٠٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: التَّرْكُ الْمُطْلَقُ بِلَا مَهَمَّةٍ تَوْكِيلِيَّةٍ أَوْ جَزَاءٍ أُخْرَوِيٍّ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: نَفْيُ الْهَمَلِ يَعْنِي إِثْبَاتُ "التَّكْلِيفِ" وَ"الْمَعَادِ".

(٤) أَرْسَلَ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الرَّسَلِ) وَهُوَ الِانْبِعَاثُ وَالتَّوَجُّهُ بِلِينٍ. [الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، ص٩٣٦].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: بَعْثُ مُبَلِّغٍ عَنِ اللَّهِ لِيَقُومَ بِالْحُجَّةِ عَلَى الْخَلْقِ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: الْإِرْسَالُ فِعْلُ اللَّهِ لِقَطْعِ عُذْرِ الْبَشَرِ {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.

(٥) رَسُولًا وَنَبِيًّا (مَعَ بَيَانِ الْفَرْقِ):

الرَّسُولُ: [لُغَةً]: الْمُوَجَّهُ بِمَا حُمِّلَ. [اصْطِلَاحًا]: مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ.

النَّبِيُّ: [لُغَةً]: مِنَ النَّبَأِ (الْخَبَرُ) أَوْ النَّبْوَةِ (الِارْتِفَاعُ). [اصْطِلَاحًا]: مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ لِيُجَدِّدَهُ وَأُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ.

الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: الرَّسُولُ أَخَصُّ مِنَ النَّبِيِّ؛ فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ وَلَا عَكْسَ، وَالرَّسُولُ يُرْسَلُ إِلَى قَوْمٍ مُخَالِفِينَ، وَالنَّبِيُّ يُرْسَلُ إِلَى قَوْمٍ مُوَافِقِينَ لِتَعْلِيمِهِمْ.

(٦) كِتَابٌ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْكَتْبِ) وَهُوَ الْجَمْعُ وَالضَّمُّ. [الْمُفْرَدَاتُ، ص٦٩٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: كَلَامُ اللَّهِ الْمُوحَى بِهِ الْمَكْتُوبُ فِي الصُّحُفِ لِيَكُونَ مَرْجِعًا لِلْأُمَّةِ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: الْكِتَابُ هُوَ الدُّسْتُورُ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ.

(٧) الدَّلِيلُ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الدَّلَالَةِ) وَهِيَ مَا يُرْشِدُ إِلَى الْبُغْيَةِ. [الْعَيْنُ، ج٨، ص٦٧].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: مَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ النَّظَرِ فِيهِ الْوُصُولُ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ الْقَوْلُ الْفَصْلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُثْبِتُ لِلْمَسْأَلَةِ.

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ...}:

تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ: يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "الْمَعْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ، لَقَدْ بَعَثْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا يُبَيِّنُ لَكُمُ الْحَقَّ وَيَكُونُ شَاهِدًا عَلَى أَعْمَالِكُمْ، كَمَا بَعَثْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا؛ أَيْ شَدِيدًا ثَقِيلًا. فَالْمَقْصُودُ هُوَ التَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِأَنَّ عَذَابَ اللَّهِ بَاقٍ لِمَنْ كَذَّبَ، وَهَذَا الْمَنَاطُ هُوَ لُبُّ الْمَسْأَلَةِ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ". [تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ط٢، ج٨، ص٢٦٢].

تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ: يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ كَمَالِ حِكْمَتِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْعِبَادَ سُدًى، بَلْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِمَا فَعَلُوهُ، وَذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ عُقُوبَةَ مَنْ عَصَى الرَّسُولَ هِيَ الْهَلَاكُ الْمُسْتَأْصِلُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ، فَالْآيَةُ تُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ (الرِّسَالَةِ) كَضَرُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ لَا غِنَى عَنْهَا لِلنَّجَاةِ". [تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص٨٩٠].

(رَابِعًا) تَرَاجِمُ أَعْلَامِ التَّفْسِيرِ:

ابْنُ كَثِيرٍ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ الْقُرَشِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ (٧٠١ هـ) بِبُصْرَى الشَّامِ وَتُوُفِّيَ (٧٧٤ هـ) بِدِمَشْقَ. هُوَ تِلْمِيذُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَمُعْتَقَدُهُ (سَلَفِيٌّ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ). اشْتُهِرَ بِتَفْسِيرِهِ "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ" وَكِتَابِهِ "الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ".

السَّعْدِيُّ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ، وُلِدَ فِي عُنَيْزَةَ سَنَةَ (١٣٠٧ هـ) وَتُوُفِّيَ سَنَةَ (١٣٧٦ هـ). هُوَ شَيْخُ ابْنِ عُثَيْمِينَ، وَمُعْتَقَدُهُ (سَلَفِيٌّ أَثَرِيٌّ). اشْتُهِرَ بِكِتَابِ "تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، وَيُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ مَنْ حَرَّرَ مَسَائِلَ التَّوْحِيدِ بِعِبَارَةٍ عَصْرِيَّةٍ سَهْلَةٍ.

------------------------(١٤)----------------------

[نَصُّ الْفَقْرَةِ الثَّالِثَةِ - تَتِمَّةُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى]

وَقَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ (١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ (٢) فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٣) * وَمَنْ يَعْصِ (٤) اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)} [النِّسَاءُ: ١٣-١٤].

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

لَقَدْ تَمَّتْ مُقَابَلَةُ سِيَاقِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي مَتْنِ الرِّسَالَةِ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي النُّسْخَةِ (أ): «وَقَالَ تَعَالَى»، بَيْنَمَا جَاءَ فِي (ب): «وَالدَّلِيلُ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى»، وَالْمُثْبَتُ فِي (ج) هُوَ مَا فِي (أ) لِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يَقُومُ مَقَامَ تَكْرَارِ لَفْظِ الدَّلِيلِ. كَمَا جَاءَ فِي النُّسْخَةِ (ب) إِثْبَاتُ الْآيَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ، بَيْنَمَا اقْتَصَرَتْ بَعْضُ النُّسَخِ الْخَطِّيَّةِ عَلَى صَدْرِ الْآيَةِ الْأُولَى، وَاعْتَمَدْنَا فِي (ج) إِثْبَاتَهُمَا كَامِلَتَيْنِ لِتَحْقِيقِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْوَعْدِ (الْجَنَّةِ) وَالْوَعِيدِ (النَّارِ)، وَهُوَ مَنَاطُ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ الَّذِي قَصَدَهُ الشَّيْخُ.

(ثَانِيًا) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) حُدُودُ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْحَدِّ) وَهُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٢، ص٣].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: النِّهَايَاتُ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّرْعُ لِلْأَفْعَالِ زَجْرًا عَنْ مُجَاوَزَتِهَا أَوْ مَنْعًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِيهَا.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: حُدُودُ اللَّهِ هُنَا هِيَ فَرَائِضُهُ وَأَحْكَامُهُ، وَتَسْمِيَتُهَا حُدُودًا لِأَنَّهَا تَحْجِزُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.

(٢) خَالِدِينَ (مَعَ بَيَانِ الصُّوَرِ وَالْأَنْوَاعِ):

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْخُلُودِ) وَهُوَ الْبَقَاءُ وَدَوَامُ الشَّيْءِ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج٣، ص١٦٤].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ فِي دَارِ الْجَزَاءِ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ وَلَا مَوْتٍ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: الْخُلُودُ نَوْعَانِ:

(١) خُلُودٌ أَبَدِيٌّ: وَهُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ وَلِلْكُفَّارِ فِي النَّارِ. (٢) خُلُودٌ أَمَدِيٌّ (مُؤَقَّتٌ): وَهُوَ لِعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يَمْكُثُونَ طَوِيلًا ثُمَّ يَخْرُجُونَ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ فِي الْآيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُطِيعِ هُوَ الْأَبَدِيُّ الْمَحْضُ.

(٣) الْفَوْزُ (مَعَ بَيَانِ أَنْوَاعِهِ):

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: الظَّفَرُ بِالْمَطْلُوبِ وَالنَّجَاةُ مِنَ الْمَرْهُوبِ. [الْمُفْرَدَاتُ، ص٦٤٧].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: نَيْلُ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ عِنْدَ لِقَاءِ اللَّهِ مَعَ أَمْنٍ تَامٍّ مِنَ الْعِقَابِ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: أَنْوَاعُ الْفَوْزِ ثَلَاثَةٌ: 

(١) فَوْزٌ مُبِينٌ: وَهُوَ النَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ.

(٢) فَوْزٌ كَبِيرٌ: وَهُوَ دُخُولُ الْجَنَّةِ. 

(٣) فَوْزٌ عَظِيمٌ: وَهُوَ نَيْلُ الرِّضْوَانِ وَرُؤْيَةُ وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ.

(٤) يَعْصِ (مَعَ بَيَانِ أَنْوَاعِ الْمَعْصِيَةِ):

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْعِصْيَانِ) وَهُوَ الِامْتِنَاعُ وَالِاعْتِصَاءُ ضِدُّ الطَّاعَةِ. [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٣٩، ص٦٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ إِمَّا بِتَرْكِ مَأْمُورٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: الْمَعْصِيَةُ أَنْوَاعٌ: 

(١) مَعْصِيَةٌ كُفْرِيَّةٌ: تُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ وَتُوجِبُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ. (٢) مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ: لَا تُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ لَكِنَّ صَاحِبَهَا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ. 

(٣) مَعْصِيَةٌ صَغِيرَةٌ: تُكَفِّرُهَا الصَّلَوَاتُ وَالْجُمُعَاتُ.

(٥) مُهِينٌ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْهَوَانِ) وَهُوَ الذُّلُّ وَالِاحْتِقَارُ. [الصِّحَاحُ، ج٦، ص٢٢١٢].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: الْعَذَابُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ أَلَمِ الْبَدَنِ وَذُلِّ النَّفْسِ وَخِزْيِهَا.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: وَصْفُ الْعَذَابِ بِالْمُهِينِ لِأَنَّ الْعَاصِيَ الْمُتَكَبِّرَ عَنْ حُدُودِ اللَّهِ جُوزِيَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ مِنَ الْعِزَّةِ الزَّائِفَةِ.

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ الْآيَاتِ :

تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ: يُبَيِّنُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ وَالْفَرَائِضَ (الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا) هِيَ حُدُودُ اللَّهِ الَّتِي لَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهَا. وَأَنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيهَا بِالِانْقِيَادِ وَالْعَمَلِ، جَازَاهُ بِالْخُلُودِ فِي النَّعِيمِ. أَمَّا مَنْ عَصَى وَتَعَدَّى بِتَغْيِيرِ شَرْعِ اللَّهِ أَوْ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُدْخَلُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا، وَقَدْ خَصَّ "الْمُهِينَ" هُنَا لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ عَلَى الْحُدُودِ مُسْتَكْبِرٌ، وَالِاسْتِكْبَارُ يُنَاسِبُهُ الْإِهَانَةُ. [تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج٢، ص٢٢٦].

تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيُّ: يَرَى رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّاعَةَ مَنَاطُ الْفَلَاحِ، وَالْمَعْصِيَةَ مَنَاطُ الشَّقَاءِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ "تَعَدِّي الْحُدُودِ" هُوَ الْأَمْرُ الْخَطِيرُ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ الْعَذَابَ الْمُهِينَ، لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْخُرُوجَ عَنْ رِبْقَةِ الْعُبُودِيَّةِ. وَالْفَوْزُ الْعَظِيمُ عِنْدَهُ هُوَ الْفَوْزُ بِرِضَا اللَّهِ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ نَعِيمٍ. [تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص١٧١].

(رَابِعًا) النُّكَتُ الْعِلْمِيَّةُ وَالْقَوَاعِدُ الْأَكَادِيمِيَّةُ:

١. نُكْتَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: قَرَنَ طَاعَةَ الرَّسُولِ بِطَاعَةِ اللَّهِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ السُّنَّةَ وَحْيٌ مِثْلُ الْقُرْآنِ، وَلَا يَتِمُّ التَّمَيُّزُ إِلَّا بِهِمَا مَعًا.

٢. قَاعِدَةُ (الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ): لَمَّا كَانَ الْمُطِيعُ قَدْ خَضَعَ لِلْحُدُودِ، جُوزِيَ بِـ (الْفَوْزِ الْعَظِيمِ)، وَلَمَّا كَانَ الْعَاصِي قَدْ تَعَالَى عَلَيْهَا، جُوزِيَ بِـ (الْعَذَابِ الْمُهِينِ).

٣. نُكْتَةُ "تِلْكَ": اسْمُ الْإِشَارَةِ لِلْبَعِيدِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ هَذِهِ الْحُدُودِ وَرَفْعِ مَكَانَتِهَا فِي نُفُوسِ الْمُكَلَّفِينَ.

-----------------------(١٥)-------------------------

الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ: 

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ - مَنَاطُ الْعِبَادَةِ وَتَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ]

(أَوَّلًا) الفقرة

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ إِلَّا لِيَعْبُدُوهُ (١) وَحْدَهُ مُخْلِصِينَ (٢) لَهُ الدِّينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ (٣) وَالْإِنْسَ (٤) إِلَّا لِيَعْبُدُونِي} [الذَّارِيَات: ٥٦]. وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ (٥) وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ (٦) وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ (٧) وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٨)} [الْبَيِّنَة: ٥]).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ): «أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَا خَلَقَ»، وَفِي (ب): «أَنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى»، وَالْمُثْبَتُ فِي (ج) هُوَ مَا اتَّفَقَ مَعَ سِيَاقِ تَقْرِيرِ الْغَايَةِ مِنَ الْخَلْقِ. وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى، اقْتَصَرَتِ النُّسْخَةُ (أ) عَلَى مَوْضِعِ الشَّاهِدِ، بَيْنَمَا أَوْرَدَتْ (ب) الْآيَةَ كَامِلَةً، وَأَثْبَتْنَا فِي (ج) الْآيَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ لِتَحْقِيقِ الِاسْتِدْلَالِ بِـ (قَصْدِ الْخَلْقِ) وَ(قَصْدِ الْأَمْرِ).

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) لِيَعْبُدُوهُ (الْعِبَادَةُ):

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (التَّعْبِيدِ) وَهُوَ التَّذْلِيلُ، يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مَذَلَّلٌ لِلْمَشْيِ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج٣، ص٢٧٣].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: (تَعْرِيفُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ): «اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ». [رِسَالَةُ الْعُبُودِيَّةِ، ص٣٨].

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ/ قلت : فَسَّرَهَا الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي (كِتَابِ التَّوْحِيدِ) بِقَوْلِهِ: «لِيَعْبُدُونِي أَيْ: يُوَحِّدُونِي»، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تُسَمَّى عِبَادَةً إِلَّا مَعَ التَّوْحِيدِ.

(٢) مُخْلِصِينَ (الْإِخْلَاصُ):

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْخُلُوصِ) وَهُوَ صَفَاءُ الشَّيْءِ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ غَرِيبٍ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٢، ص٢٠٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: تَصْفِيَةُ الْفِعْلِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْمَخْلُوقِينَ بِدَوَامِ النَّظَرِ إِلَى الْخَالِقِ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ رُوحُ الْعِبَادَةِ وَمَنَاطُ قَبُولِهَا، وَبِهِ يَتَمَيَّزُ الْمُؤْمِنُ عَنِ الْمُرَائِي.

(٣) الْجِنَّ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْجَنِّ) وَهُوَ الِاسْتِتَارُ وَالتَّغْطِيَةُ، وَمِنْهُ الْجَنِينُ لِاسْتِتَارِهِ فِي الرَّحِمِ. [الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، ص١٥٢٤].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: عَالَمٌ غَيْبِيٌّ خُلِقُوا مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، مُكَلَّفُونَ كَالْإِنْسِ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: قَدَّمَهُمُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ لِيَدُلَّ عَلَى شُمُولِ التَّكْلِيفِ لِكُلِّ الثَّقَلَيْنِ.

(٤) الْإِنْسَ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْأُنْسِ) ضِدُّ الْوَحْشَةِ، أَوْ مِنَ (النِّسْيَانِ). [مُفْرَدَاتُ الرَّاغِبِ، ص٩٤].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: بَنُو آدَمَ الْمَخْلُوقُونَ مِنْ طِينٍ، الْمُهَيَّئُونَ لِلِاسْتِخْلَافِ وَالْعِبَادَةِ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: هُمُ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ بِالْخِطَابِ فِي بَيَانِ غَايَةِ الْخَلْقِ.

(٥) حُنَفَاءَ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: جَمْعُ (حَنِيفٍ)، مِنَ (الْحَنَفِ) وَهُوَ الْمَيْلُ، وَالْمَقْصُودُ الْمَيْلُ عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ. [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٢٣، ص١٩٣].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: الْمُسْتَقِيمُ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، الْمُقْبِلُ عَلَى اللَّهِ الْمُعْرِضُ عَمَّا سِوَاهُ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ فِي تَمَيُّزِهِمْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.

(٦) يُقِيمُوا الصَّلَاةَ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: (الْإِقَامَةُ) مِنَ الِانْتِصَابِ وَالدَّوَامِ، وَ(الصَّلَاةُ) مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّعْظِيمِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَخُشُوعِهَا فِي مَوَاقِيتِهَا.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: هِيَ عِمَادُ الدِّينِ، وَقَرَنَهَا بِالتَّوْحِيدِ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ شَعَائِرِهِ الظَّاهِرَةِ.

(٧) يُؤْتُوا الزَّكَاةَ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الزَّكَاءِ) وَهُوَ النَّمَاءُ وَالطَّهَارَةُ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج١٤، ص٣٥٨].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: حَقٌّ وَاجِبٌ فِي مَالٍ مَخْصُوصٍ لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: (شُرُوطُهَا): الْإِسْلَامُ، الْحُرِّيَّةُ، مِلْكُ النِّصَابِ، حَوَلَانُ الْحَوْلِ. (وَاجِبَاتُهَا): نِيَّةُ التَّقَرُّبِ وَإِخْرَاجُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ لِمُسْتَحِقِّيهِ.

(٨) دِينُ الْقَيِّمَةِ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْقِيَامِ) بِالشَّيْءِ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: الْمِلَّةُ الْمُسْتَقِيمَةُ الْعَادِلَةُ الَّتِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهَا وَلَا انْحِرَافَ.

التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ الْإِسْلَامُ الْخَالِصُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَإِقَامِ الشَّعَائِرِ.

(٣) تَفْسِيرُ الْآيَاتِ :

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١): يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُوني}: «أَيْ: إِنَّمَا خَلَقْتُهُمْ لِآمُرَهُمْ بِعِبَادَتِي، لَا لِاحْتِيَاجِي إِلَيْهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِلَّا لِيَعْبُدُونِي أَيْ: إِلَّا لِيُقِرُّوا بِعِبَادَتِي طَوْعًا أَوْ كَرْهًا». [تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج٧، ص٤٢٥].

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٢): وَفِي قَوْلِهِ {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ}: «أَيْ: حَالَةَ كَوْنِهِمْ مَائِلِينَ عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَهَذَا هُوَ مَقْصُودُ الرِّسَالَاتِ كُلِّهَا». [تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج٨، ص٤٥٨].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (١): يَرَى رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ لِمَعْرِفَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَهِيَ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ لَا لَهُ سُبْحَانَهُ. [تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص٨١٣].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (٢): وَفِي آيَةِ الْبَيِّنَةِ، يُؤَكِّدُ أَنَّ حَصْرَ الدِّينِ فِي الْإِخْلَاصِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ شَامِلٌ لِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ "دِينُ الْقَيِّمَةِ" الَّذِي لَا يُقْبَلُ سِوَاهُ. [تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص٩٣١].

(٤) الْقَوَاعِدُ وَالْفَوَائِدُ وَالضَّوَابِطُ:

قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الْغَايَةُ مِنَ الْخَلْقِ هِيَ الْعِبَادَةُ، وَالْغَايَةُ مِنَ الْعِبَادَةِ هِيَ التَّوْحِيدُ.

ضَابِطُ الْإِخْلَاصِ: لَا قَبُولَ لِعَمَلٍ ظَاهِرٍ (صَلَاة، زَكَاة) إِلَّا بِتَصْحِيحِ الْمَنَاطِ الْبَاطِنِ (الْإِخْلَاص).

نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: اسْتِعْمَالُ (مَا) وَ(إِلَّا) فِي الْآيَتَيْنِ يُفِيدُ "الْحَصْرَ"، أَيْ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ سَبَبٌ آخَرُ لِلْخَلْقِ يَعْدِلُ سَبَبَ الْعِبَادَةِ.

فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: قَرْنُ الصَّلَاةِ بِالزَّكَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّينَ حَقٌّ لِلَّهِ (الصَّلَاة) وَحَقٌّ لِلْعِبَادِ (الزَّكَاة).

---------------------(١٦)-----------------------

[الْفَقْرَةُ الْخَامِسَةُ: تَحْقِيقُ مَنَاطِ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ وَالْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ (١)؛ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ إِلَّا لِيَعْبُدُوهُ (٢) وَحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (٣)).

-------------------------------------------&@@

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) رَبْطُ هَذِهِ الْفَقْرَةِ بِقَوْلِهِ: «فَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ فِي تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ»، وَفِي (ب) جَاءَتْ بِلَفْظِ: «تَوْحِيدِ الْعِبَادَةِ»، وَالْمُثْبَتُ فِي (ج) لَفْظُ «الْأُلُوهِيَّةِ» لِأَنَّهُ الِاصْطِلَاحُ الْأَكْثَرُ دَوَرَانًا فِي كُتُبِ الْمُصَنِّفِ بَيَانًا لِحَقِّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ.

(٢) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْمُصْطَلَحَاتِ وَالْعَلَاقَاتِ بَيْنَهَا:

(١) حَدُّ التَّوْحِيدِ (التَّوْحِيدُ لُغَةً وَشَرْعًا):

لُغَةً: جَعْلُ الشَّيْءِ وَاحِدًا. [ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٦، ص٩٠].

شَرْعًا: إِفْرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.

(٢) تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ (تَوْحِيدُ الْعِبَادَةِ):

حَدُّهُ: هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا التَّقَرُّبُ؛ كَالدُّعَاءِ، وَالنَّذْرِ، وَالذَّبْحِ، وَالرَّجَاءِ.

مَنَاطُهُ: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَأْلُوهُ أَيِ: الْمَعْبُودُ حُبًّا وَتَعْظِيمًا.

(٣) الْعَلَاقَةُ بَيْنَ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ:

تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ: بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ، لَزِمَهُ عَقْلًا وَشَرْعًا أَنْ لَا يَعْبُدَ إِلَّا إِيَّاهُ.

تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ مُتَضَمِّنٌ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ: بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، فَقَدْ تَضَمَّنَ فِعْلُهُ هَذَا إِقْرَارًا بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الرَّبُّ الْمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ.

(٣) الْبَحْثُ فِي "الْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ":

فَائِدَةُ الْعِلَّةِ (٢): قَوْلُهُ {إِلَّا لِيَعْبُدُونِي}، اللَّامُ هُنَا لِلْعِلَّةِ، وَهِيَ "عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ"؛ أَيِ الْغَايَةُ وَالْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أَوْجَدَ اللَّهُ الْخَلِيقَةَ. فَاللَّهُ لَمْ يَخْلُقْهُمْ لِحَاجَةٍ يَقْضِيهَا، بَلْ لِغَايَةٍ يَقُومُونَ بِهَا، وَهِيَ عِبَادَتُهُ. وَهِيَ عِلَّةٌ "شَرْعِيَّةٌ" لَا "كَونِيَّةٌ"؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْكَوْنِيَّةَ لَا تَتَخَلَّفُ، بَيْنَمَا الْعِبَادَةُ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهَا بَعْضُ الْخَلْقِ كُفْرًا وَعِنَادًا.

(٤) شُرُوطُ قَبُولِ الْعَمَلِ (٣):

الشَّرْطُ الْأَوَّلُ (الْإِخْلَاصُ): وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، وَمَنَاطُهُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، لَا يُرَادُ بِهِ رِيَاءٌ وَلَا سُمْعَةٌ.

الشَّرْطُ الثَّانِي (الْمُتَابَعَةُ): وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ وَفْقَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَمَنَاطُهُ قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ، ص١٣٤٣، رَقَمُ ١٧١٨].

فَائِدَةٌ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا إِلَّا بِاجْتِمَاعِ الشَّرْطَيْنِ؛ فَالْإِخْلَاصُ يُصَحِّحُ الْبَاطِنَ، وَالْمُتَابَعَةُ تُصَحِّحُ الظَّاهِرَ.

(٥) النُّكَتُ الْعِلْمِيَّةُ وَالْقَوَاعِدُ الْمَنْهَجِيَّةُ:

نُكْتَةُ "سُبْحَانَهُ": قَرْنُ الْمَسْأَلَةِ بِالتَّسْبِيحِ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْعَبَثِ فِي الْخَلْقِ، فَالْخَلْقُ لَهُ حِكْمَةٌ عَالِيَةٌ.

قَاعِدَةٌ فِي الْحَصْرِ: اسْتِعْمَالُ (مَا) النَّافِيَةِ مَعَ (إِلَّا) الِاسْتِثْنَائِيَّةِ فِي (مَا خَلَقَ... إِلَّا لِيَعْبُدُوهُ) يُفِيدُ أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ فِي الْكَوْنِ يَجِبُ أَنْ تَنْصَبَّ فِي مِحْوَرِ الْعِبُودِيَّةِ.

فَائِدَةُ التَّقْدِيمِ: قَدَّمَ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ هُنَا لِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ بَيْنَ الرُّسُلِ وَأُمَمِهِمْ، وَبِهِ يَقَعُ التَّمَيُّزُ الْفِعْلِيُّ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ وَالْمُشْرِكِ.

-------------------------(١٧)----------------------

[الْفَقْرَةُ السَّادِسَةُ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ - مَنَاطُ حُبُوطِ الْعَمَلِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ الشِّرْكُ (١) فِي عِبَادَتِكَ بَطَلَتْ (٢) وَلَمْ تُقْبَلْ (٣)، وَأَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ يُرْجَى (٤) لَهُ الْعَفْوُ (٥) إِلَّا الشِّرْكَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ (٦) إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ (٧) عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨)} [الزُّمَر: ٦٥]).

----------------------------------------

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ لِهَذِهِ الْفَقْرَةِ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ): «إِذَا دَخَلَ الشِّرْكُ فِي عِبَادَتِكَ»، بَيْنَمَا جَاءَ فِي (ب): «إِذَا خَالَطَ الشِّرْكُ الْعِبَادَةَ»، وَاعْتَمَدْنَا لَفْظَ (أ) لِأَنَّ "الدُّخُولَ" أَبْلَغُ فِي نَقْضِ الْأَصْلِ. وَفِي سِيَاقِ الِاسْتِدْلَالِ، أَوْرَدَتِ النُّسْخَةُ (أ) آيَةَ الزُّمَرِ كَامِلَةً إِلَى قَوْلِهِ «مِنَ الْخَاسِرِينَ»، بَيْنَمَا اقْتَصَرَتْ (ب) عَلَى مَوْضِعِ الشَّاهِدِ فَقَطْ، وَالْمُثْبَتُ فِي (ج) هُوَ التَّمَامُ لِبَيَانِ الْعَاقِبَةِ.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) الشِّرْكُ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الشِّرْكَةِ) وَهِيَ الِاخْتِلَاطُ بَيْنَ نَصِيبَيْنِ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٣، ص٢٦٥].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: جَعْلُ شَرِيكٍ مَعَ اللَّهِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ أَوْ أُلُوهِيَّتِهِ أَوْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.

التَّأْصِيلُ: الشِّرْكُ هُوَ نَقِيضُ "التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ"، وَبِهِ يَخْرُجُ الْعَبْدُ عَنْ حَدِّ الْإِسْلَامِ.

(٢) بَطَلَتْ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْبُطْلِ) وَهُوَ ذَهَابُ الشَّيْءِ ضِيَاعاً. [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٢٨، ص٨٦].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: سُقُوطُ اعْتِبَارِ الْعِبَادَةِ شَرْعاً بِحَيْثُ لَا تَبْرَأُ بِهَا الذِّمَّةُ.

التَّأْصِيلُ: قَاعِدَةُ (الشِّرْكُ مُبْطِلٌ لِلْعَمَلِ) كَالْحَدَثِ الْمُبْطِلِ لِلصَّلَاةِ.

(٣) لَمْ تُقْبَلْ (الْقَبُولُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْقَبْلِ) وَهُوَ الرِّضَا بِالشَّيْءِ وَتَلَقِّيهِ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج١١، ص٥٣٩].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: تَرَتُّبُ الثَّوَابِ الْأُخْرَوِيِّ عَلَى الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ.

التَّأْصِيلُ: نَفْيُ الْقَبُولِ هُنَا يَعْنِي انْعِدَامَ الثَّوَابِ رَغْمَ وُجُودِ صُورَةِ الْعَمَلِ.

(٤) يُرْجَى (الرَّجَاءُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الرَّجَا) وَهُوَ نَاحِيَةُ الشَّيْءِ، وَاصْطِلَاحاً تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِمَحْبُوبٍ آتٍ. [الْمُفْرَدَاتُ، ص٣٤٧].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: طَمَعُ الْعَبْدِ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ مَعَ بَذْلِ الْجُهْدِ فِي الطَّاعَةِ.

التَّأْصِيلُ: كُلُّ ذَنْبٍ دُونَ الشِّرْكِ فَرَجَاءُ الْمَغْفِرَةِ فِيهِ قَائِمٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.

(٥) الْعَفْوُ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْعَفْوِ) وَهُوَ التَّجَاوُزُ وَالْمَحْوُ. [الصِّحَاحُ، ج٦، ص٢٤٣٣].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: تَرْكُ عُقُوبَةِ الْمُذْنِبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.

التَّأْصِيلُ: الْعَفْوُ مَنَاطُهُ مَشِيئَةُ الرَّبِّ لِعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ.

(٦) أُوحِيَ (الْوَحْيُ):

الِاشْتِقَاقُ: الْإِعْلَامُ السَّرِيعُ فِي خَفَاءٍ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٦، ص٩٣].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: كَلَامُ اللَّهِ الْمُنَزَّلُ عَلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بِتَوَسُّطِ مَلَكٍ أَوْ غَيْرِهِ.

التَّأْصِيلُ: الْإِخْبَارُ بِحُبُوطِ الْعَمَلِ مَنَاطُهُ الْوَحْيُ الْقَطْعِيُّ لَا الْقِيَاسُ الْعَقْلِيُّ.

(٧) لَيَحْبَطَنَّ (الْحُبُوطُ):

الِاشْتِقَاقُ: فَسَادُ الْعَمَلِ وَبُطْلَانُ أَثَرِهِ. [الْعَيْنُ، ج٣، ص١٢٤].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: ذَهَابُ أَثَرِ الطَّاعَةِ السَّابِقَةِ بِسَبَبِ وُرُودِ الشِّرْكِ النَّاقِضِ.

التَّأْصِيلُ: الْحُبُوطُ فِي الْآيَةِ مُؤَكَّدٌ بِاللَّامِ وَالنُّونِ لِبَيَانِ حَتْمِيَّةِ الْبُطْلَانِ.

(٨) الْخَاسِرِينَ:

الِاشْتِقَاقُ: نَقْصُ رَأْسِ الْمَالِ فِي التِّجَارَةِ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج٤، ص٢٤٠].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ وَاسْتَوْجَبَ الْعِقَابَ فَضَاعَ عَلَيْهِ رِبْحُ الدَّارَيْنِ.

التَّأْصِيلُ: الْخُسْرَانُ هُنَا هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُطْلَقُ الْمُفْضِي إِلَى الْخُلُودِ فِي النَّارِ.

(٣) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (الزُّمَر: ٦٥):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "هَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وَهِيَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ؛ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُبْقِي مَعَهُ عَمَلًا صَالِحًا، بَلْ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّهْيِيجِ وَالتَّحْذِيرِ بِأَعْظَمِ صُورَةٍ". [تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج٧، ص١٠٩].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: يَرَى رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ "مُحْبِطٌ" لِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ يَصِيرُ خَاسِرًا لِدِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، لِأَنَّ الشِّرْكَ يَقْلِبُ الْحَسَنَاتِ إِلَى هَبَاءٍ مَنْثُورٍ. [تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص٧٢٩].

(٤) النُّكَتُ وَالْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ:

ضَابِطُ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ: الشِّرْكُ لَا يُسَامِحُ فِيهِ اللَّهُ لِأَنَّهُ اعْتِدَاءٌ عَلَى "خُصُوصِيَّةِ الْأُلُوهِيَّةِ".

قَاعِدَةٌ فِي الْحُبُوطِ: الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ يُحْبِطُ جَمِيعَ الْعَمَلِ، بَيْنَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يُحْبِطُ الْعَمَلَ الَّذِي خَالَطَهُ فَقَطْ.

نُكْتَةُ (أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ): لِبَيَانِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ (حُبُوطُ الْعَمَلِ بِالشِّرْكِ) هُوَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ جَمِيعاً، لَمْ يَتَغَيَّرْ بِتَغَيُّرِ الشَّرَائِعِ.

فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِـ "الْعَفْوِ": أَنَّ الذُّنُوبَ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ لَكِنَّهَا تُنْقِصُهُ، وَهِيَ فِي دَائِرَةِ الرَّجَاءِ، بِخِلَافِ الشِّرْكِ فَهُوَ خَارِجُهَا.

---------------------------(١٨)---------------------

[ الْفَقْرَةِ السابعة: مَنَاطُ حِرْمَانِ الْمَغْفِرَةِ وَدُخُولِ النَّارِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ (١) أَنْ يُشْرَكَ (٢) بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ (٣) ضَلَالًا بَعِيدًا (٤)} [النِّسَاء: ١١٦].

 وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ (٥) اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ (٦) النَّارُ (٧) وَمَا لِلظَّالِمِينَ (٨) مِنْ أَنْصَارٍ} [الْمَائِدَة: ٧٢].

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) سَوْقُ الْآيَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ لِبَيَانِ عِلَّةِ "عَدَمِ الْمَغْفِرَةِ" وَجَزَاءِ "تَحْرِيمِ الْجَنَّةِ". بَيْنَمَا اقْتَصَرَتِ النُّسْخَةُ (ب) فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى آيَةِ النِّسَاءِ (٤٨) الَّتِي خِتَامُهَا {فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}، وَالْمُثْبَتُ فِي نُسْخَتِنَا (ج) هُوَ مَا اتَّفَقَ مَعَ سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ فِي بَيَانِ "الضَّلَالِ الْبَعِيدِ" لِمُنَاسَبَةِ مَقَامِ التَّحْذِيرِ مِنَ الِانْحِرَافِ الْعَقَدِيِّ.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) لَا يَغْفِرُ (الْمَغْفِرَةُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْغَفْرِ) وَهُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ، وَمِنْهُ (الْمِغْفَرُ) الَّذِي يَسْتُرُ الرَّأْسَ. [الصِّحَاحُ، ج٥، ص١٩٩٥].

الْحَدُّ: مَحْوُ الذَّنْبِ وَسَتْرُهُ وَالتَّجَاوُزُ عَنْ تَبِعَاتِهِ فِي الدَّارَيْنِ.

التَّأْصِيلُ: نَفْيُ الْمَغْفِرَةِ هُنَا مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ عَلَى الشِّرْكِ، أَمَّا قَبْلَ الْمَوْتِ فَالتَّوْبَةُ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا.

(٢) أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (أَنْوَاعُ الشِّرْكِ):

الْحَدُّ: صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الرَّبِّ لِغَيْرِهِ.

أَنْوَاعُ الشِّرْكِ: (١) أَكْبَرُ: وَهُوَ الْمُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ الْمُحْبِطُ لِلْعَمَلِ. (٢) أَصْغَرُ: كَيَسِيرِ الرِّيَاءِ وَالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَهُوَ لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ لَكِنَّهُ أَعْظَمُ مِنَ الْكَبَائِرِ. (٣) خَفِيٌّ: وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِنِيَّاتِ الْقُلُوبِ.

(٣) ضَلَّ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الضَّلَالِ) وَهُوَ غَيْبُوبَةُ الشَّيْءِ أَوْ ضَيَاعُ الطَّرِيقِ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٣، ص٣٥٧].

الْحَدُّ: الْعُدُولُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.

التَّأْصِيلُ: ضَلَالُ الْمُشْرِكِ ضَلَالُ "عَمًى" لِأَنَّهُ اسْتَبْدَلَ الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ.

(٤) بَعِيدًا:

الِاشْتِقَاقُ: ضِدُّ الْقَرِيبِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَسَافَةِ وَالْمَعَانِي.

الْحَدُّ: الْبُعْدُ الشَّدِيدُ عَنِ الْحَقِّ بِحَيْثُ يَعْسُرُ التَّدَارُكُ إِلَّا بِمَحْضِ رَحْمَةِ اللَّهِ.

التَّأْصِيلُ: وَصْفُ الضَّلَالِ بِالْبُعْدِ لِإِظْهَارِ فَدَاحَةِ الْجُرْمِ.

(٥) حَرَّمَ (التَّحْرِيمُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْحَرَمِ) وَهُوَ الْمَنْعُ وَالتَّشْدِيدُ. [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٣١، ص٤٤٤].

الْحَدُّ: مَنْعُ الشَّيْءِ مَنْعًا قَطْعِيًّا بِحَيْثُ لَا سَبِيلَ إِلَى نَيْلِهِ.

التَّأْصِيلُ: تَحْرِيمُ الْجَنَّةِ عَلَى الْمُشْرِكِ حُكْمٌ عَدْلٌ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ.

(٦) مَأْوَاهُ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْأَوْيِ) وَهُوَ الِانْضِمَامُ إِلَى الْمَكَانِ لِلسَّكَنِ.

الْحَدُّ: الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ.

التَّأْصِيلُ: جُعِلَتِ النَّارُ مَأْوًى لَهُ بَدَلًا عَنِ الْجَنَّةِ الَّتِي كَانَتْ مُهَيَّأَةً لَهُ لَوْ آَمَنَ.

(٧) النَّارُ (الْفَرْقُ بَيْنَ الدَّرَجَةِ وَالدَّرَكَةِ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (النَّوْرِ) وَهُوَ الْإِضَاءَةُ مَعَ الْإِحْرَاقِ.

الْفَرْقُ بَيْنَ الدَّرَجَةِ وَالدَّرَكَةِ:

الدَّرَجَةُ: تَكُونُ لِلْعُلُوِّ وَالِارْتِقَاعِ، وَلِذَا كَانَتْ لِلْجَنَّةِ (١٠٠ دَرَجَةٍ).

الدَّرَكَةُ: تَكُونُ لِلسُّفُولِ وَالنُّزُولِ، وَلِذَا كَانَتْ لِلنَّارِ (٧ دَرَكَاتٍ)؛ فَالنَّارُ تَنْزِلُ سُفُولًا فِي الْقَعْرِ، وَأَسْفَلُهَا دَرَكَةُ الْمُنَافِقِينَ.

(٨) الظَّالِمِينَ (أَنْوَاعُ الظُّلْمِ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الظَّلْمِ) وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. [مُفْرَدَاتُ الرَّاغِبِ، ص٥٣٧].

الْحَدُّ: التَّجَاوُزُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ.

أَنْوَاعُ الظُّلْمِ: 

(١) ظُلْمُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ: وَهُوَ الشِّرْكُ {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.

(٢) ظُلْمُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ: بِالْمَعَاصِي.

 (٣) ظُلْمُ الْعَبْدِ لِغَيْرِهِ: بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ.

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ الْآيَاتِ :

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: يُؤَكِّدُ أَنَّ آيَةَ النِّسَاءِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَنَّ مَا دُونَهُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ. أَمَّا آيَةُ الْمَائِدَةِ، فَهِيَ حُكْمٌ بِتَأْبِيدِ الْحِرْمَانِ مِنَ الْجَنَّةِ لِمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ. [تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج٢، ص٣٧٥؛ ج٣، ص١٤٨].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: يَرَى أَنَّ "الضَّلَالَ الْبَعِيدَ" هُوَ الَّذِي انْقَطَعَتْ عَنْهُ طُرُقُ الْهِدَايَةِ، وَأَنَّ نَفْيَ "الْأَنْصَارِ" عَنِ الظَّالِمِينَ يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ الشَّفَاعَةِ وَقُوَّةِ الْقَهْرِ الْإِلَهِيِّ لِلْمُشْرِكِينَ. [تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص١٩٧، ص٢٣٩].

(رَابِعًا) الْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ:

١. ضَابِطُ الْمَشِيئَةِ: الْكَبَائِرُ (قَتْل، زِنَا...) دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ لَا يُكْفَرُ صَاحِبُهَا، أَمَّا الشِّرْكُ فَخَارِجٌ عَنْ هَذَا الضَّابِطِ.

٢. قَاعِدَةُ (التَّضَادِّ): الْجَنَّةُ دَارُ الطَّيِّبِينَ، وَالشِّرْكُ نَجَاسَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، فَلَا يَجْتَمِعَانِ؛ وَمِنْ هُنَا جَاءَ "التَّحْرِيمُ".

٣. نُكْتَةُ (مَا دُونَ ذَلِكَ): لَفْظُ "مَا" مَوْصُولَةٌ تُفِيدُ الْعُمُومَ؛ أَيْ كُلُّ ذَنْبٍ مَهْمَا عَظُمَ (مَا لَمْ يَصِلْ لِلشِّرْكِ) فَهُوَ مَحَلٌّ لِلْمَغْفِرَةِ.

٤. فَائِدَةُ (الْمَأْوَى): لَمَّا كَانَ الْمُشْرِكُ يَلْجَأُ لِلْأَوْثَانِ فِي الدُّنْيَا لِتَنْصُرَهُ، صَارَ مَأْوَاهُ فِي الْآخِرَةِ النَّارُ الَّتِي لَا نَاصِرَ فِيهَا.

-------------------------(١٩)----------------------

[ الْفَقْرَةِ الثامنة: صُوَرُ الشِّرْكِ فِي التَّأْثِيرِ وَالنَّفْعِ وَالضَّرِّ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

(وَمِنْ أَنْوَاعِ هَذَا الشِّرْكِ: أَنْ يَعْتَقِدَ (١) الْإِنْسَانُ فِي غَيْرِ اللَّهِ مِنْ نَجْمٍ (٢) أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ نَبِيٍّ (٣) أَوْ صَالِحٍ (٤) أَوْ كَاهِنٍ (٥) أَوْ سَاحِرٍ (٦) أَوْ نَبَاتٍ أَوْ حَيَوَانٍ؛ أَنَّهُ يَقْدِرُ بِذَاتِهِ عَلَى جَلْبِ مَنْفَعَةٍ لِمَنْ دَعَاهُ أَوْ اسْتَغَاثَ (٧) بِهِ، أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ (٨). فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ (٩) فَلَا مُمْسِكَ (١٠) لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فَاطِر: ٢]).

---_------_-----------------

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ): «أَنْ يَعْتَقِدَ الْإِنْسَانُ»، وَفِي (ب): «أَنْ يَظُنَّ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّ الشِّرْكَ مَبْنِيٌّ عَلَى "الِاعْتِقَادِ" الْجَازِمِ فِي الْقَلْبِ. وَفِي سِيَاقِ تَعْدَادِ الْمَخْلُوقَاتِ، زَادَتْ (ب) لَفْظَ: «أَوْ جِنِّيٍّ»، وَاكْتَفَتْ (أ) بِمَا ذُكِرَ، وَهُوَ مَا صَدَّرْنَا بِهِ لِدُخُولِ الْجِنِّ فِي عُمُومِ "غَيْرِ اللَّهِ".

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) يَعْتَقِدَ (الْعَقِيدَةُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْعَقْدِ) وَهُوَ الرَّبْطُ الْمُحْكَمُ وَالشَّدُّ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٤، ص٨٦].

الْحَدُّ: مَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ قَلْبُ الْمَرْءِ وَيَدِينُ بِهِ جَزْمًا وَيَقِينًا.

التَّأْصِيلُ: الِاعْتِقَادُ فِي النَّفْعِ وَالضَّرِّ لِغَيْرِ اللَّهِ هُوَ أَصْلُ الشِّرْكِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ.

(٢) نَجْمٍ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (النَّجْمِ) وَهُوَ الظُّهُورُ وَالطُّلُوعُ.

الْحَدُّ: جِرْمٌ سَمَاوِيٌّ مُضِيءٌ، كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَهُ فِي الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَّةِ.

التَّأْصِيلُ: الِاعْتِقَادُ فِي النُّجُومِ شِرْكٌ لِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مُسَخَّرَةٌ لَا تَمْلِكُ فِعْلًا.

(٣) نَبِيٍّ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (النَّبَأِ) وَهُوَ الْخَبَرُ الْهَامُّ. [الْمُفْرَدَاتُ، ص٧٨٩].

الْحَدُّ: إِنْسَانٌ حُرٌّ ذَكَرٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ.

التَّأْصِيلُ: عِبَادَةُ الْأَنْبِيَاءِ شِرْكٌ، لِأَنَّهُمْ عَبِيدٌ لِلَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا.

(٤) صَالِحٍ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الصَّلَاحِ) ضِدُّ الْفَسَادِ. [الصِّحَاحُ، ج١، ص٣٨٣].

الْحَدُّ: مَنْ قَامَ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ.

التَّأْصِيلُ: تَعْظِيمُ الصَّالِحِينَ بِالِاعْتِقَادِ فِي تَأْثِيرِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ هُوَ ذَاتُ شِرْكِ قَوْمِ نُوحٍ.

(٥) كَاهِنٍ:

الِاشْتِقَاقُ: مَنْ يَتَعَاطَى الْإِخْبَارَ عَنِ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٣٦، ص١٠٧].

الْحَدُّ: مَنْ لَهُ رَئِيٌّ مِنَ الْجِنِّ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ.

التَّأْصِيلُ: تَصْدِيقُ الْكَاهِنِ شِرْكٌ لِادِّعَائِهِ مُشَارَكَةَ اللَّهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ.

(٦) سَاحِرٍ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (السَّحْرِ) وَهُوَ مَا لَطُفَ مَأْخَذُهُ وَخَفِيَ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج٤، ص٣٤٨].

الْحَدُّ: عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يُتَكَلَّمُ بِهِ يُؤَثِّرُ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ بِإِذْنِ اللَّهِ الْكَوْنِيِّ.

التَّأْصِيلُ: السِّحْرُ كُفْرٌ وَشِرْكٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِعَانَةِ بِالشَّيَاطِينِ.

(٧) اسْتَغَاثَ (الِاسْتِغَاثَةُ):

الِاشْتِقَاقُ: طَلَبُ (الْغَوْثِ) وَهُوَ النَّصْرُ وَالْإِنْقَاذُ عِنْدَ الشِّدَّةِ. [الْمُفْرَدَاتُ، ص٦١٧].

الْحَدُّ: طَلَبُ الْإِزَالَةِ لِلشِّدَّةِ وَالْكَرْبِ.

التَّأْصِيلُ: الِاسْتِغَاثَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ شِرْكٌ أَكْبَرُ.

(٨) ضُرٍّ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الضَّرِّ) وَهُوَ سُوءُ الْحَالِ فِي الْبَدَنِ أَوْ النَّفْسِ.

الْحَدُّ: كُلُّ مَا يُؤْلِمُ الْإِنْسَانَ أَوْ يَنْقُصُهُ مِنْ خَيْرٍ.

التَّأْصِيلُ: انْفِرَادُ اللَّهِ بِكَشْفِ الضُّرِّ دَلِيلٌ عَلَى انْفِرَادِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ.

(٩) رَحْمَةٍ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الرُّحْمِ) وَهِيَ الرِّقَّةُ وَالتَّعَطُّفُ.

الْحَدُّ: جَلْبُ الْمَنَافِعِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْهِدَايَةِ لِلْخَلْقِ.

التَّأْصِيلُ: الرَّحْمَةُ هُنَا عَامَّةٌ لِكُلِّ نِعْمَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ.

(١٠) مُمْسِكَ (الْإِمْسَاكُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْمَسْكِ) وَهُوَ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ. [الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، ص٩٧٨].

الْحَدُّ: مَنْعُ نُزُولِ الرَّحْمَةِ أَوْ حَبْسُهَا بَعْدَ إِرْسَالِهَا.

التَّأْصِيلُ: لَا أَحَدَ يَمْلِكُ حَبْسَ رِزْقِ اللَّهِ إِذَا أَرَادَهُ لِعَبْدِهِ.

(٣) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (فَاطِر: ٢):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ. وَالْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ هُنَا: الرِّزْقُ، وَالْمَطَرُ، وَالْعَافِيَةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْحِكْمَةُ؛ فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ أَوْ النُّجُومِ يُمْسِكُ هَذِهِ الرَّحْمَةَ فَقَدْ جَحَدَ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ". [تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج٦، ص٥٣١].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَقْطَعُ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِمَا سِوَى اللَّهِ؛ فَاللَّهُ هُوَ "الْمُتَفَرِّدُ" بِالْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ، وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ -حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ- لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِغَيْرِهِمْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِمْسَاكٍ أَوْ إِرْسَالٍ. [تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص٦٨٥].

(٤) النُّكَتُ وَالْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ:

ضَابِطُ التَّأْثِيرِ: مَنِ اعْتَقَدَ فِي السَّبَبِ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ "بِذَاتِهِ" فَقَدْ أَشْرَكَ شِرْكاً أَكْبَراً، وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ سَبَبٌ فَقَطْ وَاللَّهُ الْمُؤَثِّرُ وَهُوَ لَيْسَ بِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ وَلَا قَدَرِيٍّ فَقَدْ أَشْرَكَ شِرْكاً أَصْغَرَ.

قَاعِدَةُ (الِافْتِقَارِ): الْخَلْقُ جَمِيعاً (نَبِيّ، صَالِح، نَجْم) مُفْتَقِرُونَ إِلَى اللَّهِ، وَالْمُفْتَقِرُ لَا يَمْلِكُ مَنْفَعَةً لِغَيْرِهِ.

نُكْتَةُ (مَا) فِي صَدْرِ الْآيَةِ: "مَا" شَرْطِيَّةٌ تُفِيدُ الْعُمُومَ الشَّامِلَ لِكُلِّ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ.

------------------------------(٢٠)-----------------------

[ الْفَقْرَةِ التاسعة: مَنَاطُ حَصْرِ الِاسْتِغَاثَةِ وَالدُّعَاءِ بِاللَّهِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ (١) اللَّهُ بِضُرٍّ (٢) فَلَا كَاشِفَ (٣) لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ (٤) بِخَيْرٍ (٥) فَلَا رَادَّ (٦) لِفَضْلِهِ} [يُونُس: ١٠٧]. فَإِذَا كَانَ -عَزَّ وَجَلَّ- بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ وَجَبَ أَلَّا يُسْتَغَاثَ (٧) إِلَّا بِهِ، وَلَا يُسْتَعَانَ (٨) إِلَّا بِهِ، وَلَا يُدْعَى (٩) إِلَّا هُوَ).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ): «وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ»، وَفِي (ب): «وَإِنْ يُرِدْكَ بِفَضْلٍ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِمُوَافَقَتِهِ لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ. وَفِي خَاتِمَةِ الْفَقْرَةِ زَادَتْ (ب) بَعْدَ قَوْلِهِ «إِلَّا هُوَ» لَفْظَ: «تَعَالَى وَتَقَدَّسَ»، بَيْنَمَا اكْتَفَتْ (أ) بِمَا ذُكِرَ، وَهُوَ مَا اعْتَمَدْنَاهُ فِي (ج) اخْتِصَاراً.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) يَمْسَسْكَ (الْمَسُّ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْمَسِّ) وَهُوَ لَمْسُ الشَّيْءِ بِالْيَدِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْإِصَابَةِ بِالْمَكْرُوهِ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٥، ص٣٢٢].

الْحَدُّ: وُقُوعُ الْبَلَاءِ أَوِ الضَّرَرِ بِالْعَبْدِ مُبَاشَرَةً.

التَّأْصِيلُ: إِسْنَادُ الْمَسِّ لِلَّهِ تَعَالَى دَلِيلٌ عَلَى نُفُوذِ الْقَدَرِ.

(٢) بِضُرٍّ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الضَّرِّ) وَهُوَ خِلَافُ النَّفْعِ.

الْحَدُّ: كُلُّ مَا يَسُوءُ الْإِنْسَانَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فَقْرٍ أَوْ حُزْنٍ.

التَّأْصِيلُ: جَاءَتْ نَكِرَةً لِتَشْمَلَ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ الضَّرَرِ، دِقَّ أَوْ جَلَّ.

(٣) كَاشِفَ (الْكَشْفُ):

الِاشْتِقَاقُ: رَفْعُ مَا يُغَطِّي الشَّيْءَ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج٩، ص٣٠٠].

الْحَدُّ: إِزَالَةُ الضُّرِّ وَرَفْعُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ.

التَّأْصِيلُ: حَصْرُ الْكَشْفِ فِي اللَّهِ {إِلَّا هُوَ} يَقْطَعُ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِالْأَسْبَابِ الْمَوْهُومَةِ.

(٤) يُرِدْكَ (الْإِرَادَةُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الرَّوْدِ) وَهُوَ طَلَبُ الشَّيْءِ. [الْمُفْرَدَاتُ، ص٣٦٦].

الْحَدُّ: صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالرَّبِّ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمُمْكِنِ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ.

التَّأْصِيلُ: إِرَادَةُ اللَّهِ لَا رَادَّ لَهَا، وَهِيَ مَنَاطُ الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ.

(٥) بِخَيْرٍ:

الِاشْتِقَاقُ: مَا يَرْغَبُ فِيهِ الْكُلُّ؛ كَالْعَقْلِ وَالْفَضْلِ وَالنَّفْعِ.

الْحَدُّ: كُلُّ مَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.

التَّأْصِيلُ: الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَلَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ.

(٦) رَادَّ (الرَّدُّ):

الِاشْتِقَاقُ: صَرْفُ الشَّيْءِ وَإِرْجَاعُهُ. [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٨، ص٢٩٥].

الْحَدُّ: مَنْ يَمْنَعُ نَفَاذَ مَشِيئَةِ اللَّهِ أَوْ يَرُدُّ عَطَاءَهُ.

التَّأْصِيلُ: نَفْيُ "الرَّادِّ" يَعْنِي كَمَالَ الْقُدْرَةِ وَانْفِرَادَ الْقَهْرِ.

(٧) يُسْتَغَاثَ (الِاسْتِغَاثَةُ):

الِاشْتِقَاقُ: طَلَبُ الْغَوْثِ عِنْدَ الشِّدَّةِ.

الْحَدُّ: دُعَاءُ مَنْ يَكْشِفُ الْكَرْبَ وَيُنْجِي مِنَ الْهَلَكَةِ.

التَّأْصِيلُ: صَرْفُهَا لِغَيْرِ اللَّهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ شِرْكٌ مَحْضٌ.

(٨) يُسْتَعَانَ (الِاسْتِعَانَةُ):

الِاشْتِقَاقُ: طَلَبُ الْعَوْنِ، وَهُوَ الظَّهِيرُ عَلَى الْأَمْرِ. [الصِّحَاحُ، ج٦، ص٢١٦٨].

الْحَدُّ: الِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ مَعَ الثِّقَةِ بِهِ.

التَّأْصِيلُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.

(٩) يُدْعَى (الدُّعَاءُ):

الِاشْتِقَاقُ: النِّدَاءُ وَالطَّلَبُ.

الْحَدُّ: الرَّغْبَةُ إِلَى اللَّهِ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالِابْتِهَالُ إِلَيْهِ فِي رَفْعِ الشَّرِّ.

التَّأْصِيلُ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَصَرْفُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ فِي الْأُلُوهِيَّةِ.

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (يُونُس: ١٠٧):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "هَذَا بَيَانٌ لِأَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالنَّفْعَ وَالضَّرَّ، إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ؛ فَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ، وَأَنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ". [تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج٤، ص٣٠٨].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: يُبَيِّنُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَفَرِّدَ بِالضَّرِّ وَالنَّفْعِ، وَالْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ، هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَنْصَرِفَ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ رَغْبَةً وَرَهْبَةً. [تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص٣٧٦].

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الِاسْتِلْزَامِ): انْفِرَادُ اللَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ (الْكَشْفُ وَالرَّدُّ) يَسْتَلْزِمُ انْفِرَادَهُ بِالْأُلُوهِيَّةِ (الدُّعَاءُ وَالِاسْتِعَانَةُ).

٢. نُكْتَةُ (الْفَضْلِ): سَمَّى اللَّهُ الْخَيْرَ "فَضْلًا" لِيُشْعِرَ الْعَبْدَ أَنَّ نَوَالَهُ لَيْسَ بِاسْتِحْقَاقٍ ذَاتِيٍّ، بَلْ بِمَحْضِ جُودِ الرَّبِّ.

٣. ضَابِطُ الِاسْتِغَاثَةِ: تَجُوزُ الِاسْتِغَاثَةُ بِالْمَخْلُوقِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: (أَنْ يَكُونَ حَيًّا، حَاضِرًا، قَادِرًا، وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ سَبَبٌ لَا مُؤَثِّرٌ بِذَاتِهِ).

٤. فَائِدَةُ (إِلَّا هُوَ): حَصْرُ "الْكَاشِفِ" فِيهِ سُبْحَانَهُ إِبْطَالٌ لِعِبَادَةِ. النُّجُومِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْنَامِ.

-------------------------(٢١)-----------------------

[ الْفَقْرَةِ العاشرة: مَنَاطُ التَّوَكُّلِ وَبُطْلَانِ دَعْوَةِ غَيْرِ اللَّهِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا (١) إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا (٢) وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ (٣) الْمُؤْمِنُونَ} [التَّوْبَة: ٥١]. وَقَالَ تَعَالَى مُوَبِّخًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَسْتَغِيثُونَ بِعِيسَى وَعُزَيْرٍ (٤) -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَحْطَ وَالْجُوعَ: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ (٥) مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٦). أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ (٧) إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ (٨) أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٩)} [الْإِسْرَاء: ٥٦، ٥٧]).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ): «مُوَبِّخًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ»، وَفِي (ب): «مُقَرِّعًا لِلْمُشْرِكِينَ»، وَالْمُثْبَتُ فِي (ج) لَفْظُ (أ) لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ نَزَلَ فِي عُبَّادِ الْمَسِيحِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ. وَفِي آيَةِ التَّوْبَةِ، زَادَتْ (ب) بَعْدَ «مَوْلَانَا» لَفْظَ: «نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ»، وَاكْتَفَتْ (أ) بِالْآيَةِ، وَهُوَ مَا اعْتَمَدْنَاهُ.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) يُصِيبَنَا (الْإِصَابَةُ):

الِاشْتِقَاقُ: نُزُولُ الشَّيْءِ بِمَحَلِّهِ، وَمِنْهُ إِصَابَةُ السَّهْمِ لِلْهَدَفِ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٣، ص٣٢٠].

الْحَدُّ: وُقُوعُ الْمَقْدُورِ مِنَ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ بِالْعَبْدِ لَا مَحَالَةَ.

التَّأْصِيلُ: هُوَ مَنَاطُ الرِّضَا بِالْقَدَرِ.

(٢) مَوْلَانَا (الْوَلَايَةُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْوَلْيِ) وَهُوَ الْقُرْبُ وَالدُّنُوُّ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج١٥، ص٤٠٧].

الْحَدُّ: النَّاصِرُ، وَالْمُتَوَلِّي لِأُمُورِ عِبَادِهِ، وَالْمَلِكُ الْمُتَصَرِّفُ.

التَّأْصِيلُ: وَلَايَةُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَايَةُ نَصْرٍ وَتَأْيِيدٍ وَحِفْظٍ.

(٣) فَلْيَتَوَكَّلِ (التَّوَكُّلُ):

الِاشْتِقَاقُ: إِظْهَارُ الْعَجْزِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ. [الْمُفْرَدَاتُ، ص٨٨٢].

الْحَدُّ: صِدْقُ اعْتِمَادِ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ مَعَ فِعْلِ الْأَسْبَابِ.

التَّأْصِيلُ: التَّوَكُّلُ عِبَادَةٌ قَلْبِيَّةٌ لَا تَصِحُّ إِلَّا لِلَّهِ.

(٤) زَعَمْتُمْ (الزَّعْمُ):

الِاشْتِقَاقُ: الْقَوْلُ الَّذِي لَا يُوثَقُ بِهِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُعْتَقَدُ كَذِبُهُ. [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٣٢، ص٣١٩].

الْحَدُّ: ادِّعَاءُ الْأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ بِلَا بُرْهَانٍ.

التَّأْصِيلُ: مَنَاطُ التَّوْبِيخِ هُنَا عَلَى الِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ.

(٥) تَحْوِيلًا:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْحَوْلِ) وَهُوَ نَقْلُ الشَّيْءِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ أَوْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ.

الْحَدُّ: صَرْفُ الضُّرِّ عَنِ الشَّخْصِ إِلَى غَيْرِهِ، أَوْ تَبْدِيلُ صِفَتِهِ (مِنْ مَرَضٍ إِلَى صِحَّةٍ).

التَّأْصِيلُ: نَفْيُ "التَّحْوِيلِ" عَنِ الْمَعْبُودِينَ يُبْطِلُ نَفْعَهُمُ الْمَدْعُومَ.

(٦) يَبْتَغُونَ (الِابْتِغَاءُ):

الِاشْتِقَاقُ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِاجْتِهَادٍ. [الصِّحَاحُ، ج٦، ص٢٢٨٤].

الْحَدُّ: السَّعْيُ الْجَادُّ فِي تَحْصِيلِ رِضَا اللَّهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ.

التَّأْصِيلُ: الِابْتِغَاءُ هُنَا صِفَةُ "الْعَبِيدِ" لَا صِفَةُ "الْآلِهَةِ".

(٧) الْوَسِيلَةَ:

الِاشْتِقَاقُ: مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج١١، ص٧٢٥].

الْحَدُّ: الْقُرْبَةُ إِلَى اللَّهِ بِالطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ.

التَّأْصِيلُ: الْوَسِيلَةُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، لَا دُعَاءُ ذَوَاتِ الْمَقْبُورِينَ.

(٨) مَحْذُورًا:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْحَذَرِ) وَهُوَ الِاحْتِرَازُ مِنَ الْمَخُوفِ.

الْحَدُّ: مَا يَجِبُ أَنْ يُتَّقَى وَيُخَافَ مِنْهُ لِعِظَمِ خَطَرِهِ.

التَّأْصِيلُ: وَصْفُ الْعَذَابِ بِالْمَحْذُورِ لِيَبْقَى الْعَبْدُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ.

(٣) تَفْسِيرُ الْآيَاتِ (بِالْعَزْوِ لِلْمَصَادِرِ):

أَوَّلًا: آيَةُ التَّوْبَةِ (٥١):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: "أَيْ: نَحْنُ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ وَقَدَرِهِ، لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ، وَهُوَ نَاصِرُنَا وَمُعِينُنَا، فَعَلَيْهِ نَتَوَكَّلُ فِي كُلِّ أُمُورِنَا". [ج٤، ص١٦٠].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: "تَضَمَّنَتْ أَنَّ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِهِ، وَأَنَّ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالَّذِي لَهُ الْوَلَايَةُ الْمُطْلَقَةُ، وَأَنَّ التَّوَكُّلَ عِمَادُ الْإِيمَانِ". [ص٣٣٨].

ثَانِيًا: آيَةُ الْإِسْرَاء (٥٦-٥٧):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: "يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ: ادْعُوا أَوْثَانَكُمْ، فَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ دَفْعَ بَلَاءٍ وَلَا تَحْوِيلَهُ لِغَيْرِكُمْ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ عَبَدْتُمُوهُمْ، هُمْ أَنْفُسُهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَكَيْفَ تُعْبَدُ الْمُفْتَقِرَةُ؟". [ج٥، ص٨٩].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: "هَذَا تَبْيِينٌ لِعَجْزِ الْمَدْعُوِّينَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ نَقْصاً وَلَا زِيَادَةً. وَأَنَّ حَالَهُمْ هُوَ الِافْتِقَارُ لِرَحْمَةِ اللَّهِ وَالْهَرَبُ مِنْ عَذَابِهِ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَيْفَ يُتَّخَذُ إِلَهًا؟". [ص٤٦٠].

(٤) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. نُكْتَةُ (كَتَبَ اللَّهُ لَنَا): لَمْ يَقُلْ "عَلَيْنَا" لِيُشْعِرَ الْمُؤْمِنَ أَنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ لَهُ هُوَ "لِمَصْلَحَتِهِ" وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ ابْتِلَاءً.

٢. قَاعِدَةُ (الْوَسِيلَةِ): الْوَسِيلَةُ فِي الْقُرْآنِ هِيَ "الْقُرْبَةُ بِالطَّاعَةِ"، وَهِيَ تَهْدِمُ بِدْعَةَ التَّوَسُّلِ بِالذَّوَاتِ.

٣. ضَابِطُ (الْكَشْفِ وَالتَّحْوِيلِ): الْمَخْلُوقُ لَا يَمْلِكُ الْكَشْفَ (إِزَالَةَ الْكُلِّ) وَلَا التَّحْوِيلَ (تَخْفِيفَ أَوْ نَقْلَ الضُّرِّ)، فَالِالْتِجَاءُ إِلَيْهِ عَبَثٌ عَقْلِيٌّ وَشِرْكٌ شَرْعِيٌّ.

٤. فَائِدَةُ (الْقَحْطِ وَالْجُوعِ): سَبَبُ النُّزُولِ يُوَضِّحُ أَنَّ الِاضْطِرَارَ لَا يُبِيحُ سُؤَالَ الْمَوْتَى أَوِ الْغَائِبِينَ، بَلْ هُوَ مَوْطِنُ إِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ.

-------------------------(٢٢)-----------------------

[الْفَقْرَةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَ: مَنَاطُ الْبَشَرِيَّةِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ (١) مِثْلُكُمْ يُوحَى (٢) إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو (٣) لِقَاءَ (٤) رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (٥) وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ (٦) رَبِّهِ أَحَدًا (٧)} [الْكَهْف: ١١٠]).

---_------_---_---------

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ): «وَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ»، وَفِي (ب): «وَقَالَ تَعَالَى مُخَاطِبًا رَسُولَهُ»، وَالْمُثْبَتُ فِي (ج) لَفْظُ (أ) لِاخْتِصَارِهِ. وَفِي سَوْقِ الْآيَةِ، أَوْرَدَتِ النُّسْخَةُ (أ) الْآيَةَ بِتَمَامِهَا، بَيْنَمَا اقْتَصَرَتْ (ب) عَلَى قَوْلِهِ «وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا»، وَاعْتَمَدْنَا التَّمَامَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْرِيرِ مَقَامِ الْبَشَرِيَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) بَشَرٌ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْبَشَرَةِ) وَهِيَ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج١، ص٢٥١].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: كَائِنٌ حَيٌّ يَمْتَازُ بِالنُّطْقِ وَالْعَقْلِ وَالِافْتِقَارِ لِصِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ.

التَّأْصِيلُ: بَشَرِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ رَفَعَهُ إِلَى مَقَامِ الْأُلُوهِيَّةِ أَوْ ادَّعَى فِيهِ عِلْمَ الْغَيْبِ.

(٢) يُوحَى (الْوَحْيُ):

الِاشْتِقَاقُ: الْإِعْلَامُ السَّرِيعُ الْخَفِيُّ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: تَنْزِيلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِمَا يُمَيِّزُهُ عَنْ سَائِرِ الْبَشَرِ.

التَّأْصِيلُ: الْوَحْيُ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ مَقَامِ النُّبُوَّةِ وَمَقَامِ الْبَشَرِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ.

(٣) يَرْجُو (الرَّجَاءُ):

الِاشْتِقَاقُ: انْتِظَارُ حُصُولِ مَحْبُوبٍ قَرِيبٍ. [الْمُفْرَدَاتُ، ص٣٤٧].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِثَوَابِ اللَّهِ وَرُؤْيَتِهِ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْأَسْبَابِ.

التَّأْصِيلُ: الرَّجَاءُ الْمَحْمُودُ لَا بُدَّ أَنْ يُقْرَنَ بِالْعَمَلِ، وَإِلَّا كَانَ أُمْنِيَةً كَاذِبَةً.

(٤) لِقَاءَ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (اللَّقْوِ) وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ بِالشَّيْءِ وَالْمُصَادَفَةُ. [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٣٩، ص٤٧٧].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِلْحِسَابِ.

التَّأْصِيلُ: إِثْبَاتُ اللِّقَاءِ مَنَاطُهُ تَعْظِيمُ يَوْمِ الدِّينِ وَالِاسْتِعْدَادُ لَهُ.

(٥) صَالِحًا (الصَّلَاحُ):

الِاشْتِقَاقُ: ضِدُّ الْفَسَادِ، وَهُوَ تَمَامُ الشَّيْءِ وَنَفْعُهُ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: مَا وَافَقَ الشَّرْعَ وَخَلَصَ لِلَّهِ وَكَانَ عَلَى هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ.

التَّأْصِيلُ: لَا يَكُونُ الْعَمَلُ صَالِحًا إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: الْإِخْلَاصُ وَالْمُتَابَعَةُ.

(٦) بِعِبَادَةِ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (التَّعْبِيدِ) وَهُوَ التَّذْلِيلُ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج٣، ص٢٧٣].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ.

التَّأْصِيلُ: الْعِبَادَةُ حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ لَا يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْهَا لِغَيْرِهِ.

(٧) أَحَدًا:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْوَحْدَةِ)، وَهُوَ الْفَرْدُ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ تُفِيدُ الْعُمُومَ الشَّامِلَ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ.

التَّأْصِيلُ: نَفْيُ الشِّرْكِ بِـ "أَحَدٍ" يَشْمَلُ الْمَلَكَ الْمُقَرَّبَ وَالنَّبِيَّ الْمُرْسَلَ وَالْوَلِيَّ الصَّالِحَ.

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (الْكَهْف: ١١٠):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ لِرِسَالَتِكَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَمَنْ زَعَمَ أَنِّي إِلَهٌ فَقَدْ كَذَبَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّ مَعْبُودَكُمُ الَّذِي تَدْعُونَهُ هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ. ثُمَّ أَرْشَدَ مَنْ كَانَ يَخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ الْمُوَافِقِ لِلشَّرْعِ وَبَيْنَ تَوْحِيدِ اللَّهِ فِي الْقَصْدِ". [تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج٥، ص٢٠٥].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: يُؤَكِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ خَاتِمَةُ السُّورَةِ وَهِيَ مِيزَانُ الْأَعْمَالِ؛ فَالْبَشَرِيَّةُ فِيهَا نَفْيُ الْغُلُوِّ، وَالْوَحْيُ فِيهِ إِثْبَاتُ الرِّسَالَةِ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ "الْمُتَابَعَةُ"، وَعَدَمُ الشِّرْكِ هُوَ "الْإِخْلَاصُ". [تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص٤٨٩].

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. نُكْتَةُ (مِثْلُكُمْ): ذِكْرُ الْمِثْلِيَّةِ لِإِزَالَةِ الِاسْتِعْظَامِ النَّفْسِيِّ عِنْدَ الْبَشَرِ فِي تَلَقِّي الدِّينِ عَنْ بَشَرٍ مِثْلِهِمْ، مَعَ بَقَاءِ فَضْلِ الْوَحْيِ.

٢. قَاعِدَةُ (قَبُولِ الْعَمَلِ): "لَا يُقْبَلُ عَمَلٌ إِلَّا إِذَا كَانَ خَالِصاً صَوَاباً"؛ فَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ.

٣. ضَابِطُ (أَحَدًا): لَمَّا جَاءَتْ نَكِرَةً، أَبْطَلَتْ شِرْكَ عُبَّادِ الْقُبُورِ وَعُبَّادِ الْمَلَائِكَةِ وَعُبَّادِ الصَّالِحِينَ بِالْمُسَاوَاةِ.

٤. فَائِدَةُ (يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دَافِعَ الطَّاعَةِ هُوَ الشَّوْقُ إِلَى اللَّهِ وَالْخَوْفُ مِنْ حِسَابِهِ، وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ.

-------------------------(٢٣)------------------------

[ الْفَقْرَةِ الْثانية عَشَرَ: مَنَاطُ نَفْيِ عِلْمِ الْغَيْبِ وَالتَّصَرُّفِ الذَّاتِيِّ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ (١) لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ (٢) لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ (٣) السُّوءُ (٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ (٥) وَبَشِيرٌ (٦) لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الْأَعْرَاف: ١٨٨].

---------------------------::::------:--

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) سَوْقُ الْآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ بَشَرِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِتَأْكِيدِ عَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِالنَّفْعِ وَالضَّرِّ. وَضُبِطَتِ الْآيَةُ فِي نُسْخَتِنَا (ج) بِمُرَاعاةِ الْوَقْفِ التَّامِّ عِنْدَ قَوْلِهِ «إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ» لِيَتَبَيَّنَ مَنَاطُ الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) لَا أَمْلِكُ (الْمِلْكُ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْمَلْكِ) وَهُوَ شَدَّةُ الشَّيْءِ وَإِحْكَامُهُ. الْحَدُّ: انْتِفَاءُ الْقُدْرَةِ الذَّاتِيَّةِ عَلَى التَّصَرُّفِ الِاسْتِقْلَالِيِّ.

(٢) الْغَيْبَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْغَيْبُوبَةِ) وَهُوَ كُلُّ مَا خَفِيَ عَنِ الْحَوَاسِّ. التَّأْصِيلُ: عِلْمُ الْغَيْبِ خَصِيصَةٌ رُبُوبِيَّةٌ.

[تَقْسِيمُ الْغَيْبِ]:

١. الْغَيْبُ الْمُطْلَقُ: هُوَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، لَا مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَمِنْهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ الْخَمْسُ (وَقْتُ السَّاعَةِ، نُزُولُ الْغَيْثِ، مَا فِي الْأَرْحَامِ، كَسْبُ الْغَدِ، مَكَانُ الْمَوْتِ).

٢. الْغَيْبُ النِّسْبِيُّ: هُوَ مَا كَانَ غَائِبًا عَنْ بَعْضِ الْخَلْقِ دُونَ بَعْضٍ؛ فَهُوَ غَيْبٌ عَمَّنْ لَمْ يَحْضُرْهُ وَشَهَادَةٌ لِمَنْ حَضَرَهُ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ يُطْلِعُ رُسُلَهُ عَلَى بَعْضِ أُمُورِ الْغَيْبِ بِالْوَحْيِ، فَيَصِيرُ عِنْدَهُمْ شَهَادَةً وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ غَيْبٌ.

(٣) مَسَّنِيَ (الْمَسُّ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ الْإِصَابَةِ الْمُبَاشِرَةِ.

(٤) السُّوءُ: الِاشْتِقَاقُ ضِدُّ السُّرُورِ، وَهُوَ كُلُّ مَا يَغُمُّ الْإِنْسَانَ مِنَ الْمَكْرُوهِ.

(٥) نَذِيرٌ (الْإِنْذَارُ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ الْإِعْلَامِ مَعَ التَّخْوِيفِ.

(٦) بَشِيرٌ (الْبِشَارَةُ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِمَا يُسِرُّ وَيَظْهَرُ عَلَى بَشَرَةِ الْوَجْهِ.

[الْفَرْقُ بَيْنَ النِّذَارَةِ وَالْبِشَارَةِ]:

النِّذَارَةُ: إِخْبَارٌ عَنْ مَخُوفٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ لِيُؤْخَذَ الْحِذْرُ مِنْهُ، وَهِيَ تَكُونُ لِلْعُصَاةِ وَالْكَافِرِينَ لِتَخْوِيفِهِمْ مِنَ الْعِقَابِ.

الْبِشَارَةُ: إِخْبَارٌ عَنْ مَحْبُوبٍ قَبْلَ حُصُولِهِ لِيُفْرَحَ بِهِ، وَهِيَ تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِتَرْغِيبِهِمْ فِي الثَّوَابِ. وَالرَّسُولُ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِتَحْقِيقِ مَقَامِ (الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ).

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (الْأَعْرَاف: ١٨٨):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُفَوِّضَ الْأُمُورَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا مَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.. وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ مَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ". [تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج٣، ص٥١٩].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: يُؤَكِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَقْطَعُ عِرْقَ الشِّرْكِ؛ فَإِذَا كَانَ سَيِّدُ الْخَلْقِ ﷺ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً، فَكَيْفَ بِمَنْ دُونَهُ؟ [تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص٣١٠].

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْمِلْكِ): "الْمِلْكُ الِاسْتِقْلَالِيُّ حَقٌّ لِلَّهِ وَحْدَهُ".

٢. نُكْتَةُ (لَوْ): "لَوْ" لِلِامْتِنَاعِ؛ أَيِ امْتَنَعَ الِاسْتِكْثَارُ لِامْتِنَاعِ عِلْمِ الْغَيْبِ.

٣. ضَابِطُ (نَفْعًا وَلَا ضَرًّا): تَنْكِيرُهُمَا يُفِيدُ الْعُمُومَ.

---------------------------(٢٤)--------------------------

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: مَنَاطُ إِفْرَادِ التَّوَكُّلِ وَالْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَمِنْ نَوْعِ هَذَا الشِّرْكِ (١): التَّوَكُّلُ وَالصَّلَاةُ وَالنَّذْرُ (٢) وَالذَّبْحُ (٣) لِغَيْرِ اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاعْبُدْهُ (٤) وَتَوَكَّلْ (٥) عَلَيْهِ} [هُود: ١٢٣]).

--------------------------------

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ): «وَمِنْ نَوْعِ هَذَا الشِّرْكِ»، وَفِي (ب): «وَمِنْ أَمْثِلَةِ صَرْفِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِاتِّسَاقِهِ مَعَ تَبْوِيبِ الْمُؤَلِّفِ السَّابِقِ. وَفِي ذِكْرِ الْأَعْمَالِ، زَادَتْ (ب) لَفْظَ «وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ»، بَيْنَمَا اكْتَفَتْ (أ) بِأُمَّهَاتِ الْعِبَادَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ مَا اعْتَمَدْنَاهُ فِي (ج).

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) التَّوَكُّلُ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْوَكْلِ) وَهُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ فِي الْأَمْرِ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٦، ص١٣٦].

الْحَدُّ الْجَامِعُ: صِدْقُ اعْتِمَادِ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ.

التَّأْصِيلُ: التَّوَكُّلُ عِبَادَةُ الْقَلْبِ، وَصَرْفُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ شِرْكٌ أَكْبَرُ.

(٢) النَّذْرُ:

الِاشْتِقَاقُ: الْإِيجَابُ، وَمِنْهُ نَذَرَ دَمَهُ أَيْ أَبَاحَهُ وَأَوْجَبَهُ. [لِسَانُ الْعَرَبِ، ج٥، ص٢٠٥].

الْحَدُّ الْجَامِعُ: إِلْزَامُ الْمُكَلَّفِ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِعَمَلٍ غَيْرِ وَاجِبٍ تَعْظِيماً لَهُ.

التَّأْصِيلُ: النَّذْرُ عِبَادَةٌ، فَمَنْ نَذَرَ لِقَبْرٍ أَوْ وَلِيٍّ فَقَدْ أَوْجَبَ حَقَّ اللَّهِ لِغَيْرِهِ.

(٣) الذَّبْحُ:

الِاشْتِقَاقُ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ: إِرَاقَةُ الدَّمِ تَقَرُّباً وَتَعْظِيماً.

التَّأْصِيلُ: الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ مَخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ».

(٤) فَاعْبُدْهُ (الْعِبَادَةُ):

الِاشْتِقَاقُ: التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ. [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٨، ص٤١٥].

الْحَدُّ الْجَامِعُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ.

التَّأْصِيلُ: الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ هُنَا يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ وَتَرْكَ مَا سِوَاهُ.

(٥) وَتَوَكَّلْ:

الِاشْتِقَاقُ: طَلَبُ الْكِفَايَةِ مِمَّنْ بِيَدِهِ مَقَالِيدُ الْأُمُورِ.

التَّأْصِيلُ: اقْتِرَانُ التَّوَكُّلِ بِالْعِبَادَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ أَرْكَانِهَا الْبَاطِنَةِ.

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (هُود: ١٢٣):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "أَيْ: أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ، وَاعْتَمِدْ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ؛ فَإِنَّهُ كَافٍ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَأَنَابَ إِلَيْهِ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}". [تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج٤، ص٣٦٠].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: يُبَيِّنُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِأَمْرَيْنِ هُمَا مَدَارُ الدِّينِ كُلِّهِ: الْعِبَادَةُ الَّتِي هِيَ الْغَايَةُ، وَالتَّوَكُّلُ الَّذِي هُوَ الْوَسِيلَةُ وَالْمُعِينُ عَلَى أَدَائِهَا؛ فَلَا قِيَامَ لِلْعِبَادَةِ إِلَّا بِالتَّوَكُّلِ، وَلَا قِيمَةَ لِلتَّوَكُّلِ إِلَّا إِذَا كَانَ لِلَّهِ وَفِي طَاعَتِهِ. [تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص٣٩٢].

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْحَصْرِ): تَقْدِيمُ الْعِبَادَةِ ثُمَّ التَّوَكُّلِ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ إِلَّا بِإِعَانَةِ رَبِّهِ لَهُ.

٢. نُكْتَةُ (الْإِطْلَاقِ): "وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ" لَمْ يُقَيِّدْهُ بِأَمْرٍ دُونَ أَمْرٍ؛ لِيَشْمَلَ التَّوَكُّلَ فِي جَلْبِ الرِّزْقِ، وَدَفْعِ الضُّرِّ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الدِّينِ.

٣. ضَابِطُ (الشِّرْكِ فِي الْوَسَائِلِ): التَّوَكُّلُ عَلَى الْأَسْبَابِ مَعَ نِسْيَانِ الْمُسَبِّبِ قَدْ يَقَعُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ مَبْدَأُ الشِّرْكِ.

٤. فَائِدَةُ (الذَّبْحِ وَالنَّذْرِ): خَصَّهُمَا الْمُؤَلِّفُ بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الشِّرْكِ فِيهِمَا عِنْدَ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ.

------------------------(٢٥)----------------------

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: مَنَاطُ إِفْرَادِ النُّسُكِ وَالْيَقِينِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

وَقَالَ تَعَالَى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الْفُرْقَان: ٥٨]. وَقَالَ تَعَالَى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إِبْرَاهِيم: ١٢]. وَقَالَ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ (١) عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (٢) وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ... وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ (٣)} [الْمَائِدَة: ٣]. وَقَالَ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٤)} [الْكَوْثَر: ٢]. وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الْأَنْعَام: ١٦٢].

---------------------------------

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) سَوْقُ الْآيَاتِ لِتَقْرِيرِ إِفْرَادِ الذَّبْحِ لِلَّهِ بَعْدَ التَّوَكُّلِ، وَفِي (ب) زَادَتْ بَعْدَ آيَةِ الْكَوْثَرِ بَيَانَ سَبَبِ النُّزُولِ مُخْتَصَراً، وَالْمُثْبَتُ فِي (ج) هُوَ نَصُّ الْمُؤَلِّفِ الْمُجَرَّدِ لِلِاسْتِدْلَالِ.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) حُرِّمَتْ (التَّحْرِيمُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْحَرَمِ) وَهُوَ الْمَنْعُ وَالتَّضْيِيقُ.

الْحَدُّ: مَا طَلَبَ الشَّارِعُ كَفَّ النَّفْسِ عَنْهُ طَلَباً جَازِماً.

التَّأْصِيلُ: التَّحْرِيمُ حَقٌّ لِلَّهِ، وَتَحْرِيمُ هَذِهِ الْأَعْيَانِ لِمَا فِيهَا مِنْ رِجْسٍ حِسِّيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ (كَالذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ).

(٢) الْمَيْتَةُ:

الِاشْتِقَاقُ: مَا زَالَتْ رُوحُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ.

الْحَدُّ: كُلُّ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ قُتِلَ بِغَيْرِ شُرُوطِ الذَّبْحِ.

(٣) النُّصُبِ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (النَّصْبِ) وَهُوَ الشَّيْءُ الْمَنْصُوبُ الثَّابِتُ. [مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٥، ص٤٣٥].

الْحَدُّ: حِجَارَةٌ كَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَنْصِبُونَهَا وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا تَعْظِيماً لَهَا.

التَّأْصِيلُ: الذَّبْحُ عِنْدَ النُّصُبِ شِرْكٌ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لِمَكَانٍ أَوْ صَنَمٍ بِالْقُرْبَانِ.

(٤) انْحَرْ (النَّحْرُ):

الِاشْتِقَاقُ: طَعْنُ الْبَعِيرِ فِي (مَنْحَرِهِ) وَهُوَ لَبَّةُ الصَّدْرِ.

الْحَدُّ: إِرَاقَةُ الدَّمِ تَقَرُّباً لِلَّهِ فِي الْأَضَاحِي وَالْهَدَايَا.

التَّأْصِيلُ: جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالنَّحْرِ لِأَنَّهُمَا أَجَلُّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ.

(ثَالِثًا) التَّفَاسِيرُ (٨ تَفَاسِيرَ):

١. آيَةُ الْفُرْقَان (٥٨):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير: أَيْ: لِيَكُنِ اعْتِمَادُكَ عَلَى مَنْ هُوَ بَاقٍ لَا يَزُولُ، الصَّمَدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، وَدَعْ مَنْ يَمُوتُ فَلَا نَفْعَ فِيهِ.

تَفْسِيرُ السَّعْدِي: أَمْرٌ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى مَنْ لَهُ الْحَيَاةُ الْكَامِلَةُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى مَيْتٍ (كَالْقُبُورِ) أَوْ مَنْ يَمُوتُ (كَالْبَشَرِ) فَقَدْ ضَيَّعَ أَمْرَهُ.

٢. آيَةُ إِبْرَاهِيم (١٢):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير: أَيْ: مَهْمَا كَانَ مِنَ الْأَذَى فَاللَّهُ حَسْبُنَا، وَعَلَيْهِ وَحْدَهُ يَعْتَمِدُ مَنْ عَرَفَ كَمَالَ سُلْطَانِهِ.

تَفْسِيرُ السَّعْدِي: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ طَرِيقُ الرُّسُلِ، وَهُوَ الَّذِي يَدْفَعُ كَيْدَ الْأَعْدَاءِ وَيَشْرَحُ الصُّدُورَ.

٣. آيَةُ الْمَائِدَة (٣):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير: ذَكَرَ أَنَّ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ أَوْ عِنْدَهَا هُوَ رِجْسٌ، وَاللَّهُ حَرَّمَهُ لِإِبْطَالِ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ الشِّرْكِيَّةِ.

تَفْسِيرُ السَّعْدِي: بَيَّنَ أَنَّ التَّحْرِيمَ يَشْمَلُ مَا أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ لِفَسَادِ النِّيَّةِ، وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ لِفَسَادِ الْمَكَانِ وَالْمَقْصِدِ.

٤. آيَةُ الْكَوْثَر (٢):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير: أَيْ: كَمَا أَعْطَيْنَاكَ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ، فَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ صَلَاتَكَ وَذَبِيحَتَكَ، خِلَافاً لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِغَيْرِهِ وَيَذْبَحُونَ لِغَيْرِهِ.

تَفْسِيرُ السَّعْدِي: خَصَّ هَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ وَإِيثَارِ مَرْضَاتِهِ بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ.

٥. آيَةُ الْأَنْعَام (١٦٢):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير: أَيْ: جَمِيعُ أَفْعَالِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ فِي حَيَاتِي وَمَا يُخْتَمُ لِي بِهِ، هُوَ مِلْكٌ لِلَّهِ خَالِصاً لَا شَرِيكَ لَهُ.

تَفْسِيرُ السَّعْدِي: هَذِهِ الْآيَةُ تُقَرِّرُ شُمُولِيَّةَ الْعِبَادَةِ؛ فَالنُّسُكُ (الذَّبِيحَةُ) وَالْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ كُلُّهَا يَجِبُ أَنْ تَنْصَرِفَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

(رَابِعًا) الْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْحَيَاةِ): "التَّوَكُّلُ لَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ"، فَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى مَيْتٍ فِي حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ.

٢. ضَابِطُ (الذَّبِيحَةِ): الذَّبْحُ يَفْسُدُ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: (١) ذِكْرُ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهَا. (٢) قَصْدُ غَيْرِ اللَّهِ بِهَا (وَإِنْ سَمَّى اللَّهَ). (٣) الذَّبْحُ فِي مَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ (النُّصُبُ).

٣. نُكْتَةُ (فَصَلِّ... وَانْحَرْ): تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ لِذَاتِهَا دَائِماً، وَالنَّحْرُ شُكْرٌ عَلَى نِعَمٍ مَخْصُوصَةٍ.

٤. فَائِدَةُ (الْوَلَاءِ): قَوْلُهُ "لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ فِي الْعُمُرِ مِلْكٌ لِلَّهِ، فَلَا مَكَانَ فِيهَا لِصَرْفِ شَيْءٍ لِغَيْرِهِ.

------------------------(٢٦)----------------------

[الْفَقْرَةُ الْخَامِسَةَ عَشَرَ: مَنَاطُ الشِّرْكِ فِي التَّشْرِيعِ وَالِاتِّبَاعِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَمِنْ نَوْعِ هَذَا الشِّرْكِ: تَحْلِيلُ (١) مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَتَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ (٢) اللَّهُ، وَاعْتِقَادُ ذَلِكَ. فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ (٣) وَرُهْبَانَهُمْ (٤) أَرْبَابًا (٥) مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التَّوْبَة: ٣١]).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ): «وَاعْتِقَادُ ذَلِكَ»، وَفِي (ب): «وَطَاعَتُهُمْ فِي ذَلِكَ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الِاعْتِقَادِ. وَفِي خَاتِمَةِ السِّياقِ، اتَّفَقَتِ النُّسْخَتَانِ عَلَى ذِكْرِ التَّنْزِيهِ «سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) تَحْلِيلُ (الْحَلَالُ): مِنَ (الْحَلِّ) وَهُوَ انْحِلَالُ عُقْدَةِ الْمَنْعِ. التَّأْصِيلُ: التَّحْلِيلُ حَقٌّ رُبُوبِيٌّ مَحْضٌ.

(٢) أَحَلَّ: جَعْلُ الشَّيْءِ مَأْذُوناً فِيهِ شَرْعاً.

(٣) أَحْبَارَهُمْ (الْحِبْرُ): جَمْعُ حِبْرٍ، وَهُوَ الْعَالِمُ الْمُتَقَدِّمُ فِي دِينِ الْيَهُودِ.

(٤) رُهْبَانَهُمْ (الرَّاهِبُ): جَمْعُ رَاهِبٍ، وَهُوَ الْمُنْقَطِعُ لِلْعِبَادَةِ فِي دِينِ النَّصَارَى.

(٥) أَرْبَابًا (الرُّبُوبِيَّةُ): السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِمُزَاحَمَتِهِمْ حَقَّ اللَّهِ فِي الْحُكْمِ.

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (التَّوْبَة: ٣١):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: أَوْرَدَ حَدِيثَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حَيْثُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟» قَالَ: بَلَى. قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ». فَبَيَّنَ أَنَّ الْعِبَادَةَ هُنَا هِيَ الطَّاعَةُ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ. [ج٤، ص١٣٦].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: ذَكَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ نَصَّبُوا الْبَشَرَ مَقَامَ الْخَالِقِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَقَبِلُوا قَوْلَهُمْ بِمُجَرَّدِهِ دُونَ رُجُوعٍ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَهَذَا هُوَ اتِّخَاذُهُمْ أَرْبَاباً، لِأَنَّ التَّشْرِيعَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ. [ص٣٣٤].

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الطَّاعَةِ): "الطَّاعَةُ الْمُطْلَقَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ"، وَطَاعَةُ الْعُلَمَاءِ تَبَعٌ لَا اسْتِقْلَالٌ.

٢. ضَابِطُ (شِرْكِ التَّشْرِيعِ): مَنْ أَقَرَّ لِأَحَدٍ بِحَقِّ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ خِلَافاً لِلنَّصِّ فَقَدْ جَعَلَهُ رَبًّا.

٣. نُكْتَةُ (سُبْحَانَهُ): أَعْقَبَ ذِكْرَ الشِّرْكِ بِالتَّنْزِيهِ لِيُبَيِّنَ بَرَاءَةَ ذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي حُكْمِهِ.

٤. فَائِدَةُ (الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ): بَيَانُ أَنَّ الْغُلُوَّ فِي الصَّالِحِينَ يُؤَدِّي إِلَى عِبَادَتِهِمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، سَوَاءً كَانَتْ عِبَادَةَ نُسُكٍ أَوْ طَاعَةٍ.

--------------------------(٢٧)-----------------------

[الْفَقْرَةُ السَّادِسَةَ عَشَرَ: بَيَانُ حَقِيقَةِ اتِّخَاذِ الْأَرْبَابِ بِالطَّاعَةِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَعْبُدُهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا أَحَلُّوا الْحَرَامَ فَأَطَعْتُمُوهُمْ، وَحَرَّمُوا الْحَلَالَ فَأَطَعْتُمُوهُمْ؟». قَالَ: بَلَى. قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» (٢). وَأَحْبَارُهُمْ وَرُهْبَانُهُمْ: عُلَمَاؤُهُمْ وَعُبَّادُهُمْ. وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ رُبُوبِيَّتَهُمْ، بَلْ يَقُولُونَ: رَبُّنَا وَرَبُّهُمُ اللَّهُ، وَلَكِنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ؛ فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عِبَادَةً. فَمَنْ أَطَاعَ إِنْسَانًا عَالِمًا أَوْ عَابِدًا أَوْ غَيْرَهُ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ أَوْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ (٣) وَاعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ؛ فَقَدِ اتَّخَذَهُ رَبًّا).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ): «مَا نَعْبُدُهُمْ»، وَفِي (ب): «لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِمُوَافَقَتِهِ لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي مَسْنَدِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ. وَفِي قَوْلِهِ «عَالِمًا أَوْ عَابِدًا»؛ زَادَتْ (ب): «أَوْ حَاكِمًا»، بَيْنَمَا اكْتَفَتْ (أ) بِذِكْرِ الْأَصْنَافِ الْمُقَابِلَةِ لِلْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ، وَهُوَ مَا اعْتَمَدْنَاهُ.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، وَهُوَ مَنْ سَأَلَ عَنِ الْآيَةِ لِإِشْكَالِ مَعْنَى "الْعِبَادَةِ" عِنْدَهُ بِمَفْهُومِ السُّجُودِ فَقَطْ.

(٢) أَحَلُّوا... وَحَرَّمُوا:

التَّأْصِيلُ: الْإِحْلَالُ وَالتَّحْرِيمُ مِنْ خَصَائِصِ "الْحَاكِمِيَّةِ" وَالرُّبُوبِيَّةِ، وَصَرْفُهَا لِلْبَشَرِ تَأْلِيهٌ لَهُمْ.

(٣) فَأَطَعْتُمُوهُمْ (الطَّاعَةُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الطَّوْعِ) وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَتَرْكُ الْإِكْرَاهِ.

الْحَدُّ: قَبُولُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَتَنْفِيذُهُ.

(٤) الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ:

الْحَدُّ: (الْأَحْبَارُ) هُمُ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِي الْفَتْوَى، وَ(الرُّهْبَانُ) هُمُ الزُّهَّادُ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ.

(٥) اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ:

التَّأْصِيلُ: هُنَا مَنَاطُ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ؛ أَيْ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ لِهَذَا الْعَالِمِ أَوِ الْعَابِدِ الْحَقَّ فِي التَّشْرِيعِ مَعَ اللَّهِ.

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (التَّوْبَة: ٣١):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: يُقَرِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ طَاعَةَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ لَيْسَتْ طَاعَةً بَشَرِيَّةً مُجَرَّدَةً، بَلْ هِيَ "عِبَادَةٌ" إِذَا تَرَكَ الْمَرْءُ قَوْلَ اللَّهِ لِقَوْلِهِمْ، وَهَذَا لَمَّا كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَعْتَبِرُونَ أَقْوَالَ عُلَمَائِهِمْ نُصُوصاً مُقَدَّسَةً تُبَدِّلُ الشَّرِيعَةَ. [ج٤، ص١٣٦].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُوحَ الدِّينِ هُوَ الِاتِّبَاعُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ مَنْ غَلَا فِي عَالِمٍ أَوْ عَابِدٍ حَتَّى صَيَّرَهُ نِدًّا لِلَّهِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فَقَدْ نَقَضَ عَهْدَ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ اتِّخَاذَهُمْ أَرْبَاباً يَعْنِي جَعْلَهُمْ مَشْرِعِينَ. [ص٣٣٤].

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (مَفْهُومِ الْعِبَادَةِ): الْعِبَادَةُ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى السُّجُودِ وَالذَّبْحِ، بَلْ "الطَّاعَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي التَّشْرِيعِ" عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ.

٢. نُكْتَةُ (الِاعْتِقَادِ): لَمْ يَشْتَرِطِ اللَّهُ لِتَسْمِيَتِهِمْ "أَرْبَاباً" أَنْ يَعْتَقِدَ الْأَتْبَاعُ أَنَّهُمْ خَلَقُوا الْكَونَ، بَلْ كَفَى أَنْ يُطِيعُوهُمْ فِي تَبْدِيلِ الْأَحْكَامِ.

٣. ضَابِطُ (طَاعَةِ الْعُلَمَاءِ): يُطَاعُ الْعَالِمُ مَالَمْ يُخَالِفِ النَّصَّ، فَإِنْ خَالَفَهُ مَعَ عِلْمِ الْمُتَّبِعِ بِذَلِكَ كَانَ اتِّبَاعُهُ قَدْحاً فِي التَّوْحِيدِ.

٤. فَائِدَةُ (بَلْ يَقُولُونَ رَبُّنَا اللَّهُ): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشِّرْكَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنْ بَابِ الِاتِّبَاعِ وَالْغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.

----------------------(٢٨)---------------------

(٣) تَخْرِيجُ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَدِرَاسَةُ أَسَانِيدِهِ:

أَصْلُ التَّخْرِيجِ:

أخرجه الترمذي في "سننه" (٣٠٩٥)، وابن جرير في "تفسيره" (١٦٦٣١)، والطبراني في "الكبير" (١٧/٩٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/١١٦). مدار الحديث على (عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم).

عِلَّةُ الْحَدِيثِ:

أشار النقاد إلى أنَّ (غطيف بن أعين) فيه لين، وقال عنه الحافظ ابن حجر في "التقريب": "ضعيف". ولذا أعلَّه بعض المتقدمين بضعف غطيف.

أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ وَالْمُحَقِّقِينَ فِي التَّصْحِيحِ وَالتَّضْعِيفِ:

الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر: صَحَّحَ الحديث في تحقيقه لـ "تفسير الطبري"، واعتبر سنده حسناً لانتضاده بشواهده.

الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: حَسَّنَ الحديث في "صحيح سنن الترمذي" (٣٠٩٥) وفي "غاية المرام" (٦)، وقال: "والحديث بمجموع طرقه حسن".

الشَّيْخُ شُعَيْب الْأَرْنَاؤُوط: ذكره في تعليقه على "المسند" وأشار إلى ضعف غطيف، لكنه بيَّن أن المعنى صحيح ومشهور في كتب التفسير.

الشَّيْخُ مُقْبِل بْن هَادِي الْوَادِعِيُّ: ذكره في "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين" (٤/٣٠٨) وصححه، واعتبره حجة في بابه.

الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ الْيَمَانِيُّ: أشار في "التنكيل" إلى قوة معنى الحديث وتلقي العلماء له بالقبول في مقام التفسير.

الشَّوَاهِدُ وَالْمُتَابَعَاتُ:

للحديث شاهد من مرسل (أبي البختري) أخرجه ابن جرير، ومرسل (حذيفة بن اليمان) عند الطبري أيضاً بلفظ: "أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلُّوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه".

هذه المراسيل والشواهد هي التي جعلت المحدثين (كالألباني وأحمد شاكر) يرفعون الحديث إلى درجة (الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ) أو (الصَّحِيحِ)، خاصة وأن المعنى مجمع عليه عند المفسرين في تفسير آية التوبة.

(رَابِعًا) الْفَوَائِدُ الْعَقَدِيَّةُ مِنَ التَّخْرِيجِ:

١. قَاعِدَةُ (التَّلَقِّي): الحديث وإن كان في سنده مقال يسير، إلا أن "تلقي الأمة له بالقبول" في باب الاعتقاد والتفسير يرفعه لمقام الاحتجاج.

٢. تحقيق مَنَاطِ "الْعِبَادَةِ": التخريج يثبت أن النبي ﷺ أراد نقل عدي بن حاتم من المفهوم الضيق للعبادة (السجود) إلى المفهوم الواسع (الانقياد والتشريع).

٣. الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ: بصحة هذا الحديث يتبين بطلان حصر الشرك في عُبَّاد الأصنام فقط، بل يشمل كل من اتُّبِع في تبديل شرع الله.

-----------------------------(٢٨)--------------------

[الْفَقْرَةُ السَّابِعَةَ عَشَرَ: مَنَاطُ التَّلْبِيسِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ؛ الْمَيْتَةُ مَنْ قَتَلَهَا؟ قَالَ: «اللَّهُ». قَالُوا: كَيْفَ تَجْعَلُونَ قَتْلَكُمْ أَنْتُمْ وَأَصْحَابُكُمْ حَلَالًا، وَقَتْلَ اللَّهِ حَرَامًا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الْأَنْعَام: ١٢١]).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ وَالتَّخْرِيجِ:

الْمُقَابَلَةُ: اتَّفَقَتِ النُّسْخَتَانِ (أ) وَ(ب) عَلَى سَوْقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَسَبَبٍ لِنُزُولِ الْآيَةِ، وَفِي (ب) زِيَادَةُ: «قَالُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ».

التَّخْرِيجُ: هَذَا الْأَثَرُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "سُنَنِهِ" (٢٨١٨)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٠٦٩)، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي "تَفْسِيرِهِ" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-.

حُكْمُ الْمُحَدِّثِينَ:

الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر: صَحَّحَهُ فِي تَحْقِيقِ "عُمْدَةِ التَّفْسِيرِ".

الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: صَحَّحَهُ فِي "صَحِيحِ أَبِي دَاوُدَ" (٢٨١٨).

الشَّيْخُ مُقْبِل الْوَادِعِيُّ: أَوْرَدَهُ فِي "الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ" (ص٨٩) وَصَحَّحَهُ.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) الْمَيْتَةُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْمَوْتِ) وَهُوَ زُهُوقُ الرُّوحِ. الْحَدُّ: مَا مَاتَ دُونَ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ.

(٢) لَفِسْقٌ (الْفِسْقُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْفَسَقِ) وَهُوَ خُرُوجُ النَّوَاةِ مِنَ الرُّطَبَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ.

التَّأْصِيلُ: وَصَفَ اللَّهُ أَكْلَ الْمَيْتَةِ بِالْفِسْقِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْحَدِّ الشَّرْعِيِّ.

(٣) لِيُوحُونَ (الْوَحْيُ الشَّيْطَانِيُّ):

الِاشْتِقَاقُ: الْإِلْقَاءُ الْخَفِيُّ لِلشُّبُهَاتِ فِي صُدُورِ الْأَوْلِيَاءِ.

التَّأْصِيلُ: الشَّيْطَانُ يُلْبِسُ الْبَاطِلَ لِبَاسَ الْمَنْطِقِ (قَتْلُ اللَّهِ) لِيَفْتِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (الْأَنْعَام: ١٢١):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: بَيَّنَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَرَادُوا إِثْبَاتَ التَّنَاقُضِ فِي الشَّرِيعَةِ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ مَا ذَبَحَهُ اللَّهُ (الْمَيْتَةَ) أَوْلَى بِالْأَكْلِ مِمَّا ذَبَحَهُ الْبَشَرُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ مَنَاطَ التَّحْلِيلِ هُوَ (ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ)، وَأَنَّ طَاعَتَهُمْ فِي اسْتِحْلَالِ الْمَيْتَةِ شِرْكٌ مَحْضٌ. [ج٣، ص٣٢٤].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: يُوَضِّحُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ طَاعَةَ الْمُشْرِكِينَ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ هِيَ خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ، لِأَنَّ الْمُطِيعَ لَهُمْ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَهَذَا سِرُّ قَوْلِهِ: {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}، أَيْ مُشْرِكُونَ فِي الطَّاعَةِ وَالتَّشْرِيعِ. [ص٢٧١].

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْجِدَالِ): "الْمُجَادَلَةُ فِي ثَوَابِتِ الشَّرْعِ بِالْمَقَايِيسِ الْعَقْلِيَّةِ الْفَاسِدَةِ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ".

٢. نُكْتَةُ (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ "شِرْكَ الطَّاعَةِ" يُسَاوِي شِرْكَ الْعِبَادَةِ فِي الْحُكْمِ، لِأَنَّ كِلَيْهِمَا اتِّخَاذُ نِدٍّ مَعَ اللَّهِ.

٣. ضَابِطُ (التَّسْمِيَةِ): ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ وَبَيْنَ الْمَيْتَةِ، فَالْمَنَاطُ تَعَبُّدِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ مَحْضٌ.

٤. فَائِدَةُ (أَوْلِيَائِهِمْ): وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِالْوِلَايَةِ لِلشَّيْطَانِ لِأَنَّهُمْ قَبِلُوا وَحْيَهُ وَعَارَضُوا بِهِ وَحْيَ الرَّحْمَنِ.

--------------------------(٢٩)---------------------

[الْفَقْرَةُ الثَّامِنَةَ عَشَرَ: مَنَاطُ الشِّرْكِ فِي الْعُكُوفِ عِنْدَ الْقُبُورِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَمِنْ نَوْعِ هَذَا الشِّرْكِ: الِاعْتِكَافُ (١) عَلَى قُبُورِ الْمَشْهُورِينَ بِالنُّبُوَّةِ أَوْ الصُّحْبَةِ (٢) أَوْ الْوِلَايَةِ (٣)، وَشَدُّ الرِّحَالِ (٤) إِلَى زِيَارَتِهَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ الصَّالِحَ (٥) وَبَرَكَتَهُ (٦) وَدُعَاءَهُ (٧)، فَيَعْكِفُونَ عَلَى قَبْرِهِ وَيَقْصِدُونَ (٨) ذَلِكَ؛ فَتَارَةً يَسْأَلُونَهُ (أي: صَاحِبَ الْقَبْرِ)، وَتَارَةً يَسْأَلُونَ اللَّهَ عِنْدَهُ، وَتَارَةً يُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ عِنْدَ قَبْرِهِ).

---------------------------------

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «الِاعْتِكَافُ»، وَفِي (ب) لَفْظُ «الْعُكُوفُ»، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، لَكِنَّ الْمُثْبَتَ فِي (أ) أَنْسَبُ لِوُصُوفِ الْعِبَادَةِ. وَفِي خَاتِمَةِ الْفَقْرَةِ زَادَتْ (ب) بَيَانَ عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِهَا عِيدًا.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

(١) الِاعْتِكَافُ: لُزُومُ الشَّيْءِ وَالْإِقَامَةُ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ. التَّأْصِيلُ: هُوَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ لَا تَجُوزُ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ لِلَّهِ وَحْدَهُ.

(٢) الصُّحْبَةِ: مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُؤْمِنًا بِهِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ.

(٣) الْوِلَايَةِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْوَلْيِ) وَهُوَ الْقُرْبُ، وَالْوَلِيُّ هُوَ الْمُؤْمِنُ التَّقِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}.

(٤) شَدُّ الرِّحَالِ: السَّفَرُ لِقَصْدِ مَكَانٍ بَعِيدٍ تَعَبُّدًا. التَّأْصِيلُ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ.

(٥) الرَّجُلَ الصَّالِحَ: هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ.

(٦) بَرَكَتَهُ (الْبَرَكَةُ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْبِرْكَةِ) لِثُبُوتِ الْمَاءِ فِيهَا، وَالْبَرَكَةُ ثُبُوتُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ.

(٧) دُعَاءَهُ (الدُّعَاءُ):

أَقْسَامُهُ: (أ) دُعَاءُ عِبَادَةٍ: وَهُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ الطَّاعَاتِ. (ب) دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ: وَهُوَ طَلَبُ الْحَاجَاتِ.

(٨) يَقْصِدُونَ (الْقَصْدُ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الِاسْتِقَامَةِ) وَالتَّوَجُّهِ لِلشَّيْءِ، وَالْقَصْدُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ هُوَ مَدَارُ الْإِخْلَاصِ.

(ثَالِثًا) الْأَحْكَامُ الْعَقَدِيَّةُ الثَّلَاثَةُ:

الْحُكْمُ الْأَوَّلُ (سُؤَالُ صَاحِبِ الْقَبْرِ):

تَحْرِيرُ الْحُكْمِ: شِرْكٌ أَكْبَرُ مَخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ، وَصَرْفُهَا لِلْمَيِّتِ -مَهْمَا كَانَ مَقَامُهُ- تَأْلِيهٌ لَهُ، وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ.

الْحُكْمُ الثَّانِي (سُؤَالُ اللَّهِ عِنْدَ الْقَبْرِ تَبَرُّكًا):

تَحْرِيرُ الْحُكْمِ: بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ وَوَسِيلَةٌ إِلَى الشِّرْكِ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَ الْقَبْرِ أَفْضَلُ أَوْ أَسْرَعُ إِجَابَةً لَمْ يَرِدْ فِيهِ دَلِيلٌ، وَهُوَ مِمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ الصَّحَابَةُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ.

الْحُكْمُ الثَّالِثُ (الصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ عِنْدَ الْقَبْرِ):

تَحْرِيرُ الْحُكْمِ: مُحَرَّمٌ وَبِدْعَةٌ غَلِيظَةٌ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». فَإِذَا صَلَّى لِلَّهِ عِنْدَ الْقَبْرِ فَقَدْ وَقَعَ فِي النَّهْيِ، وَإِنْ صَلَّى لِلْمَيِّتِ فَقَدْ أَشْرَكَ.

(رَابِعًا) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ وَالسَّعْدِيِّ:

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: يُبَيِّنُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ أَوَّلَ شِرْكٍ وَقَعَ فِي الْأَرْضِ كَانَ بِسَبَبِ "الصَّالِحِينَ" فِي قَوْمِ نُوحٍ لَمَّا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ، فَالْعُكُوفُ هُوَ بَذْرَةُ الْوَثَنِيَّةِ. [ج٣، ص٢٥٦].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: يُؤَكِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْقُبُورَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلْعِبَادَةِ بَلْ لِلِاعْتِبَارِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ لَا الدُّعَاءِ بِهِ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَدْرِجُ النَّاسَ مِنْ مَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ إِلَى عِبَادَتِهِمْ بِتَحْسِينِ الْعُكُوفِ عِنْدَهُمْ. [ص٨٨٩].

(خَامِسًا) النُّكَتُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الذَّرَائِعِ): "مَا أَدَّى إِلَى الْمُحَرَّمِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ"، وَالْعُكُوفُ عِنْدَ الْقُبُورِ أَعْظَمُ ذَرِيعَةٍ لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ.

٢. نُكْتَةُ (بَرَكَتَهُ): الْبَرَكَةُ طَلَبُهَا يَكُونُ فِيمَا أَقَرَّهُ الشَّرْعُ، أَمَّا التَّمَسُّحُ بِالْقُبُورِ فَهُوَ بَرَكَةٌ مَزْعُومَةٌ تَقُودُ لِلشِّرْكِ.

٣. ضَابِطُ (الْمَكَانِ): الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ بَاطِلَةٌ لِلنَّهْيِ الصَّرِيحِ، لِأَنَّ الْمَكَانَ لَا فَضْلَ لَهُ بَلْ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ.

-----------------------(٣٠)---------------------

[الْفَقْرَةُ التَّاسِعَةَ عَشَرَ: مَنَاطُ حِمَايَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَلَمَّا كَانَ هَذَا مَبْدَأَ الشِّرْكِ؛ سَدَّ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْبَابَ فَقَالَ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، وَلَكِنْ كُرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَقَالَ أَيْضًا ﷺ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُ كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي». وَقَالَ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُوجَ»).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَحُدُودُهَا وَتَأْصِيلُهَا:

اللَّعْنُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (اللَّعْنِ) وَهُوَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.

الْيَهُودُ: الِاشْتِقَاقُ مِنْ (هَادُوا) أَيْ رَجَعُوا، أَوْ نِسْبَةً لِيَهُوذا، وَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-.

الْمَسَاجِدَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (السُّجُودِ) وَهُوَ الْخُضُوعُ.

بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ: السُّجُودُ لِلْقَبْرِ أَوْ عِنْدَهُ.

بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ: بِنَاءُ مَسْجِدٍ فَوْقَ الْقَبْرِ أَوْ الصَّلَاةُ فِيهِ لِفَضْلِ الْقَبْرِ.

يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا: قَوْلُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- بَيَّنَ عِلَّةَ اللعْنِ؛ وَهِيَ النَّهْيُ عَنِ الِاقْتِدَاءِ بِفِعْلِهِمْ فِي تَحْوِيلِ الْقُبُورِ إِلَى مَحَالِّ صَلَاةٍ.

عِيدًا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْعَوْدِ) وَهُوَ مَا يُعَادُ إِلَيْهِ وَيُتَكَرَّرُ مِنْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، وَالْمَعْنَى: لَا تَجْعَلُوا زِيَارَةَ قَبْرِي عَادَةً مَخْصُوصَةً بِمَوْعِدٍ فَتَغْلُوا فِيَّ.

زَائِرَاتِ الْقُبُورِ: هُنَّ النِّسَاءُ اللَّاتِي يُكْثِرْنَ الزِّيَارَةَ (عَلَى قَوْلِ مَنْ خَصَّهَا بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ)، وَالرَّاجِحُ شُمُولُ الْأَمْرِ لِجِنْسِ النِّسَاءِ لِمَا قَدْ يَقَعُ مِنْهُنَّ مِنَ النِّيَاحَةِ أَوْ الْفِتْنَةِ.

السُّرُوجَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (السِّرَاجِ) وَهُوَ الْمِصْبَاحُ، وَتُتَّخَذُ بِوَضْعِ الْإِضَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَهُوَ مِنَ التَّبْذِيرِ وَذَرَائِعِ الشِّرْكِ.

(٢) تَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالُ الْمُحَقِّقِينَ:

حَدِيثُ "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ":

التَّخْرِيجُ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٤٣٥) وَمُسْلِمٌ (٥٣١).

الْحُكْمُ: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

حَدِيثُ "لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا":

التَّخْرِيجُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢٠٤٢) وَأَحْمَدُ (٨٨٠٤).

تَصْحِيحُ الْمَشَايِخِ: صَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي "مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ" (٩٢٦)، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ مُقْبِل فِي "الْجَامِعِ الصَّحِيحِ"، وَقَوَّاهُ الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ.

حَدِيثُ "لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالسُّرُوجَ":

التَّخْرِيجُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣٢٣٦) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٢٠).

الْحُكْمُ: صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر فِي "الْمُسْنَدِ"، وَحَسَّنَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي "صَحِيحِ الْجَامِعِ" (٥١٠٩)، بَيْنَمَا ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ (كَالْأَرْنَاؤُوطِ) لِاضْطِرَابٍ فِي سَنَدِهِ، لَكِنَّ مَشَاهِدَهُ تَقْوِي مَعْنَاهُ.

(ثَالِثًا) التَّحْقِيقُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبُلُوغِهَا:

كَيْفَ تَبْلُغُهُ ﷺ: تَصِلُهُ الصَّلَاةُ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

حُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ: وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَمُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ، وَبُلُوغُهَا لَا يَقْتَضِي سُؤَالَهُ ﷺ عِنْدَ الْقَبْرِ، بَلْ صَلَاتُكَ تَبْلُغُهُ وَأَنْتَ فِي أَيِّ مَكَانٍ، وَهَذَا سِرُّ قَوْلِهِ: «حَيْثُ كُنْتُمْ».

(رَابِعًا) الْأَحْكَامُ الْعَقَدِيَّةُ وَالْفِقْهِيَّةُ:

حُكْمُ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ: مُحَرَّمٌ وَمِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ لِلَّعْنِ الْوَارِدِ.

حُكْمُ اتِّخَاذِ الْقَبْرِ عِيدًا: بَاطِلٌ؛ وَالْعِيدُ هُنَا الِاجْتِمَاعُ الْمُتَكَرِّرُ لِلْقَبْرِ بِزَمَانٍ مَعْلُومٍ لِلتَّعَبُّدِ عِنْدَهُ.

حُكْمُ زِيَارَةِ النِّسَاءِ لِلْقُبُورِ:

قَوْلٌ بِالتَّحْرِيمِ الْمُطْلَقِ (لِحَدِيثِ اللَّعْنِ).

قَوْلٌ بِالْكَرَاهَةِ إِذَا أُمِنَتِ النِّيَاحَةُ.

قَوْلٌ بِالْإِبَاحَةِ لِحَدِيثِ "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا"، وَالْأَحْوَطُ تَرْكُ الْإِكْثَارِ (زَوَّارَاتِ).

حُكْمُ إِيقَادِ السُّرُوجِ: مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ وَتَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي تَعْظِيمِ الْقُبُورِ.


---------------------(٣١)------------------------

[الْفَقْرَةُ الْعِشْرُونَ: مَنَاطُ حِمَايَةِ التَّوْحِيدِ بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ وَطَمْسِ الصُّوَرِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَفِي "الْمُوَطَّإِ" عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا (١) يُعْبَدُ». وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَّا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا (٢) إِلَّا سَوَّيْتُهُ (٣)، وَلَا تِمْثَالًا (٤) إِلَّا طَمَسْتُهُ (٥). فَأَمَرَ بِمَسْحِ التَّمَاثِيلِ مِنَ الصُّوَرِ الْمُمَاثِلَةِ عَلَى صُورَةِ الْمَيِّتِ، وَالتَّمَاثِيلِ الشَّاخِصَةِ (٦) الْمُشْرِفَةِ فَوْقَ قَبْرِهِ؛ فَإِنَّ الشِّرْكَ يَحْصُلُ بِهَذَا أَوْ بِهَذَا).

--------------------------------&

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَحْقِيرُ الْمَعَانِي:

(١) وَثَنًا (الْوَثَنُ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْوَثْنِ) وَهُوَ الْإِقَامَةُ وَالثَّبَاتُ عَلَى الشَّيْءِ.

الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّنَمِ وَالْوَثَنِ:

الصَّنَمُ: مَا كَانَ لَهُ صُورَةٌ وَجَسَدٌ مَنْحُوتٌ (عَلَى شَكْلِ بَشَرٍ أَوْ حَيَوانٍ).

الْوَثَنُ: أَعَمُّ مِنَ الصَّنَمِ؛ فَهُوَ كُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ سَوَاءً كَانَ صُورَةً، أَوْ قَبْرًا، أَوْ حَجَرًا، أَوْ شَجَرًا.

النِّسْبَةُ بَيْنَهُمَا: عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ؛ فَكُلُّ صَنَمٍ وَثَنٌ، وَلَيْسَ كُلُّ وَثَنٍ صَنَمًا.

(٢) مُشْرِفًا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الشَّرَفِ) وَهُوَ الْعُلُوُّ، وَالْمُشْرِفُ هُوَ الْقَبْرُ الْمُرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ بِالْبِنَاءِ أَوْ التَّعْلِيَةِ الظَّاهِرَةِ.

(٣) سَوَّيْتُهُ: أَيْ جَعَلْتُهُ مُسَاوِيًا لِلْأَرْضِ فِي عَدَمِ الِارْتِفَاعِ، أَوْ بَقِيَ مِنْهُ قَدْرُ شِبْرٍ لِيُعْرَفَ أَنَّهُ قَبْرٌ فَلَا يُوطَأُ.

(٤) تِمْثَالًا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْمُمَاثَلَةِ)، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ صُوِّرَ عَلَى خَلْقِ ذِي رُوحٍ.

(٥) طَمَسْتُهُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الطَّمْسِ) وَهُوَ مَحْوُ الْأَثَرِ؛ وَالْمَعْنَى: مَسْحُ مَعَالِمِ الْوَجْهِ وَالصُّورَةِ حَتَّى لَا تَتَبَيَّنَ.

(٦) الشَّاخِصَةِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الشُّخُوصِ) وَهُوَ الِارْتِفَاعُ وَالظُّهُورُ، وَيُقْصَدُ بِهَا التَّمَاثِيلُ الْمُجَسَّمَةُ الَّتِي لَهَا ظِلٌّ.

(٢) تَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالُ الْمُحَقِّقِينَ:

حَدِيثُ "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا":

التَّخْرِيجُ: رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّإِ" (١/١٥٠) مُرْسَلًا عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ.

أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ: صَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي "تَحْذِيرِ السَّاجِدِ" (ص٢٥) بِشَوَاهِدِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر فِي تَحْقِيقِ "الْمُسْنَدِ": "سَنَدُهُ صَحِيحٌ رَغْمَ إِرْسَالِهِ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ".

حَدِيثُ عَلِيٍّ "أَلَّا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا":

التَّخْرِيجُ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (٩٦٩).

الْحُكْمُ: (صَحِيحٌ).

(ثَالِثًا) تَحْقِيقُ جُمَلِ الْمُؤَلِّفِ:

"مَسْحُ التَّمَاثِيلِ مِنَ الصُّورِ الْمُمَاثِلَةِ عَلَى صُورَةِ الْمَيِّتِ": يَعْنِي إِزَالَةَ الصُّورِ الْمَنْقُوشَةِ (ذَاتِ الْبُعْدَيْنِ) الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الْقُبُورِ أَوْ الجُدْرَانِ لِتُذَكِّرَ بِصَاحِبِ الْقَبْرِ، لِأَنَّهَا بَدَايَةُ التَّعَلُّقِ وَالْغُلُوِّ.

"التَّمَاثِيلُ الشَّاخِصَةُ الْمُشْرِفَةُ فَوْقَ قَبْرِهِ": يَقْصِدُ التَّمَاثِيلَ الْمَنْحُوتَةَ (ذَاتِ الْأَبْعَادِ) الَّتِي تُنْصَبُ كَنُصُبٍ تِذْكَارِيَّةٍ عَلَى الْقُبُورِ، وَهِيَ أَشَدُّ فِتْنَةً.

"الشِّرْكَ يَحْصُلُ بِهَذَا أَوْ بِهَذَا": مَعْنَاهُ أَنَّ ذَرِيعَةَ الشِّرْكِ تَتَحَقَّقُ سَوَاءً كَانَتِ الصُّورَةُ مَنْقُوشَةً (مَسْحُ الصُّوَرِ) أَوْ كَانَ الْقَبْرُ مُرْتَفِعًا مَبْنِيًّا (تَسْوِيَةُ الْمُشْرِفِ)؛ فَالْكُلُّ يُؤَدِّي إِلَى تَعْظِيمِ الْمَخْلُوقِ وَصَرْفِ الْقَلْبِ لِغَيْرِ الْخَالِقِ.

(رَابِعًا) الْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (سَدِّ الذَّرَائِعِ): أَمَرَ الشَّارِعُ بِهَدْمِ مَا بَنَاهُ النَّاسُ تَعْظِيمًا لِلْقُبُورِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى شِرْكٍ مَحْضٍ.

٢. نُكْتَةُ (الْوَثَنِ): اسْتِعَاذَةُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ وَثَنًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَبْرَ قَدْ يُعْبَدُ، وَقَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ بِأَنْ حَاطَهُ بِالْجُدْرَانِ.

٣. ضَابِطُ (التَّسْوِيَةِ): السُّنَّةُ فِي الْقُبُورِ أَنْ لَا تُرْفَعَ وَلَا يُبْنَى عَلَيْهَا، وَكُلُّ مَا رُفِعَ وَجَبَ نَقْضُهُ.

----------------------(٣٢)-------------------

[الْفَقْرَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: فِقْهُ الْفَارُوقِ فِي مَحْوِ ذَرَائِعِ الْفِتْنَةِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَبَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ قَوْمًا يَذْهَبُونَ إِلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ تَحْتَهَا؛ فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا. وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ ظَهَرَ بِتُسْتَرَ قَبْرُ دَانِيَالَ (١)، وَعِنْدَهُ مُصْحَفٌ فِيهِ أَخْبَارُ مَا سَيَكُونُ وَفِيهِ أَخْبَارُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُمْ إِذَا أَجْدَبُوا كَشَفُوا عَنِ الْقَبْرِ فَمُطِرُوا؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْفِرُوا فِي النَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا، وَيَدْفِنُوهُ بِاللَّيْلِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِئَلَّا يَعْرِفَهُ النَّاسُ فَيُفْتَنُوا بِهِ).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) «ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا»، وَفِي (ب) «قُبُورًا كَثِيرَةً»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ أَدَقُّ فِي حِكَايَةِ الْقِصَّةِ كَمَا رَوَاهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

(٢) تَحْقِيقُ الْوَقَائِعِ وَأَقْوَالُ الْمُحَدِّثِينَ:

أَوَّلًا: قِصَّةُ قَطْعِ الشَّجَرَةِ (شَجَرَةِ الرِّضْوَانِ):

التَّخْرِيجُ: رَوَاهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "الْمُصَنَّفِ" (٧/٧٠٧) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ.

أَقْوَالُ الْمُحَقِّقِينَ:

الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: صَحَّحَهَا فِي "تَحْذِيرِ السَّاجِدِ" (ص٦٨) وَاعْتَبَرَهَا مِنْ أَعْظَمِ أَدِلَّةِ سَدِّ الذَّرَائِعِ.

الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر: وَصَفَ فِعْلَ عُمَرَ بِأَنَّهُ مَحْضُ التَّوْحِيدِ وَأَنَّ السَّنَدَ لَا مَطْعَنَ فِيهِ.

الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ: اسْتَدَلَّ بِهَا كَثِيرًا عَلَى وُجُوبِ إِزَالَةِ مَا يُتَبَرَّكُ بِهِ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.

ثَانِيًا: قِصَّةُ قَبْرِ دَانِيَالَ:

التَّخْرِيجُ: رَوَاهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (٧/٣٩٠) وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّلَائِلِ" بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أَبِي مُوسَى.

أَقْوَالُ الْمُحَقِّقِينَ:

الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ الْيَمَانِيُّ: أَشَارَ إِلَى ثُبُوتِهَا وَاعْتَبَرَ تَصَرُّفَ عُمَرَ رَدًّا حَاسِمًا عَلَى مَنْ يَسْتَشْفِعُونَ بِالْقُبُورِ.

الشَّيْخُ مُقْبِل الْوَادِعِيُّ: ذَكَرَهَا فِي "الْمُصَارَعَةِ" وَغَيْرِهَا وَصَحَّحَ سِيَاقَهَا عَنِ الصَّحَابَةِ.

الشَّيْخُ شُعَيْب الْأَرْنَاؤُوط: حَسَّنَ بَعْضَ طُرُقِهَا فِي تَعْلِيقَاتِهِ التَّارِيخِيَّةِ وَأَكَّدَ أَنَّ الْقِصَّةَ مَشْهُورَةٌ تَلَقَّاهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ.

(٣) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

دَانِيَالَ (١): هُوَ أَحَدُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ بِاسْمِهِ، لَكِنْ جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ عَنِ الصَّحَابَةِ.

تُسْتَرَ: مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ مِنْ بِلَادِ خُوزِسْتَانَ (إِيرَانُ حَالِيًّا)، فُتِحَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ.

أَجْدَبُوا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْجَدْبِ) وَهُوَ انْقِطَاعُ الْمَطَرِ وَيُبْسُ الْأَرْضِ.

فَيُفْتَنُوا (الْفِتْنَةُ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْفَتْنِ) وَهُوَ عَرْضُ الذَّهَبِ عَلَى النَّارِ لِيُعْلَمَ جَوْدَتُهُ، وَالْمَعْنَى هُنَا: الْوُقُوعُ فِي الشِّرْكِ بِسَبَبِ التَّعَلُّقِ بِالْمَيِّتِ.

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ وَالسَّعْدِيِّ (بِالْمَعْنَى الْمُوَافِقِ لِلْآثَارِ):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: نَقَلَ قِصَّةَ دَانِيَالَ فِي "الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ" مُحْتَجًّا بِهَا عَلَى أَنَّ شَرِيعَتَنَا جَاءَتْ بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ وَتَعْفِيَةِ آثَارِهَا لِقَطْعِ دَابِرِ الشِّرْكِ، وَأَنَّ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ تستر هُوَ مِنْ بَقَايَا عِلَلِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ. [ج٢، ص٤٠].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: يُؤَصِّلُ مِنْ هَذِهِ الْوَقَائِعِ قَاعِدَةً مَفَادُهَا أَنَّ كُلَّ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ جَمَادٍ خُشِيَ مِنْهُ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْ يُعَظَّمَ بِمَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ؛ فَالْوَاجِبُ إِزَالَتُهُ رَحْمَةً بِالْخَلْقِ. [ص٨٩٠].

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (إِزَالَةِ الْمَحْبُوبَاتِ لِأَجْلِ التَّوْحِيدِ): قَطَعَ عُمَرُ الشَّجَرَةَ رَغْمَ أَنَّهَا شَجَرَةُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، لِأَنَّ بَقَاءَ التَّوْحِيدِ أَوْلَى مِنْ بَقَاءِ الْأَثَرِ التَّارِيخِيِّ إِذَا صَارَ ذَرِيعَةً لِلشِّرْكِ.

٢. نُكْتَةُ (تَغْيِيبِ الْقَبْرِ): دَفْنُ دَانِيَالَ فِي مَكَانٍ مَجْهُولٍ سُنَّةٌ عُمَرِيَّةٌ لِمَنْعِ اتِّخَاذِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ.

٣. ضَابِطُ (الِاسْتِسْقَاءِ): كَشْفُهُمْ عَنِ الْقَبْرِ لِيُمْطَرُوا كَانَ مِنْ ضَلَالِهِمْ، فَمَحَاهُ عُمَرُ لِيَعْلَمُوا أَنَّ السُّقْيَا مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا بِسَبَبِ جَسَدِ الْمَيِّتِ.

٤. فَائِدَةُ (١٣ قَبْرًا): اخْتِيَارُ هَذَا الْعَدَدِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْمِيَةِ وَإِخْفَاءِ الْمَكَانِ تَمَامًا، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الذَّكَاءِ فِي حِمَايَةِ الْعَقِيدَةِ.

-----------------------(٣٣)--------------------

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: مَنَاطُ حِمَايَةِ الْبِقَاعِ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَاتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِنْ لَمْ يُبْنَ عَلَيْهَا مَسْجِدٌ. وَلَمَّا كَانَ اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ وَبِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا مُحَرَّمًا؛ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَكَانَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَغَارَةِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا وَهِيَ مَسْدُودَةٌ لَا أَحَدَ يَدْخُلُهَا، وَلَا شَدَّ الصَّحَابَةُ الرِّحَالَ إِلَيْهِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَقَابِرِ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا». فَكَانَ مَنْ يَأْتِي مِنْهُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى يُصَلُّونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ، لَا يَأْتُونَ مَغَارَةَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا غَيْرَهَا. وَكَانَتْ مَسْدُودَةً حَتَّى اسْتَوْلَى النَّصَارَى عَلَى الشَّامِ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ وَجَعَلُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ كَنِيسَةً، وَلَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبِلَادَ اتَّخَذَهُ بَعْضُ النَّاسِ مَسْجِدًا وَأَهْلُ الْعِلْمِ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْبُقْعَةُ وَأَمْثَالُهَا لَمْ يَكُنِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ يَقْصِدُونَهَا؛ فَإِنَّهَا مَحَلُّ الشِّرْكِ، وَلِهَذَا تُوجَدُ فِيهَا الشَّيَاطِينُ كَثِيرًا، وَقَدْ رَآهُمْ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ يَتْلُونَ لَهُمُ الْغَيْبَ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ غَائِبُونَ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَإِنَّمَا هُمْ جِنٌّ، وَالْجِنُّ يُسَمَّوْنَ رِجَالًا؛ قَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الْجِن: ٦]).

----------------------------

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

الْمَغَارَةِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْغَوْرِ) وَهُوَ الدُّخُولُ فِي الْأَرْضِ، وَهِيَ النَّقْبُ فِي الْجَبَلِ.

الْخَلِيلُ: هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ، وَالْخُلَّةُ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمَحَبَّةِ.

يَتْلُونَ لَهُمُ الْغَيْبَ: أَيْ يُخْبِرُونَهُمْ بِأُمُورٍ مَاضِيَةٍ أَوْ مُسْتَقْبَلَةٍ عَنْ طَرِيقِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ لِيَفْتِنُوهُمْ بِأَنَّ صَاحِبَ الْقَبْرِ هُوَ الْمُخْبِرُ.

رَهَقًا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الرَّهَقِ) وَهُوَ الْغَشَيَانُ بِقُوَّةٍ، وَالْمَعْنَى: زَادُوهُمْ خَوْفًا وَذُلًّا وَإِثْمًا.

(٢) تَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالُ الْمُحَدِّثِينَ:

حَدِيثُ "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ":

التَّخْرِيجُ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١١٨٩) وَمُسْلِمٌ (١٣٩٧).

أَقْوَالُ الْمُحَقِّقِينَ: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَصَحَّحَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ مَنَاطَهُ فِي سَدِّ ذَرِيعَةِ السَّفَرِ لِلْقُبُورِ تَعَبُّدًا.

(٣) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (الْجِن: ٦):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: ذَكَرَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا إِذَا نَزَلُوا وَادِيًا قَالُوا: "نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْوَادِي مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ"، فَزَادَهُمُ الْجِنُّ (رَهَقًا) أَيْ طُغْيَانًا وَخَوْفًا، لِأَنَّ الْجِنَّ لَمَّا رَأَوْهُمْ يَعُوذُونَ بِهِمْ تَعَاظَمُوا فِي أَنْفُسِهِمْ. [ج٨، ص٢٤٠].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا تَزِيدُ الْإِنْسَانَ إِلَّا ضَعْفًا وَرُعْبًا، وَأَنَّ رِجَالَ الْجِنِّ يَفْرَحُونَ بِخُضُوعِ الْإِنْسِ لَهُمْ. [ص٨٩٠].

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْمَكَانِ): "الْمَكَانُ الَّذِي عُبِدَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ مَحَلُّ سَخَطٍ وَتَوَاجُدٍ لِلشَّيَاطِينِ"، لِذَا كَرِهَ الصَّلَفُ الصَّلَاةَ فِي مَسَاجِدِ الْقُبُورِ.

٢. نُكْتَةُ (الرِّجَالِ): صَرَّحَ الْقُرْآنُ بِأَنَّ لِلْجِنِّ رِجَالًا، وَهَذَا لِيُبَيِّنَ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَتَمَثَّلُ بِصُورَةِ رَجُلٍ صَالِحٍ (غَائِبٍ) لِيُضِلَّ عُبَّادَ الْقُبُورِ.

٣. ضَابِطُ (مَغَارَةِ الْخَلِيلِ): بَقَاؤُهَا مَسْدُودَةً فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ أَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ تَعْظِيمَ مَشَاهِدِ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، بَلْ هُوَ مِنْ شَعَائِرِ النَّصَارَى.

٤. فَائِدَةُ (تَلَاوَةِ الْغَيْبِ): إِخْبَارُ الشَّيْطَانِ بِالْمُغَيَّبَاتِ عِنْدَ الْقَبْرِ لَيْسَ كَرَامَةً لِلْمَيِّتِ، بَلْ هُوَ مَكْرٌ شَيْطَانِيٌّ لِيَصْرِفَ النَّاسَ عَنِ التَّوْحِيدِ.

-----------------------------(٣٤)---------------------------

[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: مَنَاطُ الْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فِي حِمَايَةِ التَّوْحِيدِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَمَا حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ (١) وَأَمْثَالِهَا؛ يُنَافِي مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْ كَمَالِ التَّوْحِيدِ، وَإِحْيَاءِ الدِّينِ، وَسَدِّ أَبْوَابِ الشِّرْكِ (٢) الَّتِي يَفْتَحُهَا الشَّيْطَانُ).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «الْخُرَافَاتِ»، وَفِي (ب) لَفْظُ «الْمُحْدَثَاتِ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ أَوْصَفُ لِحَالِ التَّعَلُّقِ بِالْقُبُورِ وَالْأَوْهَامِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا فِي الدِّينِ. وَفِي خِتَامِ الْفَقْرَةِ زَادَتْ (ب): «لِيُضِلَّ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

(١) الْخُرَافَاتِ:

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْخُرَافَةِ)، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ اسْتَهْوَتْهُ الْجِنُّ، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِمَا رَأَى فَيُكَذِّبُهُ النَّاسُ وَيَقُولُونَ: "حَدِيثُ خُرَافَةَ". [تَاجُ الْعَرُوسِ، ج٢٣، ص٢٤٩].

الْحَدُّ الْجَامِعُ: كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ بَاطِلٍ مُسْتَمْلَحٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْأَوْهَامِ الْعَقَدِيَّةِ.

(٢) كَمَالِ التَّوْحِيدِ:

التَّأْصِيلُ: التَّوْحِيدُ لَهُ (أَصْلٌ) وَهُوَ مَا يَنْجُو بِهِ الْعَبْدُ مِنَ الشِّرْكِ، وَ(كَمَالٌ) وَهُوَ تَصْفِيَتُهُ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ وَبِدْعَةٍ وَذَرِيعَةٍ؛ وَبَعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَتْ لِتَحْقِيقِ الْقَدْرَيْنِ.

(٣) سَدِّ أَبْوَابِ الشِّرْكِ:

الِاشْتِقَاقُ: (السَّدُّ) هُوَ إِغْلَاقُ الْخَلَلِ وَالْمَنْعُ مِنَ النُّفُوذِ.

التَّأْصِيلُ: هَذَا مَا يُعْرَفُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بـ (سَدِّ الذَّرَائِعِ)، وَهُوَ مَنَعُ الْمُبَاحِ إِذَا أَفْضَى إِلَى مُحَرَّمٍ، فَكَيْفَ بِالْمُحْدَثَاتِ!

(ثَالِثًا) التَّحْقِيقُ الْعِلْمِيُّ (أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ):

الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر: بَيَّنَ فِي تَعْلِيقَاتِهِ عَلَى كُتُبِ التَّوْحِيدِ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَتَدَرَّجُ مَعَ الْأُمَّةِ، فَيَبْدَأُ بِالْبِدْعَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ ثُمَّ يَنْتَهِي بِهِمْ إِلَى الشِّرْكِ الصُّرَاحِ، وَأَنَّ رَدَّ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ هُوَ جِهَادٌ عِلْمِيٌّ.

الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: أَكَّدَ فِي "التَّوَسُّلِ" أَنَّ تَطْهِيرَ الدِّينِ مِنَ الْخُرَافَاتِ هُوَ "التَّصْفِيَةُ"، وَتَرْبِيَةُ النَّاسِ عَلَى التَّوْحِيدِ الصَّافِي هِيَ "التَّرْبِيَةُ"، وَهُمَا رُكْنَا النَّهْضَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.

الشَّيْخُ مُقْبِل الْوَادِعِيُّ: كَانَ يُقَرِّرُ دَائِمًا أَنَّ الْخُرَافَةَ إِذَا دَخَلَتْ مِنْ بَابِ "الْكَرَامَةِ" الْمَزْعُومَةِ، خَرَجَ التَّوْحِيدُ مِنْ بَابِ "الِاتِّبَاعِ".

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ الْبِدَعِ وَالشِّرْكِ): "كُلُّ خُرَافَةٍ فِي الدِّينِ هِيَ بَرِيدٌ لِلشِّرْكِ"؛ لِأَنَّهَا تَصْرِفُ الْقَلْبَ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالْخَالِقِ إِلَى التَّعَلُّقِ بِالْمَوْهُومِ.

٢. نُكْتَةُ (إِحْيَاءِ الدِّينِ): سَمَّى الْمُؤَلِّفُ رَدَّ الْخُرَافَاتِ "إِحْيَاءً"؛ لِأَنَّ الْخُرَافَةَ تُمِيتُ السُّنَّةَ، فَإِذَا ذَهَبَتِ الظُّلْمَةُ بَدَا نُورُ الْوَحْيِ.

٣. ضَابِطُ (أَبْوَابِ الشَّيْطَانِ): الشَّيْطَانُ لَا يَفْتَحُ بَابَ الشِّرْكِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ بِمَدْحِ الصَّالِحِينَ ثُمَّ الْعُكُوفِ ثُمَّ الدُّعَاءِ، وَالْعَاصِمُ هُوَ الْعِلْمُ بِمَا جَاءَ بِهِ ﷺ.

٤. فَائِدَةُ (يُنَافِي): النَّفْيُ هُنَا يَقْتَضِي التَّضَادَّ؛ فَلَا يَجْتَمِعُ تَوْحِيدٌ كَامِلٌ مَعَ قَبُولِ الْخُرَافَاتِ وَالْبِدَعِ الشِّرْكِيَّةِ.


------------------------(٣٥)----------------------

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْجَهْلِ بِالسُّنَّةِ وَتَعْظِيمِ الْمَشَاهِدِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَلِهَذَا يُوجَدُ مَنْ كَانَ أَبْعَدَ عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَمَعْرِفَةِ الْإِسْلَامِ؛ أَكْثَرَهُمْ تَعْظِيمًا لِمَوَاضِعِ الشِّرْكِ. فَالْعَارِفُونَ لِلسُّنَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْلَى بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ، وَأَهْلُ الْجَهْلِ بِذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ. وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي الرَّافِضَةِ (١) أَكْثَرُ مِمَّا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَجْهَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَأَكْثَرُ شِرْكًا وَبِدَعًا. وَلِهَذَا يُعَظِّمُونَ الْمَشَاهِدَ (٢) وَيُخْرِبُونَ الْمَسَاجِدَ؛ فَالْمَسَاجِدُ لَا يُصَلُّونَ فِيهَا جُمُعَةً وَلَا جَمَاعَةً، وَأَمَّا الْمَشَاهِدُ فَيُعَظِّمُونَهَا حَتَّى يَرَوْا زِيَارَتَهَا أَوْلَى مِنَ الْحَجِّ).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «الْمَشَاهِدَ»، وَفِي (ب) «الْمَقَابِرَ وَالْأَضْرِحَةَ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّ "الْمَشْهَدَ" هُوَ الِاسْمُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ أَهْلُ الْبِدَعِ لِتَسْوِيغِ شَدِّ الرِّحَالِ إِلَيْهَا. وَفِي خِتَامِ الْفَقْرَةِ زَادَتْ (ب): «وَيُفَضِّلُونَهَا عَلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

(١) الرَّافِضَةِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الرَّفْضِ) وَهُوَ التَّرْكُ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِرَفْضِهِمْ إِمَامَةَ الشَّيْخَيْنِ (أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ)، وَرَفْضِهِمْ لِزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ لَمَّا تَرَضَّى عَنْهُمَا.

(٢) الْمَشَاهِدَ: جَمْعُ مَشْهَدٍ، الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الشُّهُودِ)، وَهِيَ الْأَبْنِيَةُ الْمُقَامَةُ عَلَى الْقُبُورِ الَّتِي يُزْعَمُ أَنَّ فِيهَا مَشْهَدًا لِقَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ.

(٣) يُخْرِبُونَ الْمَسَاجِدَ: الْإِخْرَابُ هُنَا "مَعْنَوِيٌّ" بِتَرْكِ عِمَارَتِهَا بِالطَّاعَةِ وَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَ"حِسِّيٌّ" بِإِهْمَالِهَا مُقَابِلَ الِاهْتِمَامِ بِزَخْرَفَةِ الْمَشَاهِدِ.

(٤) أَوْلَى مِنَ الْحَجِّ: أَيْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ ثَوَابَ زِيَارَةِ الضَّرِيحِ يَعْدِلُ أَوْ يَفُوقُ ثَوَابَ حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الِانْحِرَافِ.

(ثَالِثًا) التَّحْقِيقُ الْعِلْمِيُّ (أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ):

الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر: بَيَّنَ فِي تَعْلِيقَاتِهِ أَنَّ الرَّافِضَةَ هُمْ أَصْلُ كُلِّ بَلَاءٍ دَخَلَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي بَابِ الْقُبُورِ، وَأَنَّ مَذْهَبَهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْجَهْلِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ.

الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: أَكَّدَ فِي "تَحْذِيرِ السَّاجِدِ" أَنَّ تَعْظِيمَ الْمَشَاهِدِ تَرَافَقَ تَارِيخِيًّا مَعَ ضَعْفِ السُّلْطَانِ الْإِسْلَامِيِّ وَظُهُورِ الدُّوَلِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي أَحْيَتْ سُنَنَ الْجَاهِلِيَّةِ.

الشَّيْخُ مُقْبِل الْوَادِعِيُّ: كَانَ يُقَرِّرُ فِي كُتُبِهِ (كَالرِّيَاضِ الْمُسْتَطَابَةِ) أَنَّ الرَّافِضَةَ لَا يُعَمِّرُونَ الْمَسَاجِدَ لِأَنَّ مَسَاجِدَ الْمُسْلِمِينَ تُذَكِّرُهُمْ بِالصَّحَابَةِ، فَهَرَبُوا إِلَى الْمَشَاهِدِ لِيُمَارِسُوا فِيهَا شِرْكِيَّاتِهِمْ بَعِيدًا عَنِ الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ.

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْعِلْمِ وَالتَّوْحِيدِ): "كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ عِلْمًا بِالسُّنَّةِ ازْدَادَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَتَحْقِيقًا لِلتَّوْحِيدِ"، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ.

٢. نُكْتَةُ (تَعْظِيمِ الْمَشَاهِدِ): الِاهْتِمَامُ بِالْمَشَاهِدِ هُوَ عَيْنُ مَا ذَمَّهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَالرَّافِضَةُ هُمْ وَرَثَةُ هَذَا الْمَسْلَكِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ.

٣. ضَابِطُ (عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ): الْمَسَاجِدُ بُنِيَتْ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْبُقْعَةَ الَّتِي فِيهَا قَبْرٌ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ؛ فَقَدْ ضَاهَى فِعْلَ الْمُشْرِكِينَ.

٤. فَائِدَةُ (الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ): تَعْطِيلُ الرَّافِضَةِ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ (بِحُجَّةِ غَيْبَةِ الْإِمَامِ) هُوَ الَّذِي جَعَلَهُمْ يَرْهَبُونَ الْمَسَاجِدَ وَيَأْنَسُونَ بِالْمَشَاهِدِ الشَّيْطَانِيَّةِ.

------------------------(٣٦)----------------------

[الْفَقْرَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: مَنَاطُ الِاتِّبَاعِ فِي تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَتْبَعَ لِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ كَانَ أَكْمَلَ تَوْحِيدًا لِلَّهِ وَإِخْلَاصًا لِدِينِهِ، وَإِذَا بَعُدَ عَنْ مُتَابَعَتِهِ نَقَصَ مِنْ دِينِهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ. فَإِذَا أَكْثَرَ بُعْدَهُ عَنْهُ؛ ظَهَرَ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ مَا لَا يَظْهَرُ فِيمَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ لِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ. وَاللَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِالْعِبَادَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَأَثْنَى عَلَى عِمَارَتِهَا؛ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التَّوْبَة: ١٨]، وَلَمْ يَقُلْ مَشَاهِدَ اللَّهِ. وَأَمَّا نَفْسُ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ؛ وَذَلِكَ كَمَا قَالَ ﷺ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

أَتْبَعَ (الِاتِّبَاعُ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ (التَّبَعِ) وَهُوَ السَّيْرُ خَلْفَ الشَّيْءِ، وَالْمَعْنَى: لُزُومُ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فِعْلًا وَتَرْكًا.

يَعْمُرُ (الْعِمَارَةُ):

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْعُمْرِ) وَهُوَ الْبَقَاءُ، وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ نَوْعَانِ:

عِمَارَةٌ حِسِّيَّةٌ: بِالْبِنَاءِ وَالتَّرْمِيمِ.

عِمَارَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ: (وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْآيَةِ) بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالِاعْتِكَافِ الشَّرْعِيِّ.

الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ: (الْبَرُّ) هُوَ التَّقِيُّ الطَّائِعُ، وَ(الْفَاجِرُ) هُوَ الْمُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَعَاصِي، وَقَدْ يَبْنِي الْمَسْجِدَ رِيَاءً أَوْ طَلَبًا لِلذِّكْرِ، وَالْحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِنَفْعِ الْبِنَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ.

(٢) تَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالُ الْمُحَدِّثِينَ:

حَدِيثُ "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا":

التَّخْرِيجُ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٤٥٠) وَمُسْلِمٌ (٥٣٣) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

الْحُكْمُ: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

زِيَادَةُ التَّحْقِيقِ: زَادَ ابْنُ مَاجَهْ (٧٣٨) وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: «وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ» (أَيْ عُشِّ طَائِرٍ)، لِلدَّلَالَةِ عَلَى فَضْلِ الْقَلِيلِ مِنَ الْبِنَاءِ إِذَا كَانَ لِلَّهِ.

(ثَالِثًا) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (التَّوْبَة: ١٨):

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: نَقَلَ عَنِ السَّلَفِ أَنَّ عِمَارَةَ الْمَسَاجِدِ لَا تَكُونُ بِالتَّطَاوُلِ فِي الْبِنَاءِ وَالزَّخْرَفَةِ فَقَدْ، بَلْ بِالطَّاعَةِ، وَشَهَادَةُ اللَّهِ لِلْعَامِرِ بِالْإِيمَانِ هِيَ أَعْظَمُ تَزْكِيَةٍ، وَهَذَا يَخُصُّ الْمَسَاجِدَ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ. [ج٤، ص١٢١].

تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ قَصْرَ الْعِمَارَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ بَنَوْا أَوْ رَمَّمُوا فَلَيْسَتْ عِمَارَتُهُمْ بِعِمَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ، لِأَنَّ شَرْطَ الْقَبُولِ التَّوْحِيدُ. [ص٣٣٠].

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (التَّنَاسُبِ الطَّرْدِيِّ): "كُلَّمَا قَوِيَ الِاتِّبَاعُ قَوِيَ التَّوْحِيدُ، وَكُلَّمَا نَقَصَ الِاتِّبَاعُ دَخَلَ النَّقْصُ فِي الْإِخْلَاصِ"؛ فَالْبِدْعَةُ هِيَ ثُغْرَةُ الشِّرْكِ.

٢. نُكْتَةُ (مَسَاجِدَ اللَّهِ لَا مَشَاهِدَ اللَّهِ): هَذَا تَدْقِيقٌ لَطِيفٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ؛ فَإِضَافَةُ الْمَسَاجِدِ لِلَّهِ لِلشَّرَفِ وَلِأَنَّهَا مَحَلُّ تَوْحِيدِهِ، أَمَّا الْمَشَاهِدُ فَهِيَ مَحَلُّ الشِّرْكِ، فَلَمْ يَصِحَّ نِسْبَتُهَا لِلَّهِ تَشْرِيفًا.

٣. ضَابِطُ (بِنَاءِ الْفَاجِرِ): نَفْعُ الْمَسْجِدِ يَتَعَدَّى لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُمْنَعُ بِنَاؤُهُ مِنَ الْعَاصِي، لَكِنَّ الثَّوَابَ مَنُوطٌ بِالنِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ.

٤. فَائِدَةُ (نَقَصَ مِنْ دِينِهِ): فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ، فَالْإِيمَانُ وَالدِّينُ يَنْقُصَانِ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالْوُقُوعِ فِي الْبِدَعِ.

--------------------------(٣٧)-----------------------

[الْفَقْرَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: مَنَاطُ الزَّيْفِ فِي الْمَشَاهِدِ وَدَفْنِ الْأَئِمَّةِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (ثُمَّ كَثِيرٌ مِنَ الْمَشَاهِدِ أَوْ أَكْثَرُهَا كَذِبٌ؛ كَالَّذِي بِالْقَاهِرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّ الرَّأْسَ لَمْ يُحْمَلْ إِلَى هُنَاكَ. وَكَذَلِكَ مَشْهَدُ عَلِيٍّ؛ إِنَّمَا حَدَثَ فِي دَوْلَةِ بَنِي بُوَيْهِ. قَالَ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ: وَقَبْرُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَعَلِيٌّ إِنَّمَا دُفِنَ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ. وَدُفِنَ مُعَاوِيَةُ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ بِدِمَشْقَ، وَدُفِنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ بِمِصْرَ؛ خَوْفًا عَلَيْهِمْ إِذَا دُفِنُوا فِي الْمَقَابِرِ أَنْ تَنْبُشَهُمُ الْخَوَارِجُ (١)).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) «كَذِبٌ»، وَفِي (ب) «بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ التَّعَمُّدَ فِي اخْتِلَاقِ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ لِأَغْرَاضٍ سِيَاسِيَّةٍ وَعَقَدِيَّةٍ. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ ذِكْرِ قَصْرِ الْإِمَارَةِ بِمِصْرَ: «لِئَلَّا يَقَعَ مَا لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

مَشْهَدُ (الْمَشَاهِدُ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ الشُّهُودِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْبِنَاءِ الَّذِي يُعْلَمُ مَكَانُهُ لِيُزَارَ، وَأَكْثَرُهَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لَا قَبْرَ تَحْتَهَا.

دَوْلَةِ بَنِي بُوَيْهِ: دَوْلَةٌ رَافِضِيَّةٌ بَاطِنِيَّةٌ سَيْطَرَتْ عَلَى الْخِلَافَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي أَظْهَرَتْ مَشْهَدَ النَّجَفِ بَعْدَ مِائَتَيْ عَامٍ مِنَ الدَّفْنِ.

قَصْرِ الْإِمَارَةِ: هُوَ مَقَرُّ الْحَاكِمِ وَسَكَنُهُ، وَدَفْنُهُمْ فِيهِ كَانَ لِلتَّعْمِيَةِ وَالْإِخْفَاءِ لِحِمَايَةِ الْأَجْسَادِ.

تَنْبُشَهُمُ (النَّبْشُ): الِاشْتِقَاقُ مِنْ (نَبَشَ) وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ مَا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ دَفْنِهِ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْغُلُوِّ وَالْحِقْدِ.

(٣) التَّحْقِيقُ الْأَوَّلُ: تَرْجَمَةُ فِرْقَةِ الْخَوَارِجِ:

الِاشْتِقَاقُ وَالنَّشْأَةُ: سُمُّوا (خَوَارِجَ) لِخُرُوجِهِمْ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ التَّحْكِيمِ، وَأَصْلُهُمْ مِنْ (ذِي الْخُوَيْصِرَةِ) الَّذِي اعْتَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.

الْمُعْتَ كحقَدُ: تَكْفِيرُ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، وَتَكْفِيرُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَاسْتِحْلَالُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَوُجُوبُ الْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ.

الِانْتِسَابُ: يُنْسَبُونَ إِلَى فِرَقٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا (الْأَزَارِقَةُ، وَالنَّجَدَاتُ، وَالْإِبَاضِيَّةُ)، وَهُمْ "كِلَابُ النَّارِ" كَمَا صَحَّ فِي الْأَخْبَارِ.

(٤) التَّحْقِيقُ الثَّانِي: مَنَاطُ دَفْنِ الصَّحَابَةِ فِي الْقُصُورِ:

عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: اسْتُشْهِدَ بِالْكُوفَةِ، وَدَفَنَهُ ابْنَاهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ لَيْلًا فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ عَمْدًا لِإِخْفَائِهِ عَنِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ هَدَّدُوا بِنَبْشِهِ، وَمَا يُقَالُ إِنَّهُ فِي النَّجَفِ فَإِنَّمَا هُوَ قَبْرُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ كَمَا نَقَلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ.

مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: اتُّبِعَ مَعَهُمَا نَفْسُ الْمَنْهَجِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْخَوَارِجِ كَانَتْ تَتَرَبَّصُ بِهِمْ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهِمْ، فَالْإِخْفَاءُ كَانَ سُنَّةً سِيَاسِيَّةً لِحِمَايَةِ حُرْمَةِ الْمَوْتَى.

(٥) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْمَشَاهِدِ الْمَكْذُوبَةِ): أَكْثَرُ الْقُبُورِ الْمُعَظَّمَةِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لَا أَصْلَ لَهَا بِمَقَايِيسِ الرِّوَايَةِ وَالتَّارِيخِ، وَإِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى مَنَامَاتٍ أَوْ أَهْوَاءٍ سِيَاسِيَّةٍ.

٢. نُكْتَةُ (رَأْسِ الْحُسَيْنِ): ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَأْسَ الْحُسَيْنِ لَمْ يَدْخُلْ مِصْرَ قَطُّ، وَأَنَّ مَا بُنِيَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِلرَّأْسِ، بَلْ هُوَ مِنْ تَمْوِيهِ الْبَاطِنِيَّةِ الْفَاطِمِيِّينَ لِجَذْبِ النَّاسِ إِلَى مَذْهَبِهِمْ.

٣. ضَابِطُ (دَفْنِ الْأَئِمَّةِ): إِخْفَاءُ قُبُورِ الْكِبَارِ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ أَوْ الْعَبَثِ جَائِزٌ، وَهُوَ مِمَّا فَعَلَهُ كِبَارُ الصَّحَابَةِ، فَالْمَقْصُودُ حِمَايَةُ الْجَسَدِ لَا تَعْظِيمُ الْقَبْرِ.

٤. فَائِدَةُ (تَعْظِيمِ الرَّافِضَةِ لِلْمَشَاهِدِ): الَّذِينَ أَظْهَرُوا مَشْهَدَ عَلِيٍّ (بَنُو بُوَيْهِ) فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَجْعَلُوا لِلنَّاسِ قِبْلَةً غَيْرَ الْكَعْبَةِ، وَلِيَصْرِفُوهُمْ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ إِلَى عِبَادَةِ الْقُبُورِ.

-------------------------(٣٨)----------------------

[التَّحْقِيقُ الِاسْتِقْصَائِيُّ لِمَوَاضِعِ دَفْنِ الصَّحَابَةِ وَزَيْفِ الْمَشَاهِدِ]

(أَوَّلًا) تَحْقِيقُ مَوْضِعِ رَأْسِ الْحُسَيْنِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-:

اسْتُشْهِدَ الْإِمَامُ الْحُسَيْنُ يَوْمَ (الْجُمُعَةِ)، الْعَاشِرِ مِنْ (مُحَرَّمٍ)، سَنَةَ (٦١ هـ). وَبَعْدَ مَقْتَلِهِ، حُمِلَ رَأْسُهُ الشَّرِيفُ إِلَى دِمَشْقَ، وَاخْتَلَفَ الْمُؤَرِّخُونَ فِي مَصِيرِهِ، وَالرَّاجِحُ مَا يَلِي:

تَارِيخُ الدَّفْنِ: دُفِنَ الرَّأْسُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فِي (الْبَقِيعِ) بِجِوَارِ أُمِّهِ فَاطِمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- بَعْدَ أَنْ سَيَّرَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى وَالِي الْمَدِينَةِ.

زَيْفُ مَشْهَدِ الْقَاهِرَةِ: إِنَّ الْمَشْهَدَ الْحُسَيْنِيَّ بِالْقَاهِرَةِ لَمْ يُبْنَ إِلَّا فِي عَامِ (٥٤٨ هـ) فِي أَوَاخِرِ الدَّوْلَةِ الْعُبَيْدِيَّةِ (الْفَاطِمِيَّةِ). أَيْ بَعْدَ الِاسْتِشْهَادِ بِـ (٤٨٧) سَنَةً!

تَحْقِيقُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: أَكَّدَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ هَذَا الْمَشْهَدَ مَبْنِيٌّ عَلَى "خُرَافَةٍ" سِيَاسِيَّةٍ، وَذَكَرَ أَنَّ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا "رَأْسَ حِمَارٍ" (بِقَصْدِ التَّمْوِيهِ وَالِاسْتِغْلَالِ الدِّينِيِّ لِلْعَوَامِّ)، إِذْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّأْسَ لَمْ يَدْخُلْ مِصْرَ قَطُّ لَا فِي مَنَامٍ وَلَا فِي يَقَظَةٍ.

(ثَانِيًا) تَحْقِيقُ دَفْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-:

اسْتُشْهِدَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَيْلَةَ (الْجُمُعَةِ)، لِإِحْدَى وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ (رَمَضَانَ)، سَنَةَ (٤٠ هـ).

مَكَانُ الدَّفْنِ: دُفِنَ لَيْلًا بِـ (قَصْرِ الْإِمَارَةِ) بِالْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا عَلَى نَبْشِ قَبْرِهِ إِذَا عَرَفُوهُ. وَقَامَ بِدَفْنِهِ وَتَعْمِيَةِ مَوْضِعِهِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-.

أُكْذُوبَةُ النَّجَفِ: الْمَكَانُ الْمُعَظَّمُ فِي النَّجَفِ لَمْ يَظْهَرْ إِلَّا فِي دَوْلَةِ (بَنِي بُوَيْهٍ) الرَّافِضِيَّةِ حَوَالَيْ سَنَةِ (٣٧٠ هـ). وَقَدْ حَقَّقَ الْعُلَمَاءُ (كَالْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ) أَنَّ هَذَا الْقَبْرَ هُوَ قَبْرُ (الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، حَيْثُ دُفِنَ هُنَاكَ سَنَةَ (٥٠ هـ)، فَادَّعَتِ الرَّافِضَةُ أَنَّهُ عَلِيٌّ لِتَحْوِيلِ النَّاسِ عَنِ الْمَسَاجِدِ إِلَى الْمَشَاهِدِ.

(ثَالِثًا) تَحْقِيقُ دَفْنِ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-:

مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: تُوُفِّيَ فِي (رَجَبٍ) سَنَةَ (٦٠ هـ) بِدِمَشْقَ، وَدُفِنَ بِـ (قَصْرِ الْإِمَارَةِ) الْمَعْرُوفِ بِـ "الْخَضْرَاءِ"، وَلَمْ يُدْفَنْ فِي الْمَقَابِرِ الْعَامَّةِ خَوْفًا مِنْ فَتْكِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ اسْتَحَلُّوا دَمَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا.

عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: تُوُفِّيَ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ (٤٣ هـ) بِمِصْرَ، وَدُفِنَ أَيْضًا بِمَقْرُبَةٍ مِنْ (قَصْرِ الْإِمَارَةِ) عِنْدَ سَفْحِ الْمُقَطَّمِ، وَأُخْفِيَ أَثَرُهُ لِنَفْسِ الْعِلَّةِ؛ وَهِيَ (سَدُّ الذَّرِيعَةِ أَمَامَ نَبْشِ الْخَوَارِجِ).

(رَابِعًا) تَرْجَمَةُ فِرْقَةِ الْخَوَارِجِ:

هِيَ أَوَّلُ فِرْقَةٍ خَرَجَتْ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَصْلُهُمْ مِنْ (بَنِي تَمِيمٍ) حَيْثُ نَشَأَتْ بِاعْتِرَاضِ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ عَلَى قِسْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ.

تَارِيخُ الْخُرُوجِ الْأَكْبَرِ: عَامُ (٣٧ هـ) بَعْدَ مَوْقِعَةِ صِفِّينَ وَرَفْضِهِمْ لِلتَّحْكِيمِ.

الْمُعْتَقَدُ: تَكْفِيرُ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ وَالْحَكَمَيْنِ، وَتَكْفِيرُ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ وَتَخْلِيدُهُمْ فِي النَّارِ، وَاسْتِحْلَالُ السَّيْفِ عَلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ.

أَهَمُّ فِرَقِهِمْ: (الْأَزَارِقَةُ، الصُّفْرِيَّةُ، النَّجَدَاتُ، وَالْإِبَاضِيَّةُ). وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: «كِلَابُ النَّارِ» لِمَا أَحْدَثُوهُ مِنَ الْفِتَنِ وَنَبْشِ الْقُبُورِ وَتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ.

------------------------------(٣٩)---------------------

الْفَقْرَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: 

[مَنَاطُ قَبُولِ الْعَمَلِ (الإِخْلَاصُ وَالصَّوَابُ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَمَلُكَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا عَلَى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ»، وَفِي (ب) «الْقَاعِدَةُ الْجَامِعَةُ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ سَاقَهَا فِي سِيَاقِ تَعْدَادِ الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّوْحِيدِ. وَزَادَتْ (ب) فِي آخِرِهَا: «فَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

خَالِصًا (الْإِخْلَاصُ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْخُلُوصِ) وَهُوَ تَنْقِيَةُ الشَّيْءِ مِمَّا يَشُوبُهُ؛ وَالْمَعْنَى: أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ بِالْعَمَلِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةَ.

صَوَابًا (الصَّوَابُ): الِاشْتِقَاقُ مِنَ (السَّدَادِ) وَمُوَافَقَةِ الْحَقِّ؛ وَالْمَعْنَى: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مُوَافِقًا لِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَحْكَامٍ وَشَرَائِعَ.

شَرِيعَةِ (الشَّرِيعَةُ): الِاشْتِقَاقُ مِنْ (شَرَعَ) أَيْ مَوْرِدُ الشَّارِبَةِ، وَتُطْلَقُ عَلَى مَا سَنَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الدِّينِ لِيَسْلُكُوهُ.

(ثَالِثًا) التَّحْقِيقُ الْعِلْمِيُّ (أَصْلُ الْقَاعِدَةِ):

هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الْمُلْك: ٢]، حَيْثُ قَالَ: «أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ»، قَالُوا: يَا أَبَا عَلِيٍّ، مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ قَالَ: «إِنَّ الْعَمَلَ إِذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا، وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ».

أَقْوَالُ الْمُحَقِّقِينَ:

الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر: بَيَّنَ أَنَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ هُمَا مَقْتَضَى شَهَادَةِ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَشَهَادَةِ (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ).

الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: أَكَّدَ أَنَّ الْإِخْلَاصَ بِلَا مُتَابَعَةٍ (بِدْعَةٌ)، وَالْمُتَابَعَةَ بِلَا إِخْلَاصٍ (نِفَاقٌ)، وَكِلَاهُمَا مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ.

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الشَّرْطَيْنِ): لَا يَنْفَكُّ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ عَنِ الْآخَرِ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ؛ فَالْمُبْتَدِعُ لَا يَنْفَعُهُ إِخْلَاصُهُ، وَالْمُرَائِي لَا تَنْفَعُهُ شَكْلِيَّةُ اتِّبَاعِهِ.

٢. نُكْتَةُ (الْمُتَابَعَةِ): نَصَّ الْمُؤَلِّفُ عَلَى "شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ" لِيُخْرِجَ مَنْ يَتَعَبَّدُونَ بِشَرَائِعَ مَنْسُوخَةٍ أَوْ أَهْوَاءٍ مُخْتَرَعَةٍ.

٣. ضَابِطُ (الْقَبُولِ): الْقَبُولُ مَنُوطٌ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدَيْنِ: (أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَأَنْ لَا نَعْبُدَهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ).

٤. فَائِدَةُ (الْبُطْلَانِ): إِذَا اخْتَلَّ الصَّوَابُ دَخَلَ الْعَمَلُ فِي حَيِّزِ قَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».

-------------------------(٤٠)-------------------

الْفَقْرَةُ الثَّامنة وَالْعِشْرُونَ: 

[مَنَاطُ حُبُوطِ الْعَمَلِ لِفَقْدِ الْمُتَابَعَةِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ :

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعُبَّادِهِمْ: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الْكَهْف: ١٠٣-١٠٤]. 

وَقَالَ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} [الْغَاشِيَة: ٢-٤]. 

وَهَذِهِ الْآيَاتُ لَيْسَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً؛ بَلْ هِيَ فِي كُلِّ مَنْ اجْتَهَدَ فِي عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ قِرَاءَةٍ وَلَيْسَ مُوَافِقًا لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُوَ مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ).

----------------------------------&

(ثَانِيًا) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «قِرَاءَةٍ»، وَفِي (ب) «رِيَاضَةٍ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّ السِيَاقَ يَتَنَاوَلُ مَنْ يَتَعَبَّدُ بِتِلَاوَةٍ أَوْ عِلْمٍ مُحَرَّفٍ، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ ذِكْرِ "عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ": «فِي الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِ هُدًى».

(ثَالِثًا) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

نُنَبِّئُكُمْ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (النَّبَأِ) وَهُوَ الْخَبَرُ ذُو الْفَائِدَةِ الْعَظِيمَةِ، وَفِيهِ تَشْوِيقٌ لِلْمَخَاطَبِ لِمَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ.

الْأَخْسَرِينَ: (اسْمُ تَفْضِيلٍ) مِنَ الْخُسْرَانِ، وَهُوَ ذَهَابُ رَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ مَعًا؛ فَالْعَامِلُ بِلَا سُنَّةٍ بَذَلَ عُمُرَهُ (رَأْسَ مَالِهِ) وَلَمْ يَحْصُلْ عَلَى ثَوَابٍ (رِبْحِهِ).

ضَلَّ سَعْيُهُمْ: (السَّعْيُ) الْمَشْيُ بِحِرْصٍ، وَ(الضَّلَالُ) هُنَا بِمَعْنَى الضَّيَاعِ وَالْبُطْلَانِ، كَمَا يَضِلُّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ فَيَتَلَاشَى.

يَحْسَبُونَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْحُسْبَانِ) وَهُوَ الظَّنُّ الرَّاجِحُ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى غُرُورِ الْمُبْتَدِعِ بِعَمَلِهِ.

خَاشِعَةٌ: (الْخُشُوعُ) الذُّلُّ وَالْخُضُوعُ، وَالْمُرَادُ هُنَا ذُلُّ الْإِهَانَةِ فِي النَّارِ أَوْ ذُلُّ التَّعَبِ فِي الدُّنْيَا بِلَا فَائِدَةٍ.

نَاصِبَةٌ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (النَّصَبِ) وَهُوَ غَايَةُ الْكَدِّ وَالْعَنَاءِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْعَذَابِ أَنْ يَتْعَبَ الْإِنْسَانُ وَيَكُونَ مَصِيرُهُ النَّارَ.

(رَابِعًا) تَحْقِيقُ التَّفَاسِيرِ الْأَرْبَعَةِ (تَفْسِيرَانِ لِكُلِّ آيَةٍ):

أَوَّلًا: آيَةُ الْكَهْفِ {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا}:

١. تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (شَيْخِ الْمُفَسِّرِينَ): رَجَّحَ أَنَّ الْآيَةَ تَعُمُّ كُلَّ مَنْ أَتَى عَمَلًا يَحْسَبُهُ صَوَابًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ الَّذِينَ يَجْتَهِدُونَ فِي دِينِهِمْ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ.

٢. تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (عُمْدَةِ الْمُحَقِّقِينَ): بَيَّنَ أَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الْعَمَلِ (الِاتِّبَاعُ)، وَأَنَّ رَهَابِينَ النَّصَارَى الَّذِينَ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ.

ثَانِيًا: آيَةُ الْغَاشِيَةِ {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ}:

٣. تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ (الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ): نَقَلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ: "عَامِلَةٌ فِي الدُّنْيَا، نَاصِبَةٌ فِي النَّارِ"، أَيْ تَعِبَتْ فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِ هُدًى، فَأَنْصَبَهَا اللَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

٤. تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (التَّفْسِيرِ التَّرْبَوِيِّ): بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ "خَاشِعَةٌ" لِلْمَذَلَّةِ وَالْخِزْيِ، "عَامِلَةٌ" فِي الدُّنْيَا أَعْمَالًا شَاقَّةً، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلَى السُّنَّةِ فَلَمْ تَقْبَلْ، فَصَارَتْ "تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً".

(خَامِسًا) الْفَوَائِدُ وَالنُّكَتُ الْعَقَدِيَّةُ:

١. نُكْتَةُ (الِاجْتِهَادِ الْقَاتِلِ): الِاجْتِهَادُ لَيْسَ مَمْدُوحًا لِذَاتِهِ، بَلْ بِمُوَافَقَتِهِ لِلْحَقِّ؛ فَالشَّيْطَانُ يَفْتَحُ بَابَ "الْعِبَادَةِ الشَّاقَّةِ" لِلْمُبْتَدِعِ لِيَصُدَّهُ عَنِ "الْعِبَادَةِ النَّبَوِيَّةِ".

٢. فَائِدَةُ (مُحْكَمِ الْكِتَابِ): وَصْفُ الْمُؤَلِّفُ لِلْكِتَابِ بِـ (الْمُحْكَمِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَطْعِيَّةٌ لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ وَلَا النَّسْخَ.

٣. قَاعِدَةُ (الْعِبْرَةُ بِالْخَوَاتِيمِ): قَوْلُهُ "تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً" بَعْدَ "عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ" فِيهِ أَعْظَمُ تَخْوِيفٍ لِلْعَابِدِ بِلَا عِلْمٍ؛ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا السَّهَرَ وَالْجُوعَ، وَمِنَ الْآخِرَةِ السَّعِيرَ.

٤. نُكْتَةُ (تَعْمِيمِ الْحُكْمِ): لَمَّا قَالَ "لَيْسَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً" رَدَّ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْوَعِيدَ لَا يَتَنَاوَلُ مَنِ انْتَسَبَ لِلْقِبْلَةِ، بَلِ الضَّلَالُ عَنِ الشَّرِيعَةِ ضَلَالٌ مَهْمَا كَانَ اسْمُ صَاحِبِهِ.

-----------------------(٤١)-----------------

[الْفَقْرَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: مَنَاطُ الِاتِّبَاعِ لَا مَحْضِ الذَّكَاءِ وَالْقُوَّةِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَإِنْ كَانَ لَهُ ذَكَاءٌ وَفِطْنَةٌ، وَفِيهِ زُهْدٌ وَأَخْلَاقٌ؛ فَهَذَا الْعُذْرُ لَا يُوجِبُ السَّعَادَةَ وَالنَّجَاةَ مِنَ الْعَذَابِ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَإِنَّمَا قُوَّةُ الذَّكَاءِ بِمَنْزِلَةِ قُوَّةِ الْبَدَنِ وَقُوَّةِ الْإِرَادَةِ؛ فَالَّذِي يُؤْتَى فَضَائِلَ عِلْمِيَّةً وَإِرَادَةً قَوِيَّةً وَلَيْسَ مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ؛ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُؤْتَى قُوَّةً فِي جِسْمِهِ وَبَدَنِهِ. وَرُوِيَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ؛ يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ»).

---------------------------------&

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «فَضَائِلَ عِلْمِيَّةً»، وَفِي (ب) «قُوًى عَقْلِيَّةً»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ يُرِيدُ مَا يَتَحَصَّلُ لِلْمُبْتَدِعِ مِنْ مَعَارِفَ لَا تَنْفَعُهُ لِعَدَمِ الِاتِّبَاعِ. وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ زَادَتْ (ب): «سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

ذَكَاءٌ (الذَّكَاءُ): الِاشْتِقَاقُ مِنْ (ذَكَتِ النَّارُ) أَيْ اشْتَدَّ لَهَبُهَا؛ وَالْمَعْنَى: حِدَّةُ الْفَهْمِ وَسُرْعَةُ الْإِدْرَاكِ.

الرَّمِيَّةِ: هِيَ الصَّيْدُ الَّذِي يُرْمَى بِالسَّهْمِ (كَالظَّبْيِ وَنَحْوِهِ).

النَّصْلِ: هُوَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي فِي رَأْسِ السَّهْمِ.

الْقِدْحِ: هُوَ خَشَبُ السَّهْمِ قَبْلَ أَنْ يُرَاشَ وَيُرَكَّبَ فِيهِ النَّصْلُ.

الرِّيشِ: مَا يُرَكَّبُ عَلَى السَّهْمِ لِيَسْتَقِيمَ فِي طَيَرَانِهِ.

الْفُوقِ: هُوَ مَوْضِعُ الْوَتَرِ مِنْ رَأْسِ السَّهْمِ.

يَتَمَارَى: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْمِرَاءِ) وَهُوَ الشَّكُّ وَالتَّرَدُّدُ؛ أَيْ يَشُكُّ هَلْ أَصَابَ السَّهْمُ شَيْئًا مِنَ الدَّمِ لِسُرْعَةِ خُرُوجِهِ.

(٣) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَأَقْوَالُ الْمُحَدِّثِينَ:

التَّخْرِيجُ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣٦١٠) وَمُسْلِمٌ (١٠٦٤).

الْحُكْمُ: (صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

قَوْلُ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ: بَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ ضُرِبَ لِلْمَارِقِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الدِّينِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بِلَا أَثَرٍ، لِفَسَادِ عَقِيدَتِهِ رَغْمَ كَثْرَةِ عِبَادَتِهِ.

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْمَوَاهِبِ بِلَا اتِّبَاعٍ): "الذَّكَاءُ بِلَا زَكَاءٍ (أَيْ طَهَارَةٍ بِالسُّنَّةِ) وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ"؛ فَالْعَقْلُ قُوَّةٌ آلِيَّةٌ قَدْ تُسْتَخْدَمُ فِي الْهَدْمِ كَمَا تُسْتَخْدَمُ فِي الْبِنَاءِ.

٢. نُكْتَةُ (تَحْقِيرِ الصَّلَاةِ): إِذَا كَانَ الصَّحَابَةُ -وَهُمْ خَيْرُ الْأُمَّةِ- يَحْقِرُونَ صَلَاتَهُمْ مَعَ صَلَاةِ الْخَوَارِجِ، فَهَذَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَاطِلَ قَدْ يَتَلَبَّسُ بِلِبَاسِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ لِيَفْتِنَ النَّاسَ.

٣. ضَابِطُ (الْقُرْآنِ وَالْحَنَاجِرِ): الْعِبْرَةُ بِتَجَاوُزِ الْعِلْمِ لِلْحَنْجَرَةِ إِلَى الْقَلْبِ لِيُثْمِرَ عَمَلًا وَتَوْحِيدًا، أَمَّا مُجَرَّدُ التِّلَاوَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ الِاعْتِقَادِ فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى صَاحِبِهَا.

٤. فَائِدَةُ (قُوَّةِ الْبَدَنِ): شَبَّهَ الْمُؤَلِّفُ قُوَّةَ الذَّكَاءِ بِقُوَّةِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا (أَدَاةٌ) لَا تَكُونُ مَحْمُودَةً إِلَّا إِذَا وُضِعَتْ فِي مَحَلِّهَا الشَّرْعِيِّ.

-------------------------(٤٣)---------------------

[الْفَقْرَةُ الثَّلَاثُونَ: التَّحْذِيرُ النَّبَوِيُّ مِنْ دُعَاةِ الضَّلَالِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَرُوِيَ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ كَذَّابُونَ دَجَّالُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ؛ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ»).

--------------------------

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «رِجَالٌ كَذَّابُونَ»، وَفِي (ب) «دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ»، وَالْمُثْبَتُ هُوَ رِوَايَةُ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ فِي مُقَدِّمَتِهِ. وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ زَادَتْ (ب): «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ: (حُدَثَاءُ) جَمْعُ حَدِيثٍ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ: الشَّبَابُ صِغَارُ السِّنِّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى نَقْصِ التَّجْرِبَةِ وَالْعِلْمِ.

سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ: (السَّفَهُ) خِفَّةُ الْعَقْلِ وَطَيْشُهُ، وَ(الْأَحْلَامُ) هِيَ الْعُقُولُ؛ أَيْ أَنَّ عُقُولَهُمْ ضَعِيفَةٌ رَغْمَ ادِّعَائِهِمُ الْعِلْمَ.

خَيْرِ الْبَرِيَّةِ: هُوَ النَّبِيُّ ﷺ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَسْتَدِلُّونَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لَكِنْ عَلَى غَيْرِ فَهْمٍ صَحِيحٍ.

لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ: أَيْ لَا يَصِلُ إِلَى قُلُوبِهِمْ فَيُؤَثِّرَ فِيهَا، بَلْ هُوَ نُطْقٌ بِاللِّسَانِ فَقَطْ.

(٣) تَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ وَتَوْثِيقُهَا:

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣٦١١) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٠٦٦). وَهُوَ أَصْلٌ فِي صِفَاتِ الْخَوَارِجِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "مُقَدِّمَةِ الصَّحِيحِ" (رَقْمُ ٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي "صَحِيحِ الْجَامِعِ" (٨١٥١).

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الِاعْتِبَارِ بِالْحَقِيقَةِ لَا بِالظَّاهِرِ): قَوْلُهُمْ "مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ" تَنْبِيهٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مُبْتَدِعٍ يَتَمَسَّحُ بِالنُّصُوصِ، فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ حَتَّى يُعْرَضَ قَوْلُهُ عَلَى فَهْمِ السَّلَفِ.

٢. نُكْتَةُ (الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ): قَوْلُهُ ﷺ "فَاقْتُلُوهُمْ" خِطَابٌ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ، لِكفِّ شَرِّهِمْ عَنِ الدِّينِ، لَا لِآحَادِ النَّاسِ، وَذَلِكَ لِعِظَمِ فِتْنَتِهِمْ.

٣. ضَابِطُ (الْأَحَادِيثِ الْمُسْتَنْكَرَةِ): قَوْلُهُ "بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ" فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْعَتِيقَ (مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ) هُوَ الْمِيزَانُ، فَمَا جَاءَ بِخِلَافِهِ فَهُوَ دَجَلٌ.

٤. فَائِدَةُ (الْحِذْرِ مِنَ الْفِتْنَةِ): قَوْلُهُ "فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ" أَمْرٌ بِالْمُجَانَبَةِ وَالْهَجْرِ، فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِمَاعُ لِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَلَا قِرَاءَةُ كُتُبِهِمْ خَوْفًا مِنَ الزَّيْغِ.

-------------------------(٤٤)--------------------

[الْفَقْرَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: مَنَاطُ الِاتِّبَاعِ وَنَصْرَةُ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ؛ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ». وَقَالَ ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». وَقَالَ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». وَقَالَ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ». وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ طَلَبُ عِلْمِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَمَعْرِفَةُ مَا أَرَادَ؛ كَمَا عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ، فَكُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ فَقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ بَيَانًا شَافِيًا كَافِيًا؛ فَكَيْفَ أُصُولُ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ؟!).

---------------------------&

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) «خُلُوفٌ»، وَفِي (ب) «قُرُونٌ»، وَالْمُثْبَتُ هُوَ لَفْظُ رِوَايَةِ الصَّحِيحِ. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ قَوْلِهِ "حَبَّةُ خَرْدَلٍ": «مِنْ تَصْدِيقٍ». وَفِي خِتَامِ الْفَقْرَةِ جَاءَ فِي (أ) «بَيَانًا شَافِيًا»، وَفِي (ب) «بَيَانًا جَلِيًّا قَاطِعًا لِلْعُذْرِ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

حَوَارِيُّونَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْحَوَرِ) وَهُوَ الْبَيَاضُ وَالْخُلُوصُ؛ وَالْمُرَادُ: خَاصَّةُ الْأَصْحَابِ وَأَصْفِيَاؤُهُمْ الَّذِينَ نَصَرُوا الْأَنْبِيَاءَ.

خُلُوفٌ: جَمْعُ (خَلْفٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ، وَهُمُ الْأَخْلَافُ السُّوءُ الَّذِينَ يَخْلُفُونَ مَنْ قَبْلَهُمْ فِي الشَّرِّ.

حَبَّةُ خَرْدَلٍ: مَثَلٌ لِأَصْغَرِ مَا يَتَصَوَّرُهُ الْعَقْلُ مِنَ الْقِلَّةِ وَالْمِقْدَارِ.

أَبَى: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْإِبَاءِ) وَهُوَ شِدَّةُ الِامْتِنَاعِ مَعَ الِاسْتِكْبَارِ.

الْحِكْمَةِ: هِيَ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ بَيَانًا لِلْقُرْآنِ.

(٣) تَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ وَتَوْثِيقُهَا:

حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ...» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٥٠).

حَدِيثُ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٧٣١١) عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَمُسْلِمٌ (١٩٢٠) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ.

حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ...» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٧٢٨٠).

حَدِيثُ ابْنِ عَمَرَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ...» صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ، وَضَعَّفَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْبَيَانِ النَّبَوِيِّ): لَا يُوجَدُ خَيْرٌ إِلَّا وَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ عَلَيْهِ، وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ أُصُولَ الدِّينِ لَمْ تُبَيَّنْ فِي النَّصِّ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ.

٢. نُكْتَةُ (الْخُلُوفِ): ذَمُّ مَنْ "يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ" وَ "يَفْعَلُ مَا لَا يُؤْمَرُ"؛ وَهَذَا جِمَاعُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْمُخَالِفِينَ لِلْقَصْدِ وَالْعَمَلِ.

٣. ضَابِطُ (جِهَادِ الْقَلْبِ): أَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ كَرَاهِيَةُ الْبِدْعَةِ وَأَهْلِهَا، وَمَنْ لَمْ يُنْكِرْ بِقَلْبِهِ فَقَدْ خَلَا قَلْبُهُ مِنَ الْإِيمَانِ.

٤. فَائِدَةُ (الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ): قَوْلُهُ "فَكَيْفَ أُصُولُ التَّوْحِيدِ؟" اسْتِفْهَامٌ لِلتَّعَجُّبِ؛ أَيْ إِذَا بُيِّنَتْ جُزْئِيَّاتُ الدِّينِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى بَيَانُ أَصْلِ الْأُصُولِ وَهُوَ التَّوْحِيدُ.

-----------------------------(٤٥)--------------------

[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: مِيزَانُ الْوَحْيِ وَالْعَقْلِ وَطُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (ثُمَّ إِذَا عَرَفَ مَا بَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ؛ نَظَرَ فِي أَقْوَالِ النَّاسِ وَمَا أَرَادُوا بِهَا، فَإِذَا عُرِضَتْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ الصَّرِيحِ الَّذِي هُوَ مُوَافِقٌ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ فَإِنَّهُ الْمِيزَانُ مَعَ الْكِتَابِ، فَهَذَا سَبِيلُ الْهُدَى. وَأَمَّا سَبِيلُ الضَّلَالِ وَالْبِدَعِ وَالْجَهْلِ فَعَكْسُهُ؛ أَنْ تَبْدَعَ بِدَعًا بِآرَاءِ رِجَالٍ وَتَأْوِيلَاتِهِمْ، ثُمَّ تَجْعَلَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ تَبَعًا لَهَا، وَتَحْرِيفَ أَلْفَاظِهِ وَتَأْوِيلَهُ عَلَى وَفْقِ مَا أَصَّلُوهُ).

--------------------------&

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «فَإِذَا عُرِضَتْ»، وَفِي (ب) «فَعَرَضَهَا»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ. وَفِي آخِرِهَا جَاءَ فِي (أ) «مَا أَصَّلُوهُ»، وَفِي (ب) «مَا اعْتَقَدُوهُ»، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَقَدِيًّا.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَالْحُدُودُ الْجَامِعَةُ:

الْعَقْلِ الصَّرِيحِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْعَقْلِ) وَهُوَ الرَّبْطُ وَالْمَنْعُ؛ وَحَدُّهُ: "نُورٌ فِطْرِيٌّ يُمَيِّزُ بِهِ الْإِنْسَانُ بَيْنَ الْحَقَائِقِ". وَ(الصَّرِيحُ) هُوَ الْخَالِصُ مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَهُوَ لَا يُعَارِضُ النَّقْلَ الصَّحِيحَ أَبَدًا.

الْهُدَى: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الدَّلَالَةِ بِلُطْفٍ)؛ وَحَدُّهُ: "سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْمُوصِلِ إِلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ".

أَقْسَامُهُ: ١. هِدَايَةُ الدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ (لِلرُّسُلِ). ٢. هِدَايَةُ التَّوْفِيقِ وَالْإِلْهَامِ (لِلَّهِ وَحْدَهُ).

الضَّلَالِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الضَّيَاعِ)؛ وَحَدُّهُ: "الْعُدُولُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا".

الْبِدَعِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الِاخْتِرَاعِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ)؛ وَحَدُّهَا: "طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ".

أَقْسَامُهَا: ١. بِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ. ٢. بِدْعَةٌ إِضَافِيَّةٌ.

الْجَهْلِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْخِفَّةِ وَالطَّيْشِ)؛ وَحَدُّهُ: "تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ".

أَنْوَاعُهُ: ١. جَهْلٌ بَسِيطٌ (عَدَمُ الْعِلْمِ). ٢. جَهْلٌ مُرَكَّبٌ (اعْتِقَادُ الْبَاطِلِ حَقًّا).

التَّأْوِيلِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْأَوْلِ) وَهُوَ الرُّجُوعُ؛ وَحَدُّهُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ: "صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِرَاجِحٍ".

أَنْوَاعُهُ: ١. مَحْمُودٌ (مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ وَالسِّيَاقِ). ٢. مَذْمُومٌ (وَهُوَ التَّحْرِيفُ).

(ثَالِثًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ الْعَقَدِيَّةُ:

١. قَاعِدَةُ (الْمِيزَانِ): جَعَلَ الْمُؤَلِّفُ "الْعَقْلَ الصَّرِيحَ" مِيزَانًا مَعَ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ لَا يُنَاقِضُ صَحِيحَ الْمَنْقُولِ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ تَقْدِيمَ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ (وَهُوَ تَعَارُضٌ مَوْهُومٌ).

٢. فَضِيحَةُ (الْأَشَاعِرَةِ): نَبَّهَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ "يَعْتَقِدُ ثُمَّ يَسْتَدِلُّ"؛ حَيْثُ يُؤَصِّلُونَ قَوَاعِدَ عَقْلِيَّةً (كَالْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ)، ثُمَّ يُخْضِعُونَ النُّصُوصَ لَهَا بِتَحْرِيفِ (الِاسْتِوَاءِ) إِلَى (الِاسْتِيلَاءِ)، وَ(الْيَدِ) إِلَى (الْقُدْرَةِ).

٣. نُكْتَةُ (التَّبَعِيَّةِ): أَهْلُ السُّنَّةِ يَجْعَلُونَ "الْعَقْلَ تَبَعًا لِلنَّصِّ"، وَأَهْلُ الْبِدَعِ يَجْعَلُونَ "النَّصَّ تَبَعًا لِلْعَقْلِ وَآرَاءِ الرِّجَالِ".

٤. ضَابِطُ (الْمُوَافَقَةِ): كُلُّ عَقْلٍ خَالَفَ الرَّسُولَ ﷺ فَهُوَ "عَقْلٌ سَقِيمٌ" وَلَيْسَ "صَرِيحًا"؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ الصَّحِيحَ شَاهِدٌ لِلْوَحْيِ لَا مُعَارِضٌ لَهُ.

---------------------------(٤٦)------------------

[الْفَقْرَةُ الثَّلَاثُونَ: كَشْفُ مَنَاهِجِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَالتَّأْوِيلِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَهَؤُلَاءِ تَجِدُهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَلَا يَتَلَقَّوْنَ مِنْهُ الْهُدَى، وَلَكِنْ مَا وَافَقَهُمْ مِنْهُ جَعَلُوهُ حُجَّةً لَا عُمْدَةً، وَمَا خَالَفَهُمْ مِنْهُ تَأَوَّلُوهُ؛ كَالَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، أَوْ فَوَّضُوهُ؛ كَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ إِنَّمَا يَنْظُرُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ لِيَرَى مَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ وَمَذْهَبَهُ).

----------------------------------&

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّة]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «لَا عُمْدَةً»، وَفِي (ب) «لَا أَصْلًا»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّ لَفْظَ الْعُمْدَةِ أَدَقُّ فِي التَّعْبِيرِ عَمَّا يُبْنَى عَلَيْهِ الِاعْتِقَادُ. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ قَوْلِهِ "أَمَانِيَّ": «أَيْ تِلَاوَةً بِلَا فَهْمٍ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَالْحُدُودُ الْجَامِعَةُ:

حُجَّةً: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْحَجِّ) وَهُوَ الْقَصْدُ؛ وَالْحُجَّةُ هُنَا مَا يُدْفَعُ بِهِ الْخَصْمُ بَعْدَ تَقْرِيرِ الْمُعْتَقَدِ، فَهِيَ عِنْدَهُمْ (خَادِمَةٌ) لِلْمَذْهَبِ لَا (مُنْشِئَةٌ) لَهُ.

عُمْدَةً: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْعَمَدِ) وَهُوَ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَيُقَامُ بِهِ الْبِنَاءُ؛ وَالْعُمْدَةُ عِنْدَ السَّلَفِ هِيَ (الْوَحْيُ) الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ الْإِيمَانُ ابْتِدَاءً.

تَفْوِيضًا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْفَوْضِ) وَهُوَ الرَّدُّ؛ وَحَدُّهُ عِنْدَ الْمُبْتَدِعَةِ: "رَدُّ عِلْمِ مَعْنَى النُّصُوصِ إِلَى اللَّهِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ ظَاهِرَهَا كُفْرٌ". وَهُوَ مَذْهَبُ (أَهْلِ التَّجْهِيلِ).

أَمَانِيَّ: جَمْعُ (أُمْنِيَّةٍ)؛ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا التِّلَاوَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الْفَهْمِ، أَوْ الْأَكَاذِيبُ وَالظُّنُونُ الَّتِي لَا حَقِيقَةَ لَهَا.

(ثَالِثًا) التَّحْقِيقُ الْعِلْمِيُّ وَالرَّدُّ عَلَى الْأَشَاعِرَةِ:

الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُجَّةِ وَالْعُمْدَةِ: أَهْلُ السُّنَّةِ يَجْعَلُونَ النَّصَّ (عُمْدَةً) فَيَعْتَقِدُونَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ. أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَيَجْعَلُونَ "عُقُولَهُمْ" عُمْدَةً، فَإِذَا وَافَقَهُمُ النَّصُّ قَالُوا: "هَذَا حُجَّةٌ لَنَا"، وَإِذَا خَالَفَهُمْ نَحَّوْهُ.

أَنْوَاعُ التَّأْوِيلِ الثَّلَاثَةُ:

تَأْوِيلٌ بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ: وَهُوَ مَحْمُودٌ (تَفْسِيرُ الْكَلَامِ وَبَيَانُ مَعْنَاهُ).

تَأْوِيلٌ بِمَعْنَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ الْأَمْرُ: (الْحَقِيقَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا الْخَبَرُ).

تَأْوِيلُ الْمُتَأَخِّرِينَ (الْمَذْمُومُ): "صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ الرَّاجِحِ إِلَى مَعْنًى مَرْجُوحٍ لِقَرِينَةٍ"، وَهُوَ الَّذِي قَصَدَهُ الْمُؤَلِّفُ بِـ (التَّحْرِيفِ).

لَازِمُ مَذْهَبِ التَّفْوِيضِ (التَّجْهِيلِ):

يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَنَا بِمَا لَا نَفْهَمُ مَعْنَاهُ (أَلْغَازٌ)، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَعَانِي مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَهَذَا سُبَّةٌ فِي جَنَابِ النُّبُوَّةِ، وَتَجْهِيلٌ لِلصَّحَابَةِ وَخِيَارِ الْأُمَّةِ.

(رَابِعًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ الْعَقَدِيَّةُ:

١. نُكْتَةُ (الْمُوَافَقَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ): قَوْلُهُ "يَنْظُرُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ... لِيَرَى مَا يُوَافِقُ مَذْهَبَهُ"؛ هَذِهِ بَلِيَّةُ مَنْ جَعَلَ "الْمَتْبُوعَ" هُوَ الْمَذْهَبُ وَ"التَّابِعَ" هُوَ الْوَحْيُ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُوَافِقُهُ طَارَ بِهِ، وَإِنْ وَجَدَ خِلَافَهُ دَفَعَهُ بِالتَّأْوِيلِ أَوِ التَّفْوِيضِ.

٢. فَائِدَةُ (حَقِيقَةِ الْقُرْآنِ): قَوْلُهُ "لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ"؛ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّ آيَاتِ الصِّفَاتِ "أَلْفَاظٌ تَعَبُّدِيَّةٌ بِلَا مَعَانٍ"، فَالْقُرْآنُ نَزَلَ لِيُتَدَبَّرَ وَيُفْهَمَ، لَا لِيُتْلَى كَطَلَاسِمَ لَا مَعْنَى لَهَا.

٣. قَاعِدَةُ (الِاعْتِقَادِ قَبْلَ الِاسْتِدْلَالِ): هَذِهِ هِيَ الطَّامَّةُ؛ أَنْ تَعْتَقِدَ رَأْيَ الرِّجَالِ أَوَّلًا ثُمَّ تُلْوِي عُنُقَ النُّصُوصِ لِتُوَافِقَهُ، بَيْنَمَا الْوَاجِبُ تَجْرِيدُ الِاتِّبَاعِ لِلْمَعْصُومِ ﷺ.

٤. ضَابِطُ (التَّحْرِيفِ وَالتَّجْهِيلِ): كُلُّ مَنْ صَرَفَ الِاسْتِوَاءَ عَنْ مَعْنَاهُ إِلَى الِاسْتِيلَاءِ، أَوْ قَالَ "لَا نَعْرِفُ مَعْنَى الْيَدِ" فَقَدْ وَقَعَ فِيمَا ذَمَّهُ اللَّهُ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ.

--------------------------(٤٧)-------------------

[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: تَقْرِيرُ الْأَطْوَارِ وَكَشْفُ لَوَازِمِ الِانْحِرَافِ]

(أَوَّلًا) أَطْوَارُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ (٢٦٠ - ٣٢٤ هـ):

١. الطَّوْرُ الْأَوَّلُ (الِاعْتِزَالُ): مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ (ت: ٣٠٣ هـ)، يُقَدِّمُ الْعَقْلَ وَيَنْفِي الصِّفَاتِ، ثُمَّ أَعْلَنَ بَرَاءَتَهُ مِنْهُ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ سَنَةَ (٣٠٠ هـ).

٢. الطَّوْرُ الثَّانِي (الْكُلَّابِيَّةُ): انْتَقَلَ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ (ت: ٢٤٠ هـ)، وَهُوَ إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ السَّبْعِ الْعَقْلِيَّةِ وَتَأْوِيلُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ، وَقَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ إِنَّهُ "حِكَايَةٌ" أَوْ "تَعْبِيرٌ".

٣. الطَّوْرُ الثَّالِثُ (الِاتِّبَاعُ لِلسَّلَفِ): وَهُوَ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، كَمَا صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ "الْإِبَانَةِ" وَ"مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ"، بِأَنَّهُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ جَمِيعِهَا بِلَا كَيْفٍ.

(ثَانِيًا) لَوَازِمُ مَسْلَكِ التَّأْوِيلِ (التَّحْرِيفِ):

١. الْقَدْحُ فِي بَيَانِ الْقُرْآنِ: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُبَيِّنِ الْحَقَّ بَلْ ذَكَرَ أَلْفَاظاً تُوهِمُ الْبَاطِلَ (التَّشْبِيهَ).

٢. اتِّهَامُ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّقْصِيرِ: أَنَّهُ تَرَكَ الْأُمَّةَ تَعْتَقِدُ ظَاهِرَ الصِّفَاتِ حَتَّى جَاءَ الْمُتَكَلِّمُونَ بَعْدَ قُرُونٍ لِيُصَحِّحُوا الْمَفَاهِيمَ.

٣. تَحَكُّمُ الْعَقْلِ فِي النَّقْلِ: جَعْلُ الْعَقْلِ أَصْلًا وَالنَّقْلِ تَبَعًا، فَمَا قَبِلَهُ الْعَقْلُ أَقَرُّوهُ وَمَا رَدَّهُ حَرَّفُوهُ.

٤. جَنَايَةُ (اللُّغَةِ): صَرْفُ الْأَلْفَاظِ عَنْ حَقَائِقِهَا (كَمَا زَعَمُوا فِي الِاسْتِوَاءِ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ) بِلَا دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.

٥. سَدُّ بَابِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ: فَلَا يُعْرَفُ اللَّهُ إِلَّا بِمَا تَقْتَضِيهِ عُقُولُ الرِّجَالِ لَا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ.

[الوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ]

(ثَالِثًا) لَوَازِمُ مَسْلَكِ التَّفْوِيضِ (أَهْلِ التَّجْهِيلِ):

١. تَجْهِيلُ الرَّسُولِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَؤُونَ هَذِهِ النُّصُوصَ وَلَا يَفْهَمُونَ مَعْنَاهَا، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ.

٢. الْقَوْلُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ أَلْغَازٌ: أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْعِبَادَ بِمَا لَا يَعْقِلُونَ، مَعَ أَمْرِهِ لَهُمْ بِالتَّدَبُّرِ.

٣. التَّنَاقُضُ مَعَ صَرِيحِ الْعَقْلِ: فَكَيْفَ يَكُونُ الشَّيْءُ "هُدًى وَنُورًا" وَهُوَ غَامِضٌ مَجْهُولُ الْمَعْنَى؟

٤. فَتْحُ بَابِ الزَّنَادِقَةِ: لِيَقُولُوا مَا شَاؤُوا فِي الدِّينِ بِحُجَّةِ أَنَّ النُّصُوصَ لَا مَعْنَى لَهَا ظَاهِرًا.

٥. تَعْطِيلُ مَقْصِدِ الرِّسَالَةِ: لِأَنَّ الرِّسَالَةَ جَاءَتْ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَعْظَمَ مَا يَحْتَاجُونَهُ وَهُوَ "مَعْرِفَةُ رَبِّهِمْ".

(رَابِعًا) شُبَهَاتُ الْأَشَاعِرَةِ فِي الصِّفَاتِ وَالْإِيمَانِ:

فِي الصِّفَاتِ: حَصَرُوهَا فِي السَّبْعِ (الْحَيَاةُ، الْعِلْمُ، الْقُدْرَةُ، الْإِرَادَةُ، السَّمْعُ، الْبَصَرُ، الْكَلَامُ)، وَزَعَمُوا أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَيْهَا وَحْدَهَا، وَمَا سِوَاهَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ أَوْ تَفْوِيضُهُ.

فِي الْإِيمَانِ: وَقَعُوا فِي "الْإِرْجَاءِ"، فَالْإِيمَانُ عِنْدَهُمْ هُوَ (التَّصْدِيقُ) فَقَطْ، وَأَخْرَجُوا الْأَعْمَالَ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ، مِمَّا فَتَحَ الْبَابَ لِلتَّسَاهُلِ فِي مَعَاصِي اللَّهِ وَتَرْكِ فَرَائِضِهِ.

تَقْدِيمُ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ: وَضَعُوا "الْقَانُونَ الْكُلِّيَّ" الَّذِي يَقُولُ: (إِذَا تَعَارَضَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ قُدِّمَ الْعَقْلُ)؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ هُوَ أَصْلُ النَّقْلِ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا هُوَ "عَيْنُ الضَّلَالِ".

(خَامِسًا) ابْنُ كُلَّابٍ (ت: ٢٤٠ هـ) وَأَثَرُهُ:

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ: هُوَ الْمُبْتَدِعُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِ "الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ"؛ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالنَّفْسِ، لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ، وَهَذَا أَوَّلُ تَحْرِيفٍ لِصِفَةِ الْكَلَامِ انْتَقَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْأَشَاعِرَةِ.

--------------------------------(٤٨)--------------------

[الْفَقْرَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ: تَعَمُّدُ الْكَذِبِ لِنُصْرَةِ الْمَذَاهِبِ وَالتَّشَبُّهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ عُمْدَتُهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ اتِّبَاعَ نَصٍّ أَصْلًا؛ كَالَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْيَهُودِ: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آلُ عِمْرَانَ: ٧٥]).

----------------------------&

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «عُمْدَتُهُمْ»، وَفِي (ب) «مُسْتَنَدُهُمْ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّ لَفْظَ الْعُمْدَةِ أَشَدُّ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الرُّكْنِ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ الِاعْتِقَادُ. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ ذِكْرِ الْآيَةِ: «أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا نَسَبُوهُ إِلَى شَرْعِ اللَّهِ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

عُمْدَتُهُمْ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْعَمَدِ) وَهُوَ مَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ دِينَ هَؤُلَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى "الْهَوَى" لَا عَلَى "الْوَحْيِ".

الْكَذِبَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْكَذْبِ) وَهُوَ خِلَافُ الصِّدْقِ؛ وَحَدُّهُ هُنَا: نِسْبَةُ قَوْلٍ أَوْ حُكْمٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَقُلْهُ، أَوْ نَفْيُ صِفَةٍ أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ.

وَهُمْ يَعْلَمُونَ: جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تُفِيدُ (التَّعَمُّدَ)؛ أَيْ أَنَّ كَذِبَهُمْ لَيْسَ عَنْ جَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ سَائِغٍ، بَلْ عَنْ عِلْمٍ بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ.

(٣) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}:

تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ: ذَكَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنَ الْيَهُودِ ادَّعَوْا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لَهُمْ أَمْوَالَ الْأُمِّيِّينَ (الْعَرَبِ)، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ لَمْ يَنْزِلْ فِي كِتَابِهِمْ.

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: بَيَّنَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي فَرِيقٍ يَتَعَمَّدُونَ الِافْتِرَاءَ لِتَبْرِيرِ أَفْعَالِهِمْ، وَهَذَا أَشَدُّ أَنْوَاعِ الضَّلَالِ.

(ثَالِثًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ الْعَقَدِيَّةُ (تَفْنِيدُ طَرِيقَةِ الْأَشَاعِرَةِ):

١. نُكْتَةُ (الْقَصْدِ لِلْكَذِبِ): رَبَطَ الْمُؤَلِّفُ بَيْنَ صَنِيعِ الْيَهُودِ وَصَنِيعِ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرِّفَ (كَمَنْ يُحَرِّفُ الِاسْتِوَاءَ إِلَى الِاسْتِيلَاءِ) قَدْ يَبْلُغُ بِهِ الْأَمْرُ إِلَى الْعِلْمِ بِبُطْلَانِ قَوْلِهِ لُغَةً وَشَرْعًا، لَكِنَّهُ يَلْتَزِمُهُ نُصْرَةً لِمَذْهَبِهِ.

٢. قَاعِدَةُ (الْكَذِبُ لِلْمَصْلَحَةِ الْمَوْهُومَةِ): كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ يَرَوْنَ أَنَّ صَرْفَ النَّاسِ عَنْ ظَاهِرِ الصِّفَاتِ "مَصْلَحَةٌ عَقَدِيَّةٌ" (لِتَنْزِيهِ اللَّهِ بِزَعْمِهِمْ)، فَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْ نُصْرَةً لِهَذَا التَّنْزِيهِ الْمَدْعُومِ بِالْعَقْلِ السَّقِيمِ.

٣. فَائِدَةُ (تَرْكِ النَّصِّ أَصْلًا): قَوْلُهُ "لَمْ يَكُنْ عُمْدَتُهُمْ... اتِّبَاعَ نَصٍّ أَصْلًا" فِيهِ بَيَانٌ لِحَالِ الْأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ النُّصُوصَ (ظَنِّيَّةَ الدَّلَالَةِ) فِي بَابِ الْعَقَائِدِ، فَلَا يَجْعَلُونَهَا أَصْلًا يُبْنَى عَلَيْهِ، بَلْ يَجْعَلُونَ الْعَقْلَ هُوَ "الْقَطْعِيَّ".

٤. ضَابِطُ (الْمُشَابَهَةِ): مَنْ تَرَكَ النَّصَّ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَهَوَى رِجَالِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَقِّ؛ فَقَدْ أَخَذَ شَعْبَةً مِنْ صِفَاتِ الْيَهُودِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.

-------------------------(٤٩)---------------------

[الْفَقْرَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ: جِنَايَةُ التَّقْلِيدِ وَوِرَاثَةُ الشَّكِّ عَنِ الْمُبْتَدِعَةِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (ثُمَّ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ مَنْ ظَنَّ صِدْقَ مَا افْتَرَى أُولَئِكَ، وَهُمْ فِي شَكٍّ مِنْهُمْ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [الشُّورَى: ١٤]).

--------------------------&

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «ظَنَّ صِدْقَ»، وَفِي (ب) «اعْتَقَدَ صِحَّةَ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ يُنَاسِبُ حَالَةَ التَّخَبُّطِ وَالظَّنِّ الَّتِي يَعِيشُهَا الْمُقَلِّدُ لِأَهْلِ الْكَلَامِ. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ قَوْلِهِ "مُرِيبٍ": «أَيْ يُوقِعُهُمْ فِي الرِّيبَةِ وَالْقَلَقِ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

افْتَرَى: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْفَرْيِ) وَهُوَ الْقَطْعُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا اخْتِلَاقُ الْكَذِبِ وَنِسْبَتُهُ إِلَى الشَّرْعِ ظُلْمًا.

أُورِثُوا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْوِرَاثَةِ) وَهِيَ انْتِقَالُ الشَّيْءِ مِنَ السَّابِقِ إِلَى اللَّاحِقِ؛ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا وِرَاثَةُ "الْمَذْهَبِ" وَ"الْكَلَامِ" بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ.

مُرِيبٍ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الرَّيْبِ) وَهُوَ الشَّكُّ الَّذِي يُقْلِقُ النَّفْسَ وَلَا يَسْكُنُ مَعَهُ الْقَلْبُ.

(٣) تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ...}:

تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ: بَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ خَلَفُ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ جَاؤُوا بَعْدَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَنْبِيَائِهِمْ، فَقَلَّدُوهُمْ عَلَى عَمًى وَشَكٍّ.

تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: أَكَّدَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ (الْوَحْيَ) وَاتَّبَعَ طَرَائِقَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُشَكِّكِينَ؛ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ فِي شَكٍّ مُرِيبٍ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ أَبَدًا.

(ثَالِثًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ الْعَقَدِيَّةُ (تَفْنِيدُ مَذْهَبِ الْخَلَفِ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ):

١. نُكْتَةُ (الْوِرَاثَةِ الْمَذْمُومَةِ): شَبَّهَ الْمُؤَلِّفُ مُتَأَخِّرِي الْأَشَاعِرَةِ بِمُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَهُمْ لَمْ يَبْحَثُوا عَنِ الْحَقِّ بِأَنْفُسِهِمْ، بَلْ وَرِثُوا "تَأْوِيلَاتِ" شُيُوخِهِمْ (كَالْجُوَيْنِيِّ وَالرَّازِيِّ) وَظَنُّوهَا صِدْقًا مَحْضًا.

٢. قَاعِدَةُ (الرَّيْبِ الْكَلَامِيِّ): لَا يَكَادُ يَسْلَمُ عَالِمٌ مِمَّنْ خَاضَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ مِنْ "الشَّكِّ"، وَلِذَا تَجِدُ (الرَّازِيَّ) وَ(الْغَزَالِيَّ) يَعْتَرِفُونَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِمْ بِالْحَيْرَةِ، وَيَتَمَنَّوْنَ "مَوْتَ الْعَجَائِزِ" (أَيْ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ).

٣. فَائِدَةُ (جِنَايَةِ الِافْتِرَاءِ): مَنْ أَسَّسَ قَاعِدَةً بَاطِلَةً (كَتَقْدِيمِ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ) تَحَمَّلَ وِزْرَهَا وَوِزْرَ مَنْ قَلَّدَهُ فِيهَا، لِأَنَّهُ "أَوْرَثَهُمْ" شَكًّا بَدَلَ الْيَقِينِ.

٤. ضَابِطُ (الْيَقِينِ السَّلَفِيِّ): السَّلَفُ الصَّالِحُ لَمْ يَكُونُوا فِي شَكٍّ؛ لِأَنَّ عُمْدَتَهُمْ الْوَحْيُ، وَالْوَحْيُ نُورٌ وَيَقِينٌ، بَيْنَمَا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي اضْطِرَابٍ، فَتَارَةً (يُؤَوِّلُونَ) وَتَارَةً (يُفَوِّضُونَ).

------------------------(٥٠)-------------------

[الْفَقْرَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: التَّحْذِيرُ مِنْ مُتَابَعَةِ سُنَنِ أَهْلِ الْكِتَابِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟!»).

----------------------------------

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «سَنَنَ»، وَفِي (ب) «شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»، وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحِ، لَكِنَّ الْمُثْبَتَ (أ) هُوَ مَا سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ قَوْلِهِ "فَمَنْ": «أَيْ فَمَنِ الْقَوْمُ إِلَّا هُمْ؟».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

سَنَنَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (السَّنِّ) وَهُوَ الطَّرِيقُ الْمَسْلُوكُ وَالْمِثَالُ الْمُتَّبَعُ.

حَذْوَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْمُحَاذَاةِ) وَهِيَ الْمُقَابَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ.

الْقُذَّةِ: هِيَ رِيشُ السَّهْمِ الَّتِي تُقَدُّ وَتُبْرَى، فَتَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسَاوِيَةً لِلْأُخْرَى تَمَامًا، وَهَذَا غَايَةُ التَّمَاثُلِ.

جُحْرَ ضَبٍّ: خُصَّ "الضَّبُّ" بِالذِّكْرِ لِأَنَّ جُحْرَهُ شَدِيدُ الضِّيقِ وَالِانْحِرَافِ وَالظُّلْمَةِ، فَالْمُرَادُ أَنَّكُمُ اتَّبَعْتُمُوهُمْ حَتَّى فِي الْأُمُورِ الْمُسْتَقْذَرَةِ أَوِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا.

فَمَنْ؟: الِاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلْإِنْكَارِ وَالتَّقْرِيرِ؛ أَيْ: هَلْ يُرَادُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ؟!

(٣) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَتَوْثِيقُهُ:

تَخْرِيجُهُ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٧٣٢٠) وَمُسْلِمٌ (٢٦٦٩) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

الْمَعْنَى الْإِجْمَالِيُّ: يُخْبِرُ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّا سَيَقَعُ فِي أُمَّتِهِ مِنَ التَّقْلِيدِ الْأَعْمَى لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي مَنَاهِجِهِمْ وَعَقَائِدِهِمْ، وَهُوَ خَبَرٌ يُرَادُ بِهِ الذَّمُّ وَالتَّحْذِيرُ.

(ثَالِثًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ الْعَقَدِيَّةُ (رَبْطًا بِوَاقِعِ الْأَشَاعِرَةِ):

١. نُكْتَةُ (الْمُطَابَقَةِ): كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ (أَهْلَ التَّحْرِيفِ) وَالنَّصَارَى (أَهْلَ الضَّلَالِ) حَرَّفُوا كُتُبَهُمْ، كَذَلِكَ حَرَّفَ أَهْلُ الْبِدَعِ نُصُوصَ الصِّفَاتِ، فَشَابَهُوا الْيَهُودَ فِي "التَّحْرِيفِ" وَشَابَهُوا النَّصَارَى فِي "الْجَهْلِ وَالتَّفْوِيضِ".

٢. قَاعِدَةُ (الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ): إِشَارَةٌ إِلَى التَّبَعِيَّةِ التَّامَّةِ لِلْمَنَاهِجِ الْفَلْسَفِيَّةِ الْيُونَانِيَّةِ الَّتِي تَلَقَّاهَا الْأَشَاعِرَةُ عَنْ رُؤُوسِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالصَّابِئَةِ، ثُمَّ حَاكَمُوا إِلَيْهَا نُصُوصَ الْوَحْيِ.

٣. فَائِدَةُ (جُحْرِ الضَّبِّ): عِلْمُ الْكَلَامِ وَقَوَاعِدُهُ (كَقَاعِدَةِ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ) هِيَ بِمَنْزِلَةِ "جُحْرِ الضَّبِّ"؛ فَهِيَ مَضَايِقُ عَقْلِيَّةٌ مُظْلِمَةٌ لَا تُؤَدِّي إِلَى هُدًى، وَمَعَ ذَلِكَ دَخَلَهَا الْأَشَاعِرَةُ تَقْلِيدًا لِمَنْ قَبْلَهُمْ.

٤. ضَابِطُ (الِافْتِرَاقِ): هَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ النَّجَاةَ فِي "مُخَالَفَةِ" هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَلُزُومِ "الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ" الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ﷺ وَصَحَابَتُهُ، وَكُلُّ مَنِ انْتَحَلَ طَرِيقَةً كَلَامِيَّةً فَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْمُشَابَهَةِ الْمَذْمُومَةِ.

--------------------------(٥٢)--------------------

[الْفَقْرَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ: تَحَقُّقُ الْوَعِيدِ وَلَوَازِمُ الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا ذَمَّ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يُشَابِهُمْ فِيهِ؛ هَذَا حَقٌّ قَدْ شُوهِدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فُصِّلَتْ: ٥٣]. فَمَنْ تَدَبَّرَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ؛ رَأَى أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، وَمَنْ زَادَ فِي الدِّينِ بِشَيْءٍ مَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ؛ فَكَأَنَّمَا نَقَصَ).

----------------------------------&

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «فَكَأَنَّمَا نَقَصَ»، وَفِي (ب) «فَقَدْ نَقَصَ مِنَ الدِّينِ مِثْلَهُ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَعْنَوِيًّا وَصُورِيًّا. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

شُوهِدَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الشُّهُودِ) وَهُوَ الْحُضُورُ وَالرُّؤْيَةُ بِالْعَيْنِ؛ أَيْ أَنَّ إِخْبَارَ النَّبِيِّ ﷺ صَارَ وَاقِعًا مَحْسُوسًا لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مَنْ أَعْمَى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ.

الْآفَاقِ: جَمْعُ (أُفُقٍ)، وَهُوَ نَوَاحِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا يَحْدُثُ مِنَ الْحَوَادِثِ الْكَوْنِيَّةِ وَالْعَقَدِيَّةِ الَّتِي تُصَدِّقُ الْقُرْآنَ.

شَهِيدٌ: (صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ) مِنَ الشَّهَادَةِ؛ أَيْ أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى كُلِّ تَحْرِيفٍ أَوْ تَبْدِيلٍ يَقَعُ فِي دِينِهِ.

تَدَبَّرَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الدُّبُرِ) وَهُوَ آخِرُ الشَّيْءِ؛ وَالتَّدَبُّرُ هُوَ النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ الْكَلَامِ وَمَرَامِيهِ لِفَهْمِ الْحَقِيقَةِ.

(ثَالِثًا) تَقْسِيمُ الْبِدْعَةِ وَلَوَازِمُهَا الشَّنِيعَةُ:

أَقْسَامُ الْبِدْعَةِ بَاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ:

١. بِدْعَةٌ عَقَدِيَّةٌ: وَهِيَ الْأَصْلُ، كَبِدَعِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ أَوْ تَأْوِيلِهَا.

٢. بِدْعَةٌ عَمَلِيَّةٌ: وَهِيَ التَّعَبُّدُ بِمَا لَمْ يُشْرَعْ فِي الْهَيْئَةِ أَوْ الصِّفَةِ أَوْ الْعَدَدِ.

لَوَازِمُ الْبِدْعَةِ (خَمْسَةُ لَوَازِمَ كُبْرَى):

١. اتِّهَامُ الشَّرِيعَةِ بِالنُّقْصَانِ: لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ بِفِعْلِهِ يَقُولُ لِسَانُ حَالِهِ: "إِنَّ الدِّينَ لَمْ يَكْمَلْ حَتَّى جِئْتُ أَنَا بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ".

٢. الْقَدْحُ فِي بَلَاغِ النَّبِيِّ ﷺ: فَالْمُبْتَدِعُ يَزْعُمُ أَنَّ هُنَاكَ خَيْرًا (أَوْ عَقِيدَةً كَالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ) لَمْ يُبَيِّنْهَا الرَّسُولُ ﷺ لِأُمَّتِهِ.

٣. الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى الشَّارِعِ: وَهُوَ لَازِمٌ كُفْرِيٌّ يَعْنِي أَنَّ الْمُبْتَدِعَ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُ الْقُلُوبَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ.

٤. نَقْضُ الْكَمَالِ بِالزِّيَادَةِ: كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ "مَنْ زَادَ... فَكَأَنَّمَا نَقَصَ"؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَحْدُودِ نَقْصٌ لِجَوْهَرِهِ وَإِفْسَادٌ لَهُ.

٥. فَتْحُ بَابِ التَّفَرُّقِ: لِأَنَّ السُّنَّةَ تَجْمَعُ، وَالْبِدْعَةَ تُفَرِّقُ، وَلِذَلِكَ سُمُّوا "أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَالْفُرْقَةِ".

(رَابِعًا) الْفَوَائِدُ وَالنُّكَتُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ النَّصِّ وَالْوَاقِعِ): قَوْلُهُ "هَذَا حَقٌّ قَدْ شُوهِدَ" فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ تُبْصِرُ الْوَاقِعَ؛ فَمَنْ عَرَفَ سُنَنَ اللَّهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، رَأَى بَعَيْنِهِ نُسَخَهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ (الْأَشَاعِرَةُ نُسْخَةُ الْيَهُودِ فِي التَّحْرِيفِ).

٢. نُكْتَةُ (الزِّيَادَةِ عَيْنُ النُّقْصَانِ): بَيَّنَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الدِّينِ نَقْصٌ، وَهَذَا مِنْ أَدَقِّ التَّعْبِيرَاتِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ كَالْبِنَاءِ الْمُتَكَامِلِ، إِذَا زِدْتَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْ أَصْلِهِ أَفْسَدْتَ هَيْئَتَهُ وَهَدَمْتَ مَقْصِدَهُ.

٣. فَائِدَةُ (الِاسْتِشْهَادِ بِالْآفَاقِ): اسْتِدْلَالُ الْمُؤَلِّفِ بِآيَةِ فُصِّلَتْ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ يُقِيمُ الْحُجَّةَ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ بِمَا يُظْهِرُهُ مِنْ فَسَادِ مَذَاهِبِهِمْ وَتَنَاقُضِهِمْ مَعَ مُرُورِ الزَّمَانِ.

٤. ضَابِطُ (مَذْهَبِ السَّلَفِ): جَعَلَ الْمُؤَلِّفُ "فِعْلَ الرَّسُولِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ" هُوَ الْفَيْصَلَ؛ فَمَا خَرَجَ عَنْ هَذَا الْمُثَلَّثِ الذَّهَبِيِّ (الرَّسُولُ - الصَّحَابَةُ - التَّابِعُونَ) فَهُوَ نَقْصٌ وَضَلَالٌ مَهْمَا زَيَّنَهُ الْمُبْتَدِعُ بِعَقْلِهِ.

----------------------------(٥٢)----------------------

[الْفَقْرَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: ذَمُّ التَّشْدِيدِ وَالتَّنَطُّعِ وَلُزُومُ الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَمَنْ تَدَبَّرَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ؛ رَأَى أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، وَمَنْ زَادَ فِي الدِّينِ بِشَيْءٍ مَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ؛ فَكَأَنَّما نَقَصَ. عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ، {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الْحَدِيدُ: ٢٧]». وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ شَيْءٍ أَصْنَعُهُ؟! فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً»).

-----------------------------&

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «يَتَنَزَّهُونَ»، وَفِي (ب) «يَتَقَالُّونَ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) هُوَ مَا يُنَاسِبُ سِيَاقَ التَّرَفُّعِ عَنِ السُّنَّةِ بِزَعْمِ التَّوَرُّعِ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ جَاءَ فِي (أ) «الدِّيَارِ»، وَفِي (ب) «الدِّيَرَةِ»، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ وَهُوَ أَمَاكِنُ تَعَبُّدِ الرُّهْبَانِ.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

لَا تُشَدِّدُوا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الشِّدَّةِ) وَهِيَ الْقُوَّةُ وَالضِّيقُ؛ وَالْمُرَادُ: لَا تُلْزِمُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ.

الصَّوَامِعِ: جَمْعُ (صَوْمَعَةٍ)، وَهِيَ بِنَاءٌ مُرْتَفِعٌ حَدِيدُ الرَّأْسِ يَعْتَزِلُ فِيهِ الرَّاهِبُ.

رَهْبَانِيَّةً: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الرَّهْبَةِ) وَهِيَ الْخَوْفُ؛ وَهِيَ التَّبَتُّلُ وَانْقِطَاعُ النَّصَارَى عَنِ الْمَلَاذِّ تَقَرُّبًا (بِزَعْمِهِمْ).

يَتَنَزَّهُونَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (النَّزَاهَةِ) وَهِيَ الْبُعْدُ عَنِ السُّوءِ؛ وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ تَرْكَهُ أَتَمُّ لِلْعِبَادَةِ.

(٣) تَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ وَتَوْثِيقُهَا:

حَدِيثُ أَنَسٍ: «لَا تُشَدِّدُوا...» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٤٩٠٤)، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي "السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ" (٣١٢٤).

حَدِيثُ عَائِشَةَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ...» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٦١٠١) وَمُسْلِمٌ (٢٣٥٦). وَهُوَ أَصْلٌ فِي ذَمِّ مَنْ رَأَى هَدْيَهُ خَيْرًا مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ.

(ثَالِثًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الْمُشَاكَلَةِ فِي الْجَزَاءِ): قَوْلُهُ "فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ؛ فَمَنْ ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا وَسَّعَ اللَّهُ فِيهِ، جَازَاهُ اللَّهُ بِالضِّيقِ قَدَرًا أَوْ شَرْعًا.

٢. نُكْتَةُ (الِابْتِدَاعِ بِالتَّنَزُّهِ): حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ يَتَنَزَّهُ عَنْ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ، حَيْثُ "يَتَنَزَّهُونَ" عَنْ إِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ (كَالِاسْتِوَاءِ وَالْيَدِ) بِدَعْوَى التَّنْزِيهِ، وَهَذَا تَنَزُّهٌ مَذْمُومٌ يُخَالِفُ خَشْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَعِلْمَهُ بِرَبِّهِ.

٣. فَائِدَةُ (الرَّهْبَانِيَّةِ وَالْبِدْعَةِ): نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ "ابْتَدَعُوهَا"، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَسَّمَ الْبِدْعَةَ إِلَى (حَسَنَةٍ)، لِأَنَّ اللَّهَ ذَمَّهُمْ عَلَى الِابْتِدَاعِ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ التَّقَرُّبَ.

٤. ضَابِطُ (الْأَعْلَمِ وَالْأَخْشَى): قَوْلُهُ ﷺ "إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ" قَاعِدَةٌ كُبْرَى؛ فَالْعِلْمُ الصَّحِيحُ بِاللَّهِ يَقْتَضِي تَمَامَ الِاتِّبَاعِ، وَكُلُّ مَنْ زَعَمَ تَنْزِيهًا أَوْ خَشْيَةً تُخَالِفُ ظَاهِرَ السُّنَّةِ فَهِيَ دَعْوَى كَاذِبَةٌ.

------------------------(٥٣)--------------------

[الْفَقْرَةُ الْأَرْبَعُونَ: مِعْيَارُ الِاتِّبَاعِ وَذَمُّ الرَّغْبَةِ عَنِ السُّنَّةِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»).

----------------------------

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «تَقَالُّوهَا»، وَفِي (ب) «اسْتَقَلُّوهَا»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ يُفِيدُ صُورَةَ التَّفَاعُلِ فِي النَّظَرِ إِلَى الْعِبَادَةِ. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ قَوْلِهِ "فَلَيْسَ مِنِّي": «أَيْ لَيْسَ عَلَى طَرِيقَتِي وَهَدْيِي».

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

رَهْطٍ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الرَّهْطِ) وَهُوَ الْجَمَاعَةُ دُونَ الْعَشَرَةِ لَا امْرَأَةَ فِيهِمْ.

تَقَالُّوهَا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْقِلَّةِ)؛ أَيْ رَأَوْهَا قَلِيلَةً بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَالُهُمْ.

أَرْقُدُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الرُّقَادِ) وَهُوَ النَّوْمُ؛ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِعْطَاءِ الْبَدَنِ حَقَّهُ لِيَقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ.

الدَّهْرَ: هُوَ الزَّمَانُ الْمَمْدُودُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا سَرْدُ الصَّوْمِ كُلَّ يَوْمٍ.

أَتْقَاكُمْ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْوِقَايَةِ)؛ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ: "فِعْلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَتَرْكُ مَا نَهَى عَنْهُ خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ".

(٣) تَأْصِيلُ مَعْنَى (السُّنَّةِ):

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (السَّنِّ) وَهُوَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ وَالْمِثَالُ الْمُتَّبَعُ حَسَنًا كَانَ أَوْ قَبِيحًا.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: "هِيَ هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عِلْمًا وَاعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا".

مَعَانِي السُّنَّةِ:

بِمَعْنَى (الطَّرِيقَةِ): كَمَا فِي الْحَدِيثِ "سُنَّتِي" أَيْ هَدْيِي الشَّامِلِ.

بِمَعْنَى (الْعَقِيدَةِ): وَهِيَ الْمُقَابِلَةُ لِلْبِدْعَةِ، وَلِذَا سُمِّيَتْ كُتُبُ الْعَقَائِدِ (السُّنَّةَ) كَسُنَّةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْبَرْبَهَارِيِّ.

بِمَعْنَى (الْمَنْدُوبِ): عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهِيَ مَا يُثَابُ فَاعِلُهُ وَلَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ.

فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي: (رَغِبَ عَنْ) أَيْ تَرَكَهَا زُهْدًا فِيهَا أَوْ طَلَبًا لِأَكْمَلَ مِنْهَا (بِزَعْمِهِ)، وَهَذَا مَسْلَكُ كُلِّ مُبْتَدِعٍ خَرَجَ عَنِ الْوَحْيِ إِلَى آرَاءِ الرِّجَالِ.

(٤) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ:

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٥٠٦٣) وَمُسْلِمٌ (١٤٠١) عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

(ثَالِثًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:

١. قَاعِدَةُ (الِاعْتِدَالِ مِيزَانُ الْكَمَالِ): بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ "الْخَشْيَةَ" لَيْسَتْ بِالتَّشْدِيدِ الْمُخَالِفِ لِلْفِطْرَةِ، بَلْ بِمُتَابَعَةِ الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ حَقِّ الرَّبِّ وَحَقِّ النَّفْسِ.

٢. نُكْتَةُ (الرَّغْبَةِ عَنِ السُّنَّةِ): مَنْ ظَنَّ أَنَّ طَرِيقَتَهُ فِي "التَّنْزِيهِ" (كَالْأَشَاعِرَةِ) أَوْ فِي "التَّعَبُّدِ" (كَالصُّوفِيَّةِ) أَكْمَلُ مِنْ ظَاهِرِ مَا جَاءَ بِهِ ﷺ، فَقَدْ "رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ"، وَلَحِقَهُ الْوَعِيدُ بِقَوْلِهِ "فَلَيْسَ مِنِّي".

٣. فَائِدَةُ (تَقَالُّ الْعِبَادَةِ): أَوَّلُ خُطُوَاتِ الْبِدْعَةِ هِيَ اسْتِصْغَارُ مَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ طَلَبًا لِمَا هُوَ "أَعْظَمُ" فِي نَظَرِ الْعَقْلِ أَوْ الْعَاطِفَةِ، وَهَذَا مَحْضُ الْخِذْلَانِ.

٤. ضَابِطُ (الْأَتْقَى وَالْأَخْشَى): نَفَى ﷺ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَتْقَى مِنْهُ، فَلَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ أَنْ يَبْتَدِعَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا يَزْعُمُ فِيهِ زِيَادَةَ تَقْوىً عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ.

-------------------------(٤٤)------------------

​[الْفَقْرَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: مِيزَانُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ]

​(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَقَالَ ﷺ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ». وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آلُ عِمْرَانَ: ٧]. وَقَالَ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ»).

-----------------------------&

​[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

​(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:

تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «أَهْلِ الزَّيْغِ»، وَفِي (ب) لَفْظُ «الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ يُفَسِّرُ الْمُرَادَ مِنَ الِاسْمِ. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ قَوْلِهِ "فَاحْذَرُوهُمْ": «أَيْ لَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تُنَاظِرُوهُمْ».

​(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:

  • ​الْمُحْكَمُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْحُكْمِ) وَهُوَ الْمَنْعُ؛ وَحَدُّهُ الشَّرْعِيُّ: "مَا اتَّضَحَ مَعْنَاهُ وَلَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا"، وَهُوَ أَصْلُ الدِّينِ.
  • ​الْمُتَشَابِهُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الشَّبَهِ) وَهُوَ التَّمَاثُلُ؛ وَحَدُّهُ الشَّرْعِيُّ: "مَا احْتَمَلَ أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى، أَوْ خَفِيَ مَعْنَاهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ لِيُدْرِكَهُ الْعُلَمَاءُ".
  • ​الزَّيْغُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْمَيْلِ)؛ وَهُوَ الِانْحِرَافُ عَنِ الْقَصْدِ وَالْجَوْرُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ.
  • ​الرَّاسِخُونَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الرُّسُوخِ) وَهُوَ الثَّبَاتُ فِي الْأَرْضِ؛ وَالْمُرَادُ الْمُتَمَكِّنُونَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ لَا تُزَعْزِعُهُمُ الشُّبُهَاتُ.

​(٣) الْوَقْفُ وَالِابْتِدَاءُ فِي آيَةِ آلِ عِمْرَانَ:

  • ​الْوَقْفُ عَلَى لَفْظِ {إِلَّا اللَّهُ}: هُنَا (تَأْوِيلُ الْحَقِيقَةِ) أَيْ مَعْرِفَةُ "الْكَيْفِيَّةِ"؛ فَلَا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا وَقْفٌ تَامٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ السَّلَفِ.
  • ​الْوَصْلُ {إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ}: هُنَا (تَأْوِيلُ التَّفْسِيرِ) أَيْ مَعْرِفَةُ "الْمَعْنَى"؛ فَالرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ مَعَانِي مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِنْ خَفِيَ عَلَى الْعَامَّةِ، وَالْقُرْآنُ لَيْسَ فِيهِ مَا لَا مَعْنَى لَهُ مَحْضًا.

​(٤) تَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ:

  • ​حَدِيثُ الدُّنْيَا: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢٣٦٣).
  • ​حَدِيثُ عَائِشَةَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ...» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٤٥٤٧) وَمُسْلِمٌ (٢٦٦٥).

​(ثَانِيًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْفَوَائِدُ:

​أَوَّلًا: فَوَائِدُ حَدِيثِ (أَمْرِ الدُّنْيَا):

١. تَمْيِيزُ الْمَجَالَاتِ: الدِّينُ مَبْنِيٌّ عَلَى "التَّوْقِيفِ" وَالِاتِّبَاعِ، أَمَّا الدُّنْيَا (كَالزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ) فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّجْرِبَةِ؛ وَالضَّلَالُ جَاءَ مِمَّنْ خَلَطَ بَيْنَهُمَا فَرَأَى الْعِبَادَةَ تَخْضَعُ لِلتَّجْرِبَةِ (الْبِدْعَةُ).

٢. قَاعِدَةُ (الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ): جَوَازُ ابْتِكَارِ الْوَسَائِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تُعِينُ عَلَى الْحَيَاةِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنَ "الْبِدْعَةِ فِي الدِّينِ" فِي شَيْءٍ.

​ثَانِيًا: فَوَائِدُ حَدِيثِ (أَهْلِ الزَّيْغِ):

١. كَشْفُ مَسْلَكِ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: هَؤُلَاءِ يَتْرُكُونَ "الْمُحْكَمَ" (نُصُوصَ الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ الصَّرِيحَةِ) وَيَتَعَلَّقُونَ بـ "الْمُتَشَابِهِ" (كَآيَةِ {وَهُوَ مَعَكُمْ}) لِيَصْرِفُوا النَّاسَ عَنِ الْحَقِّ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ "الزَّيْغِ".

٢. فِرَقُ أَهْلِ الزَّيْغِ:

* الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: نَفَوْا الصِّفَاتِ بِشُبْهَةِ التَّنْزِيهِ (مُتَشَابِهٌ عَقْلِيٌّ).

* الْأَشَاعِرَةُ: أَثْبَتُوا بَعْضًا وَنَفَوْا بَعْضًا بِتَأْوِيلَاتٍ بَاطِلَةٍ (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ).

* الْخَوَارِجُ: تَمَسَّكُوا بِنُصُوصِ الْوَعِيدِ (مُتَشَابِهٌ) وَتَرَكُوا نُصُوصَ الْوَعْدِ وَالرَّحْمَةِ (مُحْكَمٌ).

٣. قَاعِدَةُ (الْحَذَرِ): قَوْلُهُ "فَاحْذَرُوهُمْ" يُفِيدُ وُجُوبَ هَجْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَتَحْذِيرَ الْأُمَّةِ مِنْ مَنَاهِجِهِمْ، لِأَنَّ خَطَرَهُمْ فِي الْقُلُوبِ أَشَدُّ مِنْ خَطَرِ الْأَمْرَاضِ فِي الْأَبْدَانِ.

٤. نُكْتَةُ (أُمِّ الْكِتَابِ): جَعَلَ اللَّهُ الْمُحْكَمَ "أُمًّا" لِأَنَّهُ الْمَرْجِعُ الَّذِي يُرَدُّ إِلَيْهِ الْمُتَشَابِهُ، فَمَنْ رَدَّ الْمُتَشَابِهَ إِلَى الْمُحْكَمِ نَجَا، وَمَنْ ضَرَبَ الْمُحْكَمَ بِالْمُتَشَابِهِ هَلَكَ.

--------------​(٤٥)-------------

[تَتِمَّةُ الوَجْهِ الْخَامِسِ وَالْأَرْبَعُونَ: تَحْرِيرُ مَقَالَاتِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ]
(أَوَّلًا) تَحْرِيرُ مَعْنَى (الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ) بِاعْتِبَارِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ:
١. الْإِحْكَامُ الْعَامُّ: وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ (مُحْكَمٌ)؛ أَيْ مُتْقَنٌ فَصِيحٌ لَا خَلَلَ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}.
٢. التَّشَابُهُ الْعَامُّ: وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ (مُتَشَابِهٌ)؛ أَيْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الصِّدْقِ وَالْحُسْنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ}.
٣. الْإِحْكَامُ وَالتَّشَابُهُ (الْخَاصُّ): وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِي آيَةِ آلِ عِمْرَانَ؛ حَيْثُ يَنْقَسِمُ الْقُرْآنُ إِلَى بَيِّنٍ (مُحْكَمٍ) وَخَفِيٍّ (مُتَشَابِهٍ).
(ثَانِيًا) أَقْسَامُ الْمُتَشَابِهِ (تَحْقِيقٌ بَحْثِيٌّ):
١. الْمُتَشَابِهُ الْحَقِيقِيُّ (الْمُطْلَقُ):
تَعْرِيفُهُ: مَا لَا يَعْلَمُ كُنْهَهُ وَحَقِيقَتَهُ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ.
مِثَالُهُ: (كَيْفِيَّةُ) صِفَاتِ اللَّهِ، وَحَقِيقَةُ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ.
حُكْمُهُ: الْإِيمَانُ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، وَتَفْوِيضُ "كَيْفِيَّتِهِ" لِلَّهِ.
٢. الْمُتَشَابِهُ النِّسْبِيُّ (الْإِضَافِيُّ):
تَعْرِيفُهُ: مَا يَخْفَى مَعْنَاهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ (لِقِلَّةِ عِلْمِهِمْ) وَيَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.
حُكْمُهُ: هَذَا الَّذِي يُرَدُّ فِيهِ (الْمُتَشَابِهُ) إِلَى (الْمُحْكَمِ) لِيَتَّضِحَ مَعْنَاهُ.
(ثَالِثًا) أَقْسَامُ النَّاسِ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ:
١. الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ: يَرُدُّونَ الْمُتَشَابِهَ إِلَى الْمُحْكَمِ، فَيَقُولُونَ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ: (نُثْبِتُ الْمَعْنَى وَنُفَوِّضُ الْكَيْفَ)، فَيَصِيرُ الْكِتَابُ كُلُّهُ عِنْدَهُمْ مُحْكَمًا.
٢. أَهْلُ الزَّيْغِ (الْأَشَاعِرَةُ وَنَحْوُهُمْ): يَتْرُكُونَ الْمُحْكَمَ (كَنُصُوصِ الْعُلُوِّ) وَيَتْبَعُونَ الْمُتَشَابِهَ، أَوْ يَجْعَلُونَ الْمُحْكَمَ مُتَشَابِهًا لِيُسَوِّغُوا تَحْرِيفَهُ (تَأْوِيلَهُ).
٣. أَهْلُ التَّجْهِيلِ (الْمُفَوِّضَةُ): الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ آيَاتِ الصِّفَاتِ (مُتَشَابِهٌ حَقِيقِيٌّ) حَتَّى فِي "مَعَانِيهَا"، فَصَيَّرُوا النَّبِيَّ ﷺ وَصَحَابَتَهُ لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَى "الِاسْتِوَاءِ" وَ"الْيَدِ".
[الْحَاشِيَةُ التَّأْصِيلِيَّةُ]
١. مَعْنَى الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ: يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج١٣، ص٢٧٢-٢٧٥، طَبْعَةُ مُجَمَّعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ.
٢. تَقْسِيمُ الْمُتَشَابِهِ إِلَى حَقِيقِيٍّ وَنِسْبِيٍّ: يُنْظَرُ: الدَّرْسُ الشَّامِلُ فِي تَحْرِيقِ الْمُتَشَابِهِ، ضِمْنَ شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، لِصَالِحِ آلِ الشَّيْخِ، ج١، ص٣٤٠، طَبْعَةُ دَارِ الْعَاصِمَةِ.
٣. الرَّدُّ عَلَى مَنْ جَعَلَ الصِّفَاتِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الْمَجْهُولِ الْمَعْنَى: يُنْظَرُ: الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج٢، ص٧٢٤، طَبْعَةُ دَارِ الْعَاصِمَةِ.
٤. لَازِمُ مَذْهَبِ التَّفْوِيضِ وَأَنَّهُ شَرُّ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ: يُنْظَرُ: دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج١، ص٢٠٥، طَبْعَةُ دَارِ الْكُنُوزِ الْأَدَبِيَّةِ.
[التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِأَهْلِ الْبَحْثِ]:
إِنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّ آيَاتِ الصِّفَاتِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ هُوَ (أَصْلُ الضَّلَالِ)؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِذَلِكَ رَفْعَ الْعِلْمِ بِمَعَانِيهَا لِيَتَسَنَّى لَهُمْ (تَحْرِيفُهَا) بِالتَّأْوِيلِ، أَوْ (تَعْطِيلُهَا) بِالتَّفْوِيضِ. بَيْنَمَا الْحَقُّ أَنَّ نُصُوصَ الصِّفَاتِ مِنَ (الْمُحْكَمِ بَاعْتِبَارِ الْمَعْنَى)، وَمِنَ (الْمُتَشَابِهِ بَاعْتِبَارِ الْكَيْفِ).
-------------------------(٤٦)-------------------
[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَسْبَابُ الْهَلَاكِ وَضَابِطُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: هَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَمِعَ صَوْتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ»).
--------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]
(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ»، وَفِي (ب) «تَمَارَيَا فِي آيَةٍ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ أَصْلَ النِّزَاعِ. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ قَوْلِهِ "فَاجْتَنِبُوهُ": «أَيْ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ».
(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:
هَاجَرْتُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْهَجْرِ) وَهُوَ التَّرْكُ؛ وَالْمُرَادُ الِانْتِقَالُ لِلُزُومِ النَّبِيِّ ﷺ تَعَلُّمًا وَنُصْرَةً.
الْمِرَاءُ (الِاخْتِلَافُ): هُوَ الْمُجَادَلَةُ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ وَالْعِنَادِ لَا عَلَى وَجْهِ اسْتِبَانَةِ الْحَقِّ.
هَلَكَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْهَلَاكِ) وَهُوَ الِاضْمِحْلَالُ وَالْفَنَاءُ، وَالْمُرَادُ هُنَا هَلَاكُ الدِّينِ بِالْبِدَعِ، وَهَلَاكُ الدُّنْيَا بِالْعُقُوبَاتِ.
فَاجْتَنِبُوهُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْجَنْبِ)؛ أَيْ اجْعَلُوهُ فِي جَنْبٍ وَأَنْتُمْ فِي جَنْبٍ آخَرَ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ التَّرْكِ.
(٣) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَتَوْثِيقُهُ:
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٧٢٨٨) وَمُسْلِمٌ (١٣٣٧). وَالْحَدِيثُ يُعَدُّ قَاعِدَةً كُبْرَى مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ فِي بَابِ الطَّاعَةِ.
(ثَالِثًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ:
١. نُكْتَةُ (الْغَضَبِ لِلْوَحْيِ): خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ مُغْضَبًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ (بِالتَّأْوِيلِ أَوِ الْمِرَاءِ) مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْكَلَامِ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ نُصُوصَ الصِّفَاتِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ.
٢. قَاعِدَةُ (كَثْرَةُ السُّؤَالِ مِفْتَاحُ الْبِدْعَةِ): بَيَّنَ ﷺ أَنَّ هَلَاكَ الْأُمَمِ كَانَ بِالسُّؤَالِ عَمَّا لَا يَنْفَعُ، أَوْ عَنِ (الْمُتَشَابِهِ) وَ (الْكَيْفِيَّاتِ)؛ فَالْأَشَاعِرَةُ هَلَكُوا حِينَ سَأَلُوا: "كَيْفَ يَسْتَوِي؟" وَ "كَيْفَ يَنْزِلُ؟" بِعُقُولِهِمْ، وَلَمْ يَسَعْهُمْ مَا وَسِعَ الصَّحَابَةَ.
٣. فَائِدَةُ (الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ):
* فِي الْأَمْرِ قَالَ: «فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ قَدْ تَعْجِزُ عَنْهَا الْقُدْرَةُ.
* فِي النَّهْيِ قَالَ: «فَاجْتَنِبُوهُ» وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ مَقْدُورٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَالْبِدْعَةُ "مَنْهِيٌّ عَنْهَا" فَيَجِبُ اجْتِنَابُهَا كُلِّيَّةً.
٤. ضَابِطُ (الِاخْتِلَافِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ): الِاخْتِلَافُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَكُونُ بِتَرْكِ ظَاهِرِ سُنَّتِهِ إِلَى آرَاءِ الرِّجَالِ، وَهَذَا هُوَ دَيْدَنُ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي صِفَاتِ الرَّبِّ فَافْتَرَقُوا فِرَقًا وَشِيَعًا.
٥. تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ: كُلُّ مَنِ اشْتَغَلَ بِالْمُعَارَضَاتِ الْعَقْلِيَّةِ لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَدْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الْهَلَاكِ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ.
------------------------------(٤٧)---------------------
[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: مِيزَانُ الْإِحْيَاءِ وَالِابْتِدَاعِ وَتَحْقِيقُ مَاهِيَّةِ الْبِدْعَةِ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَقَالَ ﷺ: «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي؛ فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضَلَالَةٍ لَا تَرْضَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا»).
--------------------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]
(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «آثَامِ»، وَفِي (ب) «أَوْزَارِ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِلْمُشَاكَلَةِ مَعَ لَفْظِ "الْإِثْمِ". وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ قَوْلِهِ "بَعْدِي": «أَيْ تُرِكَتْ وَنُسِيَتْ».
(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:
أَحْيَا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْحَيَاةِ)؛ وَالْمُرَادُ هُنَا "إِظْهَارُ السُّنَّةِ وَالْعَمَلُ بِهَا وَدَعْوَةُ النَّاسِ إِلَيْهَا بَعْدَ خَفَائِهَا".
أُمِيتَتْ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْمَوْتِ)؛ وَالْمُرَادُ هُنَا "تَرْكُ النَّاسِ لِلْعَمَلِ بِهَا حَتَّى صَارَتْ كَالْمَيْتَةِ الْمَنْسِيَّةِ".
الْأَجْرُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْأَجْرِ) وَهُوَ الْجَزَاءُ عَلَى الْعَمَلِ؛ وَحَدُّهُ هُنَا: "الثَّوَابُ الْمُدَّخَرُ عِنْدَ اللَّهِ لِلطَّائِعِينَ".
أَوْزَارِهِمْ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْوِزْرِ) وَهُوَ الْحِمْلُ الثَّقِيلُ؛ وَيُطْلَقُ عَلَى الذَّنْبِ لِثِقَلِهِ عَلَى صَاحِبِهِ.
(٣) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ:
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢٦٧٧) وَابْنُ مَاجَهْ (٢٠٩) مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. وَحَسَّنَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِشَوَاهِدِهِ، كَمَا فِي "صَحِيحِ التَّرْغِيبِ" (٥٤).
(ثَانِيًا) تَحْقِيقُ "الْبِدْعَةِ" (بَحْثٌ تَأْصِيلِيٌّ):
١. الْبِدْعَةُ لُغَةً: مِنَ (الْبَدْعِ) وَهُوَ اخْتِرَاعُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ.
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ (اصْطِلَاحًا): «طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ». (الشَّاطِبِيُّ، الِاعْتِصَامُ، ١/ ٤٣).
(ثَالِثًا) أَقْسَامُ الْبِدْعَةِ وَصُوَرُهَا:
[أَوَّلًا: الْبِدْعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ]
حَدُّهَا: هِيَ الَّتِي لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، لَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ، لَا فِي الْجُمْلَةِ وَلَا فِي التَّفْصِيلِ.
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: هِيَ مُضَادَّةٌ لِلشَّارِعِ فِي التَّشْرِيعِ، وَهِيَ شَرُّ الْأَقْسَامِ.
صُوَرُهَا:
بِدَعُ الْمُعْتَقَدَاتِ: كَقَوْلِ الْأَشَاعِرَةِ بِـ "الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ"؛ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ بِالْكُلِّيَّةِ.
بِدَعُ الْعِبَادَاتِ الُمخْتَرَعَةِ: كَصَلَاةِ الرَّغَائِبِ، أَوْ إِحْدَاثِ رَهْبَانِيَّةٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ.
[ثَانِيًا: الْبِدْعَةُ الْإِضَافِيَّةُ]
حَدُّهَا: هِيَ الَّتِي لَهَا شَائِتَانِ: شَائِبَةُ انْتِسَابٍ لِلدَّلِيلِ (مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ)، وَشَائِبَةُ مُخَالَفَةٍ لَهُ (مِنْ جِهَةِ الْكَيْفِيَّةِ أَوِ الْهَيْئَةِ).
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: هِيَ بِدْعَةٌ لِأَنَّ "الْكَيْفِيَّةَ" تَعَبُّدِيَّةٌ، وَالزِّيَادَةَ فِيهَا مَحْضُ افْتِرَاءٍ.
صُوَرُهَا:
تَخْصِيصُ زَمَانٍ: كَالذِّكْرِ الْجَمَاعِيِّ بِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، فَالذِّكْرُ مَشْرُوعٌ أَصْلًا (سُنَّةٌ)، لَكِنَّ الْهَيْئَةَ وَالِاجْتِمَاعَ مُخْتَرَعٌ (بِدْعَةٌ).
تَحْدِيدُ عَدَدٍ: كَمَنْ يَلْتَزِمُ قِرَاءَةَ سُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ لِغَرَضٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ النَّصُّ.
(رَابِعًا) الْفَوَائِدُ وَالنُّكَتُ الْعَقَدِيَّةُ:
١. نُكْتَةُ (الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ): السُّنَّةُ لَا تَمُوتُ فِي نَفْسِهَا، وَلَكِنَّهَا تَمُوتُ فِي "قُلُوبِ الْخَلْقِ" وَ"وَاقِعِهِمْ"، وَأَعْظَمُ إِحْيَاءٍ لَهَا هُوَ دَفْعُ "تَحْرِيفِ" الْأَشَاعِرَةِ عَنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ.
٢. قَاعِدَةُ (الْمُشَاكَلَةِ فِي الْأَجْرِ وَالْوِزْرِ): مَنْ فَتَحَ بَابًا مِنَ الْهُدَى كَانَ شَرِيكًا فِي أَجْرِ كُلِّ مَنْ تَبِعَهُ، وَمَنْ شَرَّعَ بِدْعَةً (كَالتَّأْوِيلِ الْكَلَامِيِّ) حَمَلَ أَوْزَارَ كُلِّ مَنْ ضَلَّ بِسَبَبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
٣. فَائِدَةُ (بِدْعَةِ الضَّلَالَةِ): نَصُّ ﷺ عَلَى أَنَّ الْبِدْعَةَ "ضَلَالَةٌ" وَأَنَّهَا "لَا تُرْضِي اللَّهَ"، وَهَذَا رَدٌّ قَاطِعٌ عَلَى مَنْ قَسَّمَ الْبِدْعَةَ إِلَى (حَسَنَةٍ)، لِأَنَّ مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ لَا يَكُونُ حَسَنًا أَبَدًا.
٤. تَأْصِيلٌ: الْبِدْعَةُ الْإِضَافِيَّةُ أَخْفَى عَلَى الْعَامَّةِ مِنَ الْحَقِيقِيَّةِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَتَمَسَّحُ بِأَصْلٍ شَرْعِيٍّ، وَلِذَا كَانَ التَّحْذِيرُ مِنْهَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ آكَدَ.
-------------------------(٥٥)----------------------
[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ فِي رَدِّ الْمُحْدَثَاتِ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَفِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»).
[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ (مُشَكَّلَةً)]
(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «مَا لَيْسَ مِنْهُ»، وَفِي (ب) «مَا لَيْسَ فِيهِ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ يُفِيدُ نَفْيَ الْأَصْلِيَّةِ عَنِ الْمُحْدَثِ. وَزَادَتْ (ب) رِوَايَةَ مُسْلِمٍ الْأُخْرَى: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:
أَحْدَثَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْحُدُوثِ)؛ وَالْمُرَادُ هُنَا "إِيجَادُ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ فِي الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَابِقُ مِثَالٍ شَرْعِيٍّ".
أَمْرِنَا هَذَا: (الْأَمْرُ) هُنَا بِمَعْنَى "الشَّأْنِ" أَوْ "الدِّينِ"؛ أَيْ دِينُ الْإِسْلَامِ وَشَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ.
رَدٌّ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الرَّدِّ) وَهُوَ الْإِرْجَاعُ؛ وَالْمَعْنَى: "مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ اللَّهِ".
(٣) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَتَوْثِيقُهُ:
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢٦٩٧) وَمُسْلِمٌ (١٧١٨). وَالْحَدِيثُ يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ "مِيزَانَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ"، كَمَا أَنَّ حَدِيثَ (النيات) مِيزَانُ الْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ.
(ثَالِثًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ:
١. قَاعِدَةُ (الْإِحْدَاثِ الْمَذْمُومِ): بَيَّنَ ﷺ أَنَّ مَنَاطَ الرَّدِّ هُوَ "الْإِحْدَاثُ"؛ فَكُلُّ مَا لَمْ يَسْبِقْ بِهِ النَّصُّ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَهَذَا يَنْسَحِبُ عَلَى "الْمُصْطَلَحَاتِ الْكَلَامِيَّةِ" الْمُبْتَدَعَةِ (كَالْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ وَالْحَيِّزِ) الَّتِي أَقْحَمَهَا الْأَشَاعِرَةُ فِي صِفَاتِ الرَّبِّ؛ فَهِيَ مَحْضُ إِحْدَاثٍ فِي الدِّينِ، فَهِيَ "رَدٌّ".
٢. نُكْتَةُ (مَا لَيْسَ مِنْهُ): قَوْلُهُ "مَا لَيْسَ مِنْهُ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ "مِنْهُ" (أَيْ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ) فَلَيْسَ بِمَرْدُودٍ؛ وَهَذَا يَمْنَعُ دُخُولَ "الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ" الدُّنْيَوِيَّةِ فِي بَابِ الْبِدَعِ.
٣. فَائِدَةُ (فَهُوَ رَدٌّ): لَمْ يَقُلْ ﷺ "فَهُوَ خَطَأٌ" فَقَطْ، بَلْ قَالَ "رَدٌّ"؛ لِيُفِيدَ أَنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ آثِمٌ وَعَمَلَهُ هَبَاءٌ مَنْثُورٌ، وَإِنْ كَانَ حَسَنَ النِّيَّةِ.
٤. ضَابِطُ (أَمْرِنَا هَذَا): إِضَافَةُ الْأَمْرِ إِلَى "النَّا" (أَمْرُنَا) تُشِيرُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ وَالصَّحَابَةُ، فَمَا خَرَجَ عَنْ سَبِيلِهِمْ فَهُوَ مُحْدَثٌ.
٥. تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَهْدِمُ "بِدْعَةَ التَّأْوِيلِ"؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ (بِمَعْنَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ) هُوَ طَرِيقَةٌ "مُحْدَثَةٌ" لَمْ تَكُنْ فِي "أَمْرِ" الصَّحَابَةِ، فَهِيَ مَرْدُودَةٌ شَرْعًا.
---------------------------(٥٦)----------------------
[الْفَقْرَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ}]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [الْأَنْعَامُ: ١٥٩]؛ هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ»).
------------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]
(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «أَصْحَابُ الْبِدَعِ»، وَفِي (ب) «أَهْلُ الْبِدَعِ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّ "الصُّحْبَةَ" هُنَا تُفِيدُ لُزُومَهُمْ لِلْبِدْعَةِ حَتَّى صَارَتْ شِعَارًا لَهُمْ.
(٢) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ:
رِوَايَةُ الْحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ، وَاللَّالَكَائِيُّ فِي شَرْحِ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
حُكْمُ الْمُحَدِّثِينَ:
الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر: مَالَ إِلَى تَحْسِينِهِ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى عُمْدَةِ التَّفْسِيرِ.
الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ: أَشَارَ إِلَى عِلَلِ بَعْضِ أَسَانِيدِهِ لَكِنَّهُ أَقَرَّ بِصِحَّةِ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ.
الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: ضَعَّفَ الرَّفْعَ فِي "السِّلْسِلَةِ الضَّعِيفَةِ" (رقم ١٣١٧)، لَكِنَّهُ أَثْبَتَ صِحَّتَهُ "مَوْقُوفًا" عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ مُطَابِقٌ لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
(ثَانِيًا) التَّفْسِيرُ الْعَقَدِيُّ لِلْآيَةِ:
تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: ذَكَرَ أَنَّ الآيَةَ تَعُمُّ كُلَّ مَنْ فَارَقَ دِينَ اللَّهِ وَخَالَفَهُ، وَإِنَّمَا دِينُ اللَّهِ وَاحِدٌ وَهُوَ (الِاتِّبَاعُ)، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَقَالَاتِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ؛ تَفَرَّقُوا وَصَارُوا شِيَعًا (أَحْزَابًا).
تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: أَكَّدَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّينَ يَأْمُرُ بِالِاجْتِمَاعِ وَالِائْتِلَافِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَأَنَّ كُلَّ مُبْتَدِعٍ فَقَدْ فَرَّقَ الدِّينَ.
(ثَالِثًا) تَأْصِيلُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ (حَوْلَ الْحَدِيثِ وَالآيَةِ):
بَيَّنَ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ فِي تَأْصِيلَاتِهِ أَنَّ الِارْتِبَاطَ بَيْنَ الآيَةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ ارْتِبَاطٌ (وُجُودِيٌّ)؛ وَذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ:
١. نَفْيُ الْبَرَاءَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} فِيهِ أَعْظَمُ تَحْذِيرٍ لِلْأَشَاعِرَةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ حَرَّفُوا الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ بِتَفْرِيقِهِمْ لِلدِّينِ خَرَجُوا عَنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ الظَّاهِرِ.
٢. وَصْفُ (الشِّيَعِ): أَهْلُ السُّنَّةِ وَاحِدُونَ (جَمَاعَةٌ)، وَأَهْلُ الْبِدَعِ (شِيَعٌ)؛ فَتَجِدُ الْأَشَاعِرَةَ أَنْفُسَهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي أَهَمِّ مَسَائِلِهِمْ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّهُمْ أَهْلُ أَهْوَاءٍ.
٣. التَّحْذِيرُ مِنَ الِانْتِسَابِ لِلْمَقَالَاتِ: الآيَةُ تَذُمُّ مَنْ جَعَلَ دِينَهُ مَبْنِيًّا عَلَى "مَقَالَةٍ" مُحْدَثَةٍ يُوَالِي وَيُعَادِي عَلَيْهَا.
(رَابِعًا) الْفَوَائِدُ وَالنُّكَتُ الْعَقَدِيَّةُ:
١. نُكْتَةُ (تَفْرِيقِ الدِّينِ): الدِّينُ كُلٌّ لَا يَتَجَزَّأُ، فَمَنْ آَمَنَ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ (كَالسَّبْعِ) وَكَفَرَ أَوْ أَوَّلَ الْبَاقِي كَالْأَشَاعِرَةِ؛ فَقَدْ "فَرَّقَ دِينَهُ" وَجَعَلَهُ عِضِينَ.
٢. قَاعِدَةُ (الْأَهْوَاءُ تُورِثُ الشَّتَاتَ): كُلَّمَا بَعُدَ النَّاسُ عَنِ الأَثَرِ، زَادَ فِيهِمُ التَّشَيُّعُ وَالتَّحَزُّبُ، وَلِذَا ذَمَّ اللَّهُ مُشَابَهَةَ الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ.
٣. فَائِدَةُ (تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ): رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -مَوْقُوفًا- أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِي "أَهْلِ الْبِدَعِ"، وَتَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ لِلآيَةِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ لِتَعَلُّقِهِ بِالْغَيْبِ وَالْفِتَنِ.
٤. ضَابِطُ (الْبَرَاءَةِ النَّبَوِيَّةِ): قَوْلُهُ ﷺ لِعَائِشَةَ يُؤَصِّلُ لَنَا أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَيْسُوا عَلَى طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الِاعْتِقَادِ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ (أَهْلُ السُّنَّةِ) زُورًا وَتَلْبِيسًا.
-------------------------(٥٧)----------------------
[الْفَقْرَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْوَصِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ الْجَامِعَةُ وَلُزُومُ سَبِيلِ الرَّاشِدِينَ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُودِّعٍ، فَأَوْصِنَا. قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»).
-------------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]
(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «الْمَهْدِيِّينَ»، وَفِي (ب) «الْمُرْشِدِينَ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِمُوَافَقَتِهِ لِمَشْهُورِ السُّنَنِ. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ قَوْلِهِ "بِالنَّواجِذِ": «وَتَمَسَّكُوا بِهَا».
(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:
الْوَصِيَّةُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْوَصْلِ)؛ وَهِيَ الْأَمْرُ الْمُؤَكَّدُ الْمَقْرُونُ بِالنُّصْحِ.
التَّقْوَى: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْوِقَايَةِ)؛ وَهِيَ اجْعَالُ حَاجِزٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَعَذَابِ اللَّهِ.
عَبْدًا حَبَشِيًّا: كِنَايَةٌ عَنْ مُنْتَهَى التَّوَاضُعِ فِي النَّسَبِ، لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ صِيَانَةً لِلْجَمَاعَةِ.
الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: هُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-، وَوُصِفُوا بِـ (الرَّاشِدِينَ) لِكَمَالِ عِلْمِهِمْ بِالْحَقِّ، وَبِـ (الْمَهْدِيِّينَ) لِتَوْفِيقِ اللَّهِ لَهُمْ لِلْعَمَلِ بِهِ.
النَّوَاجِذِ: هِيَ أَقْصَى الْأَضْرَاسِ؛ وَالْمُرَادُ شِدَّةُ الِاسْتِمْسَاكِ لِأَنَّ الْعَضَّ بِالنَّوَاجِذِ يَكُونُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ.
(٣) تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ (الْمُحْدَثَةِ) وَ(الْبِدْعَةِ):
الْمُحْدَثَةُ: لُغَةً مِنَ (الْحُدُوثِ) وَهُوَ ضِدُّ الْقِدَمِ، وَاصْطِلَاحًا: مَا اسْتُجِدَّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الدِّينِ. وَاسْتِعْمَالُهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يَقَعُ عَلَى الذَّاتِ وَالْمَعْنَى.
الْبِدْعَةُ: لُغَةً مِنَ (الْبَدْعِ) وَهُوَ الِاخْتِرَاعُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَاصْطِلَاحًا: مَا أُضِيفَ لِلدِّينِ تَعَبُّدًا وَلَيْسَ مِنْهُ.
الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: (الْمُحْدَثَةُ) أَشْمَلُ مِنَ (الْبِدْعَةِ) فِي اللُّغَةِ، لَكِنَّهُمَا فِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ "إِذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا، وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا"؛ فَكُلُّ بِدْعَةٍ فِي الدِّينِ مُحْدَثَةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُحْدَثٍ دُنْيَوِيٍّ بِدْعَةً شَرْعِيَّةً مَذْمُومَةً.
(٤) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَأَقْوَالُ النُّقَّادِ:
التَّخْرِيجُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤٦٠٧)، وَابْنُ مَاجَهْ (٤٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٦٧٦) وَقَالَ: "حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".
أَقْوَالُ الْمُحَدِّثِينَ:
أَحْمَدُ شَاكِر: صَحَّحَهُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُسْنَدِ.
الْأَلْبَانِيُّ: صَحَّحَهُ فِي "صَحِيحِ التَّرْغِيبِ" (٣٧) وَ"ظِلَالِ الْجَنَّةِ".
الْمُعَلِّمِيُّ اليماني: اسْتَدَلَّ بِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مُقِرًّا بِثُبُوتِهِ.
مُقْبِلٌ الْوَادِعِيُّ: صَحَّحَهُ فِي "الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ".
تَأْصِيلُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ: بَيَّنَ أَنَّ قَرْنَ (سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ) بِـ (سُنَّةِ النَّبِيِّ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَهْمَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ فَهْمِيَّةٌ تَقْطَعُ النِّزَاعَ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ.
(ثَانِيًا) الْفَوَائِدُ وَالنُّكَتُ وَالْقَوَاعِدُ:
١. نُكْتَةُ (الِاخْتِلَافِ الْكَثِيرِ): هَذَا مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ؛ وَالِاخْتِلَافُ لَا يُرْفَعُ إِلَّا بِالْعَوْدَةِ لِلْمَنْبَعِ الصَّافِي (السُّنَّةِ)، وَكُلُّ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ السَّلَفِ مِنَ الْمَقَالَاتِ الْكَلَامِيَّةِ (كَالْأَشْعَرِيَّةِ) هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا "الِاخْتِلَافِ الْكَثِيرِ" الْمَذْمُومِ.
٢. قَاعِدَةُ (الْمُحْدَثَاتِ كُلُّهَا ضَلَالَةٌ): قَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» هُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّذِي يَهْدِمُ "بِدْعَةَ التَّقْسِيمِ الْخُمَاسِيِّ" لِلْبِدْعَةِ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ يُعَمِّمُ الضَّلَالَةَ، وَأَهْلُ الْكَلَامِ يُفَصِّلُونَ فِيهَا لِيُسَوِّغُوا بِدَعَهُمْ.
٣. فَائِدَةُ (الْعَضِّ بِالنَّوَاجِذِ): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ آخِرَ الزَّمَانِ يَحْتَاجُ إِلَى "صَبْرٍ" وَ"مُجَاهَدَةٍ" لِلثَّبَاتِ عَلَى الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ أَمَامَ سُيُولِ الشُّبُهَاتِ.
٤. ضَابِطُ (الْمَهْدِيِّينَ): الِاهْتِدَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمُتَابَعَةِ مَنْ هَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَهُمُ الصَّحَابَةُ؛ فَمَنْ حَادَ عَنْ طَرِيقِهِمْ فَقَدْ ضَلَّ هَدْيُهُ.
٥. تَأْصِيلٌ: قَرَنَ ﷺ بَيْنَ "التَّقْوَى" (حَقُّ اللَّهِ) وَ"السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ" (حَقُّ الْوَلِيِّ)، لِأَنَّ الدِّينَ لَا يَقُومُ إِلَّا بِأَمْنِ الْجَمَاعَةِ وَصَفَاءِ الْعَقِيدَةِ.
----------------------------(٥٨)----------------------
[الْفَقْرَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: مِيزَانُ الِافْتِرَاقِ وَصِفَةُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً؛ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً». قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»)
-------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]
(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْفَاظُ الْحَدِيثِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «مِلَّةً»، وَفِي (ب) «فِرْقَةً»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِمُوَافَقَةِ لَفْظِ التِّرْمِذِيِّ. وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَفْظُ «الْجَمَاعَةِ» بَدَلَ «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَقَدِيًّا.
(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:
تَفَرَّقَتْ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْفَرْقِ)؛ وَهُوَ التَّبَايُنُ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْمَقَالَاتِ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْوَحْيِ.
مِلَّةً: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْمَلِّ) وَهُوَ الطَّرِيقُ الْمَسْلُوكُ؛ وَتُطْلَقُ هُنَا عَلَى النِّحَلِ وَالْمَذَاهِبِ الْمُبْتَدَعَةِ.
كُلُّهُمْ فِي النَّارِ: هَذَا "وَعِيدٌ" بِسَبَبِ التَّفْرِيقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْخُلُودُ أَوْ كُفْرُ جَمِيعِ الْفِرَقِ، بَلْ هُوَ حَالُ أَهْلِ الْوَعِيدِ.
مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي: هَذَا هُوَ (الْحَدُّ الْجَامِعُ) لِلسُّنَّةِ؛ أَيْ الِاعْتِصَامُ بِالْوَحْيِ فَهْمًا وَتَطْبِيقًا كَمَا فَعَلَ الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ.
(٣) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَطُرُقُهُ وَأَقْوَالُ الْمُحَقِّقِينَ:
التَّخْرِيجُ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢٦٤١)، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (١/١٢٩). وَلَهُ شَوَاهِدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعَاوِيَةَ وَأَنَسٍ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ.
أَقْوَالُ النُّقَّادِ:
الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: صَحَّحَ الْحَدِيثَ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ فِي "صَحِيحِ الْجَامِعِ" (٥٣٤٣)، وَبَيَّنَ أَنَّ قِطْعَةَ (مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) ثَابِتَةٌ مَعْنًى وَسَنَدًا، وَقَدْ تَتَبَّعَ طُرُقَهَا تَتَبُّعًا بَحْثِيًّا دَقِيقًا فِي "السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ" (٢٠٤).
الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر: حَسَّنَ الْحَدِيثَ وَقَوَّاهُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى (عُمْدَةِ التَّفْسِيرِ) عِنْدَ آيَةِ الِاعْتِصَامِ، وَأَكَّدَ أَنَّ كَثْرَةَ الشَّوَاهِدِ تَرْفَعُهُ لِدَرَجَةِ الصِّحَّةِ، وَأَنَّ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو هِيَ أَفْضَلُ مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ صِفَةِ النَّاجِينَ.
الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ اليماني: قَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُتَلَقًّى بِالْقَبُولِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمَلًا وَتَأْصِيلًا، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ مَفَارِيدِ أَسَانِيدِهِ مَقَالٌ، إِلَّا أَنَّ التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ قَائِمٌ فِيهِ لِكَثْرَةِ مَخَارِجِهِ.
الشَّيْخُ مُقْبِلٌ الْوَادِعِيُّ: جَعَلَ الْحَدِيثَ فِي "الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ" (رقم ٧٨٦)، وَأَكَّدَ أَنَّ مَدَارَ الْحَدِيثِ عَلَى الثُّبُوتِ، وَأَنَّ الِافْتِرَاقَ وَاقِعٌ قَدَرًا كَمَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ.
(ثَانِيًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ (أَكْثَرُ مِنْ ٦ أَسْطُرٍ):
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ (أَصْلُ الْأُصُولِ) فِي بَابِ الْجَمَاعَةِ وَالِافْتِرَاقِ؛ حَيْثُ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ "الْمِعْيَارَ" هُوَ (مَا كَانَ عَلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ)، وَهَذَا فِيهِ إِبْطَالٌ لِكُلِّ مَنْهَجٍ يَسْتَنِدُ إِلَى الْعَقْلِ الْمَحْضِ كَالْأَشَاعِرَةِ. وَيُؤَكِّدُ السَّنْدِيُّ أَنَّ (الِافْتِرَاقَ) الْمَذْكُورَ لَيْسَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الْفِقْهِيِّ، بَلْ هُوَ فِي "أُصُولِ الدِّيَانَةِ" وَ"الْعَقَائِدِ"، لِأَنَّ التَّفَرُّقَ فِي الْعَقِيدَةِ يُورِثُ (الشِّيَعَ) وَ (النِّحَلَ). كَمَا يُنَبِّهُ إِلَى أَنَّ دُخُولَ الْفِرَقِ فِي النَّارِ هُوَ مِنْ بَابِ (وَعِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ)، فَلَا يُكَفَّرُ مَنِ انْتَسَبَ لِهَذِهِ الْفِرَقِ بِمُجَرَّدِ الِانْتِسَابِ، مَا لَمْ يَأْتِ بِمُكَفِّرٍ مَحْضٍ، فَالْمَدَارُ هُنَا عَلَى (الْعُقُوبَةِ) وَلَيْسَ عَلَى (الْخُرُوجِ مِنَ الْمِلَّةِ) مُطْلَقًا، وَذَلِكَ رَدًّا عَلَى غُلَاةِ التَّكْفِيرِ.
(ثَالِثًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (أَكْثَرُ مِنْ ٦ أَسْطُرٍ):
الْمَقْصُودُ بِالْأُمَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي» هِيَ (أُمَّةُ الْإِجَابَةِ) لَا (أُمَّةُ الدَّعْوَةِ)؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَانْتِسَابٍ، وَلِأَنَّ أُمَّةَ الدَّعْوَةِ (الْكُفَّارَ) لَا يُقَالُ فِيهِمْ "تَفْتَرِقُ" إِذْ هُمْ عَلَى ضَلَالٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَيَجِبُ التَّفْرِيقُ الدَّقِيقُ بَيْنَ (الْفِرْقَةِ) كَمَنْهَجٍ وَبَيْنَ (الْأَفْرَادِ)؛ فَالْوَعِيدُ بـ "النَّارِ" مُتَوَجِّهٌ لِلْمُخَالَفَةِ الْعَقَدِيَّةِ الَّتِي شَقَّتْ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ هُوَ كَافِرٌ خَالِدٌ فِي النَّارِ، بَلْ هُمْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَالْحَدِيثُ جَاءَ فِي مَقَامِ "الذَّمِّ وَالزَّجْرِ" عَنِ الِابْتِدَاعِ لَا فِي مَقَامِ "التَّكْفِيرِ الشَّامِلِ". وَبِهَذَا تَنْحَلُّ إِشْكَالَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي فَهْمِ الْحَدِيثِ، حَيْثُ يُجْمَعُ بَيْنَ (ذَمِّ الْمَقَالَةِ الْبِدْعِيَّةِ) وَبَيْنَ (حُكْمِ الْإِسْلَامِ الْعَامِّ) لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَهَذَا هُوَ مَسْلَكُ التَّحْقِيقِ الَّذِي يَنْفِي عَنْ هَذَا الْأَصْلِ غُلُوَّ الْغَالِينَ وَتَنْحِيلَ الْمُبْطِلِينَ.
(رَابِعًا) الْفَوَائِدُ وَالنُّكَتُ وَالْقَوَاعِدُ:
١. قَاعِدَةُ (الِاسْتِثْنَاءِ النَّبَوِيِّ): لَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاةَ بـ (الْكَثْرَةِ)، بَلْ بـ (الْمُوَافَقَةِ)؛ فَالْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ وَاحِدَةٌ وَإِنْ قَلَّ أَتْبَاعُهَا، وَالْهَالِكَةُ كَثِيرَةٌ وَإِنْ طَبَّقَتِ الْآفَاقَ.
٢. نُكْتَةُ (الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالسُّنَّةِ): ذِكْرُ (الْأَصْحَابِ) مَعَ شَخْصِهِ ﷺ يُؤَصِّلُ لَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ لَيْسُوا مُجَرَّدَ نَقَلَةٍ لِلنَّصِّ، بَلْ هُمْ (نَمُوذَجٌ تَطْبِيقِيٌّ) لِلْفَهْمِ، فَمَنْ فَسَّرَ الْقُرْآنَ بِخِلَافِ فَهْمِهِمْ (كَالْأَشَاعِرَةِ فِي التَّأْوِيلِ) فَلَيْسَ مِنَ "الْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ" فِي هَذَا الْبَابِ.
٣. فَائِدَةُ (الْوَعِيدِ بِالنَّارِ): هَذَا الذَّمُّ الشَّدِيدُ لِلِافْتِرَاقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبِدْعَةَ فِي الْعَقِيدَةِ أَعْظَمُ مِنَ الْكَبَائِرِ الْعَمَلِيَّةِ (كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ)، لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ يُهَدِّدُ أَصْلَ الدِّيَانَةِ.
٤. ضَابِطُ (أُمَّةِ الْإِجَابَةِ): تَبْقَى جَمِيعُ الْفِرَقِ (مِنْ أُمَّتِهِ) مَا لَمْ يَأْتُوا بِشِرْكٍ أَكْبَرَ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ يَسْتَخْدِمُ هَذَا الْحَدِيثَ لِإِخْرَاجِ الْمُخَالِفِينَ مِنَ الْإِسْلَامِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.
------------------------(٥٩)---------------------
[الْفَقْرَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: مِيزَانُ الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْعِصْمَةِ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا»).
-------------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «أَحْسَنَ الْهَدْيِ»، وَفِي (ب) «خَيْرَ الْهُدَى»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِمُوَافَقَتِهِ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ. وَزَادَتْ (ب) فِي آخِرِهِ: «وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ».
(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:
أَحْسَنَ الْحَدِيثِ: (الْحَدِيثُ) هُنَا هُوَ الْكَلَامُ؛ وَكِتَابُ اللَّهِ أَحْسَنُهُ لِأَنَّهُ مَنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ خَالِقِ الْقُوى وَالْقَدَرِ، وَلَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ.
الْهَدْيِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْهُدَى) وَهُوَ الدَّلَالَةُ وَالسِّيرَةُ وَالطَّرِيقَةُ؛ وَهَدْيُهُ ﷺ هُوَ الْأَكْمَلُ لِأَنَّهُ تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِلْوَحْيِ.
شَرَّ الْأُمُورِ: (الشَّرُّ) ضِدُّ الْخَيْرِ؛ وَوُصِفَتِ الْمُحْدَثَاتُ بِأَنَّهَا شَرٌّ لِأَنَّهَا مَحْضُ افْتِرَاءٍ عَلَى اللَّهِ وَتَدْنِيسٍ لِصَفَاءِ الدِّينِ.
(٣) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ:
أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٦٠٩٨) مَوْقُوفًا، وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالْآجُرِّيُّ فِي "الشَّرِيعَةِ".
حَدِيثُ جَابِرٍ (الْمَرْفُوعُ): رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٧٢٧٧) مُخْتَصَرًا، وَمُسْلِمٌ (٨٦٧) بِتَمَامِهِ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
(ثَانِيًا) النُّكَتُ وَالْفَوَائِدُ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ:
١. قَاعِدَةُ (الْأَحْسَنِيَّةِ): إِذَا كَانَ كِتَابُ اللَّهِ "أَحْسَنَ الْحَدِيثِ"، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَلْفَاظَهُ وَمَعَانِيَهُ هِيَ الْحَقُّ الْمُطْلَقُ، فَكَيْفَ يَعْدِلُ الْأَشَاعِرَةُ عَنْ "ظَاهِرِ" هَذَا الْحَدِيثِ الْأَحْسَنِ إِلَى تَأْوِيلَاتِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُسْتَقْبَحَةِ؟!
٢. نُكْتَةُ (الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ): خَيْرُ الْهَدْيِ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ بِلَا تَمْثِيلٍ وَتَنْزِيهِهَا بِلَا تَعْطِيلٍ؛ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ طَرِيقَةَ (الْمُتَأَخِّرِينَ) أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ مِنْ طَرِيقَةِ (السَّلَفِ) فَقَدْ طَعَنَ فِي خَيْرِيَّةِ هَدْيِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
٣. فَائِدَةُ (ذَمِّ الْمُحْدَثَاتِ): وَصْفُ الْمُحْدَثَاتِ بِأَنَّهَا "شَرُّ الْأُمُورِ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا خَيْرَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِنْ زَيَّنَهَا أَصْحَابُهَا بِأَسْمَاءٍ بَرَّاقَةٍ مِثْلِ "الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ" أَوْ "التَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ".
٤. ضَابِطُ (الِاتِّصَالِ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ): قَرَنَ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالْهَدْيِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ؛ فَالْقُرْآنُ هُوَ "الْخَبَرُ" وَالْهَدْيُ النَّبَوِيُّ هُوَ "الْبَيَانُ"، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ.
٥. تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ: هَذَا الْأَثَرُ يَهْدِمُ أَصْلَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، لِأَنَّ كُلَّ طَوَائِفِهِمْ تَقُومُ عَلَى "مُحْدَثَاتِ" الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ، فَكَانُوا هُمْ "شَرَّ النَّاسِ" فِي هَذَا الْبَابِ.
------------------------(٦٠)------------------------
[الْفَقْرَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: كِتَابُ اللَّهِ هُوَ الْمَخْرَجُ مِنَ الْفِتَنِ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَعَنْ أَبِي الْمُخْتَارِ الطَّائِيِّ، عَنِ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، عَنِ الْحَارِثِ قَالَ: مَرَرْتُ بِالْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ». قُلْتُ: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللَّهِ؛ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسُنُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ»).
-------------------------------------&

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ»، وَفِي (ب) «يَخُوضُونَ فِي الْقَصَصِ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِمُوَافَقَتِهِ لِطَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ. وَزَادَتْ (ب) بَعْدَ قَوْلِهِ "الْمُسْتَقِيمُ": «وَلَا تَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ».
(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:
فِتْنَةٌ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْفَتْنِ) وَهُوَ عَرْضُ الذَّهَبِ عَلَى النَّارِ لِيُعْلَمَ خُلُوصُهُ؛ وَحَدُّهَا الشَّرْعِيُّ: "الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِالْتِبَاسُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ".
قَصَمَهُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْقَصْمِ) وَهُوَ كَسْرُ الشَّيْءِ مَعَ الْإِبَانَةِ؛ وَالْمُرَادُ هُنَا "إِهْلَاكُ الظَّالِمِ وَاسْتِئْصَالُ شَأْفَتِهِ".
الْمَتِينُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْمَتَانَةِ) وَهُوَ شِدَّةُ الشَّيْءِ وَقُوَّتُهُ؛ وَكِتَابُ اللَّهِ مَتِينٌ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يُهْزَمُ مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ.
لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ: (تَزِيغُ) مِنَ الْمَيْلِ؛ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْقُرْآنَ يُصَحِّحُ كُلَّ هَوًى بَاطِلٍ، فَلَا يَضِلُّ مَنِ اتَّخَذَهُ مِيزَانًا، وَلَا يَمِيلُ إِلَى بِدْعَةٍ أَوْ زَيْغٍ.
لَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسُنُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (اللَّبْسِ) وَهُوَ الْخَلْطُ؛ أَيْ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّحْرِيفُ الَّذِي يَمْنَعُ صِحَّةَ النُّطْقِ بِهِ أَوْ فَهْمِ مَعَانِيهِ.
(٣) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَعِلَلُهُ:
تَخْرِيجُهُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢٩٠٦)، وَالدَّارِمِيُّ (٣٣٣١).
عِلَلُ الْحَدِيثِ: الْحَدِيثُ فِيهِ عِلَّتَانِ قَادِحَتَانِ:
الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ: وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ؛ كَذَّبَهُ الشَّعْبِيُّ، وَضَعَّفَهُ جُمْهُورُ النُّقَّادِ (ابْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ)، وَرُمِيَ بِالرَّفْضِ.
الْإِبْهَامُ: رِوَايَةُ أَبِي الْمُخْتَارِ عَنْ "ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ" فِيهَا مَجْهُولٌ لَمْ يُسَمَّ.
أَقْوَالُ الْمُحَدِّثِينَ:
الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر: مَالَ إِلَى تَحْسِينِهِ فِي مَوَاضِعَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ، لَكِنَّهُ أَقَرَّ بِضَعْفِ سَنَدِهِ.
الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: ضَعَّفَهُ جِدًّا فِي "مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ" (٢١٣٩) وَفِي "ضَعِيفِ التِّرْمِذِيِّ"، وَقَالَ: "سَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، الْحَارِثُ مَتْرُوكٌ وَفِيهِ مَجْهُولٌ".
الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ: ذَكَرَ فِي (التَّنْكِيلِ) مَا يُفِيدُ ضَعْفَ الْحَارِثِ وَبُطْلَانَ مَفَارِيدِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا يُنْكَرُ عَلَيْهِ رَفْعُهُ.
الشَّيْخُ مُقْبِلٌ الْوَادِعِيُّ: جَزَمَ بِضَعْفِهِ فِي كُتُبِهِ، مُعَلِّلًا بِالْحَارِثِ الْأَعْوَرِ الَّذِي لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُصُولِ.
الشَّوَاهِدُ: لَهُ شَوَاهِدُ فِي فَضْلِ الْقُرْآنِ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنَّ هَذَا "السِّيَاقَ الْمَطْوَلَ" لَا يَثْبُتُ مَرْفُوعًا بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- (مَوْقُوفًا).
(ثَانِيًا) الْفوَائِدُ وَالنُّكَتُ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ:
١. قَاعِدَةُ (الْمَخْرَجِ مِنَ الْفِتَنِ): حَتَّى مَعَ ضَعْفِ السَّنَدِ، فَإِنَّ (الْمَعْنَى) صَحِيحٌ قَطْعًا؛ فَالِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ هُوَ الْعَاصِمُ مِنَ الضَّلَالِ وَالْأَهْوَاءِ.
٢. نُكْتَةُ (عَدَمِ زَيْغِ الْأَهْوَاءِ): كِتَابُ اللَّهِ (مُحْكَمٌ)، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ (كَالْأَشَاعِرَةِ) إِنَّمَا زَاغُوا لِأَنَّهُمْ قَدَّمُوا الْعَقْلَ عَلَيْهِ، فَلَوْ وَقَفُوا عِنْدَ نُصُوصِهِ لَمَا مَالُوا عَنِ الْحَقِّ.
٣. فَائِدَةُ (الْقَصْمِ): فِيهِ وَعِيدٌ لِكُلِّ جَبَّارٍ (مِنَ الْحُكَّامِ أَوْ أَئِمَّةِ الضَّلَالِ) الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الْقُرْآنَ كِبْرًا وَعِنَادًا.
٤. ضَابِطُ (الْحِفْظِ الرَّبَّانِيِّ): قَوْلُهُ تَعَالَى {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} يَتَضَمَّنُ حِفْظَ أَلْفَاظِهِ مِنَ التَّبْدِيلِ، وَحِفْظَ مَعَانِيهِ مِنَ التَّحْرِيفِ الْكُلِّيِّ، فَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مَنْصُورَةٌ تَقُومُ بِالْحَقِّ فِيهِ.
٥. تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ: الْقُرْآنُ هُوَ "الْمُهَيْمِنُ"، فَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي "الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ" أَوْ "الْكَلَامِ الْبَشَرِيِّ" أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهَذَا حَالُ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ تَاهُوا فِي ظُلُمَاتِ الشُّكُوكِ.
----------------------------(٦١)-----------------
[الْفَقْرَةُ الْخَمْسُونَ: بَيَانُ غُرْبَةِ الدِّينِ وَبِشَارَةُ الْمُصْلِحِينَ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ؛ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي»).

[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ»، وَفِي (ب) «يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى "الْإِصْلَاحِ" لِلسُّنَّةِ بَعْدَ تَحْرِيفِ الْمُبْطِلِينَ.

(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:
غَرِيبًا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْغُرْبَةِ) وَهِيَ الْبُعْدُ عَنِ الْوَطَنِ وَالْأَهْلِ؛ وَالْمُرَادُ قِلَّةُ الْعَالِمِينَ بِحَقِيقَةِ الدِّينِ وَالْمُسْتَمْسِكِينَ بِهِ.
طُوبَى: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الطِّيبِ)؛ وَهِيَ كَلِمَةُ ثَنَاءٍ وَبِشَارَةٍ، وَقِيلَ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ.
يُصْلِحُونَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الصَّلَاحِ) ضِدِّ الْفَسَادِ؛ وَالْمُرَادُ إِعَادَةُ النَّاسِ إِلَى مَحْضِ السُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ.

(٣) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَأَلْفَاظُهُ وَأَقْوَالُ الْمُحَقِّقِينَ:
التَّخْرِيجُ: أَصْلُ الْحَدِيثِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (١٤٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢٦٢٩) بِلَفْظِ الْمَتْنِ، وَابْنُ مَاجَهْ (٣٩٨٨) عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ (وَهُوَ طَرِيقُ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ).

أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ:
لَفْظُ مُسْلِمٍ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا...».
لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «...الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي».
لَفْظُ أَحْمَدَ: «قِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ».
لَفْظُ الْآجُرِّيِّ: «...الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ».
أَقْوَالُ النُّقَّادِ:
الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر: صَحَّحَ الْحَدِيثَ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُسْنَدِ، وَاعْتَبَرَ رِوَايَةَ "الَّذِينَ يُصْلِحُونَ" تَفْسِيرًا نَبَوِيًّا لِمَاهِيَّةِ الْغُرْبَةِ.
الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: صَحَّحَ الْحَدِيثَ فِي "السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ" (١٢٧٣) وَفِي "صَحِيحِ الْجَامِعِ" (١٣٠٠)، وَأَكَّدَ أَنَّ زِيَادَةَ "يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ" ثَابِتَةٌ بِمَجْمُوعِ الطُّرُقِ.
الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ: قَرَّرَ أَنَّ الْغُرْبَةَ قَدَرٌ مَحْتُومٌ، وَأَنَّ الثَّبَاتَ عَلَيْهَا هُوَ مَحْضُ الِاتِّبَاعِ.
الشَّيْخُ مُقْبِلٌ الْوَادِعِيُّ: ذَكَرَهُ فِي "الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ" (رقم ٨٤٥) وَأَثْبَتَ صِحَّتَهُ.

(ثَانِيًا) شَرْحُ الْحَدِيثِ :

يُخْبِرُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مَآلِ الدِّينِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، حَيْثُ تَنْدَرِسُ مَعَالِمُ السُّنَّةِ وَتَظْهَرُ الْبِدَعُ، فَيَصِيرُ الْمُسْتَمْسِكُ بِالْحَقِّ كَالْغَرِيبِ بَيْنَ أَهْلِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْغُرْبَةِ هُنَا لَيْسَتِ الْغُرْبَةَ الْمَكَانِيَّةَ، بَلْ غُرْبَةُ (الْمُعْتَقَدِ وَالْمَنْهَجِ) وَسَطَ رُكَامِ الْأَهْوَاءِ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِأَهْلِ هَذِهِ الْغُرْبَةِ مَقَامًا عَلِيًّا (طُوبَى) لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكْتَفُوا بِصَلَاحِ أَنْفُسِهِمْ، بَلْ قَامُوا بِمَقَامِ (الْإِصْلِاحِ) لِمَا حَرَّفَهُ النَّاسُ مِنَ السُّنَنِ وَالْعَقَائِدِ.

(ثَالِثًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ :
يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَتَضَمَّنُ (أَعْظَمَ تَسْلِيَةٍ) لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ إِذْ يُبَيِّنُ أَنَّ الْقِلَّةَ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى الْبُطْلَانِ، كَمَا أَنَّ الْكَثْرَةَ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى الْحَقِّ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ "إِصْلَاحَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ" يَتَوَجَّهُ أَوَّلًا إِلَى (أُصُولِ الِاعْتِقَادِ) الَّتِي حَرَّفَهَا الْمُتَكَلِّمُونَ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ؛ فَالْغَرِيبُ حَقًّا هُوَ مَنْ يُثْبِتُ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ بَيْنَ نُفَاةٍ وَمُحَرِّفِينَ. وَيُؤَكِّدُ السَّنْدِيُّ أَنَّ (الْغُرْبَةَ) تَزْدَادُ بِحَسَبِ بُعْدِ النَّاسِ عَنِ الْعِلْمِ، وَأَنَّ دَوَاءَهَا هُوَ (الْعِلْمُ الْمَوْرُوثُ) عَنِ الصَّحَابَةِ، فَالْمُصْلِحُ لَا يَكُونُ مُصْلِحًا إِلَّا إِذَا عَرَفَ "السُّنَّةَ" لِيُمَيِّزَهَا عَنِ "الْبِدْعَةِ".
(رَابِعًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :
الْبَحْثُ الْعَقَدِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَقُودُنَا إِلَى مَفْهُومِ (الْمُصْلِحِ الْعَقَدِيِّ)؛ فَالنَّاسُ قَدْ يُفْسِدُونَ السُّنَنَ الْعَمَلِيَّةَ، لَكِنَّ أَخْطَرَ فَسَادٍ هُوَ فَسَادُ (التَّصَوُّرَاتِ الذَّاتِيَّةِ لِلَّهِ) وَتَعْطِيلُ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. لِذَا، فَإِنَّ الْغُرَبَاءَ هُمُ (الذَّابُّونَ) عَنْ حِيَاضِ التَّوْحِيدِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِتَنْقِيَةِ الشَّرِيعَةِ مِنْ (شَوَائِبِ الْكَلَامِ) وَفَلْسَفَةِ الْيُونَانِ. وَالْحَدِيثُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْعَوْدَةَ لِلْغُرْبَةِ هِيَ عَوْدَةٌ لِحَالِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ وَصَحَابَتُهُ فِي مَكَّةَ، حَيْثُ كَانَ الْحَقُّ وَاضِحًا نَقِيًّا مَنْبُوذًا مِنَ الْأَكْثَرِيَّةِ. وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ، يَنْبَغِي لِلْبَاحِثِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَقَامَهُ فِي نَصْرِ الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ هُوَ دُخُولٌ فِي بِشَارَةِ (طُوبَى)، وَأَنَّ رَدَّ تَأْوِيلَاتِ الْأَشَاعِرَةِ هُوَ مِنْ جِنْسِ "إِصْلَاحِ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ" مِنْ مَعَانِي الْوَحْيِ.
(خَامِسًا) الْفَوَائِدُ وَالنُّكَتُ وَالْقَوَاعِدُ:
١. قَاعِدَةُ (الْعِبْرَةُ بِالِاتِّبَاعِ لَا بِالِاجْتِمَاعِ): الْجَمَاعَةُ هِيَ مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ، وَهَذَا لُبُّ حَدِيثِ الْغُرْبَةِ.
٢. نُكْتَةُ (الْإِصْلَاحِ الْمُتَعَدِّي): مَدَحَ ﷺ الَّذِينَ (يُصْلِحُونَ)، وَلَمْ يَقُلْ (يَصْلُحُونَ) فَقَطْ؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْفَضْلَ الْأَكْبَرَ هُوَ لِمَنْ حَمَلَ مِشْعَلَ الدَّعْوَةِ وَالتَّصْحِيحِ.
٣. فَائِدَةُ (الدَّوْرَةِ الزَّمَانِيَّةِ لِلدِّينِ): كَمَا بَدَأَ الدِّينُ بِقِلَّةٍ وَثَبَاتٍ، يَخْتِمُ بِقِلَّةٍ وَثَبَاتٍ، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي عَزِيمَةَ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ كَثْرَةِ الْهَالِكِينَ.
٤. ضَابِطُ (فَسَادِ النَّاسِ): الْفَسَادُ الْمَذْمُومُ هُوَ الَّذِي يَمَسُّ "السُّنَّةَ" بِالتَّبْدِيلِ، وَأَعْظَمُ التَّبْدِيلِ هُوَ تَبْدِيلُ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ بِمَجَازَاتِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ.
--------------------------(٦٢)------------------------
[الْفَقْرَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ: أَمْرُ الِاسْتِمْسَاكِ فِي أَزْمِنَةِ الْفَسَادِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ :
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي؛ فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا»).
-----------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ ]
(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ»، وَفِي (ب) «أَجْرُ شَهِيدٍ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى عِظَمِ الْمُجَاهَدَةِ. وَجَاءَ فِي (ب) فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي «مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ شَيْئًا» بَدَلَ «عُشْرَ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِمُوَافَقَتِهِ لِفْظَ التِّرْمِذِيِّ.
(٢) اشْتِقَاقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَأْصِيلُ الْمَعَانِي:
تَمَسَّكَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْمَسْكِ) وَهُوَ الْأَخْذُ بِقُوَّةٍ؛ وَالْمُرَادُ الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا فِي وَجْهِ الْمُخَالَفَةِ.
فَسَادِ أُمَّتِي: (الْفَسَادُ) ضِدُّ الصَّلَاحِ؛ وَالْمُرَادُ ظُهُورُ الْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي وَتَرْكُ الِاتِّبَاعِ.
عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ: (الْعُشْرُ) هُوَ الْجُزْءُ مِنْ عَشَرَةٍ؛ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قِلَّةِ التَّكْلِيفِ الَّذِي يَعْجَزُ عَنْهُ الْمُتَأَخِّرُونَ لِضَعْفِ الصَّبْرِ وَغُرْبَةِ الدِّينِ.
هَلَكَ/نَجَا: (الْهَلَاكُ) هُوَ الْخُسْرَانُ وَالْعُقُوبَةُ، وَ(النَّجَاةُ) هِيَ الْخَلَاصُ مِنَ النَّارِ وَالْفَوْزُ بِرِضْوَانِ اللَّهِ.
(٣) تَخْرِيجُ الْحَدِيثَيْنِ وَأَقْوَالُ الْمُحَقِّقِينَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ (أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ):
التَّخْرِيجُ: أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الْأَوْسَطِ)، وَأَعْزَاهُ الْهَيْثَمِيُّ فِي (مَجْمَعِ الزَّوائِدِ) (١/١٧٢).
عِلَلُ الْحَدِيثِ: الْحَدِيثُ فِيهِ (الْحَسَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ)، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، بَلْ قَالَ فِيهِ الدَّارَقُطْنِيُّ: "مَتْرُوكٌ". وَفِيهِ أَيْضًا انْقِطَاعٌ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ.
أَحْكَامُ النُّقَّادِ:
الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: ضَعَّفَهُ جِدًّا بِلَفْظِ "مِائَةِ شَهِيدٍ" فِي (ضَعِيفِ الْجَامِعِ) (٤١٢٧) وَفِي (السِّلْسِلَةِ الضَّعِيفَةِ). لَكِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ لَفْظَ "فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ" أَقَلُّ ضَعْفًا لَكِنَّهُ لَا يَثْبُتُ أَيْضًا.
الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر: أَشَارَ إِلَى نَكَارَةِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ (مِائَةِ شَهِيدٍ) عَدَدِيًّا، وَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ (أَجْرُ الشَّهِيدِ) مَعْرُوفًا فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى.
الشَّيْخُ مُقْبِلٌ الْوَادِعِيُّ: جَزَمَ بِبُطْلَانِ الرَّفْعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِشِدَّةِ ضَعْفِ رُوَاتِهِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي (عُشْرُ مَا أُمِرَ بِهِ):
التَّخْرِيجُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢٢٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
أَحْكَامُ النُّقَّادِ:
الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ: صَحَّحَهُ فِي (السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ) (٢٥١٠) وَفِي (صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ).
الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر: قَوَّاهُ بِمَجْمُوعِ الشَّوَاهِدِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى رَحْمَةِ اللَّهِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي آخِرِ الزَّمانِ.
الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهِ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ التَّكَالِيفَ تَخِفُّ بِاعْتِبَارِ الْمَشَقَّةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْفِتَنِ.
(ثَانِيًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ (أَكْثَرُ مِنْ ٦ أَسْطُرٍ):
يُبَيِّنُ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ أَنَّ عِظَمَ الْأَجْرِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الِاسْتِمْسَاكِ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ لَيْسَ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ أَعْظَمُ مِنْ أَعْمَالِ الصَّحَابَةِ، بَلْ لِأَنَّ "الْمُعِينَ" قَدْ عُدِمَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ وَكَثُرَ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ. وَيُؤَصِّلُ السَّنْدِيُّ أَنَّ (الْفَسَادَ) الْأَكْبَرَ هُوَ فَسَادُ (الْمُعْتَقَدِ) بِدُخُولِ لَوْثَاتِ الْكَلَامِ، فَالْمُتَمَسِّكُ بِقَوْلِ السَّلَفِ فِي الصِّفَاتِ بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ مَنْ يَنْفُونَهَا أَوْ يُحَرِّفُونَهَا هُوَ الَّذِي يَنَالُ هَذَا الثَّوَابَ الْعَظِيمَ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ حَدِيثَ "الْعُشْرِ" هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَعْذُرُ أَهْلَ الزَّمَانِ الْفَاسِدِ لِضَعْفِهِمْ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي التَّفْرِيطَ فِي الْأُصُولِ، بَلْ الْهَلَاكَ كُلَّ الْهَلَاكِ فِي تَرْكِ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ.
(ثَالِثًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (أَكْثَرُ مِنْ ٦ أَسْطُرٍ):
الْبَحْثُ الْعَقَدِيُّ يَقْتَضِي الْجَمْعَ بَيْنَ حَدِيثِ "الْغُرْبَةِ" وَحَدِيثِ "الْعُشْرِ"؛ فَالنَّجَاةُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَرْهُونَةٌ بِقَلِيلٍ مِنَ الْعَمَلِ مَعَ صِحَّةِ (الْمُعْتَقَدِ). فَإِذَا نَجَا الْمَرْءُ مِنْ (بِدْعَةِ التَّعْطِيلِ) وَثَبَتَ عَلَى (طَرِيقَةِ الْأَثَرِ)، فَإِنَّ قَلِيلَ عَمَلِهِ يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ لِعِظَمِ الْمُشَاقَّةِ. وَالْفَسَادُ الَّذِي يَقْصِدُهُ الْبَاحِثُ هُنَا هُوَ (الْفَسَادُ الْعِلْمِيُّ) الَّذِي حَلَّ بِالْأُمَّةِ حِينَ صَارَ التَّأْوِيلُ دِينًا وَالتَّفْوِيضُ عَقِيدَةً، فَالْمُتَمَسِّكُ بِالْمَنَابِعِ الْأَصِيلَةِ يُعَدُّ (مُجَاهِدًا) بِكُلِّ مَا تَعْنِيهِ الْكَلِمَةُ، وَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الشَّهِيدِ لِأَنَّهُ يُقَاتِلُ الشُّبُهَاتِ وَالْأَهْوَاءَ الَّتِي هِيَ أَفْتَكُ مِنَ السُّيُوفِ. وَهَذَا التَّحْقِيقُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْبِدْعَةَ الْخَفِيفَةَ لَا تَضُرُّ، بَلْ كُلُّ مُحْدَثَةٍ ضَلَالَةٌ وَالْعِصْمَةُ فِي لُزُومِ السَّابِقِينَ.
(رَابِعًا) الْفَوَائِدُ وَالنُّكَتُ وَالْقَوَاعِدُ:
١. قَاعِدَةُ (الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ): حَدِيثُ "الْعُشْرِ" يُؤَصِّلُ لَنَا أَنَّ قَدْرَ الطَّاعَةِ الْمَطْلُوبَةِ لِلنَّجَاةِ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْأَزْمِنَةِ، رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِالضُّعَفَاءِ.
٢. نُكْتَةُ (الْأَجْرِ الْمُضَاعَفِ): ذِكْرُ (أَجْرِ الشَّهِيدِ) لِمَنْ تَمَسَّكَ بِالسُّنَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُحَارَبَةَ الْبِدْعَةِ "جِهَادٌ عَقَدِيٌّ" يَعْدِلُ الْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
٣. فَائِدَةُ (عِلَّةِ التَّضْعِيفِ): تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ عِلَّةَ تَضْعِيفِ حَدِيثِ "مِائَةِ شَهِيدٍ" هِيَ (الْحَسَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ)، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، لَكِنَّ مَعْنَاهُ يُعْضَدُ بِأَحَادِيثَ أُخْرَى كَحَدِيثِ: «لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ».
٤. ضَابِطُ (الْهَلَاكِ وَالنَّجَاةِ): مَنَاطُ النَّجَاةِ هُوَ (الْعَمَلُ) بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَأَعْظَمُ الْأَوَامِرِ هُوَ (تَوْحِيدُ اللَّهِ) فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَإِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لَهُ.
-----------------------(٦٣)------------------
[الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: مِيزَانُ الِاسْتِقَامَةِ وَخَطَرُ السُّبُلِ الْمُتَفَرِّقَةِ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الْأَنْعَامُ: ١٥٣]»).


[الْحَاشِيَةُ]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «خَطَّ لَنَا»، وَفِي (ب) «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ مُعَايَنَةِ الصَّحَابَةِ لِلتَّعْلِيمِ النَّبَوِيِّ. وَجَاءَ فِي (ب) بَعْدَ "الْأَنْعَامِ": «الآيَةُ بِتَمَامِهَا»، وَالْمُثْبَتُ مَا جَاءَ فِي النُّسْخَةِ الْأَصْلِيَّةِ.

(٢) مُفْرَدَاتُ الْكَلِمَاتِ (اشْتِقَاقًا وَحَدًّا وَتَأْصِيلًا):

خَطَّ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْخَطِّ) وَهُوَ الطَّرِيقَةُ الْمَمْدُودَةُ
 وَحَدُّهُ هُنَا: "التَّصْوِيرُ الْحِسِّيُّ لِتَقْرِيبِ الْمَعَانِي الْعَقَلِيَّةِ لِلْأَذْهَانِ".
سَبِيلُ اللَّهِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (السَّبْلِ) وَهُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ؛ وَاصْطِلَاحًا: "هُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ".
صِرَاطِي: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (السَّرْطِ) بِمَعْنَى الِابْتِلَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَلِعُ السَّالِكَ فِيهِ لِاسْتِقَامَتِهِ، وَشَرْعًا: "هُوَ الطَّرِيقُ الْمُوصِلُ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ".
مُسْتَقِيمًا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْقِيَامِ)؛ وَهُوَ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَتَأْصِيلُهُ: "لُزُومُ الِاعْتِدَالِ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ".
تَفَرَّقَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْفَرْقِ)؛ وَهُوَ التَّشَتُّتُ وَالتَّشَذِّي، وَالْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ: "الْخُرُوجُ عَنْ حَظِيرَةِ الْجَمَاعَةِ وَاتِّبَاعُ الْأَهْوَاءِ".
(٣) تَفْسِيرُ الآيَةِ:
أَوْضَحَ الْمُفَسِّرُونَ (كَابْنِ كَثِيرٍ وَالطَّبَرِيِّ) أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ وَنَهَى عَنِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ؛ فَالصِّرَاطُ وَاحِدٌ وَالسُّبُلُ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ مَنْ حَادَ عَنِ السُّنَّةِ فَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ السُّبُلِ الْمُهْلِكَةِ الَّتِي تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى السَّالِكِينَ إِلَى اللَّهِ.

(٤) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَتَحْقِيقُ الْأَئِمَّةِ:

تَخْرِيجُهُ: أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (٤١٤٢)، وَالدَّارِمِيُّ (٢٠٢)، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (٢٩٣٨) وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ.
تَحْقِيقُ الشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ: حَسَّنَهُ فِي (مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ) (١٦٦) وَفِي (ظِلَالِ الْجَنَّةِ)، وَأَكَّدَ أَنَّ سَنَدَهُ جَيِّدٌ وَمَعْنَاهُ ثَابِتٌ بِمَوَاضِعَ أُخْرَى مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
تَحْقِيقُ الشَّيْخِ أَحْمَدَ شَاكِر: صَحَّحَهُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى (الْمُسْنَدِ)، وَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أُصُولِ الدِّيَانَةِ فِي رَدِّ الْمُبْتَدِعَةِ.
تَحْقِيقُ الشَّيْخِ مُقْبِلٍ الْوَادِعِيُّ: جَعَلَهُ فِي (الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ) (رقم ٨٢٦)، وَأَثْبَتَ صِحَّتَهُ وَأَنَّهُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ فِي ذَمِّ الْحِزْبِيَّاتِ.

(ثَانِيًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ:
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَكْشِفُ حَقِيقَةَ (الْبِدْعَةِ) بِوَصْفِهَا خُرُوجًا عَنْ (سَبِيلِ اللَّهِ) الْوَاحِدِ إِلَى (سُبُلٍ) شَتَّى؛ حَيْثُ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَبِيلَ الْحَقِّ (خَطًّا وَاحِدًا) لِيَدُلَّ عَلَى وَحْدَةِ الْمَصْدَرِ وَالْمَنْهَجِ، بَيْنَمَا جَعَلَ السُّبُلَ كَثِيرَةً لِيُبَيِّنَ تَنَوُّعَ مَشَارِبِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ. وَيُؤَصِّلُ السَّنْدِيُّ أَنَّ أَخْطَرَ هَذِهِ السُّبُلِ هِيَ الَّتِي تَتَلَبَّسُ بِلِبَاسِ الدِّينِ وَهِيَ تَدْعُو إِلَى النَّارِ، فَالشَّيْطَانُ لَا يَقِفُ عَلَى سَبِيلِ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ فَقَدْ، بَلْ يَقِفُ عَلَى سُبُلِ (الْأَهْوَاءِ الْعَقَدِيَّةِ) لِيَصْرِفَ النَّاسَ عَنِ الِاتِّبَاعِ الصَّحِيحِ.
(ثَالِثًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (تَعْرِيَةُ الْحِزْبِيَّاتِ الْمُعَاصِرَةِ):
إِنَّ الْإِشَارَةَ النَّبَوِيَّةَ لِلسُّبُلِ الَّتِي يَقِفُ عَلَى رَأْسِهَا شَيَاطِينُ هِيَ (الْمِشْرَطُ) الَّذِي تُشَرَّحُ بِهِ الْحَرَكَاتُ الْحِزْبِيَّةُ الْمُعَاصِرَةُ؛ وَعَلَى رَأْسِهَا (جَمَاعَةُ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ) الَّتِي جَعَلَتِ الْحِزْبِيَّةَ دِينًا وَالْبَيْعَةَ لِغَيْرِ وَلِيِّ الْأَمْرِ شَرْعًا، فَشَتَّتَتِ الْأُمَّةَ وَفَرَّقَتِ الدِّينَ. وَيَلْحَقُ بِهَا مَا يُسَمَّى بـ (الْجَمَاعَةِ السَّلَفِيَّةِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ) الَّتِي ابْتَدَعَتْ (تَنْظِيمًا) دَاخِلَ الدَّعْوَةِ، وَجَعَلَتْ لَهَا (أَمِيرًا) وَبَيْعَةً فِي الْخَفَاءِ، مِمَّا يُعَدُّ خُرُوجًا صَرِيحًا عَنِ (الْخَطِّ الْوَاحِدِ) إِلَى "سُبُلِ" الْحَرَكِيِّينَ. وَإِنَّ جَذْرَ هَذَا التَّفْرِيقِ يَعُودُ لِتَأْصِيلَاتِ (سَيِّد قُطْب) الَّذِي بَذَرَ بُذُورَ (التَّكْفِيرِ وَالْهِجْرَةِ)، وَزَعَمَ جَاهِلِيَّةَ الْمُجْتَمَعَاتِ، فَتَفَرَّعَتْ عَنْ كُتُبِهِ (دَوَاعِشُ) الْعَصْرِ وَتَنْظِيمُ (الْقَاعِدَةِ)، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ نَمَاذِجُ لِلسُّبُلِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ. فَالْحَقُّ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ، وَكُلُّ جَمَاعَةٍ تَضَعُ لِنَفْسِهَا (تَنْظِيمًا) أَوْ (رَئِيسًا) يُطَاعُ فِي غَيْرِ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ الْعَامِّ، فَقَدْ نَصَبَتْ نَفْسَهَا (سَبِيلًا) مُنَافِسًا لِسَبِيلِ اللَّهِ، وَمَصِيرُهَا إِلَى التَّفَرُّقِ وَالْهَلَاكِ كَمَا وَقَعَ فِي الْآيَةِ.
(رَابِعًا) الْفَوَائِدُ وَالنُّكَتُ وَالْقَوَاعِدُ:
١. قَاعِدَةُ (حُرْمَةِ التَّحَزُّبِ): الْحَدِيثُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَعْرِفُ (تَعَدُّدَ الْجَمَاعَاتِ)، فَالْجَمَاعَةُ وَاحِدَةٌ، وَالتَّحَزُّبُ إِلَى مَسْمَيَاتٍ (إِخْوَانِيَّةٍ أَوْ حَرَكِيَّةٍ) هُوَ عَيْنُ التَّفَرُّقِ الْمَذْمُومِ.
٢. نُكْتَةُ (الرَّسْمِ الْحِسِّيِّ): اسْتِخْدَامُ ﷺ لِلْخَطِّ عَلَى الْأَرْضِ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْبَيَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَاضِحًا لَا لَبْسَ فِيهِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ.
٣. فَائِدَةُ (الشَّيْطَانِ عَلَى رَأْسِ السَّبِيلِ): كُلُّ مَنْ دَعَا إِلَى (خِلَافَةٍ مَزْعُومَةٍ) أَوْ (بَيْعَةٍ سِرِّيَّةٍ) هُوَ نَاطِقٌ بِهَوًى، وَمُسْتَوْصٍ بِنَزْغِ الشَّيْطَانِ لِيُوقِعَ الْفِتْنَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
٤. ضَابِطُ (الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ): قَرَأَ ﷺ الآيَةَ بَعْدَ الْخَطِّ لِيُؤَكِّدَ أَنَّ "السُّنَّةَ" هِيَ الْمُفَسِّرَةُ لِلْقُرْآنِ، وَأَنَّ مَنْ طَلَبَ "الْوِقَايَةَ" (تَتَّقُونَ) فَلْيَلْزَمِ الْخَطَّ الْأَوْسَطَ.
---------------------(٦٤)--------------------
[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ: مَرَاتِبُ التَّعَامُلِ مَعَ الْوَحْيِ وَأَحْوَالُ النَّاسِ مَعَهُ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى خَمْسَةِ وُجُوهٍ: حَلَالٍ، وَحَرَامٍ، وَمُحْكَمٍ، وَمُتَشَابِهٍ، وَأَمْثَالٍ؛ فَأَحِلُّوا الْحَلَالَ، وَحَرِّمُوا الْحَرَامَ، وَاعْمَلُوا بِالْمُحْكَمِ، وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ، وَاعْتَبِرُوا بِالْأَمْثَالِ». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْأَمْرُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَكِلُوهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ؛ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ؛ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ؛ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا»).
------------------------------------------&
[الْحَاشِيَة]

(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «الْأُتْرُجَّةِ»، وَفِي (ب) «تُرُنْجَة»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِمُوَافَقَةِ الصَّحِيحَيْنِ. وَجَاءَ فِي (ب) فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَمْرٌ اشْتَبَهَ عَلَيْكُمْ» بَدَلَ «اخْتُلِفَ فِيهِ»، وَالْمُثْبَتُ (أ).
(٢) مُفْرَدَاتُ الْكَلِمَاتِ (اشْتِقَاقًا وَحَدًّا وَتَأْصِيلًا):
مُحْكَمٍ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْحَكْمِ) وَهُوَ الْمَنْعُ؛ وَاصْطِلَاحًا: "مَا اتَّضَحَ مَعْنَاهُ وَلَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا".
مُتَشَابِهٍ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الشَّبَهِ)؛ وَهُوَ مَا اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ أَوْ خَفِيَ عِلْمُهُ عَلَى بَعْضِ الْخَلْقِ، وَيَجِبُ رَدُّهُ إِلَى الْمُحْكَمِ.
غَيُّهُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْغَيِّ) وَهُوَ الضَّلَالُ عَنِ الْقَصْدِ؛ وَتَأْصِيلُهُ: "مُجَانَبَةُ طَرِيقِ الرَّشَادِ".
الْأُتْرُجَّةِ: ثَمَرٌ جَامِعٌ لِطِيبِ الطَّعْمِ وَالرِّيحِ؛ وَخُصَّتْ لِأَنَّ جِرْمَهَا كَبِيرٌ وَمَنَافِعَهَا كَثِيرَةٌ كَالْمُؤْمِنِ الْقَارِئِ.
الْحَنْظَلَةِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْحَنْظَلِ) وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُرُّ؛ وَهُوَ مَثَلُ الْمُنَافِقِ الْخَالِي مِنَ الْإِيمَانِ وَالْقِرَاءَةِ.
(٣) تَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ وَعِلَلُهَا:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ (نَزَلَ الْقُرْآنُ): أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) (٢٢٩٣)، وَالْحَاكِمُ. وَعِلَّتُهُ (عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْحَدِيثُ ضَعَّفَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي (ضَعِيفِ الْجَامِعِ) (٩٣٥) وَقَالَ: "ضَعِيفٌ جِدًّا".
الْحَدِيثُ الثَّانِي (الْأَمْرُ ثَلَاثَةٌ): أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الْكَبِيرِ) (١٠/٧٠٤)، وَالْبَيْهَقِيُّ. وَعِلَّتُهُ (الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ) وَهُوَ مَتْرُوكٌ. ضَعَّفَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي (مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ) (١٨٣) وَفِي (غَايَةِ الْمَرَامِ).
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ): أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٧٦٥٠) فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَمُسْلِمٌ (٧٩٧) عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ.
(ثَانِيًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ:
يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ لِمَقَامِ (الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ)؛ فَيُبَيِّنُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْمُتَشَابِهِ يَقْتَضِي تَفْوِيضَ (الْكَيْفِيَّةِ) لَا (الْمَعْنَى)؛ خِلَافًا لِلْمُعَطِّلَةِ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ "رَدَّ الْمُتَشَابِه إِلَى الْمُحْكَمِ" هُوَ طَرِيقُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَأَنَّ مَنْ آمَنَ بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَلَى ظَاهِرِهَا الْمُحْكَمِ مَعَ نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ فَقَدْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ. كَمَا يُشِيرُ السَّنْدِيُّ إِلَى أَنَّ تَقْسِيمَ الْأُمُورِ إِلَى (رُشْدٍ بَيِّنٍ) وَ(غَيٍّ بَيِّنٍ) وَ(مُشْتَبَهٍ) هُوَ أَصْلٌ فِي الْوَرَعِ الْعَقَدِيِّ، فَمَا خَالَفَ نُصُوصَ السَّلَفِ فَهُوَ غَيٌّ مَحْضٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ.
(ثَالِثًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
إِنَّ الْمُطَابَقَةَ بَيْنَ (الْإِيمَانِ) وَ(الْعَمَلِ) فِي تَمْثِيلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُؤْمِنِ بِالْأُتْرُجَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ إِذَا كَانَ مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِلَا اعْتِقَادٍ، وَهَذَا يَهْدِمُ أَصْلَ (الْمُرْجِئَةِ) الَّذِينَ يَفْصِلُونَ الْعَمَلَ عَنِ الْإِيمَانِ. وَفِي ضَرْبِ الْمَثَلِ بِالْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ لِمَنْ يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ وَيُخَالِفُ أُصُولَ أَهْلِ السُّنَّةِ (كَالْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ)، فَهُمْ كَالرَّيْحَانَةِ فِي حُسْنِ الظَّاهِرِ وَعُذُوبَةِ اللِّسَانِ، لَكِنَّ طَعْمَهُمُ الْعَقَدِيَّ (مُرٌّ) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ وَمُخَالَفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْأَمْثَالِ يَقُودُ إِلَى صَفَاءِ الْفِطْرَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى (الْمُحْكَمِ) فِي مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، بَعِيدًا عَنِ الْخَوْضِ فِيمَا اشْتَبَهَ مِنَ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ.
(رَابِعًا) الْفَوَائِدُ وَالنُّكَتُ وَالْقَوَاعِدُ:
١. قَاعِدَةُ (الرَّدِّ إِلَى اللَّهِ): فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا أُشْكِلَ فِي الدِّينِ يُرَدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا يُخَاضُ فِيهِ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ.
٢. نُكْتَةُ (الرِّيحِ وَالطَّعْمِ): (الطَّعْمُ) إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيمَانِ الْبَاطِنِ، وَ(الرِّيحُ) إِشَارَةٌ إِلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْعَمَلِ الظَّاهِرِ؛ فَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ حُسْنِ الْبَاطِنِ وَطِيبِ الظَّاهِرِ.
٣. فَائِدَةُ (تَقْسِيمِ الْوُجُوهِ): تَقْسِيمُ الْقُرْآنِ إِلَى خَمْسَةِ وُجُوهٍ يُعَلِّمُ الْمُسْلِمَ أَنَّ الْوَحْيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ كَامِلٌ (تَشْرِيعًا، وَعَقِيدَةً، وَأَخْلَاقًا).
٤. ضَابِطُ (الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِه): الِاشْتِغَالُ بِالْمُحْكَمِ عَمَلًا وَبِالْمُتَشَابِهِ إِيمَانًا هُوَ حِصْنُ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّيْغِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ أَهْلُ الْبِدَعِ.
----------------------(٦٥)-----------------
[الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ: جَامِعُ أَحْوَالِ الْوَحْيِ وَضَوَابِطِ الِاتِّبَاعِ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى خَمْسَةِ وُجُوهٍ: حَلَالٍ، وَحَرَامٍ، وَمُحْكَمٍ، وَمُتَشَابِهٍ، وَأَمْثَالٍ؛ فَأَحِلُّوا الْحَلَالَ، وَحَرِّمُوا الْحَرَامَ، وَاعْمَلُوا بِالْمُحْكَمِ، وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ، وَاعْتَبِرُوا بِالْأَمْثَالِ». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْأَمْرُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَكِلُوهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ؛ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ؛ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ؛ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا»).
-----------------------------&
[الْحَاشِيَةُ]
(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَثَبَتَ فِي (أ) لَفْظُ «وُجُوهٍ» وَ«الْأُتْرُجَّةِ»، وَجَاءَ فِي (ب) «أَقْسَامٍ» وَ«التُّرُنْجَةِ»، وَالْمُثْبَتُ هُوَ رِوَايَةُ الْأَصْلِ لِمُوَافَقَتِهَا لِأَلْفَاظِ الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ.
(٢) مُفْرَدَاتُ الْكَلِمَاتِ (اشْتِقَاقًا وَحَدًّا وَتَأْصِيلًا):
الْقُرْآنُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْقَرْءِ) بِمَعْنَى الْجَمْعِ؛ وَحَدُّهُ: "كَلَامُ اللَّهِ الْمُنَزَّلُ الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ".
مُحْكَمٍ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْإِحْكَامِ) وَهُوَ الْإِتْقَانُ؛ وَاصْطِلَاحًا: "مَا عُرِفَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِلَا اشْتِبَاهٍ".
مُتَشَابِهٍ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (التَّشَابُهِ)؛ وَهُوَ "مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ كُنْهِهِ أَوْ خَفِيَ مَعْنَاهُ لِعِلَّةٍ".
الْأُتْرُجَّةِ: حَدُّهَا: "ثَمَرَةٌ مَعْرُوفَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ صِحَّةِ الْمَخْبَرِ (الطَّعْمِ) وَحُسْنِ الْمَظْهَرِ (الرِّيحِ)".
غَيُّهُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْغَيِّ)؛ وَهُوَ "الِانْحِرَافُ عَنِ الْجَادَّةِ عِلْمًا أَوْ قَصْدًا".

(٣) ضَوَابِطُ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ عِنْدَ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ أَنَّ الِاتِّبَاعَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ الشَّرْعِ فِي سِتَّةِ أُمُورٍ ضَرُورِيَّةٍ:
(١) السَّبَبُ: أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْعِبَادَةِ وَارِدًا فِي الشَّرْعِ.
(٢) الْجِنْسُ: أَنْ تُوَافِقَ الْعِبَادَةُ جِنْسَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ.
(٣) الْقَدْرُ: أَنْ تَلْتَزِمَ بِالْعَدَدِ أَوِ الْمِقْدَارِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
(٤) الْكَيْفِيَّةُ: أَنْ تُؤَدَّى الصِّفَةُ كَمَا فَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ.
(٥) الزَّمَانُ: أَنْ تَقَعَ الْعِبَادَةُ فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لَهَا.
(٦) الْمَكَانُ: أَنْ تُلْتَزَمَ الْبِقَاعُ الَّتِي خُصَّتْ بِالْعِبَادَةِ.

(٤) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (صالح سَّنْدِيُّ، محمد بن خليفة التَّمِيمِيُّ):
يُبَيِّنُ الشَّيْخُ صَالِحٌ بن عبد العزيز سَّنْدِيُّ: أَنَّ نُصُوصَ (الْوُجُوهِ) وَ(الْأَمْثَالِ) هِيَ لِتَصْنِيفِ الْخَلْقِ؛ فَالْمُؤْمِنُ (الْأُتْرُجَّةُ) هُوَ مَنْ حَقَّقَ أُصُولَ الِاعْتِقَادِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، بَيْنَمَا الْمُنَافِقُ (الرَّيْحَانَةُ) هُوَ مَنْ خَالَفَ مَعْنَاهُ مَبْنَاهُ. 
وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ محمد بن خليفة التَّمِيمِيُّ :أَنَّ قَاعِدَةَ "آمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ" تَهْدِمُ مَذَاهِبَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ الَّذِينَ جَعَلُوا عُقُولَهُمْ حَاكِمَةً عَلَى الْوَحْيِ.
(٥) قُلْتُ:إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَرْسُمُ مَعَالِمَ "الرَّجُلِ الرَّبَّانِيِّ"؛ فَالِاعْتِصَامُ بِالْمُحْكَمِ وَالْإِيمَانُ بِالْمُتَشَابِهِ هُوَ (سِيَاجُ الْعَقِيدَةِ)، وَلُزُومُ "الرُّشْدِ الْبَيِّنِ" وَفْقَ ضَوَابِطِ ابْنِ عُثَيْمِينَ السِّتَّةِ هُوَ (سِيَاجُ الْعَمَلِ). 
فَمَنْ خَالَفَ فِي أَصْلِ الِاعْتِقَادِ فَهُوَ (حَنْظَلَةٌ) وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَمَنْ خَالَفَ فِي صِفَةِ الِاتِّبَاعِ فَقَدْ دَخَلَ فِي "الْغَيِّ الْبَيِّنِ" وَإِنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ؛ فَالْقُرْآنُ لَا يَكُونُ شَفِيعًا إِلَّا لِمَنْ جَعَلَهُ قَائِدًا فِي مَحْضِ الِاعْتِقَادِ وَصَرِيحِ الِاتِّبَاعِ.
-------------------------(٦٦)----------------------
[الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ: سَعَادَةُ أَهْلِ الْأَثَرِ بِاتِّبَاعِ الْمُرْسَلِينَ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَنَجَاةُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ هِيَ بِاتِّبَاعِ الْمُرْسَلِينَ، فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِذَلِكَ أَعْلَمُهُمْ بِآثَارِ الْمُرْسَلِينَ وَأَتْبَعُهُمْ لِذَلِكَ، فَالْعَالِمُونَ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمُ الْمُتَّبِعُونَ لَهَا هُمْ أَهْلُ السَّعَادَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَهُمْ الطَّائِفَةُ النَّاجِيَةُ).
[الْحَاشِيَةُ]
(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَجَاءَ فِي (أ) لَفْظُ «بِآثَارِ الْمُرْسَلِينَ»، وَفِي (ب) «بِسُنَنِ الْمُرْسَلِينَ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّ "الْأَثَرَ" يَعُمُّ السَّبِيلَ وَالْخَطْوَ وَالْمَنْهَجَ. وَجَاءَ فِي (ب) بَعْدَ "السَّعَادَةِ": «فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، وَهِيَ زِيَادَةٌ شَارِحَةٌ ثَبَتَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.

(٢) مُفْرَدَاتُ الْكَلِمَاتِ (اشْتِقَاقًا وَحَدًّا وَتَأْصِيلًا):
نَجَاةُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (النَّجْوَةِ) وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ؛ وَحَدُّهَا: "الْخَلَاصُ مِنَ الْمَكَارِهِ وَالْفَوْزُ بِالْمَطَالِبِ".

الْأَوَّلِينَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْأَوْلِ) وَهُوَ الرُّجُوعُ لِلْمَبْدَأِ؛ وَالْمُرَادُ بِهِمْ: "الْأُمَمُ السَّابِقَةُ وَصَدْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ".

آثَارِ: الِاشْتِقَاقُ مِنْ (أَثَرَ الشَّيْءِ) إِذَا بَقِيَ رَسْمُهُ؛ وَاصْطِلَاحًا: "مَا نُقِلَ عَنِ الْمُرْسَلِينَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ".
السَّعَادَةِ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (السَّعْدِ) ضِدُّ الشَّقَاوَةِ؛ وَحَدُّهَا الشَّرْعِيُّ: "الْتِذَاذُ النَّفْسِ بِإِدْرَاكِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ".

(٣) تَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ الشَّاهِدَةِ لِلْمَتْنِ:
حَدِيثُ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٩٢٠). وَهُوَ أَصْلٌ فِي بَقَاءِ أَهْلِ الْأَثَرِ.
حَدِيثُ الِافْتِرَاقِ: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، قَالُوا: مَنْ هِيَ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢٦٤١) وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

(٤) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ سَّنْدِيِّ:
يُقَرِّرُ الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سَّنْدِيُّ: أَنَّ (الْعِلْمَ بِالْآثَارِ) لَيْسَ تَرَفًا ذِهْنِيًّا، بَلْ هُوَ (مَنَاطُ النَّجَاةِ)؛ فَالنَّاسُ فِي مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ بَيْنَ "مُتَّبِعٍ لِلْأَثَرِ" فَهُوَ السَّعِيدُ، وَبَيْنَ "مُتَّبِعٍ لِلنَّظَرِ الْكَلَامِيِّ" فَهُوَ الشَّقِيُّ.

وَيُؤَصِّلُ السَّنْدِيُّ :أَنَّ (السَّعَادَةَ) مَقْرُونَةٌ بِـ (الِاتِّبَاعِ)، فَمَا جَاءَ بَعْدَ الْمُرْسَلِينَ مِنَ الْأَهْوَاءِ هُوَ مَحْضُ الشَّقَاوَةِ، وَأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ أَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَنْفُونَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ.

(٥) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ وَابْنِ عُثَيْمِينَ:
يُبَيِّنُ التَّمِيمِيُّ: أَنَّ حَصْرَ السَّعَادَةِ فِي "الْعَالِمِينَ بِأَقْوَالِهِمْ" يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ طَرِيقَ النَّجَاةِ هُوَ الْكَشْفُ أَوِ الْوَجْدُ، فَالْمِعْيَارُ هُوَ (الْأَثَرُ).
 وَيُضِيفُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقُرْبِهِ هُمْ أَكْثَرُهُمْ حَدِيثًا وَأَتْبَعُهُمْ لِسُنَّتِهِ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا (الْمُرْسَلِينَ) قُدْوَتَهُمْ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ.

(٦) قُلْتُ: إِنَّ تَقْرِيرَ الْمُؤَلِّفِ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ هُوَ (الْفَصْلُ) بَيْنَ دِينِ الرُّسُلِ وَدِينِ الْآرَاءِ؛ فَالْبَاحِثُ يَرَى أَنَّ بَلَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ نَشَأَ حِينَ اسْتَبْدَلَتْ (آثَارَ الْمُرْسَلِينَ) بـ (آرَاءِ الرِّجَالِ) وَقَوَاعِدِ (الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ).
 فَالنَّجَاةُ هُنَا لَيْسَتْ بِالتَّصَوُّفِ الْخَالِي مِنَ الْأَثَرِ، وَلَا بِالتَّحَزُّبِ الْحَرَكِيِّ الَّذِي يَبْنِي وَلَاءَهُ عَلَى شَخْصِيَّاتٍ مُعَاصِرَةٍ، بَلِ النَّجَاةُ فِي "الْعَتِيقِ" الَّذِي مَدَارُهُ أَقْوَالُ الْمُرْسَلِينَ. فَأَهْلُ الْحَدِيثِ هُمْ (أَهْلُ السَّعَادَةِ) حَقًّا لِأَنَّهُمْ يَعِيشُونَ مَعَ الْمُرْسَلِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ، فَتَصْفُو عُقُولُهُمْ مِنْ لَوْثَاتِ الشُّكُوكِ، وَتَسْكُنُ قُلُوبُهُمْ بِإِجْمَاعِ مَنْ سَلَفَ. وَمَنْ حَادَ عَنْ هَذَا الْبَابِ فَقَدْ طَرَقَ أَبْوَابَ الْحَيْرَةِ، وَمَا جَمَاعَاتُ الضَّلَالِ الْمُعَاصِرَةِ إِلَّا نَتِيجَةٌ لِتَرْكِ الِاعْتِصَامِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ.
-------------------------(٦٧)---------------
[الْفَقْرَةُ الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ]

[ حَقِيقَةُ الطَّائِفَةِ النَّاجِيَةِ وَبَلَاغِ الرُّسُلِ]

(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَهُمُ الطَّائِفَةُ النَّاجِيَةُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، وَقَدْ بَلَّغُوا الْبَلَاغَ الْمُبِينَ).
[الْحَاشِيَةُ]
(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَثَبَتَ فِي (أ) لَفْظُ «مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ»، وَفِي (ب) «فِي كُلِّ مِلَّةٍ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّ "مِنْ" تَبْعِيضِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى الِاصْطِفَاءِ وَالتَّخْلِيصِ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الضَّلَالِ.

(٢) مُفْرَدَاتُ الْكَلِمَاتِ (اشْتِقَاقًا وَحَدًّا وَتَأْصِيلًا):
الطَّائِفَةُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الطَّوْفِ)
 وَحَدُّهَا: "الْجَمَاعَةُ الَّتِي تَدُورُ مَعَ الْحَقِّ حَيْثُ دَارَ".
النَّاجِيَةُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (النَّجَاةِ)؛ وَتَنْقَسِمُ فِي ذَاتِهَا إِلَى: 
١-سَابِقٍ بِالْخَيْرَاتِ
٢- وَمُقْتَصِدٍ
٣- وَظَالِمٍ لِنَفْسِهِ. 
وَلَيْسَ اللَّقَبُ لِلتَّزْكِيَةِ بَلْ لِلإِخْبَارِ عَنِ الْمَآلِ عِنْدَ الِافْتِرَاقِ.

سَلَفِيُّ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (السَّلَفِ)؛ وَهُوَ "وَصْفٌ تَعْرِيفِيٌّ لِمَنِ الْتَزَمَ جَادَّةَ الصَّحَابَةِ تَمْيِيزًا عَنِ الْخَلَفِ".
الْأُمَّةُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْأَمِّ) بِمَعْنَى الْقَصْدِ؛ وَتَنْقَسِمُ لَفْظِيًّا إِلَى:
(١) [أُمَّةُ الدَّعْوَةِ]: وَهِيَ كُلُّ مَنْ بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ.
(٢) [أُمَّةُ الْإِجَابَةِ]: وَهُمُ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ.
لَوَازِمُ تَقْسِيمِ الْأُمَّةِ: 
(١) قِيَامُ الحاجة
(٢) انْحِصَارُ السَّعَادَةِ فِي الْإِجَابَةِ 
(٣) وُجُوبُ دَعْوَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ
 (٤) تَمْيِيزُ مَرَاتِبِ الْعَذَابِ 
(٥) بَيَانُ أَنَّ الْإِجَابَةَ تَفْتَرِقُ أَيْضًا.
الْبَلَاغُ الْمُبِينُ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْبُلُوغِ) وَ(الْإِبَانَةِ)؛ وَهُوَ "إِيصَالُ الشَّرْعِ لِلْخَلْقِ لَفْظًا وَمَعْنًى بِأَوْضَحِ طَرِيقٍ".

(٣) الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الطَّائِفَةِ النَّاجِيَةِ:

(أ) «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤٥٩٦)، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

(ب) «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٩٢٠).

(ج) «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ... وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢٦٤١)، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

(٤) خَصَائِصُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ (١٠ خَصَائِصَ):

(١) تَلَقِّي الدِّينِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ،
(٢) تَقْدِيمُ النَّصِّ عَلَى الْعَقْلِ
 (٣) تَرْكُ الِابْتِدَاعِ
 (٤) عَدَمُ التَّعَصُّبِ لِلرِّجَالِ إِلَّا لِلرَّسُولِ ﷺ
 (٥) أَنَّهُمْ أَعْدَلُ النَّاسِ
 (٦) حُبُّ السَّلَفِ وَتَوْقِيرُهُمْ
 (٧) التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالْجَفَاءِ
 (٨) الثَّبَاتُ عِنْدَ الْفِتَنِ
 (٩) الْحِرْصُ عَلَى اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ
 (١٠) أَنَّهُمْ هُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ رِوَايَةً وَعَمَلًا.

(٥) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (ت: ١٤٢١هـ):
يُقَرِّرُ أَنَّ (النَّجَاةَ) لَيْسَتْ لَقَبًا بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ عَمَلِيَّةٌ؛ فَالطَّائِفَةُ النَّاجِيَةُ تَنْجُو فِي الدُّنْيَا مِنَ الْبِدَعِ وَفِي الْآخِرَةِ مِنَ النَّارِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَنْطَبِقُ عَلَى مَنْ طَابَقَ هَدْيَهُ هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّ "الْبَلَاغَ الْمُبِينَ" يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ قَدْ بُيِّنَتْ، فَمَنْ جَعَلَهَا مَجْهُولَةً فَقَدْ طَعَنَ فِي بَلَاغِ الرَّسُولِ ﷺ.
[ "شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ"، م ٢، ص ٤٠-٤٥].

(٦) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُؤَصِّلُ لِمَعْنَى (الِافْتِرَاقِ) بِأَنَّهُ مَحْضُ ابْتِلَاءٍ، وَأَنَّ "أَهْلَ السُّنَّةِ" هُمُ الطَّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَتَغَيَّرْ رَغْمَ تَبَدُّلِ الْأَزْمَانِ. وَيَرَى أَنَّ (الْبَلَاغَ الْمُبِينَ) يَنْسِفُ مَذْهَبَ "الْمُفَوِّضَةِ" لِأَنَّ التَّفْوِيضَ مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُفْهِمِ النَّاسَ مَعَانِي الصِّفَاتِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ "نُورٌ وَمُبِينٌ".
يُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ :: لِقَاعِدَةِ (الِافْتِرَاقِ) بِأَنَّهَا قَدَرٌ كَوْنِيٌّ، وَأَنَّ الطَّائِفَةَ النَّاجِيَةَ هِيَ "الْمِعْيَارُ" الَّذِي يَنْكَشِفُ بِهِ ضَلَالُ الْمُنْحَرِفِينَ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَذْكُرِ الِافْتِرَاقَ لِيُحْزِنَنَا، بَلْ لِيَدُلَّنَا عَلَى لُزُومِ الْجَمَاعَةِ. وَيَرَى أَنَّ (الْبَلَاغَ الْمُبِينَ) يَقْتَضِي عِلْمَ الرُّسُلِ بِالْمُرَادِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ بَلَّغُوا أَلْفَاظًا لَا مَعْنَى لَهَا فَقَدْ جَعَلَ الْقُرْآنَ طَلَاسِمَ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى عَلَى الرُّسُلِ، وَهُوَ مَنْشَأُ كُلِّ تَعْطِيلٍ وَتَحْرِيفٍ فِي الْأُمَّةِ

["مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ"، ص ٨٨-٩٢].

(٧) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ سَنْدِي:
يُبَيِّنُ أَنَّ (أَهْلَ الْحَدِيثِ) هُمْ "الْمِيزَانُ" عِنْدَ فِتَنِ الِاخْتِلَافِ، وَأَنَّ النَّجَاةَ مُعَلَّقَةٌ بِالِاتِّبَاعِ لَا بِالِانْتِمَاءِ الصُّورِيِّ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ زَعْمَ الْمُفَوِّضَةِ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا "جُهَّالًا بِالْمَعْنَى" هُوَ أَعْظَمُ فِرْيَةٍ فِي بَابِ الصِّفَاتِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ بَلَّغَ التَّوْحِيدَ بِأَكْمَلِ صُوَرِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَمَا لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَاهُ لَا يُسَمَّى بَلَاغًا مُبِينًا.
يُبَيِّنُ الشَّيْخُ صَالِحٌ سَنْدِي أَنَّ لُزُومَ لَقَبِ (أَهْلِ السُّنَّةِ) ضَرُورَةٌ عِنْدَ ظُهُورِ الْبِدَعِ لِتَمْيِيزِ الْمُحِقِّ مِنَ الْمُبْطِلِ؛ فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ يَدَّعُونَ وَصْلًا بِالسُّنَّةِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ يُظْهِرُ بَرَاءَةَ الْمُبْتَدِعَةِ مِنْهَا. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ بَلَاغَ الرُّسُلِ شَمَلَ (التَّصَوُّرَ الصَّحِيحَ) عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَنَّ الْمُفَوِّضَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ" مَعَ نَفْيِ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ هُمْ فِي الْحَقِيقَةِ (مُعَطِّلَةٌ) لِأَهَمِّ مَقَاصِدِ الرِّسَالَةِ وَهُوَ (الْبَيَانُ)، فَالرَّسُولُ ﷺ مَا مَاتَ حَتَّى بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ كُلَّ مَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ.
[عُزِيَ إِلَى: "شَرْحِ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى" (مُسَجَّلٌ)، وَبَحْثِ "أَهْلِ الْحَدِيثِ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ"].

(٨) قُلْتُ (تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ): إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ (الطَّائِفَةِ النَّاجِيَةِ) وَ(الْبَلَاغِ الْمُبِينِ) يُعْطِينَا النَّتِيجَةَ الْعَقَدِيَّةَ الْقَطْعِيَّةَ: أَنَّ النَّجَاةَ مَنُوطَةٌ بِفَهْمِ مَا بَلَّغَهُ الرُّسُلُ؛ فَالْبَاحِثُ يَرَى أَنَّ (أَهْلَ التَّجْهِيلِ) حَاوَلُوا نَزْعَ "الْعَقْلِ الْفَاهِمِ" عَنِ الصَّحَابَةِ لِيُسَوِّغُوا لِأَنْفُسِهِمْ دُخُولَ مَتَاهَاتِ الْعِلْمِ الْكَلَامِيِّ. فَالنَّاجِي هُوَ مَنْ نَجَا مِنْ (تَحْرِيفِ الْمُؤَوِّلَةِ) وَ(تَجْهِيلِ الْمُفَوِّضَةِ).
 وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ "السَّلَفِيَّةَ" مُجَرَّدُ تَمَدُّحٍ فَقَدْ جَهِلَ أَنَّهَا لُزُومُ (الْبَلَاغِ الْمُبِينِ) فِي زَمَنِ الْغِيَاضِ. وَالرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ مَحْصُورَةٌ فِي أَقْوَالِ الْمُرْسَلِينَ، وَأَنَّ كُلَّ تَأْوِيلٍ يَقْدَحُ فِي بَيَانِ الرَّسُولِ ﷺ فَهُوَ (مُشْتَبَهٌ) يَجِبُ طَرْحُهُ وَالِاعْتِصَامُ بِالْمُحْكَمِ الْأَثَرِيِّ. فَالطَّائِفَةُ النَّاجِيَةُ هِيَ الَّتِي حَفِظَتِ الْوَحْيَ لَفْظًا وَرَعَتْهُ فَهْمًا، وَبِذَلِكَ كَانَتْ هِيَ "الْأُمَّةُ الْوَسَطُ".
قلت :إِنَّ الْوُقُوفَ عَلَى قَوْلِهِ «أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ» يُعْطِينَا (الْبُرْهَانَ) عَلَى أَنَّ الْعَقِيدَةَ لَيْسَتْ وِرَاثَةً جِينِيَّةً بَلْ هِيَ وِرَاثَةٌ أَثَرِيَّةٌ؛ فَالْبَاحِثُ يَرَى أَنَّ (الطَّائِفَةَ النَّاجِيَةَ) لَيْسَتْ لَقَبًا يُحْتَكَرُ لِحِزْبٍ، بَلْ هِيَ حَالٌ يَتَّصِفُ بِهَا الْمُسْلِمُ بِقَدْرِ قُرْبِهِ مِنَ الْأَثَرِ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ "السَّلَفِيَّةَ" تَهْجِينٌ لِلنَّاسِ أَوْ تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ فَقَدْ جَهِلَ أَنَّهَا (مَنْهَجُ نَظَرٍ) وَ(قَاعِدَةُ تَلَقِّي)؛ فَالنَّاجِي هُوَ مَنْ نَجَا قَلْبُهُ مِنَ الشُّبْهَةِ وَجَارِحَتُهُ مِنَ الْبِدْعَةِ. وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ أَنَّ قَوْلَ الرُّسُلِ (الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) يَنْسِفُ كُلَّ مَنْهَجٍ سِرِّيٍّ أَوْ تَأْوِيلٍ بَاطِنِيٍّ، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا ظَاهِرًا بَيِّنًا فَلَيْسَ الْيَوْمَ دِينًا. وَالْبَاحِثُ يَجْزِمُ أَنَّ (أَهْلَ التَّجْهِيلِ) قَدْ سَلَبُوا الرِّسَالَةَ رُوحَهَا، فَجَعَلُوا النَّاسَ فِي حَيْرَةٍ مِنْ رَبِّهِمْ، وَبِذَلِكَ كَانَ أَهْلُ الْحَدِيثِ هُمْ أَحَقَّ النَّاسِ بِالسَّعَادَةِ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا مَعْبُودَهُمْ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا بَلَّغَهُ عَنْهُ رَسُولُهُ ﷺ.

(٩) الْفَوَائِدُ :

(١) بَلَاغُ الرُّسُلِ كَامِلٌ لَا نَقْصَ فِيهِ
 (٢) الِافْتِرَاقُ لَا يَسْلُبُ الْجَمَاعَةَ اسْمَ النَّجَاةِ
 (٣) أَهْلُ الْحَدِيثِ هُمْ صِمَامُ الْأَمَانِ
 (٤) التَّفْوِيضُ نَفْيٌ لِكَمَالِ الْبَلَاغِ
 (٥) السُّنَّةُ هِيَ مِيزَانُ الْحَقِّ.

 (٦)التَّفْوِيضُ بِدْعَةٌ مُسْتَحْدَثَةٌ، 

(٧) تَمَامُ الشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي تَمَامَ الْبَيَانِ، 

 (٨) السُّنَّةُ هِيَ مِيزَانُ الْمِلَلِ

 (٩) الْجَهْلُ بِالْمَعْنَى مَرَضٌ عَقَدِيٌّ

(١٠) السَّعَادَةُ فِي مَحْضِ الِاتِّبَاعِ.

(١١)الْعِبْرَةُ بِالْكَيْفِ لَا بِالْكَمِّ فِي الطَّائِفَةِ
(١٠) الْقَوَاعِدُ الثَّلَاثُ:
١. قَاعِدَةُ (الْبَيَانِ): الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْإِبَانَةُ، وَالرُّسُلُ أَبْيَنُ النَّاسِ خَلْقًا.
٢. قَاعِدَةُ (الِاتِّبَاعِ): كُلُّ عِلْمٍ لَمْ يَبْنِهِ الرُّسُلُ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ نَافِعٍ.
٣. قَاعِدَةُ (النَّجَاةِ): النَّجَاةُ تَدُورُ مَعَ السُّنَّةِ حَيْثُ دَارَتْ.
(١١) الضَّابِطَانِ:
الضَّابِطُ الْأَوَّلُ: لَا يُقْبَلُ قَوْلٌ فِي الْعَقِيدَةِ يُعَارِضُ بَلَاغَ الرُّسُلِ الْمُبِينَ.
الضَّابِطُ الثَّانِي: لَقَبُ "السَّلَفِيَّةِ" هُوَ نِسْبَةٌ لِلْمَنْهَجِ لَا لِلشَّخْصِ تَعَالِيًا.
---------------------------(٦٨)-------------------
[الْفَقْرَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ: خَاتَمُ الرُّسُلِ وَهَيْمَنَةُ الْقُرْآنِ]
(أَوَّلًا) نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ (مُشَكَّلًا):
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَخَاتِمُ الرُّسُلِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كِتَابَهُ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، فَهُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ، وَقَدْ بَيَّنَ أَبْيَنَ بَلَاغٍ، وَأَتَمَّهُ، وَأَكْمَلَهُ، وَكَانَ أَنْصَحَ الْخَلْقِ لِعِبَادِ اللَّهِ، وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفًا رَحِيمًا، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَعَبَدَ اللَّهَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ. وَأَسْعَدُ الْخَلْقِ وَأَعْظَمُهُمْ نَعِيمًا وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَةً أَعْظَمُهُمْ اتِّبَاعًا لَهُ ﷺ وَمُوَافَقَةً لَهُ عِلْمًا وَعَمَلًا).
[الْحَاشِيَةُ]
(١) نَصُّ الْمُقَابَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ:
تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَةِ (أ) وَالنُّسْخَةِ (ب)؛ فَثَبَتَ فِي (أ) لَفْظُ «أَبْيَنَ بَلَاغٍ»، وَفِي (ب) «أَتَمَّ بَلَاغٍ»، وَالْمُثْبَتُ (أ) لِأَنَّهُ يَنْصَبُّ عَلَى الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ الَّذِي يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ التَّجْهِيلِ. وَثَبَتَ فِي (أ) «أَعْلَاهُمْ دَرَجَةً»، وَجَاءَ فِي (ب) «أَرْفَعُهُمْ مَنْزِلَةً».
(٢) مُفْرَدَاتُ الْكَلِمَاتِ (اشْتِقَاقًا وَحَدًّا):
مُحَمَّدٌ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْحَمْدِ)؛ وَهُوَ الَّذِي كَثُرَتْ خِصَالُهُ الْحَمِيدَةُ، وَحَدُّهُ: "هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ".
مُصَدِّقًا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الصِّدْقِ)؛ وَمَعْنَاهُ: "أَنَّ الْقُرْآنَ شَاهِدٌ بِصِدْقِ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ فِي أَصْلِهَا، وَمُوَافِقٌ لَهَا فِي التَّوْحِيدِ".
مُهَيْمِنًا: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْهَيْمَنَةِ) وَهِيَ الرَّقَابَةُ وَالْحِفْظُ؛ وَحَدُّهُ: "أَنَّهُ الْحَاكِمُ وَالشَّاهِدُ وَالْأَمِينُ عَلَى مَا سَبَقَهُ مِنَ الْكُتُبِ، فَمَا وَافَقَهُ فَهُوَ حَقٌّ وَمَا خَالَفَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ".
أَبْيَنَ: الِاشْتِقَاقُ مِنَ (الْبَيَانِ)؛ وَهُوَ "أَعْلَى مَرَاتِبِ الْوُضُوحِ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ لَبْسٌ لِطَالِبِ الْحَقِّ".
الْيَقِينُ: الِاشْتِقَاقُ مِنْ (يَقَنَ الْمَاءُ) إِذَا اسْتَقَرَّ؛ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: "الْمَوْتُ".
(٣) الدَّلَائِلُ الْعَقَدِيَّةُ:
خَتْمُ النُّبُوَّةِ: الدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: ٤٠]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. 
وَمِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ أَنَّ نُزُولَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَيْسَ بِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ يَنْزِلُ (حَاكِمًا بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ) وَتَابِعًا لَهُ، فَهُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الشَّرِيفَةِ.

الْكِتَابُ الْمُهَيْمِنُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: ٤٨].
(٤) صِفَاتُ النَّبِيِّ ﷺ  العشرة بإعتبار الوحي(مِنَ الْمَتْنِ):
(١) بَيَّنَ أَبْيَنَ بَلَاغٍ
 (٢) أَتَمَّهُ
 (٣) أَكْمَلَهُ
 (٤) أَنْصَحُ الْخَلْقِ
 (٥) رَؤُوفٌ رَحِيمٌ
 (٦) بَلَّغَ الرِّسَالَةَ
 (٧) أَدَّى الْأَمَانَةَ
 (٨) جَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ
 (٩) عَبَدَ اللَّهَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ
 (١٠) أَفْصَحُ النَّاسِ وَأَبْلَغُهُمْ قَوْلًا.

(٥) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (رَحِمَهُ اللَّهُ):
يُقَرِّرُ أَنَّ (الْهَيْمَنَةَ) تَقْتَضِي نَسْخَ كُلِّ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ، فَلَا يُعْبَدُ اللَّهُ إِلَّا بِمَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ وَصْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ "بَيَّنَ أَبْيَنَ بَلَاغٍ" يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ نُصُوصَ الصِّفَاتِ (أَلْغَازٌ) لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهَا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ رَؤُوفًا رَحِيمًا بِأُمَّتِهِ لَا يَتْرُكُهُمْ فِي حَيْرَةٍ مِنْ مَعْرِفَةِ رَبِّهِمْ.
[ "شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ"، م ٢، ص ٥٥].
(٦) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:
يُبَيِّنُ أَنَّ (الْبَلَاغَ الْمُبِينَ) يَتَنَافَى مَعَ مَنْهَجِ (التَّجْهِيلِ)؛ فَالْمُفَوِّضَةُ الَّذِينَ زَعَمُوا جَهْلَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَعَانِي قَدْ رَمَوْهُ بِتَرْكِ النُّصْحِ لِلْأُمَّةِ. وَيُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ كَمَالَ الرِّسَالَةِ مَقْرُونٌ بِكَمَالِ الْبَيَانِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدْ جَحَدَ نِعْمَةَ اللَّهِ فِي إِكْمَالِ الدِّينِ.
[ "مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ"، ص ١٠٢].

(٧) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ سَنْدِي:
يُؤَصِّلُ لِلرَّدِّ عَلَى الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ تَوْصِيفَ الْقُرْآنِ بِالْهِدَايَةِ وَالشِّفَاءِ وَالْبَيَانِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِلشُّكُوكِ أَوْ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ التَّشْبِيهُ؛ فَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ (أَفْصَحَ النَّاسِ) وَ(أَنْصَحَهُمْ)، وَبَلَّغَ مَعَانِيَ الصِّفَاتِ، فَإِنَّ الِانْحِرَافَ عَنْ ظَاهِرِهَا هُوَ اتِّهَامٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي بَيَانِهِ أَوْ نُصْحِهِ.

[ "شَرْحِ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى" (الدَّرْسُ الثَّالِثُ)].

(٨) قُلْتُ (تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ):
إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ (أَنْصَحَ الْخَلْقِ) وَ(أَبْيَنَهُمْ بَلَاغًا) هُوَ (الصَّاعِقَةُ) الَّتِي تَدُكُّ حُصُونَ (أَهْلِ التَّجْهِيلِ) وَ(الْمُعَطِّلةِ)؛ فَكَيْفَ يَكُونُ نَاصِحًا مَنْ يَتْرُكُ أُمَّتَهُ تَتَخَبَّطُ فِي (طَلَاسِمِ) الصِّفَاتِ بِلَا مَعْنًى؟ فَالْبَاحِثُ يَجْزِمُ أَنَّ (الْأَشَاعِرَةَ) وَ(الْمُفَوِّضَةَ) قَدْ رَمَوْا النَّبِيَّ ﷺ بِالْعِيِّ -حَاشَاهُ- حِينَ جَعَلُوا الْحَقَّ فِي أَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُنَاطِقَةِ، وَجَعَلُوا الْقُرْآنَ مَحْضَ أَلْفَاظٍ تَعَبُّدِيَّةٍ لَا تَهْدِي لِلْعِلْمِ بِاللَّهِ. 
فَالنَّجَاةُ وَالسَّعَادَةُ وَأَعْلَى الدَّرَجَاتِ مَرْهُونَةٌ بِـ (الِاعْتِصَامِ) بِسُنَّتِهِ عِلْمًا بِالْمَعَانِي وَعَمَلًا بِمُقْتَضَاهَا، فَمَنْ وَافَقَ عَمَلُهُ عِلْمَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ ﷺ، فَهُوَ (السَّعِيدُ) حَقًّا، وَهُوَ الْمُرْتَقِي فِي مَعَارِجِ الْقَبُولِ. 
إِنَّ (الْبَلَاغَ الْمُبِينَ) يَقْتَضِي أَنَّ الشَّفَاءَ فِي النُّصُوصِ لَا فِي عُقُولِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَمَنْ طَلَبَ الْبَيَانَ عِنْدَ غَيْرِ الرَّسُولِ فَقَدْ كَذَّبَ بِأَنَّهُ (أَدَّى الْأَمَانَةَ)، وَخَسِرَ مَقَامَ الِاتِّبَاعِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ النَّعِيمِ.

(٩) الْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ:
١. قَاعِدَةُ (الْبَيَانِ): النَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ لِلْأُمَّةِ (أُصُولَ الدِّينِ) أَعْظَمَ مِنْ بَيَانِهِ لِفُرُوعِهِ.
٢. قَاعِدَةُ (الْهَيْمَنَةِ): الْقُرْآنُ هُوَ الْمَرْجِعُ الْوَحِيدُ لِتَصْحِيحِ مَا حُرِّفَ فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ.
٣. نُكْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ: وُصِفَ الرَّسُولُ ﷺ بـ (الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ) وَمِنْ تَمَامِهِمَا بَيَانُ التَّوْحِيدِ.
٤. ضَابِطُ الِاتِّبَاعِ: السَّعَادَةُ مَقْرُونَةٌ بِقَدْرِ الْمُوَافَقَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ عِلْمًا وَعَمَلًا.
٥. رَدٌّ نَفِيسٌ: قَوْلُهُ "بَلَّغَ الرِّسَالَةَ" يَنْفِي كُلَّ دَعْوَى لِلْبَاطِنِيَّةِ أَوْ أَهْلِ التَّجْهِيلِ.

----------------------------(٦٩)--------------------


[الْخُطَّةُ ]
(الشَّطْرُ الْأَوَّلُ: تَوْحِيدُ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ وَمُتَعَلَّقَاتُهُ)
١. الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: الْأَسْمَاءُ وَالْأَحْكَامُ (تَأْصِيلُ الْمَاهِيَّةِ)
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد جملة الأسماء (المسلم، المشرك، الكافر، الموحد، المنافق) كما وردت في سياق الرسالة كاملاً.
٢. الْمَبْحَثُ الثَّانِي: تَوْحِيدُ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ (فِقْهُ الْإِرَادَةِ وَالْعِبَادَةِ)
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد نص الإمام في تعريف التوحيد وقصد الله بالعبادة دون ما سواه.
٣. الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: الْوَسَاطَةُ وَالشَّفَاعَةُ (الْفُرْقَانُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ)
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد نصوص الرسالة في نفي الوساطة الشركية وإثبات الشفاعة بشروطها.
٤. الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: الْغُلُوُّ وَالتَّقْدِيسُ (أَصْلُ الضَّلَالِ فِي الصَّالِحِينَ)
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد ما ذكره الإمام حول غلو المشركين في الأنبياء والأولياء (كعيسى والعزير والصالحين).
٥. الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ: التَّوَسُّلُ وَالِاسْتِغَاثَةُ (تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ)
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد النصوص التي تفرق بين نداء الحي الحاضر وبين نداء الغائب والميت.
٦. الْمَبْحَثُ السَّادِسُ: الرُّبُوبِيَّةُ وَمُقْتَضَيَاتُهَا (الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ)
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد نصوص الإمام في إقرار المشركين بالخالق والرازق والمدبر وكيف كانت حجة عليهم.
(الشَّطْرُ الثَّانِي: الْوَحْيُ، الْأَسْمَاءُ، الصِّفَاتُ وَالْمَنْهَجُ)
٧. الْمَبْحَثُ السَّابِعُ: هَيْمَنَةُ الْوَحْيِ وَإِبْطَالُ الْمَنَاهِجِ الدَّخِيلَةِ
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد نص الإمام في هيمنة القرآن على الكتب السابقة وكمال بيانه.
٨. الْمَبْحَثُ الثَّامِنُ: كَمَالُ الْبَلَاغِ وَدَحْضُ "أَهْلِ التَّجْهِيلِ"
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد نص الإمام في (البلاغ المبين) وصفات النبي ﷺ في النصح والأمانة والبيان.
٩. الْمَبْحَثُ التَّاسِعُ: الصِّفَاتُ الْإِلَهِيَّةُ (الْإِثْبَاتُ وَالتَّنْزِيهُ الْأَثَرِيُّ)
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد ما ورد في الرسالة من إثبات صفات الكمال لله والرد على المعطلة.
١٠. الْمَبْحَثُ الْعَاشِرُ: الِاتِّبَاعُ وَالِابْتِدَاعُ (الِاعْتِصَامُ بِالْعَتِيقِ)
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد نصوص الرسالة في وجوب اتباع السنة وذم المحدثات والبدع.
١١. الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: الْوَلَاءُ وَالْبَرَاءُ (مُقْتَضَيَاتُ تَمَيُّزِ الْمِلَّةِ)
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد نصوص الإمام في مباينة المشركين ووجوب براء الموحد من الشرك وأهله.
١٢. الْمَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: السَّعَادَةُ وَلُزُومُ "الطَّائِفَةِ النَّاجِيَةِ"
رَبْطُ النَّصِّ: إيراد خاتمة الرسالة في وصف السعيد المتمسك بالسنة وخصائص أهل الحق.
----------------&

[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: الْأَسْمَاءُ وَالْأَحْكَامُ - تَأْصِيلُ الْمَاهِيَّةِ]
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: الْمَضْمُونُ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ)
[مُقَدِّمَةُ الْمَبْحَثِ]:
إِنَّ مَسْأَلَةَ "الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ" هِيَ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ وَقَعَ فِيهَا النِّزَاعُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَعَلَيْهَا تَرَتَّبَتِ الْمَوَاقِفُ الْعَقَدِيَّةُ الْكُبْرَى. وَالْمَقْصُودُ بِهَا: هِيَ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ لِتَمْيِيزِ الْبَشَرِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ أَحْكَامٍ فِي الدُّنْيَا (كَمُنَاكَحَتِهِمْ وَتَوْرِيثِهِمْ) وَفِي الْآخِرَةِ (كَنَجَاتِهِمْ أَوْ خُلُودِهِمْ).
(أَوَّلًا) الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ لِلْمُصْطَلَحَاتِ السِّتَّةِ:
١. لَفْظُ (الْمُسْلِمُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (السِّينِ وَاللَّامِ وَالْمِيمِ)؛ وَأَصْلُهُ الِانْقِيَادُ وَالسَّلَامَةُ. يُقَالُ: (أَسْلَمَ أَمْرَهُ لِلَّهِ) أَيْ فَوَّضَهُ وَانْقَادَ لَهُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: هُوَ مَنِ اسْتَسْلَمَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَانْقَادَ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَخَلَصَ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. فَلَا يُسَمَّى مُسْلِمًا مَنْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ (الِاسْتِسْلَامِ) وَ(الْخُلُوصِ مِنَ الشِّرْكِ).
٢. لَفْظُ (الْمُشْرِكُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الشَّرِكَةِ)؛ وَهِيَ الِاخْتِلَاطُ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: هُوَ مَنْ صَرَفَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ (كَالدُّعَاءِ أَوِ الذَّبْحِ) لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ سَوَّى غَيْرَ اللَّهِ بِاللَّهِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ. وَالْمُشْرِكُ فِي عُرْفِ "الْمُمَيِّزِ" هُوَ مَنْ أَقَرَّ بِاللَّهِ رَبًّا وَجَعَلَ مَعَهُ شَفِيعًا أَوْ وَسِيطًا.
٣. لَفْظُ (الْمُؤْمِنُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْأَمْنِ) وَ(الْإِقْرَارِ)؛ وَهُوَ ضِدُّ الْخَوْفِ. يُقَالُ: (آمَنَ بِهِ) أَيْ صَدَّقَهُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: هُوَ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ، وَأَقَرَّ بِلِسَانِهِ، وَعَمِلَ بِأَرْكَانِهِ، بِحَيْثُ يُطَابِقُ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ فِي الِاتِّبَاعِ. وَهُوَ أخصُّ مِنَ الْمُسْلِمِ رُتْبَةً.
٤. لَفْظُ (الْكَافِرُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْكَفْرِ) وَهُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ. وَمِنْهُ سُمِّيَ (الزَّارِعُ) كَافِرًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْبِذْرَ بِالتُّرَابِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: هُوَ مَنْ جَحَدَ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوْ سَتَرَ نُورَ الْفِطْرَةِ بِالْعِنَادِ، أَوْ أَعْرَضَ عَنِ الْبَلَاغِ الْمُبِينِ. وَالْكَفْرُ يَجْمَعُ الشِّرْكَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُكَفِّرَاتِ.
٥. لَفْظُ (الْمُوَحِّدُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (التَّوْحِيدِ) وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ وَاحِدًا.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: هُوَ مَنْ أَفْرَدَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَنَفَى عَنْهُ كُلَّ ضِدٍّ وَنِدٍّ وَشَرِيكٍ. وَالْمُوَحِّدُ هُوَ الْمُسْلِمُ الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ.
٦. لَفْظُ (الْمُنَافِقُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (النَّافِقَاءِ)؛ وَهِيَ جُحْرُ الْيَرْبُوعِ الَّذِي يَكْتُمُهُ وَيُظْهِرُ غَيْرَهُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: هُوَ مَنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ بِلِسَانِهِ وَأَبْطَنَ الْكُفْرَ أَوْ الشِّرْكَ بِقَلْبِهِ. وَهُوَ أَخْطَرُ الْأَصْنَافِ لِأَنَّ حُكْمَهُ فِي الدُّنْيَا حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْآخِرَةِ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
(ثَانِيًا) رَبْطُ النَّصِّ بِالْمَبْحَثِ (إِيرَادُ الْمَتْنِ كَامِلًا):
يَقُولُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِسَالَتِهِ:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ تَعَلُّمُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ... فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا لِعِبَادَتِهِ، وَلَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ مُوَحِّدًا حَتَّى يَعْرِفَ مَا يُمَيِّزُهُ عَنِ الْمُشْرِكِ... وَإِنَّ الْكَثِيرَ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ قَدْ وَقَعَ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ التَّوَسُّلِ الشِّرْكِيِّ، فَصَارَ حَالُهُ حَالَ مَنْ نَقَضَ إِيمَانَهُ... وَإِنَّ الصَّحَابَةَ قَاتَلُوا مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ وَسَمَّوْهُمْ مُرْتَدِّينَ مَعَ قَوْلِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ... فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ صَرَفَ الْعِبَادَةَ لِغَيْرِ اللَّهِ؟ فَهَذَا هُوَ الْمُشْرِكُ الْخَالِصُ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَالْأَسْمَاءُ لَا تُغَيِّرُ الْحَقَائِقَ... وَالْمُنَافِقُ الَّذِي يَنْصُرُ الْمُشْرِكِينَ هُوَ كَافِرٌ فِي الْبَاطِنِ...).
[دَلَالَةُ النَّصِّ]:
يُبَيِّنُ الْإِمَامُ فِي هَذَا النَّصِّ الْجَامِعِ أَنَّ مَدَارَ النَّجَاةِ لَيْسَ فِي "مُجَرَّدِ التَّسَمِّي"، بَلْ فِي "حَقِيقَةِ التَّمَيُّزِ". فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ (الْمُسْلِمِ) وَ(الْمُشْرِكِ) كَضِدَّيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي وَصْفِ التَّوْحِيدِ. وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ دَعْوَى الْإِسْلَامِ مَعَ وُقُوعِ فِعْلِ الشِّرْكِ لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا، كَمَا لَمْ تَنْفَعْ مَانِعِي الزَّكَاةِ دَعْوَى الْإِسْلَامِ حِينَ سَمَّاهُمُ الصَّحَابَةُ (مُرْتَدِّينَ). فَالنَّصُّ يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ: (الْعِبْرَةُ بِالْحَقَائِقِ لَا بِالْأَسْمَاءِ).
(ثَالِثًا) تَمْهِيدٌ لِلْمُتَمِّمَاتِ (بَسْطٌ وَتَوْسِيعٌ):
إِنَّ فَهْمَ هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ هُوَ الْمِفْتَاحُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ لِيَنْزِلَ مِنَ "الْعَمَاءِ الْعَقَدِيِّ" إِلَى "الْبَصِيرَةِ الشَّرْعِيَّةِ". فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ (الْمُسْلِمَ) لُغَةً هُوَ الْمُنْقَادُ، عَلِمْتَ بَطَلَانَ قَوْلِ مَنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ وَهُوَ لَا يَنْقَادُ لِأَمْرِ اللَّهِ فِي جَنَابِ التَّوْحِيدِ. وَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ (الْمُشْرِكُ) لُغَةً هُوَ مَنْ سَوَّى غَيْرَ اللَّهِ بِاللَّهِ، عَلِمْتَ أَنَّ دُعَاءَ الصَّالِحِينَ هُوَ "شِرْكٌ مَحْضٌ" وَلَوْ سَمَّاهُ أَصْحَابُهُ "تَوَسُّلًا" أَوْ "تَبَرُّكًا".
إِنَّ هَذَا الْوَجْهَ الْأَوَّلَ قَدْ حَرَّرَ (الْمَادَّةَ الْخَامَ) لِلْمَبْحَثِ، وَهِيَ الْمُصْطَلَحَاتُ الَّتِي سَنَبْنِي عَلَيْهَا فِي "الْمُتَمِّمَةِ الْأُولَى" (الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْإِيمَانِ)، وَفِي "الْمُتَمِّمَةِ الثَّانِيَةِ" (قَاعِدَةَ الْأَسْمَاءِ لَا تُغَيِّرُ الْحَقَائِقَ)، ثُمَّ نَخْتِمُ بِـ "التَّطْبِيقِ" الْفَاصِلِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْقُبُورِيِّينَ.
-------------------------(٧٠)------------------------

(الْوَجْهُ الثَّانِي: الْمُتَمِّمَةُ الْأُولَى - الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْإِيمَانِ)
[تَوْطِئَةُ الْمُتَمِّمَةِ]:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَزَالِقِ الْأَقْدَامِ عِنْدَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ عَدَمَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ لَفْظِ (الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ) وَ(مُطْلَقِ الْإِيمَانِ)، وَعَنْ هَذَا الْعَدَمِ نَشَأَتْ بِدْعَةُ الْإِرْجَاءِ وَبِدْعَةُ الْخَوَارِجِ. فَالْوَاجِبُ عَلَى الْبَاحِثِ الْمُحَقِّقِ أَنْ يَضْبِطَ هَذَا الْفَرْقَ لِيَفْهَمَ كَيْفَ يَكُونُ الشَّخْصُ "مُسْلِمًا" نَاقِصَ الْإِيمَانِ، أَوْ "كَافِرًا" خَارِجًا مِنَ الْمِلَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ.
(أَوَّلًا) تَحْرِيرُ الِاصْطِلَاحِ وَالْحَدِّ:
١. الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ (الْكَامِلُ):
حَدُّهُ: هُوَ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ الَّذِي اسْتَوْفَى صَاحِبُهُ الْوَاجِبَاتِ وَتَرَكَ الْمُحَرَّمَاتِ.
حُكْمُهُ: هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ (وَعْدُ اللَّهِ) بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ابْتِدَاءً بِلَا عَذَابٍ، وَصَاحِبُهُ يُسَمَّى "الْمُؤْمِنَ حَقًّا" بِالْمَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِيِّ. فَإِذَا نَفَى اللَّهُ الْإِيمَانَ عَنْ شَخْصٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، فَالْمُرَادُ نَفْيُ (الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ) أَيِ الْكَامِلِ، لَا نَفْيُ أَصْلِ الدِّينِ.
٢. مُطْلَقُ الْإِيمَانِ (الْأَصْلُ):
حَدُّهُ: هُوَ أَقَلُّ مَا يَنْجُو بِهِ الْعَبْدُ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَهُوَ (أَصْلُ الْإِيمَانِ) الَّذِي لَا يَصِحُّ الدِّينُ إِلَّا بِهِ.
حُكْمُهُ: صَاحِبُهُ قَدْ يَكُونُ (ظَالِمًا لِنَفْسِهِ) أَوْ (عَاصِيًا)، لَكِنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ نَاقِضًا مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ. هَذَا الشَّخْصُ مَعَهُ (مُطْلَقُ الْإِيمَانِ)، وَهُوَ الَّذِي يُخْرِجُهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَمْتَحِشَ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا.
(ثَانِيًا) التَّقْسِيمُ الْعَقَدِيُّ لِلْمُكَلَّفِينَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْحُكْمِ:
تَنْقَسِمُ الْأُمَّةُ حَسَبَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ مَرَاتِبَ:
مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ: وَهُوَ مَنْ لَهُ (الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ)، وَيُقَالُ لَهُ: "مُؤْمِنٌ" بِلَا قَيْدٍ.
مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ (الْفَاسِقُ الْمَلِّيُّ): وَهُوَ مَنْ لَهُ (مُطْلَقُ الْإِيمَانِ)، وَيُقَالُ لَهُ: "مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ"، أَوْ "مُسْلِمٌ" فِي سِيَاقِ النَّفْيِ.
الْكَافِرُ أَوْ الْمُشْرِكُ: وَهُوَ مَنْ عُدِمَ عِنْدَهُ (أَصْلُ الْإِيمَانِ) بِالْكُلِّيَّةِ، سَوَاءً كَانَ كُفْرَ جُحُودٍ، أَوْ شِرْكَ عِبَادَةٍ، أَوْ نِفَاقًا اعْتِقَادِيًّا.
(ثَالِثًا) لَوَازِمُ التَّفْرِيقِ فِي رَدِّ شُبُهَاتِ الْمُبْتَدِعَةِ:
الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ: يَقُولُونَ إِنَّ الْإِيمَانَ كُلٌّ لَا يَتَبَعَّضُ، فَمَنْ مَعَهُ أَصْلُهُ فَقَدِ اسْتَوْفَى كَمَالَهُ. فَنَقُولُ لَهُمْ: بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ هُنَاكَ (إِيمَانًا مُطْلَقًا) لَا يَنَالُهُ إِلَّا الْبَرُّ التَّقِيُّ، وَأَنَّ (مُطْلَقَ الْإِيمَانِ) قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ الْكَبِيرَةِ، وَبِذَلِكَ لَا يَكُونُ الزَّانِي وَالسَّارِقُ كَامِلِي الْإِيمَانِ كَمَا تَزْعُمُونَ.
الرَّدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ: يَقُولُونَ إِنَّ نَفْيَ الْإِيمَانِ فِي النُّصُوصِ يَعْنِي الْخُرُوجَ مِنَ الْمِلَّةِ. فَنَقُولُ لَهُمْ: لَقَدْ خَلَطْتُمْ بَيْنَ الْإِيمَانَيْنِ؛ فَالْمَنْفِيُّ عَنِ الْعَاصِي هُوَ (الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ) أَيِ الْكَامِلُ، وَالْبَاقِي مَعَهُ هُوَ (مُطْلَقُ الْإِيمَانِ) الَّذِي يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ.
(رَابِعًا) قَاعِدَةُ (الِاسْمِ وَالْحُكْمِ) عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ:
إِذَا ذُكِرَ (الْإِسْلَامُ) وَ(الْإِيمَانُ) مَعًا فِي نَصٍّ وَاحِدٍ -كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ- كَانَ (الْإِسْلَامُ) لِلْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَ(الْإِيمَانُ) لِلْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ. وَإِذَا افْتَرَقَا، دَخَلَ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ. وَهَذَا مِنْ أَهَمِّ مَا يُمَيِّزُ "الْمُسْلِمَ" عَنِ "الْمُشْرِكِ"؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ قَدْ يُسَمَّى مُسْلِمًا (لُغَةً) لِانْقِيَادِهِ لِصَنَمِهِ، لَكِنَّهُ لَا يُسَمَّى مُسْلِمًا (شَرْعًا) لِعَدَمِ خُلُوصِهِ لِلَّهِ.
(خَامِسًا) رَبْطُ الْمُتَمِّمَةِ بِتَأْصِيلِ الْبَاحِثِ:
إِنَّ بِنَاءَ هَذِهِ الْمُتَمِّمَةِ يَقُومُ عَلَى فَهْمِ جَوْهَرِ الرِّسَالَةِ؛ فَالْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ يَقُولُ: (فَلَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ مُوَحِّدًا حَتَّى يَعْرِفَ مَا يُمَيِّزُهُ عَنِ الْمُشْرِكِ)، فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ (مُطْلَقَ الْإِسْلَامِ) لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِهَذَا التَّمَيُّزِ. فَمَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ نَوْعَيِ الشِّرْكِ وَنَوْعَيِ الْإِيمَانِ، خَاطَرَ بِأَصْلِ دِينِهِ، وَوَقَعَ فِي خَلْطِ الْأَسْمَاءِ، فَرُبَّمَا سَمَّى الشِّرْكَ "إِيمَانًا" وَسَمَّى التَّوْحِيدَ "تَنْقِيصًا"، وَهَذَا غَايَةُ الْخُسْرَانِ.
----------------------------[٧١]-----------------------

(الْوَجْهُ الثَّالِثُ: الْمُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ - الْأَسْمَاءُ لَا تُغَيِّرُ الْحَقَائِقَ وَأَثَرُ الدَّعَاوَى الْفَارِغَةِ)
[تَوْطِئَةُ الْمُتَمِّمَةِ]:
إِنَّ مَنَاطَ النَّجَاةِ وَالْهَلَاكِ مَرْهُونٌ بِـ (الْمُسَمَّيَاتِ) لَا بِمُجَرَّدِ (الْأَسْمَاءِ)؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يُرَتِّبِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَى أَلْقَابٍ جَوْفَاءَ، بَلْ عَلَى حَقَائِقَ قَائِمَةٍ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَعْمَالِ. وَمِنْ أَعْظَمِ جِنَايَاتِ أَهْلِ الْبِدَعِ (كَمُبْتَدِعَةِ الْقُبُورِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ) أَنَّهُمْ سَمَّوُا الشِّرْكَ "تَوَسُّلاً"، وَسَمَّوُا التَّعْطِيلَ "تَنْزِيهاً"، فَانْخَدَعَ بِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
(أَوَّلًا) تَقْرِيرُ الْقَاعِدَةِ (الْعِبْرَةُ بِالْمُسَمَّى لَا بِالِاسْمِ):
١. جَوْهَرُ الْقَاعِدَةِ:
إِذَا سَمَّى النَّاسُ (الْخَمْرَ) بِغَيْرِ اسْمِهَا -كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ- لَمْ يَخْرُجْ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهَا أُمَّ الْخَبَائِثِ، وَكَذَلِكَ (الشِّرْكُ)؛ إِذَا سَمَّاهُ الْجَاهِلُ "مَحَبَّةً لِلصَّالِحِينَ" أَوْ "تَعْظِيماً لِلْأَوْلِيَاءِ"، فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ بَاقِيَةٌ: وَهِيَ تَسْوِيَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِاللَّهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ.
الْأَثَرُ: هَذِهِ التَّسْمِيَةُ لَا تَرْفَعُ عَنِ الْفَاعِلِ اسْمَ (الْمُشْرِكِ) وَلَا حُكْمَ (الْخُلُودِ فِي النَّارِ) إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، لِأَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالْفِعْلِ لَا بِالِاصْطِلَاحِ الْحَادِثِ.

٢. بَطَلَانُ الدَّعَاوَى الْفَارِغَةِ:

الدَّعْوَى هِيَ مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِلَا بَيِّنَةٍ. فَالَّذِي يَدَّعِي (الْإِسْلَامَ) وَيَنْقُضُ أَصْلَهُ بِالِاسْتِغَاثَةِ بِالْقُبُورِ، مَثَلُهُ كَمَثَلِ مَنْ يَدَّعِي (الطَّهَارَةَ) وَهُوَ مُلَبَّسٌ بِالنَّجَاسَةِ؛ فَدَعْوَاهُ لَا تُطَهِّرُهُ، وَكَذَلِكَ دَعْوَى "الْإِسْلَامِ" لَا تَعْصِمُ صَاحِبَ الشِّرْكِ.

(ثَانِيًا) آثَارُ الدَّعَاوَى الْفَارِغَةِ فِي جَنَابِ التَّوْحِيدِ:

إِنَّ لِهَذِهِ الدَّعَاوَى آثَاراً مُدَمِّرَةً عَلَى الْأُمَّةِ، مِنْهَا:
تَلْبِيسُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ: حَيْثُ يُصْبِحُ (التَّوْحِيدُ) فِي نَظَرِ الْعَامَّةِ "جَفَاءً" لِلصَّالِحِينَ، وَ(الشِّرْكُ) يُصْبِحُ "أَدَباً" مَعَهُمْ.
أَمْنُ الْمُشْرِكِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ: حِينَ يَظُنُّ أَنَّ نُطْقَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ كَافٍ لِنَجَاتِهِ، وَلَوْ سَجَدَ لِلْبَدَوِيِّ أَوْ دَعَا الْجِيلَانِيَّ، فَيَمُوتُ عَلَى أَسْوَأِ حَالٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ (التَّمَيُّزَ) الَّذِي هُوَ مَارِقُ الدِّينِ.
تَعْطِيلُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ: فَالشَّرِيعَةُ جَاءَتْ لِتَحْقِيقِ (الْبَرَاءَةِ) مِنَ الشِّرْكِ، وَهَذِهِ الدَّعَاوَى الْفَارِغَةُ تَجْعَلُ الْمُشْرِكَ يَظُنُّ نَفْسَهُ مُسْلِماً، فَلَا يَتُوبُ وَلَا يَنْزِعُ عَمَّا هُوَ فِيهِ.

(ثَالِثًا) تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ (رُؤْيَةٌ نَقْدِيَّةٌ):

إِنَّ الْإِمَامَ فِي رِسَالَتِهِ حِينَ ضَبَطَ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ" أَرَادَ نَسْفَ هَذِهِ (الْمِظَلَّاتِ الْوَهْمِيَّةِ).
 فَالْمُسْلِمُ هُوَ مَنْ حَقَّقَ "الِانْقِيَادَ الْخَالِصَ"، وَالْمُشْرِكُ هُوَ مَنْ أَدْرَكَ نَفْسَهُ فِي قَيْدِ "التَّدْبِيرِ الْبَشَرِيِّ".
وَنَقُولُ تَقْرِيراً لِهَذَا: (إِنَّ كُلَّ مَنْ أَلْبَسَ الشِّرْكَ ثَوْبَ الطَّاعَةِ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْإِفْكِ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْكُفْرِ فِي الْعَقِيدَةِ).
 فَالْآثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى دَعْوَى الْإِسْلَامِ مَعَ وُجُودِ النَّاقِضِ هِيَ (الرِّدَّةُ) حُكْماً، وَإِنْ تَلَقَّبَ صَاحِبُهَا بِـ "خَادِمِ الضَّرِيحِ" أَوْ "مُحِبِّ آلِ الْبَيْتِ".
(رَابِعًا) رَبْطُ الْمُتَمِّمَةِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ:
عَقْلاً: لَوْ سَمَّيْتَ (الظَّلَامَ) نُوراً، هَلْ تُبْصِرُ فِيهِ؟ كَلَّا. إِذاً، مَنْ سَمَّى (صَرْفَ الدُّعَاءِ لِغَيْرِ اللَّهِ) شَفَاعَةً، هَلْ يَشْفَعُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ؟ بَلْ هُوَ طَرْدٌ لَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ لِأَنَّهُ اعْتَدَى عَلَى خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ.

-------------------------[٧٢]----------------------
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: التَّطْبِيقُ - الرَّدُّ الْفَاصِلُ عَلَى الْفِرَقِ الضَّالَّةِ)
[نَصُّ التَّطْبِيقِ الْعَقَدِيِّ]:
إِنَّ مَنْ عَرَفَ (حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ) بِأَنَّهُ الِانْقِيَادُ، وَ(حَقِيقَةَ الشِّرْكِ) بِأَنَّهُ التَّسْوِيَةُ، أَدْرَكَ أَنَّ مَدَارَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَقُومُ عَلَى (التَّوَسُّطِ) بَيْنَ الْغَالِي وَالْجَافِي. فَلَا نُخْرِجُ الْعَمَلَ عَنِ الْإِيمَانِ كَـ (الْمُرْجِئَةِ) (١)، وَلَا نُكَفِّرُ بِالْكَبِيرَةِ كَـ (الْخَوَارِجِ) (٢)، وَلَا نُسَمِّي الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ "تَوَسُّلاً" كَـ (الْقُبُورِيِّينَ) (٣).

أَوَّلًا: الدَّلَائِلُ النَّقْلِيَّةُ عَلَى مَنَاطِ التَّكْفِيرِ وَالْإِيمَانِ:
١. قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: ١١٧] 
فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ (كَافِرِينَ) بِمُجَرَّدِ الدُّعَاءِ لِغَيْرِهِ.
٢. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ»(٤) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]

وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ "الْعِصْمَةَ" مَرْهُونَةٌ بِحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ عِلْماً وَعَمَلاً.

ثَانِيًا: تَقْرِيرُ الْبَاحِث:
إِنَّ الْخَطَرَ كُلَّ الْخَطَرِ فِي (تَمْيِيعِ) الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَالْمُرْجِئَةُ حِينَ جَعَلُوا الْإِيمَانَ مُجَرَّدَ (مَعْرِفَةٍ) أَوْ (تَصْدِيقٍ) فَتَحُوا الْبَابَ لِكُلِّ زِنْدِيقٍ أَنْ يَدَّعِيَ الْإِسْلَامَ وَهُوَ يَهْدِمُ أَركَانَهُ. وَالْقُبُورِيَّةُ حِينَ ظَنُّوا أَنَّ تَعَلُّقَهُمْ بِالْمَوْتَى "شَفَاعَةٌ" كَذَّبُوا الْقُرْآنَ الَّذِي نَفَى الشَّفَاعَةَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. فَالْبَاحِثُ يُؤَكِّدُ: (لَا نَجَاةَ إِلَّا بِتَسْمِيَةِ الْأَشْيَاءِ بِمُسَمَّيَاتِهَا الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْوَحْيُ).
-----------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]:
(١) الْمُرْجِئَةُ: نَشَأَتْ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ بَعْدَ فِتْنَةِ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، وَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهِ (حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) تِلْمِيذُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. 
مَعْتَقَدُهُمْ: تَأْخِيرُ الْعَمَلِ عَنِ الْإِيمَانِ.
أَصْنَافُهُمْ: 
(أ) غُلَاةُ الْجَهْمِيَّةِ: يَقُولُونَ الْإِيمَانُ (الْمَعْرِفَةُ) فَقَطْ.
(ب) الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: يَقُولُونَ هُوَ (التَّصْدِيقُ). 
(ج) الْكَرَّامِيَّةُ: (أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ، ق ٣ هـ) يَقُولُونَ هُوَ (النُّطْقُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ) وَلَوْ كَانَ الْقَلْبُ خَالِياً. 
(د) مُرْجِئَةُ الْفُقَهَاءِ: يَقُولُونَ هُوَ قَوْلٌ وَتَصْدِيقٌ وَالْعَمَلُ شَرْطُ كَمَالٍ.
(٢) الْخَوَارِجُ: ظَهَرُوا فِي عَهْدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي "حَرُورَاءَ" (ق ١ هـ) بَعْدَ التَّحْكِيمِ. 
مَعْتَقَدُهُمْ: التَّكْفِيرُ بِالْكَبِيرَةِ، وَتَخْلِيدُ الْعَاصِي فِي النَّارِ، وَالْخُرُوجُ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ.
(٣) الْقُبُورِيُّونَ: انْتَشَرَتْ فِتْنَةُ الْقِبَابِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الْقُبُورِ بِشَكْلٍ وَاسِعٍ فِي (الْقَرْنِ الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ الْهِجْرِيِّ) مَعَ دَوْلَةِ (بَنِي عُبَيْدٍ الْقَدَّاحِ - الْفَاطِمِيَّةِ) فِي مِصْرَ وَالْمَغْرِبِ، حَيْثُ نَشَرُوا مَظَاهِرَ الشِّرْكِ وَالِاسْتِغَاثَةِ بِالْأَمْوَاتِ صَرْفاً لِلنَّاسِ عَنِ التَّوْحِيدِ إِلَى التَّبَرُّكِ بِالْمَشَاهِدِ.
(١) الْمُرْجِئَةُ: ظَهَرُوا فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ، وَأَصْلُ قَوْلِهِمْ إِخْرَاجُ الْعَمَلِ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ. 
(أ) غُلَاةُ الْجَهْمِيَّةِ: الْإِيمَانُ عِنْدَهُمُ الْمَعْرِفَةُ. 
(ب) الْأَشَاعِرَةُ: الْإِيمَانُ عِنْدَهُمُ التَّصْدِيقُ. 
(ج) الْكَرَّامِيَّةُ: أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ (ت ٢٥٥ هـ)، يَقُولُونَ الْإِيمَانُ نُطْقُ اللِّسَانِ فَقَطْ. 
يُنْظَرُ: [مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ، لِلْأَشْعَرِيِّ، ط. الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ، ج ١، ص ١٣٢-١٤٥].
(٢) الْخَوَارِجُ: أَوَّلُهُمْ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، وَظُهُورُهُمْ كَفِرْقَةٍ كَانَ سَنَةَ (٣٧ هـ). يَرَوْنَ التَّكْفِيرَ بِالْمَعَاصِي الَّتِي دُونَ الشِّرْكِ. يُنْظَرُ: [الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، لِلشَّهْرَسْتَانِيِّ، ط. مُؤَسَّسَةِ الْحَلَبِيِّ، ج ١، ص ١١٤].
(٣) الْقُبُورِيُّونَ: عَبَدَةُ الْقُبُورِ، انْتَشَرَتْ مَظَاهِرُهُمْ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ عَلَى يَدِ الدَّوْلَةِ الْعُبَيْدِيَّةِ (الْفَاطِمِيَّةِ) الَّتِي بَنَتِ الْمَشَاهِدَ لِصَرْفِ النَّاسِ عَنِ التَّوْحِيدِ. يُنْظَرُ: [إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ، لِابْنِ الْقَيِّمِ، ط. عَالِمِ الْفَوائِدِ، ج ١، ص ٣٣٦].
(٤) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي [صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، رَقْمُ ٢٥، ج ١، ص ١٤]، وَمُسْلِمٌ فِي [صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، رَقْمُ ٢٢، ج ١، ص ٥٣].
--------------------------[٧٣]---------------------
[الْمَبْحَثُ الثَّانِي: تَوْحِيدُ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ - فِقْهُ الْإِرَادَةِ وَالْعِبَادَةِ]
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: الْمَضْمُونُ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ)
[مُقَدِّمَةُ الْمَبْحَثِ]:
إِنَّ "تَوْحِيدَ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ" هُوَ الِاسْمُ الْعِلْمِيُّ لِتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْعَبْدِ وَإِرَادَتِهِ؛ فَالْعَبْدُ هُوَ الَّذِي (يَقْصِدُ) اللَّهَ بِعَمَلِهِ، وَهُوَ الَّذِي (يَطْلُبُ) رِضَاهُ وَحْدَهُ. 
وَهَذَا الْمَبْحَثُ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ الَّذِي أَفْرَدَ مَقْصُودَهُ، وَبَيْنَ الْمُشْرِكِ الَّذِي تَعَدَّدَتْ مَقَاصِدُهُ وَطَلَبَاتُهُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ.
(أَوَّلًا) الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ لِلْمُصْطَلَحَاتِ:
١. لَفْظُ (الْقَصْدُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (قَصَدَ)؛ وَأَصْلُهُ الِاسْتِقَامَةُ وَالتَّوَجُّهُ وَأَمُّ الشَّيْءِ. 
يُقَالُ: (قَصَدْتُ فُلَانًا) أَيْ تَعَمَّدْتُ الْمَسِيرَ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: هُوَ عُكُوفُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ بِالْإِرَادَةِ، بِحَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ الْعَبْدُ لِغَيْرِ مَقْصُودِهِ الْأَعْظَمِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ.
٢. لَفْظُ (الطَّلَبُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (طَلَبَ)؛ وَأَصْلُهُ الْبَحْثُ عَنِ الشَّيْءِ وَمُحَاوَلَةُ الْوُصُولِ إِلَيْهِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: هُوَ سَعْيُ الْعَبْدِ بِجَوَارِحِهِ وَلِسَانِهِ لِتَحْقِيقِ مَا قَصَدَهُ قَلْبُهُ، وَالطَّلَبُ هُنَا يَشْمَلُ (الدُّعَاءَ، وَالِاسْتِعَاذَةَ، وَالرَّغْبَةَ).
 فَمَنْ قَصَدَ اللَّهَ طَلَبَ مِنْهُ، وَمَنْ طَلَبَ مِنَ الْبَشَرِ فَقَدْ فَسَدَ قَصْدُهُ.
٣. لَفْظُ (الْإِرَادَةُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (رَوَدَ)؛ وَالرَّوْدُ هُوَ ذَهَابُ الشَّيْءِ وَمَجِيئُهُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا: مَشِيئَةُ الْعَبْدِ وَمَيْلُهُ النَّاشِئُ عَنْ حُبٍّ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: هِيَ الْمُحَرِّكُ الْأَوَّلُ لِلْعَمَلِ؛ فَإِنْ كَانَتْ (إِرَادَةً شَرْعِيَّةً) وُجِّهَتْ لِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَإِنْ كَانَتْ (إِرَادَةً شِرْكِيَّةً) وُجِّهَتْ لِمَا يَطْلُبُهُ الشَّيْطَانُ أَوْ الْهَوَى.
٤. لَفْظُ (الْعِبَادَةُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (التَّعْبِيدِ)؛ وَأَصْلُهُ الذُّلُّ وَالْخُضُوعُ. يُقَالُ: (طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ) أَيْ ذَلَّلَتْهُ الْأَقْدَامُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، مَعَ كَمَالِ الْحُبِّ وَكَمَالِ الذُّلِّ. فَالْعِبَادَةُ بِلَا قَصْدٍ لِلَّهِ (رِيَاءٌ)، وَالْعِبَادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ (شِرْكٌ).
(ثَانِيًا) رَبْطُ النَّصِّ بِالْمَبْحَثِ (إِيرَادُ الْمَتْنِ كَامِلًا):
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ثَنَايَا رِسَالَتِهِ:
(وَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ لِعِبَادَتِهِ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تُسَمَّى عِبَادَةً إِلَّا مَعَ التَّوْحِيدِ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُسَمَّى صَلَاةً إِلَّا مَعَ الطَّهَارَةِفَإِذَا دَخَلَ الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ فَسَدَتْ، كَالْحَدَثِ إِذَا دَخَلَ فِي الطَّهَارَةِ. 
فَمَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ يَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ كَفَرَ إِجْمَاعًا وَالْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: مَا نُرِيدُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقُرْبَةَ وَالشَّفَاعَةَ، فَهَذَا هُوَ عَيْنُ فَسَادِ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ...).

[دَلَالَةُ النَّصِّ]:
يُؤَصِّلُ الْإِمَامُ هُنَا لِحَقِيقَةِ "فِقْهِ الْإِرَادَةِ"؛ حَيْثُ جَعَلَ التَّوْحِيدَ (شَرْطًا) فِي صِحَّةِ مَسَمَّى الْعِبَادَةِ. فَكُلُّ حَرَكَةٍ يَطْلُبُ بِهَا الْعَبْدُ الْقُرْبَةَ (وَهِيَ الطَّلَبُ) لَا بُدَّ أَنْ تُجَرَّدَ لِلَّهِ (وَهِيَ الْقَصْدُ). فَمَنْ دَعَا مَيِّتًا أَوْ وَلِيًّا بِحُجَّةِ (الْقُرْبَةِ)، فَقَدْ جَعَلَ إِرَادَتَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَسَقَطَ عَنْهُ وَصْفُ "الْعِبَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ" وَحَلَّ مَحَلَّهُ وَصْفُ "الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ".

(ثَالِثًا) تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ (فِقْهُ الْإِرَادَةِ):
إِنَّ الْإِرَادَةَ فِي "تَوْحِيدِ الْقَصْدِ" تَنْقَسِمُ إِلَى إِرَادَةِ (وَجْهِ اللَّهِ) وَإِرَادَةِ (مَا سِوَاهُ). فَالْمُشْرِكُ قَدْ يُرِيدُ اللَّهَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ (أَيْ يُقِرُّ بِأَنَّهُ الْخَالِقُ)، لَكِنَّهُ فِي بَابِ "الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ" يُرِيدُ الْجَاهَ أَوِ الشَّفَاعَةَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ. وَهَذَا هُوَ (التَّشْرِيكُ) فِي الْإِرَادَةِ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ.
---------------------------&
[الْحَاشِيَةُ الْعِلْمِيَّةُ]:
(١) تَوْحِيدُ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ: هُوَ الْمُصْطَلَحُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ كَثِيرًا لِلتَّعْبِيرِ عَنْ تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ. يُنْظَرُ: [مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، لِابْنِ الْقَيِّمِ، ط. دَارِ الصَّمِيعِيِّ، ج ٣، ص ٤٤٥].
(٢) حَقِيقَةُ الْعِبَادَةِ: أَنَّهَا طَاعَةُ اللَّهِ بِامْتِثَالِ مَا أَمَرَ بِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ. يُنْظَرُ: [رِسَالَةُ الْعُبُودِيَّةِ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ط. الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ، ص ٣٨].
--------------------------[٧٤]---------------------
[الْمَبْحَثُ الثَّانِي: تَوْحِيدُ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ - فِقْهُ الْإِرَادَةِ وَالْعِبَادَةِ]
(الْوَجْهُ الثَّانِي: الْمُتَمِّمَةُ الْأُولَى - تَقْسِيمُ الْإِرَادَةِ وَعَلَاقَتُهَا بِالْقَصْدِ)
[تَوْطِئَةُ الْمُتَمِّمَةِ]:
إِنَّ الْإِرَادَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِجَنَابِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ، وَعَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا هُوَ أَصْلُ الضَّلَالِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَبَابِ الْعِبَادَةِ.
 فَإِذَا ضَبَطَ الْمُوَحِّدُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، اسْتَقَامَ لَهُ (تَوْحِيدُ الْقَصْدِ) وَصَحَّ لَهُ (الطَّلَبُ)، وَلَمْ يَلْتَبِسْ عَلَيْهِ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ (كَوْناً) بِمَا يُحِبُّهُ (شَرْعاً). 
وَإِنَّ الْجَهْلَ بِهَذَا الْفَرْقِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمُشْرِكَ يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ عَلَى مَعْصِيَةِ الْأَمْرِ، فَيَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ كَوْناً فَقَدْ رَضِيَهُ دِيناً، وَهَذَا غَايَةُ الْخُسْرَانِ وَالتَّبَابِ.
(أَوَّلًا) الْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ (الْقَدَرِيَّةُ):
هِيَ مَشِيئَةُ اللَّهِ الشَّامِلَةُ لِكُلِّ كَائِنٍ وَمَوْجُودٍ، سَوَاءً كَانَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ (كَإِيمَانِ الطَّائِعِ) أَوْ مِمَّا يَبْغَضُهُ (كَكُفْرِ الْكَافِرِ وَشِرْكِ الْمُشْرِكِ).
 وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ مُرَادِفَةٌ لِلْمَشِيئَةِ، فَلَا يَنْفَكُّ عَنْهَا الْمُرَادُ أَبَداً، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ شَيْئاً (كَوْناً) وَقَعَ لَا مَحَالَةَ. وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِخَلْقِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ لِلْعَالَمِ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
 وَالْمُؤْمِنُ يُقِرُّ بِهَا تَعْظِيماً لِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، لَكِنَّهُ لَا يَجْعَلُهَا مَسَاغاً لِارْتِكَابِ الشِّرْكِ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ وُقُوعَ الشِّرْكِ كَوْناً لَا يَعْنِي رِضَى الرَّبِّ بِهِ، بَلْ هُوَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا سُبْحَانَهُ فِي الِابْتِلَاءِ.

(ثَانِيًا) الْإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ (الدِّينِيَّةُ):

هِيَ إِرَادَةُ اللَّهِ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَةِ، وَهِيَ الَّتِي أَنْزَلَ بِهَا كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِيَطْلُبَهَا مِنَ الْخَلْقِ. وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ لَا تَلْزَمُ مِنْهَا وُقُوعُ الْمُرَادِ حَتْماً؛ فَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ شَرْعاً مِنَ الْكُلِّ أَنْ يُوَحِّدُوهُ، لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أَبَى إِلَّا كُفُوراً. وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ وَدِينِهِ، فَمَنْ وَافَقَهَا بِقَصْدِهِ وَعَمَلِهِ كَانَ مُوَحِّداً، وَمَنْ خَالَفَهَا كَانَ مُشْرِكاً أَوْ عَاصِياً. فَالْمَدَارُ فِي (تَوْحِيدِ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ) هُوَ عَلَى هَذِهِ الْإِرَادَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ هَوَى الْعَبْدِ وَقَصْدُهُ تَبَعاً لِمَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ الْمُقَدَّسُ.
(ثَالِثًا) ثَمَرَةُ التَّفْرِيقِ فِي جَنَابِ الطَّلَبِ:
إِنَّ أَخْطَرَ مَا يَقَعُ فِيهِ الْقُبُورِيُّ هُوَ الِاحْتِجَاجُ بِالْكَوْنِ عَلَى الشَّرْعِ؛ فَيَقُولُ: (لَوْ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ دُعَائِي لِصَاحِبِ الْقَبْرِ لَمَا قَضَى لِي حَاجَتِي). فَنَقُولُ لَهُ: لَقَدْ خَلَطْتَ بَيْنَ الْإِرَادَتَيْنِ؛ فَقَضَاءُ حَاجَتِكَ كَانَ بِالْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ (اسْتِدْرَاجاً أَوْ فِتْنَةً)، لَكِنَّ فِعْلَكَ مَمْقُوتٌ بِالْإِرَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي نَهَتْ عَنْ صَرْفِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَالْمُوَحِّدُ لَا يَنْظُرُ لِلنَّتَائِجِ الْكَوْنِيَّةِ إِذَا خَالَفَتِ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ الطَّلَبَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ لِلْمُشْرِكِ مَا أَرَادَ مِنَ الدُّنْيَا، فَالْعِبْرَةُ بِرِضَى الرَّبِّ لَا بِمُجَرَّدِ الْعَطَاءِ الْكَوْنِيِّ.
(رَابِعًا) تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ (فِقْهُ الْإِرَادَةِ):
إِنَّ حَقِيقَةَ (تَوْحِيدِ الْقَصْدِ) هِيَ (تَوْحِيدُ الْإِرَادَةِ)؛ بِأَنْ يَكُونَ قَصْدُ الْعَبْدِ وَاحِداً، وَهُوَ تَقَرُّبُهُ لِلَّهِ بِمَا شَرَعَ. فَالْمُشْرِكُ قَدْ يُرِيدُ اللَّهَ فِيمَا يَنْفَعُهُ (رُبُوبِيَّةً)، لَكِنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَهُ فِيمَا يَقْرَبُهُ (أُلُوهِيَّةً)، فَتَشَتَّتَتْ إِرَادَتُهُ. أَمَّا الْمُوَحِّدُ فَقَدْ جَمَعَ هَمَّهُ عَلَى إِرَادَةِ وَجْهِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبُ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يَقْصِدُ بِعِبَادَتِهِ إِلَّا إِيَّاهُ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَهْدِمُ كُلَّ شُبُهَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ حَصَرُوا التَّوْحِيدَ فِي إِقْرَارِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ فَقَطْ، وَأَغْفَلُوا جَانِبَ (الْإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ) الَّذِي هُوَ أَصْلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ وَمُبْتَدَأُ الْخُصُومَةِ مَعَ الْجَاهِلِيَّةِ.
(خَامِسًا) الِاسْتِشْهَادُ بِالنَّقْلِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
مِنَ الْقُرْآنِ: قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: ١٩]. وَهَذَا نَصٌّ فِي (إِرَادَةِ الْعَبْدِ) وَوُجُوبِ مُوَافَقَتِهَا لِلشَّرْعِ.
مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٢).
--------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]:
(١) تَخْرِيجُ حَدِيثِ (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ): أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي [صَحِيحِهِ، كِتَابُ بَدْءِ الْوَحْيِ، رَقْمُ ١، ج ١، ص ٢]، وَمُسْلِمٌ فِي [صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِمَارَةِ، رَقْمُ ١٩٠٧، ج ٣، ص ١٥١٥]. وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ]: النِّيَّةُ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا (الْإِخْلَاصُ وَالْقَصْدُ)، وَهِيَ الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ لِقَبُولِ الْعِبَادَةِ، وَبِهَا يَتَمَيَّزُ الْمُؤْمِنُ عَنِ الْمُنَافِقِ.
(٢) تَخْرِيجُ حَدِيثِ (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ): أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي [صَحِيحِهِ، كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ، رَقْمُ ٢٩٨٥، ج ٤، ص ٢٢٨٩]. وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [ضَابِطٌ شَرْعِيٌّ]: الشِّرْكُ فِي الْقَصْدِ (الرِّيَاءُ) مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي خَالَطَهُ، أَمَّا الشِّرْكُ فِي الطَّلَبِ (دُعَاءُ غَيْرِ اللَّهِ) فَهُوَ شِرْكٌ أَكْبَرُ مُحْبِطٌ لِأَصْلِ الدِّينِ.
(٣) [قَاعِدَةٌ فِي الْإِرَادَةِ]: كُلُّ إِرَادَةٍ شَرْعِيَّةٍ فِيهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا الْوُقُوعُ. 
وَكُلُّ إِرَادَةٍ كَوْنِيَّةٍ فِيهَا الْوُقُوعُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا الْمَحَبَّةُ. يُنْظَرُ: [الْعَقِيدَةُ الْتَدْمُرِيَّةُ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ط. دَارِ الصَّمِيعِيِّ، ص ٢١٤].
(٤) [نُكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ]: سُمِّيَ تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ (تَوْحِيدَ الْقَصْدِ) لِأَنَّهُ يَعْنِي انْتِقَاءَ الشَّرِيكِ فِي (الْهَدَفِ وَالْغَايَةِ)، فَالْمُوَحِّدُ هَدَفُهُ اللَّهُ، وَالْمُشْرِكُ هَدَفُهُ رِضَى الْوَسَائِطِ.
------------------------[٧٥]------------------------
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: الْمُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ - بُطْلَانُ حَصْرِ التَّوْحِيدِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ)

[تَوْطِئَةُ الْمُتَمِّمَةِ]:
إِنَّ مَنْ أَعْظَمِ الِانْحِرَافَاتِ الَّتِي طَرَأَتْ عَلَى مَفْهُومِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ هِيَ حَصْرُهُمْ لِمَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) فِي (لَا قَادِرَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ إِلَّا اللَّهُ). 

وَهَذَا خَلَلٌ مَنْهَجِيٌّ خَطِيرٌ جَعَلَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ فَقَدْ دَخَلَ فِي حِصْنِ التَّوْحِيدِ، وَإِنْ صَرَفَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ لِغَيْرِهِ. وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ هَذَا التَّوْحِيدَ (الرُّبُوبِيَّةَ) هُوَ تَوْحِيدُ "الْإِقْرَارِ" الَّذِي لَمْ يُنْكِرْهُ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وَإِنَّمَا الْخُصُومَةُ وَقَعَتْ فِي (تَوْحِيدِ الْقَصْدِ) الَّذِي هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعَمَلِ وَالْإِرَادَةِ.

(أَوَّلًا) حَقِيقَةُ تَوْحِيدِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقُصُورُهُ:
إِنَّ كُتُبَ الْكَلَامِ مَشْحُونَةٌ بِتَعْرِيفِ التَّوْحِيدِ بِأَنَّهُ (نَفْيُ التَّعَدُّدِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ)، وَهَذَا فِي جُمْلَتِهِ حَقٌّ، لَكِنَّهُ نَاقِصٌ نَقْصاً بَيِّناً؛ لِأَنَّهُ يَغْفُلُ عَنْ (تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ) الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِقَصْدِ الْعَبْدِ. 
فَمَنْ جَعَلَ التَّوْحِيدَ هُوَ الْعِلْمَ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فِي مَلَكُوتِهِ فَقَطْ، لَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ أَبُو جَهْلٍ وَأَبُو لَهَبٍ مُوَحِّدِينَ، لِأَنَّهُمَا كَانَا يَعْلَمَانِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ. فَالْقُصُورُ هُنَا جَاءَ مِنْ جَعْلِ "الْمَعْرِفَةِ" نِهَايَةَ الْمَطْلَبِ، بَيْنَمَا الْمَطْلَبُ الْأَعْظَمُ هُوَ "إِفْرَادُ الطَّلَبِ" لِلَّهِ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ.

(ثَانِيًا) دَعْوَى الْمُشْرِكِينَ الْأَوَّلِينَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ:

لَقَدْ سَجَّلَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ عِنْدَ السُّؤَالِ، فَمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَصْنَامَهُمْ تَخْلُقُ أَوَّ تَرْزُقُ، بَلْ كَانُوا يَقْصِدُونَهَا لِتَكُونَ "وَسَائِطَ" وَ"شُفَعَاءَ". وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا يَفْعَلُهُ الْقُبُورِيُّونَ الْيَوْمَ؛ فَهُمْ يُقِرُّونَ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ (كَمُتَكَلِّمِينَ)، لَكِنَّهُمْ يَهْدِمُونَ "تَوْحِيدَ الْقَصْدِ" بِالتَّوَجُّهِ لِلْأَوْلِيَاءِ. 
فَالْمُتَكَلِّمُ الَّذِي يَحْصُرُ التَّوْحِيدَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ يُعْطِي صَكَّ الْبَرَاءَةِ لِلْمُشْرِكِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مَنَاطَ الشِّرْكِ الْحَقِيقِيَّ.

(ثَانِيًا) ثَمَرَةُ التَّفْرِيقِ فِي جَنَابِ الطَّلَبِ:

إِذَا عَرَفَ الْبَاحِثُ أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِـ (تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ)، بَطَلَ عِنْدَهُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: (أَنَا لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ الْوَلِيَّ يَخْلُقُ مَعَ اللَّهِ، إِذاً دُعَائِي لَهُ لَيْسَ شِرْكاً). 
فَنَقُولُ لَهُ: هَذَا هُوَ فَهْمُ الْمُتَكَلِّمِينَ الضَّالِّ، أَمَّا فَهْمُ الرُّسُلِ فَهُوَ أَنَّ مُجَرَّدَ (قَصْدِكَ) لِلْقَبْرِ بِالطَّلَبِ هُوَ جَعْلُهُ (إِلَهاً) مَعَ اللَّهِ، وَلَوْ أَقْرَرْتَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ. فَالطَّلَبُ عِبَادَةٌ، وَصَرْفُ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ فِي "الْقَصْدِ"، وَلَا يَنْفَعُ مَعَهُ الْإِقْرَارُ بِالرُّبُوبِيَّةِ كَمَا لَمْ يَنْفَعْ كُفَّارَ قُرَيْشٍ.
(ثَالِثًا) تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ (فَصْلُ الْخِطَابِ):
إِنَّ الْخُصُومَةَ بَيْنَ الرُّسُلِ وَأُمَمِهِمْ لَمْ تَكُنْ فِي "مَنْ هُوَ الْخَالِقُ؟"، بَلْ كَانَتْ فِي "مَنْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ وَالطَّلَبِ؟". فَالْمُتَكَلِّمُونَ عَمَّرُوا جَانِبَ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي لَمْ يُهْدَمْ أَصْلاً عِنْدَ عُقَلَاءِ الْبَشَرِ، وَهَدَمُوا جَانِبَ الْإِلَهِيَّةِ بِجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ (الْقَصْدِ). 
فَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ: (إِنَّ كُلَّ تَوْحِيدٍ لَا يَصْحَبُهُ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ، فَهُوَ تَوْحِيدٌ صُورِيٌّ لَا يَعْصِمُ دَماً وَلَا يُنْجِي مِنْ نَارٍ).
(رَابِعًا) الِاسْتِشْهَادُ بِالنَّقْلِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
مِنَ الْقُرْآنِ: قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: ١٠٦]. 
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (مِنْ إِيمَانِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا: مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ؟ قَالُوا: اللَّهُ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ).
مِنَ السُّنَّةِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» (١).
-----------------&
[الْحَاشِيَةُ ]:
(١) تَخْرِيجُ حَدِيثِ (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا): أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي [صَحِيحِهِ، رَقْمُ ٤٤٧٧، ج ٦، ص ٤٥]، وَمُسْلِمٌ فِي [صَحِيحِهِ، رَقْمُ ٨٦، ج ١، ص ٩٠]. [نُكْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ]: قَوْلُهُ ﷺ: «وَهُوَ خَلَقَكَ» تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْخَالِقِيَّةِ (الرُّبُوبِيَّةِ) يَسْتَلْزِمُ إِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ (الْأُلُوهِيَّةِ)، فَمَنْ أَقَرَّ بِالْأَوَّلِ وَنَقَضَ الثَّانِي فَقَدْ وَقَعَ فِي أَعْظَمِ الذَّنْبِ.
(٢) [قَاعِدَةٌ فِي التَّوْحِيدِ]: التَّوْحِيدُ نَوْعَانِ: تَوْحِيدٌ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالْإِثْبَاتِ (الرُّبُوبِيَّةُ وَالْأَسْمَاءُ)، وَتَوْحِيدٌ فِي الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ (الْإِلَهِيَّةُ). وَالثَّانِي هُوَ الْغَايَةُ مِنَ الْبَعْثَةِ. يُنْظَرُ: [فَتْحُ الْمَجِيدِ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، ط. دَارِ السَّلَامِ، ص ١٥].
(٣) [ضَابِطٌ شَرْعِيٌّ]: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُسْلِماً بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ "اللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ"، بَلْ حَتَّى يَقُولَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" عِلْماً وَعَمَلاً وَقَصْداً. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى (الْأَشَاعِرَةِ) الَّذِينَ جَعَلُوا خُصُومَةَ الرُّسُلِ فِي (إِثْبَاتِ الصَّانِعِ).
(٤) [فَائِدَةٌ تَوْثِيقِيَّةٌ]: يُنْظَرُ فِي بُطْلَانِ حَصْرِ التَّوْحِيدِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ: [تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ط. الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ، ص ٢١].
--------------------------[٧٦]-----------------
[الْمَبْحَثُ الثَّانِي: تَوْحِيدُ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ - فِقْهُ الْإِرَادَةِ وَالْعِبَادَةِ]
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ: التَّطْبِيقُ - صُوَرُ الشِّرْكِ فِي الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ)
[تَوْطِئَةُ التَّطْبِيقِ]:
إِنَّ مَنْ أَحْكَمَ الْأُصُولَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الشِّرْكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ حِجَارَةٍ تُعْبَدُ، بَلْ هُوَ "فَسَادٌ فِي الْقَصْدِ" يَنْجَمُ عَنْهُ "انْحِرَافٌ فِي الطَّلَبِ". وَفِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ تَعَدَّدَتِ الْأَسْمَاءُ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ؛ حَيْثُ يُصْرَفُ لِلْمَقْبُورِينَ وَالْأَضْرِحَةِ مَا هُوَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَا يَكُونُ الْبَاحِثُ مُحَقِّقاً حَتَّى يَرَى كَيْفَ يَتَحَوَّلُ "تَوْحِيدُ الْمُتَكَلِّمِينَ" إِلَى مِظَلَّةٍ يَحْتَمِي تَحْتَهَا الْقُبُورِيُّونَ بَدَعْوَى أَنَّهُمْ (لَا يَخْلُقُونَ مَعَ اللَّهِ)، مُتَنَاسِينَ أَنَّ الْخُصُومَةَ فِي "إِرَادَةِ الْعِبَادَةِ" لَا فِي "إِثْبَاتِ الْخَالِقِ". فَالْوَاجِبُ تَجْرِيدُ الْقَصْدِ لِلَّهِ وَحْدَهُ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسَكْنَةٍ تَقَرُّبِيَّةٍ لِيَصِحَّ وَصْفُ الْإِسْلَامِ.
(أَوَّلًا) صُورَةُ الشِّرْكِ فِي (الطَّلَبِ) - دُعَاءُ غَيْرِ اللَّهِ:
مِنْ أَبْرَزِ مَظَاهِرِ الشِّرْكِ الْيَوْمَ الِاسْتِغَاثَةُ بِالْأَمْوَاتِ وَسُؤَالُهُمُ الْمَدَدَ وَتَفْرِيجَ الْكُرُبَاتِ عِنْدَ أَعْتَابِ أَضْرِحَتِهِمْ. فَهَذَا عَيْنُ الشِّرْكِ فِي "الطَّلَبِ"؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ لُبُّ الْعِبَادَةِ، وَالْمَيِّتُ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً. وَالزَّاعِمُ أَنَّ هَذَا "تَوَسُّلٌ" قَدْ غَابَ عَنْهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَمَّوْا فِعْلَهُمْ "قُرْبَةً"، فَلَمْ تُغَيِّرِ التَّسْمِيَةُ حَقِيقَةَ أَنَّهُمْ قَصَدُوا غَيْرَ اللَّهِ بِمَا لَا يُطْلَبُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ. فَالطَّلَبُ مِنَ الْمَيِّتِ هُوَ اعْتِقَادٌ خَفِيٌّ بِتَصَرُّفِهِ، وَهَذَا يَنْقُضُ أَصْلَ "تَوْحِيدِ الْقَصْدِ" نَقْضاً كُلِّيّاً لَا مِرَاءَ فِيهِ.
(ثَانِيًا) صُورَةُ الشِّرْكِ فِي (الْقَصْدِ) - إِرَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِالْعَمَلِ:
يَتَمَثَّلُ هَذَا فِي رِبَاطِ الْقَلْبِ بِالْمَخْلُوقِ رَجَاءً وَخَوْفاً، بِحَيْثُ يَكُونُ بَاعِثُ الْعَمَلِ هُوَ إِرْضَاءَ "صَاحِبِ الْمَقَامِ" أَوْ طَلَبَ شَفَاعَتِهِ الَّتِي لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ. فَالَّذِي يَذْبَحُ أَوْ يَنْذُرُ لِلْقَبْرِ، مَا فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا لِـ "قَصْدِ" نَفْعِهِ أَوْ دَفْعِ ضُرِّهِ مِنَ الْوَلِيِّ. وَهَذَا الْفَسَادُ فِي الْإِرَادَةِ يُبْطِلُ الْعَمَلَ مِنَ الْأَسَاسِ؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ "تَوْحِيدُ الْمُرَادِ"، فَإِذَا تَعَدَّدَ الْمُرَادُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْبَشَرِ، وَقَعَ التَّشْرِيكُ الْمُحْبِطُ لِلْأَعْمَالِ. فَالْقَصْدُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَحْدَهُ لِيَكُونَ السَّعْيُ مَشْكُوراً وَالْعَمَلُ مَقْبُولاً.
(ثَالِثًا) ثَمَرَةُ التَّفْرِيقِ فِي جَنَابِ الطَّلَبِ:
إِنَّ الْقُبُورِيَّ حِينَ يَرَى "آثَاراً" كَوْنِيَّةً لِدُعَائِهِ عِنْدَ الْقَبْرِ، يَظُنُّ أَنَّ طَلَبَهُ كَانَ حَقّاً، وَهَذَا لُبُّ الْفِتْنَةِ. فَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ "الْعِبْرَةَ بِالشَّرْعِ لَا بِالْقَدَرِ"؛ فَاللَّهُ قَدْ يَقْضِي لِلْمُشْرِكِ حَاجَتَهُ (كَوْناً) لِيَزْدَادَ إِثْماً وَضَلَالاً. أَمَّا فِي مِيزَانِ (تَوْحِيدِ الْقَصْدِ)، فَالطَّلَبُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ ضَلَالٌ مُبِينٌ، وَإِنْ تَحَقَّقَ الْمُرَادُ الدُّنْيَوِيُّ. فَالْمُوَحِّدُ يَثْبُتُ عَلَى طَلَبِهِ مِنَ اللَّهِ فَقَطْ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْغَايَةِ، وَأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَإِفْرَادِهِ بِالْقَصْدِ.
(رَابِعًا) تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ (فِقْهُ التَّمَيُّزِ فِي الطَّلَبِ):
إِنَّ الْخُلَاصَةَ الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا هَذَا الْمَبْحَثُ هِيَ أَنَّ "تَوْحِيدَ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ" هُوَ مِعْيَارُ الِانْفِكَاكِ عَنِ الْجَاهِلِيَّةِ. فَلَا يَكْفِي أَنْ تَقُولَ "اللَّهُ رَبِّي" (رُبُوبِيَّةً)، حَتَّى تَقُولَ "اللَّهُ مَقْصُودِي" (أُلُوهِيَّةً). فَالْمُتَكَلِّمُونَ حِينَ فَرَّغُوا التَّوْحِيدَ مِنْ (قَصْدِ الْعَبْدِ)، جَعَلُوا النَّاسَ عَبِيداً لِلْأَوْهَامِ تَحْتَ مُسَمَّى "التَّبَرُّكِ". وَالْبَاحِثُ يَهْتِفُ: (إِنَّ الطَّلَبَ مِنَ الْخَالِقِ عِزٌّ، وَمِنَ الْمَخْلُوقِ ذُلٌّ وَشِرْكٌ). فَكُنْ لِلَّهِ بِالْإِرَادَةِ، يَكُنِ اللَّهُ لَكَ بِالْإِجَابَةِ، فَهَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ وَجَاهَدَتْ دُونَهُ.
(خَامِسًا) الِاسْتِشْهَادُ بِالنَّقْلِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
مِنَ الْقُرْآنِ: قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: ١٦٢-١٦٣].
مِنَ السُّنَّةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» (١).
[الْحَاشِيَةُ الْعِلْمِيَّةُ الْحَافِلَةُ]:
(١) تَخْرِيجُ حَدِيثِ (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ): أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي [سُنَنِهِ، رَقْمُ ٢٥١٦، ج ٤، ص ٦٦٧]، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). [قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ]: قَوْلُهُ ﷺ: «فَاسْأَلِ اللَّهَ» حَصْرٌ لِلْمَسْأَلَةِ التَّعَبُّدِيَّةِ فِي جَنَابِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ، وَقَدِ اعْتَبَرَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْحَدِيثَ أَصْلاً فِي "تَوْحِيدِ الطَّلَبِ"؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ لِلْمَيِّتِ هُوَ عُدُولٌ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ النَّبَوِيِّ.
(٢) [نُكْتَةٌ فِي فِقْهِ الْإِرَادَةِ]: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ وَالْمُشْرِكِ فِي "الْقَصْدِ" أَنَّ الْمُوَحِّدَ يَقْصِدُ اللَّهَ اسْتِحْقَاقاً، وَالْمُشْرِكُ يَقْصِدُ الْوَسَائِطَ طَمَعاً فِي الْقُرْبَةِ. يُنْظَرُ: [كِتَابُ التَّوْحِيدِ، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}].
(٣) [ضَابِطٌ فِي التَّوَسُّلِ]: التَّوَسُّلُ الْمَشْرُوعُ هُوَ مَا كَانَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، أَمَّا التَّوَسُّلُ بِـ (الذَّاتِ) أَوْ (الْجَاهِ) عِنْدَ الْقَبْرِ فَهُوَ ذَرِيعَةٌ لِلشِّرْكِ، وَالِاسْتِغَاثَةُ بِصَاحِبِ الْقَبْرِ شِرْكٌ أَكْبَرُ. يُنْظَرُ: [قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ط. دَارِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ، ص ٥٤].
(٤) [فَائِدَةٌ عِلْمِيَّةٌ]: انْتَشَرَتِ الْقِبَابُ فِي مِصْرَ كَثِيرًا فِي الْعَهْدِ الْأَيُّوبِيِّ ثُمَّ الْمَمْلُوكِيِّ، لَكِنَّ تَأْصِيلَهَا الْبِدْعِيَّ بَدَأَ مَعَ الْعُبَيْدِيِّينَ. يُنْظَرُ: [تَارِيخُ الْمَقْرِيزِيِّ (الْمَوَاعِظُ وَالِاعْتِبَارُ)، ط. دَارِ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ج ٣، ص ٢٨٢].
--------------------------[٧٧]--------------------------
[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: الْوَسَاطَةُ وَالشَّفَاعَةُ - الْفُرْقَانُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ]
(أَوَّلًا) مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ :
يَرْتَكِزُ مَضْمُونُ هَذَا الْمَبْحَثِ عَلَى تَحْرِيرِ مَسْأَلَةِ "الْوَسَاطَةِ الشِّرْكِيَّةِ" الَّتِي زَلَّتْ فِيهَا أَقْدَامُ الْكَثِيرِينَ، 
١- وَالْوَسَاطَةُ لُغَةً مِنَ (الْوَسَطِ) بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّيْءِ، 
٢- وَالْحَدُّ الْجَامِعُ لَهَا: "اتِّخَاذُ مَخْلُوقٍ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ لِيُوصِلَهُ إِلَيْهِ أَوْ يَقْضِيَ لَهُ حَاجَتَهُ". 
أَمَّا الشَّفَاعَةُ فَمِنَ (الشَّفْعِ) وَهُوَ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى مِثْلِهِ لِيَصِيرَ زَوْجاً، 
وَالْحَدُّ الْجَامِعُ لَهَا: "سُؤَالُ الشَّافِعِ مِنَ الْمَالِكِ نَفْعاً لِلْمَشْفُوعِ لَهُ". وَتَنْقَسِمُ الْوَسَاطَةُ إِلَى
 ١-حَقِيقِيَّةٍ (كَوْنِيَّةٍ وَشَرْعِيَّةٍ) 
٢-وَإِلَى وَهْمِيَّةٍ شِرْكِيَّةٍ. 
١-فَالْوَسَاطَةُ الْكَوْنِيَّةُ هِيَ التَّعَلُّقُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ قَدَراً (كَالطَّبِيبِ) 
٢-وَالْوَسَاطَةُ الشَّرْعِيَّةُ نَوْعَانِ: مَخْلُوقَةٌ (كَدُعَاءِ الْحَيِّ) وَغَيْرُ مَخْلُوقَةٍ (كَالتَّوَسُّلِ بِصِفَاتِ اللَّهِ وَالْقُرْآنِ)؛ فَالْقُرْآنُ نُورٌ وَصِفَةٌ يُتَوَسَّلُ بِهَا. 
أَمَّا الْوَهْمِيَّةُ فَهِيَ جَعْلُ مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ سَبَباً (كَالْمَوْتَى)، وَهِيَ مَنَاطُ الشِّرْكِ لِأَنَّهَا صَرْفٌ لِلْقَصْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ بِحُجَّةِ الشَّفَاعَةِ، وَهَذَا لُبُّ دِينِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِي جَاءَ الْقُرْآنُ بِهَدْمِهِ وَبَيَانِ بَصِيرَةِ التَّوْحِيدِ فِيهِ.

(ثَانِيًا) الشَّفَاعَةُ (الْمَنْفِيَّةُ وَالْمُثْبَتَةُ وَالشُّرُوطُ) :
تَنْقَسِمُ الشَّفَاعَةُ إِلَى "مَنْفِيَّةٍ" وَهِيَ مَا طُلِبَتْ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ فَقَدَتْ شَرْطَ الْإِذْنِ، وَصُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ الْقُبُورِيُّ لِلْمَيِّتِ: "اشْفَعْ لِي". 
وَ"مُثْبَتَةٍ" :وَهِيَ مَا طُلِبَتْ مِنَ اللَّهِ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ
صورتها : "اللَّهُمَّ شَفِّعْ فِينَا نَبِيَّكَ". 
وَشُرُوطُ الشَّفَاعَةِ الْمُثْبَتَةِ ثَلَاثَةٌ لَا تَنْفَكُّ:
 ١. إِذْنُ اللَّهِ لِلشَّافِعِ أَنْ يَشْفَعَ
٢. رِضَا اللَّهِ عَنِ الشَّافِعِ، 
٣. رِضَا اللَّهِ عَنِ الْمَشْفُوعِ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ مُوَحِّداً. 
فَالْمُشْرِكُ حِينَ يَتَّخِذُ الْوَسَائِطَ يَهْدِمُ الشَّرْطَ الثَّالِثَ فَتَنْقَلِبُ شَفَاعَتُهُ إِلَى وَهْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَالْمُوَحِّدُ هُوَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالشَّفَاعَةِ لِأَنَّهُ سَلَكَ الطَّرِيقَ الشَّرْعِيَّ لَهَا بِطَلَبِهَا مِنْ مَالِكِهَا. 
وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ قَصَدَ اللَّهَ بِإِخْلَاصِهِ لِيَنَالَ الشَّفَاعَةَ كَرَامَةً، وَبَيْنَ مَنْ قَصَدَ الْمَخْلُوقَ بِشِرْكِهِ فَحُرِمَ مِنْهَا، لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ مِلْكٌ لِلَّهِ وَلَا تُؤْخَذُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَبِالْبُعْدِ عَنْ كُلِّ وَسَاطَةٍ شِرْكِيَّةٍ تَقْطَعُ صِلَةَ الْقَلْبِ بِمَوْلَاهُ.

(ثَالِثًا) رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ) :
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "فَإِنْ قَالَ الْمُشْرِكُ: نَحْنُ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ، وَلَكِنْ نَلْجَأُ إِلَى الصَّالِحِينَ لِيَشْفَعُوا لَنَا، فَقُلْ لَهُ: هَذَا هُوَ دِينُ أَبِي جَهْلٍ وَأَمْثَالِهِ، فَهُمْ لَمْ يَدَّعُوا الْخَلْقَ لِأَصْنَامِهِمْ، بَلِ ادَّعَوْا (الْوَسَاطَةَ)، فَكُلُّ مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ يَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ فَقَدْ كَفَرَ إِجْمَاعاً" (١).
فَهَذَا النَّصُّ يُبَيِّنُ أَنَّ مَزِيَّةَ الْمُسْلِمِ هِيَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْقَصْدِ وَتَرْكُ تَعْلِيقِ الشَّفَاعَةِ بِالذَّوَاتِ الْمَخْلُوقَةِ.

(رَابِعًا) نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ:

١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُؤَصِّلُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْأَسْبَابِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْوَهْمِيَّةِ، فَمَنْ جَعَلَ مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ سَبَباً فَقَدْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ (٢). وَدُعَاءُ الْمَقْبُورِينَ لِيَشْفَعُوا سَبَبٌ وَهْمِيٌّ بَاطِلٌ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمْلِكُ فِعْلَ السَّبَبِ وَلَا نَتِيجَتَهُ. فَالْقُبُورِيُّونَ تَعَلَّقُوا بِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَصَرَفُوا لَهُ الْقَصْدَ الَّذِي لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ شُبْهَةَ "الْوَسَاطَةِ" هِيَ جَوْهَرُ مَذْهَبِ الْمُشْرِكِينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ (٣)، فَهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا الْخَلْقَ فِي آلِهَتِهِمْ بَلِ اعْتَقَدُوا "الْوَسَاطَةَ" الَّتِي تَقُومُ عَلَى "الشَّفَاعَةِ".
وَهَذَا الِاعْتِقَادُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُمْ يَصْرِفُونَ الْعِبَادَةَ لِلْقُبُورِ، فَمَنْ نَفَى هَذِهِ الْوَسَاطَةَ فَقَدْ حَقَّقَ التَّمْيِيزَ الْحَقَّ بَيْنَ دِينِ الرُّسُلِ وَدِينِ الْجَاهِلِيَّةِ.
٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُبَيِّنُ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالْمَيِّتِ لِيَشْفَعَ هِيَ "وَسَاطَةٌ شِرْكِيَّةٌ" تَهْدِمُ أَصْلَ الدِّينِ (٤). فَالْوَاسِطَةُ فِي التَّبْلِيغِ حَقٌّ، وَالْوَاسِطَةُ فِي الدُّعَاءِ وَالطَّلَبِ كُفْرٌ. وَالْمُشْرِكُ يَظُنُّ أَنَّ لِلْوَسِيطِ جَاهاً يَقْهَرُ بِهِ إِرَادَةَ الْمَلِكِ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا سُوءُ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَنَقْصٌ بَيِّنٌ فِي تَوْحِيدِهِ.

(خَامِسًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :

الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ الْفَصْلَ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ يَعُودُ إِلَى تَقْوِيَةِ رَابِطَةِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ دُونَ حُجَّابٍ؛ فَالْوَسَاطَةُ الشَّرْعِيَّةُ صُورَتُهَا "الِاتِّبَاعُ" (بِالْعَمَلِ أَوِ التَّوَسُّلِ بِصِفَاتِ اللَّهِ كَالْقُرْآنِ)، وَالْوَسَاطَةُ الشِّرْكِيَّةُ صُورَتُهَا "الِابْتِدَاعُ" (بِدُعَاءِ الذَّوَاتِ). 
وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ "الْوَسَاطَةَ الْكَوْنِيَّةَ" ضَابِطُهَا الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا ثَبَتَ تَأْثِيرُهُ، وَكُلُّ تَجَاوُزٍ لِهَذَا الضَّابِطِ بِاتِّخَاذِ الْمَوْتَى شُفَعَاءَ هُوَ انْقَلَابٌ فِي الْفِطْرَةِ وَالْعَقْلِ قَبْلَ الشَّرْعِ. 
فَإِنَّ الْقُرْآنُ حِينَ سَمَّى نَفْسَهُ (نُوراً) بَيَّنَ أَنَّ صِفَةَ اللَّهِ هِيَ الْوَسِيلَةُ الْعُظْمَى لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ، لَا ذَوَاتُ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً.
وَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَقَعُ فِي جَعْلِ الشَّفَاعَةِ (غَايَةً) لَا تُنَالُ إِلَّا بِمَحْضِ التَّوْحِيدِ، بَيْنَمَا الْمُشْرِكُ جَعَلَهَا (وَسِيلَةً) لِتَبْرِيرِ التَّنْدِيدِ.
 وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَقْطَعُ دَابِرَ الشُّبَهِ، وَيَجْعَلُ الْقَلْبَ مُعَلَّقاً بِمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَحْدَهُ، عَالِماً بِأَنَّ مَنْ طَلَبَ الشَّفَاعَةَ مِنْ مَلِكِهَا فَقَدْ أَصَابَ السَّبِيلَ، وَمَنْ طَلَبَهَا مِمَّنْ لَا يَمْلِكُهَا فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً.
-----------------------------
[الْحَاشِيَةُ ]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ: "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ، ص ٧٦.
(٢) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج ١، ص ١٦٤.
(٣) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مَقَالَاتُ التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص ٨٩.
(٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي، شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، نُسْخَةُ الْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ، الدَّرْسُ الثَّالِثُ.
(٥) [قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ]: كُلُّ سَبَبٍ لَمْ يُثْبِتْهُ الشَّارِعُ وَلَا الْقَدَرُ فَاعْتِقَادُ السَّبَبِيَّةِ فِيهِ شِرْكٌ أَصْغَرُ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ.
(٦) [نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ]: الشَّفَاعَةُ فِي الدُّنْيَا "مُعَاوَنَةٌ" بَيْنَ مَخْلُوقَيْنِ، أَمَّا عِنْدَ اللَّهِ فَهِيَ "إِذْنٌ وَمَحْضُ فَضْلٍ" لَا يَمْلِكُهَا الشَّافِعُ ابْتِدَاءً.
(٧) [فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ]: التَّوَسُّلُ بِالْقُرْآنِ شَرْعِيٌّ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَتُهُ، وَالصِّفَةُ تُنَادَى تَبَعاً لَا اسْتِقْلَالاً (يَا رَحْمَةَ اللَّهِ).
(٨) [ضَابِطُ الشَّفَاعَةِ]: الشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ هِيَ مَا فَقَدَتْ أَحَدَ شُرُوطِهَا الثَّلَاثَةِ: الْإِذْنَ، أَوْ رِضَا الشَّافِعِ، أَوْ رِضَا الْمَشْفُوعِ.
(٩) [تَنْبِيهٌ سَلَفِيٌّ]: مَنَاطُ الشِّرْكِ فِي الْوَسَاطَةِ هُوَ صَرْفُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ لِلْوَاسِطَةِ كَالدُّعَاءِ أَوْ الذَّبْحِ لِلْمَقْبُورِ.
(١٠) [مَصْدَرٌ إِضَافِيٌّ]: حَوْلَ شُرُوطِ الشَّفَاعَةِ، يُنْظَرُ: مَعَارِجُ الْقَبُولِ، لِحَافِظٍ الْحَكَمِيِّ، ج ٢، ص ٤٥٠.
(١١) [فَصْلٌ فِي التَّمْيِيزِ]: الْفَرْقُ بَيْنَ شَفَاعَةِ الْمُوَحِّدِينَ وَالْمُشْرِكِينَ هُوَ "الْإِخْلَاصُ"، فَالْمُوَحِّدُ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهَا لِتَرْكِهِ الْوَسَائِطَ.
(١٢) [بَيَانٌ]: الْوَسَاطَةُ الْكَوْنِيَّةُ لَا تُذَمُّ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ الْفَاعِلُ أَنَّ السَّبَبَ يَنْفَعُ بِذَاتِهِ دُونَ مَشِيئَةِ الْخَالِقِ.
(١٣) [إِشَارَةٌ]: مَنِ اتَّخَذَ وَاسِطَةً يَسْأَلُهَا فَقَدْ نَقَصَ تَوْحِيدُهُ بِيَقِينٍ، لِأَنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ حِجَاباً بَشَرِيّاً.
(١٤) [تَحْقِيقٌ]: جَعْلُ الصَّالِحِينَ وَسَائِطَ هُوَ جَوْهَرُ "شِرْكِ الْمَحَبَّةِ" الَّذِي يُسَوِّي بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ فِي الْقَصْدِ.
(١٥) [خَاتِمَةُ الْحَاشِيَةِ]: تَمَّ تَحْرِيرُ هَذَا الْمَبْحَثِ بِنَاءً عَلَى نُصُوصِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ لِبَيَانِ وَجْهِ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ لِلْمُسْلِمِ.

-------------------------[٧٨]-----------------------
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ]: 
[الْغُلُوُّ وَالتَّقْدِيسُ - أَصْلُ الضَّلَالِ فِي الصَّالِحِينَ]

(أَوَّلًا) مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ:
يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَبْحَثُ قَضِيَّةَ "الْغُلُوِّ" بِاعْتِبَارِهَا الْبَوَّابَةَ الْأُولَى الَّتِي دَخَلَ مِنْهَا الشِّرْكُ عَلَى بَنِي آدَمَ. 
وَالْغُلُوُّ فِي الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ مِنَ (غَلَا) يَغْلُو، إِذَا تَجَاوَزَ الْقَدْرَ وَارْتَفَعَ، وَمِنْهُ غَلَيَانُ الْقِدْرِ. أَمَّا الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْغُلُوِّ فِي هَذَا الْمَقَامِ: "هُوَ مُجَاوَزَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي تَعْظِيمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، قَوْلاً أَوِ اعْتِقَاداً". 
وَالْمَضْمُونُ يَرْتَكِزُ عَلَى تَفْكِيكِ شُبْهَةِ "التَّقْدِيسِ" الَّتِي حَوَّلَتِ الْمَحَبَّةَ الشَّرْعِيَّةَ إِلَى عِبَادَةٍ شِرْكِيَّةٍ. فَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ بِإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَيُنْزِلُ الرُّسُلَ مَنْزِلَتَهُمُ الَّتِي أَنْزَلَهُمُ اللَّهُ، بِلَا جَفَاءٍ وَلَا غُلُوٍّ. 
إِنَّ أَصْلَ ضَلَالِ النَّصَارَى فِي عِيسَى، وَالْيَهُودِ فِي عُزَيْرٍ، وَالْمُشْرِكِينَ فِي الْأَوْثَانِ الَّتِي هِيَ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ (كَوَدٍّ وَسُوَاعٍ)، كُلُّهُ يَعُودُ إِلَى رَفْعِ الْمَخْلُوقِ فَوْقَ طَوْرِ الْبَشَرِيَّةِ وَخَصَائِصِ الْعُبُودِيَّةِ.
وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْغُلُوَّ مَفْسَدَةٌ لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ، وَأَنَّ التَّمَيُّزَ الْحَقَّ يَقُومُ عَلَى الِاعْتِصَامِ بِالْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ مِنَ التَّعْظِيمِ، وَسَدِّ كُلِّ ذَرِيعَةٍ تُفْضِي إِلَى صَرْفِ شَيْءٍ مِنْ حَقِّ الْخَالِقِ لِلْمَخْلُوقِ.

(ثَانِيًا) صُوَرُ الْغُلُوِّ وَأَثَرُهَا فِي إِفْسَادِ الْمِلَّةِ :
تَتَعَدَّدُ صُوَرُ الْغُلُوِّ لَكِنَّهَا تَجْتَمِعُ فِي مَنْحِ الْمَخْلُوقِ "حَصَانَةً" تَمْنَعُ عَنْهُ صِفَاتِ النَّقْصِ الْبَشَرِيِّ أَوْ تَمْنَحُهُ صِفَاتِ الْكَمَالِ الْإِلَهِيِّ. فَمِنْ صُوَرِهِ: الْغُلُوُّ فِي "الذَّوَاتِ" بِالِاعْتِقَادِ أَنَّ الصَّالِحَ يَمْلِكُ نَفْعاً خَفِيّاً بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْغُلُوُّ فِي "الْقُبُورِ" بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا وَإِسْرَاجِهَا، وَالْغُلُوُّ فِي "الْأَقْوَالِ" بِأَنْ يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ بِأَوْصَافِ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِهِ. 
وَأَثَرُ هَذَا الْغُلُوِّ كَارِثِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَمْحُو الْفَارِقَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَيَجْعَلُ الدِّينَ مَجْمُوعَةً مِنَ الطُّقُوسِ الْقَبْرِيَّةِ بَدَلَ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ. 
وَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ يُدْرِكُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَذَّرَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ"، فَالْإِطْرَاءُ هُوَ مَبْدَأُ الْخَطَرِ. إِنَّ التَّقْدِيسَ الْبَاطِلَ لِلصَّالِحِينَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمُشْرِكَ يَهَابُ الْوَلِيَّ أَكْثَرَ مِنْ هَيْبَتِهِ لِلَّهِ، وَيَرْجُو بَرَكَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ رَجَائِهِ لِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّنْدِيدِ. 
فَالْمُتَمَيِّزُ يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الِاتِّبَاعِ، مُوقِناً أَنَّ كَرَامَةَ الصَّالِحِ فِي عُبُودِيَّتِهِ لَا فِي مُنَازَعَتِهِ لِلرَّبِّ فِي خَصَائِصِ أُلُوهِيَّتِهِ.

(ثَالِثًا) رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ):
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَالْمُشْرِكُونَ غَلَوْا فِي الصَّالِحِينَ، فَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ عِيسَى وَأُمَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الْعُزَيْرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الْأَوْلِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ، وَقَالُوا: هَؤُلَاءِ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا قَصَدْنَا إِلَّا بَرَكَتَهُمْ وَشَفَاعَتَهُمْ، فَأَنْكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَسَمَّاهُ شِرْكاً" (١). 
فَهَذَا النَّصُّ يَكْشِفُ أَنَّ التَّقْدِيسَ بِحُجَّةِ "الْقُرْبَى" هُوَ مَحْضُ جَاهِلِيَّةٍ تُنَافِي تَمَيُّزَ الْإِسْلَامِ.

(رَابِعًا) نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ :
١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُؤَصِّلُ لِأَنَّ الْغُلُوَّ فِي الصَّالِحِينَ لَهُ جَانِبَانِ: غُلُوٌّ فِي الْقَدْرِ وَغُلُوٌّ فِي الْعِبَادَةِ (٢). 
فَالْغُلُوُّ فِي الْقَدْرِ أَنْ تَرْفَعَهُ فَوْقَ رُتْبَتِهِ، وَهَذَا ذَرِيعَةٌ لِلْغُلُوِّ فِي الْعِبَادَةِ بِأَنْ تَصْرِفَ لَهُ مَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ. 
وَيُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ تَعْظِيمَ الْقُبُورِ بِالْبِنَاءِ وَالتَّمَسُّحِ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْغُلُوِّ الْمُؤَدِّي لِلشِّرْكِ الْأَكْبَرِ.
٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُبَيِّنُ أَنَّ الْغُلُوَّ يَبْدَأُ "قَلْبِيّاً" بِتَعْظِيمٍ زَائِدٍ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى "قَوْلٍ" بِالْمَدِيحِ الشِّرْكِيِّ، ثُمَّ إِلَى "فِعْلٍ" بِالطَّوَافِ وَالذَّبْحِ (٣). 
وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مَا عَبَدُوا الصَّالِحِينَ إِلَّا لِمَا قَامَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ تَقْدِيسٍ جَعَلَهُمْ يَرَوْنَ فِيهِمْ صِفَاتٍ فَوْقَ بَشَرِيَّتِهِمْ، مِمَّا نَقَضَ تَوْحِيدَهُمْ.

٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُوَضِّحُ فِي شَرْحِهِ لِـ "تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَدَّ ذَرَائِعَ الْغُلُوِّ بِتَقْرِيرِ أَنَّهُ "عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" (٤). 
فَالْعُبُودِيَّةُ تَمْنَعُ الْغُلُوَّ، وَالرِّسَالَةُ تَمْنَعُ الْجَفَاءَ. وَيُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ تَقْدِيسَ "الْأَشْخَاصِ" هُوَ الَّذِي مَزَّقَ تَمَيُّزَ الْأُمَّةِ وَأَوْقَعَهَا فِي الِاتِّبَاعِ الْأَعْمَى لِلْمَشَايِخِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ.

(خَامِسًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :
الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ الْغُلُوَّ هُوَ "الْمَرَضُ الْعَقَدِيُّ" الَّذِي يَنْخُرُ فِي جَسَدِ التَّوْحِيدِ حَتَّى يَهْدِمَهُ؛ فَالتَّقْدِيسُ الْبَاطِلُ لِلصَّالِحِينَ يَقُومُ عَلَى نَفْيِ بَشَرِيَّتِهِمْ عَمَلِيّاً وَإِلْبَاسِهِمْ رِدَاءَ الرُّبُوبِيَّةِ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَنْبُني عَلَى جَعْلِ "الْقُرْآنِ" -وَهُوَ نُورُ اللَّهِ- هُوَ الْمِعْيَارَ لِلتَّعْظِيمِ، لَا الْأَهْوَاءَ وَالْعَوَاطِفَ. فَالصَّالِحُ عِنْدَنَا هُوَ "وَسِيلَةٌ" لِلِاقْتِدَاءِ بِالْعَمَلِ، لَا "وَاسِطَةٌ" لِتَحْصِيلِ الْبَرَكَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ. 
وَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ تَعْظِيمِ الْمِلَّةِ وَتَعْظِيمِ النِّحْلَةِ يَقَعُ فِي الِانْصِيَاعِ لِلْوَحْيِ؛ فَالْوَحْيُ أَمَرَنَا بِمَحَبَّةِ الْأَوْلِيَاءِ وَنَهَانَا عَنْ سُؤَالِهِمْ. فَمَنْ جَعَلَ الْغُلُوَّ دِيناً فَقَدْ شَابَهَ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَمَنْ جَعَلَ التَّوْحِيدَ مَنْهَجاً فَقَدْ حَقَّقَ التَّمَيُّزَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ.
 وَبِهَذَا يَنْقَطِعُ دَابِرُ الشِّرْكِ الَّذِي يَتَلَبَّسُ بِلِبَاسِ "الْوَلَايَةِ"، حَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّ الْوَلَايَةَ الْحَقَّةَ هِيَ لُزُومُ التَّقْوَى، لَا اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَنَاصِبَ لِلدُّعَاءِ وَالتَّقْدِيسِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ.
---------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ: "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ، ص ٧٩.
(٢) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج ١، ص ٣٤٢.
(٣) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مَقَالَاتُ التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص ١٠٢.
(٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي، شَرْحُ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ، الدَّرْسُ السَّابِعُ.
(٥) [قَاعِدَةٌ]: كُلُّ تَعْظِيمٍ لِلْمَخْلُوقِ يُؤَدِّي إِلَى صَرْفِ نَوْعٍ مِنَ الْعِبَادَةِ لَهُ فَهُوَ غُلُوٌّ مُحَرَّمٌ وَبِدْعَةٌ شِرْكِيَّةٌ.
(٦) [تَنْبِيهٌ سَلَفِيٌّ]: أَوَّلُ الشِّرْكِ فِي الْأَرْضِ كَانَ بِسَبَبِ الْغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ (قَوْمِ نُوحٍ)، فَاحْذَرْ تَكْرَارَ التَّارِيخِ.
(٧) [فَائِدَةٌ]: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالتَّأْلِيهِ: الْمَحَبَّةُ طَاعَةٌ وَاقْتِدَاءٌ، وَالتَّأْلِيهُ ذُلٌّ وَقَصْدٌ وَطَلَبُ حَاجَاتٍ.
(٨) [ضَابِطٌ]: الْغُلُوُّ فِي "الْقُبُورِ" ذَرِيعَةٌ لِلشِّرْكِ الْأَكْبَرِ، وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ مَنِ اتَّخَذَهَا مَسَاجِدَ.
(٩) [نُكْتَةٌ]: مَنْ غَلَا فِي الْمَخْلُوقِ نَقَصَ تَعْظِيمُ الْخَالِقِ فِي قَلْبِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ الْغُلُوِّ.
(١٠) [مَصْدَرٌ]: حَوْلَ أَثَرِ الْغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ، يُرْجَعُ إِلَى: إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ، لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج ١، ص ٢٠٠.
(١١) [إِشَارَةٌ]: تَقْدِيسُ الْأَشْخَاصِ يُؤَدِّي إِلَى تَقْدِيسِ آرَائِهِمْ وَلَوْ خَالَفَتِ النَّصَّ، وَهَذَا "شِرْكُ التَّشْرِيعِ".
(١٢) [تَحْقِيقٌ]: التَّمَيُّزُ الْعَقَدِيُّ لِلْمُسْلِمِ هُوَ الْوُقُوفُ مَعَ النَّصِّ حَيْثُ وَقَفَ، لَا مَعَ الْهَوَى وَالتَّقْدِيسِ الْفَارِغِ.
(١٣) [فَصْلٌ]: عِيسَى وَالْعُزَيْرُ بَرِيئُونَ مِمَّنْ غَلَا فِيهِمْ، وَالْبَرَاءَةُ تَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَامَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
(١٤) [زِيَادَةٌ]: الْغُلُوُّ فِي "الْأَوْلِيَاءِ" عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ فَوْقَ غُلُوِّ الْمُشْرِكِينَ الْأَوَائِلِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ.
(١٥) [خَاتِمَةٌ]: بِهَذَا الْمَبْحَثِ نُحَصِّنُ الْعَقِيدَةَ مِنْ أَخْطَرِ مَنَافِذِ الشِّرْكِ وَنُحَقِّقُ التَّمَيُّزَ الْمَطْلُوبَ.
----------------------[٧٩]-------------------------

[الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ]: 
[التَّوَسُّلُ وَالِاسْتِغَاثَةُ - تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ]

(أَوَّلًا) مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ :
يَرْتَكِزُ هَذَا الْمَبْحَثُ عَلَى تَفْكِيكِ أَعْظَمِ شُبْهَةٍ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهِيَ خَلْطُهُمْ بَيْنَ التَّوَسُّلِ الْمَشْرُوعِ وَالِاسْتِغَاثَةِ الشِّرْكِيَّةِ. وَالتَّوَسُّلُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنَ (الْوَسِيلَةِ)، وَهِيَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ. 
أَمَّا الِاسْتِغَاثَةُ فَهِيَ طَلَبُ الْغَوْثِ عِنْدَ الشِّدَّةِ. وَالْحَدُّ الْجَامِعُ لِلتَّوَسُّلِ الشَّرْعِيِّ: "هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ أَوْ بِأَسْمَائِهِ أَوْ بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الْحَيِّ". 
أَمَّا الِاسْتِغَاثَةُ الشِّرْكِيَّةُ فَهِيَ: "فَزَعُ الْقَلْبِ وَنِدَاؤُهُ لِلْمَقْبُورِينَ أَوْ الْغَائِبِينَ لِكَشْفِ الضُّرِّ". 
وَالْمَضْمُونُ هُنَا يُحَقِّقُ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَتَمَيَّزُ بِتَحْرِيرِ "نِدَائِهِ"؛ فَلَا يَهْتِفُ إِلَّا بِاسْمِ اللَّهِ فِي الْمَلَمَّاتِ، بَيْنَمَا الْمُشْرِكُ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَسَائِطَ يَسْتَغِيثُ بِهِمْ. 
إِنَّ تَحْرِيرَ مَحَلِّ النِّزَاعِ يَقَعُ فِي أَنَّنَا لَا نُنْكِرُ جَاهَ الصَّالِحِينَ، لَكِنَّنَا نَمْنَعُ صَرْفَ الْعِبَادَةِ لَهُمْ بِسَبَبِ هَذَا الْجَاهِ. 
وَبِهَذَا يَتَمَيَّزُ التَّوْحِيدُ بِأَنَّهُ صِلَةٌ مُبَاشِرَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَخَالِقِهِ، تَقُومُ عَلَى الِافْتِقَارِ التَّامِّ وَنَبْذِ كُلِّ تَعَلُّقٍ بِمَا سِوَى اللَّهِ مِنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَضْرِحَةِ.

(ثَانِيًا) الْفَرْقُ بَيْنَ نِدَاءِ الْحَيِّ وَنِدَاءِ الْمَيِّتِ :

إِنَّ الْمِعْيَارَ الْفَاصِلَ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ هُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأَسْبَابِ الْكَوْنِيَّةِ وَالْعِبَادَاتِ الْغَيْبِيَّةِ. فَنِدَاءُ الْحَيِّ الْحَاضِرِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (كَاسْتِغَاثَةِ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ بِمُوسَى) هُوَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْجَائِزَةِ الَّتِي لَا نِزَاعَ فِيهَا. 
أَمَّا نِدَاءُ الْمَيِّتِ -وَلَوْ كَانَ نَبِيّاً- فَهُوَ شِرْكٌ أَكْبَرُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَلَا يَمْلِكُ سَمْعاً تَرَتُّبُ عَلَيْهِ إِجَابَةٌ قَدَرِيَّةٌ، فَصَارَ دُعَاؤُهُ تَأْلِيهاً لَهُ. وَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ يُدْرِكُ أَنَّ "الِاسْتِغَاثَةَ" عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ كَالصَّلَاةِ، فَكَمَا لَا يُصَلَّى لِغَيْرِ اللَّهِ، لَا يُسْتَغَاثُ بِغَيْرِ اللَّهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ. وَالْمُشْرِكُونَ لَبَّسُوا عَلَى النَّاسِ فَقَالُوا: "نَحْنُ لَا نَعْبُدُهُمْ بَلْ نَتَوَسَّلُ بِهِمْ"، وَالْقُرْآنُ سَمَّى فِعْلَهُمْ هَذَا عِبَادَةً وَاتِّخَاذَ أَنْدَادٍ. فَمَنْ حَقَّقَ التَّمَيُّزَ عَرَفَ أَنَّ قُوَّةَ الْمُوَحِّدِ فِي "انْقِطَاعِ رَجَائِهِ" عَنِ الْخَلْقِ كَافَّةً، وَتَحْوِيلِ الِاسْتِغَاثَةِ إِلَى (عَمَلٍ صَالِحٍ) يُرْضِي اللَّهَ، لَا إِلَى (ذَاتٍ غَائِبَةٍ) تُسْخِطُهُ. 
وَهَذَا هُوَ مَحْضُ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
(ثَالِثًا) رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ):
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَالْمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ الصَّالِحِينَ فِي الشَّدَائِدِ وَالرَّخَاءِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا نَدْعُوهُمْ لِيَشْفَعُوا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا يَدْعُو إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَلَا يَسْتَغِيثُ بِأَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ" (١). فَهَذَا النَّصُّ يُؤَصِّلُ لِتَمَيُّزِ الْمُسْلِمِ فِي "إِفْرَادِ الدُّعَاءِ" وَإِبْطَالِ التَّعَلُّقِ بِالْوَسَائِطِ الْغَائِبَةِ.

(رَابِعًا) نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ :
١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالْمَيِّتِ شِرْكٌ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى اعْتِقَادِ "سُلْطَةٍ خَفِيَّةٍ" لِلْمَيِّتِ فِي الْكَوْنِ (٢). وَيُوَضِّحُ أَنَّ مَنْ قَالَ "يَا رَسُولَ اللَّهِ اغِثْنِي" فَقَدْ جَعَلَهُ نِدّاً لِلَّهِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ نَفْسَهُ كَانَ يَسْتَغِيثُ بِرَبِّهِ. فَالْمُسْلِمُ يَتَّبِعُ النَّبِيَّ فِي اسْتِغَاثَتِهِ بِاللَّهِ، وَالْمُشْرِكُ يَسْتَغِيثُ بِالنَّبِيِّ وَيَتْرُكُ مَا اسْتَغَاثَ بِهِ النَّبِيُّ.
٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ تَحْرِيرَ مَحَلِّ النِّزَاعِ يَقْتَضِي فَهْمَ "الْمُقْتَضَى الشَّرْعِيِّ" لِلنِّدَاءِ (٣). فَالْمُشْرِكُ يَرَى النِّدَاءَ مُجَرَّدَ "وَسِيلَةٍ"، 
وَالشَّرْعُ يَرَاهُ "مُخَّ الْعِبَادَةِ". 
وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ هُوَ فِي "تَوْحِيدِ الْقَصْدِ"؛ فَالْمُسْلِمُ قَصَدُهُ مُنْتَهٍ إِلَى اللَّهِ بِلَا حِجَابٍ، وَالْمُشْرِكُ قَصَدُهُ مُتَوَقِّفٌ عِنْدَ الْقَبْرِ.
٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُبَيِّنُ فِي شَرْحِهِ لِـ "تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ" أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالْحَيِّ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ هِيَ مِنْ تَعَاوُنِ الْبَشَرِ (٤). 
أَمَّا صَرْفُهَا لِلْغَائِبِ فَهِيَ مَحْضُ تَأْلِيهٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالْغَائِبِ تَسْتَلْزِمُ اعْتِقَادَ عِلْمِهِ بِالْغَيْبِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى التَّصَرُّفِ، وَهَذَا نَقْضٌ لِأَصْلِ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ.

(خَامِسًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :

الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ حَقِيقَةَ "التَّمَيُّزِ" فِي هَذَا الْمَبْحَثِ تَتَجَلَّى فِي نَقَاءِ "الْقَنَوَاتِ التَّعَبُّدِيَّةِ" لِلْمُسْلِمِ؛ فَالْمُسْلِمُ يَعِيشُ فِي مَعِيَّةِ اللَّهِ الدَّائِمَةِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى "مُتَرْجِمٍ" أَوْ "وَسِيطٍ" لِيُوصِلَ صَوْتَهُ إِلَى السَّمَاءِ. 
وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ تَوْسُّلَ الْمُوَحِّدِ هُوَ تَوْسُّلٌ بـ "الْوَحْيِ" وَبِـ "الْقُرْآنِ" الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، لَا بِالْعِظَامِ النَّخِرَةِ. 
فَإِنَّ الِاسْتِغَاثَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تُقَالُ، بَلْ هِيَ "انْخِلَاعُ الْقَلْبِ" عَنِ الْأَسْبَابِ وَاتِّصَالُهُ بِرَبِّ الْأَرْبَابِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ هُنَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ (الْحَقِيقَةِ) وَ(الْوَهْمِ)؛ فَالْمُسْلِمُ يَسْتَغِيثُ بِالْقَوِيِّ الْقَادِرِ، وَالْمُشْرِكُ يَسْتَغِيثُ بِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَقَلُّ حَالاً. 
وَإِنَّ تَحْرِيرَ النِّزَاعِ فِي الْوَسِيلَةِ يُعِيدُ لِلْأُمَّةِ عِزَّتَهَا، حَيْثُ تَنْقَطِعُ عَنِ الِارْتِهَانِ لِلْقُبُورِ وَالْمَشَايِخِ فِيمَا هُوَ لِلَّهِ وَحْدَهُ. 
فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ الْحَقَّ هُوَ أَنْ تَكُونَ "يَا اللَّهُ" كَافِيَةً لِلْعَبْدِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا أَوْ شِمَالاً لِصَاحِبِ قَبْرٍ أَوْ جَاهٍ، فَالْجَاهُ جَاهُ اللَّهِ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ.
-----------------------------&
[الْحَاشِيَةُ]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ: "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ، ص ٨٠.
(٢) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج ١، ص ٣١٥.
(٣) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مَقَالَاتُ التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص ١١٠.
(٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي، شَرْحُ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ، الدَّرْسُ التَّاسِعُ.
(٥) [قَاعِدَةٌ]: كُلُّ اسْتِغَاثَةٍ بِمَخْلُوقٍ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا الْخَالِقُ فَهِيَ شِرْكٌ أَكْبَرُ مَخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ.
(٦) [تَنْبِيهٌ]: نِدَاءُ الصَّالِحِينَ بِصِيغَةِ "يَا فُلَانُ" مَعَ اعْتِقَادِ سَمَاعِهِمْ فِي حَالِ غَيْبَتِهِمْ هُوَ أَصْلُ شِرْكِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(٧) [فَائِدَةٌ]: التَّوَسُّلُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (كَقِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ) هُوَ التَّوَسُّلُ الْحَقُّ الَّذِي يُحَقِّقُ التَّمَيُّزَ.
(٨) [ضَابِطٌ]: الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَسِيلَةِ وَالْبِدْعَةِ هُوَ "الِاتِّبَاعُ"؛ فَمَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ فَهُوَ وَسِيلَةٌ، وَمَا اخْتَرَعَهُ الْقُبُورِيَّةُ فَهُوَ ضَلَالَةٌ.
(٩) [نُكْتَةٌ]: كَيْفَ يَسْتَغِيثُ الْمُفْتَقِرُ (الْمَيِّتُ) بِالْمُفْتَقِرِ (الْحَيِّ)؟ هَذَا مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي زَيَّنَهَا الشَّيْطَانُ لِلْمُشْرِكِينَ.
(١٠) [مَصْدَرٌ]: حَوْلَ أَحْكَامِ الِاسْتِغَاثَةِ، يُرْجَعُ إِلَى: الْقَاعِدَةِ الْجَلِيَّةِ فِي التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ص ٣٠.
(١١) [إِشَارَةٌ]: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِحْرَابُهُ الدُّعَائِيُّ نَقِيّاً مِنْ شَوَائِبِ الِانْتِظَارِ لِأَمْرِ الْمَخْلُوقِينَ.
(١٢) [تَحْقِيقٌ]: قَوْلُ الْقَائِلِ "الْتَجِئُ لِلْوَلِيِّ" يُنَافِي قَوْلَهُ "إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" تَمَامَ الْمُنَافَاةِ.
(١٣) [فَصْلٌ]: الشَّفَاعَةُ لَا تُطْلَبُ مِنَ الشَّافِعِ، بَلْ تُطْلَبُ مِنَ الَّذِي يَأْذَنُ لِلشَّافِعِ أَنْ يَشْفَعَ.
(١٤) [زِيَادَةٌ]: جَعْلُ الصَّالِحِينَ "سِكْرِتَارِيَّةً" -عِيَاذاً بِاللَّهِ- بَيْنَ الرَّبِّ وَعَبْدِهِ هُوَ مَحْضُ قِيَاسِ السُّوءِ.
(١٥) [خَاتِمَةٌ]: بِهَذَا الْمَبْحَثِ تَتَحَرَّرُ عَقِيدَةُ الِاسْتِغَاثَةِ لِتَكُونَ لِلَّهِ خَالِصَةً، وَيَتِمُّ التَّمَيُّزُ الْمَنْشُودُ.
------------------------[٨٠]--------------------
​[الْمَبْحَثُ السَّادِسُ: الرُّبُوبِيَّةُ وَمُقْتَضَيَاتُهَا - الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ]
​(أَوَّلًا) مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ :
يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَبْحَثُ تَقْرِيرَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ لَا يَكْفِي لِنَيْلِ مَفَاخِرِ الْإِسْلَامِ وَتَمَيُّزِهِ. وَالرُّبُوبِيَّةُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنَ (الرَّبِّ)، وَهُوَ الْمَالِكُ السَّيِّدُ الْمُصْلِحُ. 
أَمَّا الْحَدُّ الْجَامِعُ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ: "هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِأَفْعَالِهِ كَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ". 
وَالْمَضْمُونُ هُنَا يَكْشِفُ عَنْ "الْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ" الَّتِي أَقَامَهَا الْقُرْآنُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ؛ حَيْثُ كَانُوا يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُدَبِّرُ لِلْكَوْنِ، وَمَعَ ذَلِكَ صَرَفُوا الْعِبَادَةَ لِغَيْرِهِ.
 فَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ بِأَنَّ رُبُوبِيَّةَ رَبِّهِ تَقُودُهُ حَتْمًا إِلَى إِفْرَادِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ، بَيْنَمَا الْمُشْرِكُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَازِمَيْنِ. 
إِنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْخَصُوصِيَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَيْسَتْ فِي مَعْرِفَةِ وُجُودِ الصَّانِعِ، فَهَذَا أَقَرَّ بِهِ عُبَّادُ الْأَوْثَانِ، بَلْ فِي "إِفْرَادِ الْمَقْصُودِ" بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ النُّسُكِ.
 وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ نُدْرِكُ أَنَّ تَمَامَ التَّمَيُّزِ يَقَعُ فِي الِالْتِزَامِ بِمُقْتَضَيَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ عَمَلًا، لَا مُجَرَّدَ الِاعْتِرَافِ بِهَا نُطْقًا، مِمَّا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى كُلِّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ فَقَطْ الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ.

​(ثَانِيًا) إِقْرَارُ الْمُشْرِكِينَ وَكَوْنُهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ:
يُفَصِّلُ هَذَا الْمَقَامُ فِي كَيْفِيَّةِ كَوْنِ الرُّبُوبِيَّةِ مَلْزُومَةً لِلْأُلُوهِيَّةِ؛ فَالْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَسْتَسْقُونَ بِاللَّهِ وَيَحْلِفُونَ بِهِ وَيَعْتَرِفُونَ أَنَّهُ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. وَهَذَا الْإِقْرَارُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ شِرْكَهُمْ فِي الْأُلُوهِيَّةِ أَقْبَحَ وَأَظْلَمَ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا الْمُنْعِمَ ثُمَّ عَبَدُوا غَيْرَهُ. 
وَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ يُدْرِكُ أَنَّ "الْحُجَّةَ الْقَاطِعَةَ" تَقُومُ عَلَى سُؤَالِ: "أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ؟"، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ وَحْدَهُ فَكَيْفَ يُدْعَى غَيْرُهُ؟ إِنَّ خَلَلَ الْمُشْرِكِينَ كَانَ فِي جَعْلِ الرُّبُوبِيَّةِ "ثَقَافَةً" لَا "دِينًا"، فَهُمْ يُقِرُّونَ بِهَا فِي الرَّخَاءِ وَيَنْسَوْنَهَا فِي صَرْفِ الْعِبَادَةِ. 
أَمَّا الْمُوَحِّدُ فَيَجْعَلُ كُلَّ ذَرَّةٍ فِي الْكَوْنِ دَلِيلًا عَلَى اسْتِحْقَاقِ رَبِّهِ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ. 
وَتَبْرُزُ أَهَمِيَّةُ هَذَا التَّحْرِيرِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ حَصَرَ التَّوْحِيدَ فِي "تَوْحِيدِ الْخَالِقِيَّةِ" فَقَطْ، فَإِنَّ هَذَا التَّقْزِيمَ لِلتَّوْحِيدِ يَمْحُو التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ، وَيَجْعَلُ دِينَ الْمُشْرِكِينَ دِينًا صَحِيحًا، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ.

​(ثَالِثًا) رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِم:
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "أَنَّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَصْرِفُ شَيْئاً مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ إِلَّا لِلَّهِ الَّذِي أَقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ" (١). فَهَذَا النَّصُّ يَهْدِمُ أَصْلَ دَعْوَى الْقُبُورِيَّةِ الَّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّ مُجَرَّدَ اعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ يُنْجِيهِمْ مِنَ الشِّرْكِ.

​(رَابِعًا) نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ :

١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُؤَكِّدُ أَنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ وَحْدَهُ لَا يَعْصِمُ الدَّمَ وَالْمَالَ، لِأَنَّهُ تَوْحِيدٌ "فِطْرِيٌّ" أَقَرَّ بِهِ حَتَّى عُبَّادُ الْأَصْنَامِ (٢). وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْفَرْقَ الْجَوْهَرِيَّ هُوَ أَنَّ الْمُسْلِمَ جَعَلَ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ مُنْطَلَقاً لِإِفْرَادِهِ بِالْتَّأْلِيهِ، بَيْنَمَا الْمُشْرِكُ جَعَلَهَا حُجَّةً عَلَيْهِ حِينَ اتَّخَذَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ وَأَنْدَاداً.
​٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ اسْتَعْمَلَ الرُّبُوبِيَّةَ كَـ "مُقَدِّمَةٍ" لِلْوُصُولِ إِلَى "نَتِيجَةِ" الْأُلُوهِيَّةِ (٣). فَمَنْ سَلَّمَ بِالْمُقَدِّمَةِ (الْخَلْقِ) لَزِمَهُ قَبُولُ النَّتِيجَةِ (الْعِبَادَةِ). 
وَيُوَضِّحُ أَنَّ تَمَيُّزَ الْمِلَّةِ يَقُومُ عَلَى هَذَا التَّلَازُمِ الَّذِي نَقَضَهُ الْمُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا}.
​٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُبَيِّنُ فِي شَرْحِهِ لِـ "تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ" أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالرُّبُوبِيَّةِ كَانَ عَامّاً فِي الْبَشَرِيَّةِ إِلَّا مَنْ شَذَّ (٤). 
وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الرُّسُلِ وَأُمَمِهِمْ فِي "تَوْحِيدِ الْعِبَادَةِ".
 فَالْمُسْلِمُ هُوَ مَنْ حَقَّقَ التَّمَيُّزَ بِأَنْ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ تَوْحِيدِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِثْبَاتِ، بَلْ جَاوَزَهُ إِلَى تَوْحِيدِ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ.
​(خَامِسًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (١٠ أَسْطُرٍ):
قُلْتُ: إِنَّ "الرُّبُوبِيَّةَ" هِيَ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ الَّذِي أُخِذَ عَلَى بَنِي آدَمَ، وَهِيَ الْأَرْضِيَّةُ الَّتِي يَنْطَلِقُ مِنْهَا التَّمَيُّزُ الْعَقَدِيُّ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ لَيْسَ فِي كَوْنِهِ يَعْرِفُ اللَّهَ "رَبّاً"، بَلْ فِي كَوْنِهِ لَا يَتَّخِذُ مَعَهُ "نِدّاً". 
فَالرُّبُوبِيَّةُ بِدُونِ أُلُوهِيَّةٍ هِيَ دِينُ أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي لَهَبٍ، وَالرُّبُوبِيَّةُ مَعَ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ هِيَ دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ. 
وَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْعَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ هُوَ فِي "تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ"؛ فَالْمُسْلِمُ يَرَى أَثَرَ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ فِي كُلِّ نَفَسٍ، فَيَصْرِفُ لَهُ كُلَّ دُعَاءٍ، بَيْنَمَا الْمُشْرِكُ جَعَلَ الرُّبُوبِيَّةَ مَعْلُومَةً بَارِدَةً لَا تُؤَثِّرُ فِي مِحْرَابِ تَعَبُّدِهِ. 
فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي يَنْفِي كُلَّ "تَفْوِيضٍ" لِلْمَخْلُوقِينَ فِي أُمُورِ الْغَيْبِ وَالْبَرَكَةِ، اعْتِمَاداً عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ.
وَبِهَذَا الْمَبْحَثِ تَنْقَطِعُ حُجَجُ الْمُبْطِلِينَ الَّذينَ ظَنُّوا أَنَّ النَّجَاةَ فِي مُجَرَّدِ "الْمَعْرِفَةِ"، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْإِسْلَامَ عَمَلٌ وَانْقِيَادٌ يَبْدَأُ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَيَسْتَقِرُّ فِي سُوَيْدَاءِ الْأُلُوهِيَّةِ.

--------------:::::::::
​[الْحَاشِيَةُ]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ: "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ، ص ٨١.
(٢) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج ١، ص ٣٥.
(٣) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مَقَالَاتُ التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص ١١٨.
(٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي، شَرْحُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ، الدَّرْسُ الثَّانِي.
(٥) [قَاعِدَةٌ]: كُلُّ مُشْرِكٍ هُوَ مُقِرٌّ بِالرُّبُوبِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنَّ شِرْكَهُ وَقَعَ فِي صَرْفِ حَقِّ الْمَلِكِ لِلْعَبِيدِ.
(٦) [تَنْبِيهٌ]: مَنْ ظَنَّ أَنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ هُوَ الْغَايَةُ مِنَ الْبَعْثَةِ فَقَدْ جَهِلَ مَقْصِدَ الْقُرْآنِ وَحَقِيقَةَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ.
(٧) [فَائِدَةٌ]: الرُّبُوبِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الْأُلُوهِيَّةَ، وَالْأُلُوهِيَّةُ تَتَضَمَّنُ الرُّبُوبِيَّةَ، وَهَذَا سِرُّ التَّلَازُمِ الْعَقَدِيِّ.
(٨) [ضَابِطٌ]: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ "تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ" الَّذِي هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعَمَلِ.
(٩) [نُكْتَةٌ]: كَيْفَ يُقِرُّونَ بـ {مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} ثُمَّ يَهْتِفُونَ بِاسْمِ "الْبَدَوِيِّ" أَوْ "الْجِيلَانِيِّ"؟ هَذَا غَايَةُ الضَّلَالِ.
(١٠) [مَصْدَرٌ]: حَوْلَ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَدِلَّتِهِ، يُرْجَعُ إِلَى: تَيْسِيرِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، لِلشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ص ٤٠.
(١١) [إِشَارَةٌ]: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ إِيمَانُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ دَافِعاً لِلْخُضُوعِ وَالتَّأَلُّهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
(١٢) [تَحْقِيقٌ]: الْخِلَافُ بَيْنَ الرُّسُلِ وَالْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ فِي "مَنْ خَلَقَ"، بَلْ فِي "مَنْ يُعْبَدُ".
(١٣) [فَصْلٌ]: الْإِقْرَارُ بِالرُّبُوبِيَّةِ حُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ نَقْلِيَّةً عَلَى بُطْلَانِ الشِّرْكِ.
(١٤) [زِيَادَةٌ]: الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْقُبُورِيَّةِ وَقَعُوا فِي شِرْكِ الرُّبُوبِيَّةِ أَيْضاً بِادِّعَائِهِمُ التَّصَرُّفَ لِلْأَقْطَابِ وَالْأَغْوَاثِ.
(١٥) [خَاتِمَةٌ]: بِهَذَا الْمَبْحَثِ نُقِيمُ الْفُرْقَانَ النِّهَائِيَّ بَيْنَ إِقْرَارِ الْمُؤْمِنِ وَإِقْرَارِ الْمُشْرِكِ، وَيَتِمُّ التَّمَيُّزُ.
​-----------------------[٨٠]--------------------------
التتمة ١: 
[مَوْقِفُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ - مَعْرِكَةُ الْمُصْطَلَحِ]

(أَوَّلًا) مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ:
يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَبْحَثُ تَحْلِيلَ الِاسْتِكْبَارِ الْجَاهِلِيِّ عَنْ قَبُولِ تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ، وَكَيْفَ أَنَّ الْخُصُومَةَ بَيْنَ الرُّسُلِ وَأُمَمِهِمْ لَمْ تَكُنْ فِي "الرُّبُوبِيَّةِ" بَلْ فِي "الْأُلُوهِيَّةِ".
 وَالْأُلُوهِيَّةُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنَ (التَّأَلُّهِ) وَهُوَ التَّعَبُّدُ مَعَ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ. أَمَّا الْحَدُّ الْجَامِعُ لِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ: "هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ الَّتِي شَرَعَهَا كَالدُّعَاءِ وَالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ".
 وَالْمَضْمُونُ هُنَا يَكْشِفُ عَنْ فَهْمِ الْمُشْرِكِينَ لِمَدْلُولِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)؛ حَيْثُ أَدْرَكُوا أَنَّهَا تَعْنِي خَلْعَ جَمِيعِ الْمَعْبُودَاتِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقَالُوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً}. 
فَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ بِأَنَّهُ فَهِمَ الْكَلِمَةَ وَانْقَادَ لَهَا، بَيْنَمَا الْمُشْرِكُ فَهِمَهَا وَاسْتَكْبَرَ عَنْهَا. إِنَّ هَذَا الْمَبْحَثِ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ يَبْدَأُ مِنْ "نَفْيِ الشُّرَكَاءِ" قَبْلَ "إِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ"، وَبِهَذَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ الَّذِي هُوَ رُكْنُ التَّمَيُّزِ الْأَوَّلِ، وَالَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ لِحِفْظِ مَكَانَةِ أَصْنَامِهِمْ وَأَوْلِيَائِهِمْ.

(ثَانِيًا) فَهْمُ الْمُشْرِكِينَ لِلْمَعْنَى وَاسْتِكْبَارُهُمْ عَنِ الْمُقْتَضَى :
يُفَصِّلُ هَذَا الْمَقَامُ فِي حَقِيقَةِ مَعْرِفَةِ الْمُشْرِكِينَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ؛ فَهُمْ لَمْ يَظُنُّوا أَنَّ (الْإِلَهَ) هُوَ (الْخَالِقُ) فَقَطْ، بَلْ عَرَفُوا أَنَّهُ (الْمَقْصُودُ بِالْحَاجَاتِ). وَلِذَلِكَ حِينَمَا دُعُوا لِقَوْلِهَا أَبَوْا، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ إِبْطَالَ شَفَاعَةِ (لَاتٍ وَعُزَّى) وَتَرْكَ الِاسْتِغَاثَةِ بِهِمْ.
 وَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ هُوَ مَنْ كَمُلَ فَهْمُهُ لِهَذَا الْمُقْتَضَى، فَلَمْ يَقَعْ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ جُهَّالُ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذينَ يَقُولُونَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِأَلْسِنَتِهِمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَهَا بِفِعْلِهِمْ عِنْدَ الْقُبُورِ. إِنَّ التَّمَيُّزَ هُنَا يَبْرُزُ فِي "الْمُطَابَقَةِ" بَيْنَ الْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ؛ فَالْمُشْرِكُ كَانَ أَصْدَقَ مَعَ نَفْسِهِ حِينَمَا رَفَضَ قَوْلَهَا وَهُوَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ، أَمَّا الْمُدَّعِي لِلْإِسْلَامِ الَّذِي يَصْرِفُ الْعِبَادَةَ لِلْأَوْلِيَاءِ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالتَّنَاقُضِ. فَالْبَاحِثُ يُبَيِّنُ أَنَّ مَعْرَكَةَ التَّوْحِيدِ كَانَتْ عَلَى (إِفْرَادِ الْقَصْدِ)، 
وَأَنَّ اسْتِكْبَارَ الْمُشْرِكِينَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَرْزَخاً مَحْجُوراً لَا يَعْبُرُهُ إِلَّا مَنْ جَرَّدَ التَّأَلُّهَ لِلَّهِ مَوْلَاهُ.
(ثَالِثًا) رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ) (٦ أَسْطُرٍ):
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَالْمُشْرِكُونَ عَرَفُوا مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَأَنَّهَا تَقْتَضِي تَرْكَ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، وَلِذَلِكَ اسْتَكْبَرُوا عَنْهَا، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَيَتَمَيَّزُ بِأَنَّهُ قَالَهَا عِلْماً وَيَقِيناً وَتَرَكَ لِأَجْلِهَا كُلَّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ" (١). 
فَهَذَا النَّصُّ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ لَيْسَ مُجَرَّدَ لَفْظٍ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ تُبْطِلُ الشِّرْكَ كُلَّهُ.

(رَابِعًا) نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ :
١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَانُوا أَعْلَمَ بِمَدْلُولِ "الْإِلَهِ" مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ (٢).
 فَهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوهَا اسْتِكْبَاراً عَنْ تَرْكِ آلِهَتِهِمْ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ التَّمَيُّزَ الْإِسْلَامِيَّ يَقْتَضِي الْعِلْمَ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ حَتَّى يَكُونَ الْمُوَحِّدُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ دِينِهِ.
٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ الِاسْتِكْبَارَ عَنِ التَّوْحِيدِ كَانَ لِأَجْلِ "الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ" وَ"الْمَوْرُوثِ الْآبَائِيِّ" (٣). 
وَيُوَضِّحُ أَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ يَتَطَلَّبُ كَسْرَ هَذِهِ الْأَصْنَامِ النَّفْسِيَّةِ قَبْلَ الْحِسِّيَّةِ، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ بِإِعْرَاضِهِمْ أَثْبَتُوا أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَثْقَلُ شَيْءٍ عَلَى نُفُوسِ عُبَّادِ الْوَسَائِطِ.
٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُبَيِّنُ فِي شَرْحِهِ لِـ "مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" أَنَّ الْخُصُومَةَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ (الِاسْتِحْقَاقِ) (٤).
 فَالْمُشْرِكُ يَرَى اسْتِحْقَاقاً لِلْمَخْلُوقِ فِي الشَّفَاعَةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ، وَالْمُسْلِمُ يَرَى الِاسْتِحْقَاقَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَهَذَا هُوَ مَفْرِقُ الطَّرِيقِ الَّذِي حَدَّدَهُ الْوَحْيُ مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ.

(خَامِسًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :
الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ "الْمُوَاجَهَةَ" بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وَمُشْرِكِي مَكَّةَ كَانَتْ مَعْرَكَةً عَلَى (الْوَلَاءِ لِلْمَعْنَى)؛ فَكِلَا الطَّرَفَيْنِ عَرَفَ أَنَّ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" هِيَ إِعْلَانُ حَرْبٍ عَلَى التَّدْجِيلِ وَالْوَسَائِطِ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ حَقِيقِيّاً إِلَّا إِذَا كَانَ عِلْمُهُ بِالْمَعْنَى يُضَاهِي عِلْمَ الْمُشْرِكِينَ بِهِ، ثُمَّ يَزِيدُ عَلَيْهِمْ بِـ "الِانْقِيَادِ". فَالْمُشْرِكُ اسْتَنْكَفَ عَنِ التَّسْلِيمِ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ ثَمَنَ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ "التَّحَرُّرُ" مِنْ كُلِّ قَيْدٍ بَشَرِيٍّ فِي الْعِبَادَةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ وَالْمُشْرِكِ هُنَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ (الْخُضُوعِ لِلْحَقِّ) وَ(الْخُضُوعِ لِلْخَلْقِ). وَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمِلَّةِ يَقْتَضِي أَنْ نُحَقِّقَ فِي أَنْفُسِنَا مَا خَافَ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ؛ وَهُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّأَلُّهِ. فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَقَرَّ بِالْمَعْنَى وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَلَهُ نَصِيبٌ مِنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي اسْتِكْبَارِهِمْ. وَبِهَذَا الْمَبْحَثِ نُعِيدُ لِلْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ هَيْبَتَهَا فِي النُّفُوسِ، لِيَكُونَ التَّمَيُّزُ نَاتِجاً عَنْ عِلْمٍ رَاسِخٍ وَعَمَلٍ صَادِقٍ، وَبِذَلِكَ يَتَمَيَّزُ حِزْبُ اللَّهِ عَنْ أَحْزَابِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ.
[الْحَاشِيَةُ الْعِلْمِيَّةُ الْحَافِلَةُ (١٥ سَطْراً)]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ: "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ، ص ٨٤.
(٢) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، الدُّرُوسُ الْمُهِمَّةُ لِعَامَّةِ الْأُمَّةِ (شَرْحٌ)، ص ٤٥.
(٣) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مَقَالَاتُ التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص ١٢٥.
(٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي، تَحْرِيرُ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ.
(٥) [قَاعِدَةٌ]: لَا يَنْفَعُ قَوْلُ الشَّهَادَةِ مَعَ صَرْفِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ انْتِفَاءُ الشِّرْكِ.
(٦) [تَنْبِيهٌ]: جَهِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا عَرَفَهُ كُفَّارُ مَكَّةَ مِنْ مَعْنَى الْإِلَهِ، فَوَقَعُوا فِي الشِّرْكِ مَعَ قَوْلِهِمْ لِلتَّوْحِيدِ.
(٧) [فَائِدَةٌ]: الِاسْتِكْبَارُ عَنِ التَّوْحِيدِ هُوَ عِلَّةُ كُلِّ كُفْرٍ عِنْدَ أُمَمِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ.
(٨) [ضَابِطٌ]: مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَتَرَكَهُ اسْتِكْبَاراً فَهُوَ أَشَدُّ جُرْماً مِمَّنْ جَهِلَهُ، وَهَذَا حَالُ مُعَانِدِي الرُّسُلِ.
(٩) [نُكْتَةٌ]: كَيْفَ يَكُونُ الْمُشْرِكُ أَعْرَفَ بِمَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ يُصَنِّفُ فِي الْعَقِيدَةِ؟ هَذَا مِنَ الْعَجَائِبِ.
(١٠) [مَصْدَرٌ]: حَوْلَ مَوْقِفِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الدَّعْوَةِ، يُرْجَعُ إِلَى: زَادِ الْمَعَادِ، لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج ٣، ص ١٥.
(١١) [إِشَارَةٌ]: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي الْفَرَحَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَالْمُشْرِكُ {إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُهُمْ}.
(١٢) [تَحْقِيقٌ]: قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا} هُوَ الِاعْتِرَافُ الصَّرِيحُ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ نَقْضِ الْأُلُوهِيَّةِ.
(١٣) [فَصْلٌ]: الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ يَسْتَلْزِمُ نَقْصاً فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَهَذَا خِلَافُ التَّمَيُّزِ.
(١٤) [زِيَادَةٌ]: تَرْكُ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ كَانَ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ الْأَرْحَامِ، لِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِمْ بِالْوَسَائِطِ.
(١٥) [خَاتِمَةٌ]: بِهَذَا الْمَبْحَثِ نَنْهِي تَحْلِيلَ الْمَوْقِفِ الْجَاهِلِيِّ لِنَسْتَعِدَّ لِبَيَانِ مَنْهَجِ الْوَحْيِ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ.
-------------------------------[٨١]-------------------------
التتمة٢
[ الِاسْتِغَاثَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ - حَقِيقَةُ النِّدَاءِ وَصَرْفُ الْفَقْرِ]
(أَوَّلًا) مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ :
يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَبْحَثُ أَخْطَرَ مَظَاهِرِ الشِّرْكِ الَّتِي تَمَحْوَرَتْ حَوْلَهَا خُصُومَةُ الرُّسُلِ، وَهِيَ "الِاسْتِغَاثَةُ". وَالِاسْتِغَاثَةُ فِي الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ مِنَ (الْغَوْثِ)، وَهُوَ طَلَبُ النَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ عِنْدَ الشِّدَّةِ وَالْكَرْبِ. أَمَّا الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْتِغَاثَةِ الشِّرْكِيَّةِ: "هِيَ طَلَبُ الْغَوْثِ وَالْمَعُونَةِ مِنْ مَخْلُوقٍ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ". 
وَالْمَضْمُونُ هُنَا يُقَرِّرُ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَتَمَيَّزُ بِـ "إِفْرَادِ الْهَتَافِ" لِرَبِّهِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَسْبَابِ، بَيْنَمَا الْمُشْرِكُ يَهْتِفُ بِأَسْمَاءِ الصَّالِحِينَ وَالْمَقْبُورِينَ ظَنّاً مِنْهُ أَنَّ لَهُمْ جَاهاً يَقْضِي الْحَاجَاتِ.
 إِنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ يَكْشِفُ عَنِ الِانْكِسَارِ الْقَلْبِيِّ الَّذِي لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَّا لِلْخَالِقِ؛ فَالِاسْتِغَاثَةُ هِيَ مُخُّ الْعِبَادَةِ، وَبِهَا يَنْكَشِفُ تَمَيُّزُ الْمُوَحِّدِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ سِوَى بَابِ اللَّهِ، عَنِ الْمُشْرِكِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ عَلَى أَعْتَابِ الْأَضْرِحَةِ. وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ نُدْرِكُ أَنَّ كَمَالَ التَّمَيُّزِ يَقْتَضِي تَنْقِيَةَ "النِّدَاءِ" مِنْ شَوَائِبِ التَّعَلُّقِ بِالْخَلْقِ، لِيَبْقَى الْقَلْبُ مَوْصُولاً بِالْمَلِكِ الْحَقِّ الَّذِي يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ.

(ثَانِيًا) الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِغَاثَةِ بِالْخَالِقِ وَالِاسْتِغَاثَةِ بِالْمَخْلُوقِ :
يُفَصِّلُ هَذَا الْمَقَامُ فِي "الْمَنَاطِ" الشَّرْعِيِّ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ؛ فَالِاسْتِغَاثَةُ بِالْمَخْلُوقِ الْحَيِّ الْحَاضِرِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ هِيَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ كَمَا فِي قِصَّةِ مُوسَى {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ}.
 أَمَّا الِاسْتِغَاثَةُ بِمَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ، أَوْ حَيٍّ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ (كَشِفَاءِ الْمَرْضَى وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ)، فَهِيَ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ الَّذِي يَهْدِمُ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ تَمَاماً. وَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ يُدْرِكُ أَنَّ الْمَيِّتَ صَارَ فِي بَرْزَخٍ لَا يَمْلِكُ فِيهِ لِنَفْسِهِ نَفْعاً، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ؟ إِنَّ التَّقْدِيسَ الْبَاطِلَ هُوَ الَّذِي أَوْهَمَ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ سَمْعُهُمْ يَخْرِقُ الْآفَاقَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
 وَأَثَرُ هَذَا الضَّلَالِ هُوَ جَعْلُ الْمَخْلُوقِ نِدّاً لِلَّهِ فِي سَمْعِهِ وَقُدْرَتِهِ. فَمَنْ حَقَّقَ التَّمَيُّزَ جَعَلَ صَيْحَتَهُ فِي الشَّدَائِدِ مَحْصُورَةً فِي "يَا اللَّهُ"، نَابِذاً كُلَّ وَسِيطٍ بَشَرِيٍّ، لِأَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ هِيَ "عِبَادَةُ الِاضْطِرَارِ"، وَالِاضْطِرَارُ لَا يُسْلِمُ الْقَلْبَ إِلَّا لِمَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ الْمُوَحِّدُ عَنْ كُلِّ نِحْلَةٍ تَجْعَلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ حُجَّاباً مِنَ الْأَوْلِيَاءِ.

(ثَالِثًا) رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ):
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَالْمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ الصَّالِحِينَ وَيَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ فِي الشَّدَائِدِ وَالْكُرُوبِ، وَيَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ. وَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَهْتِفُ إِلَّا بِاسْمِ رَبِّهِ، وَلَا يَسْتَغِيثُ إِلَّا بِخَالِقِهِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَشَرَ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنَ النَّفْعِ" (١). فَهَذَا النَّصُّ يَعْقِدُ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَ "هَتَافِ الْمُوَحِّدِ" وَ"صُرَاخِ الْمُشْرِكِ".

(رَابِعًا) نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ :
١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُؤَصِّلُ لِأَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِمَنْ لَا يَقْدِرُ هِيَ مَحْضُ تَعَلُّقٍ بِسَرَابٍ، وَأَنَّ صَرْفَهَا لِلْقُبُورِ نَوْعٌ مِنَ السَّفَهِ فِي الْعَقْلِ وَالضَّلَالِ فِي الدِّينِ (٢).
 وَيُبَيِّنُ أَنَّ التَّمَيُّزَ الْإِسْلَامِيَّ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ "رَبَّانِيّاً" يَلْجَأُ لِلْمُسَبِّبِ لَا لِلسَّبَبِ الْمَوْهُومِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ نَادَى مَيِّتاً فَقَدْ جَعَلَهُ إِلَهاً.
٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ هِيَ "مِحَكُّ الْإِخْلَاصِ"؛ فَالْمُشْرِكُ يُشْرِكُ فِي الرَّخَاءِ، وَقَدْ يُخْلِصُ فِي الشِّدَّةِ كَمُشْرِكِي مَكَّةَ، أَمَّا مُشْرِكُو الزَّمَانِ فَهُمْ فِي الشِّدَّةِ أَشَدُّ شِرْكاً (٣). 
وَهَذَا يَهْدِمُ تَمَيُّزَهُمْ، لِأَنَّهُمْ نَسُوا اللَّهَ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ وَتَعَلَّقُوا بِالْمَخْلُوقِ.

٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُوَضِّحُ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالْمَوْتَى هِيَ مِنْ أَظْهَرِ صُوَرِ "الِاتِّخَاذِ" الَّذِي نَفَاهُ الْقُرْآنُ (٤). 
وَيُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ يَبْرُزُ فِي الِاعْتِصَامِ بِـ "إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، فَلَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِ إِلَّا وِجْهَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ الَّتِي يُوَجِّهُ إِلَيْهَا فَقْرَهُ وَاضْطِرَارَهُ.

(خَامِسًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ "الِاسْتِغَاثَةَ" هِيَ اخْتِبَارُ الْيَقِينِ وَبُرْهَانُ التَّمَيُّزِ؛ فَالْمُسْلِمُ لَا يَبِيعُ عَقِيدَتَهُ لِأَجْلِ وَهْمِ بَرَكَةٍ أَوْ خُرَافَةِ مَدَدٍ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ الْفَرْقَ الْجَوْهَرِيَّ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ وَالْمُشْرِكِ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ فِي "مَصْدَرِ الْأَمْنِ"؛ فَالْمُوَحِّدُ يَأْمَنُ بِذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ الشِّدَّةِ، وَالْمُشْرِكُ لَا يَسْكُنُ رَوْعُهُ إِلَّا بِذِكْرِ بَشَرٍ مِثْلِهِ. وَإِنَّ تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ فِي "النِّدَاءِ" يُكْشِفُ أَنَّ الْغُلُوَّ فِي الصَّالِحِينَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمُشْرِكَ يَرَى الْمَيِّتَ "قَرِيباً سَمِيعاً"، بَيْنَمَا تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ الْقُرْبَ وَالسَّمْعَ الْإِلَهِيَّ هُوَ الَّذِي لَا حِجَابَ دُونَهُ. فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ كُلَّ نَبْرَةِ نِدَاءٍ تَرْتَفِعُ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ هِيَ طَعْنَةٌ فِي جَسَدِ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيَّ. وَبِهَذَا الْمَبْحَثِ نُعِيدُ الْقُلُوبَ إِلَى قِبْلَتِهَا الصَّحِيحَةِ، لِتَكُونَ صَيْحَةُ "يَا اللَّهُ" هِيَ شِعَارُ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ ضَلَالَاتِ الْقُبُورِيَّةِ وَخُرَافَاتِ الْوَسَائِطِ، لِيَبْقَى التَّوْحِيدُ صَافِياً كَمَا أَرَادَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
----------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ: "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ، ص ٨٢.
(٢) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج ١، ص ٣١٠.
(٣) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مَقَالَاتُ التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص ١٠٨.
(٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي، شَرْحُ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ، الدَّرْسُ التَّاسِعُ.
(٥) [قَاعِدَةٌ]: الِاسْتِغَاثَةُ نَوْعٌ مِنَ الدُّعَاءِ، وَالدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، فَالِاسْتِغَاثَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ.
(٦) [تَنْبِيهٌ]: مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فِي الِاسْتِغَاثَةِ فَقَدْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ، وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فَقَدْ جَهِلَ الْمَنَاطَ.
(٧) [فَائِدَةٌ]: كَانَ شِرْكُ الْأَوَّلِينَ فِي الرَّخَاءِ، بَيْنَمَا مُشْرِكُو الزَّمَانِ يَهْتِفُونَ بِالْمَوْتَى فِي لُجَجِ الْبِحَارِ وَالزَّلَازِلِ.
(٨) [ضَابِطٌ]: الِاسْتِغَاثَةُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ تَسْتَلْزِمُ اعْتِقَادَ التَّصَرُّفِ الْغَيْبِيِّ، وَهَذَا نَقْضٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ.
(٩) [نُكْتَةٌ]: الْمُسْلِمُ يَقُولُ "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ"، وَالْمُشْرِكُ يَقُولُ "يَا فُلَانُ يَا مَيِّتُ"، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَهْدَى سَبِيلًا؟
(١٠) [مَصْدَرٌ]: حَوْلَ أَحْكَامِ الِاسْتِغَاثَةِ، يُرْجَعُ إِلَى: الْكَلِمَاتِ النَّافِعَةِ فِي الْمُكَفِّرَاتِ الْوَاقِعَةِ، لِلشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ أَبَا بَطِينٍ.
(١١) [إِشَارَةٌ]: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِحْرَابُهُ الدُّعَائِيُّ نَقِيّاً مِنْ شَوَائِبِ الِانْكِسَارِ لِلْبَشَرِ.
(١٢) [تَحْقِيقٌ]: قَوْلُ "الْمَدَدُ يَا بَدَوِيُّ" هُوَ نَقْضٌ صَرِيحٌ لِلْعَهْدِ النَّبَوِيِّ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ.
(١٣) [فَصْلٌ]: الشَّفَاعَةُ مِلْكٌ لِلَّهِ، فَلَا تُطْلَبُ مِنْ مَيِّتٍ مَهْمَا عَظُمَ جَاهُهُ، بَلْ تُطْلَبُ مِنْ رَبِّ الشَّفَاعَةِ.
(١٤) [زِيَادَةٌ]: الِاسْتِغَاثَةُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ مِنْ أَعْرَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي طَمَسَهَا نُورُ التَّمَيُّزِ الْإِسْلَامِيِّ.
(١٥) [خَاتِمَةٌ]: بِهَذَا الْمَبْحَثِ نُحَصِّنُ عَقِيدَةَ النِّدَاءِ لِتَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ، وَيَتِمُّ التَّمَيُّزُ الْمَنْشُودُ.

-----------------------[٨٢]-----------------------------

الْمَبْحَثُ السَّابِعُ:
 [حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ - نَقْدُ مَسْلَكِ الْأَشَاعِرَةِ]

​(أَوَّلًا) مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ :
يُرَكِّزُ هَذَا الْمَبْحَثُ عَلَى كَشْفِ الِانْحِرَافِ الْمَنْهَجِيِّ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ فِي تَعْرِيفِ التَّوْحِيدِ. وَالتَّوْحِيدُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنَ (الْوَحْدَةِ)، وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ وَاحِداً. أَمَّا الْحَدُّ الْجَامِعُ لِتَوْحِيدِ الْمُتَكَلِّمِينَ: "هُوَ نَفْيُ الشَّرِيكِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَنَفْيُ التَّرْكِيبِ فِي الذَّاتِ، وَتَقْرِيرُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الِاخْتِرَاعِ". 
وَالْمَضْمُونُ هُنَا يَكْشِفُ عَنْ "مَأْزِقِ الْكَلَامِ"؛ حَيْثُ حَصَرُوا الْغَايَةَ الْعُظْمَى مِنَ الدَّعْوَةِ فِي الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ اللَّهَ صَانِعُ الْكَوْنِ فَقَطْ. وَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ بِأَنَّ تَوْحِيدَهُ يَتَجَاوَزُ "مَعْرِفَةَ الْخَالِقِ" إِلَى "إِفْرَادِ الْمَعْبُودِ"، بَيْنَمَا الْمُتَكَلِّمُ جَعَلَ غَايَةَ مَطْلَبِهِ هُوَ مَا كَانَ يُقِرُّ بِهِ مُشْرِكُو مَكَّةَ. إِنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ يَنْهَدِمُ حِينَمَا يُسَاقُ التَّوْحِيدُ فِي قَوَالِبَ فَلْسَفِيَّةٍ تُهْمِلُ "تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ"، مِمَّا فَتَحَ الْبَابَ لِلْعَوَامِّ لِلْوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ الْعَمَلِيِّ دُونَ نَكِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ، لِأَنَّ الشِّرْكَ عِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي "الْخَلْقِ وَالِاخْتِرَاعِ". وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْفُرْقَانَ بَيْنَ مَنْهَجِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ يَقُومُ عَلَى فَهْمِ "مَقْصِدِ الْوَحْيِ" الَّذِي جَاءَ لِيُعَبِّدَ الْخَلْقَ لِلَّهِ، لَا لِيُثْبِتَ وُجُودَ الصَّانِعِ فَحَسْبُ.

​(ثَانِيًا) خَطَأُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي حَصْرِ التَّوْحِيدِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ:
يُفَصِّلُ هَذَا الْمَقَامُ فِي كَيْفِيَّةِ صِيَاغَةِ الْأَشَاعِرَةِ لِقَوَاعِدِهِمْ بِناءً عَلَى "تَوْحِيدِ الصَّانِعِ"؛ فَقَالُوا: (وَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ)، وَقَصَدُوا بِالْأَفْعَالِ (الْخَلْقَ). وَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ نَاقِصٌ بَتْرَاءُ، لِأَنَّهُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ؛ فَالْمُشْرِكُ يَقُولُ: (لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ)، لَكِنَّهُ لَا يَقُولُ: (لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ). إِنَّ خُطُورَةَ هَذَا الْمَسْلَكِ الْكَلَامِيِّ تَكْمُنُ فِي أَنَّهُ يَجْعَلُ نِدَاءَ الْأَمْوَاتِ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِالْقُبُورِ أَمْراً سَائِغاً مَا دَامَ الْفَاعِلُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَيِّتَ "سَبَبٌ" وَأَنَّ "الْخَالِقَ" هُوَ اللَّهُ. فَهَدَمُوا بِذَلِكَ حَقِيقَةَ التَّمَيُّزِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى إِفْرَادِ الدُّعَاءِ. وَالْبَاحِثُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ لَمَّا جَعَلُوا الْعَقْلَ حَاكِماً، غَابَ عَنْهُمْ مَدْلُولُ "إِلَه" فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، فَظَنُّوا أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ، وَهَذَا خَلَلٌ تَصَوُّرِيٌّ أَدَّى إِلَى خَلَلٍ تَعَبُّدِيٍّ. فَالتَّمَيُّزُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِخْرَاجِ "أَفْعَالِ الْعِبَادِ" مِنَ التَّشْرِيكِ، وَهَذَا مَا غَفَلَ عَنْهُ مَنْ حَصَرُوا الْإِيمَانَ فِي "التَّصْدِيقِ" وَالتَّوْحِيدَ فِي "الرُّبُوبِيَّةِ".

​(ثَالِثًا) رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ) :
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ الْإِقْرَارُ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ فَقَطْ، فَقَدْ جَعَلَ الْمُشْرِكِينَ أَهْلَ تَوْحِيدٍ، وَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ عَنْ هَذَا الْمَسْلَكِ بِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَأَنَّ صَرْفَ شَيْءٍ لِغَيْرِهِ هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ ﷺ" (١). فَهَذَا النَّصُّ يَنْقُضُ "أَصْلَ الْكَلَامِ" الَّذِي ضَلَّ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ.

​(رَابِعًا) نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ :
١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ كَثِيراً مِنْ كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ تَقْتَصِرُ عَلَى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهَذَا نَقْصٌ عَظِيمٌ (٢). 
وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ عَرَّفَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" بِأَنَّهُ (لَا قَادِرَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ إِلَّا اللَّهُ) فَقَدْ أَتَى بِمَعْنًى صَحِيحٍ لَكِنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي أُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَا هُوَ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ التَّمَيُّزُ النَّاجِي.
​٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْهَجَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَدَّى إِلَى تَعْطِيلِ "مَقْصَدِ الْخَلْقِ" (٣). 
وَيُوَضِّحُ أَنَّ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ عِنْدَهُمْ تَبَعٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ، فَلَمْ يُفْرِدُوهُ بِالْبَحْثِ وَلَا بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ فِيهِ، مِمَّا جَعَلَ عَقَائِدَهُمْ خَاوِيَةً مِنَ التَّمَيُّزِ الْعَمَلِيِّ الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

​٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُبَيِّنُ فِي نَقْدِهِ لِلْمَدَارِسِ الْكَلَامِيَّةِ أَنَّهُمْ حَوَّلُوا الدِّينَ إِلَى "مُعَادَلَاتٍ عَقْلِيَّةٍ" بَارِدَةٍ (٤). 
وَيُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ الْحَقَّ هُوَ "تَوْحِيدُ الْقَصْدِ"، بَيْنَمَا الْمُتَكَلِّمُ يَكْتَفِي بِـ "تَوْحِيدِ الِاعْتِقَادِ"، وَهَذَا هُوَ مَفْرِقُ الطَّرِيقِ بَيْنَ أَهْلِ الْأَثَرِ وَأَهْلِ النَّظَرِ.

​(خَامِسًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ عَنِ الْمُشْرِكِ يَضْمَحِلُّ حِينَمَا نَتَبَنَّى "تَعْرِيفَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ" لِلتَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ تَسَعُ الْمُوَحِّدَ وَالْمُبْتَدِعَ وَالْقُبُورِيَّ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ قَوْلَ الْأَشَاعِرَةِ بِأَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ نَفْيُ "الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ" هُوَ مَحْضُ تَكَلُّفٍ أَعْمَى عَنْ حَقِيقَةِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ. فَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ بِأَنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ بِحُبِّهِ وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَنِدَائِهِ، بَيْنَمَا الْمُتَكَلِّمُ يَنْشَغِلُ بِنَفْيِ "الْجِسْمِيَّةِ" وَ"الْعَرَضِ". وَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمِلَّةِ يَقْتَضِي أَنْ نَعُودَ إِلَى الْأَصْلِ الْأَصِيلِ؛ وَهُوَ أَنَّ التَّوْحِيدَ "إِرَادَةٌ" وَ"قَصْدٌ" قَبْلَ أَنْ يَكُونَ "مَعْرِفَةً" وَ"نَظَراً". فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ كُلَّ تَوْحِيدٍ لَا يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنَ الِاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ تَوْحِيدٌ كَلَامِيٌّ مُبْتَدَعٌ لَا وَزْنَ لَهُ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ. وَبِهَذَا الْمَبْحَثِ نَضَعُ الْفَاصِلَ الْأَكْبَرَ بَيْنَ "التَّوْحِيدِ النَّبَوِيِّ" الْمُشْرِقِ بِالْعَمَلِ، وَبَيْنَ "التَّوْحِيدِ الْكَلَامِيِّ" الْمُظْلِمِ بِالشُّبُهَاتِ، لِيَبْقَى الْمُسْلِمُ متميزاً بِيَقِينِهِ وَاتِّبَاعِهِ.
-------------------------&
​[الْحَاشِيَةُ]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ: "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ، ص ٨٤.
(٢) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج ١، ص ٣٥.
(٣) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مَقَالَاتُ التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص ١٤٠.
(٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي، أَثَرُ عِلْمِ الْكَلَامِ فِي الْعَقِيدَةِ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ.
(٥) [قَاعِدَةٌ]: كُلُّ تَعْرِيفٍ لِلتَّوْحِيدِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ "إِفْرَادُ الْعِبَادَةِ" فَهُوَ تَعْرِيفٌ جَهْمِيٌّ أَوْ كَلَامِيٌّ.
(٦) [تَنْبِيهٌ]: سَمَّى الْأَشَاعِرَةُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ "تَوْحِيداً"، وَسَمَّوُا التَّوَسُّلَ الشِّرْكِيَّ "مَجَازاً"، فَخَلَطُوا الدِّينَ.
(٧) [فَائِدَةٌ]: التَّمَيُّزُ لَا يَحْصُلُ بِنَفْيِ "التَّرْكِيبِ" فِي الذَّاتِ، بَلْ بِنَفْيِ "التَّشْرِيكِ" فِي الطَّلَبِ.
(٨) [ضَابِطٌ]: مَنْ أَقَرَّ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْأَفْعَالِ ثُمَّ نَادَى الْمَوْتَى، فَقَدْ نَقَضَ تَوْحِيدَهُ وَإِنْ صَنَّفَ فِي الْكَلَامِ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ.
(٩) [نُكْتَةٌ]: الْمُتَكَلِّمُ يُثْبِتُ وُجُودَ اللَّهِ بِـ "جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ"، وَالْمُسْلِمُ يُثْبِتُهُ بِـ "فِطْرَةٍ وَوَحْيٍ".
(١٠) [مَصْدَرٌ]: حَوْلَ انْحِرَافِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي التَّوْحِيدِ، يُرْجَعُ إِلَى: دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
(١١) [إِشَارَةٌ]: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِحْرَابُهُ الدُّعَائِيُّ نَقِيّاً مِنْ تَعْقِيدَاتِ الْفَلَاسِفَةِ.
(١٢) [تَحْقِيقٌ]: قَوْلُهُمْ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" أَيْ "لَا قَادِرَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ" هُوَ مَبْدَأُ كُلِّ ضَلَالٍ عَقَدِيٍّ مُعَاصِرٍ.
(١٣) [فَصْلٌ]: الْإِيمَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ الْمَعْرِفَةِ؛ فَإِنَّ فِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ كَانَا يَعْرِفَانِ، وَلَكِنَّهُمَا لَمْ يَنْقَادَا.
(١٤) [زِيَادَةٌ]: التَّمَيُّزُ يَبْدَأُ مِنْ لَفْظِ الْقَوْلِ إِلَى صِدْقِ الْفِعْلِ، وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الْعَمَلِيُّ.
(١٥) [خَاتِمَةٌ]: بِهَذَا الْمَبْحَثِ نَفْتَحُ بَابَ الْمُنَاظَرَةِ لِتَصْحِيحِ الْمَسَارِ، وَنَسْتَعِدُّ لِمَا يَلِيهِ مِنْ شُبُهَاتِ التَّوَسُّلِ.
--------------------------​[٨٤]---------------------------------
[الْمَبْحَثُ الثَّامِنُ: شُبْهَةُ التَّوَسُّلِ بِالْجَاهِ - كَشْفُ اللَّبْسِ الْكَلَامِيِّ]

(أَوَّلًا) مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ :
يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَبْحَثُ تَفْكِيكَ الشُّبْهَةِ الَّتِي خَلَطَ فِيهَا الْمُتَأَخِّرُونَ بَيْنَ "الْوَسِيلَةِ الشَّرْعِيَّةِ" وَ"الْوَسَائِطِ الشِّرْكِيَّةِ". وَالتَّوَسُّلُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنَ (الْوَسِيلَةِ)، وَهِيَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ. أَمَّا الْحَدُّ الْجَامِعُ لِلتَّوَسُّلِ الشِّرْكِيِّ عِنْدَ الْقُبُورِيِّينَ: "هُوَ جَعْلُ الْمَخْلُوقِ وَاسِطَةً بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَاتِ بِدَعْوَى جَاهِهِ أَوْ صَلَاحِهِ".
 وَالْمَضْمُونُ هُنَا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّمَيُّزَ الْإِسْلَامِيَّ يَقُومُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْوَسَائِلِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ (كَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى)، بَيْنَمَا الْمُتَكَلِّمُ وَالْقُبُورِيُّ جَعَلُوا "ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ" وَسَائِلَ اضْطِرَارِيَّةً. إِنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّوَسُّلَ بِالْجَاهِ (أَيْ بِقَوْلِ: بِجَاهِ فُلَانٍ) هُوَ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا الصَّحَابَةُ، وَهِيَ سُلَّمٌ يُفْضِي إِلَى نِدَاءِ الْمَيِّتِ وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِ. 
وَبِهَذَا يَتَحَقَّقُ التَّمَيُّزُ عَنْ طَرِيقِ صِيَانَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ كُلِّ لَفْظٍ يُوهِمُ أَنَّ لِلْمَخْلُوقِ حَقّاً عَلَى اللَّهِ يَسْتَوْجِبُ بِهِ قَضَاءَ الْحَاجَاتِ لِلْآخَرِينَ، وَهُوَ مَا يَهْدِمُ كَمَالَ الْإِخْلَاصِ وَيَفْتَحُ أَبْوَابَ الْغُلُوِّ الْمُفْضِي لِلشِّرْكِ.

​(ثَانِيًا) الْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَسُّلِ الْمَشْرُوعِ وَالتَّوَسُّلِ الْمَمْنُوعِ

يُفَصِّلُ هَذَا الْمَقَامُ فِي "الْمَنَاطِ" التَّمْيِيزِيِّ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي بَابِ الْوَسِيلَةِ؛ فَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ يَتَوَسَّلُ إِلَى اللَّهِ بِإِيمَانِهِ، وَبِأَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، وَبِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ "الْحَيِّ الْحَاضِرِ" لَهُ. أَمَّا الْقُبُورِيُّ فَيَتَوَسَّلُ بِـ "ذَاتِ" الْمَيِّتِ أَوْ "جَاهِهِ"، وَهَذَا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ سُلْطَانٌ. إِنَّ خُطُورَةَ هَذَا الْمَسْلَكِ أَنَّهُ يَنْقُلُ الْقَلْبَ مِنْ "تَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ" إِلَى "تَعَلُّقِهِ بِصَاحِبِ الْجَاهِ"، حَتَّى يَصِيرَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْوَلِيُّ لَا الرَّبُّ. 
وَالْبَاحِثُ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا هُوَ عَيْنُ مَا فَعَلَهُ الْمُشْرِكُونَ حِينَمَا قَالُوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}. فَالْمُتَكَلِّمُونَ حِينَ سَمَّوُا الِاسْتِغَاثَةَ "تَوَسُّلاً" غَيَّرُوا الِاسْمَ لِيُبْقُوا عَلَى الْمُسَمَّى الشِّرْكِيِّ، وَهَذَا أَعْظَمُ التَّلْبِيسِ. فَالتَّمَيُّزُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَجْرِيدِ الْقَصْدِ لِلَّهِ وَسُلُوكِ الطَّرِيقِ الَّذِي رَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ، لَا الطَّرِيقِ الَّذِي ابْتَدَعَهُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُجِيبُ إِلَّا بِوَسَائِطَ كَمُلُوكِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ التَّشْبِيهِ.

​(ثَالِثًا) رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ) (٦ أَسْطُرٍ):
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَشُبْهَةُ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلُهُمْ: نَحْنُ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ بَلْ نَتَوَسَّلُ بِجَاهِ الصَّالِحِينَ، وَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ بِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا هُوَ عَيْنُ فِعْلِ الْمُشْرِكِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ وَسَائِطَ" (١). 
قلت : فَهَذَا النَّصُّ يَهْدِمُ جِدَارَ الشُّبْهَةِ الْكَلَامِيَّةِ الَّتِي تَتَسَتَّرُ خَلْفَ "الْجَاهِ".

​(رَابِعًا) نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ:
١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِالْجَاهِ لَيْسَ وَسِيلَةً شَرْعِيَّةً، لِأَنَّ جَاهَ الصَّالِحِ يَنْفَعُهُ هُوَ وَلَا يَنْفَعُ الدَّاعِيَ (٢). وَيُبَيِّنُ أَنَّ فَتْحَ هَذَا الْبَابِ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ الْأُمَّةَ فِي الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ، فَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ يَسُدُّ جَمِيعَ الذَّرَائِعِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ.
​٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ جَعْلَ الْوَسَائِطِ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَخَلْقِهِ هُوَ أَصْلُ دِينِ الْمُشْرِكِينَ (٣). وَيُوَضِّحُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ لَمَّا عَطَّلُوا التَّوْحِيدَ الْعَمَلِيَّ، صَارَ التَّوَسُّلُ عِنْدَهُمْ لَا يَنْقَضِ لِلْتَّوْحِيدِ، وَهَذَا خَلَلٌ فِي "تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ" لِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ.
​٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ قَالَ (بِجَاهِ نَبِيِّكَ) فَقَدْ أَتَى بِبِدْعَةٍ، وَمَنْ قَالَ (يَا نَبِيَّ اللَّهِ اشْفِنِي) فَقَدْ أَتَى بِشِرْكٍ (٤). وَيُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ يَقْتَضِي الْوُقُوفَ عِنْدَ النُّصُوصِ، وَأَنَّ جَاهَ النَّبِيِّ ﷺ عَظِيمٌ عِنْدَ رَبِّهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ لَنَا مَسْلَكاً فِي الدُّعَاءِ.

​(خَامِسًا) التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :
الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ "التَّوَسُّلَ بِالْجَاهِ" هُوَ الْقَنْطَرَةُ الَّتِي عَبَرَ عَلَيْهَا الشِّرْكُ إِلَى دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ بِغِطَاءٍ شَرْعِيٍّ مُزَيَّفٍ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَتَجَلَّى فِي "عِزَّةِ الِافْتِقَارِ" لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَلَا يَحْتَاجُ فِي مِحْرَابِهِ إِلَى "تَزْكِيَةِ" مَخْلُوقٍ لِيُسْمَعَ دُعَاؤُهُ. فَالْمُتَكَلِّمُ الَّذِي يَحُثُّ النَّاسَ عَلَى الِاسْتِشْفَاعِ بِالْجَاهِ، إِنَّمَا يَبْنِي حِجَاباً بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْخَلْقِ، وَيُشَبِّهُ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِمُلُوكِ الْأَرْضِ الَّذِينَ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِمْ إِلَّا بِالْوَسَاطَةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ وَالْقُبُورِيِّ هُنَا هُوَ فِي "مَعْرِفَةِ قَدْرِ اللَّهِ"؛ فَالْمُسْلِمُ عَرَفَ رَبَّهُ بـ (الْقَرِيبِ)، فَلَمْ يَلْتَمِسْ بَعِيداً. وَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمِلَّةِ يَقْتَضِي نَسْفَ كُلِّ "مُصْطَلَحٍ" يُحَاوِلُ تَلْطِيفَ الشِّرْكِ، فَمَا سَمَّاهُ الْمُتَكَلِّمُونَ "تَوَسُّلاً" سَمَّاهُ الْوَحْيُ "اتِّخَاذَ أَنْدَادٍ". فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ النَّجَاةَ فِي هَذَا الْبَابِ هِيَ فِي لُزُومِ السُّبُلِ الْمَهْيِعَةِ، وَتَرْكِ مَحْدَثَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي أَذْهَبَتْ نُورَ الْإِخْلَاصِ مِنْ قُلُوبِ الْعَوَامِّ، لِيَبْقَى التَّمَيُّزُ لِأَهْلِ الْأَثَرِ السَّالِكِينَ جَادَّةَ التَّوْحِيدِ.
-------------------------&
​[الْحَاشِيَةُ ]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ: "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ، ص ٨٥.
(٢) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، فَتَاوَى نُورٌ عَلَى الدَّرْبِ (الْعَقِيدَةُ)، مَسْأَلَةُ التَّوَسُّلِ.
(٣) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مَقَالَاتُ التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص ١٤٥.
(٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي، التَّوَسُّلُ: أَنْوَاعُهُ وَأَحْكَامُهُ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ.
(٥) [قَاعِدَةٌ]: الْعِبَادَاتُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّوْقِيفِ، فَمَا لَمْ يُشْرَعْ التَّوَسُّلُ بِهِ فَهُوَ بِدْعَةٌ.
(٦) [تَنْبِيهٌ]: قَوْلُهُمْ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِبَرَكَةِ فُلَانٍ" هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّشْرِيكِ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ.
(٧) [فَائِدَةٌ]: كَانَ عُمَرُ يَتَوَسَّلُ بِـ (دُعَاءِ) الْعَبَّاسِ لَا بـ (ذَاتِهِ)، فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَتَوَسَّلُوا بِجَاهِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ.
(٨) [ضَابِطٌ]: جَاهُ النَّبِيِّ ﷺ نَفَعَنَا فِي الدُّنْيَا بِالْبَلَاغِ وَيَنْفَعُنَا فِي الْآخِرَةِ بِالشَّفَاعَةِ، لَكِنَّهُ لَا يُسْأَلُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
(٩) [نُكْتَةٌ]: كَيْفَ يَتْرُكُ الْعَبْدُ دُعَاءَ "الْخَالِقِ" مُبَاشَرَةً وَهُوَ يَقُولُ {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ}؟
(١٠) [مَصْدَرٌ]: حَوْلَ التَّوَسُّلِ الْمَمْنُوعِ، يُرْجَعُ إِلَى: قَاعِدَةٍ جَلِيلَةٍ فِي التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
(١١) [إِشَارَةٌ]: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي الْعِلْمَ بِأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَهْدَ التَّوْحِيدِ لَا جَاهَ الْعَبِيدِ.
(١٢) [تَحْقِيقٌ]: حَدِيثُ (تَوَسَّلُوا بِجَاهِي فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
(١٣) [فَصْلٌ]: الشَّفَاعَةُ لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ، فَنَقُولُ: (اللَّهُمَّ شَفِّعْ فِينَا نَبِيَّكَ) لَا (يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْفَعْ لِي).
(١٤) [زِيَادَةٌ]: جَعْلُ الْأَوْلِيَاءِ وَسَائِطَ هُوَ أَوَّلُ دَرَجَاتِ الْكُفْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ قَوْمُ نُوحٍ.
(١٥) [خَاتِمَةٌ]: بِهَذَا الْمَبْحَثِ نَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى التَّلْبِيسِ، لِيَبْقَى التَّمَيُّزُ لِلْمُوَحِّدِ فِي قَصْدِهِ وَدُعَائِهِ.
​--------------------------[٨٥]-----------------------------

[الْمَبْحَثُ التَّاسِعُ: فِتْنَةُ الْمَجَازِ فِي الْأَفْعَالِ - تَبْرِيرُ نِدَاءِ غَيْرِ اللَّهِ]
أَوَّلًا: مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ:
يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَبْحَثُ نَقْدَ الشُّبْهَةِ الْكَلَامِيَّةِ الَّتِي زَعَمَتْ أَنَّ نِدَاءَ الْمَيِّتِ بِقَوْلِ "مَدَد" أَوْ "اشْفِنِي" هُوَ مِنْ بَابِ "الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ". وَالْمَجَازُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنَ (الْجَوَازِ)، وَهُوَ تَعَدِّي اللَّفْظِ مَوْضِعَهُ الْأَصْلِيَّ. أَمَّا الْحَدُّ الْجَامِعُ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ: "هُوَ إِسْنَادُ الْفِعْلِ لِغَيْرِ اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّسَبُّبِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الْخَالِقَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ اللَّهُ". وَالْمَضْمُونُ هُنَا يَكْشِفُ عَنْ تَمَيُّزِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَقْبَلُ التَّلَاعُبَ بِالْأَلْفَاظِ، بَيْنَمَا الْمُتَكَلِّمُ جَعَلَ الشِّرْكَ الصَّرِيحَ مَجَازاً مَقْبُولاً. إِنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ الْمَنَاطَ فِي الشِّرْكِ هُوَ طَلَبُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ مِنْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ سَمَّاهُ الدَّاعِي حَقِيقَةً أَوْ مَجَازاً. وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ يَبْرُزُ التَّمَيُّزُ الْعَقَدِيُّ فِي صِيَانَةِ اللِّسَانِ وَالْجَنَانِ عَنْ كُلِّ مَا يُوهِمُ التَّنْدِيدَ، وَنَقْضُ قَوَاعِدِ الْأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الرُّبُوبِيَّةَ غِطَاءً لِتَجْوِيزِ صَرْفِ الْأُلُوهِيَّةِ لِلْمَقْبُورِينَ.
ثَانِيًا: إِبْطَالُ دَعْوَى الْمَجَازِ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ وَالطَّلَبِ:
يُفَصِّلُ هَذَا الْمَقَامُ فِي أَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ وَمَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ لَا تَعْرِفُ الْمَجَازَ فِي الْعِبَادَةِ؛ فَمَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ لَا يُقَالُ فِعْلُهُ مَجَازٌ، وَمَنْ نَادَى مَيِّتاً فَقَدْ عَبَدَهُ. وَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ يُدْرِكُ أَنَّ نُصُوصَ الْوَحْيِ جَاءَتْ بِحَسْمِ مَادَّةِ الشِّرْكِ، وَلَمْ تَعْذُرِ الْمُشْرِكِينَ الْأَوَّلِينَ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ آلِهَتَهُمْ مُجَرَّدُ وَسَائِطَ. إِنَّ تَعْرِيفَ الْمُتَكَلِّمِينَ لِلْمَجَازِ أَدَّى إِلَى تَمْيِيعِ الْعَقِيدَةِ؛ حَيْثُ جَعَلُوا الْقَلْبَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَخْلُوقِ لَفْظاً وَحَالاً، ثُمَّ يَدَّعُونَ التَّوْحِيدَ فَلْسَفَةً. وَالْبَاحِثُ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ هُوَ بَاطِنِيَّةٌ حَدِيثَةٌ تُبْطِلُ صَرِيحَ الْقُرْآنِ بِتَأْوِيلَاتٍ نَحْوِيَّةٍ بَارِدَةٍ. فَمَنْ نَادَى "يَا عَلِيّ مَدَد" فَقَدْ جَعَلَهُ نِدّاً لِلَّهِ فِي سَمْعِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ ادِّعَاءُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّسَبُّبَ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِافْتِقَارِ، وَالِافْتِقَارُ لَا يَكُونُ مَجَازِيّاً.
ثَالِثًا: رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ):
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الضُّلَّالُ فَيَظُنُّونَ أَنَّ الشِّرْكَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ يَخْلُقُ، وَأَمَّا إِذَا نَادَاهُ عَلَى سَبِيلِ التَّسَبُّبِ فَلَيْسَ بِشِرْكٍ، وَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ بِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا هُوَ دِينُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}" (١).
رَابِعًا: نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ:
١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُبَيِّنُ أَنَّ الْأَسْمَاءَ لَا تُغَيِّرُ الْحَقَائِقَ؛ فَتَسْمِيَةُ الدُّعَاءِ مَجَازاً لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ شِرْكاً، وَالتَّمَيُّزُ الْإِسْلَامِيَّ يَقْتَضِي تَطْهِيرَ اللَّفْظِ كَمَا يُطَهَّرُ الِاعْتِقَادُ (٢).
٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ خَلَطُوا بَيْنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَوْهَامِ الشِّرْكِيَّةِ، وَأَنَّ التَّمَيُّزَ يَبْرُزُ فِي الِاتِّبَاعِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ (٣).
٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُبَيِّنُ أَنَّهُمْ بِدَعْوَى الْمَجَازِ عَطَّلُوا مَعَانِي الْأُلُوهِيَّةِ، وَأَنَّ الدُّعَاءَ حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ لَا يَدْخُلُهُ الْمَجَازُ (٤).
خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ "الْمَجَازَ فِي الْأَفْعَالِ" هُوَ مِقْصَلَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي نَصَبَهَا أَهْلُ الْكَلَامِ لِذَبْحِ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ التَّلَاعُبَ بِالْمُصْطَلَحَاتِ هُوَ دَيْدَنُ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ فَالْمُشْرِكُ يُنَادِي الْقُطْبَ ثُمَّ يَتَسَتَّرُ بِرِدَاءِ الْمَجَازِ لِيَهْرَبَ مِنْ وَصْمِ الشِّرْكِ. وَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَتَجَلَّى فِي صِدْقِ التَّعَبُّدِ؛ فَالْعِبَادَةُ لَيْسَتْ لُغْزاً لُغَوِيّاً، بَلْ هِيَ اسْتِسْلَامٌ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَالْخُلُوصِ مِنَ الشِّرْكِ. فَمَنْ جَوَّزَ صَرْفَ النِّدَاءِ لِلْمَخْلُوقِ بِحُجَّةِ أَنَّهُ سَبَبٌ مَجَازِيٌّ فَقَدْ فَتَحَ بَاباً لَنْ يُغْلَقَ إِلَّا بِعِبَادَةِ الْقُبُورِ جَهْرَةً. فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ يُشْرِكُ الْمَخْلُوقَ مَعَ الْخَالِقِ هُوَ نَقْضٌ لِلْمِيثَاقِ، وَإِنْ زَيَّنَهُ الْمُتَنَطِّعُونَ بِمَجَازَاتِ الْبَيَانِ.
---------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، ص ٨٦.
 (٢) يُنْظَرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، "شَرْحُ الْوَاسِطِيَّةِ"، ج ١، ص ١٨٥. (٣) يُنْظَرُ: التَّمِيمِيُّ، "الْمَنْهَجُ الْعَقَدِيُّ لِلْأَشَاعِرَةِ"، ص ٢١٠. (٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ سِنْدِي، "نَقْدُ أَصْلِ الْمَجَازِ"، مَوْقِعُ الشَّيْخِ. (٥) قَاعِدَةٌ: الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَلَا قَرِينَةَ تُبِيحُ الشِّرْكَ.
 (٦) تَنْبِيهٌ: اسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ لِتَبْرِيرِ الِاسْتِغَاثَةِ هُوَ مَحْضُ تَلْبِيسٍ. 
(٧) فَائِدَةٌ: نِدَاءُ الْمَيِّتِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِقَادَ سَمْعٍ مُحِيطٍ وَهَذَا تَنْدِيدٌ. 
(٨) ضَابِطٌ: مَنْ صَرَفَ الدُّعَاءَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ نَقَضَ تَمَيُّزَهُ وَإِنْ تَأَوَّلَ. 
(٩) نُكْتَةٌ: هَلْ يُغْفَرُ الْمَجَازُ الشِّرْكِيُّ وَاللَّهُ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ؟ (١٠) مَصْدَرٌ: يُرْجَعُ لِـ "الصَّوَاعِقِ الْمُرْسَلَةِ" لِابْنِ الْقَيِّمِ. 
(١١) إِشَارَةٌ: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ فِي وُضُوحِ تَوْحِيدِهِ لَا فِي غُمُوضِ مَجَازِهِ. 
(١٢) تَحْقِيقٌ: "الْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ" لَا يُسَوِّغُ طَلَبَ الشِّفَاءِ مِنَ الْمَقْبُورِ. (١٣) فَصْلٌ: الشِّرْكُ لَا يُسَمَّى مَجَازاً بَلْ ضَلَالاً.
 (١٤) زِيَادَةٌ: التَّمَيُّزُ يَبْدَأُ مِنْ ضَبْطِ الْمُصْطَلَحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. (١٥) خَاتِمَةٌ: بِهَذَا نُطَهِّرُ اللِّسَانَ مِنْ أَوْضَارِ التَّأْوِيلِ الْمُوهِمِ.
-----------------------------[٨٦]---------------------------

[الْمَبْحَثُ الْعَاشِرُ: شُبْهَةُ الْقُبُورِيِّينَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ - تَحْقِيقُ سَدِّ الذَّرَائِعِ]
أَوَّلًا: مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ:
يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَبْحَثُ نَقْدَ الشُّبْهَةِ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الْقُبُورِيُّونَ فِي جَوَازِ "شَدِّ الرِّحَالِ" إِلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ أَوِ الدُّعَاءِ عِنْدَهَا. وَشَدُّ الرِّحَالِ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ (الرَّحْلِ)، وَهُوَ مَا يُوضَعُ عَلَى النَّاقَةِ لِلسَّفَرِ، وَيُقْصَدُ بِهِ هُنَا السَّفَرُ لِغَرَضٍ تَعَبُّدِيٍّ. أَمَّا الْحَدُّ الْجَامِعُ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ: "هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ لِبُقْعَةٍ مَا (غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ) فَضِيلَةً ذَاتِيَّةً تَسْتَوْجِبُ السَّفَرَ إِلَيْهَا لِتَحْصِيلِ الْقُرْبَةِ". وَالْمَضْمُونُ هُنَا يَكْشِفُ عَنْ تَمَيُّزِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ، بَيْنَمَا الْقُبُورِيُّ جَعَلَ الْمَشَاهِدَ مَقَاصِدَ لِلرِّحَالِ كَالْمَسَاجِدِ. إِنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ يَقْتَضِي حِمَايَةَ جَنَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ "الْوَثَنِيَّةِ الْمُقَنَّعَةِ" الَّتِي تَبْدَأُ بِالسَّفَرِ لِلْقَبْرِ وَتَنْتَهِي بِالْعُكُوفِ عَلَيْهِ وَصَرْفِ الْعِبَادَةِ لِصَاحِبِهِ.
ثَانِيًا: إِبْطَالُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْمَنْكَرَةِ:
يُفَصِّلُ هَذَا الْمَقَامُ فِي كَيْفِيَّةِ بِنَاءِ الْقُبُورِيِّينَ لِمَذْهَبِهِمْ عَلَى أَوْهَامٍ؛ فَيَسْتَدِلُّونَ بِأَحَادِيثَ مَوْضُوعَةٍ مِثْلِ: (مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي)، وَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. إِنَّ الْقُبُورِيَّ لَمَّا عَجَزَ عَنْ إِيجَادِ نَصٍّ صَحِيحٍ يُجِيزُ لَهُ جَعْلَ الْقُبُورِ مَعَاهِدَ لِلْعِبَادَةِ، لَجَأَ إِلَى "تَحْسِينِ" الْمَنَاكِيرِ. وَالْبَاحِثُ يُبَيِّنُ أَنَّ التَّمَيُّزَ يَبْرُزُ فِي الِاكْتِفَاءِ بِقَوْلِهِ ﷺ: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ). فَمَنْ شَدَّ رَحْلَهُ لِقَبْرِ وَلِيٍّ فَقَدْ ضَاهَى بِفِعْلِهِ الْمَشَاعِرَ الْمُقَدَّسَةَ، وَفَتَحَ ذَرِيعَةً لِلشِّرْكِ. وَالتَّمَيُّزُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِتَعْظِيمِ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ، وَتَرْكِ مَا ابْتَدَعَهُ النَّاسُ مِنْ مَوَاسِمَ قُبُورِيَّةٍ تُضَاهِي مَنَاسِكَ الْحَجِّ، مِمَّا يَمْحَقُ بَرَكَةَ التَّوْحِيدِ وَيُدْخِلُ الْوَهَنَ فِي عَقِيدَةِ الْعَوَامِّ.
ثَالِثًا: رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ):
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ عَنْ صَاحِبِ الشِّبْهِ بِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ لِلْمَخْلُوقِ مَا لِلَّهِ، فَالْبِقَاعُ لَا تُقْصَدُ لِذَاتِهَا بِالسَّفَرِ إِلَّا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ، وَمَنْ زَارَ الْقُبُورَ فَلِلِاتِّعَاظِ لَا لِشَدِّ الرَّحْلِ وَالطَّلَبِ" (١).
رَابِعًا: نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ:
١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ السَّفَرَ لِقَصْدِ زِيَارَةِ الْقَبْرِ (حَتَّى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ) مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يُسَافَرُ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ثُمَّ تُزَارُ الْقُبُورُ تَبَعاً، وَهَذَا دِقَّةُ التَّمَيُّزِ فِي التَّوْحِيدِ (٢).
٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ تَعْظِيمَ الْبِقَاعِ الَّتِي لَمْ يُعَظِّمْهَا الشَّرْعُ هُوَ مَبْدَأُ الْأَوْثَانِ، وَأَنَّ التَّمَيُّزَ يَقْتَضِي عَدَمَ مُشَابَهَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي اتِّخَاذِ قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ (٣).
٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُبَيِّنُ أَنَّ الْقُبُورِيِّينَ يَخْلِطُونَ بَيْنَ "الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ" (لِلدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ) وَ"الزِّيَارَةِ الشِّرْكِيَّةِ" (لِدُعَاءِ الْمَيِّتِ)، وَالتَّمَيُّزُ فِي الْقَصْدِ وَالْمَسِيرِ (٤).
خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ "شَدَّ الرِّحَالِ لِلْمَشَاهِدِ" هُوَ مَوْسِمُ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ الْمُسْلِمُ بِمُقَاطَعَتِهِ وَالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ الِانْحِرَافَ يَبْدَأُ "بِخُطْوَةٍ" نَحْوَ الْقَبْرِ بِقَصْدِ التَّبَرُّكِ، فَيَنْقَلِبُ التَّعْظِيمُ مِنَ الرَّبِّ إِلَى الْمَرْبُوبِ. فَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ يَعْبُدُ اللَّهَ حَيْثُ كَانَ، وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّ دُعَاءَهُ عِنْدَ رَأْسِ "وَلِيٍّ" أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ مِنْ دُعَائِهِ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ، لِأَنَّ هَذَا عَيْنُ مَا ظَنَّهُ عُبَّادُ اللَّاتِ وَالْعُزَّى. وَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمِلَّةِ يَقْتَضِي هَدْمَ كُلِّ صَنَمٍ مَعْنَوِيٍّ يُبْنَى فِي نُفُوسِ الْعَوَامِّ عَبْرَ هَذِهِ الرِّحَلَاتِ الْبِدْعِيَّةِ الَّتِي تُسَمَّى "مَوَالِدَ" أَوْ "زِيَارَاتٍ مَقَامِيَّةٍ". فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ النَّجَاةَ فِي هَذَا الْبَابِ هِيَ فِي الِاسْتِمْسَاكِ بِـ "حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ"، وَإِغْلَاقِ بَابِ الْغُلُوِّ الَّذِي اسْتَفْحَلَ حَتَّى صَارَتِ الْقُبُورُ تُحَجُّ كَمَا تُحَجُّ الْكَعْبَةُ.
-------------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، ص ٨٧. 
(٢) يُنْظَرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج ٢، ص ١٨٩. (٣) يُنْظَرُ: التَّمِيمِيُّ، "حُقُوقُ النَّبِيِّ ﷺ"، ص ٣٠٥. 
(٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ سِنْدِي، "الْغُلُوُّ فِي الْقُبُورِ"، مَوْقِعُ الشَّيْخِ. (٥) قَاعِدَةٌ: كُلُّ سَفَرٍ لِتَعْظِيمِ بُقْعَةٍ لَمْ يُعَظِّمْهَا الشَّرْعُ فَهُوَ بِدْعَةٌ. 
(٦) تَنْبِيهٌ: أَحَادِيثُ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ مَوْضُوعَةٌ. 
(٧) فَائِدَةٌ: التَّمَيُّزُ يَكُونُ بِتَحْقِيقِ "التَّجْرِيدِ" فِي الطَّلَبِ وَالْمَكَانِ. 
(٨) ضَابِطٌ: مَنْ شَدَّ رَحْلَهُ لِلْمَسْجِدِ جَازَ، وَمَنْ شَدَّهُ لِلْقَبْرِ حَرُمَ. (٩) نُكْتَةٌ: كَيْفَ يَكُونُ الْقَبْرُ وَسِيلَةً وَاللَّهُ يَقُولُ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}؟ (١٠) مَصْدَرٌ: "الرَّدُّ عَلَى الْإِخْنَائِيِّ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
 (١١) إِشَارَةٌ: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ فِي إِخْلَاصِ الْوَجْهَةِ لِلَّهِ. (١٢) تَحْقِيقٌ: شَدُّ الرَّحْلِ لِلْقَبْرِ وَسِيلَةٌ لِلشِّرْكِ وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الشِّرْكُ فِعْلًا.
 (١٣) فَصْلٌ: الزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ لِلْآخِرَةِ، وَالْبِدْعِيَّةُ لِلدُّنْيَا.
 (١٤) زِيَادَةٌ: التَّمَيُّزُ يَقْتَضِي مُخَالَفَةَ "عُبَّادِ الْقُبُورِ" فِي مَرَاسِمِهِمْ. 
(١٥) خَاتِمَةٌ: بِهَذَا نَحْمِي جَنَابَ التَّوْحِيدِ مِنَ الْوَثَنِيَّةِ الْمُحْدَثَةِ.
------------------------------------[٨٧]------------------------

[تتمة( ١)الْمَبْحَث عَشَرَ: شُبْهَةُ الِاضْطِرَارِ وَالتَّعَلُّقِ بِالْمَقْبُورِينَ - تَحْقِيقُ صِدْقِ الِافْتِقَارِ]
أَوَّلًا: مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ:
يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَبْحَثُ نَقْدَ الْمَسْلَكِ الَّذِي يَنْهَجُهُ عُبَّادُ الْقُبُورِ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدَائِدِ، حَيْثُ يَزْعُمُونَ أَنَّ "الِاضْطِرَارَ" يُبِيحُ الِاسْتِغَاثَةَ بِالْأَوْلِيَاءِ. وَالِاضْطِرَارُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنَ (الضَّرُورَةِ)، وَهِيَ الْحَاجَةُ الْمُلِحَّةُ الَّتِي لَا مَدْفَعَ لَهَا. أَمَّا الْحَدُّ الْجَامِعُ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ: "هُوَ صَرْفُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ بِحُجَّةِ انْقِطَاعِ الْأَسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَطَلَبِ الْفَرَجِ مِنَ الْمَقْبُورِ". وَالْمَضْمُونُ هُنَا يَكْشِفُ عَنْ تَمَيُّزِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يَزِيدُهُ الْكَرْبُ إِلَّا تَوْحِيداً، بَيْنَمَا الْقُبُورِيُّ يَجْعَلُ الشِّدَّةَ سَبَباً لِلرِّدَّةِ عَنِ الْإِخْلَاصِ. إِنَّ هَذَا الْمَبْحَثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ "الْمُضْطَرُّ" أَشَدَّ النَّاسِ تَوْحِيداً، كَمَا كَانَ مُشْرِكُو الْجَاهِلِيَّةِ يُخْلِصُونَ فِي الْبَحْرِ، بِخِلَافِ مُشْرِكِي زَمَانِنَا الَّذِينَ يَشْتَدُّ شِرْكُهُمْ فِي الرَّخَاءِ وَالْبَلَاءِ.
ثَانِيًا: بَيَانُ أَنَّ الشِّدَّةَ مَحَكُّ التَّمَيُّزِ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ وَالْمُشْرِكِ:
يُفَصِّلُ هَذَا الْمَقَامُ فِي كَيْفِيَّةِ انْقِلَابِ الْمَوَازِينِ عِنْدَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ؛ فَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ يَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}، فَيَعْلَمُ أَنَّ حَقَّ الْمُضْطَرِّ هُوَ الِانْكِسَارُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لَا عِنْدَ أَعْتَابِ الْأَضْرِحَةِ. إِنَّ الْقُبُورِيَّ يَتَسَتَّرُ بِـ "الْعَاطِفَةِ" وَ"الْحَاجَةِ" لِيُبَرِّرَ سُؤَالَ الْمَيِّتِ، وَالْبَاحِثُ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا هُوَ عَيْنُ الِانْحِرَافِ الَّذِي مَحَقَ تَمَيُّزَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ قَبْلُ. وَالتَّمَيُّزُ لَا يَكُونُ بِتَعْلِيقِ الْقَلْبِ بِمَنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً، بَلْ بِتَحْقِيقِ "تَوْحِيدِ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ". وَالْبَاحِثُ يُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ الشِّرْكَ فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ الدِّينِ، فَالشِّرْكُ لَا تُبِيحُهُ ضَرُورَةٌ، وَالتَّمَيُّزُ هُوَ الثَّبَاتُ عَلَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَنْفَاسُ، لَا أَنْ نَجْعَلَ الْأَوْلِيَاءَ "أَرْبَاباً" مِنْ دُونِ اللَّهِ عِنْدَ ضِيقِ الصُّدُورِ.
ثَالِثًا: رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ):
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ عَنِ الْمُشْرِكِ بِأَنَّهُ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ الشِّدَّةُ أَفْرَدَ رَبَّهُ بِالدُّعَاءِ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَدْعُو الصَّالِحِينَ وَيَظُنُّ أَنَّ لَهُمْ تَصَرُّفاً مَعَ اللَّهِ فِي كَشْفِ الْكُرُوبِ، وَهَذَا نَقْضٌ لِأَصْلِ الْإِسْلَامِ" (١).
رَابِعًا: نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ:
١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُبَيِّنُ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالْمَيِّتِ شِرْكٌ أَكْبَرُ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ، وَأَنَّ الِاضْطِرَارَ لَيْسَ عُذْراً لِصَرْفِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، بَلْ هُوَ مَقَامُ إِظْهَارِ كَمَالِ التَّوْحِيدِ (٢).
٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ مُشْرِكِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ أَعْظَمُ شِرْكاً مِنَ الْأَوَّلِينَ فِي هَذَا الْبَابِ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَغِيثُونَ بِغَيْرِ اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، بَيْنَمَا الْأَوَّلُونَ كَانُوا يُخْلِصُونَ فِي الشِّدَّةِ (٣).
٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُوَضِّحُ أَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْأَوْلِيَاءِ فِي الْمُهِمَّاتِ يُورِثُ الْقَلْبَ ذُلًّا لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالتَّمَيُّزُ الْحَقُّ هُوَ الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ انْقِطَاعِ حِبَالِ الْمَخْلُوقِينَ (٤).
خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ "شُبْهَةَ الِاضْطِرَارِ" هِيَ الْمِصْيَدَةُ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْجَهَلَةُ بِتَحْرِيضٍ مِنْ سَدَنَةِ الْأَضْرِحَةِ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَتَجَلَّى فِي مَعْرِفَةِ أَنَّ "مَفَاتِيحَ الْفَرَجِ" بِيَدِ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، لَا بِيَدِ جَسَدٍ بَلِيَ تَحْتَ التُّرَابِ. فَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيِّزُ هُوَ مَنْ يَصْمُدُ فِي وَجْهِ الْبَلَاءِ بِقَوْلِهِ: "يَا اللَّهُ"، بَيْنَمَا الْمَفْتُونُ يَصْرُخُ: "يَا فُلَانُ". وَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمِلَّةِ يَقْتَضِي تَرْبِيَةَ النُّفُوسِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالْمَيِّتِ لَيْسَتْ "وَسِيلَةً" بَلْ هِيَ "قَطِيعَةٌ" مَعَ الرَّحْمَنِ. فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ لَيْسَ شِعَاراً يُرْفَعُ فِي الرَّخَاءِ فَحَسْبُ، بَلْ هُو حَقِيقَةٌ تُسْتَعْلَنُ حِينَمَا تَضِيقُ السُّبُلُ، لِيَبْقَى الْمُسْلِمُ شامخاً بِإِيمَانِهِ، متميزاً عَنْ كُلِّ مَنْ أَلْهَتْهُ الشُّبُهَاتُ عَنْ نُورِ الْيَقِينِ.
-------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، ص ٨٨. (٢) يُنْظَرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، "شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ"، ص ٩٢.
 (٣) يُنْظَرُ: التَّمِيمِيُّ، "تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"، بَابُ الِاسْتِغَاثَةِ. 
(٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ سِنْدِي، "أَعْمَالُ الْقُلُوبِ"، مَوْقِعُ الشَّيْخِ. 
(٥) قَاعِدَةٌ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَصَرْفُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ فِي كُلِّ حَالٍ. 
(٦) تَنْبِيهٌ: مَنْ جَوَّزَ نِدَاءَ الْمَوْتَى عِنْدَ الْغَرَقِ أَوْ الشِّدَّةِ فَقَدْ جَوَّزَ دِينَ أَبِي جَهْلٍ. 
(٧) فَائِدَةٌ: التَّمَيُّزُ يُعْرَفُ عِنْدَ الِامْتِحَانِ، وَالْمُوَحِّدُ لَا يَلْتَفِتُ لِغَيْرِ مَوْلَاهُ. 
(٨) ضَابِطٌ: الْمَيِّتُ لَا يَسْمَعُ الدُّعَاءَ، وَلَوْ سَمِعَ مَا اسْتَجَابَ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بِشِرْكِهِمْ.
 (٩) نُكْتَةٌ: كَيْفَ يُسْأَلُ الْفَقِيرُ (الْمَيِّتُ) وَيُتْرَكُ الْغَنِيُّ (اللَّهُ)؟ 
(١٠) مَصْدَرٌ: "الِاسْتِغَاثَةُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْبَكْرِيِّ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
 (١١) إِشَارَةٌ: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ فِي إِخْلَاصِ "الِاضْطِرَارِ" لِلَّهِ. 
(١٢) تَحْقِيقٌ: زَعْمُ الِاضْطِرَارِ لِلشِّرْكِ هُوَ مِنْ تَسْوِيلِ الشَّيْطَانِ.
 (١٣) فَصْلٌ: مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ فَمَاذَا فَقَدَ؟ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ "الْوَلِيُّ" وَفَقَدَ اللَّهَ فَمَاذَا وَجَدَ؟ 
(١٤) زِيَادَةٌ: التَّمَيُّزُ هُوَ عِزُّ الِافْتِقَارِ لِلْخَالِقِ.
 (١٥) خَاتِمَةٌ: بِهَذَا نَكْشِفُ زَيْفَ التَّعَلُّقِ بِالْأَوْهَامِ.
------------------------------[٨٨]-------------------------------

[الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: تَأْوِيلَاتُ الْأَشَاعِرَةِ لِآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَثَرُهَا فِي ضَعْفِ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ - الْمُتَمِّمَةُ الْأُولَى]
أَوَّلًا: مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ:
يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَبْحَثُ الرَّبْطَ الْعِلْمِيَّ الدَّقِيقَ بَيْنَ الِانْحِرَافِ فِي تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ (الْأَشَاعِرَةِ خُصُوصاً) وَبَيْنَ الْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي تَوْحِيدِ الْعِبَادَةِ. وَالتَّأْوِيلُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ (الْأَوْلِ)، وَهُوَ الرُّجُوعُ بِاللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ. أَمَّا الْحَدُّ الْجَامِعُ لِهَذَا الِانْحِرَافِ: "هُوَ صَرْفُ نُصُوصِ الصِّفَاتِ عَنْ حَقَائِقِهَا بِيَقِينِ التَّعْطِيلِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى فُتُورِ تَعْظِيمِ الرَّبِّ فِي الْقُلُوبِ وَفَتْحِ الْبَابِ لِتَعْظِيمِ الْمَخْلُوقِينَ". وَالْمَضْمُونُ هُنَا يَكْشِفُ أَنَّ مَنْ طَرَدَ صِفَةَ "الْعُلُوِّ" أَوْ "الْيَدِ" أَوْ "الْمَحَبَّةِ" بِالتَّأْوِيلِ الْبَارِدِ، فَقَدْ جَفَّتْ نُبُوعُ التَّأَلُّهِ فِي قَلْبِهِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَقُومُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ بِكَمَالِ صِفَاتِهِ. فَإِذَا صَارَ الْإِلَهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ مَجْمُوعَةً مِنَ "السُّلُوبِ" وَالتَّعْرِيفَاتِ الْمَنْطِقِيَّةِ، بَحَثَتِ النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ (بِفِطْرَتِهَا لِلتَّأَلُّهِ) عَنْ بَدِيلٍ مَحْسُوسٍ تَعْظُمُهُ، فَكَانَتِ الْأَضْرِحَةُ وَالْقُبُورُ هِيَ الْمَلَاذَ لِمَنْ حُرِمَ نُورَ الصِّفَاتِ الْعُلْيَا. إِنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ "الْإِثْبَاتَ" يُورِثُ "الْإِخْلَاصَ"، بَيْنَمَا "التَّأْوِيلُ" يُورِثُ "التَّنْدِيدَ" الْخَفِيَّ، لِأَنَّ مَنْ نَفَى قُرْبَ اللَّهِ بِذَاتِهِ وَعُلُوَّهُ عَلَى عَرْشِهِ، سَيَلْتَمِسُ الْقُرْبَ عِنْدَ أَعْتَابِ الْمَقْبُورِينَ الَّذِينَ ظَنَّ فِيهِمْ حُلُولَ الْبَرَكَةِ أَوْ سُلْطَانَ الْوَسَاطَةِ، وَهَذَا هُوَ الرَّبْطُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ وَفُشُوِّ الشِّرْكِ الْعَمَلِيِّ.
ثَانِيًا: بَيَانُ التَّلَازُمِ بَيْنَ "جَفَافِ التَّعْطِيلِ" وَ"غُلُوِّ الْقُبُورِيَّةِ":
يُفَصِّلُ هَذَا الْمَقَامُ فِي أَنَّ الْأَشَاعِرَةَ حِينَمَا جَعَلُوا الْغَايَةَ مِنْ تَوْحِيدِهِمْ هِيَ "إِثْبَاتَ الصَّانِعِ" فَقَطْ (تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ)، غَفَلُوا عَنِ الْغَايَةِ الَّتِي خُلِقَ الْخَلْقُ لِأَجْلِهَا وَهِيَ "الْأُلُوهِيَّةُ". وَلَمَّا كَانَ دِينُهُمْ قَائِماً عَلَى "التَّنْزِيهِ" الْبِدْعِيِّ الَّذِي يَنْفِي كُلَّ مَا يُوهِمُ التَّشْبِيهَ بِزَعْمِهِمْ، انْتَهَى بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى رَبٍّ لَا يُدْعَى دُعَاءَ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، بَلْ يُعْرَفُ عَقْلاً فَقَطْ. هَذَا الْجَفَافُ الْعَقَدِيُّ أَنْتَجَ فَرَاغاً رُوحِيّاً مَلَأَهُ الْغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ، فَصَارَ أَحَدُهُمْ يُثْبِتُ لِلْوَلِيِّ مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالنَّفْعِ وَالضَّرِّ مَا يَفِرُّ مِنْ إِثْبَاتِهِ لِلَّهِ بِدَعْوَى التَّنْزِيهِ. وَالْبَاحِثُ يُبَيِّنُ أَنَّ التَّمَيُّزَ الْإِسْلَامِيَّ يَقْتَضِي أَنْ نَعْرِفَ اللَّهَ بِصِفَاتِهِ كَمَا وَرَدَتْ، لِيَمْتَلِئَ الْقَلْبُ هَيْبَةً وَمَحَبَّةً لَهُ وَحْدَهُ، فَلَا يَبْقَى فِيهِ مُتَّسَعٌ لِتَعْظِيمِ قَبْرٍ أَوْ طَلَبِ مَدَدٍ مِنْ مَيِّتٍ. فَالْمُتَكَلِّمُ الَّذِي يُؤَوِّلُ (الِاسْتِوَاءَ) بِالِاسْتِيلَاءِ، يُضْعِفُ فِي نَفْسِ الْعَامِيِّ مَعْنَى قَهْرِ الرَّبِّ وَفَوْقِيَّتِهِ، فَيَجْتَرِئُ الْعَامِيُّ عَلَى صَرْفِ الْخُضُوعِ لِصَاحِبِ الضَّرِيحِ. وَبِهَذَا يَنْكَشِفُ أَنَّ "التَّأْوِيلَ" لَيْسَ مُجَرَّدَ خِلَافٍ لَفْظِيٍّ، بَلْ هُوَ مِعْوَلٌ يَهْدِمُ حَقِيقَةَ التَّمَيُّزِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي إِفْرَادِ الْخَالِقِ بِالْجَمَالِ وَالْجَلَالِ وَالْعِبَادَةِ.
ثَالِثًا: رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ):
أَحْتَاجُ مِنْكَ يَا دُكْتُور إِلَى الْقِطْعَةِ الدَّالَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (٨٨) لِأَرْبِطَهَا بِدِقَّةٍ، وَإِلَى أَنْ تُحْضِرَهَا لِي، سَأُكْمِلُ بَقِيَّةَ الْأَرْكَانِ بِقُوَّةٍ.
رَابِعًا: نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ:
١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ مَنْ نَفَى صِفَاتِ اللَّهِ أَوْ أَوَّلَهَا فَقَدْ جَهِلَ الْمَعْبُودَ، وَمَنْ جَهِلَ الْمَعْبُودَ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ فِعْلاً وَقَصْداً. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ رَبْطَ الْأَشَاعِرَةِ لِلتَّوْحِيدِ بِالْخَلْقِ وَالِاخْتِرَاعِ فَقَدْ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي تَرْكِ مَنْعِ النَّاسِ مِنْ دُعَاءِ غَيْرِ اللَّهِ، لِأَنَّ التَّوْحِيدَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ، بَلْ هُوَ نَفْيُ التَّعَدُّدِ فِي الذَّاتِ، وَهَذَا قُصُورٌ عَظِيمٌ أَدَّى إِلَى ضَيَاعِ حَقِيقَةِ التَّمَيُّزِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ الرُّسُلُ لِمُحَارَبَةِ شِرْكِ الْقُصُودِ.
٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُبَيِّنُ فِي أَبْحَاثِهِ الْعَقَدِيَّةِ أَنَّ الْمَنْهَجَ الْأَشْعَرِيَّ فِي التَّأْوِيلِ قَدْ أَضْعَفَ جَانِبَ "التَّعَبُّدِ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى"، حَيْثُ حَوَّلُوهَا إِلَى مَعَانٍ عَقْلِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ. وَيُؤَصِّلُ لِأَنَّ هَذَا التَّجْرِيدَ سَلَبَ النُّصُوصَ حَيَوِيَّتَهَا فِي التَّأْثِيرِ عَلَى سُلُوكِ الْمُكَلَّفِ، فَصَارَ الِانْتِسَابُ لِلتَّوْحِيدِ عِنْدَهُمْ مُجَرَّدَ قَضَايَا ذِهْنِيَّةٍ، بَيْنَمَا الْوَاقِعُ الْعَمَلِيُّ مَمْلُوءٌ بِالِارْتِبَاطِ بِالْأَوْلِيَاءِ وَالْمَشَايِخِ. وَهَذَا الِانْفِصَامُ بَيْنَ (النَّظَرِ) وَ(الْعَمَلِ) هُوَ نَتِيجَةٌ حَتْمِيَّةٌ لِتَعْطِيلِ حَقَائِقِ الصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ مُحَرِّكُ الْقُلُوبِ إِلَى بَارِئِهَا سُبْحَانَهُ.
٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُؤَصِّلُ لِأَنَّ الْأَشَاعِرَةَ حِينَ نَفَوْا "صِفَاتِ الْأَفْعَالِ" الِاخْتِيَارِيَّةِ، بَنَوْا حَاجِزاً بَيْنَ الْخَلْقِ وَرَبِّهِمْ، مِمَّا أَدَّى إِلَى ظُهُورِ فِكْرَةِ "الْوَسَاطَةِ" كَحَلٍّ لِهَذَا الْبُعْدِ الْمُتَوَهَّمِ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ التَّمَيُّزَ الْحَقَّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ كُلِّ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، لِيَتَحَقَّقَ "الْقُرْبُ" الشَّرْعِيُّ بِالْعِبَادَةِ، لَا "الْقُرْبُ" الْبِدْعِيُّ بِالْتِمَاسِ الْجَاهِ عِنْدَ الْمَقْبُورِينَ. فَالْتَّأْوِيلُ عِنْدَهُ هُوَ مَبْدَأُ الْخَذْلَانِ الَّذِي يَصْرِفُ الْعَبْدَ عَنْ تَعْظِيمِ رَبِّهِ إِلَى تَعْظِيمِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ.
خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ "تَأْوِيلِ الصِّفَاتِ" وَ"ضَعْفِ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ" هِيَ عَلَاقَةُ الطَّرْدِ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ الَّذِي يَهْرَبُ مِنْ "تَشْبِيهِ" الصِّفَاتِ (بِزَعْمِهِ)، يَقَعُ فِي "تَشْبِيهِ" الْأَفْعَالِ حِينَمَا يُسَوِّغُ لِلنَّاسِ قَصْدَ الْقُبُورِ تَمَثُّلاً بِأَهْلِ الْجَاهِ عِنْدَ الْمُلُوكِ. فَتَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ يَتَلَاشَى حِينَمَا يُجْعَلُ التَّوْحِيدُ جَدَلًا عَقْلِيًّا مَحْضاً، بَعِيداً عَنْ حَرَارَةِ الْإِيمَانِ بِرَبٍّ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَغْضَبُ وَيَرْضَى وَيَسْتَوِي كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ. وَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمِلَّةِ يَقْتَضِي نَسْفَ الْقَاعِدَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ الَّتِي جَعَلَتْ "صَرْفَ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ" مَسْأَلَةً فَرْعِيَّةً مَا دَامَ الْفَاعِلُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ. فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّعْطِيلَ النَّظَرِيَّ لِلصِّفَاتِ هُوَ الَّذِي مَهَّدَ لِلتَّعْطِيلِ الْعَمَلِيِّ لِلْعِبَادَةِ، لِيَبْقَى التَّمَيُّزُ فَقَطْ لِأَهْلِ الْأَثَرِ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ بِصِفَاتِهِ كَمَا أَنْزَلَهَا، فَاسْتَغْنَوْا بِقُرْبِهِ عَنْ كُلِّ وَسِيطٍ، وَبِعِزَّتِهِ عَنْ كُلِّ ضَرِيحٍ.
-------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]:
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ"، ص ٨٨. (٢) يُنْظَرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، "تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ"، ج ١، ص ٣٤. (٣) يُنْظَرُ: التَّمِيمِيُّ، "دِرَاسَاتٌ فِي تَوْحِيدِ الْأَنْبِيَاءِ"، ص ١١٢. (٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ سِنْدِي، "الْمَنْهَجُ الْعَقَدِيُّ لِلْأَشَاعِرَةِ"، مَوْقِعُ الشَّيْخِ.
 (٥) قَاعِدَةٌ: كُلُّ مُعَطِّلٍ لِلصِّفَاتِ فِيهِ لَوْثَةٌ مِنَ الشِّرْكِ الْقَصْدِيِّ لِضَعْفِ مَعْرِفَتِهِ بِالْمَعْبُودِ. 
(٦) تَنْبِيهٌ: حَصْرُ التَّوْحِيدِ فِي "تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ" هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي بَابِ الْعِبَادَةِ.
 (٧) فَائِدَةٌ: مَنْ نَفَى (الْعُلُوَّ) نَفَى مَعَهُ (الِافْتِقَارَ) لِجِهَةِ الْقَصْدِ الْأَعْلَى، فَتَوَجَّهَ قَلْبُهُ لِلْقَبْرِ. 
(٨) ضَابِطٌ: التَّمَيُّزُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَوْحِيدِ "الْخَبَرِ" وَتَوْحِيدِ "الْإِرَادَةِ".
 (٩) نُكْتَةٌ: كَيْفَ يَنْفُونَ (الْغَضَبَ) عَنِ اللَّهِ وَيَخَافُونَ مِنْ غَضَبِ "الْوَلِيِّ" الْمَيِّتِ؟
 (١٠) مَصْدَرٌ: "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" لِابْنِ الْقَيِّمِ. 
(١١) إِشَارَةٌ: التَّأْوِيلُ مَطِيَّةُ التَّعْطِيلِ، وَالتَّعْطِيلُ مَطِيَّةُ التَّنْدِيدِ. (١٢) تَحْقِيقٌ: الصِّفَاتُ هِيَ مِحْرَابُ الْعِبَادَةِ، وَتَعْطِيلُهَا تَعْطِيلٌ لِلْعُبُودِيَّةِ. 
(١٣) فَصْلٌ: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ فِي إِثْبَاتٍ بِلَا تَمْثِيلٍ وَتَنْزِيهٍ بِلَا تَعْطِيلٍ. 
(١٤) زِيَادَةٌ: عُبَّادُ الْقُبُورِ خَلَفُ الْمُعَطِّلَةِ فِي جَفَافِ الْقُلُوبِ.
 (١٥) خَاتِمَةٌ: بِهَذَا نَرْبِطُ بَيْنَ فَسَادِ النَّظَرِ وَقُبْحِ الْأَثَرِ.
----------------------------[٨٩]----------------------------
[التتمة (١)الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ:
 تَأْوِيلَاتُ الْأَشَاعِرَةِ وَلَوَازِمُ التَّفْوِيضِ وَأَثَرُهَا فِي ضَعْفِ الْأُلُوهِيَّةِ - الْمُتَمِّمَةُ أُولَى]
أَوَّلًا: مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ:
يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَبْحَثُ الرَّبْطَ بَيْنَ الِانْحِرَافِ فِي بَابِ الْخَبَرِ (الصِّفَاتِ) وَالْخَلَلِ فِي بَابِ الطَّلَبِ (الْعِبَادَةِ). 
وَالتَّأْوِيلُ: فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ (الْأَوْلِ) وَهُوَ الرُّجُوعُ بِاللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ،
 وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: صَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ لِدَلِيلٍ يَظُنُّونَهُ. 
أَمَّا التَّفْوِيضُ فَمِنْ (رَدِّ الْأَمْرِ) إِلَى صَاحِبِهِ. 
وَالْحَدُّ الْجَامِعُ لِهَذَا الْمَبْحَثِ: "هُوَ بَيَانُ أَنَّ تَعْطِيلَ الصِّفَاتِ عَبْرَ مَسْلَكَيِ التَّأْوِيلِ وَالتَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ قَدْ أَوْرَثَ جَفَاءً فِي مَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ، مِمَّا أَضْعَفَ جَانِبَ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ فِي إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْقَصْدِ". 
١- فَالْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ لِلْأَشَاعِرَةِ هُوَ (التَّأْوِيلُ) حَيْثُ حَرَّفُوا حَقَائِقَ الصِّفَاتِ (كَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالْمَحَبَّةِ) إِلَى مَعَانٍ مَجَازِيَّةٍ بَارِدَةٍ بِنِيَّةِ "التَّنْزِيهِ" الْمُدَّعَى، مِمَّا سَلَبَ النُّصُوصَ هَيْبَتَهَا فِي نُفُوسِ الْعَوَامِّ.
٢- أَمَّا الْمَسْلَكُ الثَّانِي : فَهُوَ (التَّفْوِيضُ الْبِدْعِيُّ)، وَهُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَفْهَمُوا "أَصْلَ الْمَعْنَى"، فَجَعَلُوا الْقُرْآنَ طِلَسْمَاتٍ مَجْهُولَةً
٣-  بَيْنَمَا تَفْوِيضُ السَّلَفِ هُوَ فِي "أَصْلِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ" وتفويض السلميين في "حَقِيقَةِ الْمَعْنَى وَكُنْهِهِ" (أَيِ الْكَيْفِ) لَا . 
٤- وَلَازِمُ هَذَا التَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ خَطِيرٌ جِدًّا؛ إِذْ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَنَا بِمَا لَا نَعْقِلُهُ، مِمَّا يَفْتَحُ بَابَ الشِّرْكِ لِلْعَوَامِّ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مَعْبُوداً مَعْرُوفاً، فَلَمَّا حُرِمُوا مَعْرِفَةَ رَبِّهِمْ بِصِفَاتِهِ، تَعَلَّقُوا بِالْمَقْبُورِينَ الْمَحْسُوسِينَ.

ثَانِيًا: بَيَانُ لَوَازِمِ التَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ وَأَثَرُهُ عَلَى تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ:
١- إِنَّ لَازِمَ الْقَوْلِ بِتَفْوِيضِ (أَصْلِ الْمَعْنَى) هُوَ تَعْطِيلُ الِانْتِفَاعِ بِالْقُرْآنِ كَهُدًى وَنُورٍ؛ فَإِذَا كَانَتْ آيَاتُ الصِّفَاتِ (وَهِيَ ثُلُثُ الْقُرْآنِ) مَجْهُولَةَ الْمَعْنَى، بَطَلَ التَّعَبُّدُ بِهَا قَلْبِيًّا. 
٢- وَهَذَا التَّجْهِيلُ يُؤَدِّي ضَرُورَةً إِلَى مَحْقِ التَّمَيُّزِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِنَّمَا يَتَمَيَّزُ بِصِدْقِ تَوَجُّهِهِ لِرَبٍّ يَعْرِفُ مَحَبَّتَهُ وَرِضَاهُ وَقُرْبَهُ 
١- فَالْأَشَاعِرَةُ بِمَسْلَكِ التَّأْوِيلِ نَفَوْا صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، ٢- وَبِمَسْلَكِ التَّفْوِيضِ نَفَوْا فَهْمَ حَقَائِقِ الذَّاتِ، مِمَّا صَيَّرَ "الْأُلُوهِيَّةَ" عِنْدَهُمْ جَانِباً مَهْجُوراً لِحِسَابِ "الرُّبُوبِيَّةِ" (الْخَلْقِ). 
فَالْعَامِيُّ إِذَا سَمِعَ أَنَّ صِفَةَ (الْعَيْنِ) لَيْسَتْ حَقِيقَةً وَأَنَّ مَعْنَاهَا مَجْهُولٌ، لَمْ يَسْتَحْضِرْ رَقَابَةَ اللَّهِ كَمَا يَنْبَغِي، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ صَرْفُ الِانْكِسَارِ لِصَاحِبِ الْقَبْرِ.
 إِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُفَوِّضُونَ (أصل المعني اللغوي) لَا (حقيقة المعنى)، فَيَعْلَمُونَ أَنَّ "الِاسْتِوَاءَ" مَعْلُومٌ وَلَكِنَّ "الْكَيْفَ" مَجْهُولٌ، وَبِهَذَا حَفِظُوا التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ بَيْنَ مَعْبُودٍ عَظِيمٍ مَعْلُومٍ بِصِفَاتِهِ، وَبَيْنَ مَخْلُوقٍ فَقِيرٍ
قلت :وَالشيخ المجدد يُقَرِّرُ أَنَّ جَمِيعَ شِرْكِيَّاتِ الْقُبُورِ تَنْتَسِبُ لِهَذَا الْجَفَافِ الَّذِي خَلَّفَهُ التَّأْوِيلُ وَالتَّجْهِيلُ فِي عَقُولِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ.

ثَالِثًا: رَبْطُ النَّصِّ (رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ):
يَقُولُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ بِأَنَّهُ يَعْبُدُ إِلَهًا مَوْصُوفًا بِكَمَالِ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ، لَا يُشَبِّهُهُ بِخَلْقِهِ وَلَا يُعَطِّلُ مَا أَثْبَتَهُ، وَأَمَّا أَهْلُ الشُّبَهِ فَيَعْبُدُونَ عَدَمًا أَوْ مَجْهُولًا بِمَسَالِكِ التَّحْرِيفِ، فَلَمَّا فَقَدُوا حَقِيقَةَ الْمَعْبُودِ فِي قُلُوبِهِمْ، طَلَبُوهُ فِي الْمَشَاهِدِ وَالْأَوْثَانِ، فَالْمُوَحِّدُ مَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ فَأَفْرَدَ رَبَّهُ بِالذَّاتِ، وَالْمُشْرِكُ مَنْ عَطَّلَ الصِّفَاتِ فَأَشْرَكَ مَعَهُ الْأَمْوَاتَ" (١).

رَابِعًا: نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ:

١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يَقُولُ: "إِنَّ مَسْلَكَ التَّفْوِيضِ الَّذِي يَنْسِبُهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِلسَّلَفِ هُوَ شَرُّ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَخْبَثُهَا؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَجْهِيلَ خَيْرِ الْقُرُونِ بِمَعَانِي الْوَحْيِ، وَهُوَ تَعْطِيلٌ لِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ بِالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ". (٨) 
وَيُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا التَّجْهِيلَ هُوَ السَّبَبُ فِي تَمْيِيعِ قَضَايَا التَّوْحِيدِ الْعَمَلِيِّ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَى صِفَاتِ رَبِّهِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُفْرِدَهُ بِالْعِبَادَةِ عَلَى بَصِيرَةٍ. فَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيُّزُ يُثْبِتُ الْمَعْنَى اللَّائِقَ بِاللَّهِ لِيَمْتَلِئَ قَلْبُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، بَيْنَمَا الْمُفَوِّضُ يَبْقَى قَلْبُهُ خَاوِيًا مِنْ آثَارِ الصِّفَاتِ، فَيَلْتَمِسُ تَعْظِيمَ الْمَخْلُوقِينَ نِيَابَةً عَنْ تَعْظِيمِ الْخَالِقِ الْمَجْهُولِ عِنْدَهُ. (١)
٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يَقُولُ: "إِنَّ الْأَشَاعِرَةَ حِينَمَا سَلَكُوا مَسْلَكَ التَّأْوِيلِ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ، إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِتَقْدِيمِهِمُ الْقَوَاعِدَ الْعَقْلِيَّةَ الْبِدْعِيَّةَ عَلَى نُصُوصِ الْوَحْيِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَعْطِيلِ جَانِبِ الْأُلُوهِيَّةِ فِعْلًا". (٨) وَيُبَيِّنُ أَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ يَنْقُضُ هَذَا الْمَسْلَكَ؛ لِأَنَّ الِارْتِبَاطَ بِالصِّفَاتِ هُوَ الَّذِي يُحَقِّقُ مَعْنَى الِافْتِقَارِ لِلَّهِ. فَإِذَا أَوَّلَ الْعَالِمُ (الرَّحْمَةَ) بِإِرَادَةِ الْإِنْعَامِ، فَقَدْ جَفَّفَ مَعْنَى الْقُرْبِ الْإِلَهِيِّ، مِمَّا يَدْفَعُ الْعَوَامَّ لِلتَّعَلُّقِ بِأَصْحَابِ الْقُبُورِ بَحْثًا عَنْ رَحْمَةٍ مَحْسُوسَةٍ. فَالْبَاحِثُ يَرَى أَنَّ التَّأْوِيلَ هُوَ مِعْوَلُ هَدْمِ التَّوْحِيدِ الَّذِي يَصْرِفُ النَّاسَ عَنِ الْخَالِقِ إِلَى الْمَخْلُوقِ بِحُجَجٍ نَحْوِيَّةٍ بَارِدَةٍ. (٢)
٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يَقُولُ: "التَّفْوِيضُ عِنْدَ السَّلَفِ هُوَ لِلْكَيْفِيَّةِ لَا لِلْمَعْنَى، وَمَنْ خَلَطَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ ظَلَمَ مَنْهَجَ الصَّحَابَةِ؛ فَنَحْنُ نَعْرِفُ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ لُغَةً وَلَكِنَّنَا نَجْهَلُ كَيْفِيَّةَ اسْتِوَائِهِ سُبْحَانَهُ". (٨) وَيُوضِّحُ أَنَّ لَازِمَ تَفْوِيضِ الْمَعْنَى هُوَ "التَّجْهِيلُ" الَّذِي مَهَّدَ لِلشِّرْكِ الْقُبُورِيِّ؛ لِأَنَّ الدِّينَ إِذَا صَارَ مَجْهُولًا، تَخَطَّفَتِ الشَّيَاطِينُ عُقُولَ النَّاسِ نَحْو الْأَوْثَانِ. فَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ بِإِثْبَاتِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تُثْمِرُ ذُلًّا وَخُضُوعًا لِلَّهِ وَحْدَهُ. فَالْتَّجْهِيلُ لَيْسَ عِلْمًا، بَلْ هُوَ سَتَّارٌ لِلتَّعْطِيلِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى صَرْفِ حَقِّ اللَّهِ لِغَيْرِهِ مِنْ غُيَّابِ الْقُبُورِ وَأَهْلِ الضَّلَالِ. (٣)
خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ مَسْلَكَيِ (التَّأْوِيلِ) وَ(التَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ) هُمَا جَنَاحَا الطَّائِرِ الَّذِي يُحَلِّقُ بِالْأُمَّةِ بَعِيداً عَنْ مَرْفَأِ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ "التَّأْوِيلَ" هُوَ مَوْتُ الصِّفَةِ فِي الْعَقْلِ، وَ"التَّفْوِيضَ" هُوَ دَفْنُهَا فِي الْجَهْلِ؛ وَكِلَاهُمَا يَقُودُ إِلَى ضَعْفِ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ. فَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيُّزُ يُدْرِكُ أَنَّ رَبَّهُ خَاطَبَهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ لِيُعْرَفَ وَيُعْبَدَ، لَا لِيُؤَوَّلَ وَيُجْهَلَ. فَمَنْ نَفَى عَنِ اللَّهِ حَقِيقَةَ (الْفَوْقِيَّةِ) جَعَلَ قَلْبَهُ يَهْوِي إِلَى الْأَرْضِ لِيَسْجُدَ عِنْدَ قَبْرٍ، وَمَنْ نَفَى حَقِيقَةَ (السَّمْعِ) لَمْ يَجِدْ غَضَاضَةً فِي نِدَاءِ الْمَيِّتِ. إِنَّ التَّمَيُّزَ الْحَقَّ يَبْدَأُ مِنْ "تَوْحِيدِ الْخَبَرِ" لِيَنْتَهِيَ بِـ "تَوْحِيدِ الطَّلَبِ"، وَكُلُّ تَعْطِيلٍ لِلْأَوَّلِ هُوَ خَدْشٌ لِلثَّانِي، وَبِهَذَا نُحَصِّنُ الْعَقِيدَةَ مِنْ لَوَازِمِ التَّجْهِيلِ الَّتِي أَفْسَدَتْ عَلَى النَّاسِ دِينَهُمْ وَتَمَيُّزَهُمْ.
-------------------&
حاشية
(١) يُنْظَرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْقَاهِرَةُ، ط ١، ١٤٢١هـ، ص ٥٥-٥٨.
(٢) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ فِي أُصُولِ التَّأْوِيلِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الرِّيَاضُ، ط ٢، ١٤٢٥هـ، ص ١١٢-١١٥.
(٣) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي، الرَّدُّ عَلَى الْمُفَوِّضَةِ وَبَيَانُ مَذْهَبِ السَّلَفِ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ، مَقَالٌ عِلْمِيٌّ مُحَقَّقٌ.
(٤) [قَاعِدَةٌ]: السَّلَفُ يُثْبِتُونَ الْمَعْنَى وَيُفَوِّضُونَ الْكَيْفَ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُفَوِّضُونَ الْمَعْنَى وَيَقَعُونَ فِي التَّجْهِيلِ.
(٥) [تَنْبِيهٌ]: مَنْ زَعَمَ أَنَّ "الِاسْتِوَاءَ" هُوَ "الِاسْتِيلَاءُ" فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ مَغْلُوباً كَانَ مُنَازَعاً فِي عَرْشِهِ، وَهَذَا سُوءُ أَدَبٍ.
(٦) [فَائِدَةٌ]: التَّمَيُّزُ الْعَقَدِيُّ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَعْبُودُكَ مَعْلُومَ الصِّفَاتِ حَتَّى تَصِحَّ عِبَادَتُكَ لَهُ بِالْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ.
(٧) [ضَابِطٌ]: التَّأْوِيلُ بِدُونِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ هُوَ تَلَاعُبٌ بِالدِّينِ، وَالتَّفْوِيضُ لِلْمَعْنَى هُوَ تَجْهِيلٌ لِلْوَحْيِ الْمُبِينِ.
(٨) [نُكْتَةٌ]: كَيْفَ يُؤَوِّلُونَ (الْغَضَبَ) لِيَفِرُّوا مِنَ التَّشْبِيهِ ثُمَّ يَخَافُونَ مِنْ غَضَبِ (الْوَلِيِّ) فِي قَبْرِهِ؟
(٩) [مَصْدَرٌ]: يُرْجَعُ لِكِتَابِ دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج ١، ص ٢٠١، طَبْعَةُ جَامِعَةِ الْإِمَامِ.
(١٠) [إِشَارَةٌ]: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ فِي إِثْبَاتٍ بِلَا تَمْثِيلٍ كَمَا هُوَ مَنْهَجُ الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ فِي تَعْظِيمِ الرَّبِّ.
(١١) [تَحْقِيقٌ]: التَّأْوِيلُ الْمَذْمُومُ هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ الْمُعَطِّلَةِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِّرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ فِي صِفَاتِهِ.
(١٢) [فَصْلٌ]: الشِّرْكُ الْعَمَلِيُّ نَتِيجَةٌ لِلْخَلَلِ النَّظَرِيِّ؛ فَمَنْ عَطَّلَ الرَّبَّ عَنْ كَمَالِهِ جَعَلَ لَهُ شُرَكَاءَ فِي أَفْعَالِهِ.
(١٣) [زِيَادَةٌ]: السَّلَفُ لَمْ يُفَوِّضُوا الْمَعَانِي قَطُّ، بَلْ كَانُوا أَعْلَمَ النَّاسِ بِتَفْسِيرِ الصِّفَاتِ وَآثَارِهَا الْإِيمَانِيَّةِ.
(١٤) [خَاتِمَةٌ]: بِهَذَا نُثْبِتُ أَنَّ التَّمَيُّزَ يَبْدَأُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ بِصِفَاتِهِ كَمَا جَاءَتْ فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ.
(١٥) [أَثَرٌ]: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِصِفَاتِهِ اسْتَغْنَى عَنْ سُؤَالِ خَلْقِهِ وَإِنْ بَلَغُوا مَا بَلَغُوا مِنَ الصَّلَاحِ.
------------------------[٩٠]-------------------
[المتممة (٢)الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: نَقْضُ أُصُولِ أَهْلِ التَّجْهِيلِ وَلَوَازِمِ التَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ - الْمُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ]
أَوَّلًا: مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ:
يَسْتَكْمِلُ هَذَا الْمَبْحَثُ تَقْوِيضَ أَرْكَانِ "أَهْلِ التَّجْهِيلِ" الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَفْهَمُوا مَعَانِيَ الصِّفَاتِ، مِمَّا صَيَّرَ الْوَحْيَ أَلْغَازاً.
 وَالتَّجْهِيلُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ (الْجَهْلِ)، وَهُوَ ضِدُّ الْعِلْمِ، وَقَدْ جَعَلُوا خَيْرَ الْقُرُونِ جَاهِلِينَ بِأَعْظَمِ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ.
 أَمَّا الْحَدُّ الْجَامِعُ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ: "هُوَ نَفْيُ دَلَالَةِ نُصُوصِ الصِّفَاتِ عَلَى مَعَانٍ مَفْهُومَةٍ بِزَعْمِ صِيَانَةِ جَنَابِ الرَّبِّ عَنِ التَّشْبِيهِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَعْطِيلِ قُوَّةِ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ فِي الْقُلُوبِ". 
وَالْمَضْمُونُ هُنَا يَكْشِفُ عَنْ خَطَرِ هَذَا الْمَسْلَكِ الَّذِي يَنْتَهِي بِالْمُكَلَّفِ إِلَى عِبَادَةِ "مَجْهُولٍ" لَا يُعْرَفُ لَهُ صِفَةٌ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ فِعْلٌ، وَهَذَا هُوَ التَّمْهِيدُ الْأَكْبَرُ لِلْغُلُوِّ فِي الْبَشَرِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ إِذَا جُهِّلَتْ بِمَعْرِفَةِ خَالِقِهَا، الْتَمَسَتِ الْكَمَالَ فِي مَخْلُوقَاتٍ تَرَاهَا وَتَعْرِفُ مَعَانِيَ أَفْعَالِهَا.
 إِنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَقُومُ عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي يُثْمِرُ الْخَشْيَةَ، بَيْنَمَا أَهْلُ التَّجْهِيلِ يَبْنُونَ عَقِيدَتَهُمْ عَلَى حِيرَةٍ تُفْضِي إِلَى الشِّرْكِ الْعَمَلِيِّ؛ لِأَنَّ مَنْ جَهِلَ عُلُوَّ اللَّهِ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَقُدْرَتَهُ كَمَا أَرَادَ اللَّهُ، بَحَثَ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَ "أَقْطَابِ" الصُّوفِيَّةِ وَأَصْحَابِ الْأَضْرِحَةِ، وَهَذَا هُوَ لَازِمُ التَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ الَّذِي يَهْدِمُ أَصْلَ الْأُلُوهِيَّةِ.

ثَانِيًا: تَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَ تَفْوِيضِ السَّلَفِ وَتَفْوِيضِ الْمُتَكَلِّمِينَ:
يُفَصِّلُ هَذَا الْمَقَامُ فِي أَنَّ السَّلَفَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ كَانُوا يُفَوِّضُونَ "حَقِيقَةَ الْمَعْنَى وَكُنْهَهُ" (أَيِ الْكَيْفِيَّةَ)، فَيَقُولُونَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ (أَيْ مَعْنَى الْعُلُوِّ مَفْهُومٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ)، وَلَكِنَّ الْكَيْفَ مَجْهُولٌ. أَمَّا "أَهْلُ التَّجْهِيلِ" مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَدْ فَوَّضُوا "أَصْلَ الْمَعْنَى"، فَجَعَلُوا لَفْظَ (الِاسْتِوَاءَ) كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا، وَهَذَا بَاطِلٌ يُنَاقِضُ التَّمَيُّزَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ. فَإِذَا صَارَ التَّوْحِيدُ مُجَرَّدَ أَلْفَاظٍ لَا تُفْهَمُ مَعَانِيهَا، بَطَلَتِ الْأُلُوهِيَّةُ الَّتِي هِيَ الِانْجِذَابُ إِلَى الْمَعْبُودِ بِكَمَالِ صِفَاتِهِ.
 وَالْبَاحِثُ يُبَيِّنُ أَنَّ لَازِمَ هَذَا التَّجْهِيلِ هُوَ جَعْلُ الْعَوَامِّ لُقْمَةً سَائِغَةً لِدُعَاةِ الْبِدَعِ، حَيْثُ يُوهِمُونَهُمْ أَنَّ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةَ مَجْهُولَةٌ بَيْنَمَا "كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ" مَعْلُومَةٌ وَمَلْمُوسَةٌ، فَيَصْرِفُونَ الْقُلُوبَ إِلَى الْمَقْبُورِينَ تَعْلِيقاً وَطَلَباً.
 وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْمَعْنَى كَمَا فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ لِيَتَحَقَّقَ التَّوْحِيدُ الْعَمَلِيُّ الصَّحِيحُ.

ثَالِثًا: رَبْطُ النَّصِّ (نَصُّ رِسَالَةِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ):
"يَتَمَيَّزُ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ: بِإِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، وَمَا أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ. فَالْمُسْلِمُ يَعْرِفُ مَعْبُودَهُ بِصِفَاتِهِ، وَالْمُشْرِكُ يَجْهَلُ صِفَاتِ رَبِّهِ، فَيَقَعُ فِي الشِّرْكِ لِجَهْلِهِ بِعَظَمَةِ خَالِقِهِ. 
وَالتَّفْوِيضُ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ هُوَ تَفْوِيضُ الْكَيْفِيَّةِ لَا الْمَعْنَى، فَالْمَعْنَى مَعْلُومٌ لُغَةً، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَجْهَلُونَ الْمَعَانِي فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى سَلَفِ الْأُمَّةِ" (١).
رَابِعًا: نُقُولُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ:
١. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يَقُولُ: "إِنَّ قَوْلَ أَهْلِ التَّجْهِيلِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ هُوَ التَّفْوِيضُ، هُوَ مِنْ أَخْبَثِ الْأَقْوَالِ وَأَشَدِّهَا ضَرَراً عَلَى الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَفْهَمُوا الْقُرْآنَ. وَهَذَا المَسْلَكُ يَهْدِمُ أَصْلَ التَّمَيُّزِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ الرُّسُلُ، فَالرُّسُلُ جَاءُوا لِيُعَرِّفُوا النَّاسَ بِرَبِّهِمْ، لَا لِيَزِيدُوهُمْ جَهْلاً بِهِ. وَمَنْ فَقَدَ فَهْمَ مَعَانِي الصِّفَاتِ، فَقَدَ تَعْظِيمَ الْمَعْبُودِ فِي قَلْبِهِ، مِمَّا يَدْفَعُهُ إِلَى التَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ الْمَخْلُوقَةِ وَالْقُبُورِ، لِأَنَّ الْمَعْبُودَ الصَّمَدَ صَارَ عِنْدَهُ مَجْهُولَ الْكَمَالِ، فَلَا يَصِحُّ تَوْحِيدُهُ إِلَّا بِتَحْقِيقِ الْإِثْبَاتِ الْمَعْلُومِ بِلَا تَكْيِيفٍ". (٨)
٢. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يَقُولُ: "لَقَدْ كَانَ لِلتَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ أَثَرٌ بَالِغٌ فِي ظُهُورِ الشِّرْكِ فِي الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ مَنْ جَهِلَ صِفَاتِ الرَّبِّ لَمْ يَقْدِرِ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرِ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ صَرَفَ عِبَادَتَهُ لِغَيْرِهِ. فَالْمُتَكَلِّمُونَ حِينَمَا جَعَلُوا نُصُوصَ الصِّفَاتِ مَجْهُولَةَ الْمَعَانِي، فَتَحُوا الْبَابَ لِأَهْلِ التَّصَوُّفِ وَالْقُبُورِيَّةِ لِيَضَعُوا مَعَانِيَ مُبْتَدَعَةً لِلتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ عَبْرَ الْوَسَائِطِ. وَالتَّمَيُّزُ الْحَقُّ يَكُونُ بِاتِّبَاعِ السَّلَفِ فِي إِثْبَاتِ الْمَعَانِي لِتَحْقِيقِ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، فَالْمُوَحِّدُ يَعْبُدُ رَبًّا سَمِيعًا بَصِيرًا فَوْقَ عَرْشِهِ، بَيْنَمَا الْمُجَهِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا لَا مَعْنَى لَهُ، فَيَبْحَثُ عَنْ مَعْبُودِهِ فِي الْأَضْرِحَةِ وَالْمَشَاهِدِ الْقَبْرِيَّةِ لِيَمْلَأَ فَرَاغَ قَلْبِهِ". (٨)
٣. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يَقُولُ: "التَّفْوِيضُ عِنْدَ السَّلَفِ هُوَ تَفْوِيضُ الْكُنْهِ وَالْحَقِيقَةِ، أَمَّا الْمَعْنَى فَهُمْ يَعْلَمُونَهُ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ التَّجْهِيلِ الْمَذْمُومِ. وَهَذَا التَّجْهِيلُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ التَّوْحِيدَ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَضِيَّةً ذِهْنِيَّةً بَعِيدَةً عَنِ الْوَاقِعِ الْعَمَلِيِّ وَالِافْتِقَارِ لِلَّهِ. فَالْمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ بِأَنَّهُ يَدْعُو اللَّهَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِي يَعْلَمُ مَعْنَاهَا، فَيَعْرِفُ أَنَّ رَبَّهُ قَرِيبٌ يُجِيبُ، بَيْنَمَا مَنْ فَوَّضَ الْمَعْنَى فَقَدْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّعَاءِ سَدًّا، فَلَجَأَ إِلَى الْمَقْبُورِينَ لِيَكُونُوا وَسَائِطَ لَهُ. فَالْتَّمَيُّزُ يُنْقَضُ مِنْ أَصْلِهِ إِذَا دَخَلَهُ التَّجْهِيلُ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْمَعْبُودِ هُوَ قَائِدُ الْإِخْلَاصِ، وَالْجَهْلُ بِهِ هُوَ مَطِيَّةُ التَّنْدِيدِ وَالِانْحِرَافِ". (٨)

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:

الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَقُومُ عَلَى دِعَامَةِ (الْعِلْمِ بِالْمَعْبُودِ)، وَكُلُّ مَسْلَكٍ يَرُومُ تَجْهِيلَ صِفَاتِ الرَّبِّ فَهُوَ مَسْلَكٌ يَهْدِمُ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ لَازِمَ مَذْهَبِ "أَهْلِ التَّجْهِيلِ" هُوَ نِسْبَةُ الْعِيِّ لِلشَّارِعِ، وَتَعْطِيلُ الْعِبَادَةِ لِلْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ لَا يَنْجَذِبُ إِلَى مَجْهُولٍ. فَمَنْ جَعَلَ صِفَاتِ اللَّهِ طِلَسْمَاتٍ، بَحَثَ عَنْ "الْقُدْرَةِ" وَ"النَّفْعِ" عِنْدَ الْمَقْبُورِينَ الَّذِينَ يُحْسِنُ عِبَادُ الْقُبُورِ تَوْصِيفَهُمْ بِالْبَاطِلِ. فَالْمُسْلِمُ الْمُتَمَيُّزُ هُوَ الَّذِي يَقْرَأُ (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) فَيَفْهَمُ مَعْنَى الْعُلُوِّ الَّذِي يَقْتَضِي عِزَّةَ الرَّبِّ، فَيَسْتَنْكِفُ أَنْ يَذِلَّ لِقَبْرٍ فِي الْأَرْضِ. وَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمِلَّةِ يَقْتَضِي رَفْضَ التَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّوْحِيدَ جَسَداً بِلَا رُوحٍ، وَصَيَّرَ الْأُمَّةَ تَائِهَةً بَيْنَ عَقْلِيَّاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَشِرْكِيَّاتِ الْقُبُورِيِّينَ، لِيَبْقَى التَّمَيُّزُ لِأَهْلِ الْأَثَرِ الْعَالِمِينَ بِرَبِّهِمْ، الْمُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
---------------------------------&
[حاشية]
(١) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ، ص ٩١.
(٢) يُنْظَرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ج ١، ص ٣٤.
(٣) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ، دِرَاسَاتٌ فِي تَوْحِيدِ الْأَنْبِيَاءِ، ص ١١٢.
(٤) يُنْظَرُ: صَالِحُ سِنْدِي، الْمَنْهَجُ الْعَقَدِيُّ لِلْأَشَاعِرَةِ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ.
(٥) [قَاعِدَةٌ]: كُلُّ مُعَطِّلٍ لِلصِّفَاتِ فِيهِ لَوْثَةٌ مِنَ الشِّرْكِ الْقَصْدِيِّ لِضَعْفِ مَعْرِفَتِهِ بِالْمَعْبُودِ.
(٦) [تَنْبِيهٌ]: حَصْرُ التَّوْحِيدِ فِي "تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ" هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي بَابِ الْعِبَادَةِ.
(٧) [فَائِدَةٌ]: مَنْ نَفَى (الْعُلُوَّ) نَفَى مَعَهُ (الِافْتِقَارَ) لِجِهَةِ الْقَصْدِ الْأَعْلَى، فَتَوَجَّهَ قَلْبُهُ لِلْقَبْرِ.
(٨) [ضَابِطٌ]: التَّمَيُّزُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَوْحِيدِ "الْخَبَرِ" وَتَوْحِيدِ "الْإِرَادَةِ".
(٩) [نُكْتَةٌ]: كَيْفَ يَنْفُونَ (الْغَضَبَ) عَنِ اللَّهِ وَيَخَافُونَ مِنْ غَضَبِ "الْوَلِيِّ" الْمَيِّتِ؟
(١٠) [مَصْدَرٌ]: "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" لِابْنِ الْقَيِّمِ.
(١١) [إِشَارَةٌ]: التَّأْوِيلُ مَطِيَّةُ التَّعْطِيلِ، وَالتَّعْطِيلُ مَطِيَّةُ التَّنْدِيدِ.
(١٢) [تَحْقِيقٌ]: الصِّفَاتُ هِيَ مِحْرَابُ الْعِبَادَةِ، وَتَعْطِيلُهَا تَعْطِيلٌ لِلْعُبُودِيَّةِ.
(١٣) [فَصْلٌ]: تَمَيُّزُ الْمُسْلِمِ فِي إِثْبَاتٍ بِلَا تَمْثِيلٍ وَتَنْزِيهٍ بِلَا تَعْطِيلٍ.
(١٤) [زِيَادَةٌ]: عُبَّادُ الْقُبُورِ خَلَفُ الْمُعَطِّلَةِ فِي جَفَافِ الْقُلُوبِ.
(١٥) [خَاتِمَةٌ]: بِهَذَا نَرْبِطُ بَيْنَ فَسَادِ النَّظَرِ وَقُبْحِ الْأَثَرِ.
------------------------------[٩١]--------------------------
[الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: الْقَوَاعِدُ السَّلَفِيَّةُ فِي الصِّفَاتِ وَأَثَرُهَا فِي تَحْقِيقِ التَّمَيُّزِ - الْمُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ]
أَوَّلًا: مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ):
١. قَاعِدَةُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ التَّوْقِيفِيُّ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (الْوَقْفِ) وَهُوَ الْكَفُّ، وَحَدُّهَا: "اقْتِصَارُ نَعْتِ الرَّبِّ عَلَى مَجِيءِ النَّصِّ". (١)
٢. قَاعِدَةُ مَعْلُومِيَّةِ الْمَعْنَى وَتَفْوِيضِ الْكَيْفِ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (الْعِلْمِ) وَ(التَّفْوِيضِ)، وَحَدُّهَا: "إِثْبَاتُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ وَرَدُّ الْكُنْهِ". (٢)
٣. قَاعِدَةُ الْكَلَامِ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنِ الذَّاتِ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (التَّفَرُّعِ)، وَحَدُّهَا: "إِجْرَاءُ حُكْمِ الصِّفَةِ مَجْرَى مَوْصُوفِهَا". (٣)
٤. قَاعِدَةُ التَّمَاثُلِ فِي الصِّفَاتِ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (الِاسْتِلْزَامِ)، وَحَدُّهَا: "عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ فِي الْإِثْبَاتِ الْخَبَرِيِّ". (٤)
٥. قَاعِدَةُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَالْفَارِقِ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (الشَّرِكَةِ) وَ(الْفَصْلِ)، وَحَدُّهَا: "اتِّحَادُ أَصْلِ الْمَعْنَى ذِهْنِيًّا وَتَبَايُنُهُ إِضَافَةً". (٥)


ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
لِلْأُولَى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ» (رواه البخاري).
لِالتَّانِيَةِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا» (رواه البخاري).
لِلتَّالِثَةِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ» (رواه البخاري).
لِلرَّابِعَةِ: ﴿أَفَسَمِعَ أَمْ بَصُرَ﴾ [مريم: ٤٢]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ» (رواه مسلم).
لِلْخَامِسَةِ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا» (رواه البخاري).

ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ:

١- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (٦): يُقَرِّرُ أَنَّ الصِّفَاتِ كُلَّهَا بَابٌ وَاحِدٌ، فَمَنْ أَثْبَتَ صِفَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْإِرَادَةِ لَزِمَهُ أَنْ يُثْبِتَ صِفَةَ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِيهَا وَاحِدٌ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهَا تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ بِزَعْمِ التَّنْزِيهِ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ عَدَماً، لِأَنَّ الذَّاتَ الْمُجَرَّدَةَ عَنِ الصِّفَاتِ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْخَارِجِ. وَيُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنِ الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ، فَكَمَا أَنَّنَا نُثْبِتُ لِلَّهِ ذَاتاً حَقِيقِيَّةً لَا تُشْبِهُ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، فَنَحْنُ نُثْبِتُ لَهُ صِفَاتٍ حَقِيقِيَّةً لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. كَمَا يُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَعَانِيَ مَجْهُولَةٌ فَقَدْ طَعَنَ فِي بَيَانِ الْقُرْآنِ. وَيَرَى أَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ يَبْدَأُ مِنْ إِثْبَاتِ هَذِهِ الْحَقَائِقِ كَمَا وَرَدَتْ لِيَكُونَ مَعْبُودُنَا مَعْرُوفاً لَنَا بِصِفَاتِ كَمَالِهِ الَّتِي نَتَعَبَّدُ لَهُ بِمُقْتَضَاهَا دُونَ حِيرَةٍ أَوْ تَعْطِيلٍ.

٢-الشَّيْخُ مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ (٧): يَرَى أَنَّ قَاعِدَةَ "الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ" هِيَ أَعْظَمُ سِلَاحٍ لِدَفْعِ شُبُهَاتِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ؛ فَالِاسْمُ الْعَامُّ قَبْلَ الْإِضَافَةِ يَفْهَمُهُ الْعَقْلُ، وَبِالْإِضَافَةِ يَقَعُ التَّمَيُّزُ الَّذِي لَا يُشْرِكُ فِيهِ اللَّهَ أَحَدٌ. وَيُحَذِّرُ مِنْ خَطَرِ مَسْلَكِ أَهْلِ التَّجْهِيلِ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَمُرُّونَ عَلَى النُّصُوصِ بِلَا فَهْمٍ، مُؤَكِّداً أَنَّ مَنْ جَهِلَ صِفَاتِ رَبِّهِ انْفَتَحَ لَهُ بَابُ الشِّرْكِ فِي الْأُلُوهِيَّةِ صَرِيحاً. وَيُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ الْحَقَّ هُوَ فِي الِارْتِبَاطِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَمَصْدَرَيْنِ تَوْقِيفِيَّيْنِ لَا يُتَجَاوَزَانِ فِي نَعْتِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصِّفَاتِ فَقَدْ جَعَلَ لِلْعَقْلِ سُلْطَةً عَلَى الْوَحْيِ، وَهَذَا هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ ضَيَّعُوا التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ بِسَبَبِ تَنَاقُضِ مَنَاهِجِهِمْ. فَالْمُوَحِّدُ الْمُتَمَيُّزُ عِنْدَهُ هُوَ مَنْ أَجْرَى الصِّفَاتِ كُلَّهَا عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ، وَأَدْرَكَ أَنَّ كَمَالَ الرَّبِّ فِي إِثْبَاتِ مَا نَطَقَ بِهِ الْوَحْيُ، وَأَنَّ كُلَّ تَعْطِيلِ لِلْخَبَرِ هُوَ نَقْصٌ فِي تَوْحِيدِ الطَّلَبِ وَالْقَصْدِ.

٣-الشَّيْخُ صَالِحُ سِنْدِي (٨): يُقَرِّرُ أَنَّ أَصْلَ الضَّلَالِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ نَاتِجٌ عَنْ سُوءِ تَقْدِيرِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ الْقَوَاعِدَ السَّلَفِيَّةَ هِيَ الضَّامِنَةُ لِحِفْظِ التَّوْحِيدِ مِنَ الِانْحِرَافِ. وَيُفَصِّلُ فِي أَنَّ الْكَلَامَ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْكَلَامِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ هُوَ رَدٌّ عَلَى الْأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا سَبْعَ صِفَاتٍ وَعَطَّلُوا الْبَاقِي بِلَا دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ أَوْ صَحِيحٍ عَقْلِيٍّ. وَيَرَى أَنَّ التَّفْوِيضَ الْمَذْمُومَ لِلْمَعْنَى هُوَ جَسْرٌ لِلْقُبُورِيَّةِ، لِأَنَّ مَنْ حُرِمَ مَعْرِفَةَ رَبِّهِ بِمَعَانِي نُعُوتِهِ طَلَبَ هَذَا الْكَمَالَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَقْبُورِينَ. وَيُؤَصِّلُ لِتَمَيُّزِ الْمُسْلِمِ بِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَعْنَى (الْقَهْرِ) وَ(الرَّحْمَةِ) وَ(الْعَظَمَةِ) فَيُفْرِدُ اللَّهَ بِهَا، بَيْنَمَا الْمُجَهِّلُ يَجْعَلُ نَفْسَهُ تَائِهَةً عَنِ الْبَصِيرَةِ الشَّرْعِيَّةِ. فَالْقَوَاعِدُ عِنْدَهُ تَبْنِي شَخْصِيَّةَ الْمُوَحِّدِ الْقَوِيَّةِ الَّتِي لَا تَنْقَادُ لِلْخُرَافَاتِ، لِأَنَّهَا مُرْتَبِطَةٌ بِخَالِقٍ مَوْصُوفٍ بِأَكْمَلِ النُّعُوتِ الْمَعْلُومَةِ لَنَا بِأَصْلِهَا، الْمَحْجُوبَةِ عَنَّا بِكُنْهِهَا، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّعْظِيمِ وَالتَّمَيُّزِ عَنِ الْمُبْتَدِعِينَ.

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:

إِنَّ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ هِيَ "الْقَوْلُ السَّدِيدُ" فِي تَرْسِيخِ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ لَدَى طَالِبِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ يَنْبَثِقُ ضَرُورَةً مِنْ تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَلَا يُمْكِنُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَمَيَّزَ فِي قَصْدِهِ وَدُعَائِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ مَعْبُودُهُ مَوْصُوفاً بِمَعَانٍ حَقِيقِيَّةٍ يَفْهَمُهَا وَيَتَأَلَّهُ لَهَا. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ الْقَوْلَ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْكَلَامِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ هُوَ نَسْفٌ لِكُلِّ مَسَالِكِ التَّأْوِيلِ وَالتَّبْعِيضِ، وَأَنَّ قَاعِدَةَ "الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ" هِيَ الَّتِي تَكْشِفُ زَيْفَ دَعَاوَى الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُعَطِّلَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. 
إِنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ رَبَّنَا خَاطَبَنَا لِنَعْرِفَهُ، لَا لِنَبْقَى فِي ظُلُمَاتِ التَّجْهِيلِ؛ فَمَنْ فَوَّضَ الْمَعْنَى فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ الْبَيَانِ، وَمَنْ شَبَّهَ الصِّفَةَ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ مِثْلَ خَلْقِهِ. وَالْبَاحِثُ يَرَى أَنَّ الْقَبْرِيَّةَ مَا فَشَتْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَفَعَ الْمُتَكَلِّمُونَ شِعَارَ التَّجْهِيلِ، فَلَمَّا انْطَمَسَتْ مَعَالِمُ الصِّفَاتِ فِي قُلُوبِ الْعَوَامِّ، عَبَدُوا الْقُبُورَ الَّتِي نُعِتَتْ لَهُمْ بِأَوْصَافِ الْكَمَالِ الَّذِي نُفِيَ عَنِ الرَّبِّ. لِذَا، فَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمِلَّةِ يَقُومُ عَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ لِصِيَانَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ وَتَحْقِيقِ الْإِخْلَاصِ التَّامِّ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الَّذِي وَصَفَ نَفْسَهُ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ.
-------------------------------&
حاشية
(١) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، رِسَالَةُ الْفَتْوَى الْحَمَوِيَّةِ الْكُبْرَى، تح: حمد التويجري، دَارُ الصميعي، الرِّيَاضُ، ط ١، ١٤٢٥هـ، ص ٣٤.
(٢) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، تح: عبد الرحمن بن قاسم، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ط ١، ١٣٨١هـ، ج ٥، ص ٤٥.
(٣) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، تح: محمد بن عودة السعوي، دَارُ السَّمِيعِيِّ، الرِّيَاضُ، ط ٣، ص ١٨.
(٤) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، تح: محمد بن عودة السعوي، دَارُ السَّمِيعِيِّ، الرِّيَاضُ، ط ٣، ص ٢٢.
(٥) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، تح: محمد بن عودة السعوي، دَارُ السَّمِيعِيِّ، الرِّيَاضُ، ط ٣، ص ٢٨.
(٦) ابْنُ عُثَيْمِينَ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْقَاهِرَةُ، ط ١، ص ٢٣.
(٧) مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الرِّيَاضُ، ط ٢، ص ٥٥.
(٨) صَالِحُ سِنْدِي، مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ (دِرَاسَةٌ تَأْصِيلِيَّةٌ)، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ، بَحْثٌ مَنْشُورٌ.
(٩) نُكْتَةٌ: كَيْفَ يُثْبِتُونَ (الْإِرَادَةَ) وَهِيَ عَرَضٌ عِنْدَهُمْ وَيَنْفُونَ (الْمَحَبَّةَ) بِدَعْوَى أَنَّهَا عَرَضٌ؟
(١٠) فَائِدَةٌ: مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى صِفَاتِ رَبِّهِ بَطَلَ عِنْدَهُ التَّوَسُّلُ بِهَا (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا).
(١١) ضَابِطٌ: التَّفْوِيضُ لِلْكَيْفِ هُوَ دِينُ السَّلَفِ، وَالتَّفْوِيضُ لِلْمَعْنَى هُوَ تَعْطِيلٌ لِلْخَلَفِ.
(١٢) إِشَارَةٌ: التَّمَيُّزُ يُبْنَى عَلَى إِثْبَاتِ مَا أَرَادَ اللَّهُ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
(١٣) تَحْقِيقٌ: لَا تُوجَدُ صِفَةٌ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا وَلَهَا مَعْنًى مَعْلُومٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ.
(١٤) زِيَادَةٌ: الرَّسُولُ ﷺ بَلَّغَ الْأَمَانَةَ، وَتَجْهِيلُ مَعَانِي الصِّفَاتِ طَعْنٌ فِي تَبْلِيغِهِ.
(١٥) خَاتِمَةٌ: بِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ نَحْفَظُ حَقَّ اللَّهِ فِي الْإِثْبَاتِ وَحَقَّ الْعَبْدِ فِي التَّمَيُّزِ وَالثَّبَاتِ.
------------------------------[٩٢]---------------------------

[التتمة (٣)الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: الْقَوَاعِدُ السَّلَفِيَّةُ فِي الصِّفَاتِ وَأَثَرُهَا فِي تَحْقِيقِ التَّمَيُّزِ - الْمُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ]

أَوَّلًا: مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ):
١. قَاعِدَةُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ التَّوْقِيفِيُّ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (الْوَقْفِ) وَهُوَ الْكَفُّ، وَحَدُّهَا: "اقْتِصَارُ نَعْتِ الرَّبِّ عَلَى مَجِيءِ النَّصِّ". (١)
٢. قَاعِدَةُ مَعْلُومِيَّةِ الْمَعْنَى وَتَفْوِيضِ الْكَيْفِ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (الْعِلْمِ) وَ(التَّفْوِيضِ)، وَحَدُّهَا: "إِثْبَاتُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ وَرَدُّ الْكُنْهِ". (٢)
٣. قَاعِدَةُ الْكَلَامِ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنِ الذَّاتِ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (التَّفَرُّعِ)، وَحَدُّهَا: "إِجْرَاءُ حُكْمِ الصِّفَةِ مَجْرَى مَوْصُوفِهَا". (٣)
٤. قَاعِدَةُ التَّمَاثُلِ فِي الصِّفَاتِ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (الِاسْتِلْزَامِ)، وَحَدُّهَا: "عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ فِي الْإِثْبَاتِ الْخَبَرِيِّ". (٤)
٥. قَاعِدَةُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَالْفَارِقِ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (الشَّرِكَةِ) وَ(الْفَصْلِ)، وَحَدُّهَا: "اتِّحَادُ أَصْلِ الْمَعْنَى ذِهْنِيًّا وَتَبَايُنُهُ إِضَافَةً". (٥)
ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
لِلْأُولَى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ» (رواه البخاري).
لِالتَّانِيَةِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا» (رواه البخاري).
لِلتَّالِثَةِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ» (رواه البخاري).
لِلرَّابِعَةِ: ﴿أَفَسَمِعَ أَمْ بَصُرَ﴾ [مريم: ٤٢]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ» (رواه مسلم).
لِلْخَامِسَةِ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا» (رواه البخاري).

ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ:

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (٦): يُقَرِّرُ أَنَّ الصِّفَاتِ كُلَّهَا بَابٌ وَاحِدٌ، فَمَنْ أَثْبَتَ صِفَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْإِرَادَةِ لَزِمَهُ أَنْ يُثْبِتَ صِفَةَ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِيهَا وَاحِدٌ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهَا تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ بِزَعْمِ التَّنْزِيهِ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ عَدَماً، لِأَنَّ الذَّاتَ الْمُجَرَّدَةَ عَنِ الصِّفَاتِ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْخَارِجِ. وَيُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنِ الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ، فَكَمَا أَنَّنَا نُثْبِتُ لِلَّهِ ذَاتاً حَقِيقِيَّةً لَا تُشْبِهُ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، فَنَحْنُ نُثْبِتُ لَهُ صِفَاتٍ حَقِيقِيَّةً لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. كَمَا يُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَعَانِيَ مَجْهُولَةٌ فَقَدْ طَعَنَ فِي بَيَانِ الْقُرْآنِ. وَيَرَى أَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ يَبْدَأُ مِنْ إِثْبَاتِ هَذِهِ الْحَقَائِقِ كَمَا وَرَدَتْ لِيَكُونَ مَعْبُودُنَا مَعْرُوفاً لَنَا بِصِفَاتِ كَمَالِهِ الَّتِي نَتَعَبَّدُ لَهُ بِمُقْتَضَاهَا دُونَ حِيرَةٍ أَوْ تَعْطِيلٍ.

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ (٧): يَرَى أَنَّ قَاعِدَةَ "الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ" هِيَ أَعْظَمُ سِلَاحٍ لِدَفْعِ شُبُهَاتِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ؛ فَالِاسْمُ الْعَامُّ قَبْلَ الْإِضَافَةِ يَفْهَمُهُ الْعَقْلُ، وَبِالْإِضَافَةِ يَقَعُ التَّمَيُّزُ الَّذِي لَا يُشْرِكُ فِيهِ اللَّهَ أَحَدٌ. وَيُحَذِّرُ مِنْ خَطَرِ مَسْلَكِ أَهْلِ التَّجْهِيلِ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَمُرُّونَ عَلَى النُّصُوصِ بِلَا فَهْمٍ، مُؤَكِّداً أَنَّ مَنْ جَهِلَ صِفَاتِ رَبِّهِ انْفَتَحَ لَهُ بَابُ الشِّرْكِ فِي الْأُلُوهِيَّةِ صَرِيحاً. وَيُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ الْحَقَّ هُوَ فِي الِارْتِبَاطِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَمَصْدَرَيْنِ تَوْقِيفِيَّيْنِ لَا يُتَجَاوَزَانِ فِي نَعْتِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصِّفَاتِ فَقَدْ جَعَلَ لِلْعَقْلِ سُلْطَةً عَلَى الْوَحْيِ، وَهَذَا هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ ضَيَّعُوا التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ بِسَبَبِ تَنَاقُضِ مَنَاهِجِهِمْ. فَالْمُوَحِّدُ الْمُتَمَيُّزُ عِنْدَهُ هُوَ مَنْ أَجْرَى الصِّفَاتِ كُلَّهَا عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ، وَأَدْرَكَ أَنَّ كَمَالَ الرَّبِّ فِي إِثْبَاتِ مَا نَطَقَ بِهِ الْوَحْيُ، وَأَنَّ كُلَّ تَعْطِيلِ لِلْخَبَرِ هُوَ نَقْصٌ فِي تَوْحِيدِ الطَّلَبِ وَالْقَصْدِ.

الشَّيْخُ صَالِحُ سِنْدِي (٨): يُقَرِّرُ أَنَّ أَصْلَ الضَّلَالِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ نَاتِجٌ عَنْ سُوءِ تَقْدِيرِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ الْقَوَاعِدَ السَّلَفِيَّةَ هِيَ الضَّامِنَةُ لِحِفْظِ التَّوْحِيدِ مِنَ الِانْحِرَافِ. وَيُفَصِّلُ فِي أَنَّ الْكَلَامَ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْكَلَامِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ هُوَ رَدٌّ عَلَى الْأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا سَبْعَ صِفَاتٍ وَعَطَّلُوا الْبَاقِي بِلَا دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ أَوْ صَحِيحٍ عَقْلِيٍّ. وَيَرَى أَنَّ التَّفْوِيضَ الْمَذْمُومَ لِلْمَعْنَى هُوَ جَسْرٌ لِلْقُبُورِيَّةِ، لِأَنَّ مَنْ حُرِمَ مَعْرِفَةَ رَبِّهِ بِمَعَانِي نُعُوتِهِ طَلَبَ هَذَا الْكَمَالَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَقْبُورِينَ. وَيُؤَصِّلُ لِتَمَيُّزِ الْمُسْلِمِ بِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَعْنَى (الْقَهْرِ) وَ(الرَّحْمَةِ) وَ(الْعَظَمَةِ) فَيُفْرِدُ اللَّهَ بِهَا، بَيْنَمَا الْمُجَهِّلُ يَجْعَلُ نَفْسَهُ تَائِهَةً عَنِ الْبَصِيرَةِ الشَّرْعِيَّةِ. فَالْقَوَاعِدُ عِنْدَهُ تَبْنِي شَخْصِيَّةَ الْمُوَحِّدِ الْقَوِيَّةِ الَّتِي لَا تَنْقَادُ لِلْخُرَافَاتِ، لِأَنَّهَا مُرْتَبِطَةٌ بِخَالِقٍ مَوْصُوفٍ بِأَكْمَلِ النُّعُوتِ الْمَعْلُومَةِ لَنَا بِأَصْلِهَا، الْمَحْجُوبَةِ عَنَّا بِكُنْهِهَا، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّعْظِيمِ وَالتَّمَيُّزِ عَنِ الْمُبْتَدِعِينَ.
رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
إِنَّ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ هِيَ "الْقَوْلُ السَّدِيدُ" فِي تَرْسِيخِ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ لَدَى طَالِبِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ يَنْبَثِقُ ضَرُورَةً مِنْ تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَلَا يُمْكِنُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَمَيَّزَ فِي قَصْدِهِ وَدُعَائِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ مَعْبُودُهُ مَوْصُوفاً بِمَعَانٍ حَقِيقِيَّةٍ يَفْهَمُهَا وَيَتَأَلَّهُ لَهَا. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ الْقَوْلَ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْكَلَامِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ هُوَ نَسْفٌ لِكُلِّ مَسَالِكِ التَّأْوِيلِ وَالتَّبْعِيضِ، وَأَنَّ قَاعِدَةَ "الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ" هِيَ الَّتِي تَكْشِفُ زَيْفَ دَعَاوَى الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُعَطِّلَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. إِنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ رَبَّنَا خَاطَبَنَا لِنَعْرِفَهُ، لَا لِنَبْقَى فِي ظُلُمَاتِ التَّجْهِيلِ؛ فَمَنْ فَوَّضَ الْمَعْنَى فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ الْبَيَانِ، وَمَنْ شَبَّهَ الصِّفَةَ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ مِثْلَ خَلْقِهِ. وَالْبَاحِثُ يَرَى أَنَّ الْقَبْرِيَّةَ مَا فَشَتْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَفَعَ الْمُتَكَلِّمُونَ شِعَارَ التَّجْهِيلِ، فَلَمَّا انْطَمَسَتْ مَعَالِمُ الصِّفَاتِ فِي قُلُوبِ الْعَوَامِّ، عَبَدُوا الْقُبُورَ الَّتِي نُعِتَتْ لَهُمْ بِأَوْصَافِ الْكَمَالِ الَّذِي نُفِيَ عَنِ الرَّبِّ. لِذَا، فَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمِلَّةِ يَقُومُ عَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ لِصِيَانَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ وَتَحْقِيقِ الْإِخْلَاصِ التَّامِّ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الَّذِي وَصَفَ نَفْسَهُ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ.
---------------------------&
حاشية
(١) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، رِسَالَةُ الْفَتْوَى الْحَمَوِيَّةِ الْكُبْرَى، تح: حمد التويجري، دَارُ الصميعي، الرِّيَاضُ، ط ١، ١٤٢٥هـ، ص ٣٤.
(٢) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، تح: عبد الرحمن بن قاسم، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ط ١، ١٣٨١هـ، ج ٥، ص ٤٥.
(٣) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، تح: محمد بن عودة السعوي، دَارُ السَّمِيعِيِّ، الرِّيَاضُ، ط ٣، ص ١٨.
(٤) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، تح: محمد بن عودة السعوي، دَارُ السَّمِيعِيِّ، الرِّيَاضُ، ط ٣، ص ٢٢.
(٥) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، تح: محمد بن عودة السعوي، دَارُ السَّمِيعِيِّ، الرِّيَاضُ، ط ٣، ص ٢٨.
(٦) ابْنُ عُثَيْمِينَ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْقَاهِرَةُ، ط ١، ص ٢٣.
(٧) مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الرِّيَاضُ، ط ٢، ص ٥٥.
(٨) صَالِحُ سِنْدِي، مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ (دِرَاسَةٌ تَأْصِيلِيَّةٌ)، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ، بَحْثٌ مَنْشُورٌ.
(٩) نُكْتَةٌ: كَيْفَ يُثْبِتُونَ (الْإِرَادَةَ) وَهِيَ عَرَضٌ عِنْدَهُمْ وَيَنْفُونَ (الْمَحَبَّةَ) بِدَعْوَى أَنَّهَا عَرَضٌ؟
(١٠) فَائِدَةٌ: مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى صِفَاتِ رَبِّهِ بَطَلَ عِنْدَهُ التَّوَسُّلُ بِهَا (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا).
(١١) ضَابِطٌ: التَّفْوِيضُ لِلْكَيْفِ هُوَ دِينُ السَّلَفِ، وَالتَّفْوِيضُ لِلْمَعْنَى هُوَ تَعْطِيلٌ لِلْخَلَفِ.
(١٢) إِشَارَةٌ: التَّمَيُّزُ يُبْنَى عَلَى إِثْبَاتِ مَا أَرَادَ اللَّهُ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
(١٣) تَحْقِيقٌ: لَا تُوجَدُ صِفَةٌ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا وَلَهَا مَعْنًى مَعْلُومٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ.
(١٤) زِيَادَةٌ: الرَّسُولُ ﷺ بَلَّغَ الْأَمَانَةَ، وَتَجْهِيلُ مَعَانِي الصِّفَاتِ طَعْنٌ فِي تَبْلِيغِهِ.
(١٥) خَاتِمَةٌ: بِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ نَحْفَظُ حَقَّ اللَّهِ فِي الْإِثْبَاتِ وَحَقَّ الْعَبْدِ فِي التَّمَيُّزِ وَالثَّبَاتِ.



--------------------------[٩٣]-----------------------------؛

[التتمة (٤)الْمَبْحَثُ الحادي عَشَرَ: الثَّبَاتُ عَلَى التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ فِي زَمَنِ الِانْحِرَافِ]
أَوَّلًا: مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ):
١. مَفْهُومُ الثَّبَاتِ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ (الثَّبْتِ) وَهُوَ دَوَامُ الشَّيْءِ، وَحَدُّهُ: "الِاسْتِمْرَارُ عَلَى صَحِيحِ الِاعْتِقَادِ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ". (١)
٢. مَفْهُومُ الِانْحِرَافِ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ (الْحَرْفِ) وَهُوَ الطَّرَفُ وَالْمَيْلُ، وَحَدُّهُ: "الْعُدُولُ عَنْ جَادَّةِ السَّلَفِ إِلَى بِنَيَّاتِ الطَّرِيقِ". (٢)
ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (رواه الترمذي)؛ وَهَذَا أَصْلٌ فِي طَلَبِ الثَّبَاتِ عَلَى التَّمَيُّزِ حَتَّى الْمَمَاتِ.
ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ:
(٣) الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُؤَكِّدُ أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ، لِأَنَّ الشُّبُهَاتِ تَتَخَطَّفُ الْقُلُوبَ الَّتِي لَمْ تُرْسَخْ فِيهَا قَوَاعِدُ التَّوْحِيدِ. وَيَرَى أَنَّ التَّمَيُّزَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَعْلُومَاتٍ تُحْفَظُ، بَلْ هُوَ مَوْقِفٌ إِيمَانِيٌّ يَظْهَرُ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْغُرْبَةِ، حَيْثُ يَتَمَسَّكُ الْمُؤْمِنُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَلَوْ خَالَفَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ جَمِيعاً. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الِانْحِرَافَ يَبْدَأُ بِيَسِيرِ التَّنَازُلِ عَنِ الْمُصْطَلَحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ثُمَّ يَنْتَهِي بِالذَّوَبَانِ فِي مَنَاهِجِ الْمُبْتَدِعَةِ. لِذَا، فَإِنَّ الثَّبَاتَ يَقْتَضِي مُدَاوَمَةَ النَّظَرِ فِي كُتُبِ السَّلَفِ وَالِاعْتِصَامَ بِالْغَرْزِ لِلنَّجَاةِ مِنَ التَّلَوُّنِ فِي الدِّينِ.
(٤) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ: يَرَى أَنَّ الِانْحِرَافَ الْعَقَدِيَّ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ سَبَبُهُ الْجَهْلُ بِحَقِيقَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ الْأَوَّلُونَ، مِمَّا جَعَلَ النَّاسَ يَقَعُونَ فِي الشِّرْكِ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. وَيُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ يَقْتَضِي الصَّدْعَ بِالْحَقِّ وَتَحْقِيقَ الْمُفَاصَلَةِ الْعَقَدِيَّةِ مَعَ مَنَاهِجِ الْقُبُورِيَّةِ وَأَهْلِ التَّعْطِيلِ. وَالثَّبَاتُ عِنْدَهُ مَرْهُونٌ بِتَحْقِيقِ "التَّوْحِيدِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِيِّ" مَعاً، فَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ انْحَرَفَ عِنْدَ أَوَّلِ بَلَاءٍ. فَالْمُتَمَيِّزُ هُوَ مَنْ يَظَلُّ ثَابِتاً كَالْجَبَلِ الرَّاسِخِ لَا تُحَرِّكُهُ عَوَاصِفُ التَّقْلِيدِ وَلَا أَهْوَاءُ الْمُتَفَلِّتِينَ.
(٥) الشَّيْخُ صَالِحُ سِنْدِي: يُفَصِّلُ فِي وَسَائِلِ الثَّبَاتِ وَأَهَمُّهَا لُزُومُ مَنْهَجِ الِاسْتِدْلَالِ الصَّحِيحِ، لِأَنَّ الِانْحِرَافَ يَبْدَأُ مِنْ فَسَادِ الِاسْتِدْلَالِ قَبْلَ فَسَادِ الِاعْتِقَادِ. وَيُحَذِّرُ مِنْ "تَمْيِيعِ" الْقَضَايَا الْعَقَدِيَّةِ بِحُجَّةِ "مُعَاصَرَةِ" الْخِطَابِ، مُؤَكِّداً أَنَّ التَّمَيُّزَ يَبْقَى بِبَقَاءِ حَقَائِقِهِ لَا بِتَغْيِيرِ جِلْدِهِ. وَالثَّبَاتُ عِنْدَهُ هُوَ ثَمَرَةُ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ، وَبِدُونِهِمَا يَسْقُطُ الْبَاحِثُ فِي فِخَاخِ الْعَقْلَانِيَّةِ الْمُحْدَثَةِ. وَيَرَى أَنَّ التَّمَيُّزَ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي يُورِثُ صَاحِبَهُ سَكِينَةً وَيَقِيناً يَجْعَلُهُ يَصْمُدُ أَمَامَ جَمِيعِ التَّيَّارَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ.
رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (د. عِمَادُ الدِّينِ):
إِنَّ خِتَامَ مَبَاحِثِ التَّمَيُّزِ هُوَ "الثَّبَاتُ"؛ فَلَا يَنْفَعُ عِلْمٌ بِلَا صُمُودٍ، وَلَا تَمَيُّزٌ بِلَا ثَبَاتٍ عَلَى الْأُصُولِ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ زَمَانَنَا هَذَا كَثُرَتْ فِيهِ صَوَارِفُ الِانْحِرَافِ، فَمَا بَيْنَ غُلُوٍّ جَافٍ وَتَفْرِيطٍ مَاهٍ، ضَاعَ تَمَيُّزُ الْكَثِيرِينَ. وَالْبَاحِثُ يَرَى أَنَّ "الْمُعْتَقَدَ الصَّحِيحَ" هُوَ مَلَاذُ النَّجَاةِ، وَأَنَّ الِانْحِرَافَ عَنْ غَرْزِ السَّلَفِ هُوَ أَوَّلُ خُطُوَاتِ السُّقُوطِ فِي الْقُبُورِيَّةِ وَالْخُرَافَةِ. إِنَّ التَّمَيُّزَ الَّذِي أَصَّلْنَاهُ فِي هَذِهِ الْأَبْحَاثِ لَيْسَ غَايَةً فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ حَتَّى يَلْقَى الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ. لِذَا، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ هِيَ "الْعَضُّ عَلَى النَّوَاجِذِ" بِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ لِتَحْقِيقِ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ الْمُوجِبِ لِلْفَلَاحِ فِي الدَّارَيْنِ.
[خَاتِمَةُ الْبَحْثِ: تَلْخِيصُ مَسِيرَةِ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ]
الْخَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ أَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ هُوَ قُطْبُ الرَّحَى فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الِانْحِرَافَ عَنْهُ هُوَ سَبَبُ كُلِّ بَلَاءٍ حَلَّ بِالْأُمَّةِ. لَقَدْ طُفْنَا فِي مَيَادِينِ الِاشْتِقَاقِ، وَحُدُودِ الِاصْطِلَاحِ، وَقَوَاعِدِ الْإِثْبَاتِ، لِنَصِلَ إِلَى نَتِيجَةٍ كُبْرَى: أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ عَقَدِيًّا، ذَابَ فِي رِكَابِ التَّابِعِينَ لِكُلِّ نَاعِقٍ. وَتُوصِي هَذِهِ الدِّرَاسَةُ بِتَحْقِيقِ "الْمُفَاصَلَةِ الْعَقَدِيَّةِ" مَعَ الْبَاطِلِ، وَتَرْسِيخِ قَوَاعِدِ السَّلَفِ فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ لِحِمَايَتِهِمْ مِنَ التَّيَّارَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
----------------------------&
حاشية
(١) يُنْظَرُ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ، مَادَّةُ (ثَبَتَ).
(٢) يُنْظَرُ: لِسَانُ الْعَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ، مَادَّةُ (حَرَفَ).
(٣) ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج ١، ص ٨٩.
(٤) مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ، الْقَوَاعِدُ الْأَرْبَعُ، ضِمْنَ (مَجْمُوعَةِ التَّوْحِيدِ)، ص ٢٠.
(٥) صَالِحُ سِنْدِي، مُحَاضَرَاتٌ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْمَنْهَجِ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ.
(٦-) نُكَاتٌ وَفَوَائِدُ عَنْ أَهَمِّيَّةِ الْخَاتِمَةِ وَخُلَاصَةِ التَّمَيُّزِ وَالثَّبَاتِ فِي زَمَنِ الْغُرْبَةِ.
-------------------------[٩٤]-----------------------------

[الْمَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: الْخَاتِمَةُ الْجَامِعَةُ فِي الِاسْتِعْلَاءِ بِالْإِيمَانِ وَتَحْقِيقِ التَّمَيُّزِ النِّهَائِيِّ - الْوَجْهُ ٩٤]
أَوَّلًا: مَضْمُونُ الْمَبْحَثِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ):
١. مَفْهُومُ الِاسْتِعْلَاءِ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ (الْعُلُوِّ) وَهُوَ الِارْتِفَاعُ، وَحَدُّهُ: "أَنَفَةُ الْمُؤْمِنِ بِدِينِهِ وَاعْتِزَازُهُ بِحَقِّهِ أَمَامَ كَثْرَةِ الْبَاطِلِ". (١)
٢. مَفْهُومُ التَّمَيُّزِ النِّهَائِيِّ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ (الْمَيْزِ) وَهُوَ الْفَصْلُ، وَحَدُّهُ: "الْمُفَاصَلَةُ التَّامَّةُ فِي الْمَوْرِدِ وَالْمَصْدَرِ عَنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ". (٢)
ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. (٣)
قَوْلُهُ ﷺ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ» (رواه الدارقطني وصححه الألباني). (٤)
ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ:
(٥) الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ بِالْإِيمَانِ لَيْسَ كِبْراً مَذْمُوماً، بَلْ هُوَ يَقِينٌ صَادِقٌ بِأَنَّ مَا مَعَ الْمُسْلِمِ مِنَ الْوَحْيِ هُوَ الْحَقُّ الْمُطْلَقُ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ شُبُهَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ هُوَ هَبَاءٌ مَنْثُورٌ. وَيَرَى أَنَّ تَمَيُّزَ الْمُؤْمِنِ يَظْهَرُ فِي عَدَمِ انْصِيَاعِهِ لِلْمُصْطَلَحَاتِ الْحَادِثَةِ الَّتِي أَدْخَلَهَا أَهْلُ الْبِدَعِ لِيُلْبِسُوا بِهَا عَلَى النَّاسِ دِينَهُمْ. وَيُؤَصِّلُ لِأَنَّ مَنِ اعْتَزَّ بِمَنْهَجِ السَّلَفِ أَوْرَثَهُ اللَّهُ هَيْبَةً وَنُوراً، فَلَا يَنْبَهِرُ بِزَخَارِفِ مَنَاهِجِ الْغَرْبِ أَوْ أَقْيِسَةِ الْمَنَاطِقَةِ. إِنَّ الِاسْتِعْلَاءَ عِنْدَهُ هُوَ الثَّبَاتُ عَلَى نَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي وَجْهِ مَنْ يُقَدِّمُونَ الْعَقْلَ الْقَاصِرَ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ لِحِفْظِ كَرَامَةِ الْأُمَّةِ وَتَمَيُّزِهَا بَيْنَ الْأُمَمِ، فَمَنْ طَلَبَ الْعِزَّةَ فِي غَيْرِ الِاتِّبَاعِ أَذَلَّهُ اللَّهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِأَهْلِ الضَّلَالِ.
(٦) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ: يَرَى أَنَّ حَقِيقَةَ التَّمَيُّزِ تَتَجَلَّى فِي بَرَاءَةِ الْمُوَحِّدِ مِنْ كُلِّ نِحْلَةٍ تُعَارِضُ مَحْضَ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ بِالْإِيمَانِ هُوَ تَمَثُّلُ مَنْهَجِ الْأَنْبِيَاءِ فِي جِهَادِ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ. وَيُؤَصِّلُ لِأَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ مَهْمَا أُوتُوا مِنَ الْجَدَلِ فَهُمْ أَذِلَّةٌ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلْفِطْرَةِ وَالنَّقْلِ، بَيْنَمَا الْمُتَّبِعُ لِلْأَثَرِ مَنْصُورٌ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ. وَيُحَذِّرُ مِنْ أَنْ يَضْعُفَ الْمُسْلِمُ أَمَامَ كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْحَقِّ لَا بِالْعَدَدِ، وَالتَّمَيُّزَ الْحَقَّ هُوَ فِي الِانْفِرَادِ بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ حِينَ يَعْبُدُ النَّاسُ الْأَهْوَاءَ وَالْأَوْثَانَ. إِنَّ الِاسْتِعْلَاءَ عِنْدَهُ هُوَ الِارْتِفَاعُ عَنِ السُّقُوطِ فِي حَبَائِلِ الْقُبُورِيَّةِ وَالتَّعْطِيلِ، وَتَحْقِيقُ الصَّفَاءِ الْعَقَدِيِّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ يَتَحَقَّقُ التَّمَيُّزُ النِّهَائِيُّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
(٧) الشَّيْخُ صَالِحُ سِنْدِي: يُفَصِّلُ فِي أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ بِالْإِيمَانِ هُوَ الْعِلَاجُ النَّاجِعُ لِهَزِيمَةِ النُّفُوسِ أَمَامَ الشُّبُهَاتِ الْمُعَاصِرَةِ، حَيْثُ يُدْرِكُ الْمُؤْمِنُ أَنَّ مَا مَعَهُ مِنَ الْيَقِينِ لَا يُقَابَلُ بِالظُّنُونِ. وَيَرَى أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ يَعِيشُونَ فِي حَيْرَةٍ وَتَنَاقُضٍ، بَيْنَمَا الْمُتَمَيِّزُ بِالْأَثَرِ يَعِيشُ فِي طُمَأْنِينَةِ الْوَحْيِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الِاسْتِعْلَاءِ. وَيُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ النِّهَائِيَّ يُفْرِضُ عَلَى الْبَاحِثِ أَنْ يَكُونَ نَاقِداً لِلْبَاطِلِ مِنْ مَوْقِعِ الْقُوَّةِ، لَا مُدَافِعاً مَنْ مَوْقِعِ الِانْكِسَارِ، فَالْقُرْآنُ هُوَ الْمُهَيْمِنُ وَالسُّنَّةُ هِيَ الْحَاكِمَةُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الِاعْتِصَامَ بِالْغَرْزِ يُورِثُ فِرَاسَةً عَقَدِيَّةً تَكْشِفُ زَيْفَ دَعَاوَى الْعَقْلَانِيِّينَ، وَتُحَقِّقُ لِلْمُسْلِمِ سِيَادَتَهُ الْفِكْرِيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ عَلَى كُلِّ مَنْ تَنَكَّبَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، مِمَّا يَجْعَلُهُ مَنَارَةً لِلْهُدَى فِي زَمَنِ الظُّلُمَاتِ.
رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (د. عِمَادُ الدِّينِ):
الْبَاحِثُ - قُلْتُ: إِنَّ خِتَامَ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ يَقْتَضِي مِنَّا أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ "الِاسْتِعْلَاءَ بِالْإِيمَانِ" هُوَ الثَّمَرَةُ الْعَمَلِيَّةُ لِكُلِّ مَا سَبَقَ مِنْ تَأْصِيلٍ؛ فَلَا يَكْفِي أَنْ تَعْرِفَ الْقَوَاعِدَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَعِيشَ بِهَا عَزِيزاً مُتَمَيِّزاً. إِنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ وَالْبِدَعِ قَدْ سَلَبُوا الْأُمَّةَ تَمَيُّزَهَا حِينَ أَدْخَلُوهَا فِي مَتَاهَاتِ الْجَدَلِ، فَانْطَفَأَ نُورُ الْيَقِينِ فِي قُلُوبِ الْكَثِيرِينَ، لَكِنَّ الْبَاحِثَ يُقَرِّرُ أَنَّ الْعَوْدَةَ إِلَى "الْأَثَرِ" هِيَ إِعْلَانٌ لِلِاسْتِقْلَالِ الْعَقَدِيِّ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى كُلِّ بَاطِلٍ. إِنَّ تَمَيُّزَنَا فِي "مَنْصَّةِ الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ" يَقُومُ عَلَى نَبْذِ التَّبَعِيَّةِ لِلْأَهْوَاءِ، وَتَحْقِيقِ الْإِخْلَاصِ التَّامِّ لِلَّهِ فِي التَّلَقِّي وَالتَّطْبِيقِ. وَالْبَاحِثُ يَخْتِمُ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُتَمَيِّزَ هُوَ مَنْ يَقِفُ عَلَى صَخْرَةِ الْوَحْيِ الثَّابِتَةِ، يَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ نَظَرَ الرَّحْمَةِ بِحَالِهِمْ، مَعَ الِاسْتِعْلَاءِ بِالْيَقِينِ عَلَى ضَلَالِهِمْ، لِيَكُونَ بِذَلِكَ قَدْ حَقَّقَ "الْقَوْلَ السَّدِيدَ" وَنَالَ شَرَفَ الِاتِّبَاعِ وَتَمَيُّزَ الِانْتِمَاءِ.
------------------------------------&
حاشية
(١) يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِابْنِ كَثِيرٍ، مَادَّةُ (عَلَا).
(٢) يُنْظَرُ: مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ لِلرَّاغِبِ الْأَصْفَهَانِيِّ، مَادَّةُ (مَيْزَ).
(٣) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مُخَالَفَةَ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، دَارُ عَالَمِ الْكُتُبِ، ج ١، ص ١٢٠.
(٤) الْأَلْبَانِيُّ، إِرْوَاءُ الْغَلِيلِ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ مَنَارِ السَّبِيلِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ج ٥، ص ١٠٦.
(٥) نُكْتَةٌ: أَهْلُ الْكَلَامِ يَدَّعُونَ تَعْظِيمَ الْعَقْلِ وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ تَنَاقُضاً فِيهِ، وَالتَّمَيُّزُ فِي نَبْذِ جَهْلِهِمْ.
(٦) فَائِدَةٌ: الِاسْتِعْلَاءُ بِالْإِيمَانِ يُورِثُ الْبَصِيرَةَ الَّتِي لَا تَخْدَعُهَا شُبُهَاتُ الْبِدْعَةِ الْمُزَخْرَفَةِ.
(٧) ضَابِطٌ: كُلُّ مَا خَالَفَ الْوَحْيَ فَهُوَ سُفُولٌ وَإِنْ زَعَمَ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ "عِلْمٌ" أَوْ "عَقْلٌ".
(٨) إِشَارَةٌ: التَّمَيُّزُ النِّهَائِيُّ لِلْبَاحِثِ يَكُونُ بِأَنْ يَكُونَ (أَثَرِيًّا) فِي زَمَنِ (الْمَنْطِقِ) الْبَارِدِ.
(٩) تَحْقِيقٌ: لَا عِزَّةَ لِلْمُتَأَخِّرِينَ إِلَّا بِمَا عَزَّ بِهِ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
(١٠) تَنْبِيهٌ: مَنْ هَابَ أَهْلَ الْبِدَعِ لِأَجْلِ قُوَّتِهِمْ فَقَدْ ضَعُفَ تَمَيُّزُهُ الْعَقَدِيُّ وَيَقِينُهُ الْقَلْبِيُّ.
(١١) ابْنُ عُثَيْمِينَ، مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ، دَارُ الثُّرَيَّا، ج ٣، ص ٢١٠.
(١٢) مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ، تَصْحِيحُ الْمَفَاهِيمِ الْعَقَدِيَّةِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص ٨٨.
(١٣) صَالِحُ سِنْدِي، الِاعْتِزَازُ بِالْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ، بَحْثٌ بِمَوْقِعِ الشَّيْخِ.
(١٤) زِيَادَةٌ: "مَنْصَّةُ الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ" هِيَ حِصْنٌ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الِاسْتِعْلَاءَ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ.
(١٥) خَاتِمَةٌ: بِهَذَا التَّمَيُّزِ نَلْقَى اللَّهَ، وَعَلَيْهِ نَحْيَا، وَبِهِ نَرْجُو الشَّفَاعَةَ وَالْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ.
-----------------------------[٩٥]-------------------------

[خَاتِمَةُ السِّفْرِ: نَتَائِجُ التَّحْقِيقِ وَالتَّعْلِيقِ عَلَى رِسَالَةِ التَّمَيُّزِ - الْوَجْهُ ٩٥]
بِقَلَمِ الْبَاحِثِ: عِمَادِ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ عَامِرٍ
١. تَقَرَّرَ فِي هَذَا الْبَحْثِ أَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ لَيْسَ أَمْراً ثَانَوِيًّا، بَلْ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَلُبُّ دَعْوَةِ الْمُرْسَلِينَ.
٢. أَثْبَتَ التَّحْقِيقُ أَنَّ رِسَالَةَ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ قَائِمَةٌ عَلَى بَيَانِ الْمُفَاصَلَةِ التَّامَّةِ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ.
٣. خَلَصَ الْبَحْثُ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَوَاضِعَ التَّمَيُّزِ، وَقَعَ فِي الِانْحِرَافِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ.
٤. كَشَفَ التَّعْلِيقُ عَنْ عُمْقِ فَهْمِ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ لِوَاقِعِ الْمُشْرِكِينَ الْأَوَّلِينَ وَمُطَابَقَتِهِ لِكَثِيرٍ مِنْ صُوَرِ الِانْحِرَافِ الْمُعَاصِرِ.
٥. تَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ بِالْإِيمَانِ هُوَ الثَّمَرَةُ الْقَلْبِيَّةُ لِفَهْمِ قَوَاعِدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
٦. أَكَّدَ الْبَاحِثُ أَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ يُحَقِّقُ لِلْمُسْلِمِ الْأَمْنَ الْفِكْرِيَّ ضِدَّ شُبُهَاتِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْمَنَاطِقَةِ.
٧. أَوْضَحَتِ الدِّرَاسَةُ أَنَّ رِسَالَةَ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ" هِيَ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الْقُبُورِيَّةِ وَالْخُرَافَةِ.
٨. بَيَّنَ التَّحْقِيقُ أَنَّ الِاشْتِقَاقَ اللُّغَوِيَّ لِلْمُصْطَلَحَاتِ الْعَقَدِيَّةِ يَرْبِطُ الْبَاحِثَ بِأَصَالَةِ النَّصِّ الشَّرْعِيِّ.
٩. تَقَرَّرَ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ قَاعِدَةٌ ذِهْنِيَّةٌ تُبْطِلُ دَعَاوَى التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ مَعاً.
١٠. أَلْقَى الْبَحْثُ الضَّوْءَ عَلَى ضَرُورَةِ تَصْحِيحِ الْمَفَاهِيمِ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِالرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ.
١١. أَثْبَتَ الْبَاحِثُ أَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ يَقْتَضِي الِانْتِمَاءَ الْكَامِلَ لِلْأَثَرِ وَنَبْذَ التَّقْلِيدِ الْمَذْمُومِ.
١٢. كَشَفَتِ النَّتَائِجُ أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ يَعِيشُونَ فِي حَيْرَةٍ نَاتِجَةٍ عَنْ قَدِيمِ تَقْدِيمِ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ.
١٣. خَلَصَ التَّعْلِيقُ إِلَى أَنَّ الْعِزَّةَ بِالتَّوْحِيدِ هِيَ الَّتِي تَمْنَعُ الذَّوَبَانَ فِي الثَّقَافَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ.
١٤. بَيَّنَتِ الدِّرَاسَةُ أَنَّ رِسَالَةَ الْمُجَدِّدِ تُعِيدُ صِيَاغَةَ شَخْصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِيَكُونَ مَتْبُوعاً لَا تَابِعاً.
١٥. أَكَّدَ الْبَاحِثُ عَلَى أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الْحَقِّ مَرْهُونٌ بِقُوَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
١٦. تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْصَّةَ "الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ" هِيَ ضَرُورَةٌ عَصْرِيَّةٌ لِنَشْرِ هَذِهِ النَّتَائِجِ الْعِلْمِيَّةِ.
١٧. أَوْضَحَ التَّحْقِيقُ أَنَّ التَّمَيُّزَ النِّهَائِيَّ لِلْمُسْلِمِ يَكُونُ فِي إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
١٨. بَيَّنَ الْبَحْثُ أَنَّ الِانْحِرَافَ عَنِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ جَرَّ الْوَبَالَ عَلَى بَابِ الْأُلُوهِيَّةِ.
١٩. خَلَصَ الْبَاحِثُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِقْلَالَ الْعَقَدِيَّ هُوَ مِفْتَاحُ النَّهْضَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الصَّحِيحَةِ.
٢٠. تَمَّ التَّأْكِيدُ عَلَى أَنَّ هَذَا السِّفْرَ هُوَ لَبِنَةٌ فِي طَرِيقِ إِحْيَاءِ مَنْهَجِ السَّلَفِ فِي التَّلَقِّي.
حاشية
(١) الْبَاحِثُ، حَاشِيَةُ الصِّنْوَانِ، ص ٩٠.
(٢) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، التَّدْمُرِيَّةُ، ص ١٥.
(٣) ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى، ص ٤٠.
(٤) مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ، تَصْحِيحُ الْمَفَاهِيمِ، ص ٢٢.
(٥) نُكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: مَنْ حُرِمَ التَّمَيُّزَ حُرِمَ الْبَصِيرَةَ.
(٦) فَائِدَةٌ: التَّحْقِيقُ مِيزَانُ الْعِلْمِ.
(٧) ضَابِطٌ: كُلُّ عَقِيدَةٍ بِلَا أَثَرٍ فَهِيَ هَبَاءٌ.
(٨) إِشَارَةٌ: مَنْصَّةُ الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ أَمَانَةٌ.
(٩) زِيَادَةٌ: التَّمَيُّزُ يُورِثُ الِاسْتِعْلَاءَ.
(١٠) تَحْقِيقٌ: نَصُّ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ تَوْقِيفِيٌّ فِي مَعْنَاهُ.
(١١) تَنْبِيهٌ: لَا عِزَّةَ إِلَّا بِالِاتِّبَاعِ.
(١٢) خَاتِمَةٌ: الْحَقُّ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ.
(١٣) مَصْدَرٌ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج ٣، ص ١٥٠.
(١٤) رِقَابَةٌ: التَّمَيُّزُ يَحْمِي مِنَ التَّمْيِيعِ.
(١٥) مَقْصَدٌ: الْوُصُولُ إِلَى مَقَامِ الْإِحْسَانِ فِي الِاعْتِقَادِ.
-------------------------------------[٩٦]-----------------؛؛

[تَتِمَّةُ نَتَائِجِ السِّفْرِ: التَّمَيُّزُ الْعَقَدِيُّ وَالِاسْتِعْلَاءُ بِالْإِيمَانِ - الْوَجْهُ ٩٧]
بِقَلَمِ الْبَاحِثِ: عِمَادِ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ عَامِرٍ

٢١. أَثْبَتَتِ الدِّرَاسَةُ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ بِالْإِيمَانِ هُوَ الدِّرْعُ الْوَاقِي لِلْمُسْلِمِ مِنْ شُعُورِ الدَّنَاءَةِ أَمَامَ بَهْرَجِ الْحَضَارَاتِ الْمَادِّيَّةِ.
٢٢. خَلَصَ التَّحْقِيقُ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ قَدْ جَنَوْا عَلَى الْعَقْلِ الصَّرِيحِ كَمَا جَنَوْا عَلَى النَّقْلِ الصَّحِيحِ، مِمَّا أَفْقَدَهُمُ التَّمَيُّزَ.
٢٣. تَقَرَّرَ أَنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ وَحْدَهُ لَا يُدْخِلُ فِي الْإِسْلَامِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَوَاضِعِ التَّمَيُّزِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
٢٤. بَيَّنَ التَّعْلِيقُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَطَّلَ صِفَةً مِنَ الصِّفَاتِ فَقَدْ فَتَحَ بَاباً لِشُبْهَةِ التَّمْثِيلِ فِي نَفْسِهِ.
٢٥. أَكَّدَ الْبَاحِثُ أَنَّ الْقَوْلَ السَّدِيدَ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ النَّصِّ وَفَهْمِ مَعْنَاهُ بِلَا تَكْيِيفٍ.
٢٦. أَوْضَحَتِ النَّتَائِجُ أَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ يَبْنِي شَخْصِيَّةً مُسْتَقِلَّةً تَأْبَى الذَّوَبَانَ فِي مَنَاهِجِ الْمُتَفَلِّتِينَ.
٢٧. كَشَفَ الْبَحْثُ عَنْ أَنَّ الْقُبُورِيَّةَ هِيَ الِانْحِرَافُ الْعَمَلِيُّ الَّذِي يَتَوَلَّدُ عَنْ ضَعْفِ التَّمَيُّزِ فِي بَابِ الْأُلُوهِيَّةِ.
٢٨. خَلَصَ التَّحْقِيقُ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ هُوَ الْمَصْدَرُ الْأَوَّلُ وَالْأَخِيرُ لِتَحْقِيقِ الِاسْتِعْلَاءِ النَّفْسِيِّ لِلْمُؤْمِنِ.
٢٩. أَثْبَتَ الْبَاحِثُ أَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ يُحَقِّقُ التَّوَازُنَ بَيْنَ تَعْظِيمِ النَّصِّ وَإِعْمَالِ الْعَقْلِ فِي مَحَلِّهِ.
٣٠. تَبَيَّنَ أَنَّ رِسَالَةَ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ تُمَثِّلُ "بَيَانَ الطَّرِيقِ" لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ فِي زَمَنِ الْغُرْبَةِ الثَّانِيَةِ.
٣١. أَكَّدَتِ الدِّرَاسَةُ أَنَّ التَّمَيُّزَ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ هُوَ مِفْتَاحُ التَّمَيُّزِ فِي سَائِرِ أَبْوَابِ الدِّينِ.
٣٢. بَيَّنَ التَّعْلِيقُ أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ مَهْمَا تَزَخْرَفَتْ أَقْوَالُهُمْ فَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى أُصُولٍ مَنْطِقِيَّةٍ مَنْفِيَّةٍ شَرْعاً.
٣٣. تَقَرَّرَ أَنَّ الِاعْتِزَازَ بِالْأَثَرِ هُوَ الَّذِي يُورِثُ الْبَاحِثَ الْقُوَّةَ فِي الرَّدِّ عَلَى شُبُهَاتِ الْمُلْحِدِينَ وَالْعَقْلَانِيِّينَ.
٣٤. خَلَصَ الْبَحْثُ إِلَى أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ خَالَفَتِ السَّلَفَ فَقَدْ فَقَدَتْ جُزْءاً مِنْ تَمَيُّزِهَا الْإِسْلَامِيِّ الْأَصِيلِ.
٣٥. أَثْبَتَ الْبَاحِثُ أَنَّ التَّمَيُّزَ لَيْسَ عُزْلَةً عَنِ الْوَاقِعِ، بَلْ هُوَ تَعَامُلٌ مَعَهُ مِنْ مَنْظُورٍ عَقَدِيٍّ صَحِيحٍ.
٣٦. بَيَّنَتِ النَّتَائِجُ أَنَّ حَاشِيَةَ الصِّنْوَانِ كَشَفَتِ الرَّبْطَ الْوَثِيقَ بَيْنَ عَقِيدَةِ السَّلَفِ وَسُلُوكِ الْمُسْلِمِ.
٣٧. أَوْضَحَ التَّحْقِيقُ أَنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ عَنِ الْمُشْرِكِ يَكُونُ بِتَحْقِيقِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) عِلْماً وَعَمَلًا.
٣٨. تَقَرَّرَ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ بِالْإِيمَانِ يَقْتَضِي عَدَمَ الِاعْتِذَارِ عَنْ ثَوَابِتِ الدِّينِ أَمَامَ الْآخَرِ الْمُنْحَرِفِ.
٣٩. خَلَصَ الْبَاحِثُ إِلَى أَنَّ هَذَا التَّحْقِيقَ هُوَ دَعْوَةٌ لِتَجْدِيدِ النَّظَرِ فِي كُتُبِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ بِلُغَةٍ عَصْرِيَّةٍ.
٤٠. تَمَّ التَّأْكِيدُ فِي النِّهَايَةِ عَلَى أَنَّ التَّمَيُّزَ الْعَقَدِيَّ هُوَ مِيعَادُ النَّصْرِ وَالثَّبَاتِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ.
--------------------------------&
حاشية
(١) الْبَاحِثُ، إِرْشَادُ الطَّالِبِ السَّارِي، ص ١١٠.
(٢) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الْفَتْوَى الْحَمَوِيَّةُ، ص ٥٥.
(٣) ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الْوَاسِطِيَّةِ، ج ٢، ص ١٢.
(٤) صَالِحُ سِنْدِي، الِاعْتِزَازُ بِالْمَنْهَجِ، ص ٥.
(٥) نُكْتَةٌ: أَهْلُ الْكَلَامِ بَنَوْا قُصُوراً مِنَ الْخَيَالِ وَهَدَمُوا حَقَائِقَ الْيَقِينِ.
(٦) فَائِدَةٌ: التَّمَيُّزُ يُورِثُ السَّكِينَةَ فِي زَمَنِ الِاضْطِرَابِ.
(٧) ضَابِطٌ: كُلُّ تَمَيُّزٍ لَا يَقُومُ عَلَى الْوَحْيِ فَهُوَ عَصَبِيَّةٌ جَاهِلِيَّةٌ.
(٨) إِشَارَةٌ: مَنْصَّةُ الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ تَبْنِي الْعُقُولَ عَلَى الْأَثَرِ.
(٩) زِيَادَةٌ: الِاسْتِعْلَاءُ ثَمَرَةُ التَّقْوَى وَالْعِلْمِ.
(١٠) تَحْقِيقٌ: لَفْظُ "التَّمَيُّزِ" فِي الْقُرْآنِ جَاءَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
(١١) تَنْبِيهٌ: إِيَّاكَ وَالتَّنَازُلَ عَنِ الْمُصْطَلَحِ السَّلَفِيِّ لِإِرْضَاءِ الْمُخَالِفِ.
(١٢) خَاتِمَةٌ: آخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
(١٣) مَصْدَرٌ: الرَّدُّ عَلَى الْمَنْطِقِيِّينَ، ص ٢٠٠.
(١٤) رِقَابَةٌ: تَمَيُّزُ الْبَاحِثِ فِي عَدَمِ مُدَاهَنَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ.
(١٥) مَقْصَدٌ: تَوْحِيدُ الصَّفِّ عَلَى تَوْحِيدِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا.
---------------------------------[٩٧]---------------------
[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ عَشَرَ: الْوَصَايَا الْعَشْرُونَ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالْمُعَلِّمِينَ فِي ضَوْءِ رِسَالَةِ التَّمَيُّزِ - الْوَجْهُ ٩٨]
أَوَّلًا: الْوَصَايَا الْمَعْنَوِيَّةُ وَالْعَقَدِيَّةُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ:
١. تَصْحِيحُ النِّيَّةِ: أَنْ يَقْصِدَ الطَّالِبُ بِدِرَاسَتِهِ رَفْعَ الْجَهْلِ عَنْ نَفْسِهِ وَتَحْقِيقَ الْإِخْلَاصِ الْمُحْضِ لِلَّهِ.
٢. الِاعْتِزَازُ بِالْأَثَرِ: أَنْ يَسْتَشْعِرَ الطَّالِبُ أَنَّ مَا يَدْرُسُهُ هُوَ مِيرَاثُ النُّبُوَّةِ الصَّافِي بِلَا كَدَرٍ كَلَامِيٍّ.
٣. التَّمَيُّزُ عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ: الْخُرُوجُ مِنْ رِبْقَةِ التَّقْلِيدِ الْمَذْمُومِ إِلَى سَعَةِ الِاتِّبَاعِ لِلْكَابِرِ عَنِ الْكَابِرِ.
٤. لُزُومُ مَنْهَجِ الشَّيْخَيْنِ: السَّيْرُ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْمُجَدِّدِ فِي كَشْفِ زَيْفِ الْقُبُورِيَّةِ.
٥. التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمَقَالَاتِ: دَرْكُ الْفَرْقِ الدَّقِيقِ بَيْنَ عَقِيدَةِ السَّلَفِ وَإِرْجَاءِ الْفُقَهَاءِ مَعَ حِفْظِ مَقَامِ الْأَئِمَّةِ.
٦. التَّعَبُّدُ بِالْأَسْمَاءِ: أَنْ يَتَحَوَّلَ الْعِلْمُ بِالصِّفَاتِ إِلَى قُوَّةٍ إِيمَانِيَّةٍ وَخَشْيَةٍ فِي الْخَلَوَاتِ.
٧. تَعْظِيمُ الدَّلِيلِ: أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ هُمَا الْحَاكِمَانِ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ وَرَأْيٍ بَشَرِيٍّ.
٨. نَبْذُ الْهَوَى: الْحَذَرُ مِنْ تَقْدِيمِ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ الصَّحِيحَ خَادِمٌ لِلشَّرْعِ لَا حَاكِمٌ عَلَيْهِ.
ثَانِيًا: الطَّرِيقَةُ الْعِلْمِيَّةُ فِي تَدْرِيسِ الْمَتْنِ (الْمَنْهَجُ التَّشْرِيحِيُّ):
(وَتَقُومُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَرْكَانٍ لِلْمُعَلِّمِ):
٩. التَّشْرِيحُ اللَّفْظِيُّ: تَفْكِيكُ الْمُفْرَدَاتِ لُغَوِيًّا وَتَأْصِيلُ اشْتِقَاقِهَا لِفَهْمِ عُمْقِ الْمَعْنَى.
١٠. التَّثْلِيثُ الِاعْتِمَادِيُّ: رَبْطُ الْمَسْأَلَةِ بِالدَّلِيلِ (النَّقْلِيِّ)، ثُمَّ (الْعَقْلِيِّ الصَّرِيحِ)، ثُمَّ (الْفِطْرِيِّ الْحِسِّيِّ).
١١. التَّحْلِيلُ الْمُقَارِنُ: بَيَانُ وَجْهِ التَّمَيُّزِ بَيْنَ قَوْلِ السَّلَفِ وَمَقَالَاتِ الْمُعَطِّلَةِ وَالْمُشَبِّهَةِ فِي كُلِّ قَاعِدَةٍ.
١٢. التَّأْصِيلُ الْفَرْعِيُّ: رَدُّ كُلِّ فَرْعٍ عَقَدِيٍّ إِلَى أَصْلِهِ مِنْ كُتُبِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَأَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ.
١٣. الِاسْتِنْبَاطُ الْوَاقِعِيُّ: كَيْفِيَّةُ تَنْزِيلِ الْمَتْنِ عَلَى صُوَرِ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ الْمُعَاصِرَةِ لِضَمَانِ انْتِفَاعِ الطَّالِبِ.
ثَالِثًا: الْوَصَايَا الْحِسِّيَّةُ وَالْعَمَلِيَّةُ:
١٤. جُثِيُّ الرُّكَبِ: أَنْ يَقْرَأَ الطَّالِبُ هَذِهِ الْكُتُبَ عَلَى شَيْخٍ سَلَفِيٍّ مُتْقِنٍ لَا عَلَى مَجَاهِيلِ الْكُتُبِ.
١٥. التَّدَرُّجُ فِي الْمُتُونِ: الْبِدَايَةُ بِكُتُبِ الْمُجَدِّدِ الْيَسِيرَةِ مِثْلِ (الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ) قَبْلَ الِانْتِقَالِ لِلْمُطَوَّلَاتِ.
١٦. الْمُدَارَسَةُ الثُّلَاثِيَّةُ: أَنْ يَكُونَ لِلطَّالِبِ (وِرْدُ قِرَاءَةٍ)، وَ(وِرْدُ حِفْظٍ)، وَ(وِرْدُ بَحْثٍ) فِي كُلِّ مَبْحَثٍ.
١٧. الْكِتَابَةُ وَالتَّقْيِيدُ: تَقْيِيدُ الْفَوَائِدِ وَالنُّكَاتِ الَّتِي يَقْتَنِصُهَا الْبَاحِثُ أَثْنَاءَ التَّحْقِيقِ وَالتَّعْلِيقِ.
١٨. نَشْرُ الْمُعْتَقَدِ: الِاهْتِمَامُ بِالْمَنَصَّاتِ الرَّقْمِيَّةِ لِإِيصَالِ هَذَا الْعِلْمِ لِلْعَوَامِّ بِطَرِيقَةٍ مُبَسَّطَةٍ.
١٩. الدُّعَاءُ لِلْأَئِمَّةِ: كَثْرَةُ التَّرَحُّمِ عَلَى مَنْ بَذَلُوا أَرْوَاحَهُمْ لِحِفْظِ هَذَا الدِّينِ كَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
٢٠. الِاسْتِمْرَارُ وَالدَّيْمُومَةُ: أَلَّا يَنْقَطِعَ الطَّالِبُ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ تَمَيُّزَ الْمُسْلِمِ يَبْقَى مَا بَقِيَ مُتَعَلِّماً.
حاشية
(١) الْبَاحِثُ، وَصَايَا فِي الْمَنْهَجِ، ص ٢٠٠.
(٢) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، رِسَالَةُ الْعُبُودِيَّةِ، ص ١٠.
(٣) ابْنُ عُثَيْمِينَ، كِتَابُ الْعِلْمِ، ص ٨٥.
(٤) مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ، كَشْفُ الشُّبُهَاتِ، ص ١٥.
(٥) نُكْتَةٌ: كُلُّ مَنْ قَدَّمَ عَقْلَهُ عَلَى النَّقْلِ ضَلَّ فِي مَتَاهَاتِ الْجَهْلِ.
(٦) فَائِدَةٌ: الطَّرِيقَةُ التَّشْرِيحِيَّةُ تَضْمَنُ عَدَمَ خُرُوجِ الطَّالِبِ بِفَهْمٍ سَقِيمٍ.
(٧) ضَابِطٌ: لَا عِلْمَ إِلَّا بِتَقْوَى، وَلَا تَمَيُّزَ إِلَّا بِإِخْلَاصٍ.
(٨) إِشَارَةٌ: التَّرَحُّمُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ بَيَانِ مَوْضِعِ الْإِرْجَاءِ هُوَ الْإِنْصَافُ الْعِلْمِيُّ.
(٩) زِيَادَةٌ: قِرَاءَةُ كُتُبِ الْمُجَدِّدِ عَلَى الشُّيُوخِ نُورٌ عَلَى نُورٍ.
(١٠) تَحْقِيقٌ: الِاسْتِعْلَاءُ بِالْإِيمَانِ حَقٌّ، وَالْكِبْرُ بَاطِلٌ، فَلَا تَلْبِسْ هَذَا بِذَاكَ.
(١١) تَنْبِيهٌ: إِيَّاكَ وَالْغُرُورَ بِمَا عَلِمْتَ، فَإِنَّمَا الْعِلْمُ الْخَشْيَةُ.
(١٢) خَاتِمَةُ الْوَصَايَا: مَنْ سَارَ عَلَى الدَّرْبِ وَصَلَ، وَمَنْ لَزِمَ الْأَثَرَ نَجَا.
(١٣) مَصْدَرٌ: شَرْحُ طَرِيقِ الْهِجْرَتَيْنِ، ص ٣٤.
(١٤) رِقَابَةٌ: مَنْصَّةُ الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ تُرَاقِبُ مَسَارَ التَّلَقِّي السَّلِيمِ.
(١٥) مَقْصَدٌ: بِنَاءُ جِيلٍ سَلَفِيٍّ يَعْتَزُّ بِدِينِهِ وَيَعْرِفُ مَقَامَ رَبِّهِ.
---------------------------[٩٨]----------------------


[الْفِهْرِسُ التَّشْرِيحِيُّ التَّفْصِيلِيُّ لِبَحْثِ: مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ]
أَوَّلًا: مَرْحَلَةُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْصِيلِ الْمَنْهَجِيِّ
الْعُنْوَانُ الْكَامِلُ لِلْبَحْثِ وَتَعْرِيفُ هُوِيَّةِ الْبَاحِثِ الْأَكَادِيمِيَّةِ
(مِنْ ص ١ إِلَى ص ١)
بَوَاعِثُ اخْتِيَارِ الْمَتْنِ: عَشَرَةُ أَسْبَابٍ جَوْهَرِيَّةٍ لِتَنَاوُلِ رِسَالَةِ التَّمَيُّزِ
(مِنْ ص ٢ إِلَى ص ٣)
مَقَاصِدُ السِّفْرِ: الْأَهْدَافُ الْعِلْمِيَّةُ وَالْعَقَدِيَّةُ وَالدَّعَوِيَّةُ لِلْمَشْرُوعِ
(مِنْ ص ٤ إِلَى ص ٥)
أَهَمِّيَّةُ الرِّسَالَةِ: مَكَانَةُ مَتْنِ الْمُجَدِّدِ فِي حِفْظِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ وَالِاتِّبَاعِ
(مِنْ ص ٦ إِلَى ص ٦)
النَّقْدُ الْمَنْهَجِيُّ: تَقْيِيمُ الدِّرَاسَاتِ السَّابِقَةِ وَبَيَانُ مِيزَةِ التَّحْقِيقِ التَّشْرِيحِيِّ
(مِنْ ص ٧ إِلَى ص ٨)
تَحْقِيقُ النِّسْبَةِ: الْبَرَاهِينُ الْعِلْمِيَّةُ وَالْخَطِّيَّةُ لِنِسْبَةِ الْمَتْنِ لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ
(مِنْ ص ٩ إِلَى ص ١٠)
إِجَازَةُ الْبَاحِثِ: السَّنَدُ الْمُتَّصِلُ سَمَاعاً وَقِرَاءَةً إِلَى الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ
(مِنْ ص ١١ إِلَى ص ١٢)
مَنْهَجُ الْبَاحِثِ فِي التَّحْقِيقِ وَالتَّعْلِيقِ وَبَيَانُ رُمُوزِ الْحَاشِيَةِ وَالنُّكَاتِ
(مِنْ ص ١٣ إِلَى ص ١٥)
ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ التَّحْقِيقِ التَّشْرِيحِيِّ لِلْفِقَرَاتِ (١٦ فِقْرَةً)
الْفِقْرَةُ (١): تَشْرِيحُ الْبَسْمَلَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَتَأْصِيلُ مَبْدَأِ الْبُدَاءَةِ الشَّرْعِيَّةِ
(مِنْ ص ١٦ إِلَى ص ٢٠)
الْفِقْرَةُ (٢): تَحْقِيقُ مَفْهُومِ الْإِخْلَاصِ لُغَةً وَحَدّاً وَاصْطِلَاحاً شَرْعِيًّا
(مِنْ ص ٢١ إِلَى ص ٢٤)
الْفِقْرَةُ (٣): حَدُّ الشِّرْكِ وَخَطَرُهُ وَتَحْقيقُ الْمُفَاصَلَةِ الْعَقَدِيَّةِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ
(مِنْ ص ٢٥ إِلَى ص ٢٩)
الْفِقْرَةُ (٤): الِاحْتِجَاجُ بِالْفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ عَلَى تَوْحِيدِ رَبِّ الْبَرِيَّةِ
(مِنْ ص ٣٠ إِلَى ص ٣٣)
الْفِقْرَةُ (٥): قَاعِدَةُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَوَازِمُهَا فِي تَحْقِيقِ تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ
(مِنْ ص ٣٤ إِلَى ص ٣٨)
الْفِقْرَةُ (٦): نَقْضُ شُبْهَةِ الشَّفَاعَةِ الشِّرْكِيَّةِ وَتَشْرِيحُ دَعَاوَى الْقُبُورِيِّينَ
(مِنْ ص ٣٩ إِلَى ص ٢٣)
الْفِقْرَةُ (٧): تَشْرِيحُ الْوَسَاطَةِ الْبَاطِلَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَسُّلِ الشَّرْعِيِّ وَالشِّرْكِيِّ
(مِنْ ص ٤٤ إِلَى ص ٤٧)
الْفِقْرَةُ (٨): صِفَاتُ الْإِلَهِ الْحَقِّ وَتَحْقِيقُ التَّمَيُّزِ بِكَمَالِ الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ
(مِنْ ص ٤٨ إِلَى ص ٥١)
الْفِقْرَةُ (٩): الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْجَهْمِيَّةِ فِي بَابِ نَفْيِ الصِّفَاتِ
(مِنْ ص ٥٢ إِلَى ص ٥٥)
الْفِقْرَةُ (١٠): قَاعِدَةُ الْإِثْبَاتِ عِنْدَ السَّلَفِ بِلَا تَمْثِيلٍ وَلَا تَكْيِيفٍ
(مِنْ ص ٥٦ إِلَى ص ٥٩)
الْفِقْرَةُ (١١): تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَنَفْيُ الْقِيَاسِ الشُّمُولِيِّ
(مِنْ ص ٦٠ إِلَى ص ٦٣)
الْفِقْرَةُ (١٢): الِاسْتِعْلَاءُ بِالْوَحْيِ وَتَحْكِيمُ النَّقْلِ الصَّحِيحِ عَلَى الْعَقْلِ الصَّرِيحِ
(مِنْ ص ٦٤ إِلَى ص ٦٧)
الْفِقْرَةُ (١٣): إِثْبَاتُ صِفَةِ الْعُلُوِّ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَدِلَّةِ النَّصِّ وَالْعَقْلِ وَالْحِسِّ
(مِنْ ص ٦٨ إِلَى ص ٧٠)
الْفِقْرَةُ (١٤): نَقْضُ مَذَاهِبِ الْمُعَطِّلَةِ النُّفَاةِ وَكَشْفُ تَنَاقُضَاتِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
(مِنْ ص ٧١ إِلَى ص ٧٣)
الْفِقْرَةُ (١٥): مَعَالِمُ الصُّمُودِ الْعَقَدِيِّ وَالثَّبَاتِ عَلَى مِلَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ
(مِنْ ص ٧٤ إِلَى ص ٧٤)
الْفِقْرَةُ (١٦): الْخَاتِمَةُ النَّصِّيَّةُ لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ وَجَمْعُ شَتَاتِ التَّمَيُّزِ
(مِنْ ص ٧٥ إِلَى ص ٧٥)
ثَالِثًا: الْمَبَاحِثُ التَّأْصِيلِيَّةُ الِاثْنَا عَشَرَ
الْمَبَاحِثُ مِنْ (١) إِلَى (١٠): الْقَوَاعِدُ الْكُبْرَى فِي التَّوْحِيدِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالرَّدُّ عَلَى الْبِدَعِ
(مِنْ ص ٧٦ إِلَى ص ٩١)
الْمَبْحَثُ (١١): الْقَوَاعِدُ السَّلَفِيَّةُ فِي الصِّفَاتِ وَأَثَرُهَا الْعَمَلِيُّ فِي تَحْقِيقِ التَّمَيُّزِ
(مِنْ ص ٩٢ إِلَى ص ٩٣)
الْمَبْحَثُ (١٢): الِاسْتِعْلَاءُ بِالْإِيمَانِ وَتَحْقِيقُ التَّمَيُّزِ النِّهَائِيِّ لِلْمُتَّبِعِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ
(مِنْ ص ٩٤ إِلَى ص ٩٤)
رَابِعًا: خِتَامُ السِّفْرِ وَالنَّتَائِجُ وَالْوَصَايَا
نَتَائِجُ الْبَحْثِ: أَرْبَعُونَ نَتِيجَةً عِلْمِيَّةً مُحَقَّقَةً بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالتَّحْقِيقِ
(مِنْ ص ٩٥ إِلَى ص ٩٧)
وَصَايَا الْبَاحِثِ: عِشْرُونَ وَصِيَّةً جَامِعَةً (حِسِّيَّةً وَمَعْنَوِيَّةً) وَمَنْهَجُ التَّدْرِيسِ الْخُمَاسِيُّ
(مِنْ ص ٩٨ إِلَى ص ٩٨)
خِتَاماً:
تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ هَذَا الْبَحْثُ الْمُبَارَكُ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ تَحْقِيقِ الْمَنْقُولِ وَتَدْقِيقِ الْمَعْقُولِ، لِيَكُونَ مَنَارَةً لِطَالِبِ الْعِلْمِ فِي تَحْقِيقِ التَّمَيُّزِ الْعَقَدِيِّ الصَّافِي. وَإِنَّنَا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَمَلُ لَبِنَةً فِي إِحْيَاءِ مَنْهَجِ السَّلَفِ، وَحِصْناً ضِدَّ كُلِّ مُبْتَدِعٍ وَخُرَافِيٍّ، مُسْتَعْلِينَ بِالْإِيمَانِ، مُعْتَصِمِينَ بِالْغَرْزِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصاً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
تَوْثِيقُ الْفَرَاغِ مِنَ الْبَحْثِ:
الْوَقْتُ: ٠٤:٥٦ مَسَاءً.
الْيَوْمُ: الْأَرْبِعَاءُ.
التَّارِيخُ الْمِيلَادِيُّ: ٢٢ أَبْرِيل ٢٠٢٦م.
التَّارِيخُ الْهِجْرِيُّ: ٥ ذُو الْقَعْدَةِ ١٤٤٧هـ.
إِعْدَادُ وَتَرْتِيبُ الْعَبْدِ الْفَقِيرِ إِلَى رَبِّهِ رَاجِي عَفْوِهِ:
أَبُو أَنَسٍ
عِمَادُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِر الْمِصْرِيُّ

-----(إجازة رواية رسالة ما يتميز به المسلم عن المشرك)---- 

                  إجازة رواية رسالة 
             [ما يتميز به المشرك عن المشرك]
[إِجَازَةٌ مُسْنَدَةٌ إلي رِسَالَةِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ]
المُقَدِّمَةُ:
«الحَمْدُ للهِ الذِي رَفَعَ مَنَارَ الدِّينِ بِالإِسْنَادِ، وَجَعَلَهُ حِصْناً لِلشَّرِيعَةِ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالفَسَادِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ يَوْمَ المَعَادِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ عِلْمَ الإِسْنَادِ خَصِيصَةٌ بَاهِرَةٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وَبِهِ يُحْفَظُ المَنْقُولُ، وَيَتَمَيَّزُ الحَقُّ عَنِ الفُضُولِ، وَلَا سِيَّمَا فِي كُتُبِ العَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ التِي هِيَ أَصْلُ الأُصُولِ. 
وَإِنَّ رِسَالَةَ (مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ) لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ هِيَ مِنْ أَنْفَسِ مَا كُتِبَ فِي بَيَانِ التَّوْحِيدِ وَالمُفَاصَلَةِ عَنْ أَهْلِ التَّنْدِيدِ، وَصَوْنُ رِوَايَتِهَا بِالاتِّصَالِ هُوَ صَوْنٌ لِمَعَانِيهَا مِنَ الِانْحِرَافِ وَالِانْتِحَالِ. وَإِتْمَاماً لِلْمَنْفَعَةِ، فَقَدْ أَجَزْتُ بِمَا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ مِنَ السَّمَاعِ وَالرِّوَايَةِ 
 الطَّالِبِ الفَاضِلِ/ .................................... 
وَالطَّالِبَةِ الفَاضِلَةِ/ ....................................، 

لِيَتَّصِلَ سَنَدُهُمَا بِأَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ الحَنِيفِيَّةِ، سَائِلًا اللهَ لَهُمَا التَّوْفِيقَ وَالثَّبَاتَ عَلَى المَنْهَجِ القَوِيمِ.»
[قُرَّةُ العَيْنِ بِإِسْنَادِ رِسَالَةِ (مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ) إِلَى إِمَامِ النَّجْدِيَّيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ]
يَقُولُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى اللهِ (أَبُو أَنَسٍ):
عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيُّ
«الحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَ الإِسْنَادَ خَصِيصَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ المَعْلُومَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاسْتِقَامةِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ هُوَ رَبْطُ الخَلَفِ بِالسَّلَفِ عَبْرَ حِبَالِ الأَسَانِيدِ، وَإِنَّ مِمَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ أَنْ أَخْبَرَنِي جَمْعٌ مِنَ الأَشْيَاخِ الكِرَامِ -أَجَازُونِي إِجَازَةً خَاصَّةً وَعَامَّةً- بِمَرْوِيَّاتِهِمْ وَأَسَانِيدِهِمْ فِي رِوَايَةِ رِسَالَةِ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ" إِلَى مُؤَلِّفِهَا الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَقَدْ رَتَّبْتُهُمْ بِحَسَبِ بُلْدَانِهِم عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلًا: أَشْيَاخُ الحِجَازِ (المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ):
(١) الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ المُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ القَاسِمُ (إِمَامُ وَخَطِيبُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ).
(٢) الشَّيْخُ بَدْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَامِي العُتَيْبِيُّ.
(٣) الدُّكْتُورُ مَالِكُ بْنُ رِضَا المُحَمَّدِيُّ.
(٤) المُسْنِدُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الدَّهَامِيُّ.
(٥) الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ آلُ إِبْرَاهِيمَ العَنْقَرِيُّ.
(٦) الشَّيْخُ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ المَدْخَلِيُّ.
ثَانِيًا: أَشْيَاخُ مِصْرَ:
(٧) الشَّيْخُ وَائِلُ كَمَالِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدِ عَلِي (صَاحِبُ مَدْرَسَةِ الآجُرِّيِّ).
(٨) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيُّ.
(٩) الشَّيْخُ نَاصِرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيُّ.
(١٠) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَرِيدٍ عَبْدُ الهَادِي الحَنْبَلِيُّ.
(١١) الشَّيْخُ أَبُو سُهَيْلَةَ سَامِي بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فُتُوحِ آلُ مُرَادٍ المِصْرِيُّ الحَنْبَلِيُّ.
(١٢) الشَّيْخُ أُسَامَةُ بْنُ السَّيِّدِ بْنِ عُبَيْدٍ التِّيدِيُّ.
(١٣) الشَّيْخُ عَاطِفُ عَبْدُ المُعِزِّ الفَيُّومِيُّ.
ثَالِثًا: أَشْيَاخُ الكُوَيْتِ وَاليَمَنِ وَالجَزَائِرِ وَغَيْرِهَا:
(١٤) الشَّيْخُ دَغْشُ بْنُ شَبِيبٍ العَجَمِيُّ (الكُوَيْت).
(١٥) الشَّيْخُ أَبُو خَالِدٍ وَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الغَرْبِيُّ (اليَمَن).
(١٦) الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ الأُصُولِيُّ عَبْدُ المَجِيدِ جُمُعَةُ (الجَزَائِر).
(١٧) الشَّيْخُ سُهَيْلُ حَسَن عَبْدُ الغَفَّارِ العُمَرِفُورِيُّ (الهِنْد).
(١٨) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ كَامِلُ عَلِي الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ حَمِيدٌ الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَمْجَانُ حُسَيْن أَحْمَدُ البَشْدِيُّ الكُرْدِيُّ.
[السَّنَدُ المُتَّصِلُ لِرِسَالَةِ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ"]:
أَرْوِي رِسَالَةَ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ" مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ المَشَايِخِ المَذْكُورِينَ أَعْلَاهُ، وَأَرْوِي عَنْهُمْ، عَنِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ المُسْنِدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، وَعَنِ الشَّيْخِ المُعَمَّرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ آلِ الشَّيْخِ، وَهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ: الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ (صَاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ). وَكَذَلِكَ يَرْوِي الشَّيْخُ سَعْدُ بْنُ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ جَدِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ.
[سِيَاقُ السَّنَدِ إِلَى الإِمَامِ]:
يَرْوِي الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ وَالِدِهِ (الإِمَامِ المُجدِّدِ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. تَمَّ هَذَا الثَّبْتُ الخَاصُّ بِرِوَايَةِ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ عَنِ المُشْرِكِ" بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ.
حُرِّرَ فِي يَوْمِ: .................... بِتَارِيخِ: ...../ ...../ .......... هـ | المُوافِقِ لِـ: ...../ ...../ .......... م.
تَوْقِيعُ رَاجِي عَفْوِ رَبِّهِ:
الشيخُ أَبُو أَنَسٍ/ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ المِصْرِيُّ
(الخَتْمُ)
....................................

-------------(إجازة علمية في بحث قلم الباحث)--------------
                          إِجَازَةٌ عِلْمِيَّةٌ (دراية)

إِجَازَةٌ عِلْمِيَّةٌ فِي (قَلَمُ الْبَاحِثِ فِي اسْتِخْرَاجِ وَتَحْقِيقِ الْمَبَاحِثِ "شَرْحُ وَتَعْلِيقُ رِسَالَةِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ")

​الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَ أَهْلَ الْعِلْمِ دَرَجَاتٍ، وَوَصَلَ حِبَالَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْمُتَقَدِّمِينَ بِالسَّنَدِ الْمُتَّصِلِ إِلَى صَاحِبِ الرِّسَالَاتِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَاحِبِ الْمُعْجِزَاتِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا دَامَتِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، أَمَّا بَعْدُ:

​فَإِنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ، وَإِنَّ مَبْحَثَ "مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ" مِنْ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ الَّتِي جَرَّدَ لَهَا أَئِمَّةُ السَّلَفِ الْأَقْلَامَ، وَصَانُوهَا مِنْ لَوْثَاتِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَوْهَامِ، وَلَمَّا كَانَ الِاتِّصَالُ بِالسَّنَدِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ، فَقَدْ أَجَزْتُ هَذَا الْمَبْحَثَ لِمَنْ تَثْبُتُ أَهْلِيَّتُهُ بِالْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ.

​وَقَدْ أَجَادَ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ: عِمَادُ أَبُو أَنَسٍ/ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ الْمِصْرِيُّ

  • الطَّالِبُ: ............................................................
  • الطَّالِبَةُ: ............................................................

​أَجَزْتُهُ/ أَجَزْتُهَا بِهَذَا الْبَحْثِ الْمَوْسُومِ بِـ:

إِجَازَةٌ عِلْمِيَّةٌ فِي (قَلَمُ الْبَاحِثِ فِي اسْتِخْرَاجِ وَتَحْقِيقِ الْمَبَاحِثِ "شَرْحُ وَتَعْلِيقُ رِسَالَةِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُشْرِكِ")

​إِجَازَةً عِلْمِيَّةً بَعْدَ أَنْ دَرَسَهُ مَعِي وَقَرَأَهُ وَحَلَّ مَسَائِلَهُ وَأَسْئِلَتَهُ، فَآنَسْتُ مِنْهُ/ مِنْهَا فَهْمًا لِمَقَاصِدِهِ، فَكَتَبْتُ لَهُ هَذِهِ الْإِجَازَةَ بِشَرْطِ

١-  أَنْ يُدَرِّسَهُ لِإِخْوَانِهِ وَطُلَّابِ الْعِلْمِ، وَأَنْ يَعْقِدَ مَجْلِسًا لِلْقِرَاءَةِ عَلَى طُلَّابِ الْعِلْمِ لِهَذَا الْبَحْثِ، بِشَرْطَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَنْ يَقْرَأَهُ بِطَرِيقَةٍ صَحِيحَةٍ تَضْبُطُ مَبَانِيَهُ وَتُوَضِّحُ مَعَانِيَهُ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ (سَلَفِيًّا عَلَى الْجَادَّةِ)، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَلَا مِنَ الْخَوَارِجِ الْقَاعِدِيَّةِ، ثَابِتًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ.

​فَأَجَزْتُهُ إِجَازَةً عِلْمِيَّةً خَاصَّةً فِي مُعَيَّنٍ بِمُعَيَّنٍ، عَلَى الشَّرْطِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ.

تَحْرِيرًا فِي:

الْيَوْمُ: ....................

الشَّهْرُ الْهِجْرِيُّ: ....................

السَّنَةُ الْهِجْرِيَّةُ: .................... هـ

الشَّهْرُ الْمِيلَادِيُّ: .................... 

السَّنَةُ الْمِيلَادِيَّةُ: .................... م

تَوْقِيعُ الشَّيْخِ: 


خَتْمُ الشَّيْخِ:


-------------(أسئلة الباحث علي التحقيق والتعليق)----------


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق