"الفتح المبين في تخريج وتحقيق أحاديث خروج أهل الكبائر من النار: دراسة عقدية لغوية مقارنة تشتمل على أقوال السلف وشروحات الأئمة والرد على المخالفين".
الفصل الرابع:
شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر وإخراجهم من النار
المبحث الأول: التخريج والتدقيق اللغوي لألفاظ الحديث (دراسة استقصائية)
تمهيد:
تعد قضية الشفاعة لأهل الكبائر من أعظم مسائل الإيمان التي فارق فيها أهل السنة والجماعة طوائف البدع من الخوارج والمعتزلة. وهذا المبحث يعنى بضبط النص النبوي سنداً ومتناً، إذ إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا يستقيم التصور إلا بضبط الألفاظ التي نطق بها الشارع.
أولاً: التخريج الحديثي الموسع (طرق الحديث وأسانيده)
حديث الشفاعة لم يروه آحاد من الصحابة، بل هو حديث متواتر، رواه أكثر من عشرين صحابياً، وسنفصل هنا أشهر هذه الطرق مع عزوها لمصادرها الأصلية:
1. طريق أنس بن مالك رضي الله عنه:
وهو العمدة في هذا الباب، وله ألفاظ متعددة:
اللفظ الأول: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
تخريجه: أخرجه الإمام أبو داود السجستاني في "السنن" (كتاب السنة، باب في الشفاعة، ج4، ص236، رقم 4739)، والإمام الترمذي في "جامعه" (كتاب صفة القيامة والرقائق، ج4، ص625، رقم 2435) وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه"، وأخرجه الإمام ابن ماجه في "السنن" (كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، ج2، ص1441، رقم 4310).
دراسة الإسناد: مدار هذا اللفظ على (محمد بن علي بن شافع عن عمه عن أنس)، وفي طريق آخر (جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس)، وجعفر وإن تكلم فيه البعض من جهة تشيعه إلا أنه صدوق في الرواية، وقد تابعه معمر بن راشد وغيره.
اللفظ الثاني (حديث الشفاعة الطويل): وفيه تفصيل استشفاع الناس بالأنبياء حتى يأتوا محمداً ﷺ.
تخريجه: أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" (كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء، ج9، ص149، رقم 7510)، والإمام مسلم في "صحيحه" (كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة، ج1، ص180، رقم 193).
2. طريق أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:
وهذا الطريق فيه ذكر "الجهنميين" الذين يخرجون من النار بعد أن امتُحنوا فيها.
تخريجه: أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب التوحيد، ج9، ص130، رقم 7439)، ومسلم في "صحيحه" (ج1، ص167، رقم 183). وفيه اللفظ العظيم: «فيخرجون منها قد امتحشوا (احترقوا) فيلقون في نهر الحياة...».
3. طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:
تخريجه: أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين، ج1، ص178، رقم 191)، وفيه ذكر خروج قوم من النار بشفاعة النبي ﷺ يسمون "الجهنميين".
4. طرق أخرى (للإجمال والاستيعاب):
ورد الحديث أيضاً من حديث (عبد الله بن عمر، عبد الله بن مسعود، كعب بن عجرة، عوف بن مالك، أم حبيبة) وغيرهم. وقد اعتنى الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (ج11، ص429) بسرد هذه الطرق وتبيان تضافرها حتى بلغت حد القطع واليقين.
ثانياً: التدقيق اللغوي والاشتقاقي لألفاظ الحديث
إن الوقوف على البنية اللغوية لألفاظ الحديث يكشف عن أسرار عقدية دقيقة، وسوف نفصل القول في المفردات الآتية:
1. لفظ (الشفاعة):
في اللغة: الشفاعة من "الشَّفْع"، وهو جعل الواحد اثنين. قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" (ج3، ص201): "الشين والفاء والعين أصل واحد يدل على مقارنة الشيء للشيء". فالشافع يضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له، أو يضم جاهه إلى حاجة السائل.
في الشرع: هي التوسط للغير بطلب العفو أو نيل نفع. وفي مقامنا هذا: هي طلب الرسول ﷺ من ربه أن يتجاوز عن أهل الكبائر الذين استحقوا الوعيد.
التدقيق: نلاحظ أن النبي ﷺ أضاف الشفاعة لنفسه (شفاعتي) لإثبات الاختصاص والتشريف، مع كون الأمر كله لله {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}.
2. لفظ (أهل الكبائر):
الكبائر لغة: جمع كبيرة، وهي الضخمة من كل شيء.
الكبائر اصطلاحاً: اختلف العلماء في ضابطها، فمنهم من قال هي السبع الموبقات، ومنهم من قال (وهو قول ابن عباس ورجحه ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج7، ص482): "هي كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، أو رتب عليه حداً في الدنيا".
الدلالة اللغوية في الحديث: استخدام (أهل) يقتضي الملازمة أو الوقوع في الذنب العظيم. والحديث هنا ينص صراحة على "الكبائر" ليقطع الطريق على من زعم أن الشفاعة للمحسنين فقط لرفع درجاتهم، بل هي للمسيئين أيضاً لحط أوزارهم.
3. لفظ (من أمتي):
التدقيق: الـ (من) هنا للتبعيض، والأمة هنا هي (أمة الإجابة) لا (أمة الدعوة). فالشفاعة خاصة بالمسلمين الموحدين. وفي هذا رد لغوي على من جوز الشفاعة للكفار (خارج شفاعته في تخفيف عذاب أبي طالب).
4. لفظ (امتحشوا) و(حمم):
ورد في رواية أبي سعيد: «حتى إذا صاروا فحماً» وفي رواية «قد امتحشوا».
لغة: الامتحاش هو الاحتراق وذهاب الجلد. والحمم هو الفحم.
الدلالة: هذه الألفاظ لغوية حسية تدل على وقوع العذاب حقيقةً، وهو ما يبطل قول المرجئة الذين يظنون أن صاحب الكبيرة قد لا يمسه عذاب أصلاً.
ثالثاً: المقارنة بين الألفاظ (دراسة المتن)
عند النظر في روايات "الصحيحين" وروايات "السنن"، نجد تنوعاً في الصيغ:
صيغة (الإخبار العام): «شفاعتي لأهل الكبائر».
صيغة (المحاجة): كما في حديث أبي سعيد حيث يحاج المؤمنون ربهم في إخوانهم الذين كانوا يصلون معهم ويصومون.
صيغة (التحديد بالوصف): «من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان».
وهذا التنوع اللفظي يثبت أن الحقيقة الواحدة (وهي خروج الموحدين من النار) قد رويت بوجوه من البيان النبوي الذي يشد بعضه بعضاً.
المبحث الثاني:
أقوال وشروحات أئمة السلف والفقهاء حول حديث الشفاعة
تمهيد:
إن اتفاق كلمة أئمة السلف على إثبات شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر وخروجهم من النار هو أحد الركائز التي ميزت "أهل السنة والجماعة" عن "الوعيدية" من الخوارج والمعتزلة. وقد تتابعت كلمات الأئمة عبر القرون لتؤكد أن هذا الحديث ليس مجرد نصٍّ عابر، بل هو أصل من أصول الإيمان التي يُوالى ويُعادى عليها.
أولاً: موقف الإمام أحمد بن حنبل (إمام أهل السنة)
يعد الإمام أحمد (ت 241هـ) حامي حمى السنة في محنة خلق القرآن، وقد كان صارماً في إثبات أحاديث الشفاعة.
- في رسالة "أصول السنة": (رواية عبدوس بن مالك العطار)، قال الإمام أحمد: "والإيمان بالشفاعة، وأن قوماً يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحماً، فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة... كما جاء في الأثر، وكما جاءت به الأخبار، نؤمن بها ونصدق بها". (انظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، ج1، ص242).
- الشرح والتحليل: يرى الإمام أحمد أن التصديق بهذا الحديث هو "فرض" على كل مسلم، ومن رده أو شكك فيه بسبب مخالفته لظواهر آيات الوعيد فقد سلك سبيل المبتدعة. ويؤكد الإمام أحمد في مواضع أخرى من "المسند" أن الشفاعة مقام رفيع خص الله به نبيه إكراماً له ورحمة بأمته.
ثانياً: الإمام الشافعي ومدرسة الفقهاء
لم يكن الإمام الشافعي (ت 204هـ) بمعزل عن هذه العقيدة، بل قررها في مناظراته وكتبه.
- في "وصية الإمام الشافعي": التي رواها عنه تلاميذه ونقلها السيوطي في "الأشباه والنظائر" والسبكي في "الطبقات" (ج2، ص134): "وأن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد منها إلا بالآخر... وأن الله عز وجل يخرج من النار بالشفاعة من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان".
- الدلالة الفقهية: ربط الشافعي بين "تعريف الإيمان" وبين "الشفاعة"؛ لأن القول بأن العاصي يخرج من النار يستلزم القول بأن المعصية لا تسلب أصل الإيمان، وهو مذهب وسط بين الغلو والجفاء.
ثالثاً: الإمام الدارمي ونقوضه على الجهمية
الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280هـ) في كتابه "الرد على الجهمية" وفي "نقضه على المريسي"، أفرد مساحات واسعة لإثبات خروج أهل الكبائر.
- النص: قال الدارمي في "الرد على الجهمية" (ص 102): "وقد تواترت الآثار عن رسول الله ﷺ في الشفاعة لخاطئي هذه الأمة، فمن كذب بها فقد كذب بالوحي".
- المنهج الاستدلالي: استخدم الدارمي أحاديث الشفاعة كأداة لنقض مذهب "نفي الصفات" ومذهب "إنكار الرؤية والشفاعة"، مبيناً أن إثبات الشفاعة يستلزم إثبات الرحمة والمشيئة والقول لله عز وجل.
رابعاً: الإمام الآجري في كتابه "الشريعة"
يعد الإمام أبو بكر الآجري (ت 360هـ) من أعظم من بوب لهذه المسألة في كتابه "الشريعة".
- في المجلد الثالث (ص 1180): عقد باباً بعنوان "باب الإيمان بالشفاعة"، وقال: "اعلموا رحمكم الله أن من مذهب المسلمين من أهل الحق، ممن لم يزغ قلبه عن طريق الرشاد، الإيمان بأن الله تعالى يخرج من النار بفضل رحمته، ثم بشفاعة رسوله ﷺ، ثم بشفاعة الأنبياء والمؤمنين... كل من مات على التوحيد".
- التوثيق الأكاديمي: يسوق الآجري الأسانيد تلو الأسانيد ليثبت أن هذا هو "إجماع الصحابة والتابعين". ويشرح أن الشفاعة ليست للمطيعين فقط (وهي شفاعة رفع الدرجات)، بل الشفاعة "العظمى" لمن استوجبوا النار بذنوبهم.
خامساً: شيخ الإسلام ابن تيمية (التحرير والتحقيق)
جاء الإمام ابن تيمية (ت 728هـ) ليفصل القول في هذه المسألة تفصيلاً لم يسبق إليه، خاصة في "مجموع الفتاوى".
- في مجموع الفتاوى (ج7، ص478 - 500): يقرر شيخ الإسلام أن الشفاعة ستة أنواع، وأن النوع الرابع منها هو "الشفاعة في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار فيخرجون منها".
- تحليل قوله: يرى ابن تيمية أن إنكار الشفاعة نابع من فهم سقيم لآيات الوعيد، ويقول: "الوعيد المطلق في القرآن معلق بشروط، منها عدم التوبة، وعدم الحسنات الماحية، وعدم المصائب المكفرة، وعدم الشفاعة المقبولة".
- العزو: "مجموع الفتاوى" (ج14، ص390): "والصحابة والتابعون والأئمة الأربعة متفقون على ما تواترت به الأحاديث عن النبي ﷺ أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته ويخرجهم من النار".
سادساً: الإمام ابن القيم
ابن القيم (ت 751هـ) في كتابه "حادي الأرواح" و"شفاء العليل"، أضفى لمسة إيمانية وتربوية على الحديث.
- في "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" (ص 282): يقول: "هذه الشفاعة هي التي تنكرها المعتزلة والخوارج، وهي أخص شفاعات نبينا ﷺ وأعظمها موقعاً عند الأمة".
- الربط بالأسماء والصفات: يوضح ابن القيم أن خروج أهل الكبائر هو مقتضى اسم الله "الغفور" و"الرحيم" و"العفو"، فلو لم يخرج أحد من النار لتعطلت آثار هذه الأسماء في حق أهل التوحيد المذنبين.
سابعاً: الإمام ابن رجب الحنبلي
الحافظ ابن رجب (ت 795هـ) في كتابه العظيم "التخويف من النار" وفي "شرح صحيح البخاري".
- في "التخويف من النار" (ص 245): يبحث ابن رجب في صفة "الجهنميين" وكيف تنالهم الرحمة، ويستشهد بقوله ﷺ: «فيخرجون منها كأنهم الخشب المحترق».
- التدقيق: يشرح ابن رجب أن الشفاعة لا تنال من أشرك بالله شيئاً، وأن أهل الكبائر يتفاوتون في مدة مكثهم في النار بحسب جرائمهم، ثم تدركهم الشفاعة.
نستكمل في هذا القسم من المبحث الثاني شروحات وتحقيقات علماء العصر الحديث، الذين واجهوا شبهات العقلانيين والمدرسة التنويرية الحديثة التي حاولت تضعيف أحاديث الشفاعة بدعوى معارضتها للقرآن، فكانت ردودهم حصناً منيعاً وصيانةً للسنة النبوية.
ثامناً: العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (ذهبي العصر)
يعد المعلمي (ت 1386هـ) من أدق المحدثين المتأخرين، وقد أفاض في نصرة أحاديث الشفاعة في كتابه الفذ "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل".
* في "التنكيل" (ج1، ص450 - 458): ناقش المعلمي من حاولوا الطعن في أحاديث خروج عصاة الموحدين من النار، ورد على شبهة أن هذه الأحاديث تشجع على المعصية، فقال ما ملخصه: "إن نصوص الوعيد حق، ونصوص الشفاعة حق، والجمع بينهما أن الوعيد يقتضي استحقاق العذاب، والشفاعة تمنع خلوده أو تخرجه بعد أمد، وهذا من مقتضيات الرحمة الإلهية والعدل الرباني".
* التحقيق الحديثي: أثبت المعلمي أن إنكار الشفاعة لأهل الكبائر هو تعطيل لقطعي الثبوت من السنة، وبين أن دلالة اللغة العربية في "الخلود" تحتمل المكث الطويل كما تحتمل التأبيد، والوحي يفسر بعضه بعضاً.
تاسعاً: العلامة محمد ناصر الدين الألباني (مجدد علم الحديث)
بذل الشيخ الألباني (ت 1420هـ) جهداً جباراً في تخريج وتحقيق أحاديث الشفاعة في عدة كتب، أهمها "سلسلة الأحاديث الصحيحة" و**"ظلال الجنة في تخريج السنة"**.
* في "ظلال الجنة" (ج2، ص165 - 170): عند تخريجه لحديث "شفاعتي لأهل الكبائر"، قال: "الحديث صحيح بمجموع طرقه، وهو متواتر كما جزم بذلك غير واحد من الأئمة".
* الرد على العقلانيين: في مقدمات "السلسلة الصحيحة"، تصدى الألباني لمن سماهم "عقلانيي العصر" الذين ضعفوا الحديث بحجة أنه "يخالف القرآن" (مثل آيات الوعيد)، فأوضح أن السنة "قاضية على الكتاب" بمعنى أنها تفسره وتخصصه، وأن إنكار الحديث بحجة العقل هو هدم لأصل من أصول الاستدلال.
* العزو: راجع أيضاً كتاب "شرح العقيدة الطحاوية" بتعليق الألباني (ص 221-225)، حيث أصل المسألة عقائدياً وحديثياً.
عاشراً: العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز
كان الشيخ ابن باز (ت 1420هـ) يقرر هذه المسألة في دروسه العامة والخاصة، معتبراً إياها من الفوارق الجوهرية بين أهل السنة والبدعة.
* في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (ج4، ص360 - 365): سُئل عن خروج أهل الكبائر، فقال: "مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة أن صاحب الكبيرة لا يكفر بكبيرته إذا لم يستحلها، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، وهو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له سبحانه، وإن شاء عذبه بقدر معاصيه، ثم يخرجه الله من النار بشفاعة النبي ﷺ أو شفاعة غيره أو بمحض رحمته".
* التحذير من الغلو: أكد الشيخ أن الشفاعة لا تعني "التفريط"، بل هي "رجاء" يمنع من اليأس، مع بقاء الخوف من "لفح النار" الذي لا يطيقه بشر.
حادي عشر: العلامة محمد بن صالح العثيمين
تميز الشيخ ابن عثيمين (ت 1421هـ) بالتقسيم المنطقي والتبسيط العلمي للمسألة في كتابه "شرح العقيدة الواسطية" و**"شرح رياض الصالحين"**.
* في "شرح العقيدة الواسطية" (ج2، ص153 - 160): قسم الشفاعة إلى ثمانية أنواع، وجعل "شفاعة أهل الكبائر" هي النوع الرابع، وشرح كيف أن الله يأذن بالشفاعة إظهاراً لكرامة الشافع ورحمة بالمشفوع له.
* التحليل الأصولي: استنبط الشيخ قاعدة (إعمال النصين أولى من إهمال أحدهما)، فبدلاً من إهمال نصوص الوعيد أو إهمال نصوص الشفاعة، نقول: الوعيد لمن شاء الله تعذيبه، والشفاعة لمن شاء الله إخراجه، وبذلك ينسجم الوحي.
* العزو: "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (ج8، ص125): "الشفاعة لأهل الكبائر هي التي خالف فيها أهل البدع، وهي ثابتة بالنصوص المتواترة وبالإجماع اليقيني للسلف".
ثانياً عشر: خاتمة المبحث في الشروحات المعاصرة
تتفق الكلمة المعاصرة من علماء الأمة (كالمعلمي والألباني وابن باز وابن عثيمين) على أن الحديث:
* قطعي الثبوت: بالتواتر المعنوي.
* قطعي الدلالة: في أن العاصي لا يخلد في النار.
* ميزان عدل: يجمع بين الخوف من المعصية والرجاء في سعة رحمة الله.
المبحث الثالث:
القواعد المستنبطة العقدية والأصولية من حديث شفاعة أهل الكبائر
تمهيد المبحث:
إن نصوص الوحي لا تؤخذ كآحاد معزولة، بل هي منابع تنبثق منها القواعد الكلية التي تضبط فهم الدين. وحديث الشفاعة لأهل الكبائر ليس مجرد بشارة للمذنبين، بل هو "قاعدة كبرى" في باب الإيمان والأسماء والصفات، ومنه تفرعت قواعد أصولية تضبط كيفية التعامل مع نصوص الوعد والوعيد.
أولاً: القواعد العقدية (قواعد باب الإيمان والغيبيات)
1. قاعدة: "الإيمان مركب من قول وعمل، وهو يزيد وينقص"
توجيه القاعدة من الحديث: حديث الشفاعة صريح في أن المخرجين من النار كان في قلوبهم "مثقال ذرة من إيمان". هذا التقسيم (أدنى أدنى مثقال ذرة) يدل على أن الإيمان يتجزأ ويتفاضل، وهو أصل مذهب أهل السنة.
التفصيل العقدي: لو كان الإيمان شيئاً واحداً لا يتجزأ (كما تقول المرجئة والجهمية) لما صح وجود من يخرج بـ "أدنى" الإيمان وبقاء غيره. فالحديث يثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، غلب عليه جرمه فاستحق النار، وبقي معه أصل إيمانه فاستحق الشفاعة. (راجع: كتاب الإيمان لابن تيمية، ص 250).
2. قاعدة: "الفاسق الملي لا يسلب عنه اسم الإيمان بالكلية ولا يمنح الاسم المطلق"
توجيه القاعدة: الحديث وصف المشفوع لهم بأنهم "من أمة محمد" و"في قلوبهم إيمان".
التفصيل العقدي: هذه القاعدة هي الوسط بين الخوارج (الذين سموه كافراً) والمعتزلة (الذين جعلوه في منزلة بين المنزلتين). فالحديث أثبت له "أمة الإجابة" (مؤمن) وأثبت له "استحقاق النار" (فاسق)، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
3. قاعدة: "مقتضى الأسماء والصفات (الرحمة، العفو، المغفرة) في حق العصاة"
توجيه القاعدة: الحديث ينتهي بقوله تعالى: «شفعت الملائكة.. ولم يبق إلا أرحم الراحمين».
التفصيل العقدي: هذه قاعدة عظيمة في أن صفات الله عز وجل لابد لها من متعلقات تظهر فيها آثارها. فلو كان الموحدون صنفين فقط (طائع يدخل الجنة، وكافر يخلد في النار) لتعطل أثر صفة "المغفرة" و"العفو" في حق من جنى الجنايات. فالشفاعة هي الميدان الأكبر لظهور أثر اسم الله "الغفور" و"العفو". (انظر: شفاء العليل لابن القيم، ص 145).
4. قاعدة: "إثبات الشفاعة مقيد بشرطين (الإذن والرضا)"
توجيه القاعدة: الحديث يصور النبي ﷺ ساجداً تحت العرش لا يتكلم حتى يقال له: «يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع، واشفع تُشفع».
التفصيل العقدي: هذا يهدم قاعدة المشركين في "الشفاعة الشركية" (التي تكون بالجاه عند الله دون إذنه). فالشفاعة عند أهل السنة "ملك لله وحده"، يُكرم بها من يشاء من خلقه.
ثانياً: القواعد الأصولية (قواعد الاستنباط وطرق الجمع)
5. قاعدة: "إعمال النصين أولى من إهمال أحدهما" (الجمع بين الوعيد والوعد)
التوجيه الأصولي: المعطلة أعملوا نصوص الوعيد (آيات الخلود) وأهملوا أحاديث الشفاعة. والمرجئة أعملوا نصوص الوعد وأهملوا الوعيد.
التفصيل: حديث الشفاعة هو "الواسطة الأصولية" للجمع بين نصوص الوعيد (التي تقتضي دخول النار) ونصوص الوعد (التي تقتضي النجاة بالتوحيد). فالجمع يقتضي: "يدخلون النار بوعيد الله، ويخرجون منها بوعد الله وبشفاعة نبيه". (انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين، 2/155).
6. قاعدة: "الخلود في لغة الوحي ينقسم إلى خمود أمد وخلود تأبيد"
التوجيه الأصولي: استدل الوعيدية بلفظ {خالِدِينَ فِيهَا} في حق القاتل والزاني.
التفصيل: حديث الشفاعة "قرينة صارفة" تصرف لفظ الخلود من "التأبيد" إلى "المكث الطويل". فدلالة السنة القاطعة بالخروج توجب تأويل الخلود في حق الموحد بأنه اللبث الطويل، جمعاً بين الأدلة.
7. قاعدة: "تخصيص العموم بالسنة المتواترة"
التوجيه الأصولي: قوله تعالى {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} لفظ عام.
التفصيل: حديث الشفاعة خصص هذا العموم، فبين أن الممنوعين من الشفاعة هم الكفار، أما الموحدون فهم مستثنون من هذا المنع بظهور أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر. وهذا تطبيق أصولي لمسألة (تخصيص الكتاب بالسنة).
8. قاعدة: "الترك لا يقتضي العدم (لم يعملوا خيراً قط)"
التوجيه الأصولي: استدل البعض بلفظ «لم يعملوا خيراً قط» على نفي ركنية العمل.
التفصيل: القاعدة الأصولية تقول "المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقيده دليل". والدليل هنا قيد "الخير" بالعمل الزائد على أصل الإيمان (التوحيد ونطق الشهادتين)، لأن السياق في "موحدين" يعرفون بأثر السجود. فالمقصود: لم يعملوا خيراً "كاملاً" أو "زائداً" ينجيهم من دخول النار ابتداءً.
ثالثاً: قواعد المقاصد والسياسة الشرعية
9. قاعدة: "سد الذرائع في باب الرجاء"
التفصيل: مع إثبات الشفاعة، وضع العلماء قاعدة (عدم الاتكال)، فالنبي ﷺ الذي أخبر بالشفاعة هو نفسه الذي حذر من الكبائر. فالشفاعة لا تبيح المعصية، لأن الدخول في النار (وإن كان لفترة) هو عذاب لا يطاق، والاقتراب من الذريعة المؤدية للنار محرم شرعاً.
10. قاعدة: "كرامة العبد عند ربه لا تسقط بالمعصية ما بقي التوحيد"
التفصيل: هذه قاعدة مقاصدية، تظهر في شفاعة المؤمنين لبعضهم. فحق "الأخوة الإيمانية" باقٍ حتى والعبد في النار، ولذلك يشفع المؤمن لأخيه المذنب.
المبحث الرابع:
الفوائد العشر المستنبطة من أحاديث الشفاعة (عرض وتحليل)
أولاً: نصوص الحديث بألفاظها ومخارجها
قبل الشروع في الفوائد، يجب إيراد النص الجامع الذي تدور حوله هذه الدراسة، وهو حديث أبي سعيد الخدري الطويل في "الصحيحين"، وحديث أنس بن مالك:
-
لفظ حديث أبي سعيد الخدري (اللفظ المخرج في الصحيحين):
«... فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل... فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه».
- المخرج: البخاري في "صحيحه" (كتاب التوحيد، رقم 7439)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الإيمان، رقم 183).
-
لفظ حديث أنس بن مالك (اللفظ المختصر):
«شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
- المخرج: أبو داود (رقم 4739)، والترمذي (رقم 2435) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (رقم 3714).
ثانياً: الفوائد العشر التفصيلية
الفائدة الأولى: إثبات علو منزلة النبي ﷺ وتحقيق "المقام المحمود"
اللفظ الوارد في السجود تحت العرش وقول الله له: «ارفع رأسك وقل يُسمع واشفع تُشفع»، يدل على أن الشفاعة هي مظهر من مظاهر تكريم الله لنبيه أمام الخلائق. فهي ليست مجرد وساطة، بل هي إظهار لـ "المقام المحمود" الذي وعده الله به في قوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}.
الفائدة الثانية: سعة رحمة الله التي سبقت غضبه
تظهر هذه الفائدة في قوله: «ولم يبق إلا أرحم الراحمين». فبعد شفاعة المخلوقين (ملائكة، أنبياء، مؤمنين)، تأتي رحمة الخالق التي لا حد لها، لتخرج من النار من لم تنله شفاعة الشافعين، مما يغرس في قلب المؤمن محبة الله والرجاء في فضله مهما عظمت ذنوبه.
الفائدة الثالثة: التوحيد هو "النجاة الأخيرة" والعروة الوثقى
في قوله: «فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط»، استنبط العلماء أن المقصود هو "خيراً زائداً على التوحيد"؛ لأن الله حرم النار على من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه. فالعمل الصالح كمال، والتوحيد أصل، وبقاء الأصل يضمن النجاة من الخلود الأبدي وإن عُذّب العبد بترك الكمال.
الفائدة الرابعة: إثبات صفة "الكلام" و"النداء" لله عز وجل
الألفاظ مثل «فيقول الله»، «فينادي»، «فيقول اذهبوا»، تثبت مذهب أهل السنة في أن الله يتكلم بصوت وحرف بما يشاء متى شاء، خلافاً لمن حرفوا صفة الكلام من المعتزلة والأشاعرة.
الفائدة الخامسة: الرد الفاصل على مذهب الخوارج والمعتزلة
الحديث نص صريح في "خروج" أهل الكبائر. وهذا يهدم ركناً أساسياً عند الوعيدية الذين زعموا أن من دخل النار من عصاة المؤمنين لا يخرج منها أبداً. فلفظ «يخرج منها قوماً» يبطل حصر الدخول بالخلود.
الفائدة السادسة: إثبات حقيقة "عذاب النار" ووقوعه على العصاة
في لفظ «قد عادوا حمماً» و«امتحشوا»، تنبيه شديد على أن الشفاعة لا تعني الاستهانة بالمعصية. فالعبد قد يمسه من النار عذاب يحوله إلى فحم قبل أن تناله الشفاعة، وهذا يورث "الخوف" المانع من الوقوع في الكبائر.
الفائدة السابعة: شرف "أثر السجود" وحرمته على النار
ورد في رواية البخاري أن النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا "أثر السجود". وهذه فائدة في فضل الصلاة، وأنها العلامة التي يعرف بها الملائكة الموحدين في النار ليخرجوهم، فمن ضيع الصلاة ضيع العلامة التي يُعرف بها للشفاعة.
الفائدة الثامنة: مشروعية شفاعة المؤمنين لبعضهم البعض
في قوله: «وشفع المؤمنون»، دليل على أن العبد الصالح ينفع أهله وإخوانه يوم القيامة. وهذا يحث المسلم على صحبة الأخيار لعل أحدهم يشفع له إن زلت به القدم.
الفائدة التاسعة: إثبات "نهر الحياة" والبعث بعد الاحتراق
لفظ «فيلقون في نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة...»، يثبت قدرة الله على إعادة الأجسام بعد فنائها واحتراقها، وأن الحياة في الآخرة لها قوانينها الخاصة التي يحيي الله بها من يشاء.
الفائدة العاشرة: التسمية بـ "عتقاء الله" وبيان فضل الله المحض
في قوله: «هؤلاء عتقاء الله»، فائدة أن النجاة في النهاية هي بفضل الله ومنته، وليست ثمناً لعمل. فالمؤمن يدخل الجنة برحمة الله، والعمل سبب والرحمة هي الغاية والمحيط.
المبحث الخامس:
أقوال السلف وإيراد أقوال أهل البدع والرد عليهم
تمهيد المبحث:
إن معركة "الشفاعة" هي معركة بين نصوص الوحي الصريحة وبين التخرصات العقلية والتحريفات اللفظية. وقد وقف السلف الصالح سداً منيعاً أمام تأويلات الجهمية والمعتزلة والخوارج، معتبرين أن الإيمان بالشفاعة هو الحد الفاصل بين "السني" و"المبتدع".
أولاً: عشرة من أقوال السلف الآثارية في الشفاعة
سرد الآثار عن الصحابة والتابعين يثبت "الإجماع السكوتي واللفظي" على خروج أهل الكبائر من النار:
أثر جابر بن عبد الله رضي الله عنه: كان يحدث بحديث الجهنميين (الذين يخرجون من النار)، فقال له رجل: "يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} و{كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا}"، فقال جابر: "أتقرأ القرآن؟ هذه الآيات في الكفار، أما هؤلاء فقوم يدخلون بذنوبهم ويعذبون ثم يخرجون". (أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، ج1، ص178).
قول ابن عباس رضي الله عنهما: "الشفاعة للنبي ﷺ في أهل الكبائر من أمته حتى يخرجوا بإيمانهم". (انظر: تفسير الطبري، ج3، ص35).
قول الحسن البصري: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله بعد ألف عام، ويا ليتني كنت ذلك الرجل". (ذكره ابن رجب في التخويف من النار، ص250). وهذا يثبت إيمانه بالخروج مع خوفه من أهوال الدخول.
أثر سعيد بن جبير: "الموحدون في النار لا تسود وجوههم، ولا تأكل النار منهم أثر السجود، حتى يخرجوا بالشفاعة".
قول سفيان الثوري: "من زعم أن أهل الكبائر مخلدون في النار فقد خالف السنة، والشفاعة حق لمن استوجبها". (انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، ج6، ص1220).
قول قتادة بن دعامة السدوسي: "إنما الشفاعة للمذنبين، أما المحسنون فقد وجبت لهم الجنة".
قول عبد الله بن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها، ليس فيها من الموحدين أحد". والمقصود خلوها من أهل الإيمان لا خلوها مطلقاً.
قول الإمام الأوزاعي: "أدركت مائة من التابعين كلهم يثبتون الشفاعة لعصاة الأمة".
قول الفضيل بن عياض: "علامة السني أن يؤمن بالرؤية والشفاعة وعذاب القبر".
قول الإمام مالك بن أنس: "من أنكر أحاديث الشفاعة فقد أنكر جزءاً من النبوة، ويُخشى عليه من الحرمان منها".
ثانياً: إيراد أقوال أهل البدع والفرق (وعزوها لمصادرهم)
1. مذهب الخوارج والمعتزلة (الوعيدية):
القول: ذهبوا إلى أن مرتكب الكبيرة إذا مات دون توبة فهو مخلد في النار أبداً، وأن الشفاعة لا تنفع إلا في "رفع الدرجات" لمن دخل الجنة ابتداءً.
المصدر: القاضي عبد الجبار في "شرح الأصول الخمسة" (ص 687)، والزمخشري في تفسيره "الكشاف" عند قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}.
الشبهة: قالوا إن الوعيد في القرآن عام، والله لا يخلف وعيده، فمن وعده بالنار فلن يخرجه منها.
2. مذهب المرجئة والجهمية:
القول: بالغوا في مقابلة الوعيدية، فزعموا أن الكبيرة لا تضر، وأن الشفاعة قد تمنع الدخول أصلاً، وقللوا من شأن "التعذيب" في النار للموحدين.
المصدر: "مقالات الإسلاميين" للأشعري (ج1، ص210).
ثالثاً: الرد التفصيلي على أهل البدع (بالدليل المحكم)
1. الرد على الوعيدية (الخوارج والمعتزلة):
الرد بالقرآن: الآيات التي استشهدوا بها (مثل آيات الخلود) جاءت في سياق الكفار أو في سياق "الخلود المقيد" (المكث الطويل). بدليل قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}، فالكبائر دون الشرك تحت المشيئة، وهذا صريح في عدم حتمية الخلود.
الرد بالسنة المتواترة: أحاديث الشفاعة التي أوردناها في المباحث السابقة بلغت مبلغ "التواتر"، والعقل يقتضي تقديم النص الخاص المتواتر (الشفاعة) على النص العام (الوعيد).
الرد اللغوي: الخلود في لغة العرب يطلق على اللبث الطويل. قال زهير بن أبي سلمى: "فأقاموا فيه خُلد العصرين"، ولم يقصد الأبدية المطلقة.
2. الرد على المرجئة:
الرد: أحاديث الشفاعة هي أكبر رد عليكم؛ لأنها نصت على أن قوماً يدخلون النار حتى "يمتحشوا" ويصيروا "حمماً". فلو كانت المعصية لا تضر، لما دخلوا النار ولما احتاجوا لشفاعة "إخراج"، بل كانت الشفاعة "منع دخول". فالواقع المحشور في الحديث يثبت ضرر المعصية ووقوع العذاب.
رابعاً: الاستنتاج النهائي (خلاصة الفصل)
إن مذهب أهل السنة والجماعة في حديث الشفاعة هو المذهب الوحيد الذي أعمل "جميع النصوص":
أعمل نصوص الوعيد (فأثبت أن العاصي قد يدخل النار ويُعذب).
أعمل نصوص الوعد والشفاعة (فأثبت أنه يخرج منها ولا يخلد فيها).
أعمل نصوص التوحيد (فأثبت أن "لا إله إلا الله" هي العاصم الأبدي من النار).
هذا ملحق بحثي خاص، يمثل "جوهرة" مباحث الإيمان، وهو المتعلق بتحرير القول في لفظ «لم يعملوا خيراً قط»، وهل المقصود به نفي جنس العمل بالكلية (بما فيه عمل الجوارح) أم نفي كماله؟ وهل ينجو العبد بأصل الإيمان (التوحيد) وحده؟
ملحق المبحث الرابع: تحرير الاستدلال بحديث "الجهنميين" ولفظ "لم يعملوا خيراً قط"
المطلب الأول: إيراد النص وتخريج ألفاظه
ورد هذا اللفظ في سياق حديث الشفاعة الطويل، وقد اعتنى الأئمة بضبط ألفاظه لما يترتب عليها من أحكام عقدية خطيرة.
1. اللفظ الأول (رواية أبي سعيد الخدري - اللفظ العمدة):
«... فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمماً...».
* التخريج: أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب التوحيد، رقم 7439)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الإيمان، رقم 183).
2. اللفظ الثاني (رواية أنس بن مالك):
«يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير».
* التخريج: أخرجه البخاري (رقم 44)، ومسلم (رقم 193).
3. اللفظ الثالث (رواية أبي هريرة):
«... حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود...».
* التخريج: أخرجه البخاري (رقم 7437).
المطلب الثاني: التدقيق اللغوي والشرعي للفظ "لم يعملوا خيراً قط"
هذا اللفظ من "المتشابه الإضافي" الذي يجب رده إلى "المحكم"، والتحقيق اللغوي فيه كالتالي:
* نفي النوع لا نفي الجنس: "قط" في لغة العرب تستغرق الماضي، لكن "الخير" لفظ عام. والتحقيق أن النفي هنا منصب على "العمل الزائد على أصل التوحيد". والدليل اللغوي والشرعي أن هؤلاء سُموا "مؤمنين" ووصفوا بأنهم "موحدون"، والتوحيد في نفسه "خير عمل".
* قاعدة (نفي الشيء لعدم كماله): تقول العرب: "فلان لم يَرَ خيراً قط"، إذا كان عيشه نكداً، رغم أنه قد يكون رأى فترات يسيرة من السرور. فالمراد بنفي الخير هنا نفي العمل الذي يستحقون به الجنة ابتداءً.
* دلالة السياق: السياق في "عتقاء الله"، فلو كان معهم أعمال صالحة ظاهرة لاستحقوا الشفاعة من المؤمنين الذين يعرفونهم بصلاتهم وصيامهم، فلما لم يعرفهم المؤمنون دل على أنهم ليس لهم أعمال ظاهرة (صلاة، زكاة، صيام) وإنما معهم "أصل الإيمان" الكامن في القلب.
المطلب الثالث: أقوال الأئمة (السلف والعلماء القدامى)
1. قول الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل:
يرى جمهور السلف أن العمل من الإيمان، ولكنهم لا يكفرون بترك "آحاد" الأعمال (إلا الصلاة في قول أحمد). فقوله "لم يعملوا خيراً قط" محمول عند أحمد على من لم يعملوا أعمالاً صالحة تطوعية أو نوافل، أو من غلبت سيئاتهم فكأنما لم يعملوا خيراً.
2. قول شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى ج7، ص612):
يقرر شيخ الإسلام أن الإيمان لا يخلو من "جنس العمل"، ويحمل الحديث على أن هؤلاء عملوا أصل الواجبات التي لا يصح التوحيد بدونها، لكنهم لم يعملوا من الخير ما يُعتد به أو ينجيهم من النار.
3. قول الإمام ابن القيم (شفاء العليل ص256):
"هؤلاء هم الذين لم يعملوا خيراً قط زيادة على التوحيد، الذي هو أصل كل خير، فلولا التوحيد لم يخرجوا".
المطلب الرابع: أقوال علماء العصر الحديث (الألباني، ابن باز، ابن عثيمين)
* العلامة الألباني: يرى أن الحديث دليل صريح على أن هناك من ينجو بـ "أصل الإيمان" (التوحيد) وإن قصر في جميع أعمال الجوارح، مستدلاً بظاهر اللفظ «لم يعملوا خيراً قط». (انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ج7).
* العلامة ابن باز: يرى أن "جنس العمل" لابد منه، ويؤول الحديث بأن هؤلاء لم يعملوا خيراً "بعد التوحيد" مما يمنع دخولهم النار، أو أنهم عملوا أعمالاً حبطت لسبب ما وبقي أصل توحيدهم.
* العلامة ابن عثيمين (شرح الواسطية 2/158): يقول: "المقصود بالخير المنفي هنا هو الخير الذي تظهر آثاره، أما أصل اليقين في القلب فلابد من وجوده، وإلا لكانوا كفاراً ولما خرجوا".
المطلب الخامس: القواعد المستنبطة من هذا الملحق
* قاعدة: "التوحيد هو العاصم الأكبر من الخلود"، فمن حقق توحيد الله ولم يشرك به شيئاً، فماله إلى الجنة وإن مسه من النار ما مسه.
* قاعدة: "الأسماء الشرعية تطلق على أقل ما ينطبق عليه اللفظ"، فاسم "مؤمن" انطبق على هؤلاء لوجود أصل الإيمان في قلوبهم وإن انعدم عمل الجوارح (الزائد عن الشهادتين).
* قاعدة: "الجمع بين المحكم والمتشابه"، فالمحكم أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، والمتشابه لفظ "لم يعملوا خيراً قط"، فيُفسر المتشابه بأن هذا النفي للعمل هو نفي لكماله أو لنوعه لا لأصله.
* قاعدة: "إثبات المفاضلة بين الموحدين"، فمن دخل الجنة ابتداءً ليس كمن خرج من النار "حمماً"، وهذا مقتضى العدل الإلهي.
خلاصة الملحق:
إن حديث "لم يعملوا خيراً قط" هو أرجى حديث لأهل التوحيد، وهو لا يدعو للاتكال، بل يبين عظمة كلمة (لا إله إلا الله) وأنها الكلمة التي لا يثقل معها شيء في الميزان، وهي مفتاح الخروج من النيران.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق