إِحْكَامُ المَبَانِي.. فِي تَحْقِيقِ المَسَائِلِ الأَرْبَعِ لِكُلِّ عَانِي
الخطة حيث لمشروع شرح رسالة "المسائل الأربع"
الفصل الأول: التأصيل والتفصيل (عشرة مباحث)
- المبحث الأول: سيرة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (النشأة، الطلب، الدعوة، الوفاة) معزوة لمصادرها التاريخية.
- المبحث الثاني: توثيق النص (مدرسته، مصدره الأصلي، إثبات النسبة، وهل هو نص منفرد أم مجمع).
- المبحث الثالث: التحقيق اللغوي والدلالي (تفكيك الألفاظ: اعلم، رحمك الله، الوجوب، "علينا" ودلالة التكليف العيني).
- المبحث الرابع: المسألة الأولى (العلم) - تعريفه، مراتب المعرفة الثلاث (الله، النبي، الدين)، ومعنى الاستدلال.
- المبحث الخامس: المسألة الثانية (العمل به) - مفهوم العمل بالشرع، والعلاقة التلازمية بين العلم والعمل.
- المبحث السادس: المسألة الثالثة (الدعوة إليه) - فضلها، مراتبها، وكونها زكاة العلم الواجبة.
- المبحث السابع: المسألة الرابعة (الصبر على الأذى فيه) - أنواع الصبر، وحتمية الابتلاء في طريق الحق.
- المبحث الثامن: الاستدلال القرآني (تفسير سورة العصر) - وجه الدلالة من السورة وكلام الشافعي والبخاري فيها.
- المبحث التاسع: القواعد المنهجية والتربوية المستنبطة من تراتبية المسائل الأربع.
- المبحث العاشر: كشاف الشروح السابقة (عرض لجهود العلماء في شرح الرسالة ومجمل مناهجهم).
الفصل الثاني:التحقيق العقدِي (خمسة مباحث)
- المبحث الأول: تحرير مسألة "التقليد مقابل الاتباع" في قول المصنف (بالأدلة).
- المبحث الثاني: أثر العلم بالمسائل الأربع في تحقيق التوحيد العملي والسلوكي.
- المبحث الثالث: الرد على الشبهات المثارة حول منهج الشيخ في "الوجوب العيني" لهذه المسائل.
- المبحث الرابع: الربط بين المقدمة (المسائل الأربع) وبين متن "الأصول الثلاثة" (وحدة الموضوع والهدف).
- المبحث الخامس: الخلاصة الجامعة لآثار هذه الرسالة في الإصلاح الاجتماعي والدعوي.
المقدمة العلمية (تخريج الأثر وأهداف التعليم)
قبل البدء بالمبحث الأول، نضع هذه النقاط كمرتكزات:
- أهمية الأثر: تكمن في كونه "خارطة طريق" للمسلم، يجمع بين العلم النظري والتطبيق العملي.
-
أهداف تعليم هذا الأثر للناس:
- تصحيح الاعتقاد بناءً على الدليل لا التقليد.
- ربط الجيل بمنهج السلف الصالح في التعلم.
- إدراك شمولية الإسلام (علم، عمل، دعوة، صبر).
- الوقاية من الفتن والشبهات بالصبر واليقين.
مقدمة البحث
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإنَّ أجلَّ ما تشتدُّ إليه الحاجة، وأعظم ما صرفت فيه الأوقات، هو فقه أصول الدين التي بها سعادة العبد في معاشه ومعاده. وإنَّ من أجمع ما كُتب في أبواب تقريب العلم للمسلم، ما سطَّره الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله) في صدر رسالته "الأصول الثلاثة"، حيث أجمل أصول الفلاح في أربع مسائل عظام، هي دستور المسلم ومنهاج الداعية، ومفتاح النجاة من الخسران الذي أقسم الله عليه في كتابه.
وتأتي هذه الدراسة والتعليق على هذه "المسائل الأربع" في سياق مشروعنا العلمي المكون من فصلين؛ يتضمن الفصل الأول عشرة مباحث تؤصل لنسبة النص وتدقق في دلالاته اللغوية والشرعية، ويليه الفصل الثاني بخمسة مباحث تستفيض في التحقيق العقدي والقواعد المستنبطة، ليكون هذا الشرح جامعاً لآراء العلماء الذين سبقوا ببيان هذه الرسالة، ومعزواً إلى المصادر الأصيلة.
أهمية هذا الأثر في عشر نقاط (أهداف البحث):
* تحرير مفهوم "الوجوب العيني": ببيان أن تعلم هذه المسائل فرض لا يعذر بجهله أحد.
* تجريد المتابعة للأدلة: بتأصيل قول المصنف "بالأدلة" لنبذ التقليد المذموم.
* إرساء قواعد الترتيب المنهجي: حيث بدأ بالعلم قبل القول والعمل.
* تحقيق التلازم بين العلم والعمل: لئلا يصير العلم حجة على صاحبه.
* تأصيل فقه الدعوة: ببيان أن المسلم مكلف بنشر ما تعلمه.
* بناء عقيدة الصبر: كضرورة ملحة لمواجهة أعباء التمسك بالدين.
* ربط المتون بمصادر الوحي: من خلال الاستدلال بسورة العصر.
* تذكير الأمة بطريق النجاة: الذي حصره الله في الإيمان والعمل والتواصي بالحق والصبر.
* جمع شتات الشروح: بتقريب جهاد العلماء (ابن عثيمين، الفوزان، ابن باز وغيرهم) في نص واحد.
* إحياء سيرة الإمام المجدد: بربط نصوصه بواقع دعوته والظروف التي أملت كتابة هذه الرسائل.
فنسأل الله العلي القدير أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعنا بما علمنا، ويزيدنا علماً، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
الآن، وبعد الفراغ من المقدمة، ننتقل حسب الخطة المصمتة إلى:
أولاً: مسوغات اختيار الموضوع (لماذا هذا النص؟)
لقد وقع الاختيار على شرح "المسائل الأربع" للإمام محمد بن عبد الوهاب لاعتبارات موضوعية ومنهجية عدة، أبرزها:
محورية النص: فهذه المسائل ليست مجرد مقدمة لرسالة، بل هي "خلاصة دين الإسلام"؛ إذ تدور حولها أركان السعادة البشرية التي تضمنتها سورة العصر.
الحاجة الماسة للتأصيل: في زمن تلاطمت فيه أمواج الشبهات، برزت الحاجة للعودة إلى المتون التي تربي المسلم على "الدليل"، ليكون إيمانه مبنياً على اليقين لا على المحاكاة والتقليد.
المنهجية التراكمية: اختيار هذا الموضوع يسمح بتقديم شرح يجمع بين فقه السلف وبين تحقيقات المتأخرين، مما يجعله مادة علمية تناسب المبتدئ ولا يستغني عنها المنتهي.
تصحيح المفاهيم: لوجود خلط كبير في واقع الناس بين "العلم" المجرد وبين "العمل" و"الدعوة"؛ فجاء هذا البحث ليعيد ترتيب هذه العلاقة وفق منظور شرعي منضبط.
ثانياً: أهداف البحث (الغاية من الدراسة)
إن الهدف من إخراج هذا البحث في عشره مباحث (في الفصل الأول) وخمسه (في الفصل الثاني) هو تحقيق غايات محددة:
الهدف التوثيقي: إثبات نسبة النص لمؤلفه وعزوه لمظانه الأصلية، لرد أي تشكيك في أصالة المادة العلمية.
الهدف اللغوي: سبر أغوار الألفاظ التي استخدمها الإمام (مثل: اعلم، رحمك الله، يجب علينا)، وبيان لماذا اختار "فعل الأمر" دون غيره، وما يترتب على ذلك من دلالات تكليفية.
الهدف التحليلي: تفكيك المسائل الأربع (العلم، العمل، الدعوة، الصبر) وشرح كل واحدة منها باستفاضة، مع بيان وجه التلازم المنطقي بينها.
الهدف المرجعي: إيجاد "كشاف جامع" لأقوال العلماء الذين شرحوا هذه الرسالة، بحيث لا يحتاج طالب العلم للتنقل بين عشرات المجلدات ليجد بغيته.
الهدف التربوي: تحويل هذه المسائل من مجرد "متن يحفظ" إلى "منهج حياة" يطبقه المسلم في يومه وليله، خاصة في باب الصبر على الأذى في سبيل الله.
الفصل الأول
المبحث الأول:
سيرة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله)
أولاً: البطاقة الشخصية والنشأة
هو الإمام المجدد، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد التميمي.
* الميلاد: ولد في مدينة "عيينة" من بلاد نجد عام 1115 هـ.
* النشأة العلمية: نشأ في بيت علم وقضاء؛ حفظ القرآن الكريم قبل سن العاشرة، وكان حاد الذكاء، قوي الحافظة. أخذ مبادئ الفقه عن والده الشيخ عبد الوهاب (قاضي العيينة)، وظهر عليه النبوغ في وقت مبكر حتى إن والده قال: "لقد رأيت من محمد فائدة في أحكام الصلاة وهو لم يبلغ الحلم".
ثانياً: الرحلة في طلب العلم (السعي وراء الدليل)
لم يكتفِ الإمام بعلم علماء بلده، بل رحل لطلب العلم في مظانه:
* مكة والمدينة: رحل للحج وجاور في المدينة، وقرأ على الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، والشيخ المحدث محمد حياة السندي، وهناك تأصل لديه منهج تعظيم السنة ونبذ البدع.
* البصرة: رحل إليها وقرأ على علمائها، وبدأ هناك ينكر ما رآه من مظاهر الشرك والبدع عند القبور، وألف هناك مسودات كتابه العظيم "كتاب التوحيد".
* الأحساء: رحل إليها وأخذ عن علمائها من آل عبد اللطيف وغيرهم.
ثالثاً: منهج الدعوة وأطوارها
مرت دعوة الإمام بأطوار تاريخية مفصلية:
* مرحلة الدعوة الفردية: بدأت في البصرة ثم في حريملاء بعد وفاة والده عام 1153 هـ.
* مرحلة التمكين الأول (العيينة): حيث ناصره أميرها عثمان بن معمر، وبدأ بتطبيق الشرع وإزالة القبب المنصورة على القبور.
* مرحلة الميثاق التاريخي (الدرعية): وهي المحطة الأبرز عام 1157 هـ، حيث التقى بالإمام محمد بن سعود، وتعاهدا على نصرة "لا إله إلا الله"، وهي اللبنة الأولى لقيام الدولة السعودية الأولى والدعوة السلفية الحديثة.
رابعاً: آثاره العلمية ووفاته
ترك الإمام ثروة علمية تميزت بالاختصار والاعتماد الكلي على النص الشرعي، من أهمها: (كتاب التوحيد، كشف الشبهات، الأصول الثلاثة، القواعد الأربع).
* الوفاة: توفي رحمه الله في الدرعية عام 1206 هـ، بعد عمر حافل بالجهاد والتعليم، وصُلي عليه في الدرعية ودُفن فيها.
خامساً: عزو السيرة إلى مصادرها الأصيلة
للتحقق من هذه السيرة وتفاصيلها، يُرجع إلى المصادر التاريخية المعاصرة والقريبة من عهده:
* حسين بن غنام: في كتابه "روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام" (تاريخ ابن غنام). وهو من أدق من سجل أحداث الدعوة لأنه كان معاصراً لها.
* عثمان بن بشر: في كتابه "عنوان المجد في تاريخ نجد". وهو مرجع أساسي لتاريخ الدولة السعودية الأولى وسيرة الشيخ.
* عبد الرحمن بن قاسم: في مقدمة "الدرر السنية في الأجوبة النجدية"، حيث أورد تراجم وسير أئمة الدعوة.
* المؤرخين المستشرقين والمعاصرين: مثل كتاب "جزيرة العرب في القرن العشرين" لحافظ وهبة، وكتب المؤرخ "ميرزا حسن خان".
الفصل الأول : المبحث الثاني:
توثيق النص ومصدره وإثبات نسبته
أولاً: تحديد مصدر النص (أين وجد؟)
هذا النص ليس رسالة قائمة بذاتها تحت مسمى "المسائل الأربع" في أصل تصنيف الإمام، بل هو "المقدمة الأولى" لرسالته المشهورة بـ (الأصول الثلاثة وأدلتها).
* المصدر الأصلي: كتاب "الأصول الثلاثة وأدلتها" (وهي غير رسالة "ثلاثة الأصول" المختصرة التي كتبت للعوام، وإن كان بينهما تشابه كبير).
* السياق: وضع الإمام هذه المسائل الأربع (العلم، العمل، الدعوة، الصبر) كتمهيد كلي ومنطلق منهجي قبل الخوض في تفاصيل الأصول الثلاثة (معرفة الرب، والدين، والنبي).
ثانياً: هل هو نص منفرد أم مجمع؟
عند استقراء مؤلفات الإمام، نجد أن هذا النص ورد في صورتين:
* نص مجمع: كونه جزءاً لا يتجزأ من مقدمة "الأصول الثلاثة".
* نص مستقل: نظراً لأهميته البالغة وقوة سبكه، جرى عزل هذه المسائل في "وريقات" مستقلة تسمى أحياناً "رسالة المسائل الأربع"، لتسهيل حفظها وتدريسها للمبتدئين، وقد فعل ذلك تلاميذ الشيخ كنوع من التقريب التعليمي.
ثالثاً: إثبات نسبة النص إلى الشيخ (الأدلة والقرائن)
تتضافر الأدلة على أن هذا النص هو من مشكاة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ومن ذلك:
* الاستفاضة والتواتر: فقد تداولها علماء نجد طبقة عن طبقة، وحفظها الصغير والكبير، ولا يُعرف لهذه الرسالة نسب لغيره.
* وجودها في المجموعات المسندة: نجد النص مثبتاً في "مجموعة التوحيد" التي جمعها علماء الدعوة قديماً، وفي "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" التي جمعها العلامة عبد الرحمن بن قاسم (المجلد الأول - ص 125).
* أسلوب الشيخ (السمات الأسلوبية): النص يحمل بصمة الإمام المعروفة بـ (السهولة الممتنعة)، والبدء بـ "اعلم رحمك الله"، والحرص الشديد على الاستدلال بالآيات، وهي سمات غالبة على كل رسائله مثل "القواعد الأربع" و"كشف الشبهات".
* شهادة الشراح: تصدى لشرح هذه الكلمات كبار أئمة الدعوة ومن جاء بعدهم، مثل الشيخ سليمان بن عبد الله (حفيد الشيخ) في شرحه، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، مما يؤكد صحة النسبة.
رابعاً: الحالة الضبطية للنص
النص الذي بين أيدينا هو:
"اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل:
الأولى: العلم، وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
الثانية: العمل به.
الثالثة: الدعوة إليه.
الرابعة: الصبر على الأذى فيه.
والدليل قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)}". سورة العصر
هذا النص محقق في "مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب" التي نشرتها جامعة الإمام، بمراجعة الشيخ عبد العزيز الرومي والدكتور ناصر البراك والدكتور عبد العزيز الزيد.
المبحث الثالث:
الاستقصاء اللغوي والدلالي لألفاظ النص
1. "اعلم" (لماذا أتى بفعل الأمر في أول الكلام؟)
من الناحية البلاغية: البدء بالأمر يسمى "براعة استهلال" لجذب الانتباه. العلم هنا ليس ترفاً، بل هو "قائد العمل"، فقدم الأمر به ليعلم المخاطب أن ما سيأتي بعده هو أصل الأصول.
من الناحية الشرعية: العلم يسبق القول والعمل، فكلمة "اعلم" تضع النقاط على الحروف؛ فلا إسلام بلا علم، ولا يقين بلا معرفة.
قوله: "اعلم" (فعل الأمر والدلالة الذهنية)
- لغةً: "اعلم" فعل أمر من (العِلْم)، وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً.
- الدلالة المنهجية: بدأ الإمام بفعل الأمر للتنبيه وشحذ الذهن. فالمقام مقام تعليم، والأمر هنا يفيد "وجوب التوجه" بقلبٍ حاضر لما سيُلقى.
- لماذا "اعلم"؟ ليشير المصنف إلى أن الدين لا يؤخذ بالظن ولا بالوهن، بل باليقين والعلم الذي يطرد الجهل.
2. "رحمك الله" (لماذا اختار صيغة الماضي "رحِم"؟)
الدلالة اللغوية: استخدم الفعل الماضي "رحِم" للدلالة على تحقيق الوقوع وتفاؤلاً بأن الرحمة قد نزلت بالمتعلم فعلاً بمجرد إقباله على العلم.
قوله: "رحمك الله" (الدعاء والمنهج التربوي)
- إعراباً: جملة خبرية لفظاً (أخبر أن الله رحمك)، لكنها إنشائية معنى (أي: اللهم ارحمه).
- الدلالة التربوية: هذا تلطف من المعلم (الشيخ) مع المتعلم. وكأن الشيخ يقول: "يا طالب العلم، إنما أبذل لك هذا النصح شفقةً عليك ورغبةً في أن تنالك رحمة الله".
- الارتباط الشرعي: الرحمة هي حصول المطلوب والنجاة من المرهوب. فإذا رحمك الله، غفر لك ما مضى ووفقك فيما بقي، وهذا هو حال طالب العلم الحقيقي.
الارتباط بين العلم والرحمة: أشار العلماء
(مثل الشيخ ابن عثيمين) إلى أن ذكر الرحمة هنا تنبيه على أن هذا الدين مبني على الرحمة، وأن العالم لا بد أن يكون رحيماً بالمتعلم، يرفق به ويدعو له قبل أن يأمره وينهى عنه.
3. "أنه يجب علينا" (لماذا "على" و "نا"؟)
حرف الجر "على": يفيد في اللغة "الاستعلاء"، وعند الأصوليين يفيد "الإلزام". فالوجوب هنا ليس تخييراً، بل هو "حتم لازم".
ضمير الجماعة "نا": يشير إلى أن الحكم عام.
وهنا نلمح إشارة إلى الواجب العيني.
الفرق بين الواجب العيني والكفائي هنا:
العلم بالمسائل الأربع (أصول التوحيد) واجب عيني على كل مسلم ومسلمة، لا يسقط بقيام البعض به، بخلاف التبحر في دقائق الفقه أو المواريث الذي هو فرض كفاية.
قوله: "أنه يجب علينا" (تفكيك الوجوب العيني)
- الوجوب لغةً: الثبوت والسقوط، ومنه "فإذا وجبت جنوبها" أي سقطت وثبتت.
- الوجوب شرعاً: ما أمر به الشارع على وجه الإلزام، بحيث يثاب فاعله امتثالاً، ويستحق العقاب تاركه.
- دلالة "علينا": كلمة "على" تفيد الاستعلاء والإلزام. واختيار "نا" الفاعلين (علينا) يشير إلى الوجوب العيني؛ أي أن هذا التكليف ليس خاصاً بالعلماء أو الرجال دون النساء، بل هو فرض على كل مكلف (ذكر وأنثى، حر وعبد).
4. "تعلم" (دلالة التفعُّل)
لغوياً: "تعلم" على وزن "تفعّل"، وهذا الوزن في العربية يفيد التدرج والتكلف (بذل الجهد).
الدلالة: العلم لا ينال براحة الجسم، بل يحتاج إلى صبر ومجاهدة وتكرار، فالإمام يخبرك أنك في طريق يحتاج لبذل جهد لتحصيل هذه المسائل.
5. "أربع مسائل" (لماذا التنكير والعدد؟)
المسائل: جمع "مسألة"، وهي ما يتبرهن عنه في العلم. وسميت مسألة لأنها مما "يُسأل" عنه، أو لأن الطالب يطلب السؤال عن حكمها.
العدد أربع: ذكرنا أنه للضبط والحصر، وهو أسلوب نبوي يسهل على العامي والمتعلم استذكار أصول دينه فلا ينساها.
. قوله: "تعلم أربع مسائل" (الحصر والترتيب)
تعلم: اختيار لفظ التعلم يدل على أن هذه المسائل لا تأتي بالوراثة أو التمني، بل بالطلب والبحث والتحصيل.
العدد (أربع): الحصر هنا يقصد به "الحصر المنهجي"؛ أي أن هذه هي الأركان الأربعة التي يدور عليها فلاح الإنسان. والعدد يساعد على الحفظ والضبط، وهو من هدي النبي ﷺ في تعليم أصحابه (مثل: "اجتنبوا السبع الموبقات").
6. "الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة" (الترتيب الرتبي)
لم يأتِ بهذا الترتيب عبثاً، بل هو ترتيب "استحقاقي".
لا يمكن أن تكون هناك "ثانية" (عمل) بلا "أولى" (علم).
ولا تثمر "الثالثة" (دعوة) إلا إذا قامت على علم وعمل.
وتأتي "الرابعة" (الصبر) كحارس لهذه المنظومة كلها، لأن كل من علم وعمل ودعا، سيوذى لا محالة، فيحتاج للصبر.
عزو الشروحات لهذا المبحث (أقوال العلماء):
الشيخ ابن عثيمين:
أكد في شرحه أن البدء بـ "اعلم" هو تنبيه للمخاطب لأهمية ما يلقى إليه.
الشيخ صالح الفوزان:
أشار إلى أن "رحمك الله" دعاء بالهداية في الدنيا والمغفرة في الآخرة، وهو من أدب المعلم مع المتعلم.
الشيخ صالح آل الشيخ:
نبه في "التحقيق" إلى أن الوجوب هنا هو وجوب عيني، وأن "الأدلة" تعني البراهين من الكتاب والسنة.
الفصل الأول :
المبحث الرابع: المسألة الأولى (العلم)
قال المصنف رحمه الله: "الأولى: العلم؛ وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة".
أولاً: التحرير اللغوي والاصطلاحي لمادة (ع ل م)
* العلم لغةً: هو نقيض الجهل، وأصله من "العلامة"، وهي الأمارة التي يُهتدى بها إلى الشيء. فالعلم سمي علماً لأنه يميّز الحق من الباطل كما تميّز العلامة الطريق.
* العلم اصطلاحاً: هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. فخرج بقولنا "إدراكاً" الجهل البسيط، وخرج بقولنا "على ما هو عليه" الجهل المركب، وخرج بقولنا "جازماً" الظن والشك والوهم.
* العلم شرعاً: هو العلم الموروث عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهو العلم بالله وبأسمائه وصفاته، والعلم بحقوقه على خلقه، والعلم بشريعته وأحكامه.
ثانياً: الفرق بين (العلم) و(المعرفة) و(الفقه)
هنا نغوص في دقائق الفروق اللغوية التي طلبتموها، وهي فروق جوهرية عند المحققين:
* الفرق بين العلم والمعرفة:
* من حيث المسبوقية بالجهل: المعرفة في الغالب تكون مسبوقة بجهل (أي إدراك بعد نسيان أو جهل)، ولذلك يقال للإنسان "عارف" ولا يقال عن الله "عارف" بل "عالم"، لأن علم الله أزلي لم يسبقه جهل.
* من حيث التفصيل والعموم: العلم يتعلق بالكليات والقواعد، أما المعرفة فغالباً ما تتعلق بذات الشيء وجزئياته (تقول: عرفت فلاناً، ولا تقول علمت فلاناً).
* من حيث التضاد: ضد العلم الجهل، وضد المعرفة الإنكار (كما قال تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا}).
* الفرق بين العلم والفقه:
* الدقة والعمق: الفقه أخص من العلم، فهو "فهم مراد المتكلم" أو "العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية".
* الاستنباط: العلم قد يكون سماعياً بسيطاً، أما الفقه فيتطلب استنباطاً وإعمال عقلٍ وغوصاً في المعاني، ولذلك قال النبي ﷺ: "من يرد الله به خيراً يُفقهه في الدين".
ثالثاً: التدقيق في ألفاظ المسألة الأولى (كلمة كلمة)
بعد أن حررنا المصطلحات، نأتي لتفكيك نص الإمام:
* "الأولى: العلم": بدأ بها لأن العلم إمام العمل، ولا يُقبل عمل بدونه. وقدم "الأولى" لبيان الترتيب الاستحقاقي.
* "وهو معرفة الله": هنا استخدم الإمام لفظ "المعرفة" بدلاً من "العلم" تلطفاً، أو لأن المعرفة تقتضي الإقرار والتعظيم. ومعرفة الله هي الأصل، وتكون بمعرفة ربوبيته (أنه الخالق الرازق)، وألوهيته (أنه المستحق للعبادة)، وأسمائه وصفاته.
* "ومعرفة نبيه": وهو الواسطة بيننا وبين الله في تبليغ الوحي. ومعرفته تقتضي معرفة اسمه، ونسبه، وما جاء به، وتصديقه في كل ما أخبر.
* "ومعرفة دين الإسلام": وهو المنهج الذي نعبد الله به، وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة.
* "بالأدلة": هذه الكلمة هي قيد المنهج عند الإمام. فالأدلة جمع "دليل"، وهو ما يوصل إلى المطلوب.
* لماذا بالأدلة؟ لأن الإيمان المبني على التقليد المحض قد ينهار أمام الشبهات، أما الإيمان المبني على "قال الله وقال رسوله" فهو اليقين الذي ينجي العبد في قبره عند سؤال الملكين.
رابعاً: أنواع العلم في هذا المبحث
يُقسم العلماء العلم في هذا المقام إلى:
* علم هو فرض عين: وهو ما ذكره المصنف هنا (معرفة الله ورسوله ودينه)، وهو ما لا يصح الإسلام إلا به.
* علم هو فرض كفاية: وهو التوسع في دقائق العلوم الشرعية، والاجتهاد في الأحكام، وهذا إذا قام به البعض سقط عن الآخرين.
عزو العلماء وتحقيقاتهم:
* الإمام ابن القيم: في "مفتاح دار السعادة" فصل في الفرق بين العلم والمعرفة، وأوضح أن العلم صفة كمال، بينما المعرفة قد يشوبها نوع من التذكر بعد النسيان.
* الشيخ ابن عثيمين: في شرحه للأصول الثلاثة، أكد أن قول الإمام "بالأدلة" يخرج التقليد، وأن المراد بالأدلة هي الأدلة الشرعية (الوحي) والأدلة العقلية الفطرية.
بهذا نكون قد انتهينا من المبحث الرابع بشموليته اللغوية والشرعية والتدقيق في ألفاظه.
هل ننتقل الآن إلى (المبحث الخامس: المسألة الثانية - العمل به) لنحلل ألفاظه ونبين حقيقة العمل في هذا النص؟
ثانياً: معرفة نبينا محمد ﷺ (الأصل الثاني)
1. التحقيق اللغوي والفرق بين النبي والرسول
* اللغة: (النبي) لغةً فعيل بمعنى مُفعَل، مشتق من "النبأ" وهو الخبر العظيم، لأنه يُخبر عن الله. و(الرسول) لغةً هو المبعوث برسالة ليؤديها.
* الفرق عند أهل السنة: الرأي المنصور والراجح عند المحققين هو:
* الرسول: من أُوحي إليه بشرع جديد، وأُمِر بتبليغه إلى قوم مخالفين (كأولي العزم من الرسل).
* النبي: من أُوحي إليه لتقرير شرع من قبله، وأُمِر بتبليغه إلى قوم مؤمنين (كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يحكمون بالتوراة).
* القاعدة المحكمة: "كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً"؛ فالرسالة أخص من النبوة، فمن نال الرسالة فقد حاز النبوة وزيادة.
* المصدر: ابن تيمية، النبوءات، ج 2، ص 714، دار أضواء السلف.
2. مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله (الأمور الأربعة)
هذه الأركان هي جوهر المعرفة والاتباع، وتجمعها العبارة المشهورة:
* تصديقه فيما أخبر: الاعتقاد الجازم بصحة كل ما نقله عن رب العزة من غيب وماضٍ ومستقبل.
* طاعته فيما أمر: الامتثال الكامل لأوامره والعمل بسنته.
* اجتناب ما نهى عنه وزجر: الانكفاف عما حذر منه صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً.
* ألا يُعبد الله إلا بما شرع: وهذا هو "المراد" من الرسالة، أي توحيد المتابعة، فلا نبتدع في الدين ما ليس منه.
* المصدر: محمد بن عبد الوهاب، الأصول الثلاثة، ص 6 (ضمن مجموعة التوحيد).
3. اسمه ونسبه الشريف ﷺ
يجب معرفة أصل هذا النبي الكريم، وهو:
* الاسم: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم.
* النسب: هاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
* المصدر: ابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، ص 1، دار المعرفة.
4. بعثته وهجرته وسنوات دعوته
* مدة العمر: عاش النبي ﷺ ثلاثاً وستين سنة.
* قبل البعثة: مكث أربعين سنة قبل أن يوحى إليه.
* مرحلة النبوة: نبئ بـ "اقرأ" وأرسل بـ "المدثر"، وبقي ثلاثاً وعشرين سنة نبياً ورسولاً.
* مرحلة مكة: مكث في مكة عشر سنين يدعو إلى التوحيد قبل فرض الصلاة، ثم ثلاث سنين بعدها، فالمجموع ثلاث عشرة سنة في مكة.
* مرحلة المدينة: هاجر إلى المدينة ومكث فيها عشر سنين، وفيها فُرضت بقية شرائع الإسلام (كالزكاة والصوم والحج والجهاد).
* المصدر: المباركفوري، رحيق المختوم، ص 140-190.
5. كمال الدين وخاتمية الرسالة
يجب اليقين بأن الله أتم به النعمة وأكمل به الدين، فلا يحتاج الخلق إلى تشريع بعده:
* الشاهد: قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
* الخاتمية والعبودية: هو خاتم الأنبياء، وهو "عبد الله ورسوله"؛ فلا يُرفع فوق منزلته فيُعبد، ولا يُنقص من قدره فيُعصى، بل هو أكمل الخلق عبودية لله.
6. الحقوق الخمسة الواجبة تجاه النبي ﷺ
* التصديق المطلق: في كل ما جاء به من الوحيين.
* المحبة المقدمة: أن يكون أحب إليك من نفسك ومالك والناس أجمعين.
* النصرة والتعزير: نصرة سنته والذب عنها ونشر هديها.
* الصلاة والسلام عليه: لاسيما عند ذكره وفي المواطن التي شرعها الله.
* الاتباع المحض: بتقديم قوله على قول كل أحد كائناً من كان.
بهذا نكون قد استوفينا تحقيق الركن الثاني (معرفة النبي ﷺ).
ثالثاً: معرفة دين الإسلام (الأصل الثالث)
1. التحقيق اللغوي والشرعي لمصطلح "الإسلام"
* المعنى اللغوي: مشتق من مادة (س ل م)، وهو الاستسلام والخضوع والذل والانقياد. يُقال: "أسلم أمره لله" أي فوّضه وانقاد له.
* المعنى الشرعي (الحد الجامع المانع): هو "الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله".
* المصدر: محمد بن عبد الوهاب، الأصول الثلاثة، ص 7.
2. دلالة الإسلام عند الإطلاق والاقتران (قاعدة أصولية)
يجب التنبيه إلى قاعدة "إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا":
* إذا أُطلق الإسلام وحده: شمل الدين كله (عقيدة وشريعة).
* إذا اجتمع مع "الإيمان": صار الإسلام للأعمال الظاهرة (الجوارح)، والإيمان للأعمال الباطنة (القلب).
* المصدر: ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم (شرح حديث جبريل)، ص 35.
3. مراتب الدين الثلاث
الدين مراتب بعضها فوق بعض، ولا يُنال الأعلى إلا بتحقيق الأدنى:
المرتبة الأولى: الإسلام (دائرة الأعمال الظاهرة)
* حقيقته: هو الاستسلام الظاهري والانقياد للجوارح.
* أركانه الخمسة: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، صوم رمضان، حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً).
* الشاهد: قوله ﷺ: "بُني الإسلام على خمس..." (رواه البخاري ومسلم).
المرتبة الثانية: الإيمان (دائرة التصديق الباطن)
* حقيقته: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان؛ يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. وهو أخص من الإسلام.
* أركانه الستة: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره".
* الشاهد: حديث جبريل المشهور عندما سأل النبي ﷺ عن الإيمان (رواه مسلم).
المرتبة الثالثة: الإحسان (ذروة السنام)
* حقيقته: هو إتقان العبادة واستحضار مراقبة الله عز وجل، وهو أخص المراتب وأضيقها أهلاً.
* ركنه الواحد: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
* مقاماته: ينقسم إلى مقامين: (مقام المشاهدة) وهو الأكمل، و(مقام المراقبة).
4. الربط بين المراتب (العلاقة التلازمية)
* كل مُحسن مؤمن ومسلم (بالضرورة).
* كل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن محسناً.
* كل مسلم قد يكون مؤمناً وقد لا يكون (كالأعراب في بداية إسلامهم {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا}).
* المصدر: ابن تيمية، كتاب الإيمان، ص 154، دار الكتب العلمية.
5. كمال الدين وشموليته
يجب اليقين بأن هذا الدين هو "الدين الخاتم" الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه، لقوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
بهذا نكون قد أتممنا تحقيق "المسألة الأولى: العلم" بأركانها الثلاثة (معرفة الله، معرفة نبيه، معرفة دين الإسلام).
الفصل الأول : المبحث الخامس: المسألة الثانية (العمل به)
قال المصنف رحمه الله: "الثانية: العمل به".
أولاً: التدقيق اللغوي لمادة (ع م ل)
* اللغة: العَمَل هو المهنة والفعل، والجمع أعمال. والفرق بين "العمل" و"الفعل" عند اللغويين أن العمل هو فعل يكون بامتداد زماني وقصد، بينما الفعل قد يكون حركة دفعية واحدة بلا قصد.
* دلالة "به": الضمير في "به" يعود على "العلم" المذكور في المسألة الأولى. والباء هنا للمصاحبة أو الاستعانة، أي أن يكون العمل مصاحباً للعلم ومبنياً عليه.
ثانياً: أنواع العمل في ميزان الشرع
ينقسم العمل الذي قصده الإمام إلى ثلاثة مستويات:
* عمل القلب: وهو الأصل، ويشمل الإخلاص، والمحبة، والرجاء، والتوكل، والنية.
* عمل الجوارح: وهو الأفعال الظاهرة كالصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد.
* عمل اللسان: وهو النطق بالشهادتين، والذكر، وتلاوة القرآن.
ثالثاً: شروط العمل الصالح (الإخلاص والمتابعة)
العمل لا يكون مقبولاً ولا "صالحاً" إلا بتحقيق شرطين أساسيين، وهما اللذان تدور عليهما رحى العبادة:
* الإخلاص لله: وهو تجريد القصد لله عز وجل، وألا يبتغي العبد بعمله إلا وجه الله.
* المتابعة للرسول ﷺ: أن يكون العمل موافقاً لهدي النبي ﷺ وشريعته، فكل عمل ليس عليه أمره فهو رد.
رابعاً: هل المقصود "جنس العمل" أم "عمل مخصوص"؟
المقصود هنا هو العمل المخصوص بالشريعة، وهو الذي يجمع بين العلم والنية الصادقة. فليس كل فعل يسمى عملاً صالحاً، بل هو ما استجمع شروط القبول.
* وهذا هو سر الترتيب عند الإمام؛ إذ لا يمكن تحقيق "المتابعة" (الشرط الثاني) إلا بـ "العلم" (المسألة الأولى).
خامساً: قول الفضيل بن عياض في "أحسن عملاً"
لقد لخص الإمام الفضيل بن عياض قضية العمل عند تفسير قوله تعالى في سورة الملك (وليس البقرة، ولعل ذكر البقرة سبق لسان، والصحيح أنها في قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}):
* قال الفضيل: "أخلصه وأصوبه". قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: "إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة".
سادساً: مرتبة العمل من العلم
العمل هو "ثمرة" العلم، والعلاقة بينهما علاقة تلازمية عند أهل السنة:
* العلم بلا عمل كشجر بلا ثمر، وهو حجة على صاحبه.
* العمل بلا علم ضلال وتعب بلا نفع.
* العزو: "العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل" (الخطيب البغدادي، اقتضاء العلم العمل، ص 34).
سابعاً: عزو المصادر (بالدقة المطلوبة)
لتحقيق هذا المبحث، يُرجع إلى المراجع التالية:
* جامع العلوم والحكم: لابن رجب الحنبلي، شرح حديث "إنما الأعمال بالنيات"، ج 1، ص 60-75، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة.
* مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: للإمام ابن القيم الجوزية، ج 1، ص 105-110 (فصل في منزلة الإخلاص)، دار الكتاب العربي.
* شرح الأصول الثلاثة: للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص 37-40، دار الثريا للنشر.
* اقتضاء العلم العمل: للخطيب البغدادي، ص 34-45، مكتبة المعارف - الرياض.
* حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم الأصفهاني (في ذكر أثر الفضيل بن عياض)، ج 8، ص 95، دار الفكر.
جدية العمل وعلاقته التلازمية بالعلم
أولاً: الاستشهاد من الوحيين على وجوب وجدية العمل
1. من القرآن الكريم (5 آيات محكمات):
- الآية الأولى: قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]. وجه الدلالة: الأمر الصريح بالعمل واقترانه برقابة الخالق والمؤمنين.
- الآية الثانية: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2-3]. وجه الدلالة: الزجر الشديد عن انفصال القول (العلم) عن الفعل (العمل).
- الآية الثالثة: قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [الكهف: 110]. وجه الدلالة: حصر رجاء اللقاء بالعمل الصالح الموصوف بالإخلاص والمتابعة.
- الآية الرابعة: قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72]. وجه الدلالة: العمل سبب لدخول الجنة بفضل الله.
- الآية الخامسة: قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]. وجه الدلالة: التقوى هي جماع العلم والعمل، وبها يُقبل السعي.
2. من السنة النبوية (5 أحاديث صحيحة):
- الحديث الأول: قوله ﷺ: "لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ..." وذكر منها: "...وعن عِلمِهِ ماذا عمِلَ فيهِ". (رواه الترمذي، السنن، رقم 2417، وصححه الألباني).
- الحديث الثاني: قوله ﷺ: "مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه". (رواه الطبراني، المعجم الكبير، ج 2، ص 165).
- الحديث الثالث: قوله ﷺ: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع...". (رواه مسلم، الصحيح، رقم 2722). والعلم الذي لا ينفع هو الذي لا يُعمل به.
- الحديث الرابع: قوله ﷺ: "القرآن حجة لك أو عليك". (رواه مسلم، الصحيح، رقم 223). يكون عليك إذا لم تعمل بمقتضاه.
- الحديث الخامس: قوله ﷺ: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". (رواه مسلم، الصحيح، رقم 1718). تأكيد على شرط المتابعة (العلم بكيفية العمل).
ثانياً: القاعدة المستنبطة من المسألة الثانية (العمل)
"العلم وسيلة والعمل غاية، ولا تُنال الوسيلة إلا لتحقيق غايتها".
وتفصيلها: أن العلم شرفُه لكونه طريقاً للعمل، والعمل قيمتُه لكونه ثمرة اليقين، وبينهما تلازم؛ فالعلم بلا عمل "وبال"، والعمل بلا علم "ضلال".
ثالثاً: أقوال أئمة السلف في جدية العمل وارتباطه بالعلم
-
الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه):
"هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل".
- المصدر: الخطيب البغدادي، اقتضاء العلم العمل، ص 34، مكتبة المعارف - الرياض.
-
الإمام الحسن البصري (رحمه الله):
"ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل".
- المصدر: ابن بطة العكبري، الإبانة الكبرى، ج 2، ص 801، دار الراية.
-
الإمام سفيان الثوري (رحمه الله):
"إنما يتعلم العلم ليتُقى به الله، وإنما فُضل العلم على غيره لأنه يتقى به الله".
- المصدر: ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، ج 1، ص 686، دار ابن الجوزي.
-
الإمام الأوزاعي (رحمه الله):
"إذا أراد الله بقوم سوءاً، ألزمهم الجدل ومنعهم العمل".
- المصدر: أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء، ج 6، ص 143، دار الفكر.
-
الإمام الشافعي (رحمه الله):
"لا ينفع العلم إلا مع العمل، فمن عمل بما علم هداه الله لما لم يعلم".
- المصدر: البيهقي، مناقب الشافعي، ج 2، ص 150، مكتبة دار التراث.
رابعاً: التحقيق في مرتبة "العلم قبل العمل"
أكد السلف أن العمل لا يقبل إلا بعلم، لأن العلم هو الذي يصحح النية (الإخلاص) ويصحح الهيئة (المتابعة). ومن عَبَدَ الله بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه، فالعلم هو "الحاكم" والعمل هو "المحكوم".
بهذا نكون قد أحكمنا المبحث السادس بالتحقيق الأكاديمي المطلوب.
المبحث السادس:
المسألة الثالثة (الدعوة إليه)
قال المصنف رحمه الله: "الثالثة: الدعوة إليه".
بعد أن فرغ المصنف من "تأصيل الذات" بالعلم والعمل، انتقل إلى "تعدية النفع" للغير، وهي مرتبة الكمال في الاستقامة. وفيما يلي تفصيل هذه المسألة:
أولاً: التدقيق اللغوي والدلالي لمادة (د ع و)
* الأصل اللغوي: مادة (دَعَوَ) في لسان العرب تدور حول تمييل الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك. والدعاء هو الاستمالة.
* المصدر: ابن منظور، لسان العرب، ج 14، ص 257، دار صادر.
* الدعوة في الاصطلاح الشرعي: هي تبليغ دين الإسلام للناس، وتعليمهم إياه، وترغيبهم فيه، وتحذيرهم مما يخالفه، بالحكمة والموعظة الحسنة.
* دلالة "إليه": الضمير هنا يعود على ما سبق ذكره في المسألة الأولى، أي: الدعوة إلى الله، وإلى دينه، وإلى العلم الذي تعلمه والعمل الذي عمله.
* نكبة تربوية: قدم المصنف العلم والعمل على الدعوة، ليدل على أن "الداعية" لا بد أن يكون عالماً بما يدعو إليه، عاملاً به، حتى لا يكون ممن يقولون ما لا يفعلون.
ثانياً: حكم الدعوة إلى الله
الدعوة إلى الله أصلها الوجوب، وهي تنقسم بحسب حال المكلف إلى قسمين:
* فرض عين: وذلك في حدود ما يعلمه المسلم من دينه، لقوله ﷺ: "بلغوا عني ولو آية". فيجب على الأب دعوة أهل بيته، وعلى الفرد دعوة من يراه يقع في منكر بيّن وهو يعلم حكمه.
* فرض كفاية: وهي الدعوة المنظمة المتخصصة، والرد على الشبهات، والرحلة في الآفاق لتبليغ الدين لمن لا يعرفه، فإذا قام بها العلماء والدعاة المتخصصون سقط الإثم عن بقية الأمة.
* الدليل: قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 104].
* المصدر: الجصاص، أحكام القرآن، ج 2، ص 36، دار إحياء التراث العربي.
ثالثاً: مراتب الدعوة وأساليبها
بين الله عز وجل في كتابه أن الناس في تقبل الحق أصناف، ولكل صنف مرتبة من الدعوة تناسبه، كما في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعُوظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
* مرتبة الحكمة: وهي للمستجيب المحب للحق، فيُخاطب بما يقبله عقله وتطمئن به نفسه.
* مرتبة الموعظة الحسنة: وهي لمن لديه نوع غفلة أو اتباع هوى، فيُخاطب بالترغيب والترهيب بأسلوب رقيق.
* مرتبة المجادلة بالتي هي أحسن: وهي للمعاند أو صاحب الشبهة، فيُناقش بالحجة والبرهان لإقامة الحجة عليه أو رده للحق.
* المصدر: ابن القيم، مفتاح دار السعادة، ج 1، ص 152، دار الكتب العلمية.
رابعاً: أنواع الدعوة إلى الله
تتنوع الدعوة بحسب الوسيلة والمنهج إلى أنواع عدة:
* الدعوة بالحال (القدوة): وهي أعظم أنواع الدعوة وأسرعها أثراً، وهي أن يرى الناس الإسلام في سلوك الداعية قبل كلامه.
* الدعوة بالقال (التبليغ): وتشمل الخطابة، والتدريس، والنصيحة الفردية.
* الدعوة بالبنان (الكتابة): وهي تدوين الكتب والرسائل ونشر العلم عبر الوسائل الحديثة، وهي صدقة جارية.
* الدعوة إلى التوحيد (الدعوة التأسيسية): وهي دعوة غير المسلمين للإسلام، ودعوة المسلمين لتصحيح عقائدهم، وهي دعوة الرسل جميعاً.
* المصدر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 15، ص 157 (فصل في أصول الدعوة)، مجمع الملك فهد.
خامساً: شروط الداعية وآدابه (ما يجب في الدعوة)
بناءً على كلام المحققين، لا بد للداعية من زادٍ يسير به في هذا الطريق:
* العلم: فلا يدعو على جهل، لقوله تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}. والبصيرة هنا هي العلم.
* الإخلاص: أن يريد بالدعوة وجه الله، لا جاهاً ولا شهرة ولا اتباعاً.
* الرفق والحلم: فالغلظة تنفر الناس، وقد قيل: "من لم يكن رفيقاً في أمره، فلا يأمر".
* العمل بما يدعو إليه: ليكون كلامه مقبولاً، وليهرب من وعيد من يخالف قوله فعله.
* المصدر: الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، ج 2، ص 150، دار ابن الجوزي.
سادساً: فضل الدعوة والمنزلة التاريخية
الدعوة هي وظيفة الرسل وأتباعهم، وبها يستمر بقاء الخير في الأرض:
* قال ﷺ: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم". (رواه البخاري ومسلم).
* عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه". (رواه مسلم، ج 4، ص 2060).
سابعاً: تبحر في آثار العلماء في شرح المسألة الثالثة
* أثر الشيخ صالح الفوزان: ذكر في (شرح الأصول الثلاثة، ص 45) أن الدعوة زكاة العلم، فكما أن المال له زكاة، فالعلم زكاته نشره وتعليمه للناس، ومن كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار.
* تحقيق ابن عثيمين: أشار في (شرح الأصول الثلاثة، ص 48) إلى أن الدعوة لا بد أن تكون شاملة لكل ما جاء به الرسول ﷺ، فلا يقتصر الداعية على جانب دون جانب، بل يدعو للتوحيد، والعبادات، والأخلاق.
خلاصة المبحث السادس:
إن المسألة الثالثة (الدعوة إليه) هي جسر العبور من "الصلاح الذاتي" إلى "الإصلاح الجماعي". وبدونها تندرس معالم الدين وتنتشر البدع. فالإمام محمد بن عبد الوهاب جعلها ركناً ثالثاً ليؤكد أن المسلم لا يكتمل إيمانه حتى يسعى في نجاة غيره كما سعى في نجاة نفسه.
الفصل الأول
المبحث السابع: المسألة الرابعة (الصبر على الأذى فيه)
قال المصنف رحمه الله: "الرابعة: الصبر على الأذى فيه".
أولاً: تحرير المصطلحات (اللغوي، الاصطلاحي، الشرعي)
- المعنى اللغوي: الصبر من مادة (صَبَرَ)، وأصلها الحبس والمنع. يُقال: "صبرتُ الدابة" إذا حبستها بلا علف، و"قُتل صبراً" أي حُبس حتى مات. فهو لغةً: القوة على الاحتمال وحبس النفس عن الجزع.
- المصدر: ابن منظور، لسان العرب، ج 4، ص 438، دار صادر.
- المعنى الاصطلاحي: هو خُلُقٌ فاضل من أخلاق النفس، يمنع صاحبه من فعل ما لا يحسن ولا يجمل. وهو قوة من قوى العقل تُعين على تحمّل الأعباء.
- المصدر: الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص 273، دار القلم.
- المعنى الشرعي: هو حبس النفس عن التسخط والشكوى لغير الله، وحبس اللسان عن التبرم، وحبس الجوارح عن المعاصي أو لطم الخدود وشق الجيوب عند المصيبة.
- المصدر: ابن القيم، مدارج السالكين، ج 2، ص 152، دار الكتاب العربي.
ثانياً: الاستشهاد من القرآن الكريم
- الآية الأولى: قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]. وجه الدلالة: عظمة الصبر حيث جعل الله جزاءه مفتوحاً بلا مكيال ولا ميزان.
- الآية الثانية: قوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127]. وجه الدلالة: وجوب الصبر والاعتراف بأن المعين عليه هو الله وحده.
- الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} [السجدة: 24]. وجه الدلالة: أن الإمامة في الدين لا تُنال إلا بالصبر واليقين.
- الآية الرابعة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200]. وجه الدلالة: الأمر بالصبر والمصابرة (وهي مغالبة الخصم في الصبر).
- الآية الخامسة: قوله تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43]. وجه الدلالة: أن الصبر عند الأذى من شيم أولي العزم والهمم العالية.
ثالثاً: الاستشهاد من السنة النبوية
- الحديث الأول: قوله ﷺ: "ومَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ".
- الحكم: صحيح. (رواه البخاري، رقم 1469، ومسلم، رقم 1053).
- الحديث الثاني: قوله ﷺ: "والصَّبْرُ ضِياءٌ".
- الحكم: صحيح. (رواه مسلم، رقم 223). وجه الدلالة: أن الصبر ينير للمؤمن طريق التيه والفتن.
- الحديث الثالث: قوله ﷺ: "عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ... وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْراً له".
- الحكم: صحيح. (رواه مسلم، رقم 2999).
- الحديث الرابع: قوله ﷺ: "مَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ".
- الحكم: صحيح. (رواه البخاري، رقم 1469). وجه الدلالة: أن الصبر كسب ومجاهدة يمنحها الله لمن طلبها.
- الحديث الخامس: قوله ﷺ: "إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ... فمَن رَضيَ فله الرِّضا، ومَن سَخِطَ فله السَّخَطُ".
- الحكم: حسن. (رواه الترمذي، رقم 2396، وابن ماجه).
رابعاً: أقوال أئمة السلف في الصبر وسلوك الطريق
- عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): "وجدنا خير عيشنا بالصبر، ولو أن الصبر كان رجلاً لكان كريماً".
- المصدر: ابن أبي الدنيا، الصبر وثوابه، ص 24، دار الكتب العلمية.
- علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس سقط الجسد".
- المصدر: البيهقي، شعب الإيمان، ج 12، ص 188، مكتبة الرشد.
- سفيان الثوري (رحمه الله): "ليس بفقيه من لم يعدَّ البلاء نعمة والرخاء مصيبة".
- المصدر: أبو نعيم، حلية الأولياء، ج 7، ص 55، دار الفكر.
- الإمام الشافعي (رحمه الله): "اصبر على مرّ الجفا من معلمٍ.. فإنّ رسوب العلم في نفراته".
- المصدر: ديوان الشافعي، ص 42، دار المعرفة.
- الإمام ابن القيم (رحمه الله): "الدنيا نَصَبٌ، والآخرة جنيٌ، ولا يُجنى الثمر إلا بالصبر على النصب".
- المصدر: طريق الهجرتين، ص 290، دار ابن القيم.
خامساً: الصبر.. غاية أم وسيلة؟
الصبر في حقيقته "وسيلة عظمى"، لكنها وسيلة لا تنفك عن المؤمن حتى يدخل الجنة، فهو:
- وسيلة: لأنه الآلة التي نؤدي بها الطاعات (صبر على الطاعة) والدرع الذي نتقي به المعاصي (صبر عن المعصية).
- المآل: الصبر يوصل إلى "الغاية القصوى" وهي رضاء الله والجنة، بدليل قوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}. فالسلام في الجنة هو المكافأة على "الوسيلة" التي استعملها المؤمن في الدنيا.
سادساً: اتفق أئمة التحقيق (كابن القيم وابن رجب) على أن الصبر الذي أوجبه الله على المكلف يجمع ثلاثة أنواع لا ينفك أحدها عن الآخر:
- الصبر على طاعة الله: وهو أعلاها مرتبة، لأن النفس تنفر بطبعها من التكاليف، فتحتاج إلى "حبس" لتستمر على العلم والعمل والدعوة.
- الصبر عن معصية الله: وهو كف النفس عن شهواتها ومحارم الله، وهذا يحتاج إلى قوة إرادة وصلابة إيمانية.
- الصبر على أقدار الله المؤلمة: وهو الرضا بما يجري به القدر، ومنه "الأذى" الذي يلحق الداعية من الناس (قولاً أو فعلاً).
- المصدر: ابن القيم، مدارج السالكين، ج 2، ص 156 (منزلة الصبر)، دار الكتاب العربي.
سابعاً : ضرورة الصبر للداعية (لماذا ذكره المصنف ختاماً؟)
لم يذكر الإمام الصبر في البداية، بل جعله مسك الختام، وذلك لضرورات منهجية:
- حتمية الابتلاء: كل من قام بالدعوة إلى الله لا بد أن يواجه معارضة، فإما أن يكون صبوراً فيثبت، أو يجزع فينقطع. قال تعالى لرسوله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}.
- الصبر زاد الطريق: العلم يحتاج لصبر في التحصيل، والعمل يحتاج لصبر في المداومة، والدعوة تحتاج لصبر في البلاغ؛ فالصبر هو "المحرك" الذي يضمن استدامة المسائل الثلاث الأولى.
- النجاة من الخسران: ربط المصنف الصبر بسورة العصر، ليبين أن التواصي بالحق (الدعوة) لا يكتمل إلا بالتواصي بالصبر، وبدونهما يقع الإنسان في "الخسر".
- المصدر: الشنقيطي، أضواء البيان، ج 9، ص 507، دار الفكر.
ثامناً : مراتب الصبر على الأذى
الناس في مواجهة الأذى الذي ينالهم في سبيل الله على مراتب:
- مرتبة الصبر الواجب: وهو كف النفس عن التسخط والشكوى لغير الله.
- مرتبة الرضا: وهي أعلى من الصبر، حيث يسكن القلب للقدر ويطمئن له.
- مرتبة الشكر: وهي أكمل المراتب، بأن يشكر العبد ربه أن جعله يُؤذى في سبيله، مقتدياً بالأنبياء.
- المصدر: ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، ص 380، مؤسسة الرسالة.
خلاصة المبحث السابع:
إن "الصبر على الأذى فيه" هو صمام الأمان الذي يحمي المكلف من التراجع؛ فبالعلم يعرف الحق، وبالعمل يحققه، وبالدعوة ينشره، وبالصبر يحميه من الزوال أمام الفتن والمعارضات.
توثيق أثر الصحابة في سورة العصر
1. المصدر الأول: المعجم الأوسط للإمام الطبراني
- نص الأثر: عن أبي مدينة الدارمي رضي الله عنه -وكانت له صحبة- قال: «كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، ثم يسلم أحدهما على الآخر».
- التوثيق: الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني، المجلد الخامس، الصفحة 215، الحديث رقم 5124، دار الحرمين - القاهرة.
- درجة الحديث: قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رجاله رجال الصحيح"، وصححه الإمام الألباني في "السلسلة الصحيحة" تحت رقم 2648.
2. المصدر الثاني: حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني
- التوثيق: الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، المجلد السادس، الصفحة 103، دار الفكر - بيروت. (أورده في ترجمة حماد بن أبي سليمان ومن طريقه).
3. المصدر الثالث: سنن الدارمي (باعتبار الراوي)
- التوثيق: الإمام الدارمي، سنن الدارمي (تحت ترجمة أبي مدينة الدارمي)، تحقيق: نبيل هاشم الغمري، المجلد الأول، الصفحة 511، دار البشائر - بيروت.
تحليل وجه الاستدلال وعلاقته بكلام الشافعي
- دلالة الملازمة: مداومة الصحابة على قراءتها عند الفراق (الاستقراء العملي) تدل على أنهم فهموا أنها "خلاصة المنهج"؛ فكأنهم يتواصون بأركان النجاة الأربعة (العلم، العمل، الدعوة، الصبر) قبل كل افتراق.
- بناء استنباط الشافعي: حين قال الشافعي: "لو فكر الناس في هذه السورة لكفتهم"، هو لم ينشئ حكماً جديداً، بل صاغ بلسانه الأصولي ما كان يفعله الصحابة بلسانهم العملي. فالفعل (من الصحابة) والقول (من الشافعي) كلاهما يصب في "دلالة الحصر"؛ أي أن طريق النجاة محصور في هذه الأربعة، وما عداها تبع لها.
- الربط بالمسائل الأربع: هذا الأثر هو "الدليل التطبيقي" الذي اعتمده الإمام محمد بن عبد الوهاب؛ ليربط بين التنظير العلمي وبين الممارسة السلفية، مؤكداً أن هذه المسائل ليست ترفاً علمياً بل هي "دستور اللقاء والفراق" عند السلف.
المصدر الذي نقل منه الإمام محمد بن عبد الوهاب هذا الأثر أو أشار إليه:
- يمكنك مراجعة: الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، حاشية ثلاثة الأصول، الصفحة 25، حيث علّق على قول المصنف وذكر أثر الصحابة المذكور أعلاه لتأييد كلام الشافعي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق