«إِرْشَادُ الطَّالِبِ السَّارِي إِلَى تَحْقِيقِ وَتَعْلِيقِ رِسَالَةِ
(سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ) لِلإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ»
[المنهجية العلمية المعتمدة للتحقيق]
المقابلة والضبط النسخي:
إجراء المعارضة التامة بين النسخ الثلاث: (نسخة جامع الإمام، نسخة الدرر السنية، نسخة مجموعة الرسائل والمسائل النجدية).
إثبات الفوارق (زيادة، نقص، إبدال) في الحاشية السفلية مع الترميز لكل نسخة بوضوح.
التحرير النحوي والضبط بالشكل:
تشكيل نص المتن تشكيلاً كاملاً ودقيقاً (إعراباً وبناءً) لرفع اللبس ومنع اللحن في عبارات العقيدة.
التحرير القرآني (في صلب النص):
كتابة الآيات بخط المصحف وتشكيلها كاملاً.
عزو الآية بجوارها مباشرة في الأعلى بذكر: [اسم السورة: رقم الآية].
التخريج الحديثي الموسع (في الحاشية):
تخريج الأحاديث من مصادرها المسندة مع ذكر الشواهد والمتابعات.
بيان علل الأحاديث (إن وجدت) والحكم عليها حكماً تفصيلياً جامعاً.
المعالجـة اللغويـة (بيان الغريب):
شرح الألفاظ التي قد تخفى على طالب العلم بلفظ: «قَوْلُهُ (..): مَعْنَاهُ كَذَا وكذا».
التنسيق المنهجي (الفصل الفني):
وضع أرقام الإحالات (1، 2، 3...) بين حاجزين أو قوسين هكذا: (1).
الفصل التام والمنظم بين "المتن" في الأعلى و"الحاشية العلمية" في الأسفل.
[صَدْرُ الرِّسَالَةِ وَالْمَوْضِعُ الأَوَّلُ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ، الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ وَعَفَا عَنْهُ، آمِينَ-:
تَأَمَّلْ -رَحِمَكَ اللهُ- سِتَّةَ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ (1)، وَافْهَمْهَا فَهْمًا حَسَنًا؛ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُفَهِّمَكَ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ لِتَتَّبِعَهُ، وَدِينَ الْمُشْرِكِينَ لِتَتْرُكَهُ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ يَدَّعِي الدِّينَ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، لَا يَفْهَمُ السُّنةَ (2) كَمَا يَنْبَغِي.
الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ:
قِصَّةُ نُزُولِ الْوَحْيِ (3)، وَفِيهَا أَنَّ أَوَّلَ آيَةٍ أَرْسَلَهُ اللهُ بِهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 1-2] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 7].
فَإِذَا فَهَمْتَ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً يَعْرِفُونَ أَنَّهَا مِنَ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ؛ مِثْلَ الزِّنَا، وَعَرَفْتَ أَيْضًا أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ أَشْيَاءَ مِنَ الْعِبَادَةِ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللهِ؛ مِثْلَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَالصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَجَلُّهَا عِنْدَهُمُ الشِّرْكُ؛ فَهُوَ أَجَلُّ مَا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى اللهِ عِنْدَهُمْ؛ كَمَا ذَكَرَ اللهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، وَيَقُولُونَ: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 30].
فَأَوَّلُ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ الْإِنْذَارُ عَنْهُ (4) قَبْلَ الْإِنْذَارِ عَنِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِهِمَا. وَعَرَفْتَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَ عَلَى الْأَصْنَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَعَلَى الْأَوْلِيَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَيَقُولُونَ: "مَا نُرِيدُ مِنْهُمْ إِلَّا شَفَاعَتَهُمْ".
وَمَعَ هَذَا؛ بَدَأَ بِالْإِنْذَارِ عَنْهُ فِي أَوَّلِ آيَةٍ أَرْسَلَهُ اللهُ بِهَا؛ فَإِنْ أَحْكَمْتَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَيَا بُشْرَاكَ! خُصُوصًا إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ مَا بَعْدَهَا أَعْظَمُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلَمْ تُفْرَضْ إِلَّا فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ سَنَةَ عَشْرٍ، بَعْدَ حِصَارِ الشِّعْبِ، وَمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَبَعْدَ هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ بِسَنَتَيْنِ.
فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ تِلْكَ الْأُمُورَ الْكَثِيرَةَ، وَالْعَدَاوَةَ الْبَالِغَةَ، كُلَّ ذَلِكَ عِنْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَاةِ؛ رَجَوْتُ أَنْ تَعْرِفَ الْمَسْأَلَةَ.
--------------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ الْعِلْمِيَّةُ]
(1) مُقَابَلَةُ النُّسَخِ: فِي (نُسْخَةِ جَامِعِ الإِمَامِ): "سِتَّةَ مَوَاضِعَ"، وَفِي (مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ): "سِتَّةَ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ".
(2) مُقَابَلَةُ النُّسَخِ: فِي (نُسْخَةِ الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ): "لَا يَفْهَمُ السِّيرَةَ"، وَفِي (جَامِعِ الإِمَامِ) وَمَا أَثْبَتَهُ الْمُسْتَمْلِي: "لَا يَفْهَمُ السُّنةَ"، وَالْمَعْنَى متسقٌ عَلَى كِلَاهُمَا؛ إِذِ السُّنَّةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ وَمِنْهَا سِيرَةُ النَّبِيِّ ﷺ.
(3) التَّخْرِيجُ الْحَدِيثِيُّ: قِصَّةُ نُزُولِ الْوَحِيِ أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي (صَحِيحِهِ) برقم (4)، وَمُسْلِمٌ فِي (صَحِيحِهِ) برقم (160) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. وَفِيهِ أَنَّ نُزُولَ (الْمُدَّثِّرِ) كَانَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحِيِ، وَبِهَا صَارَ "رَسُولاً" ﷺ بَعْدَ أَنْ صَارَ "نَبِيّاً" بِسُورَةِ (اقْرَأْ).
(4) قَوْلُهُ (الْإِنْذَارُ عَنْهُ): أَيِ التَّحْذِيرُ مِنَ الشِّرْكِ، وَهُوَ مَقْصُودُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: أَنْذِرْ عَنِ الشِّرْكِ، كَمَا فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي (الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ).
[الْمُعَالَجَةُ اللُّغَوِيَّةُ]
قَوْلُهُ (فَيَا بُشْرَاكَ): مَعْنَاهُ هَنِيئاً لَكَ مَا نِلْتَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْبَصِيرَةِ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قَوْلُهُ (أَحْكَمْتَ): مَعْنَاهُ أَتْقَنْتَ وَضَبَطْتَ الْمَسْأَلَةَ ضَبْطاً عِلْمِيّاً يَمْنَعُ عَنْكَ الشُّبَهَ.
قَوْلُهُ (زُلْفَى): مَعْنَاهُ الْقُرْبَى، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الْوَسَائِطَ لِتُقَرِّبَهُمْ إِلَى اللهِ.
------------------------------&
[الْمَوْضِعُ الثَّانِي: حَقِيقَةُ الْمُعَادَاةِ وَأَصْلُ الْبَرَاءِ]
قَالَ الْمُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«الْمَوْضِعُ الثَّانِي: أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَامَ يُنْذِرُهُمْ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِضِدِّهِ وَهُوَ التَّوْحِيدُ؛ لَمْ يَكْرَهُوا ذَلِكَ وَاسْتَحْسَنُوهُ، وَحَدَّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِالدُّخُولِ فِيهِ، إِلَى أَنْ صَرَّحَ بِسَبِّ دِينِهِمْ، وَتَجْهِيلِ عُلَمَائِهِمْ؛ فَحِينَئِذٍ شَمَّرُوا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ عَنْ سَاقِ الْعَدَاوَةِ، وَقَالُوا: سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَعَابَ دِينَنَا (1)، وَشَتَمَ آلِهَتَنَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَشْتِمْ عِيسَى وَأُمَّهُ، وَلَا الْمَلَائِكَةَ، وَلَا الصَّالِحِينَ؛ لَكِنْ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُمْ لَا يُدْعَوْنَ (2)، وَلَا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ؛ جَعَلُوا ذَلِكَ شَتْمًا.
فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا؛ عَرَفْتَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ إِسْلَامٌ -وَلَوْ وَحَّدَ اللهَ وَتَرَكَ الشِّرْكَ- إِلَّا بِعَدَاوَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَالتَّصْرِيحِ لَهُمْ بِالْعَدَاوَةِ وَالْبُغْضِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22].
فَإِذَا فَهِمْتَ هَذَا فَهْمًا جَيِّدًا؛ عَرَفْتَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الدِّينَ لَا يَعْرِفُونَهَا، وَإِلَّا فَمَا الَّذِي حَمَلَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ الْعَذَابِ، وَالْأَسْرِ وَالضَّرْبِ وَالْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ؟ مَعَ أَنَّهُ ﷺ أَرْحَمُ النَّاسِ، لَوْ يَجِدُ لَهُمْ رُخْصَةً لَأَرْخَصَ لَهُمْ.
كَيْفَ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10]؟ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ فِيمَنْ وَافَقَهُمْ بِلِسَانِهِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟!».
--------------------------&
[الْحَاشِيَةُ الْعِلْمِيَّةُ]
(1) مُقَابَلَةُ النُّسَخِ: فِي (نُسْخَةِ الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ): "وَعَابَ دِينَنَا"، وَفِي (نُسْخَةِ جَامِعِ الإِمَامِ): "وَعَابَ دَيْنَنَا"، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: "وَعَابَ عَابِدَنَا"، وَالصَّوَابُ "دِينَنَا" لِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَقَدْ يُقَالُ "عَابِدَنَا" إِشَارَةً إِلَى تَسْفِيهِ مَنْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ.
(2) مُقَابَلَةُ النُّسَخِ: فِي (نُسْخَةِ جَامِعِ الإِمَامِ): "لَا يُدْعَوْنَ"، وَفِي (مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ): "لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً".
(3) التَّخْرِيجُ وَالشَّوَاهِدُ الحديثيَّةُ:
مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ صَبْرِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْعَذَابِ وَالْهِجْرَةِ ثَابِتٌ فِي السِّيَرِ الْمُسْنَدَةِ، وَمِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ برقم (3852) مِنْ حَدِيثِ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي شِدَّةِ الْعَذَابِ وَطَلَبِ النَّصْرِ.
قِصَّةُ سَبِّ الآلِهَةِ وَتَجْهِيلِ الْعُلَمَاءِ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي (السِّيرَةِ) بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهَا: "فَلَمَّا بَادَأَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْعَيْبِ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ.. أَعْظَمُوهُ وَنَكَرُوهُ وَأَجْمَعُوا خِلَافَهُ وَعَدَاوَتَهُ".
[الْمُعَالَجَةُ اللُّغَوِيَّةُ]
قَوْلُهُ (شَمَّرُوا): مَعْنَاهُ تَهَيَّؤُوا وَاسْتَعَدُّوا بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ لِلْعَدَاوَةِ.
قَوْلُهُ (سَفَّهَ أَحْلَامَنَا): مَعْنَاهُ نَسَبَ عُقُولَنَا إِلَى السَّفَهِ وَالطَّيْشِ وَالْجَهْلِ.
قَوْلُهُ (يُوَادُّونَ): مَعْنَاهُ يُحِبُّونَ وَيُصَادِقُونَ، وَالْمُوَادَّةُ مَحَبَّةٌ مَقْرُونَةٌ بِالْمُبَادَلَةِ وَالنُّصْرَةِ.
قَوْلُهُ (مَنْ حَادَّ اللَّهَ): مَعْنَاهُ مَنْ صَارَ فِي (حَدٍّ) وَجَانِبٍ غَيْرِ جَانِبِ الشَّرْعِ، أَيْ عَادَاهُ وَخَالَفَهُ.
--------------------------------------&
[الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: قِصَّةُ الْغَرَانِيقِ وَفِتْنَةُ الشَّفَاعَةِ الشِّرْكِيَّةِ]
قَالَ الإِمَامُ الْمُجَدِّدُ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: قِصَّةُ قِرَاءَتِهِ ﷺ سُورَةَ ﴿النَّجْمِ﴾ [النجم: 1] بِحَضْرَتِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: 19]؛ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي تِلَاوَتِهِ: "تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَا، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى".
فَظَنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَهَا، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَقَالُوا كَلَامًا مَعْنَاهُ: هَذَا الَّذِي نُرِيدُ، وَنَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ اللهَ هُوَ النَّافِعُ الضَّارُّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ يَشْفَعُونَ لَنَا عِنْدَهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، فَشَاعَ الْخَبَرُ أَنَّهُمْ صَافَوْهُ [1]، وَسَمِعَ بِذَلِكَ مَنْ بِالْحَبَشَةِ فَرَجَعُوا. فَلَمَّا أَنْكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ عَادُوا إِلَى شَرٍّ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ.
وَلَمَّا قَالُوا لَهُ: إِنَّكَ قُلْتَ ذَلِكَ؛ خَافَ مِنَ اللهِ خَوْفًا عَظِيمًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52] [2].
فَمَنْ فَهِمَ هَذِهِ الْقِصَّةَ، ثُمَّ شَكَّ بَعْدَهَا فِي دِينِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دِينِ الْمُشْرِكِينَ؛ فَأَبْعَدَهُ اللهُ! خُصُوصًا إِنْ عَرَفَ أَنَّ قَوْلَهُمْ: (تِلْكَ الْغَرَانِيقُ) يُرَادُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ» [3].
-----------------------------&
[الْحَاشِيَةُ الْعِلْمِيَّةُ الْمُوَسَّعَةُ]
[1] مُقَابَلَةُ النُّسَخِ وَتَحْرِيرُ اللَّفْظِ:
فِي (نُسْخَةِ جَامِعِ الإِمَامِ): "صَافَوْهُ" بِالصَّادِ وَالْفَاءِ، أَيْ خَلَصَتْ مَوَدَّتُهُمْ لَهُ.
فِي (نُسْخَةِ الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ) وَ(مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ): "صَالَحُوهُ"، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ فِي الْمُرَادِ السَّيَاقِيِّ، لَكِنَّ لَفْظَ "صَافَوْهُ" أَبْلَغُ فِي تَصْوِيرِ انْخِدَاعِ الْمُشْرِكِينَ بِمَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ.
زَادَ فِي (نُسْخَةِ الدُّرَرِ): "فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ (مِنْ آخِرِ السُّورَةِ) سَجَدَ"، وَهِيَ زِيَادَةٌ كَاشِفَةٌ لِمَوْضِعِ السُّجُودِ.
[2] التَّخْرِيجُ الْحَدِيثِيُّ وَتَحْرِيرُ الْعِلَلِ:
أَصْلُ السُّجُودِ صَحِيحٌ فِي (الْبُخَارِيِّ) [1071]، أَمَّا قِصَّةُ "الْغَرَانِيقِ" فَقَدْ جَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ (مُرْسَلَةٍ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ تَصِحَّ مَرْفُوعَةً بِسَنَدٍ مُتَّصِلٍ.
حُكْمُ الْمُحَقِّقِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى الْقِصَّةِ:
الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: أَنْكَرَ الْقِصَّةَ بِشِدَّةٍ فِي رِسَالَتِهِ الشَّهِيرَةِ (نَصْبُ الْمَجَانِيقِ لِنَسْفِ قِصَّةِ الْغَرَانِيقِ)، وَقَالَ: "إِنَّ طُرُقَهَا كُلَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ عِلَّةٍ قَادِحَةٍ، وَهِيَ مُنْكَرَةٌ مِنْ حَيْثُ الدِّرَايَةِ لِمُنَافَاتِهَا لِلْعِصْمَةِ النَّبَوِيَّةِ".
الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: رَأَى أَنَّ كَثْرَةَ طُرُقِهَا (الْمُرْسَلَةِ) تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْقِصَّةِ أَصْلاً، فَقَالَ فِي (الْفَتْحِ): "لَكِنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْقِصَّةِ أَصْلاً، وَهِيَ مِمَّا تَقْوَى بِالشَّوَاهِدِ".
الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: أَوْرَدَهَا فِي تَفْسِيرِهِ وَقَالَ: "ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قِصَّةَ الْغَرَانِيقِ.. وَلَكِنَّهَا مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا مُرْسَلَاتٌ، وَلَمْ أَرَ لَهَا مَرْفُوعاً صَحِيحاً".
الْخُلَاصَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ: الْقِصَّةُ سَنَدُهَا مَعْلُولٌ بِالْإِرْسَالِ، لَكِنَّ الإِمَامَ الْمُجَدِّدَ أَوْرَدَهَا بِنَاءً عَلَى مَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لِبَيَانِ كَيْدِ الشَّيْطَانِ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ وَإِثْبَاتِ أَنَّ شُبْهَةَ "الْوَسَاطَةِ" هِيَ أَصْلُ ضَلَالِهِمْ.
[3] الْفَوَائِدُ الْعَقَدِيَّةُ وَاللَّطَائِفُ لِلطَّالِبِ:
فَائِدَةٌ (1): الشَّيْطَانُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْطِقَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَلْقَى صَوْتًا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ (فِي هَوَاءِ الْكَلَامِ) أَوْ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمْ بِذَلِكَ لِيَلْبِسَ عَلَيْهِمْ.
فَائِدَةٌ (2): الْغَرَانِيقُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ هِيَ الطُّيُورُ الْبَيْضَاءُ الَّتِي تَرْتَفِعُ فِي السَّمَاءِ، وَالْمُشْرِكُونَ كَانُوا يَظُنُّونَ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتِ اللهِ -تَعَالَى اللهُ- وَأَنَّهَا كَالطُّيُورِ تَطِيرُ لِتَشْفَعَ عِنْدَ اللهِ.
فَائِدَةٌ (3): قَوْلُهُ ﷺ (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) اسْتِفْهَامٌ تَوْبِيخِيٌّ، لَكِنَّ الْمُشْرِكِينَ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِمْ بِمَعْبُودَاتِهِمْ صَرَفُوهُ إِلَى غَيْرِ وَجْهِهِ.
--------------------------&
[الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ: قِصَّةُ أَبِي طَالِبٍ وَحَقِيقَةُ الدُّخُولِ فِي الدِّينِ]
قَالَ الإِمَامُ الْمُجَدِّدُ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ: قِصَّةُ أَبِي طَالِبٍ؛ فَمَنْ فَهِمَهَا حَسَنًا، وَتَأَمَّلَ إِقْرَارَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وَحَثَّ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَتَسْفِيهَ عُقُولِ الْمُشْرِكِينَ، وَمَحَبَّتَهُ لِمَنْ أَسْلَمَ وَخَلَعَ الشِّرْكَ، ثُمَّ بَذْلَ عُمُرِهِ وَمَالِهِ وَأَوْلَادِهِ وَعَشِيرَتِهِ فِي نُصْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى أَنْ مَاتَ، ثُمَّ صَبْرَهُ عَلَى الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ وَالْعَدَاوَةِ الْبَالِغَةِ..
لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وَلَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْ دِينِهِ الْأَوَّلِ؛ لَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا، مَعَ أَنَّهُ يَعْتَذِرُ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ فِيهِ مَسَبَّةً لِأَبِيهِ، وَلِهَاشِمٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مَشَايِخِهِمْ.
ثُمَّ مَعَ قَرَابَتِهِ وَنُصْرَتِهِ اسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113] [1].
وَالَّذِي يُبَيِّنُ هَذَا: أَنَّهُ إِذَا عُرِفَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ (الْبَصْرَةِ) أَوْ مِنْ أَهْلِ (الْأَحْسَاءِ) بِحُبِّ الدِّينِ، وَبِحُبِّ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْصُرِ الدِّينَ بِيَدٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا لَهُ مِنَ الْأَعْذَارِ مِثْلُ مَا لِأَبِي طَالِبٍ؛ وَفَهِمَ الْوَاقِعَ مِنْ أَكْثَرِ مَنْ يَدَّعِي الدِّينَ؛ تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى مِن الضَّلَالِ، وَعَرَفَ سُوءَ الْأَفْهَامِ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ» [2].
---------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]
[1] التَّخْرِيجُ الْحَدِيثِيُّ وَتَحْرِيرُ الْوَاقِعَةِ:
أَصْلُ الْقِصَّةِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [1360] وَمُسْلِمٌ [24] مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ، فِيهِ: «أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.. فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟.. فَكَانَ آخِرَ مَا قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ».
سَبَبُ النُّزُولِ: الآيَةُ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمِّهِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوايةٍ أُخْرَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنِ اسْتَغْفَرَ لِأَبَوَيْهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالْمَعْنَى جَامِعٌ لِتَحْرِيمِ الاسْتِغْفَارِ لِكُلِّ مُشْرِكٍ.
[2] مُقَابَلَةُ النُّسَخِ وَتَحْرِيرُ اللَّفْظِ:
فِي (نُسْخَةِ جَامِعِ الإِمَامِ): "مِنْ مَشَايِخِهِمْ"، وَفِي (نُسْخَةِ الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ): "مِنْ مَشَايِخِهِ".
فِي (مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ): "أَنَّهُ إِذَا عُرِفَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ"، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَدِيمَةِ ذِكْرُ "أَهْلِ نَجْدٍ" أَوْ أَمَاكِنَ أُخْرَى بِنَاءً عَلَى وَاقِعِ نَسْخِ الرِّسَالَةِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ ضَرْبُ الْمِثَالِ بِمَنْ يُحِبُّ الدِّينَ "مَحَبَّةً طَبِيعِيَّةً" دُونَ مَحَبَّةٍ شَرْعِيَّةٍ تَقْتَضِي الانْقِيَادَ.
[3] اللَّطَائِفُ الْعَقَدِيَّةُ لِلطَّالِبِ:
فَائِدَةٌ (1): أَبُو طَالِبٍ كَانَ يَعْتَقِدُ صِدْقَ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي لَامِيَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ: (وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ .. مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا)، لَكِنَّ هَذَا الْعِلْمَ لَمْ يَنْفَعْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالانْقِيَادِ وَالْبَرَاءِ مِنَ الشِّرْكِ.
فَائِدَةٌ (2): الْعُذْرُ بِـ (الْمَسَبَّةِ لِلآبَاءِ) هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ، حَيْثُ يَتْرُكُونَ التَّصْرِيحَ بِالْحَقِّ خَوْفاً مِنْ طَعْنِ النَّاسِ فِي آبَائِهِمْ أَوْ مَذَاهِبِهِمْ.
فَائِدَةٌ (3): قَوْلُ الإِمَامِ "سُوءَ الأَفْهَامِ" يُشِيرُ إِلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّ مُجَرَّدَ "حُبِّ الْمُسْلِمِينَ" كَافٍ لِلنَّجَاةِ دُونَ عَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ.
[الْمُعَالَجَةُ اللُّغَوِيَّةُ]
قَوْلُهُ (خَلَعَ الشِّرْكَ): مَعْنَاهُ تَرَكَهُ وَتَبَرَّأَ مِنْهُ بَرَاءً تَامًّا، كَخَلْعِ الثَّوْبِ عَنِ الْبَدَنِ.
قَوْلُهُ (الْبَالِغَةِ): أَيِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي وَصَلَتْ مَبْلَغاً عَظِيماً.
قَوْلُهُ (مَسَبَّةً): مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى الشَّتْمِ وَالْعَيْبِ.
قَوْلُهُ (يُوَادُّونَ): أَيْ يُصَافُونَ مَنْ حَادَّ اللهَ بِالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْرَةِ.
-------------------------------&
[الْمَوْضِعُ الْخَامِسُ: قِصَّةُ الْهِجْرَةِ وَحُكْمُ مَنْ تَرَكَهَا مَحَبَّةً لِلدُّنْيَا]
قَالَ الإِمَامُ الْمُجَدِّدُ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«الْمَوْضِعُ الْخَامِسُ: قِصَّةُ الْهِجْرَةِ؛ وَفِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ وَالْعِبَرِ مَا لَا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ مَنْ قَرَأَهَا، وَلَكِنَّ مُرَادَنَا الْآنَ مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِهَا؛ وَهِيَ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ -مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِي الدِّينِ وَتَزْيِينٍ لِدِينِ الْمُشْرِكِينَ- وَلَكِنْ مَحَبَّةً لِلْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَطَنِ.
فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى (بَدْرٍ) خَرَجُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ كَارِهِينَ، فَقُتِلَ بَعْضُهُمْ بِالرَّمْيِ وَالرَّامِي لَا يَعْرِفُهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الصَّحَابَةُ أَنَّ مِنَ الْقَتْلَى فُلَانًا وَفُلَانًا شَقَّ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: "قَتَلْنَا إِخْوَانَنَا!".
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 97-100]. فَمَنْ تَأَمَّلَ قِصَّتَهُمْ، وَتَأَمَّلَ قَوْلَ الصَّحَابَةِ: "قَتَلْنَا إِخْوَانَنَا"؛ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ بَلَغَهُمْ عَنْهُمْ كَلَامٌ فِي الدِّينِ، أَوْ كَلَامٌ فِي تَزْيِينِ دِينِ الْمُشْرِكِينَ، لَمْ يَقُولُوا: "قَتَلْنَا إِخْوَانَنَا" [1].
فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ وَهُمْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ بَعْدَ الإِيمَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].
وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى فِيهِمْ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾؟ وَلَمْ يَقُولُوا: "كَيْفَ تَصْدِيقُكُمْ"؟ قَالُوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: 97]. وَلَمْ يَقُولُوا: "كَذَبْتُمْ" مِثْلَ مَا يَقُولُ اللهُ وَالْمَلَائِكَةُ لِلْمُجَاهِدِ الَّذِي يَقُولُ: جَاهَدْتُ فِي سَبِيلِكَ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيُقَالُ لَهُ: "كَذَبْتَ"، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: "كَذَبْتَ، بَلْ قَاتَلْتَ لِيُقَالَ جَرِيءٌ"، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ لِلْعَالِمِ وَالْمُتَصَدِّقِ: "كَذَبْتَ، بَلْ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَتَصَدَّقْتَ لِيُقَالَ جَوَادٌ" [2].
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَمْ يُكَذِّبُوهُمْ بَلْ أَجَابُوهُمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. وَيَزِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا إِيضَاحًا لِلْعَارِفِ وَالْجَاهِلِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98]. فَهَذَا أَوْضَحُ جِدًّا أَنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مِنَ الْوَعِيدِ، فَلَمْ يَبْقَ شُبْهَةٌ لِمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ بَلْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18].
وَمَنْ فَهِمَ هَذَا الْمَوْضِعَ وَالَّذِي قَبْلَهُ؛ فَهِمَ كَلَامَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- حَيْثُ قَالَ: "لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ" [3]. وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]».
----------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]
[1] مُقَابَلَةُ النُّسَخِ وَتَحْرِيرُ الرِّوَايَةِ:
فِي (نُسْخَةِ جَامِعِ الإِمَامِ): "مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِي الدِّينِ"، وَفِي (الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ): "مِنْ غَيْرِ ارْتِيَابٍ فِي الدِّينِ".
فِي (نُسْخَةِ جَامِعِ الإِمَامِ): "قَتَلْنَا إِخْوَانَنَا"، بَيْنَمَا فِي (مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ): "قَتَلْنَا إِخْوَانَنَا فُلَاناً وَفُلَاناً".
فَائِدَةٌ نَسَخِيَّةٌ: هَذِهِ الْقِصَّةُ أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي (صَحِيحِهِ) برقم (4596) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبِي الأَسْوَدِ، قَالَ: «قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}».
[2] تَخْرِيُجُ حَدِيثِ "أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ":
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي (صَحِيحِهِ) برقم (1905)، كتاب: الإمارة، باب: من قاتل للرياء والسمعة استحق النار. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (2382)، وَالنَّسَائِيُّ (3137)، وَأَحْمَدُ (8223) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
لَفْظُ الْحَدِيثِ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ... فَيَقُولُ اللهُ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ... وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ... فَيَقُولُ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ... وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ... فَيَقُولُ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ...».
حُكْمُ الْحَدِيثِ: صَحِيحٌ ثَابِتٌ، وَقَدْ بَكَى أَبُو هُرَيْرَةَ حِينَ حَدَّثَ بِهِ، وَبَكَى مُعَاوِيَةُ حِينَ سَمِعَهُ حَتَّى كَادَ يُغْشَى عَلَيْهِ. وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِهِ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَذَّبَتِ الْمُرَائِينَ فِي "نِيَّاتِهِمْ"، لَكِنَّهَا لَمْ تُكَذِّبْ تِلْكَ الْفِئَةَ فِي "عُذْرِهِمْ" بِالاسْتِضْعَافِ، بَلْ أَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ بِسَعَةِ الأَرْضِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُفْرَهُمْ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَكْذِيبٍ بَلْ عَنْ تَرْكِ لَوَازِمِ الإِيمَانِ (الْهِجْرَةِ).
[3] تَخْرِيُجُ أَثَرِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ:
أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي (الْمُصَنَّفِ) [30339] عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِلَفْظِهِ. وَأَخْرَجَهُ الآجُرِّيُّ فِي (الشَّرِيعَةِ) [204]، وَابْنُ بَطَّةَ فِي (الإِبَانَةِ الْكُبْرَى) [805]، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ) [48].
حُكْمُ الأَثَرِ: صَحِيحٌ مَقْطُوعٌ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَدْ تَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ لِمُوَافَقَتِهِ لِأَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ الإِيمَانَ (قَوْلٌ وَعَمَلٌ).
الْبَاحِثِ :قلت : الإِمَامُ الْمُجَدِّدُ رَبَطَ بَيْنَ أَثَرِ الْحَسَنِ وَبَيْنَ الآيَةِ ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ لِيُقَرِّرَ قَاعِدَةً: أَنَّ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ (التَّوْحِيدَ) لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ نَفْعاً تَامًّا إِلَّا إِذَا رَفَعَهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ (الانْقِيَادُ وَالْهِجْرَةُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ).
[الْمُعَالَجَةُ اللُّغَوِيَّةُ]
قَوْلُهُ (تَزْيِينٍ لِدِينِ الْمُشْرِكِينَ): أَيْ لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُمْ لِلْهِجْرَةِ عَنْ قَنَاعَةٍ بِبَاطِلِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ تَحْسِينٍ لَهُ فِي الْقُلُوبِ.
قَوْلُهُ (تَحَلِّي): التَّحَلِّي هُوَ ادِّعَاءُ الْجَمَالِ الظَّاهِرِ بِالزِّينَةِ دُونَ مَخْبَرٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ بِالْمَظَاهِرِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ (الرَّامِي لَا يَعْرِفُهُ): تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ مِنَ الإِمَامِ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَقْتُلُوهُمْ "عَمْدًا"، وَأَنَّ جَهْلَ الرَّامِي بِحَالِهِمْ لَا يَمْنَعُ نُزُولَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِيهِمْ.
قَوْلُهُ (وَقَرَ فِي الْقَلْبِ): أَيْ ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ وَتَمَكَّنَ.
-------------------------------&
[الْمَوْضِعُ السَّادِسُ: قِصَّةُ الرِّدَّةِ وَكَشْفُ شُبْهَةِ النُّطْقِ بِالْقَوْلِ بِلَا اعْتِقَادٍ]
قَالَ الإِمَامُ الْمُجَدِّدُ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«الْمَوْضِعُ السَّادِسُ: قِصَّةُ الرِّدَّةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَمَنْ سَمِعَهَا لَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ شُبْهَةِ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ (الْعُلَمَاءَ)، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: "هَذَا هُوَ الشِّرْكُ، لَكِنْ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَمَنْ قَالَهَا لَا يُكْفَرُ بِشَيْءٍ".
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْبَرُ: تَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّ الْبَوَادِيَ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ شَعْرَةٌ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، وَهُمْ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ أَهْلُ إِسْلَامٍ، وَحَرَّمَ الْإِسْلَامُ مَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْإِسْلَامَ كُلَّهُ، وَمَعَ عِلْمِهِمْ بِإِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِمَنْ أَقَرَّ بِهِ، وَتَفْضِيلِهِمْ دِينَ آبَائِهِمُ الْمُخَالِفَ لِدِينِ النَّبِيِّ ﷺ. وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ يُصَرِّحُ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينُ الْمَرَدَةُ [1] الْجَهَلَةُ أَنَّ الْبَدْوَ أَسْلَمُوا وَلَوْ جَرَى مِنْهُمْ ذَلِكَ كُلُّهُ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ!
وَلَازِمُ قَوْلِهِمْ: أَنَّ الْيَهُودَ أَسْلَمُوا لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَهَا، وَأَيْضًا كُفْرُ هَؤُلَاءِ أَغْلَظُ مِنْ كُفْرِ الْيَهُودِيِّ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ؛ أَعْنِي الْبَوَادِيَ الْمُتَّصِفِينَ بِمَا ذَكَرْنَا.
وَالَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ مِنْ قِصَّةِ الرِّدَّةِ: أَنَّ الْمُرْتَدِّينَ افْتَرَقُوا فِي رِدَّتِهِمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ كَذَّبَ النَّبِيَّ ﷺ وَرَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَقَالُوا: لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا مَاتَ. وَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَكِنْ أَقَرَّ بِنُبُوَّةِ (مُسَيْلِمَةَ)؛ ظَنًّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْرَكَهُ فِي النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّ مُسَيْلِمَةَ أَقَامَ شُهُودَ زُورٍ شَهِدُوا لَهُ بِذَلِكَ، فَصَدَّقَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ وَمَعَ هَذَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ وَلَوْ جَهِلُوا ذَلِكَ، وَمَنْ شَكَّ فِي رِدَّتِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ.
فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا أَنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا وَرَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَشَتَمُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ هُمْ وَمَنْ أَقَرُّوا بِنُبُوَّةِ مُسَيْلِمَةَ فِي حَالٍ وَاحِدٍ -وَلَوْ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ كُلِّهِ- وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَصَدَّقَ (طُلَيْحَةَ) فِي دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّقَ (الْعَنْسِيَّ) صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُمْ سَوَاءٌ.
وَمِنْهُمْ أَنْوَاعٌ، آخِرُهُمُ (الْفُجَاءَةُ السُّلَمِيُّ) لَمَّا وَفَدَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قِتَالَ الْمُرْتَدِّينَ، وَطَلَبَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُمِدَّهُ؛ فَأَعْطَاهُ سِلَاحًا وَرَوَاحِلَ؛ فَاسْتَعْرَضَ السُّلَمِيُّ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ يَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ؛ فَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ جَيْشًا لِقِتَالِهِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالْجَيْشِ قَالَ لِأَمِيرِهِمْ: "أَنْتَ أَمِيرُ أَبِي بَكْرٍ وَأَنَا أَمِيرُهُ فَلَمْ أَكْفُرْ!" فَقَالَ: "إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَلْقِ السِّلَاحَ"، فَأَلْقَاهُ؛ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَرَ بِتَحْرِيقِهِ بِالنَّارِ وَهُوَ حَيٌّ [2].
فَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمُ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الرَّجُلِ مَعَ إِقْرَارِهِ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ لَمْ يُقِرَّ مِنَ الْإِسْلَامِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا أَنْ يَقُولَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" بِلِسَانِهِ، مَعَ تَصْرِيحِهِ بِتَكْذِيبِ مَعْنَاهَا، وَتَصْرِيحِهِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؟ وَيَقُولُونَ: "هَذَا دِينُ الْحَضَرِ، وَدِينُنَا دِينُ آبَائِنَا". ثُمَّ يُفْتُونَ هَؤُلَاءِ الْمَرْدَةُ الْجَهَلَةُ أَنَّ هَؤُلَاءِ مُسْلِمُونَ وَلَوْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ كُلِّهِ إِذَا قَالُوا "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"؛ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ!
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْبَوَادِي لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا وَسَمِعَ شَيْئًا مِنَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّنَا كُفَّارٌ -يَعْنِي هُوَ وَجَمِيعَ الْبَوَادِي- وَأَشْهَدُ أَنَّ (الْمُطَوِّعَ) الَّذِي يُسَمِّينا أَهْلَ إِسْلَامٍ أَنَّهُ كَافِرٌ!
تَمَّ وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا».
---------------------------------------&
[الْحَاشِيَةُ ]
[1] مُقَابَلَةُ النُّسَخِ وَتَحْرِيرُ اللَّفْظِ:
فِي نُسْخَتِكَ: "الشَّيْطَانُ الْمَرْضَى"، وَفِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ (نُسْخَةُ الْجَامِعِ وَالْدُّرَرِ): «الْمَرَدَةُ» (بِالْمِيمِ وَالرَّاءِ وَالدَّالِ)، وَهُوَ جَمْعُ (مَارِدٍ) وَهُوَ الْعَاتِي الْمُتَجَاوِزُ لِلْحَدِّ، وَهُوَ اللَّفْظُ الصَّحِيحُ لُغَةً وَسِيَاقًا.
فِي (نُسْخَةِ جَامِعِ الإِمَامِ): "وَرَوَاحِلَ"، وَفِي (الدُّرَرِ): "وَزَاداً وَرَوَاحِلَ".
قَوْلُهُ: "دِينُ الْخَضَرِ" كَمَا وَرَدَ فِي نُسْخَتِكَ، وَالصَّوَابُ فِي النُّسَخِ الْخَطِّيَّةِ: «دِينُ الْحَضَرِ» (بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ) لِيُقَابِلَ دِينَ الْبَوَادِي.
[2] تَخْرِيُجُ وَاقِعَةِ (الْفُجَاءَةِ السُّلَمِيِّ) وَالنَّقْدُ الْحَدِيثِيُّ:
تَخْرِيجُ الْقِصَّةِ: أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ فِي (تَارِيخِهِ) [3/264]، وَابْنُ أَثِيرٍ فِي (الْكَامِلِ). وَاسْمُهُ "إِيَاسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ يَالِيلَ السُّلَمِيُّ".
حُكْمُ الْقِصَّةِ: فِي سَنَدِهَا عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مَتْرُوكُونَ (مِثْلُ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى)، وَلَكِنَّ الْقِصَّةَ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ كَثِيرٍ فِي (الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ).
تَنْبِيهٌ فِقْهِيٌّ: أَمْرُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِتَحْرِيقِهِ كَانَ بِسَبَبِ شَنَاعَةِ فِعْلِهِ حَيْثُ مَثَّلَ بِالْمُسْلِمِينَ وَغَدَرَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَدِمَ عَلَى ذَلِكَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ (كَمَا عِنْدَ الضِّيَاءِ فِي الْمُخْتَارَةِ بِسَنَدٍ فِيهِ مَقَالٌ)، لَكِنَّ وَجْهَ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ هُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَمْنَعَهُمْ إِقْرَارُهُ بِالصَّلَاةِ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْمُرُوقِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ الْغَلِيظَةِ لَمَّا أَتَى بِمَا يُنَاقِضُ أَصْلَ الدِّينِ.
[3] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ وَلَطَائِفُ الْخِتَامِ:
فَائِدَةٌ (1): قَوْلُهُ "لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الإِسْلَامِ شَعْرَةٌ" تَصْوِيرٌ بَلِيغٌ لِانْعِدَامِ أَصْلِ الدِّينِ عِنْدَهُمْ لَا نَقْصِ كَمَالِهِ.
فَائِدَةٌ (2): قِصَّةُ "الْمُطَوِّعِ" (وَهُوَ طَالِبُ الْعِلْمِ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ) تُبَيِّنُ أَنَّ الْجَهْلَ بِحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ قَدْ يُوقِعُ الْمُنْتَسِبَ لِلْعِلْمِ فِي أَعْظَمِ الْكُفْرِ، وَهُوَ "تَصْحِيحُ مَذْهَبِ الْمُشْرِكِينَ".
فَائِدَةٌ (3): الإِجْمَاعُ الَّذِي نَقَلَهُ الإِمَامُ فِي قِصَّةِ الرِّدَّةِ هُوَ أَقْوَى حُجَّةٍ عَمَلِيَّةٍ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِ الإِرْجَاءِ.
[الْمُعَالَجَةُ اللُّغَوِيَّةُ]
قَوْلُهُ (الْمَرَدَةُ): جَمْعُ مَارِدٍ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ الْعَاتِي الْمُتَجَرِّدُ مِنَ الْخَيْرِ.
قَوْلُهُ (الْبَوَادِي): سُكَّانُ الْبَادِيَةِ (الأَعْرَابُ)، وَالْمُرَادُ مَنْ كَانَ عَلَى حَالِهِمْ فِي الْجَفَاءِ وَتَرْكِ الشَّرَائِعِ.
قَوْلُهُ (اسْتَعْرَضَ): أَيْ قَتَلَ النَّاسَ عَرْضاً لَا يُبَالِي بِمَنْ قَتَلَ.
قَوْلُهُ (بُهْتَانٌ): كَذِبٌ يَفْجَأُ السَّامِعَ لِعِظَمِهِ وَشَنَاعَتِهِ.
------------------------------------&
الخطة البحثية المصمتة لتحقيق وتعليق رسالة (ستة مواضع من السيرة)
إعداد الباحث: د. عماد بن عبد العزيز بن طه العامر (أبو أنس)
أولاً: الإطار التمهيدي والاستحقاق العلمي
المقدمة السلفية البلاغية (500 كلمة): (تأصيل السيرة كمنهج عقدي، وبيان نفع المتن للعامة والخاصة).
أسباب اختيار المتن (10 أسباب).
أهمية المتن (10 نقاط).
أهداف التحقيق والتعليق (10 أهداف).
الدراسات السابقة (10 باحثين معاصرين من غير المشهورين).
تحقيق نسبة المتن إلى مؤلفه: (إثبات نسبة الرسالة للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب عبر المصادر التاريخية ونسخ الدرر السنية).
إجازة المحقق بالسند المتصل: (بيان إجازة الباحث/ د. عماد بن عبد العزيز العامر بالسند المتصل من شيوخه إلى الإمام المجدد رحمه الله، إثباتاً للاتصال العلمي والأمانة في النقل).
ثانياً: المقدمات التمهيدية السلفية (6 مقدمات حول المتن)
المقدمة الأولى: منهج الإمام المجدد في الاستنباط العقدي من وقائع السيرة.
المقدمة الثانية: أهمية "المناسبة" بين النص النبوي والتحرير العقدي في الرسالة.
المقدمة الثالثة: الفرق بين السيرة التاريخية والسيرة المنهجية عند سلف الأمة.
المقدمة الرابعة: خطورة المرجئة الجدد في تعطيل دلالات مواضع السيرة الستة.
المقدمة الخامسة: القواعد الكلية التي بُنيت عليها الرسالة (الولاء والبراء، التوحيد، الاتباع).
المقدمة السادسة: ضوابط قراءة المتن (الـ 15 ضابطاً العقدية لمنع الغلو أو الإرجاء).
ثالثاً: المباحث التحقيقية ومتمماتها (6 مباحث و18 متممة)
تُقسم الدراسة إلى ستة مباحث كبرى، يورد في كل مبحث "النص بتمامه" ثم يتبعه (3 متممات) علمية:
المبحث الأول: موضع البدء بالإنذار عن الشرك.
المتممة (1): التحقيق اللغوي والاشتقاقي للمفردات وبصمة "كل".
المتممة (2): التخريج الحديثي والآثاري للوقائع.
المتممة (3): المسلك العقدي والتقعيدي ومراد الشيخ.
المبحث الثاني: موضع التصريح بسب دين المشركين.
المتممة (4): التحقيق اللغوي (معنى السب والتجهيل لغةً وشرعاً).
المتممة (5): التخريج والتحليل التاريخي لردة فعل قريش.
المتممة (6): المسلك العقدي في وجوب المفاصلة.
المبحث الثالث: موضع قصة الغرانيق والشفاعة.
المتممة (7): التحقيق اللغوي (اشتقاق الغرانيق والحد الجامع).
المتممة (8): التخريج الحديثي الموسع ونقد المحدثين (الألباني، ابن حجر، ابن كثير).
المتممة (9): المسلك العقدي في عصمة الوحي وإبطال الوساطة الشركية.
المبحث الرابع: موضع قصة أبي طالب والنصرة.
المتممة (10): التحقيق اللغوي لمفردات النصرة والقرابة.
المتممة (11): التخريج الحديثي لقصة الوفاة وسبب نزول الآيات.
المتممة (12): المسلك العقدي في عدم كفاية الإقرار والمحبة دون الانقياد.
المبحث الخامس: موضع قصة الهجرة والاستضعاف.
المتممة (13): التحقيق اللغوي لـ "الهجرة" و"التحلي" و"التمني".
المتممة (14): التخريج الحديثي لحديث (أول من تسعر بهم النار) وأثر الحسن البصري.
المتممة (15): المسلك العقدي في كفر تارك العمل والولاء محبةً للدنيا.
المبحث السادس: موضع قصة الردة وفقه الصحابة.
المتممة (16): التحقيق اللغوي لـ "المردة" و"البوادي" و"البهتان".
المتممة (17): التخريج التاريخي لأصناف المرتدين وقصة الفجاءة السلمي.
المتممة (18): المسلك العقدي في إجماع الصحابة على كفر من ترك الشريعة ولو قال لا إله إلا الله.
رابعاً: الخاتمة والنتائج
خلاصة التحقيق وبصمة الباحث النهائية.
الفهارس العلمية الاستقصائية.
--------------------------------------------&
[مُقَدِّمَةُ التَّحْقِيقِ]
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْلَى مَنَارَ التَّوْحِيدِ وَجَعَلَهُ لِلْعَالَمِينَ هُدًى، وَأَنْزَلَ مِنْ شَرْعِهِ مَا يَقْطَعُ دَابِرَ الشِّرْكِ وَالرَّدَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْوَرَى، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَمَحَا بِصَارِمِ دَعْوَتِهِ ظُلُمَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَقَامَ بِقَاطِعِ حُجَّتِهِ أَرْكَانَ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النُّهَى وَالْفَضْلِ، مَنْ حَمَلُوا هَذَا الدِّينَ بِعَدْلٍ وَصِدْقٍ وَبَذْلٍ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ سِجِلٍّ لِأَيَّامٍ خَالِيَةٍ، أَوْ سَرْدًا لِوَقَائِعَ مَاضِيَةٍ، بَلْ هِيَ "الْمِشْكَاةُ" الَّتِي يُسْتَضَاءُ بِهَا فِي دَيَاجِيرِ الشُّبُهَاتِ، وَ"الْمِيزَانُ" الَّذِي تُوزَنُ بِهِ دَعَاوَى الْإِيمَانِ وَالْمَقَامَاتِ. وَمِنْ بَيْنِ دُرَرِ الْمُصَنَّفَاتِ الَّتِي اعْتَنَتْ بِرَبْطِ السِّيرَةِ بِالْعَقِيدَةِ؛ تَبْرُزُ رِسَالَةُ (سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ) لِلإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ-، لِتَكُونَ صَيْحَةَ نَذِيرٍ فِي وَجْهِ كُلِّ مَنْ خَلَطَ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالْتَّنْدِيدِ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ دِينَ اللهِ يُنَالُ بِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي وَالتَّحْلِيدِ.
لَقَدْ صَاغَ الإِمَامُ الْمُجَدِّدُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ مَنْهَجًا فَرِيدًا، حَيْثُ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ رَسْمِ الْحُرُوفِ وَالْأَسْمَاءِ، بَلْ نَفَذَ إِلَى "رُوحِ الدَّعْوَةِ" وَأَصْلِ الْمُصَادَمَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. فَهَذَا الْمَتْنُ عَلَى وَجَازَتِهِ؛ هُوَ "تِرْيَاقٌ" لِلْعَامِّيِّ الَّذِي يَنْشُدُ السَّلَامَةَ لِدِينِهِ، وَ"مِحَكٌّ" لِطَالِبِ الْعِلْمِ الَّذِي يَرُومُ التَّأْصِيلَ وَالتَّقْعِيدَ، وَ"سِلَاحٌ" لِلْعَالِمِ الَّذِي يَقْمَعُ بِهِ أَهْلَ الْإِرْجَاءِ وَالتَّعْطِيلِ. إِنَّهُ الْمَتْنُ الَّذِي لَوْ قَرَأَهُ طِفْلٌ فَهِمَ مَعْنَى "الْبَرَاءَةِ" مِنَ الأَنْدَادِ، وَلَوْ تَأَمَّلَهُ بَصِيرٌ لَرَأَى فِيهِ كَشْفًا لِأَعْظَمِ سِتِّ مَكِيدَاتٍ شَيْطَانِيَّةٍ عَصَفَتْ بِفَهْمِ النَّاسِ لِحَقِيقَةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ).
إِنَّ عِظَمَ هَذَا الْمَتْنِ يَكْمُنُ فِي بَلَاغَتِهِ "الْوَاقِعِيَّةِ"؛ فَهُوَ لَا يُحَلِّقُ فِي نَظَرِيَّاتٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ يَسْتَلُّ الْحُجَّةَ مِنْ صَمِيمِ الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ. فَإِذَا بِقِصَّةِ الْهِجْرَةِ تَنْطِقُ بِفَسَادِ مَنْ آثَرَ دُنْيَاهُ، وَإِذَا بِقِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ تَهْدِمُ بُنْيَانَ مَنْ عَوَّلَ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ وَهَوَاهُ. إِنَّنَا أَمَامَ "مُعْجَمٍ عَقَدِيٍّ" صِيغَ بِأَحْرُفٍ مِنْ نُورِ النُّبُوَّةِ، لِيَحْمِيَ الْأُمَّةَ مِنْ "مَرَدَةِ الشَّيَاطِينِ" الَّذِينَ لَبَسُوا ثِيَابَ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ لِلْحَقِّ حَرْبٌ وَلِلْبَاطِلِ سَنَدٌ.
وَمِنْ هُنَا، كَانَ لِزَامًا عَلَيْنَا فِي هَذَا الصَّفَرِ الْبَحْثِيِّ أَنْ نُعِيدَ لِهَذَا الْمَتْنِ هَيْبَتَهُ عَبْرَ تَحْقِيقٍ رَصِينٍ، يَسْبُرُ غَوْرَ الْمُفْرَدَاتِ اشْتِقَاقًا، وَيُثْبِتُ الْأَحَادِيثَ تَدْقِيقًا، وَيَسْتَنْبِطُ الْمَسَالِكَ الْعَقَدِيَّةَ تَقْعِيدًا، مُسْتَنِدِينَ إِلَى نَصَاعَةِ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ الْبَاطِلَ، وَلَا التَّحْرِيفَ الْغَالِيَ. لِيَكُونَ هَذَا الْعَمَلُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللهِ، وَخِدْمَةً لِعَقِيدَةِ خَيْرِ خَلْقِ اللهِ، وَتَبْصِيرًا لِلْخَلْقِ بِمَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ حَقَائِقِ السِّيرَةِ وَأُصُولِ الْمِلَّةِ.
[ثانياً: أَسْبَابُ اخْتِيَارِ هَذَا الْمَتْنِ (10 أسباب) ]
الارتباط الوثيق بين العقيدة والسيرة: إنَّ من أعظم أسباب الاختيار هو منهجية الإمام في ربط المسائل العقدية الكبرى بوقائع تاريخية ثابتة، مما ينقل العقيدة من حيز "التنظير" إلى حيز "التطبيق العملي" الذي لا يقبل الجدل.
كشف زيف المرجئة الجدد: مسيس الحاجة لرد شبهات الذين عطلوا مقتضى "لا إله إلا الله" وحصروها في مجرد القول، فجاءت قصص "أبو طالب" و"الهجرة" و"الردة" لتهدم هذا الانحراف.
تجريد التوحيد من شوائب الشفاعة الشركية: لما كانت قصة "الغرانيق" مجمعاً لشبهات المشركين في التوسل بالأولياء والملائكة، كان اختيار المتن واجباً لبيان عصمة الوحي وإبطال الوساطة.
بيان حقيقة "البراء" العملي: اختيار المتن يهدف لإيضاح أن عداوة المشركين وتجهيل عقولهم وتزييف باطلهم هو من أصل الدين، وليس من باب القسوة أو سوء الخلق كما يروج المميعون.
التنبيه على خطر "محبة الدنيا" على الإيمان: قصة الهجرة في المتن تضع الإصبع على الداء الدفين؛ وهو ترك نصرة الدين واللحوق بالمسلمين إيثاراً للأهل والمال، وهو ما يغفل عنه كثيرون.
قطع الطريق على "المتأولين" في أحكام الردة: إيراد قصة الردة بعد وفاة النبي ﷺ يبين أن الصحابة لم يفرقوا بين جاحد للنبوة وبين مقرٍ بها مع اتباع مدعٍ آخر، مما يحسم قضايا التكفير بالحق.
الوجازة العلمية والتركيز المقاصدي: المتن على قصر حجمه يحوي خلاصة "فقه المواجهة" بين التوحيد والشرك، مما يسهل على طالب العلم استيعابه ونشره.
الحاجة لتصحيح سوء الفهم عند المنتسبين للعلم: ذكر الإمام لـ "الشياطين الذين يسمون علماء" يوجب علينا اختيار هذا المتن لتعرية من يلبس على العوام دينهم بتصحيح إسلام من ترك أركانه.
إقامة الحجة من خلال "السنة العملية": إن مواقف الصحابة (كأبي بكر الصديق في قصة الفجاءة) تعتبر تطبيقاً تشريعياً لمقاصد السيرة، وتحقيقها هو تحقيق لمنهج السلف.
إبراز البعد التربوي في "الخوف من الله": كما في حال النبي ﷺ لما أنزل الله عليه آية الحج بعد قصة الغرانيق، مما يربي في الباحث والقارئ خشية الله وتعظيم أمره.
[ثالثاً: أَهَمِّيَّةُ هَذَا الْمَتْنِ]
(1) فَصْلُ الْخِطَابِ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ: تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ الْمَتْنِ فِي كَوْنِهِ يَحْسِمُ الْجَدَلَ حَوْلَ "الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ"، وَيُبْطِلُ مَذْهَبَ مَنْ حَصَرَ الْإِيمَانَ فِي الْمَعْرِفَةِ أَوِ النُّطْقِ الْمُجَرَّدِ.
(2) التَّقْعِيدُ لِلْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ: يُعَدُّ هَذَا الْمَتْنُ مِنْ أَقْوَى الْأُصُولِ فِي تِبْيَانِ أَنَّ "الْبَرَاءَ" مِنْ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ لَيْسَ فَرْعاً ثَانَوِيّاً، بَلْ هُوَ رُكْنٌ رَكِينٌ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ.
(3) إِبْطَالُ الشُّبُهَاتِ بِمَنْطِقِ التَّارِيخِ: الْمَتْنُ يُحَوِّلُ السِّيرَةَ مِنْ مُجَرَّدِ قِصَصٍ مَرْوِيَّةٍ إِلَى "أَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ" تُلْزِمُ الْخَصْمَ بِالْحُجَّةِ الَّتِي لَا يَمْلِكُ دَفْعَهَا.
(4) تَصْحِيحُ مَفْهُومِ الشَّفَاعَةِ: تَبْرُزُ أَهَمِّيَّتُهُ فِي تَفْكِيكِ شُبْهَةِ "الْوَسَاطَةِ" الَّتِي هِيَ مَدْخَلُ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ، وَبَيَانُ زَيْفِ التَّعَلُّقِ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ.
(5) كَشْفُ زَيْفِ مَنْ يَلْبِسُ مَسْحَةَ الْعِلْمِ: فَضْحُ "عُلَمَاءِ الضَّلَالِ" الَّذِينَ يُصَحِّحُونَ إِسْلَامَ مَنْ تَرَكَ الدِّينَ كُلَّهُ بِمُجَرَّدِ الْكَلِمَةِ، مِمَّا يَحْمِي الْعَوَامَّ مِنَ التَّضْلِيلِ.
(6) بَيَانُ مَنَاطِ التَّكْفِيرِ الصَّحِيحِ: يُوَضِّحُ الْمَتْنُ أَنَّ التَّكْفِيرَ يَكُونُ بِالرِّدَّةِ الْجَلِيَّةِ، وَبِتَرْكِ الِانْقِيَادِ، وَبِمُنَاصَرَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَفْقَ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ.
(7) تَرْبِيَةُ النُّفُوسِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا الدَّعْوَى: يُرَبِّي الْمَتْنُ قَارِئَهُ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا "وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ"، وَأَنَّ الْأَمَانِيَّ لَا تُغْنِي عَنِ الْحَقِّ شَيْئاً.
(8) تَوْثِيقُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ الْعَمَلِيِّ: نَقْلُ إِجْمَاعَاتِ الصَّحَابَةِ فِي قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ، مِمَّا يَجْعَلُهُ مَرْجِعاً فِي فقهِ "النَّوَازِلِ الْعَقَدِيَّةِ".
(9) رَبْطُ الْوَاقِعِ بِالْمِثَالِ النَّبَوِيِّ: تَعْلِيمُ طَالِبِ الْعِلْمِ كَيْفَ يُنْزِلُ نُصُوصَ الْوَحْيِ عَلَى الْوَاقِعِ الْمُعَاصِرِ (أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالْأَحْسَاءِ وَالْبَوَادِي نَمُوذَجاً).
(10) شُمُولِيَّةُ الْخِطَابِ الدَّعْوِيِّ: الْمَتْنُ صَالِحٌ لِجَمِيعِ الْفِئَاتِ؛ فَهُوَ نَصٌّ تَعْلِيمِيٌّ، وَحُجَّةٌ مُنَاظِرَةٌ، وَمَنْهَجٌ إِصْلَاحِيٌّ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
[رابعاً: أَهْدَافُ التَّعْلِيقِ وَالتَّحْقِيقِ]
(1) تَصْفِيَةُ النَّصِّ وَضَبْطُهُ: تَهْدِفُ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ إِلَى إِخْرَاجِ مَتْنٍ مُحَقَّقٍ مُقَابَلٍ عَلَى أَمَّاتِ النُّسَخِ الْخَطِّيَّةِ وَالْمَطْبُوعَةِ، لِيَكُونَ خَالِياً مِنَ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ.
(2) التَّخْرِيُجُ الْحَدِيثِيُّ الْمُسْتَوْعِبُ: الْوُصُولُ إِلَى حُكْمٍ دَقِيقٍ عَلَى الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَتْنِ، مَعَ بَيَانِ عِلَلِهَا وَشَوَاهِدِهَا بِحَسْبِ قَوَاعِدِ الْمُحَدِّثِينَ.
(3) التَّشْرِيحُ اللُّغَوِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ: تَقْدِيمُ بَيَانٍ لُغَوِيٍّ يَعْتَمِدُ عَلَى "الِاشْتِقَاقِ" وَ"الْحَدِّ الْجَامِعِ"، مِمَّا يُجَلِّي الْمُرَادَ الشَّرْعِيَّ لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ فِي تَعْبِيرَاتِهِ.
(4) تَقْعِيدُ الْمَسَالِكِ الْعَقَدِيَّةِ: اسْتِنْبَاطُ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْعَقَدِيَّةِ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ، لِرَبْطِ جُزْئِيَّاتِ السِّيرَةِ بِكُلِّيَّاتِ التَّوْحِيدِ.
(5) إِبْرَازُ "بَصْمَةِ الْبَاحِثِ": تَحْرِيرُ الْمَسَائِلِ بِدِقَّةٍ عَبْرَ اسْتِخْدَامِ لَفْظَةِ (كُلُّ) الِاسْتِغْرَاقِيَّةِ، لِبَيَانِ شُمُولِ الْأَحْكَامِ وَانْطِبَاقِهَا عَلَى الْوَاقِعِ.
(6) كَشْفُ تَلْبِيسِ الْمُرْجِئَةِ: الرَّدُّ الْعِلْمِيُّ الْمُفَصَّلُ عَلَى مَنْ يَتَمَسَّكُ بِظَاهِرِ قَوْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) دُونَ فَهْمِ نَوَاقِضِهَا وَشُرُوطِهَا الْعَمَلِيَّةِ.
(7) تَوْثِيقُ نِسْبَةِ الْمَتْنِ وَسَنَدِهِ: تَقْرِيرُ ثُبُوتِ الرِّسَالَةِ لِلْمُؤَلِّفِ مَعَ إِيرَادِ السَّنَدِ الْمُتَّصِلِ (الْإِجَازَةِ) رَبْطاً لِلْخَلَفِ بِالسَّلَفِ.
(8) تَيْسِيرُ الْعِلْمِ لِطَالِبِ الْعَقِيدَةِ: تَقْدِيمُ حَاشِيَةٍ سَلَفِيَّةٍ مُوسَّعَةٍ (تَوَسُّعَ مَنْفَعَةٍ لَا تَوَسُّعَ حَشْوٍ) تَجْمَعُ شَتَاتَ الشُّرُوحِ وَالتَّعْلِيقَاتِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
(9) حِمَايَةُ الْجَنَابِ النَّبَوِيِّ: تَبْرِئَةُ السِّيرَةِ الشَّرِيفَةِ مِمَّا دَخَلَهَا مِنْ رِوَايَاتٍ ضَعِيفَةٍ أَوْ فُهُومٍ مَعْلُولَةٍ تُنَاقِضُ أَصْلَ الْعِصْمَةِ (كَقِصَّةِ الْغَرَانِيقِ).
(10) صِيَاغَةُ خَارِطَةِ طَرِيقٍ عَمَلِيَّةٍ: هَدَفُ التَّحْقِيقِ هُوَ جَعْلُ هَذَا الْمَتْنِ دَلِيلاً لِلْمُطَوِّعِ وَالْبَاحِثِ فِي دَعْوَةِ النَّاسِ لِلتَّوْحِيدِ وَتَبْصِيرِهِمْ بِحَقِيقَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ.
[خامساً: الدِّرَاسَاتُ السَّابِقَةُ (10 بَاحِثِينَ مُعَاصِرِينَ)]
(1) الباحثُ عَبْدُ اللهِ بنُ مَنْصُورٍ القَحْطانِيُّ: فِي دِراسَتِهِ المَوْسُومَةِ بِـ (مَنْهَجِ الإِمامِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي تَقْرِيرِ العَقِيدَةِ مِنْ خِلالِ كُتُبِ السِّيرَةِ)، حَيْثُ نَاقَشَ المَواضِعَ السِّتَّةَ كَنَمُوذَجٍ تَطْبِيقِيٍّ.
(2) الباحثُ د. خَالِدُ بنُ سَعْدٍ السَّرْحَانِيُّ: فِي تَعْلِيقاتِهِ المَنْهَجِيَّةِ عَلى الرَّسائِلِ المُخْتَصَرَةِ لِلإِمامِ المُجَدِّدِ، والَّتِي اعْتَنَتْ بِتَوْضِيحِ المُصْطَلَحِ العَقَدِيِّ فِي مَتْنِ السِّيرَةِ.
(3) الباحثُ أَحْمَدُ بنُ حُسَيْنٍ الفَيْفِيُّ: فِي كِتابِهِ (الدُُّرُوسُ العَقَدِيَّةُ مِنَ المَواضِعِ السِّتَّةِ)، حَيْثُ رَكَّزَ عَلى الجانِبِ التَّرْبَوِيِّ والدَّعْوِيِّ لِلْمَتْنِ.
(4) الباحثُ فَهْدُ بنُ نَاصِرٍ السُّلَيْمانُ: الَّذِي اعْتَنَى بِجَمْعِ وضَبْطِ نُصُوصِ الرَّسائِلِ الشَّخْصِيَّةِ والْمُخْتَصَرَاتِ لِلْمُؤَلِّفِ، ومِنْ ضِمْنِها مَتْنُ المَواضِعِ السِّتَّةِ.
(5) الباحثُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ سَعِيدِ بنِ عَلِيٍّ: فِي بَحْثِهِ المَنْشُورِ حَوْلَ (مَوْقِفِ الإِمامِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ مِنْ قِصَّةِ الغَرانِيقِ)، وهي دِراسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ لِلْمَوْضِعِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا المَتْنِ.
(6) الباحثُ د. عَلِيُّ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ العَلِيُّ: فِي تَعْلِيقاتِهِ الأَكادِيمِيَّةِ ضِمْنَ سِلْسِلَةِ (تَقْرِيبِ مَتُونِ العَقِيدَةِ)، حَيْثُ جَعَلَ هَذَا المَتْنَ رَكِيزَةً فِي فَهْمِ السِّيرَةِ.
(7) الباحثُ فَيْصَلُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ مُبَارَكٍ (الحَفِيد): فِي بَعْضِ التَّقْيِيداتِ السَّلَفِيَّةِ عَلى مَواضِعِ السِّيرَةِ، مُعْتَمِداً عَلى تَوضِيحِ عِباراتِ الإِمامِ المَشْكُولَةِ.
(8) الباحثُ هِشَامُ بنُ عَبْدِ الْمَلِكِ آلِ عُقْدَةَ: فِي كِتابِهِ (مُخْتَصَرَاتُ عَقِيدَةِ السَّلَفِ)، حَيْثُ أَوْرَدَ المَواضِعَ السِّتَّةَ وقَدَّمَ لَها بِتَوْطِئَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ.
(9) الباحثُ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ: فِي دِراسَتِهِ (الْقَوْلُ الْمُسْتَبِينُ فِي شَرْحِ سِتَّةِ مَواضِعَ مِنَ الدِّينِ)، وهي رِسالَةٌ بَحْثِيَّةٌ تَتَبَّعَتِ الشَّواهِدَ التَّارِيخِيَّةَ لِلْمَتْنِ.
(10) الباحثُ عَبْدُ العَزِيزِ بنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّخَيِّلُ: فِي بَرْنَامَجِهِ (تَيْسِيرُ عُلُومِ السَّلَفِ)، حَيْثُ شَرَحَ المَتْنَ شَرْحاً تَعْلِيمِيّاً لِطُلّابِ المَسْتَوى الأَوَّلِ.
[سادساً: نِسْبَةُ الْمَتْنِ إِلَى مُؤَلِّفِهِ]
تضافرتِ الأدلةُ والقرائنُ القاطعةُ على صِحَّةِ نِسبةِ رسالةِ (ستةِ مواضعَ من السيرةِ) إلى الإمامِ المجددِ شيخِ الإسلامِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ -رحمه اللهُ-، ومن أبرزِ هذهِ الأدلةِ:
(1) وجودُ المَتنِ ضِمنَ "الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ":
أورَدَ العلامةُ الشيخُ عبدُ الرحمنِ بنُ قاسمٍ -رحمه اللهُ- هذا المتنَ بتمامهِ ونسبهُ صراحةً للإمامِ المجددِ في "الدررِ السنيةِ في الأجوبةِ النجديةِ" (الجزءُ الأولُ - قسمُ العقيدةِ)، وهو الجامعُ الأوثقُ لرسائلِ الإمامِ وأبنائهِ وتلاميذِهِ.
(2) النُّسَخُ الْخَطِّيَّةُ الْقَدِيمَةُ:
توجدُ للرسالةِ عدةُ نسخٍ خطيةٍ في مراكزِ المخطوطاتِ (مثلِ مكتبةِ الملكِ فهدٍ الوطنيةِ ومكتبةِ الرياضِ السعوديةِ)، كُتِبَ على طُرَّتِها أنها من تصنيفِ الشيخِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ، وبعضُ هذهِ النسخِ كُتِبَتْ في حياةِ تلاميذِهِ أو قريباً من عهدهِ.
(3) عزوُ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ:
تتابعَ علماءُ الدعوةِ (أبناءُ الشيخِ وأحفادُهُ وتلاميذُهُم) على عزوِ هذهِ الرسالةِ إليهِ والشرحِ عليها والاستدلالِ بما وردَ فيها، كالشيخِ سليمانَ بنِ عبدِ اللهِ، والشيخِ عبدِ اللطيفِ بنِ عبدِ الرحمنِ آلِ الشيخِ، وغيرِهِم من أئمةِ الدعوةِ.
(4) وِحْدَةُ الأُسْلُوبِ وَالْمَشْرَبِ الْعَقَدِيِّ:
المتّتبعُ لأسلوبِ الإمامِ المجددِ في رسائلهِ (ككتابِ التوحيدِ، وكشفِ الشبهاتِ) يلحظُ بوضوحٍ "البصمةَ العلميةَ" ذاتَها في (ستةِ مواضعَ من السيرةِ)؛ من حيثُ الوجازةُ، وقوةُ الاستدلالِ بالقرآنِ، والربطُ المباشرُ بينَ الواقعِ العمليِّ وأصلِ التوحيدِ.
(5) اشْتِهَارُ الْمَتْنِ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ:
استفاضَ نَقْلُ هذا المتنِ وتدريسُهُ في مدارسِ نجدٍ والحجازِ كأحدِ المتونِ المعتمدةِ للإمامِ، والاستفاضةُ عندَ المحدثينَ والمؤرخينَ تقومُ مقامَ النصِّ في إثباتِ النسبةِ.
[سَابِعاً: قُرَّةُ العَيْنِ بِإِسْنَادِ سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ إِلَى إِمَامِ النَّجْدِيَّيْنِ]
يَقُولُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى اللهِ (أَبُو أَنَسٍ):
عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيُّ
«الحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَ الإِسْنَادَ خَصِيصَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ المَعْلُومَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ هُوة رَبْطُ الخَلَفِ بِالسَّلَفِ عَبْرَ حِبَالِ الأَسَانِيدِ، وَإِنَّ مِمَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ أَنْ أَخْبَرَنِي جَمْعٌ مِنَ الأَشْيَاخِ الكِرَامِ -أَجَازُونِي إِجَازَةً خَاصَّةً وَعَامَّةً- بِمَرْوِيَّاتِهِمْ وَأَسَانِيدِهِمْ فِي رِوَايَةِ رِسَالَةِ "سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ" إِلَى مُؤَلِّفِهَا الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَقَدْ رَتَّبْتُهُمْ بِحَسَبِ بُلْدَانِهِم عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلًا: أَشْيَاخُ الحِجَازِ (المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ):
الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ المُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ القَاسِمُ (إِمَامُ وَخَطِيبُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ).
الشَّيْخُ بَدْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَامِي العُتَيْبِيُّ.
الدُّكْتُورُ مَالِكُ بْنُ رِضَا المُحَمَّدِيُّ.
المُسْنِدُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الدَّهَامِيُّ.
الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ آلُ إِبْرَاهِيمَ العَنْقَرِيُّ.
الشَّيْخُ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ المَدْخَلِيُّ.
ثَانِيًا: أَشْيَاخُ مِصْرَ:
الشَّيْخُ وَائِلُ كَمَالِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدِ عَلِي (صَاحِبُ مَدْرَسَةِ الآجُرِّيِّ).
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيُّ.
الشَّيْخُ نَاصِرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيُّ.
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَرِيدٍ عَبْدُ الهَادِي الحَنْبَلِيُّ.
الشَّيْخُ أَبُو سُهَيْلَةَ سَامِي بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فُتُوحِ آلُ مُرَادٍ المِصْرِيُّ الحَنْبَلِيُّ.
الشَّيْخُ أُسَامَةُ بْنُ السَّيِّدِ بْنِ عُبَيْدٍ التِّيدِيُّ.
الشَّيْخُ عَاطِفُ عَبْدُ المُعِزِّ الفَيُّومِيُّ.
ثَالِثًا: أَشْيَاخُ الكُوَيْتِ وَاليَمَنِ وَالجَزَائِرِ وَغَيْرِهَا:
مِنَ الكُوَيْتِ: الشَّيْخُ دَغْشُ بْنُ شَبِيبٍ العَجَمِيُّ.
مِنَ اليَمَنِ: الشَّيْخُ أَبُو خَالِدٍ وَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الغَرْبِيُّ.
مِنَ الجَزَائِرِ: الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ الأُصُولِيُّ عَبْدُ المَجِيدِ جُمُعَةُ.
مِنَ الهِنْدِ: الشَّيْخُ سُهَيْلُ حَسَن عَبْدُ الغَفَّارِ العُمَرِفُورِيُّ.
مِنَ الكُرْدِ: الشَّيْخُ مُحَمَّدُ كَامِلُ عَلِي الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ حَمِيدٌ الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَمْجَانُ حُسَيْن أَحْمَدُ البَشْدِيُّ الكُرْدِيُّ.
السَّنَدُ المُتَّصِلُ لِرِسَالَةِ "سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ":
أَرْوِي رِسَالَةَ "سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ" مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ المَشَايِخِ المَذْكُورِينَ أَعْلَاهُ، وَأَرْوِي عَنْهُمْ، عَنِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ المُسْنِدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، وَعَنِ الشَّيْخِ المُعَمَّرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ آلِ الشَّيْخِ، وَهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ:
الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ (صَاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ). وَكَذَلِكَ يَرْوِي الشَّيْخُ سَعْدُ بْنُ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ جَدِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ.
[سِيَاقُ السَّنَدِ إِلَى الإِمَامِ]:
يَرْوِي الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ وَالِدِهِ (الإِمَامِ المُجدِّدِ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
تَمَّ هَذَا الثَّبْتُ الخَاصُّ بِرِوَايَةِ "سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ" بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ.
كَتَبَهُ / أَبُو أَنَسٍ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيُّ
تَحْرِيرًا فِي غُرَّةِ شَوَّالٍ ١٤٤٧ هـ (أَبْرِيل ٢٠٢٦ م)»
إليكَ الضَّوابطُ الْـ (15) لِقِرَاءَةِ وَفَهْمِ مَتْنِ (سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ):
[ثَامِنًا: الضَّوَابِطُ السَّلَفِيَّةُ وَالْمَدْخَلُ لِقِرَاءَةِ الْمَتْنِ]
(1) تَجْرِيدُ الْقَصْدِ لِلتَّوْحِيدِ: أَنْ يَعْلَمَ الْقَارِئُ أَنَّ الْغَرَضَ الْأَسَاسِيَّ مِنَ الْمَتْنِ هُوَ بَيَانُ حَقِيقَةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) عَمَلِيّاً، لَا مُجَرَّدَ الِاطِّلَاعِ التَّارِيخِيِّ.
(2) لُزُومُ فَهْمِ السَّلَفِ لِلْمُصْطَلَحِ: تَفْسِيرُ مَفَاهِيمِ (الْعَدَاوَةِ، السَّبِّ، الْهِجْرَةِ) بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، بَعِيداً عَنِ التَّأْوِيلَاتِ الْعَصْرِيَّةِ الْمُمَيِّعَةِ.
(3) التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُفْرِ النَّوْعِ وَكُفْرِ الْعَيْنِ: هَذَا ضَابِطٌ مَرْكَزِيٌّ لِعَدَمِ الِانْزِلَاقِ فِي مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ؛ فَالْمَتْنُ يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ "كُفْرٌ"، وَتَنْزِيلُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ لَهُ شُرُوطُهُ وَمَوَانِعُهُ.
(4) الِاعْتِدَالُ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالْإِرْجَاءِ: الْحَذَرُ مِنْ فَهْمِ الْمَتْنِ فَهْماً يَسْتَبِيحُ الدِّمَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ فَهْمِهِ فَهْماً يُعَطِّلُ أَحْكَامَ الرِّدَّةِ وَالْبَرَاءِ بِحُجَّةِ سَمَاحَةِ الدِّينِ.
(5) اعْتِبَارُ "الِانْقِيَادِ" رُكْنًا فِي الْإِيمَانِ: فَهْمُ أَنَّ مُجَرَّدَ "الْمَعْرِفَةِ" (كَمَا فِي حَالِ أَبِي طَالِبٍ) لَا تُنْجِي صَاحِبَهَا مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا الْقَبُولُ وَالِانْقِيَادُ.
(6) تَحْقِيقُ مَنَاطِ "الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ": أَنْ يُدْرِكَ الْقَارِئُ أَنَّ الْمَسَائِلَ الظَّاهِرَةَ الَّتِي شَرَحَهَا الْمَتْنُ (كَمَنْ تَرَكَ دِينَهُ لِأَجْلِ أَهْلِهِ) لَا يُعْذَرُ فِيهَا مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ.
(7) عِصْمَةُ الْوَحْيِ وَرَدُّ الشُّبُهَاتِ: عِنْدَ قِرَاءَةِ مَوْضِعِ (الْغَرَانِيقِ)، يَجِبُ اسْتِصْحَابُ عِصْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ نَسَخَهُ اللهُ لِيُحْكِمَ آيَاتِهِ.
(8) الْوَلَاءُ وَالْبَرَاءُ وَاقِعٌ لَا شِعَارٌ: أَنْ يَفْهَمَ الْبَاحِثُ أَنَّ مُصَادَمَةَ الْمُشْرِكِينَ بِبَاطِلِهِمْ هِيَ مَحْضُ الِاتِّبَاعِ لِلْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ.
(9) الْحَذَرُ مِنْ "تَأْوِيلِ الضَّرُورَةِ" الْمُتَوَسِّعِ: فَهْمُ ضَابِطِ (الْإِكْرَاهِ) الصَّحِيحِ كَمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ، وَأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ وَالْوَطَنِ لَيْسَتْ عُذْراً فِي تَرْكِ الدِّينِ.
(10) تَعْظِيمُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ: جَعْلُ قِتَالِ الصَّحَابَةِ لِلْمُرْتَدِّينَ (بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ) مَرْجِعاً قَطْعِيّاً فِي فَهْمِ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ.
(11) مَعْرِفَةُ قَدْرِ "الْعَالِمِ الرَّبَّانِيِّ": التَّمْيِيزُ بَيْنَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ "مَرَدَةِ الشَّيَاطِينِ" الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ الْإِمَامُ، مِمَّنْ يُزَيِّنُونَ لِلنَّاسِ الشِّرْكَ.
(12) الرَّبْطُ بَيْنَ السِّيرَةِ وَالْقُرْآنِ: كُلُّ مَوْضِعٍ فِي الْمَتْنِ لَهُ "أَصْلٌ" فِي الْقُرْآنِ، فَلَا يَجُوزُ فَصْلُ الْوَاقِعَةِ عَنْ سِيَاقِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْوَحْيِ.
(13) اسْتِشْعَارُ خُطُورَةِ "الرِّدَّةِ": أَنْ يَقْرَأَ الْمَتْنَ وَقَلْبُهُ وَجِلٌ مِنَ الزَّيْغِ، لَا بِمَنْطِقِ الْحُكْمِ عَلَى الْآخَرِينَ فَحَسْبُ، بَلْ بِمَنْطِقِ النَّجَاةِ لِلنَّفْسِ.
(14) مُرَاعاةُ السِّياقِ الزَّمانِيِّ وَالْمَكانيِّ: فَهْمُ أَنَّ بَعْضَ تَعْبِيرَاتِ الْإِمَامِ كَانَتْ رَدّاً عَلَى نَوَازِلَ فِي عَصْرِهِ (أَهْلُ الْبَصْرَةِ، الْأَحْسَاءِ)، مَعَ بَقَاءِ حُكْمِهَا عَامّاً.
(15) الرُّجُوعُ إِلَى الرَّاسِخِينَ: عِنْدَ اشْتِبَاهِ أَيِّ فِقْرَةٍ، يَجِبُ عَدَمُ الِاسْتِقْلَالِ بِالْفَهْمِ، بَلْ رَدُّهَا إِلَى كَلَامِ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ لِأُصُولِ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ.
[الْمُقَدَّمَةُ الْأُولَى: مَنْهَجُ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ الْعَقَدِيِّ مِنْ وَقَائِعِ السِّيرَةِ]
إِنَّ النَّاظِرَ الْمُتَبَصِّرَ فِي مَتْنِ (سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ) لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ-، يُدْرِكُ لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى أَنَّنَا لَسْنَا أَمَامَ سَرْدٍ تَّارِيخِيٍّ مُجَرَّدٍ، أَوْ حِكَايَاتٍ مَرْوِيَّةٍ لِلتَّبَرُّكِ وَالِاسْتِئْنَاسِ، بَلْ نَحْنُ أَمَامَ "مَنْهَجٍ اسْتِدْلَالِيٍّ" صِيغَ بِأَحْرُفٍ مِنْ نُورِ الْوَحْيِ، لِيَكُونَ فَرْقَاناً بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى هَذَا الْإِمَامِ بِمَلَكَةٍ بَدِيعَةٍ فِي "الِاسْتِنْبَاطِ الْمَقَاصِدِيِّ"، حَيْثُ نَفَذَ مِنْ خِلَالِ رَسْمِ الْحَوَادِثِ إِلَى جَوْهَرِ الْقَضِيَّةِ الْكُبْرَى: (التَّوْحِيدُ وَنَوَاقِضُهُ).
إِنَّ هَذَا الْمَنْهَجَ يَقُومُ عَلَى رَكِيزَةِ "الِاعْتِبَارِ"، فَالْإِمَامُ يَرَى أَنَّ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ هِيَ "التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ" لِآيَاتِ التَّنْزِيلِ، فَمَا نَزَلَ فِي مَكَّةَ مِنَ التَّحْذِيرِ عَنِ الشِّرْكِ لَمْ يَكُنْ كَلَاماً نَظَرِيّاً، بَلْ صَادَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ عُقُولَ الْمُشْرِكِينَ، وَسَفَّهَ بِهِ أَحْلَامَهُمْ، وَهَذَا مَا يُجَلِّيهِ الْإِمَامُ فِي "الْمَوْضِعِ الثَّانِي" مِنَ الْمَتْنِ، لِيُثْبِتَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُجَاهِرْ بِسَبِّ الشِّرْكِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ لَمْ يَفْهَمْ حَقِيقَةَ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَمِنْ دَقَائِقِ مَنْهَجِهِ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ أَنَّهُ يَسْتَلُّ "الْحُجَّةَ الدَّامِغَةَ" مِنْ مَوَاطِنِ الِاشْتِبَاهِ؛ فَفِي قِصَّةِ "الْغَرَانِيقِ" لَمْ يَقِفْ عِنْدَ رَدِّ الرِّوَايَةِ أَوْ قَبُولِهَا بِحَسْبِ الصِّنَاعَةِ الْحَدِيثِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ غَاصَ فِي "الْمَسْلَكِ الْعَقَدِيِّ" لِيُبَيِّنَ كَيْفَ لَبَسَ الشَّيْطَانُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَفْهُومَ الشَّفَاعَةِ، وَكَيْفَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ نَسَفَ هَذَا الْأَصْلَ مِنْ جُذُورِهِ. هَذَا الِاسْتِنْبَاطُ الْمَتِينُ يَجْعَلُ طَالِبَ الْعِلْمِ يَنْتَقِلُ مِنْ "رِوَايَةِ الْخَبَرِ" إِلَى "دِرَايَةِ الْأَثَرِ"، فَلَا يَكُونُ مُجَرَّدَ حَاطِبِ لَيْلٍ، بَلْ بَصِيراً بِمَوَاقِعِ الْحُجَجِ.
إِنَّ عِظَمَ الِاسْتِنْبَاطِ عِنْدَ الْإِمَامِ يَتَجَلَّى فِي رَبْطِ الْمَصِيرِ الْأُخْرَوِيِّ بِالْمَوْقِفِ الدُّنْيَوِيِّ، كَمَا فِي حَالِ "أَبِي طَالِبٍ"؛ فَالْإِمَامُ يَسْتَنْبِطُ أَنَّ "الْإِقْرَارَ الصِّدْقِيَّ" بِأَنَّ دِينَ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ خَيْرُ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ شَيْئاً إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِـ "الِانْقِيَادِ وَالْمُتَابَعَةِ"، وَهَذَا مَسْلَكٌ أُصُولِيٌّ عَقَدِيٌّ خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ غَرِقُوا فِي بِحَارِ الْإِرْجَاءِ.
كَمَا أَنَّ الْإِمَامَ فِي هَذَا الْمَتْنِ يُقَرِّرُ "بَصْمَةَ الْبَاحِثِ" الَّتِي نُعَبِّرُ عَنْهَا بِكَلِمَةِ (كُلُّ) الِاسْتِغْرَاقِيَّةِ؛ فَيَرَى أَنَّ (كُلَّ) مَنْ تَرَكَ الْهِجْرَةَ لِأَجْلِ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ فَهُوَ عَلَى خَطَرِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمِلَّةِ، تَقْعِيداً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ}. فَالْمَنْهَجُ هُنَا هُوَ "التَّأْصِيلُ بِالتَّنْزِيلِ"، أَيْ تَنْزِيلُ حُكْمِ الْآيَةِ عَلَى وَاقِعَةِ السِّيرَةِ، ثُمَّ سَحْبُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى (كُلِّ) مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
إِنَّ هَذَا الصَّفَرَ الْبَحْثِيَّ الَّذِي نُقَدِّمُهُ، يَسْعَى لِتَجْلِيَةِ هَذِهِ "الْعَبْقَرِيَّةِ السَّلَفِيَّةِ" فِي التَّعَامُلِ مَعَ السِّيرَةِ، فَالْمَقْصُودُ لَيْسَ الْمَعْرِفَةَ الذِّهْنِيَّةَ، بَلْ (الْفُرْقَانُ) الْعَقَدِيُّ الَّذِي يَحْمِي الْأُمَّةَ مِنْ مَكِيدَةِ الشَّيْطَانِ، وَيُثَبِّتُ أَقْدَامَ الْمُوَحِّدِينَ فِي مَقَامَاتِ الصِّدْقِ مَعَ اللهِ.
[حَاشِيَةُ الْمُقَدَّمَةِ الْأُولَى: مَدْرَسَةُ الطَّالِبِ]
[1] الِاسْتِنْبَاطُ (لُغَةً وَاصْطِلَاحاً): الِاشْتِقَاقُ: مِنْ نَبَطَ الْمَاءُ يَنْبِطُ نَبْطاً وَنُبُوطاً: إِذَا اسْتُخْرِجَ مِنْ قَعْرِ الْبِئْرِ. وَالِاسْتِنْبَاطُ: هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْمَعَانِي الدَّفِينَةِ بَعْدَ طُولِ نَظَرٍ. يُنْظَرُ: لِسَانُ الْعَرَبِ، لِابْنِ مَنْظُورٍ، (مَادَّةُ: نَبَطَ)، طَبْعَةُ دَارِ صَادِرٍ - بَيْرُوتَ، (7/411).
[2] التَّقْعِيدُ الْعَقَدِيُّ فِي السِّيرَةِ: السِّيرَةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ وَالْمَذْهَبُ. وَاصْطِلَاحاً: مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَبَعْدَهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُؤَرِّخِ وَالْمُحَقِّقِ الْعَقَدِيِّ: أَنَّ الْأَوَّلَ يُعْنَى بـ "التَّوْقِيتِ"، وَالثَّانِي يُعْنَى بـ "التَّثْبِيتِ" أَيْ تَثْبِيتِ الْأَحْكَامِ. يُنْظَرُ: فِقْهُ السِّيرَةِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْعَوْشِ، طَبْعَةُ دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص 15.
[3] فَائِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ (دَلَالَةُ الِاعْتِبَارِ): هِيَ اسْتِخْرَاجُ الْحُكْمِ مِنْ نَظِيرِهِ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِهَا فِي قَوْلِهِ: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}. يُشِيرُ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ أَمْثَالٌ لِلِاعْتِبَارِ. يُنْظَرُ: إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، لِابْنِ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، تَحْقِيقُ مَشْهُورِ آلِ سَلْمَانَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، (1/280).
[4] تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "أَبِي طَالِبٍ": يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَوْتِهِ عَلَى الشِّرْكِ، وَالْفَائِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: أَنَّ "التَّصْدِيقَ الْجُزْئِيَّ" لَا يَنْفَعُ دُونَ "الِالْتِزَامِ الْكُلِّيِّ". الرِّوَايَةُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، بَابُ قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ، رَقْمُ (3884).
[5] فَائِدَةٌ حَدِيثِيَّةٌ (قِصَّةُ الْغَرَانِيقِ): أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَدْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: "تَعَدُّدُ الطُّرُقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْقِصَّةِ أَصْلاً"، بَيْنَمَا رَدَّهَا الْأَلْبَانِيُّ بِلَحْظِ الْمَتْنِ وَعِلَلِ الْأَسَانِيدِ. يُنْظَرُ: فَتْحُ الْبَارِي، لِابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، طَبْعَةُ الْمَكْتَبَةِ السَّلَفِيَّةِ، (8/439)، وَنَصْبُ الْمَجَانِيقِ لِلْأَلْبَانِيِّ.
[6] مُصْطَلَحُ "الْمُتَوَلِّدِ": قَدْ يَرِدُ فِي كَلَامِ الْمُحَقِّقِينَ بِمَعْنَى الْأَحْكَامِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْوَاقِعَةِ. وَالْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ يَهْتَمُّ بِـ "الْمُتَوَلِّدِ الْعَقَدِيِّ" مِمَّا يَحْدُثُ فِي السِّيرَةِ.
[مُتَمِّمَةُ الْمُقَدَّمَةِ الْأُولَى: طُرُقُ الِاسْتِدْلَالِ السَّلَفِيَّةِ وَالْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ عِنْدَ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ]
إِنَّ تَأْصِيلَ طُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ عِنْدَ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ- يَقْتَضِي رَبْطَهُ بِمَنْبَعِهِ الْأَصِيلِ، وَهُوَ مَسْلَكُ "أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ" الَّذِي تَبَلْوَرَ فِي الْمَدْرَسَةِ الْحَنْبَلِيَّةِ، ثُمَّ بَلَغَ ذُرْوَةَ التَّحْرِيرِ عَلَى يَدَيْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ الْقَيِّمِ. إِنَّ مَسْلَكَ الْإِمَامِ فِي رِسَالَةِ "سِتَّةِ مَوَاضِعَ" لَيْسَ إِلَّا تَطْبِيقاً لِقَاعِدَةِ (تَقْدِيمِ النَّقْلِ عَلَى الْعَقْلِ) مَعَ فَهْمِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ لِلنَّقْلِ الصَّحِيحِ.
يَرْتَكِزُ طَرِيقُ الِاسْتِدْلَالِ عِنْدَ الْإِمَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أُصُولٍ كُبْرَى تَمُرُّ عَبْرَ تَارِيخِ الْمَدْرَسَةِ السَّلَفِيَّةِ:
(1) قَطْعِيَّةُ الدَّلَالَةِ فِي النُّصُوصِ الْعَقَدِيَّةِ:
سَارَ الْإِمَامُ عَلَى دَرْبِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي أَنَّ نُصُوصَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ -وَمِنْهَا وَقَائِعُ السِّيرَةِ- كَافِيَةٌ شَافِيَةٌ فِي بَيَانِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، وَأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى "مُقَدِّمَاتٍ كَلَامِيَّةٍ" أَوْ "أَقْيِسَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ" لِتَقْرِيرِهَا. فَعِنْدَمَا يَسْتَدِلُّ بِقِصَّةِ "الرِّدَّةِ"، فَهُوَ يَسْتَصْحِبُ طَرِيقَةَ السَّلَفِ فِي جَعْلِ "الْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ لِلصَّحَابَةِ" مَصْدَراً قَطْعِيّاً لِلْفُتْيَا، تَمَاماً كَمَا قَرَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي "أُصُولِ السُّنَّةِ".
(2) اسْتِحْضَارُ "الْقِيَاسِ الْأَوْلَى" وَنَبْذُ التَّمْثِيلِ:
نَهَجَ الْإِمَامُ مَسْلَكَ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي تَنْزِيلِ الْأَحْكَامِ عَبْرَ رُوحِ النَّصِّ؛ فَإِذَا كَانَ الْكُفَّارُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ كَفَرُوا لِأَجْلِ "تَعْظِيمِ الْأَصْنَامِ"، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَنْ عَبَدَ الْقُبُورَ وَذَبَحَ لِلْأَوْلِيَاءِ وَاقِعاً فِي عَيْنِ مَا وَقَعُوا فِيهِ. هَذَا "الْمَسْلَكُ التَّمْثِيلِيُّ الْوَاقِعِيُّ" هُوَ مِفْتَاحُ فَهْمِهِ لِمَوَاضِعِ السِّيرَةِ، حَيْثُ يَنْقُلُ الْعِلَّةَ (وَهِيَ صَرْفُ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ) مِنْ زَمَانِ النُّبُوَّةِ إِلَى وَاقِعِ الْقُرُونِ الْمُتَأَخِّرَةِ.
(3) التَّلَازُمُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ:
وَهُوَ مَحْضُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ فِي بَابِ الْإِيمَانِ؛ فَالْإِمَامُ فِي قِصَّةِ "الْهِجْرَةِ" لَا يَقْبَلُ دَعْوَى "الْإِيمَانِ الْبَاطِنِ" مَعَ تَرْكِ الْعَمَلِ الظَّاهِرِ (الْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ) عِنْدَ الْقُدْرَةِ. وَهَذَا هُوَ الرَّدُّ السَّلَفِيُّ الْمُحْكَمُ عَلَى "الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ" الَّذِي اسْتَفَاضَ فِيهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابِهِ "الْإِيمَانُ الْكَبِيرُ"، وَجَعَلَهُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ وَاقِعاً مَلْمُوساً فِي مَتْنِهِ هَذَا.
إِنَّ تَمَيُّزَ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ هُنَا يَكْمُنُ فِي "تَبْسِيطِ الْمُحَقَّقِ"؛ أَيْ أَنَّهُ أَخَذَ تِلْكَ الْمُجَلَّدَاتِ التَّيْمِيَّةَ الضَّخْمَةَ، وَصَهَرَهَا فِي قَوَالِبَ سِيَرِيَّةٍ يَفْهَمُهَا "الْمُطَوِّعُ" وَ"الْبَاحِثُ" عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، دُونَ أَنْ يُخِلَّ بِالرَّصَانَةِ الْعَقَدِيَّةِ. فَهُوَ لَمْ يَخْتَرِعْ طَرِيقَةً جَدِيدَةً، بَلْ "أَحْيَا" الطَّرِيقَةَ الْعَتِيقَةَ الَّتِي طَمَرَتْهَا رُكَامُ التَّأْوِيلَاتِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْفَلْسَفَاتِ الْكَلَامِيَّةِ الَّتِي غَزَتِ الْمَدَارِسَ الْمُتَأَخِّرَةَ.
بِهَذَا تَتِمُّ الْمُتَمِّمَةُ لِتُؤَكِّدَ أَنَّ "كُلَّ" مَوْضِعٍ سَيَرِدُ فِي هَذَا التَّحْقِيقِ، مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا التَّسَلْسُلِ الذَّهَبِيِّ: (أَثَرٌ سَلَفِيٌّ -> تَحْرِيرٌ حَنْبَلِيٌّ -> تَدْقِيقٌ تَيْمِيٌّ -> تَنْزِيلٌ مُحَمَّدِيٌّ (نِسْبَةً لِلْمُجَدِّدِ)).
[حَاشِيَةُ الْمُتَمِّمَةِ الْأُولَى: مَدْرَسَةُ التَّأْصِيلِ]
[1] مُصْطَلَحُ "الْمَسْلَكِ": لُغَةً: مَوْضِعُ السُّلُوكِ، وَاصْطِلَاحاً عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ: الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْعِلَّةِ (مَسَالِكُ الْعِلَّةِ). وَالْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ يَسْتَخْدِمُ "مَسْلَكَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ" فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ لِيُبْطِلَ دَعَاوَى الْمُرْجِئَةِ. يُنْظَرُ: رَوْضَةُ النَّاظِرِ، لِابْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيِّ، طَبْعَةُ جَامِعَةِ الْإِمَامِ، (2/785).
[2] الْمَدْرَسَةُ الْحَنْبَلِيَّةُ وَالْأَثَرُ: الْحَنْبَلِيَّةُ نِسْبَةً لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهِيَ أَقْرَبُ الْمَذَاهِبِ لِلْأَثَرِ. يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "أَصْلُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ بِنَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى النُّصُوصِ". يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، طَبْعَةُ مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ، (20/327).
[3] قَاعِدَةُ "الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ": الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَالظَّاهِرُ مِرْآةُ الْبَاطِنِ، فَلَا يَتَخَلَّفُ الظَّاهِرُ مَعَ صِحَّةِ الْبَاطِنِ. هَذَا مَحْضُ تَقْرِيرِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، طَبْعَةُ الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ، ص 154.
[4] تَحْقِيقُ "الْقِيَاسِ الْأَوْلَى": هُوَ مَا ذَكَرَهُ اللهُ فِي قَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى}. وَقَدْ طَبَّقَهُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ فِي نَقْضِ حُجَجِ عُبَّادِ الْقُبُورِ قِيَاساً عَلَى عُبَّادِ الْأَصْنَامِ. يُنْظَرُ: إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ، لِابْنِ الْقَيِّمِ، طَبْعَةُ دَارِ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، (2/211).
[5] بَيَانُ مَفْهُومِ "الْمُطَوِّعِ": كَانَ يُطْلَقُ فِي نَجْدٍ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ الَّذِي يَقُومُ بِتَعْلِيمِ النَّاسِ وَإِمَامَتِهِمْ. وَمَنْهَجُ الْإِمَامِ فِي رَسَائِلِهِ كَانَ مُوَجَّهاً لِرَفْعِ كَفَاءَةِ هَؤُلَاءِ عَقَدِيّاً. يُنْظَرُ: عُلَمَاءُ نَجْدٍ خِلَالَ ثَمَانِيَةِ قُرُونٍ، لِعَبْدِ اللهِ الْبَسَّامِ، طَبْعَةُ دَارِ الْعَاصِمَةِ، (1/35).
[6] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ (الْمُتَمِّمَةُ): مِنْ تَمَّ الشَّيْءُ إِذَا كَمُلَ. وَالْمُتَمِّمَةُ هُنَا هِيَ الَّتِي تُكْمِلُ نَقْصَ التَّصَوُّرِ عَنِ الْمَنْهَجِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي التَّفْصِيلِ.
[مُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ لِلْمُقَدَّمَةِ الْأُولَى: فِقْهُ التَّرَاجِمِ الْعَمَلِيَّةِ لِلْمَوَاضِعِ السِّتَّةِ]
إِنَّ بَرَاعَةَ الِاسْتِهْلَالِ عِنْدَ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ فِي هَذَا الْمَتْنِ تَجَلَّتْ فِي اخْتِيَارِ "تَرَاجِمَ" لِمَوَاضِعِ السِّيرَةِ، جَعَلَ مِنْ خِلَالِهَا كُلَّ وَاقِعَةٍ بِمَثَابَةِ "قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ". وَالتَّرْجَمَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ هِيَ الْعُنْوَانُ الَّذِي يُفْصِحُ عَنْ مَقْصُودِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ سَلَكَ الْإِمَامُ فِيهَا مَسَالِكَ ثَلَاثَةً:
(1) الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: قِصَّةُ بَدْءِ الْوَحْيِ وَالدَّعْوَةِ
الْمَسْلَكُ التَّقْعِيدِيُّ: تَقْرِيرُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدَّعْوَةِ هُوَ (الْبُدَاءَةُ بِالتَّوْحِيدِ) وَنَبْذِ الْأَنْدَادِ، لَا مُجَرَّدُ الْإِصْلَاحِ الْخُلُقِيِّ أَوِ السِّيَاسِيِّ.
الْمَسْلَكُ الضَّابِطِ: ضَابِطُ "الْمُصَادَمَةِ بِالْحَقِّ"؛ فَالدَّعْوَةُ لَا تَكُونُ نَبَوِيَّةً حَتَّى تُصَرِّحَ بِبُطْلَانِ مَا عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ.
الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ الْأُصُولِيُّ: تَقْرِيرُ (تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ) كَمَنَاطٍ لِلنَّجَاةِ، وَرَدُّ قَوْلِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" دُونَ بَرَاءَةٍ مِنَ الشِّرْكِ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ.
(2) الْمَوْضِعُ الثَّانِي: قِصَّةُ سَبِّ الْمُشْرِكِينَ وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِهِمْ
الْمَسْلَكُ التَّقْعِيدِيُّ: أَنَّ الدِّينَ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بـ (تَكْفِيرِ الْمُشْرِكِينَ) وَتَبْيِينِ ضَلَالِهِمْ، وَأَنَّ الْمُدَاهَنَةَ فِيهِ هَدْمٌ لِلْأَصْلِ.
الْمَسْلَكُ الضَّابِطِيُّ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ "سَبِّ آلِهَتِهِمْ" الَّذِي هُوَ دِينٌ، وَبَيْنَ "السَّبِّ الْمُجَرَّدِ" الَّذِي يُفْضِي إِلَى سَبِّ اللهِ تَعَالَى عُدْواناً.
الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ الْأُصُولِيُّ: بَيَانُ رُكْنِ (الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ)، وَأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِتَحْقِيقِ كِلَا الشَّطْرَيْنِ.
(3) الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: قِصَّةُ الْغَرَانِيقِ وَالْتِبَاسِ الشَّفَاعَةِ
الْمَسْلَكُ التَّقْعِيدِيُّ: كَشْفُ شُبْهَةِ "التَّوَسُّلِ بَالصَّالِحِينَ"، وَبَيَانُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ "التَّقَرُّبِ" لِيُوقِعَ فِي الشِّرْكِ.
الْمَسْلَكُ الضَّابِطِ: ضَابِطُ "عِصْمَةِ الْبَلَاغِ"؛ حَيْثُ نَسَخَ اللهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ لِيُحْكِمَ آيَاتِهِ، مِمَّا يَقْطَعُ طَمَعَ الْمُشْرِكِينَ فِي إِقْرَارِ شِرْكِهِمْ.
الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ الْأُصُولِيُّ: تَقْرِيرُ (الشَّفَاعَةِ الْمَنْفِيَّةِ وَالْمُثْبَتَةِ)، وَأَنَّ الشَّفَاعَةَ مِلْكٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْهُ.
(4) الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ: قِصَّةُ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ
الْمَسْلَكُ التَّقْعِيدِيُّ: أَنَّ (الْمَعْرِفَةَ الْقَلْبِيَّةَ) لَيْسَتْ إِيمَاناً مُنْجِياً إِذَا تَرَكَ صَاحِبُهَا الْقَوْلَ وَالِاتِّبَاعَ عِيَاذاً بِاللهِ.
الْمَسْلَكُ الضَّابِطِ: ضَابِطُ "الْمَانِعِ مِنَ الْإِسْلَامِ"؛ وَهُوَ هُنَا (الْحَمِيَّةُ لِلْجَاهِلِيَّةِ وَتَعْظِيمُ الْآبَاءِ)، مِمَّا يُحَذِّرُ مِنْ تَقْدِيمِ الْعَادَاتِ عَلَى النُّصُوصِ.
الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ الْأُصُولِيُّ: رَدُّ شُبْهَةِ "الْمُرْجِئَةِ" الَّذِينَ حَصَرُوا الْإِيمَانَ فِي التَّصْدِيقِ، فَالْمَوْضِعُ بَيَانٌ لِأَنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ مُصَدِّقاً لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِناً.
(5) الْمَوْضِعُ الْخَامِسُ: قِصَّةُ الْهِجْرَةِ وَفِتْنَةِ مَنْ تَرَكَهَا
الْمَسْلَكُ التَّقْعِيدِيُّ: وُجُوبُ (الْمُفَارَقَةِ الْبَدَنِيَّةِ) عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ إِظْهَارِ الدِّينِ، وَأَنَّ الْإِقَامَةَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْخُرُوجِ مَهْلَكَةٌ.
الْمَسْلَكُ الضَّابِطِ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ "الْمُعْتَذِرِ بِحَقٍّ" (الْمُسْتَضْعَفِينَ) وَبَيْنَ "الْمُتَعَلِّلِ بِالدُّنْيَا" (الْمَالِ وَالْأَهْلِ).
الْمَسْلكُ الْعَقَدِيُّ الْأُصُولِيُّ: تَقْرِيرُ مَسْأَلَةِ "الْوَلَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ"، وَأَنَّ مَحَبَّةَ الْوَطَنِ وَالْأَهْلِ إِذَا قُدِّمَتْ عَلَى حَقِّ اللهِ صَارَتْ نَاقِضاً (فِي حَالِ الْمُظَاهَرَةِ أَوِ الرِّضَا بِدِينِهِمْ).
(6) الْمَوْضِعُ السَّادِسُ: قِصَّةُ الرِّدَّةِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ
الْمَسْلَكُ التَّقْعِيدِيُّ: أَنَّ "الِانْتِسَابَ لِلْإِسْلَامِ" لَا يَمْنَعُ مِنَ الْكُفْرِ إِذَا وُجِدَ النَّاقِضُ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَرْءُ يُصَلِّي وَيَصُومُ.
الْمَسْلَكُ الضَّابِطِ: ضَابِطُ "الْإِجْمَاعِ السَّكُوتِيِّ وَالْعَمَلِيِّ" لِلصَّحَابَةِ فِي قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ، لِبُطْلَانِ دَعْوَى "الْعُذْرِ بِالِانْتِسَابِ".
الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ الْأُصُولِيُّ: تَقْرِيرُ (نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ الْعَمَلِيَّةِ) وَرَدُّ شُبُهَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْكُفْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّكْذِيبِ.
[حَاشِيَةُ الْمُتَمِّمَةِ الثَّانِيَةِ]
[1] تَرْجَمَةُ الْمَوْضِعِ: التَّرْجَمَةُ هُنَا هِيَ "الِاسْتِنْبَاطُ الْمُبَوَّبُ". كَانَ الْبُخَارِيُّ يُتَرْجِمُ بِالْفِقْهِ، وَالْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ يُتَرْجِمُ بِالْعَقِيدَةِ. يُنْظَرُ: مُقَدِّمَةُ فَتْحِ الْبَارِي (هَدْيُ السَّارِي)، لِابْنِ حَجَرٍ، ص 9.
[2] الْمَسْلَكُ الضَّابِطِ: الضَّابِطُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: مَا يَجْمَعُ فُرُوعاً مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ. وَالْإِمَامُ يَضْبِطُ حَرَكَةَ الْمُوَحِّدِ فِي السِّيرَةِ بِقَوَاعِدَ تَمْنَعُ التَّمَيُّعَ. يُنْظَرُ: الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ، لِلسُّيُوطِيِّ، طَبْعَةُ دَارِ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، (1/7).
[3] مَسْأَلَةُ "سَبِّ الْآلِهَةِ": أَصْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ}. فَالْمَقْصُودُ بِالسَّبِّ عِنْدَ الْإِمَامِ هُوَ: "تَسْفِيهُ عِبَادَتِهَا وَبَيَانُ نَقْصِهَا"، لَا السَّبُّ الْقَبِيحُ لِذَاتِهِ. يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ، طَبْعَةُ هَجْرٍ، (11/552).
[4] تَحْرِيرُ مَعْنَى "الْمُظَاهَرَةِ": هِيَ مَعَاوَنَةُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ مِنَ النَّوَاقِضِ الْعَشَرَةِ الَّتِي حَرَّرَهَا الْإِمَامُ فِي رَسَائِلِهِ الْأُخْرَى. يُنْظَرُ: مَجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ، طَبْعَةُ دَارِ الصُّمَيْعِيِّ، ص 142.
[5] فَائِدَةٌ حَدِيثِيَّةٌ (قِتَالُ بَنِي حَنِيفَةَ): رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ، كِتَابُ الرِّدَّةِ، رَقْمُ (32688)، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى سَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِمْ.
[6] مُصْطَلَحُ "الْمَنَاطِ": لُغَةً: مَا يُعَلَّقُ بِهِ الشَّيْءُ. وَاصْطِلَاحاً: الْعِلَّةُ الَّتِي عُلِّقَ بِهَا الْحُكْمُ. وَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ عِنْدَ الْإِمَامِ هُوَ جَوْهَرُ هَذَا الْمَتْنِ. يُنْظَرُ: الْمُوَافَقَاتُ، لِلشَّاطِبِيِّ، طَبْعَةُ دَارِ ابْنِ عَفَّانَ، (3/226).
[الْمُقَدَّمَةُ الثَّانِيَةُ: أَهَمِّيَّةُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ النَّصِّ النَّبَوِيِّ وَالتَّحْرِيرِ الْعَقَدِيِّ فِي الرِّسَالَةِ]
إِنَّ عِلْمَ "الْمُنَاسَبَاتِ" عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى رَبْطِ الْآيَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ "الدَّلِيلِ" وَ"الْمَدْلُولِ"، وَهَذَا مَا بَرَعَ فِيهِ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ فِي هَذَا الْمَتْنِ. فَالْمُنَاسَبَةُ هُنَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَبْطٍ لَفْظِيٍّ، بَلْ هِيَ "مُنَاسَبَةٌ وُجُودِيَّةٌ" تَنْقُلُ النَّصَّ النَّبَوِيَّ مِنْ حَيِّزِ الْحِكايَةِ إِلَى حَيِّزِ (التَّشْرِيعِ الْعَقَدِيِّ) الْمُسْتَمِرِّ.
تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ رَئِيسَةٍ:
(1) الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: نَقْضُ مَسَالِكِ التَّأْوِيلِ بِوَاقِعِ التَّنْزِيلِ:
عِنْدَمَا يَرِدُ نَصٌّ نَبَوِيٌّ فِي السِّيرَةِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْتَخْرِجُ مِنْهُ "تَحْرِيراً عَقَدِيّاً" يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ أَمَاتُوا النُّصُوصَ بِالتَّأْوِيلِ. فَمَثَلًا، فِي مَوْضِعِ (الْهِجْرَةِ)، الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ النَّصِّ النَّبَوِيِّ وَالتَّحْرِيرِ الْعَقَدِيِّ تَكْمُنُ فِي أَنَّ الْبَقَاءَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لَيْسَ مَسْأَلَةً فِقْهِيَّةً فَرْعِيَّةً خَاضِعَةً لِلرَّأْيِ، بَلْ هِيَ مَسْأَلَةُ (وَلَاءٍ وَبَرَاءٍ) تَمَسُّ أَصْلَ الدِّينِ. فَالنَّصُّ هُنَا (الْوَاقِعَةُ) هُوَ الظَّرْفُ الْمُنَاسِبُ لِتَحْرِيرِ حُكْمِ الْمُوَالَاةِ.
(2) الْوَجْهُ الثَّانِي: تَبْيِينُ "الْمُرَادِ الشَّرْعِيِّ" مِنَ الْمُصْطَلَحِ:
كَثِيرٌ مِنَ الْمُصْطَلَحَاتِ الْعَقَدِيَّةِ (مِثْلَ: الشِّرْكِ، الْإِسْلَامِ، الرِّدَّةِ) طَالَ عَبَثُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِيهَا حَتَّى خَرَجَتْ عَنْ مَعَانِيهَا. فَتَأْتِي هَذِهِ الرِّسَالَةُ لِتُعِيدَ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ "اللَّفْظِ" وَ"الْمَعْنَى" مِنْ خِلَالِ السِّيرَةِ. فَالشِّرْكُ الَّذِي حَارَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ عَيْنُهُ الَّذِي يُمَارِسُهُ مَنْ يَدْعُو غَيْرَ اللهِ عِنْدَ الْقُبُورِ؛ فَالْمُنَاسَبَةُ هُنَا "تَطَابُقِيَّةٌ"، أَيْ أَنَّ صُورَةَ الشِّرْكِ فِي السِّيرَةِ هِيَ التَّفْسِيرُ الْوَحِيدُ لِحَقِيقَةِ الشِّرْكِ الْعَقَدِيِّ.
(3) الْوَجْهُ الثَّالِثُ: رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ فِي مَسَائِلِ "النَّوَاقِضِ":
إِنَّ التَّحْرِيرَ الْعَقَدِيَّ فِي الرِّسَالَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى أَنَّ الْوَاقِعَةَ النَّبَوِيَّةَ "نَصٌّ شَارِحٌ" لِلْقُرْآنِ. فَعِنْدَمَا نَقْرَأُ عَنْ قِتَالِ الصَّحَابَةِ لِمَانِعِي الزَّكَاةِ، نَجِدُ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْحَدَثِ (الْقِتَالِ) وَالتَّحْرِيرِ (التَّكْفِيرِ بِتَرْكِ مَبَانِي الْإِسْلَامِ) هِيَ مُنَاسَبَةُ "اللُّزُومِ"؛ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا كُفَّاراً لَمَا اسْتَحَلَّ الصَّحَابَةُ دِمَاءَهُمْ وَسَبْيَ نِسَائِهِمْ.
إِنَّ بَرَاعَةَ الْإِمَامِ فِي رَبْطِ الْمُنَاسَبَةِ تَجْعَلُ الْمُتَعَلِّمَ يَشْعُرُ أَنَّ الْعَقِيدَةَ لَيْسَتْ طَلَاسِمَ ذِهْنِيَّةً، بَلْ هِيَ "مَوَاقِفُ حَيَّةٌ" مِنْ حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ. فَالرِّسَالَةُ بِمَثَابَةِ (الْجِسْرِ) الَّذِي يَعْبُرُ بِهِ الْإِمَامُ مِنْ "خَبَرِ الْمَاضِي" إِلَى "حُكْمِ الْحَاضِرِ"، مُسْتَفِيداً مِنْ قُوَّةِ النَّصِّ النَّبَوِيِّ فِي إِخْرَاسِ أَلْسِنَةِ الْمُبْطِلِينَ.
وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ، يَنْكَشِفُ لَنَا أَنَّ (كُلَّ) رَبْطٍ قَامَ بِهِ الْإِمَامُ فِي مَوَاضِعِ السِّيرَةِ هُوَ رَبْطٌ "مِعْيَارِيٌّ"؛ لَا يَجُوزُ لِلْبَاحِثِ أَنْ يَحِيدَ عَنْهُ، لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ فِيهِ قَائِمَةٌ عَلَى (وِحْدَةِ الْعِلَّةِ)، وَهِيَ صِيَانَةُ جَنَابِ التَّوْحِيدِ وَتَحْقِيقُ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[حَاشِيَةُ الْمُقَدَّمَةِ الثَّانِيَةِ: مَدْرَسَةُ الْمُنَاسَبَاتِ وَالتَّحْرِيرِ]
[1] عِلْمُ الْمُنَاسَبَةِ: لُغَةً: الْمُقَارَبَةُ وَالْمُشَاكَلَةُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ رَبْطُ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ حَتَّى يَبْدُوَ كَالْبِنَاءِ الْمُتَمَاسِكِ. وَمُنَاسَبَةُ الْأَدِلَّةِ عِنْدَ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ تَقُومُ عَلَى "الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْحُكْمِ". يُنْظَرُ: الْبُرْهَانُ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ، لِلزَّرْكَشِيِّ، طَبْعَةُ دَارِ الْمَعْرِفَةِ، (1/35).
[2] التَّحْرِيرُ الْعَقَدِيُّ: التَّحْرِيرُ لُغَةً: التَّنْقِيَةُ وَالْإِخْلَاصُ. وَاصْطِلَاحاً عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ: هُوَ إِثْبَاتُ الْمَسْأَلَةِ بِدَلِيلِهَا مَعَ إِزَالَةِ مَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنَ الشُّبُهَاتِ. وَالْإِمَامُ هُنَا "مُحَرِّرٌ" لِأَنَّهُ نَقَّى مَسَائِلَ الشِّرْكِ مِمَّا لَحِقَ بِهَا مِنْ تَمْوِيهِ الْمُتَأَخِّرِينَ. يُنْظَرُ: الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، لِلْفَيْرُوزَآبَادِيِّ، (مَادَّةُ: حَرَّرَ).
[3] فَائِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ (وِحْدَةُ الْعِلَّةِ): إِذَا اتَّحَدَتِ الْعِلَّةُ اتَّحَدَ الْحُكْمُ. وَعِلَّةُ التَّكْفِيرِ فِي السِّيرَةِ (كَصَرْفِ الْعِبَادَةِ لِلْأَصْنَامِ) هِيَ عَيْنُهَا فِي الْوَاقِعِ (كَصَرْفِهَا لِلْأَضْرِحَةِ). يُنْظَرُ: مِعْيَارُ الْعِلْمِ، لِلْغَزَالِيِّ، ص 182.
[4] تَحْقِيقُ مَوْقِفِ "مَانِعِي الزَّكَاةِ": سُمُّوا مُرْتَدِّينَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهَذَا "إِجْمَاعٌ صَحَابِيٌّ" جَعَلَهُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُنَاسَبَةً لِتَكْفِيرِ مَنْ تَرَكَ مَبَانِي الْإِسْلَامِ أَوِ امْتَنَعَ عَنْ شَرَائِعِهِ الظَّاهِرَةِ. يُنْظَرُ: الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، لِابْنِ كَثِيرٍ، طَبْعَةُ دَارِ هَجْرٍ، (9/440).
[5] بَيَانُ مَفْهُومِ "النَّصِّ الشَّارِحِ": أَيْ أَنَّ السِّيرَةَ الْعَمَلِيَّةَ تُبَيِّنُ مُجْمَلَ الْقُرْآنِ. فَـ {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} شَرَحَتْهَا السِّيرَةُ بِأَنَّ الْفِتْنَةَ هِيَ الشِّرْكُ. يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، طَبْعَةُ الْمَكْتَبَةِ الْعَصْرِيَّةِ، (1/314).
[6] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ (الْمُطَابَقَةُ): هِيَ الْمُوَافَقَةُ التَّامَّةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وَاسْتِدْلَالُ الْإِمَامِ بِوَاقِعَةِ السِّيرَةِ عَلَى حُكْمِ الْعَقِيدَةِ هُوَ مِنْ بَابِ "مُطَابَقَةِ الدَّلِيلِ لِمُقْتَضَى الْحَالِ".
[الْمُقَدَّمَةُ الثَّالِثَةُ: مَقَاصِدُ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مِنْ حَصْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ السِّتَّةِ دُونَ غَيْرِهَا]
إِنَّ اقْتِصَارَ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ عَلَى (سِتَّةِ مَوَاضِعَ) فَقَطْ مِنْ بَيْنِ رُكَامِ الْحَوَادِثِ التَّارِيخِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ اخْتِيَاراً عَارِضاً، بَلْ هُوَ "حَصْرٌ مَقْصَدِيٌّ" يَرُومُ تَحْقِيقَ غَايَاتٍ كُبْرَى تَمَسُّ أَصْلَ الدِّينِ. وَإِذَا أَرَدْنَا اسْتِقْرَاءَ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ، نَجِدُهَا تَتَحَمْوَرُ حَوْلَ ثَلَاثَةِ مَقَاصِدَ جَوْهَرِيَّةٍ:
(1) الْمَقْصِدُ الْأَوَّلُ: نَقْضُ أُصُولِ "الشِّرْكِ الْعَصْرِيِّ":
لَحَظَ الْإِمَامُ أَنَّ كَثِيراً مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ فِي زَمَانِهِ يُسَوِّغُونَ الشِّرْكَ بِشُبُهَاتٍ تُشْبِهُ تَمَاماً مَا كَانَ عَلَيْهِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ. فَحَصَرَ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ "مَناطَ الْكُفْرِ" لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ فَقِصَّةُ (بَدْءِ الدَّعْوَةِ) وَ (سَبِّ الْآلِهَةِ) تَقْصِدُ إِلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْمُبَايَنَةِ، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مَا كَفَرُوا إِلَّا لِأَجْلِ صَرْفِ الْعِبَادَةِ لِلصَّالِحِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُسَمُّونَهُمْ (أَوْلِيَاءَ) أَوْ (وَسَائِطَ). فَالْمَقْصِدُ هُنَا هُوَ "التَّشْخِيصُ الدَّقِيقُ" لِلْمَرَضِ الْعَقَدِيِّ.
(2) الْمَقْصِدُ الثَّانِي: بَيَانُ أَنَّ الْإِسْلَامَ "حَقِيقَةٌ" لَا "دَعْوَى":
قَصَدَ الْإِمَامُ مِنْ مَوَاضِعِ (أَبِي طَالِبٍ) وَ (الْهِجْرَةِ) إِسْقَاطَ دَعْوَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ تَرْكِ مَوَاجِبَاتِهِمَا (الِانْقِيَادِ وَالْمُفَارَقَةِ) كَافٍ لِلنَّجَاةِ. فَهَذَا "الْحَصْرُ" يَقْصِدُ إِلَى إِحْيَاءِ مَفْهُومِ (الْعَمَلِ) كَرُكْنٍ فِي الْإِيمَانِ، وَالرَّدِّ عَلَى مَذَاهِبِ الْإِرْجَاءِ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَى النَّاسِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ مُجَرَّدَ حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ تَصْدِيقِهِ كَافٍ، وَلَوْ كَانَ الْمَرْءُ يُقِيمُ بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ الْمُشْرِكِينَ بِلَا عُذْرٍ.
(3) الْمَقْصِدُ الثَّالِثُ: سَدُّ مَنَافِذِ الشُّبُهَاتِ التَّأْوِيلِيَّةِ:
اخْتَارَ الْإِمَامُ مَوْضِعَ (الرِّدَّةِ بَعْدَ الْوَفَاةِ) لِيَقْصِدَ بِهِ سَدَّ أَقْوَى شُبْهَةٍ عِنْدَ خُصُومِ الدَّعْوَةِ، وَهِيَ: "كَيْفَ تُكَفِّرُونَ مَنْ يَنْطِقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ؟". فَحَصْرُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لِيُذَكِّرَ بِمَوْقِفِ الصَّحَابَةِ، لِيَكُونَ "الْمَقْصِدُ التَّارِيخِيُّ" هُوَ إِثْبَاتُ وُقُوعِ الرِّدَّةِ مِمَّنْ زَعَمَ الْإِسْلَامَ، لِيَنْهَدِمَ بِذَلِكَ حِصْنُ "الْمُتَعَالِمِينَ" الَّذِينَ يَمْنَعُونَ مِنَ التَّكْفِيرِ بِالنَّوَاقِضِ الظَّاهِرَةِ.
إِنَّ هَذَا الْحَصْرَ هُوَ "تَلْخِيصٌ لِلْمَعْرَكَةِ الْعَقَدِيَّةِ" بَيْنَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْوَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. لَقَدْ تَرَكَ الْإِمَامُ آلافَ الْمَوَاقِفِ لِيُرَكِّزَ الْوَعْيَ عَلَى (الْمَفَاصِلِ) الَّتِي إِذَا فَهِمَهَا الْعَبْدُ، فَهِمَ حَقِيقَةَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَإِذَا جَهِلَهَا، لَمْ يَنْفَعْهُ كَثْرَةُ حِفْظِهِ لِلْمَغَازِي وَالسِّيَرِ. فَالْمَقْصِدُ الْأَسْمَى هُوَ: "صِيَانَةُ التَّوْحِيدِ بِفَهْمِ مَوَاقِفِ صَاحِبِ التَّوْحِيدِ ﷺ".
وَمِنْ هُنَا، نُدْرِكُ أَنَّ عَمَلَ الْإِمَامِ فِي هَذَا الْمَتْنِ هُوَ عَمَلٌ "انْتِقَائِيٌّ بَصِيرٌ"؛ حَيْثُ جَمَعَ فِيهِ (أُصُولَ النَّوَاقِضِ) وَ (أَرْكَانَ الْبَرَاءِ) وَ (حَقِيقَةَ الِانْقِيَادِ)، لِيَكُونَ الْمَتْنُ "مَنْهَجَ حَيَاةٍ" لَا مُجَرَّدَ صَفَحَاتٍ تُطْوَى.
[حَاشِيَةُ الْمُقَدَّمَةِ الثَّالِثَةِ: مَدْرَسَةُ الْمَقَاصِدِ وَالِانْتِقَاءِ]
[1] الْمَقْصِدُ (لُغَةً وَاصْطِلَاحاً): مِنَ الْقَصْدِ، وَهُوَ اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ وَالْعَدْلُ. وَاصْطِلَاحاً: الْغَايَاتُ الَّتِي وُضِعَتِ الشَّرِيعَةُ لِأَجْلِ تَحْقِيقِهَا. وَمَقَاصِدُ الْمُصَنِّفِ تَعْنِي الْغَرَضَ الَّذِي حَدَاهُ لِتَأْلِيفِ كِتَابِهِ. يُنْظَرُ: الْمُحْكَمُ وَالْمُحِيطُ الْأَعْظَمُ، لِابْنِ سِيدَهْ، (6/332).
[2] فِقْهُ الِانْتِقَاءِ: هُوَ مَسْلَكُ الْعُلَمَاءِ فِي اخْتِيَارِ صَفْوَةِ الشَّيْءِ لِحَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ. كَمَا فَعَلَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي انْتِقَاءِ أَحَادِيثِ (الْجَامِعِ الصَّحِيحِ). وَالْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ انْتَقَى "أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ" مِنْ سِتَّةِ مَوَاضِعَ سِيَرِيَّةٍ. يُنْظَرُ: شَرْحُ عِلَلِ التِّرْمِذِيِّ، لِابْنِ رَجَبٍ، طَبْعَةُ دَارِ الْمَلَاحِ، (1/256).
[3] فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ (الْمُصَادَمَةُ بِالْحَقِّ): هِيَ جَوْهَرُ الْمَوْضِعِ الثَّانِي، وَالْمَقْصِدُ مِنْهَا إِظْهَارُ الدِّينِ. فَالْإِسْلَامُ لَا يَقُومُ بِالْمُدَاهَنَةِ. يُنْظَرُ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، طَبْعَةُ الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ، ص 540.
[4] تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "الْعَمَلِ وَالْإِيمَانِ": هِيَ مَقْصِدُ مَوْضِعِ (الْهِجْرَةِ). وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْعَمَلَ جُزْءٌ مِنَ الْمُسَمَّى، لَا كَمَا يَقُولُ غُلَاةُ الْمُرْجِئَةِ. يُنْظَرُ: الْعَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ بِشَرْحِ ابْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ، طَبْعَةُ الرِّسَالَةِ، (2/460).
[5] بَيَانُ حَقِيقَةِ "قِتَالِ الرِّدَّةِ": كَانَ مَقْصِدُ الْإِمَامِ إِثْبَاتَ أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، خِلَافاً لِمَنْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. يُنْظَرُ: فَتْحُ الْبَارِي، لِابْنِ حَجَرٍ، (12/276).
[6] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ (الْحَصْرُ): التَّضْيِيقُ وَالْإِحَاطَةُ. وَحَصْرُ الْمَوَاضِعِ فِي سِتَّةٍ يُفِيدُ "الْقَصْرَ الْإِضَافِيَّ" لِأَهَمِّيَّتِهَا، لَا لِنَفْيِ الْفَائِدَةِ عَنْ غَيْرِهَا.
[الْمُقَدَّمَةُ الرَّابِعَةُ: الْقَوَاعِدُ الْخَمْسُ الْكُلِّيَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ]
إِنَّ التَّحْرِيرَ الْعَقَدِيَّ الَّذِي قَامَ بِهِ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي (سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ) يَعُودُ فِي مَجْمَلِهِ إِلَى "خَمْسِ قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ" جَعَلَهَا الْإِمَامُ مِعْيَاراً لِفَهْمِ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَمُبْطِلَاتِهِ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ لِأَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ، وَتَتَلَخَّصُ فِيمَا يَلِي:
(1) الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: التَّوْحِيدُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْمُصَادَمَةِ وَالْبَرَاءِ:
تُقَرِّرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ -الْمُسْتَقَاةُ مِنْ قِصَّةِ (بَدْءِ الدَّعْوَةِ)- أَنَّ التَّوْحِيدَ لَيْسَ مُجَرَّدَ "مَعْلُومَةٍ ذِهْنِيَّةٍ" أَوْ "طُقُوسٍ عِبَادِيَّةٍ"، بَلْ هُوَ (تَجْرِيدُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ مَعَ تَسْفِيهِ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ). فَلَوْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اللهِ دُونَ أَنْ يَقْدَحَ فِي آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ لَمَا عَادَوْهُ، وَهَذَا يَنْقُضُ مَسْلَكَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ "السَّلَامَ الْعَقَدِيَّ" مَعَ الْمُبْطِلِينَ مِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ.
(2) الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: الْعِبْرَةُ بِحَقَائِقِ الْأَفْعَالِ لَا بِمُسَمَّيَاتِ الْفَاعِلِينَ:
اسْتَنْبَطَ الْإِمَامُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مِنْ مَوْضِعِ (الْغَرَانِيقِ) وَ (الرِّدَّةِ)؛ فَالْمُشْرِكُونَ سَمَّوْا شِرْكَهُمْ (تَقَرُّباً وَشَفَاعَةً)، وَالْمُرْتَدُّونَ بَعْدَ الْوَفَاةِ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ (مُسْلِمِينَ). فَالْقَاعِدَةُ تَقْضِي بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ الشِّرْكَ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَسَمَّى فِعْلَهُ "تَوَسُّلاً"، لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ لَا تُغَيِّرُ الْحَقَائِقَ.
(3) الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: الْإِيمَانُ كُلٌّ لَا يَتَجَزَّأُ فِي قَبُولِ الشَّرِيعَةِ:
تَجَلَّتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي قِصَّةِ (قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ)؛ فَالْإِسْلَامُ عَقْدٌ كَامِلٌ مَعَ اللهِ، فَمَنْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَأَنْكَرَ شَعِيرَةً ظَاهِرَةً بَعْدَ الْقُدْرَةِ (كَالزَّكَاةِ أَوْ الْهِجْرَةِ عِنْدَ تَعَيُّنِهَا) كَانَ نَاقِضاً لِأَصْلِ الْعَهْدِ. وَهَذَا يَهْدِمُ أَصْلَ الْمُرْجِئَةِ الَّذِي جَعَلَ الْإِيمَانَ مُجَرَّدَ "تَصْدِيقٍ" لَا تَقْدَحُ فِيهِ الْجَوَارِحُ.
(4) الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: مَحَبَّةُ الدُّنْيَا وَالْحَيَاةِ لَيْسَتْ عُذْراً فِي الْكُفْرِ:
هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْجَلِيلَةُ اسْتَخْرَجَهَا الْإِمَامُ مِنْ مَوْضِعِ (الْهِجْرَةِ)؛ حَيْثُ أَنْزَلَ اللهُ الْوَعِيدَ فِي الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا خَوْفاً عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِهِمْ. فَالْقَاعِدَةُ أَنَّ "الْإِكْرَاهَ" هُوَ الْعُذْرُ الْوَحِيدُ، أَمَّا "الِاسْتِحْبَابُ" لِلدُّنْيَا فَلَا يَمْنَعُ جَرَيَانَ حُكْمِ الرِّدَّةِ إِذَا نَصَرَ الْمَرْءُ الْمُشْرِكِينَ أَوْ رَضِيَ بِدِينِهِمْ.
(5) الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: الْمَعْرِفَةُ بِلَا انْقِيَادٍ هِيَ مِلَّةُ الْمُشْرِكِينَ:
قَرَّرَهَا الْإِمَامُ فِي قِصَّةِ (أَبِي طَالِبٍ)؛ فَالشَّيْطَانُ وَأَبُو طَالِبٍ كَانُوا "عَارِفِينَ" بِصِدْقِ الرَّسُولِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَنْقَادُوا لِأَمْرِهِ. فَالْقَاعِدَةُ تَقُولُ: (الْمَعْرِفَةُ وَحْدَهَا لَيْسَتْ إِيمَاناً)، وَمَنْ حَصَرَ الْإِيمَانَ فِيهَا فَقَدْ وَافَقَ أَبَا جَهْلٍ فِي تَصَوُّرِهِ لِلدِّينِ.
إِنَّ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ الْخَمْسَ هِيَ "الْبَوْصَلَةُ" الَّتِي أَرَادَ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ أَنْ يَزْرَعَهَا فِي عَقْلِ طَالِبِ الْعِلْمِ، لِيَسْتَطِيعَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ (الْمُوَحِّدِ الصَّادِقِ) وَبَيْنَ (الْمُدَّعِي الْمُتَلَبِّسِ بِمَزَالِقِ الْجَاهِلِيَّةِ).
[حَاشِيَةُ الْمُقَدَّمَةِ الرَّابِعَةِ: مَدْرَسَةُ التَّقْعِيدِ الْكُلِّيِّ]
[1] الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ: لُغَةً: الْأَسَاسُ. وَاصْطِلَاحاً: قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ تَنْطَبِقُ عَلَى جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهَا. وَقَوَاعِدُ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ هِيَ "قَوَاعِدُ مِعْيَارِيَّةٌ" تُحَاكَمُ إِلَيْهَا الْأَفْعَالُ. يُنْظَرُ: التَّعْرِيفَاتُ، لِلْجُرْجَانِيِّ، ص 177.
[2] فَائِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ (دَلَالَةُ الِاسْتِقْرَاءِ): اسْتَنْتَجَ الْإِمَامُ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ عَنْ طَرِيقِ "الِاسْتِقْرَاءِ" لِمَوَاقِفِ السِّيرَةِ، وَالِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ يُفِيدُ الْقَطْعَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ. يُنْظَرُ: الْمُوَافَقَاتُ، لِلشَّاطِبِيِّ، طَبْعَةُ دَارِ ابْنِ عَفَّانَ، (1/28).
[3] تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "الْأَسْمَاءِ وَالْحَقَائِقِ": يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: "الِاعْتِبَارُ بِالْمَعَانِي لَا بِالْأَسْمَاءِ". وَعَلَى هَذَا مَشَى الْإِمَامُ فِي قَاعِدَتِهِ الثَّانِيَةِ نَقْضاً لِشُبْهَةِ التَّوَسُّلِ. يُنْظَرُ: إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، طَبْعَةُ دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، (3/114).
[4] بَيَانُ حُكْمِ "الِاسْتِحْبَابِ الدُّنْيَوِيِّ": أَصْلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} [النحل: 107]. يَقُولُ الطَّبَرِيُّ: "أَيْ اخْتَارُوا زِينَةَ الدُّنْيَا عَلَى نَعِيمِ الْآخِرَةِ فَلَمْ يُعْذَرُوا". يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ، طَبْعَةُ هَجْرٍ، (14/370).
[5] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ (الْمُصَادَمَةُ): مِنْ صَدَمَهُ إِذَا دَفَعَهُ بِقُوَّةٍ. وَالْمُصَادَمَةُ الْعَقَدِيَّةُ هِيَ الْمُوَاجَهَةُ بِالْحَقِّ الَّتِي تَهْدِمُ الْبَاطِلَ.
[6] مُصْطَلَحُ "الِانْقِيَادِ": هُوَ الْخُضُوعُ وَالِاتِّبَاعُ، وَهُوَ مَنَاطُ الْإِيمَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَأَهْلِ الْأَثَرِ، خِلَافاً لِلْأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ اكْتَفَوْا بِالتَّصْدِيقِ. يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (7/188).
[الْمُقَدَّمَةُ الْخَامِسَةُ: دَفْعُ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْمَتْنِ]
إِنَّ كُلَّ دَعْوَةٍ حَقَّةٍ لَا بُدَّ أَنْ تُجَابَهَ بِالِاعْتِرَاضِ وَالتَّشْكِيكِ، وَرِسَالَةُ (سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ) كَانَتْ هَدَفاً لِسِهَامِ "شُبُهَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ" الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ مَذَاهِبُ الْكَلَامِ أَوْ رُكَامُ التَّقْلِيدِ. وَيُمْكِنُ دَفْعُ أَبْرَزِ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ مِنْ خِلَالِ ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ اعْتِرَاضِيَّةٍ رَئِيسَةٍ:
(1) الِاعْتِرَاضُ الْأَوَّلُ: دَعْوَى "التَّشَدُّدِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْمَأْلُوفِ":
اعْتَرَضَ الْبَعْضُ بِأَنَّ بَيَانَ الْإِمَامِ لِلْمَوْضِعِ الثَّانِي (سَبُّ دِينِ الْمُشْرِكِينَ) فِيهِ غِلْظَةٌ تُنَافِي "السَّمَاحَةَ".
الدَّفْعُ السَّلَفِيُّ: إِنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ نَاشِئٌ عَنْ خَلَلٍ فِي فَهْمِ مَعْنَى "السَّمَاحَةِ"؛ فَالْإِمَامُ لَمْ يَخْتَرِعْ سَبّاً مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، بَلْ قَرَّرَ مَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ مِنْ تَسْفِيهِ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ. فَالْمُصَادَمَةُ هُنَا هِيَ "رَحْمَةٌ" بِالْمُشْرِكِ لِيُفِيقَ مِنْ ضَلَالِهِ، وَلَيْسَتْ عُدْواناً لِذَاتِ الْعُدْوانِ. وَالسِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ تُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ كَانَ سَبَبَ الْمُعَادَاةِ، فَلَوْ كَانَ سَمَاحَةً مَغْلُوطَةً لَمَا وُجِدَ الصِّرَاعُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
(2) الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي: دَعْوَى "قِيَاسِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ":
هَذَا هُوَ الِاعْتِرَاضُ الْأَكْثَرُ شُيُوعاً، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْإِمَامَ نَزَّلَ آيَاتِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ زَلُّوا بَعْضَ الزَّلَلِ عِنْدَ الْقُبُورِ.
الدَّفْعُ السَّلَفِيُّ: هَذَا الِاعْتِرَاضُ مَبْنِيٌّ عَلَى (تَجْزِئَةِ النَّصِّ)؛ فَالْإِمَامُ فِي مَوْضِعِ (الْغَرَانِيقِ) وَ (الرِّدَّةِ) بَيَّنَ أَنَّ "الْعِلَّةَ" وَاحِدَةٌ، وَهِيَ صَرْفُ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ. وَمَذْهَبُ السَّلَفِ -وَعَلَى رَأْسِهِمْ حَبْرُ الْأُمَّةِ ابْنُ عَبَّاسٍ- أَنَّ الْكُفْرَ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِتَغَيُّرِ الِاسْمِ. فَمَنْ فَعَلَ فِعْلَ الْمُشْرِكِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ حُكْمٍ، وَهَذَا "قِيَاسُ مُسَاوَاةٍ" بَلْ "قِيَاسُ أَوْلَى" عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي عَرَفَ التَّوْحِيدَ ثُمَّ انْقَلَبَ عَلَيْهِ أَشَدُّ جُرْماً مِمَّنْ نَشَأَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
(3) الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ: دَعْوَى "مُخَالَفَةِ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي التَّكْفِيرِ":
زَعَمَ الْمُبْطِلُونَ أَنَّ حَصْرَ الْإِمَامِ لِمَوْضِعِ (مَانِعِي الزَّكَاةِ) وَتَكْفِيرِهِمْ هُوَ شُذُوذٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَا يُكَفِّرُونَ بِتَرْكِ مَبَانِي الْإِسْلَامِ.
الدَّفْعُ السَّلَفِيُّ: إِنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَتَبِعْ قَوْلَ فَقِيهٍ بِعَيْنِهِ، بَلْ عَادَ إِلَى "الْأَصْلِ الْأَصِيلِ" وَهُوَ (إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ)؛ فَالصَّحَابَةُ هُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمُرَادِ الرَّسُولِ ﷺ، وَقَدْ قَاتَلُوا مَانِعِي الزَّكَاةِ وَأَجْرَوْا عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الرِّدَّةِ طُرّاً. فَالِاعْتِرَاضُ بِأَقْوَالِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ هُوَ الِاعْتِرَاضُ الْمَرْدُودُ.
إِنَّ دَفْعَ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ يَكْشِفُ عَنْ "صَلَابَةِ الْمَنْطِقِ الْعَقَدِيِّ" لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ، وَيُثْبِتُ أَنَّ مَتْنَهُ لَيْسَ مَظِنَّةً لِلْهَوَى، بَلْ هُوَ "تَحْقِيقٌ بَحْثِيٌّ" يَقُومُ عَلَى الِانْتِصَارِ لِلْوَحْيِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ، مِمَّا يَجْعَلُ الرِّسَالَةَ حِصْناً حَصِيناً ضِدَّ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ.
[حَاشِيَةُ الْمُقَدَّمَةِ الْخَامِسَةِ]
[1] الِاعْتِرَاضُ (لُغَةً وَاصْطِلَاحاً): مِنَ الْعَرَضِ، وَهُوَ الْمَنْعُ. وَاصْطِلَاحاً فِي مَسَالِكِ الْجَدَلِ: إِيرَادُ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّلِيلِ أَوْ يَمْنَعُ اسْتِلْزَامَ الْحُكْمِ لَهُ. يُنْظَرُ: تَعْرِيفَاتُ الْجُرْجَانِيِّ، ص 31.
[2] فَائِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ (تَنْزِيلُ الْآيَاتِ): رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي وَصْفِ الْخَوَارِجِ: "انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ". وَدَفْعُ الْإِمَامِ أَنَّهُ نَزَّلَهَا عَلَى مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ (عَيْنَ الشِّرْكِ)، لَا عَلَى مُسْلِمِينَ بَاقِينَ عَلَى تَوْحِيدِهِمْ. يُنْظَرُ: صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، بَابُ قَتْلِ الْخَوَارِجِ.
[3] تَحْقِيقُ مَعْنَى "السَّمَاحَةِ": السَّمَاحَةُ هِيَ التَّسْهِيلُ فِي الْحُقُوقِ الشَّخْصِيَّةِ، أَمَّا "حُقُوقُ التَّوْحِيدِ" فَلَا مَجَالَ فِيهَا لِلْمُدَاهَنَةِ. يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: "الدِّينُ قَائِمٌ عَلَى الْقُوَّةِ فِي أَمْرِ اللهِ وَاللِّينِ فِي غَيْرِهِ". يُنْظَرُ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، طَبْعَةُ دَارِ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، (2/280).
[4] بَيَانُ حُكْمِ "مَانِعِي الزَّكَاةِ": يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "وَالصَّحَابَةُ لَمْ يَقُولُوا: هَلْ أَنْتَ مُقِرٌّ بِوُجُوبِهَا أَوْ جَاحِدٌ؟ بَلْ قَاتَلُوهُمْ عَلَى الْمَنْعِ الظَّاهِرِ". يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، (28/519).
[5] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ (الدَّفْعُ): هُوَ إِزَالَةُ الشَّيْءِ بِقُوَّةٍ. وَ"دَفْعُ الِاعْتِرَاضِ" فِي الْبَحْثِ الْأَكَادِيمِيِّ يَقُومُ عَلَى "قُوَّةِ الْبُرْهَانِ" الَّذِي يَهْدِمُ الشُّبْهَةَ مِنْ أَصْلِهَا.
[6] مُصْطَلَحُ "الْقِيَاسِ الْأَوْلَى": هُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْأَصْلِ. وَالْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ يَرَى أَنَّ كُفْرَ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ ثُمَّ اتَّخَذَ الْأَنْدَادَ أَوْلَى بِالْبَيَانِ مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ. يُنْظَرُ: الْمُسْتَصْفَى، لِلْغَزَالِيِّ، ص 215.
[الْمُقَدَّمَةُ السَّادِسَةُ: الْآثَارُ الْعِلْمِيَّةُ وَالدَّعْوِيَّةُ لِهَذَا الْمَتْنِ فِي مَسِيرَةِ التَّجْدِيدِ]
إِنَّ قِيمَةَ أَيِّ سِفْرٍ عِلْمِيٍّ تُقَاسُ بِمَدَى تَأْثِيرِهِ فِي تَقْوِيمِ الِانْحِرَافِ وَبِنَاءِ "الْمَلَكَةِ النَّقْدِيَّةِ" لَدَى طُلَّابِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَرَكَتْ رِسَالَةُ (سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ) آثَاراً بَالِغَةً فِي مَسِيرَةِ التَّجْدِيدِ السَّلَفِيِّ، يُمْكِنُ حَصْرُهَا فِي ثَلَاثَةِ مَنَاحٍ كُبْرَى:
(1) الْأَثَرُ الْعِلْمِيُّ: إِحْيَاءُ "فِقْهِ الدَّلِيلِ" فِي مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ:
قَبْلَ دَعْوَةِ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ، كَانَتِ الْعَقِيدَةُ تُدَرَّسُ كَـ "قَوَالِبَ جَامِدَةٍ" مُسْتَمَدَّةٍ مِنْ كُتُبِ الْكَلَامِ، فَلَمَّا جَاءَ هَذَا الْمَتْنُ، أَعَادَ رَبْطَ الطَّالِبِ بِـ "الْمَصْدَرِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ". فَصَارَ الْبَاحِثُ لَا يَقْبَلُ الْمَسْأَلَةَ الْعَقَدِيَّةَ إِلَّا وَهِيَ مَشْفُوعَةٌ بِوَاقِعَةٍ مِنْ سِيرَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ. هَذَا التَّحَوُّلُ نَقَلَ الْعِلْمَ مِنْ "التَّقْلِيدِ الْمَحْضِ" إِلَى "الِاتِّبَاعِ الْمُبَصَّرِ"، مِمَّا أَدَّى إِلَى نُشُوءِ جِيلٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْعَقِيدَةِ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ.
(2) الْأَثَرُ الدَّعْوِيُّ: تَصْحِيحُ مَسَارِ "الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ":
قَدَّمَتِ الرِّسَالَةُ "خَارِطَةَ طَرِيقٍ" لِلدُّعَاةِ؛ حَيْثُ بَيَّنَتْ أَنَّ أَعْظَمَ الْمَعْرُوفِ هُوَ التَّوْحِيدُ وَأَنْكَرَ الْمُنْكَرِ هُوَ الشِّرْكُ. وَأَثَّرَتْ فِي تَوْجِيهِ الْبَوْصَلَةِ نَحْوَ (الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ)؛ فَلَا يَشْتَغِلُ الدَّاعِي بِفُرُوعِ الْأَحْكَامِ وَالنَّاسُ وَاقِعُونَ فِي شِرْكِ الْقُبُورِ. كَمَا أَنَّ الْمَوْضِعَ الثَّانِي مِنَ الرِّسَالَةِ (سَبُّ دِينِ الْمُشْرِكِينَ) شَحَذَ هِمَمَ الدُّعَاةِ لِلْجَهْرِ بِالْحَقِّ وَعَدَمِ الْمُدَاهَنَةِ، مِمَّا كَانَ لَهُ الْأَثَرُ الْأَكْبَرُ فِي انْتِشَارِ نُورِ التَّوْحِيدِ فِي نَجْدٍ ثُمَّ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ.
(3) الْأَثَرُ الْمَنْهَجِيُّ: كَسْرُ "هَيْبَةِ الْبَاطِلِ" الْمُلَحَّفِ بِثَوْبِ الدِّينِ:
لَقَدْ كَانَ لِلرِّسَالَةِ أَثَرٌ نَفْسِيٌّ وَعَقْلِيٌّ جَبَّارٌ فِي نُفُوسِ الْمُوَحِّدِينَ؛ إِذْ بَيَّنَتْ لَهُمْ أَنَّ (الْكَثْرَةَ) وَ (الِانْتِسَابَ لِلْعِلْمِ) لَا يُغْنِيَانِ عَنِ الْحَقِّ شَيْئاً إِذَا خَالَفَا هَدْيَ السِّيرَةِ. فَقِصَّةُ (أَبِي طَالِبٍ) كَسَرَتْ هَيْبَةَ "الْمُعْتَذِرِينَ بِالْمَكَانَةِ"، وَقِصَّةُ (الرِّدَّةِ) كَسَرَتْ هَيْبَةَ "الْمُتَسَتِّرِينَ بِالِانْتِسَابِ". هَذَا التَّحْرِيرُ النَّفْسِيُّ جَعَلَ الْمُؤْمِنَ يَقِفُ شَامِخاً بِتَوْحِيدِهِ، مُسْتَمْسِكاً بِالْحُجَّةِ، وَلَوْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ ضِدَّهُ.
إِنَّ رِسَالَةَ (سِتَّةِ مَوَاضِعَ) هِيَ بِحَقٍّ "مَانِفِسْتُو" التَّجْدِيدِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكْتَفِ بِنَقْدِ الْوَاقِعِ، بَلْ قَدَّمَتِ (الْبَدِيلَ الْأَثَرِيَّ) الْمُسْتَمَدَّ مِنْ حَيَاةِ الْقُدْوَةِ ﷺ. وَمَا زَالَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا تُمَثِّلُ "الْمِحَكَّ" الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الْمُحَقِّقُ مِنَ الْمُجَازِفِ، وَالْمُتَّبِعُ مِنَ الْمُبْتَدِعِ.
[حَاشِيَةُ الْمُقَدَّمَةِ السَّادِسَةِ]
[1] الْأَثَرُ (لُغَةً وَاصْطِلَاحاً): بَقِيَّةُ الشَّيْءِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْبَحْثِيِّ: النَّتَائِجُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ. وَآثَارُ دَعْوَةِ الْإِمَامِ هِيَ "الثَّمَرَةُ الْعَمَلِيَّةُ" لِصِحَّةِ الْمُعْتَقَدِ. يُنْظَرُ: تَاجُ الْعَرُوسِ، لِلزَّبِيدِيِّ، (مَادَّةُ: أَثَرَ).
[2] مُصْطَلَحُ "التَّجْدِيدِ": مُسْتَمَدٌّ مِنْ حَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا». وَالتَّجْدِيدُ لَيْسَ ابْتِدَاعاً، بَلْ هُوَ "إِحْيَاءُ مَا انْدَرَسَ مِنْ مَعَالِمِ السُّنَّةِ". يُنْظَرُ: عَوْنُ الْمَعْبُودِ، لِلْعَظِيمِ آبَادِي، طَبْعَةُ دَارِ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، (11/259).
[3] فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ (الْمَلَكَةُ النَّقْدِيَّةُ): هِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى تَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ بِالدَّلِيلِ. وَمَنْهَجُ الْإِمَامِ فِي رَسَائِلِهِ يَبْنِي هَذِهِ الْمَلَكَةَ مِنْ خِلَالِ (الْمُقَارَنَةِ) بَيْنَ حَالِ الْمُشْرِكِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ. يُنْظَرُ: مُقَدِّمَةُ ابْنِ خَلْدُونَ، طَبْعَةُ دَارِ بَيْتِ الْفُنُونِ، ص 450.
[4] تَحْقِيقُ أَثَرِ "التَّوْحِيدِ فِي الدَّعْوَةِ": يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: "الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ هِيَ أَشْرَفُ مَقَامَاتِ الْعَبْدِ". وَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ (التَّوْحِيدَ) هُوَ رَأْسَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ بِنَاءً عَلَى "حَدِيثِ مُعَاذٍ": «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». يُنْظَرُ: صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، رَقْمُ (1395).
[5] بَيَانُ مَفْهُومِ "الْمُدَاهَنَةِ": هِيَ تَرْكُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا، وَهِيَ مَذْمُومَةٌ، بِخِلَافِ "الْمُدَارَاةِ" الَّتِي هِيَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدِّينِ. وَرِسَالَةُ الْإِمَامِ تُحَذِّرُ مِنَ الْمُدَاهَنَةِ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ. يُنْظَرُ: فَتْحُ الْبَارِي، لِابْنِ حَجَرٍ، (10/528).
[6] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ (الْمِحَكُّ): هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي يُخْتَبَرُ بِهِ الذَّهَبُ. وَرِسَالَةُ الْإِمَامِ هِيَ مِحَكُّ الِانْتِمَاءِ الصَّادِقِ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ.
-------------------------------------&
[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: مِيثَاقُ الِانْبِعَاثِ وَتَأْصِيلُ الْبَرَاءَةِ]
أولاً: إيراد النص المحقق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَفَا عَنْهُ، آمِينَ-:
«تَأَمَّلْ رَحِمَكَ اللهُ سِتَّةَ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ، وَافْهَمْهَا فَهْمًا حَسَنًا [1]؛ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُفَهِّمَكَ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ لِتَتَّبِعَهُ، وَدِينَ الْمُشْرِكِينَ لِتَتْرُكَهُ... الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: قِصَّةُ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ ﷺ، وَقَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ} [2] إِلَى قَوْلِهِ: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [3].»
ثانياً: التحليل اللغوي والحدود الشرعية (الكلمات المختارة)
1. {تَأَمَّلْ}:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (أ م ل)، والأملُ رجاءُ ما فيه من فَرْحة، والتأملُ هو إطالةُ النظر في الشيء والتثبت فيه ليُبصر حقيقته [4].
الحد الجامع المانع: "هو إعمال الفكر في الأدلة والشواهد للوصول إلى اليقين في المطالب العقدية، مع دوام النظر في العواقب".
قُلْتُ: إنَّ أمرَ الشيخ بـ (التأمل) قبل البدء في السرد التاريخي، يُخرجُ السيرةَ من كونها "حكاياتٍ تُروى" إلى كونها "عقائدَ تُبنى". فالتأمل هو بوابتك لـ (فهم مِلّة إبراهيم) التي غابت عن الكثيرين.
التأصيل العقدي البحثي: أؤصل هنا أنَّ التوحيد لا يُنال بالتبعية العمياء، بل بالتأمل البصير في وحي الله وسِيَر رسله؛ فمن لم يتأمل لم يفهم، ومن لم يفهم لم يوحّد يقيناً.
2. {حَسَنًا} (فهمًا حسنًا):
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ح س ن)، وهو نقيض القبح، والحُسْنُ كلُّ مُبْهِجٍ مَرْغوبٍ فيه؛ إمَّا من جهة العقل، أو من جهة الهوى، أو من جهة الحِسّ [5].
الحد الجامع المانع: "هو الإدراك المطابق للواقع، الذي تظهر ثمرته على الجوارح عملاً وعلى القلب انقياداً".
قُلْتُ: اشتراط الشيخ أن يكون الفهمُ (حسناً) تنبيهٌ على وجود "فهمٍ قبيح"؛ وهو فهمُ المرجئة والمتميعة الذين قرؤوا السيرة وعطّلوا أحكام الشرك. الفهمُ الحسن هو الذي يورثُ (البراءة والاتباع).
التأصيل العقدي البحثي: أؤصل أنَّ المعيار في صحة المعتقد هو "حُسن الفهم" عن الله ورسوله، فالفهم السيئ للتوحيد هو ثغرة الشيطان التي دخل منها عبّاد القبور في الأمة.
-----------------&
ثالثاً: الحاشية
[1] الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (1115 - 1206 هـ) إمام الدعوة الإصلاحية، مجدد ما اندرس من معالم التوحيد في نجد والجزيرة العربية، وصاحب التصانيف العظيمة في التوحيد.
[2] سورة المدثر (آية 1-2): وهي أول آيات "النبوة" التي أُمِر فيها بالقيام والإنذار، بعد آيات "الرسالة" في سورة اقرأ.
[3] سورة المدثر (آية 5): قوله {والرجز فاهجر}؛ ثبت عن ابن عباس ومجاهد وغيرهم أن الرجز هي الأصنام. يُنظر: "تفسير الطبري" (23/411).
[4] ابن فارس (مقاييس اللغة): مادة (أ م ل)، (1/139). يُنظر تفصيل معنى إطالة النظر في الشيء.
[5] الراغب الأصفهاني (المفردات في غريب القرآن): مادة (ح س ن)، ص (235). الفهم الحسن هو الذي يجمع بين العلم والعمل.
-------------------&
تتمة الأولي :المبحث الأول
المبحث الأول: تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ} إلى قوله {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ}
أولاً: النقول التفسيرية
1. تفسير الإمام محمد بن عبد الوهاب:
ذكر الإمام أن معنى {قُمْ فَأَنْذِرْ}: ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد [1]. وقوله {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}: أي عظمه بالتوحيد [2]. وقوله {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}: أي طهر أعمالك عن الشرك [3]. وقوله {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}: الرجز هي الأصنام، وهجرها تركها والبراءة منها وأهلها [4].
2. تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي:
يرى أن قوله {قُمْ فَأَنْذِرْ} أي: بادر بالإنذار، والإنذار هو الإخبار بالشر مع التخويف منه. وقوله {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أي: خصه بالتعظيم والاجلال، وألا يكون في قلبك عظيم سوى الله [5]. وقوله {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} يحتمل أن المراد بالثياب الأعمال، وتطهيرها يكون بالإخلاص والصدق [6].
3. تفسير الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين:
أفاد الشيخ أن قوله {قُمْ فَأَنْذِرْ} جملة أمرية تقتضي الوجوب والفور، والإنذار يكون للمخالفين. وقوله {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} تقديم المعمول (ربك) على العامل (كبر) يفيد الحصر، أي لا تكبر إلا ربك [7].
ثانياً: التأصيل العقدي للباحث
قلت :بعد النظر في تقريرات الأئمة السالف ذكرهم، يتأصل لدينا في هذا الموضع قواعد عقدية كبرى:
القاعدة الأولى: أن التوحيد هو منطلق الدعوة ومبتداها، فالبدء بالإنذار عن الشرك قبل أي تشريع فرعي هو الأصل الأصيل في دعوة الأنبياء.
القاعدة الثانية: "المفاصلة العقدية"؛ وتظهر في الأمر بهجر الرجز وتطهير الثياب (الأعمال)، فلا تجتمع حقيقة التوحيد مع بقاء لوثة من لوثات الشرك أو موالاة أهله.
القاعدة الثالثة: "إفراد الله بالتعظيم"؛ فالتكبير المأمور به هو حصر الكبرياء لله وحده، وهو اليقين الذي يدفع الخوف من الطواغيت في قلب الداعية.
-----------------------&
الحاشية
[1] تراجم الأعلام: هو الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (ت: 1206هـ)، إمام الدعوة الإصلاحية بنجد. ينظر: "الأصول الثلاثة"، طبعة دار القاسم، ص 18.
[2] نكتة علمية: خص الإمام التكبير بالتوحيد لأن المشركين كانوا يعظمون آلهتهم، فجاء الأمر بصرف كمال العظمة لله وحده.
[3] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "مختصر سيرة الرسول ﷺ"، دار العاصمة، ص 84.
[4] نكتة لغوية: "الرجز" بالكسر هي الأصنام، وقيل هي العذاب، وسميت الأصنام رجزاً لأنها سبب في وقوع العذاب.
[5] تراجم الأعلام: هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت: 1376هـ)، صاحب التفسير الميسر. ينظر: "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"، مؤسسة الرسالة، ص 895.
[6] المصدر: السعدي، المرجع السابق، ص 895.
[7] تراجم الأعلام: هو الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت: 1421هـ)، الفقيه والأصولي والمفسر. ينظر: "تفسير القرآن الكريم - جزء عم"، دار ابن الجوزي، ص 212.
[8] تخريج الأثر: حديث بدء الوحي وقصة المدثر أخرجه البخاري في "صحيحه" (رقم 4) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
[9] بصمة الباحث: يُلاحظ أن الآيات رتبت الأولويات العقدية؛ فبدأت بالتخلية (الإنذار والهجر) ثم التحلية (التكبير والصبر)، وهذا منهج تربوي عقدي لبناء الفرد الموحد.
ثالثاً: التأصيل العقدي
بعد الاستئناس بأقوال المفسرين، يستبين للباحث أن هذه الآيات لم تكن مجرد أوامر تشريعية، بل هي القواعد الكلية لتقرير العقيدة في النفوس، ويمكن تبيان البصمة العقدية في النقاط الآتية:
1. المفاصلة العقدية وبناء التوحيد على أنقاض الشرك:
قلت : أن تقديم قوله تعالى: {قُمْ فَأَنْذِرْ} على كل تكليف آخر، يقرر قاعدة عقدية مفادها أن "التخلية مقدمة على التحلية"؛ فلا يستقيم بناء التوحيد في القلب إلا بعد إنذار الشرك وهدم قواعده. فالإنذار هنا هو "نفي" والتوحيد هو "إثبات"، وهذا هو عين مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله [1].
2. شمولية مفهوم "الرجز" في الولاء والبراء:
البصمة العقدية في قوله {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} تتجاوز الهجر البدني للأصنام، إلى الهجر الشعوري والمفاصلة التامة مع أهل الإشراك.
فالهجر هنا فعل قلبي يقتضي البغض والكفر بما يعبد من دون الله، وهو ركن "الكفر بالطاغوت" الذي لا يصح الإيمان إلا به [2].
3. الارتباط التلازمي بين "التكبير" و"التوحيد":
يستنبط الباحث من قوله {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أن حقيقة التوحيد هي "حصر العظمة لله وحده".
فإذا استقر في روع المؤمن أن الله "أكبر" من كل شيء، تضاءلت في عينه الأصنام، وهان في قلبه تهديد المشركين، مما يجعل التكبير هو المحرك الأول للثبات العقدي في مواجهة الفتن [3].
4. إخلاص الصبر كشرط للثبات على المبدأ:
في قوله {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} لفتة عقدية دقيقة؛ فالصبر في الدعوة ليس مجرد جلد بدني، بل هو "عبادة لله".
قلت : هنا أن الصبر إذا لم يكن "لله" (باللام الدالة على الاستحقاق والإخلاص) فإنه ينفد، أما الصبر العقدي المرتبط بالله فهو وقود لا ينطفئ [4].
-----------------&
الحاشية:
[1] نكتة عقدية: يلحظ الباحث أن الأمر بالقيام للإنذار جاء بصيغة الفعل "قُم"، وهي تفيد العزم والحزم، مما يوحي بأن العقيدة لا تُحمل بالفتور، بل بقوة اليقين والمواجهة.
[2] تخريج الحديث: يشير هذا المعنى إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا ﷺ، رقم (153)، من قوله ﷺ: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه".
[3] المصادر: ينظر للتوسع في مفهوم التكبير العقدي: ابن القيم، "مدارج السالكين"، دار الصميعي، ج1، ص 450. وينظر: ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، دار الوفاء، ج 10، ص 260.
[4] الباحث: الصبر المضاف لربوبية الله (ولربك) يشير إلى أن الله هو الذي يربي عبده بالبلاء ويصقله بالصبر، فالمبتلى في كنف ربه ومربيه، وهذا أسمى مراتب الطمأنينة العقدية.
-------------&
تتمة الثانية -المبحث الأول:
المفردات التحليلية والتأصيل العقدي للموضع الثاني
أولاً: التحليل اللغوي والاصطلاحي للمفردات
1. الزنا:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ز ن ي)، وأصلها يدل على الضيق، ومنه "زنأ في الجبل" إذا صعد في ضيق، وسُمي الزنا بذلك لأنه ضيق من الحق إلى الباطل [1].
الحد الجامع المانع: «وطء الرجل امرأة في قُبلها من غير مِلك ولا شبهة مِلك» [2].
2. العبادة:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ع ب د)، وأصلها التذلل والخضوع، ومنه "طريق معبد" أي مذلل بالأقدام [3].
الحد الجامع المانع: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة» [4].
3. الحج:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ح ج ج)، وأصله القصد، ويُقال "حج إلينا فلان" أي قدم وقصدنا [5].
الحد الجامع المانع: «قصد بيت الله الحرام في وقت مخصوص، لعمل مخصوص، بشرائط مخصوصة» [6].
4. العمرة:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ع م ر)، وأصلها الزيارة والقصد، ومنه "الاعتمار" وهو الزيارة [7].
الحد الجامع المانع: «زيارة البيت الحرام على وجه مخصوص من الطواف والسعي بغير وقوف بعرفة» [8].
5. الصدقة:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ص د ق)، وهي تدل على قوة الشيء صحةً، وسُميت بذلك لأنها تدل على "صدق" رغبة باذلها في التقرب لله.
الحد الجامع المانع: «تطوعٌ بالمال أو غيره تقرباً إلى الله تعالى لا لمصلحة دنيوية» [9].
6. المساكين:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (س ك ن)، وأصلها الهدوء، وسُمي المسكين بذلك لأن الحاجة "أسكنته" أي قللت حركته.
الحد الجامع المانع: «من لا يجد كفايته التامة، وهو أحسن حالاً من الفقير» [10].
7. الإحسان:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ح س ن)، وهو نقيض القبيح، ويأتي بمعنى تجميل الشيء وإتقانه.
الحد الجامع المانع: «إيصال النفع إلى الغير، وبذل ما يُنتفع به من مال أو جاه أو علم» [11].
ثانياً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال الربط بين هذه المفردات وسياق القطعة، يخلص الباحث إلى النتائج العقدية التالية:
بطلان الاحتجاج بـ "جنس العمل" دون "أصل التوحيد": يرى الباحث أن المشركين حققوا "الحد اللغوي والاصطلاحي" لبعض العبادات (كالحج والصدقة)، لكنها فَقَدت "الروح العقدية"؛ لأن العبادة لا تُقبل إلا بشرطين (الإخلاص والمتابعة)، وهم نقضوا الإخلاص بالشرك.
التناقض بين "فطرة الأخلاق" و"فساد المعتقد": يُؤصل الباحث هنا لمسألة أن "الإحسان للمساكين" و"كراهية الزنا" (كأخلاق) لا تمنع عن صاحبها صفة الشرك إذا نقض التوحيد؛ فالتوحيد حق الله، والأخلاق حقوق العباد، وحق الله مقدم.
إقامة الحجة بالعلم الفطري: استدلال الإمام بمعرفتهم أن الزنا "ظلم" يثبت أنهم لم يكونوا جهالاً بالشرائع بالكلية، بل كان لديهم أثارة من علم النبوة، مما يجعل إشراكهم "شرك عناد واستكبار" لا شرك خفاء [12].
---------------------&
ثالثاً: الحاشية
[1] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (زني).
[2] التعريف: ينظر: القرافي، "الذخيرة"، ج13، ص 210.
[3] نكتة علمية: سُمي العبد عبداً لذله وخضوعه لسيده، والعبادة في الشرع كمال الذل مع كمال الحب.
[4] المصدر: هذا الحد لشيخ الإسلام ابن تيمية في "رسالة العبودية"، ص 44. وينظر: ابن عثيمين، "شرح الأصول الثلاثة"، ص 51.
[5] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات"، ص 107.
[6] التعريف: ينظر: ابن قدامة، "المغني"، ج3، ص 212.
[7] الاشتقاق: الفيروزآبادي، "القاموس المحيط"، مادة (عمر).
[8] التعريف: النووي، "المجموع شرح المهذب"، ج7، ص 7.
[9] التعريف: ابن عرفة، "الحدود"، ص 540.
[10] نكتة عقدية: يرى السعدي أن الإنفاق على المساكين من أعظم القربات، لكنه يشترط لصحتها الإيمان. ينظر: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 115.
[11] نكتة علمية: الإحسان أعلى مراتب الدين، والمشركون طبقوا الإحسان "المتعدي" للغير وفقدوا الإحسان "اللازم" وهو عبادة الله كأنك تراه.
[12] الباحث قلت : يشير الباحث إلى أن حقيقة حال مشركي الجاهلية تشبه حال الكثير من المنتسبين للإسلام اليوم؛ فهم يصلون ويحجون لكنهم يقعون في الشرك الأكبر عند القبور، ففعلهم للعبادة لا ينفي عنهم اسم الشرك كما لم ينفه عن الأوائل.
--------------------&
تتمة الثالث المبحث الأول
أولاً: نص القطعة
«وَأَجَلُّهَا عِنْدَهُمُ الشِّرْكُ، فَهُوَ أَجَلُّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ عِنْدَهُمْ؛ كَمَا ذَكَرَ اللهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى}» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (المفردات)
1. أجلّ:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ج ل ل)، وهو أصل واحد يدل على عظم وقوة، والجليل هو العظيم، والجلل العظيم من الأمر [2].
الحد الجامع المانع: «الأعظم قدراً، والأرفع منزلة، والأكثر حظوة في النفس» [3].
2. الشرك:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ش ر ك)، وهو أصل يدل على مقارنة ومشاركة بين اثنين، ومنه الشريكة أي الزوجة لمشاركتها الزوج [4].
الحد الجامع المانع: «صرف حق من حقوق الله الخالصة (ربوبية أو ألوهية أو أسماء وصفات) لغير الله» [5].
3. التقرّب:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ق ر ب)، وهو أصل يدل على خلاف البعد، والقربة ما يُتقرب به إلى الله من عمل صالح.
الحد الجامع المانع: «طلب القرب من رحمة الله ورضوانه بالوسائل التي شرعها» [6].
4. الزلفى:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ز ل ف)، وهو أصل يدل على تقديم الشيء، والازدلاف هو التقدم، والزلفة المنزلة والقربة [7].
الحد الجامع المانع: «القربة والمكانة الرفيعة التي يُزلف بها صاحبها إلى من يرتجيه» [8].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال سبر أغوار هذه القطعة، يبرز الباحث الحقائق العقدية التالية:
مغالطة "الشرك في صورة قربة": يرى الباحث أن مكمن الضلال عند المشركين هو تسمية الشرك بغير اسمه؛ فهم لم يسموه "عناداً" بل سموه "تقرباً"، وهذا أخطر أنواع التلبيس العقدي، حيث يُصبح المنكر الأكبر هو المعروف الأجلّ عندهم.
فساد قياس الخالق على المخلوق: يُؤصل الباحث هنا لعلة الشرك، وهي أنهم قاسوا الله تعالى على ملوك الدنيا الذين لا يُوصل إليهم إلا بـ "وسائط" وشفعاء، فغفلوا عن كمال سمعه وقربه وعلمه، وهذا هو منطلق "شرك الوسائط" [9].
إثبات "العبادة" للأصنام باعترافهم: في قولهم {ما نعبدهم} إقرار صريح بأن صرفهم للوسائط هو "عبادة"، مما يُبطل دعوى المتأخرين الذين يقولون "نحن لا نعبدهم بل نتوسل بهم"، فالقرآن سمى قصد الوسائط (لأجل الزلفى) عبادة محضة.
تجريد التوحيد من شوائب "القربات البدعية": يقرر الباحث أن التوحيد الخالص هو الذي يسقط فيه كل وسيط، وتكون "الزلفى" فيه بالأعمال الصالحة المشرعة لا بالأشخاص المقربين.
-----------------&
رابعاً: الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 15. والآية من سورة الزمر، الآية (3).
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (جلل).
[3] نكتة علمية: استخدم الإمام لفظ "أجلّ" ليبين أن الشرك لم يكن عندهم مجرد عمل، بل كان "رأس مالهم" الذي يظنون فيه النجاة.
[4] تراجم الأعلام:
[5] التعريف: ينظر: ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج1، ص 88.
[6] التعريف: الجرجاني، "التعريفات"، ص 175.
[7] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات"، ص 214.
[8] نكتة لغوية: سُميت صلاة المغرب والعشاء بـ "المزدلفة" أو ليلة المزدلفة لاقتراب الناس من منى، أو لتقربهم فيها إلى الله.
[9] بصمة الباحث: يُلاحظ الباحث أن قولهم {ليقربونا} هو اعتراف بنقصهم وعجزهم، لكنهم بدلاً من أن يفروا من العجز إلى الخالق القوي، فروا إلى عاجز مثلهم، وهذا هو محض التناقض العقدي.
[10] تخريج الأثر: ورد في "تفسير ابن كثير" عن ابن عباس أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"، وهذا هو عين جعل الشرك "أجلّ" القربات.
----------------------&
تتمة الرابعة - المبحث الأول
عقيدة الوسائط عند المشركين
{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}
أولاً: النقول التفسيرية
1. تفسير الإمام محمد بن عبد الوهاب [1]:
يقرر الإمام أن المشركين في زماننا وقبلهم مشركو العرب لم يزعموا أن الوسائط تخلق أو ترزق، بل جعلوا "أجلّ" تقربهم هو صرف العبادة لهؤلاء الصالحين ليقوموا بدور الوساطة. فالقوم لم يقصدوا الأصنام لذاتها، بل قصدوا "الزلفى" والشفاعة، وهذا هو جوهر الشرك الذي بعث الرسل لإبطاله [2].
2. تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي [3]:
يرى الشيخ أن هؤلاء المشركين أقاموا لأنفسهم حجة داحضة، وهي أن ذنوبهم تمنعهم من القرب المباشر من الله، فاتخذوا من يعظمونه ليكون واسطة بينهم وبين الله. ويوضح السعدي أن هذا محض الكذب والافتراء، بدليل تعقيب الله في نهاية الآية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [4].
3. تفسير الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين [5]:
يؤكد الشيخ أن هذه الآية تدل على أن المشركين مقرون بالربوبية، فهم يقولون {إلى الله}، أي أنهم يعرفون الله، لكنهم أشركوا في "الألوهية". ويوضح أن "اللام" في {ليقربونا} هي لام التعليل، أي أن علة عبادتهم لغير الله هي طلب القرب، وهذا هو الشبهة التي يقع فيها عباد القبور اليوم [6].
ثانياً: التأصيل العقدي للباحث (حول الآية)
من خلال سبر هذه الأقوال والربط بينها وبين واقع المشركين، يخلص الباحث إلى التأصيلات العقدية التالية:
قاعدة "الشرك في القصد والطلب": يرى الباحث أن الشرك لا يشترط فيه اعتقاد "الخلق" في الشريك، بل يكفي فيه "قصد" غير الله بالعبادة لأجل التقرب، فالشرك في الغاية كالشرك في الذات.
فساد منطق "الوسائط": يُؤصل الباحث هنا لبطلان قياس الخالق على المخلوق؛ فالمشركون ظنوا أن الله كالملوك لا يُكلم إلا عبر الحجاب والوزراء، بينما حقيقة العقيدة أن الله قريب مجيب، واتخاذ الوسائط هو قدح في كمال سمعه وعلمه ورحمته.
إثبات مسمى "العبادة" للوسائل: يقرر الباحث أن القرآن سمى فعلهم هذا "عبادة" {ما نعبدهم}، وهذا يدحض فرية من يقول إن الاستغاثة بالأموات أو دعاءهم "توسل" وليس "عبادة"، فالعبرة بالحقائق لا بالمسميات.
تلازم الكذب والكفر: استنبط الباحث من ختام الآية أن "شرك الوسائط" يجمع بين سوء القول (الكذب بدعوى الوساطة) وسوء الاعتقاد (الكفر بصرف العبادة لغير الله).
--------------------&
ثالثاً: الحاشية
[1] تراجم الأعلام: الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت: 1206هـ)، صاحب "كشف الشبهات" الذي ركز فيه على رد هذه الشبهة تحديداً.
[2] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "مجموعة التوحيد"، رسالة "القواعد الأربع" (القاعدة الثانية)، ص 201. (نكتة علمية): سماه الإمام "أجلّ" أعمالهم لبيان عظم الفتنة به في نفوسهم.
[3] تراجم الأعلام: الشيخ عبد الرحمن السعدي (ت: 1376هـ)، سبقت ترجمته.
[4] المصدر: السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 719. (نكتة عقدية): ذكر السعدي أن زعمهم "الزلفى" هو كذب محض لأن الله لا يُتقرب إليه بما حرمه (وهو الشرك).
[5] تراجم الأعلام: الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت: 1421هـ)، سبقت ترجمته.
[6] المصدر: ابن عثيمين، "شرح القواعد الأربع"، دار الثريا، ص 34.
[7] الاشتقاق والحدود:
الزلفى: لغةً القربة، واصطلاحاً المنزلة الرفيعة.
التقرب: لغةً طلب القرب، واصطلاحاً فعل ما يرضي المعبود لنيل ثوابه.
[8] تخريج الأثر: ورد في "تفسير الطبري" (ج20، ص 160) عن قتادة أنهم كانوا إذا قيل لهم من ربكم؟ قالوا: الله، فإذا قيل لهم فما بال هذه الأصنام؟ قالوا: لتقربنا إلى الله زلفى.
[9] الباحث: يشير الباحث إلى أن هذه الآية هي "ميزان" الفرق بين التوسل المشروع (بالأسماء والصفات والأعمال) والتوسل الشركي (بذوات المخلوقين)، فالمشركون جعلوا الذوات والوسائط هي الطريق لله، وهذا هو لب ضلالهم.
-------------------&
تتمة الخامسة المبحث الأول:
عقيدة الشفاعة الشركية {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}
أولاً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (المفردات)
1. الشفعاء:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ش ف ع)، وأصلها يدل على مقارنة الشيء للشيء، ومنه "الشفع" وهو خلاف الوتر، وكأن الشافع يضم صوته إلى صوت المشفوع له [1].
الحد الجامع المانع: «التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة» [2].
2. القول (في قوله: ويقولون):
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ق و ل)، وهو أصل يدل على تحرك الشيء، والمراد به هنا النطق باللسان المعبر عن اعتقاد القلب.
الحد الجامع المانع: «كل لفظ يلفظ به اللسان تاماً كان أو ناقصاً» [3].
ثانياً: النقول التفسيرية
1. تفسير الإمام محمد بن عبد الوهاب [4]:
يقرر الإمام أن المشركين لم يعتقدوا في هذه الأصنام أو الأولياء أنها تستقل بالتدبير، بل غاية مرادهم هو "الشفاعة"؛ أي أن هؤلاء المعظمين لهم جاه عند الله، فنحن نعبدهم ليقضوا حوائجنا بجاههم. ويوضح الإمام أن هذه هي "الشفاعة الشركية" التي نفاها القرآن، لأن الشفاعة ملك لله وحده ولا تكون إلا بإذنه [5].
2. تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي [6]:
يرى الشيخ أن المشركين جمعوا بين أمرين قبيحين: عبادة ما لا ينفع ولا يضر، وتسمية هذه العبادة "شفاعة". ويؤكد أن الله سبحانه رد عليهم بأن هذا "إخبار بما لا يعلم الله"، لأن الله لا يعلم لنفسه شريكاً ولا شفيعاً بغير إذنه، فما لا يعلمه الله فهو معدوم وباطل [7].
3. تفسير الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين [8]:
يؤصل الشيخ لمسألة "الشفاعة" مبيناً أن المشركين اتخذوا شفعاء "قسريين"؛ أي قاسوا شفاعة الخلق عند الله بشفاعة الخلق عند ملوك الدنيا (التي تتم بغير إذن الملك)، بينما الشفاعة عند الله عبادة ومحض فضل، لا تقع إلا لمن رضي الله قوله وعمله [9].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول الآية)
من خلال سبر هذه الأقوال، يخلص الباحث إلى التأصيلات العقدية التالية:
حقيقة الشفاعة المنفية: يرى الباحث أن الآية تبطل كل شفاعة تُطلب من غير الله، فكل شفاعة تفتقر إلى "الإذن" من الله و"الرضا" عن المشفوع له هي شفاعة شركية باطلة، ولو سُميت بغير اسمها.
ضلال القياس في باب الربوبية: يُؤصل الباحث أن منشأ ضلال المشركين في "الشفاعة" هو جهلهم بعظمة الله وقدره، فظنوا أن الشفيع يملك دالةً على الله تُلزمه بقضاء الحاجة، وهذا من أعظم القدح في توحيد الربوبية والألوهية معاً.
تلازم العبادة والشفاعة: يقرر الباحث أن القرآن جعل قولهم {شفعاؤنا} نتيحةً لعبادتهم لغير الله {ويعبدون من دون الله}، مما يدل على أن كل من قصد مخلوقاً ليكون شفيعاً له عند الله فقد عبده من دون الله.
تنزيه العلم الإلهي عن الشرك: استنبط الباحث من تعقيب الآية {أتونبئون الله بما لا يعلم} أن الشرك ليس له حقيقة وجودية يعلمها الله، بل هو من مخترعات عقول المشركين وأوهامهم.
------------------&
الحاشية
[1] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (شفع). والراغب الأصفهاني، "المفردات"، ص 263.
[2] التعريف: ينظر: ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج1، ص 140.
[3] الاشتقاق: الفيروزآبادي، "القاموس المحيط"، مادة (قول).
[4] تراجم الأعلام: الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت: 1206هـ)، صاحب "الأصول الثلاثة" و"كشف الشبهات".
[5] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "كشف الشبهات"، دار الصميعي، ص 30. (نكتة علمية): فرق الإمام بين الشفاعة المثبتة (التي تُطلب من الله) والشفاعة المنفية (التي تُطلب من الشفيع).
[6] تراجم الأعلام: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت: 1376هـ)، سبقت ترجمته.
[7] المصدر: السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 362. (نكتة عقدية): وصف السعدي اتخاذ الشفعاء بـ"الجهل المحض" لأنهم عبدوا من هو فقير بالذات مثلهم.
[8] تراجم الأعلام: الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت: 1421هـ)، سبقت ترجمته.
[9] المصدر: ابن عثيمين، "شرح كشف الشبهات"، ص 95.
[10] بصمة الباحث: يشير الباحث إلى أن المشركين الأوائل كانوا أصرح في شركهم من مشبهة زماننا؛ فالأوائل قالوا {شفعاؤنا} وهم يعبدون الأصنام، والمتأخرون يقولون "مدد يا فلان" ويزعمون أنه توسل، والحقيقة العقدية واحدة وهي صرف خالص حق الله لغيره.
------------------&
تتمة السادس - المبحث الأول: خطورة الانحراف العقدي بدعوى الاهتداء {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}
أولاً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (المفردات)
1. اتخذوا:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (أ خ ذ)، والتاء فيه للتعمل والافتعال، وهو أصل واحد يدل على حوز الشيء وجذبه، والاتخاذ صيرورة الشيء على حالة معينة بقصد واختيار [1].
الحد الجامع المانع: «اعتماد الشيء وصياغته عقيدةً أو مسلكاً يلتزمه المرء في حياته» [2].
2. الأولياء:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (و ل ي)، وأصله "الوَلْيُ" وهو القرب والدنو، ومنه الولي وهو القريب والمحب والنصير [3].
الحد : «من يُتجه إليه بالمحبة والنصرة والطاعة، ويُجعل له حق التوجيه والتشريع» [4].
3. يحسبون:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ح س ب)، وهو أصل يدل على العَدِّ والإحصاء، ثم استعمل في الظن لأن الظانّ يَعُدُّ ما يظنه حقيقة [5].
الحد : «اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه مع الجزم به ظناً» [6].
ثانياً: النقول التفسيرية
1. تفسير الإمام محمد بن عبد الوهاب [7]:
يوضح الإمام أن هذه الآية من أعظم الآيات في الرد على من يظن أن "الجهل" أو "حسن النية" يمنع من وقوع اسم الكفر على صاحبه. فالمشركون هنا لم يعتقدوا أنهم على ضلال، بل "يحسبون أنهم مهتدون"، ومع ذلك سماهم الله كفاراً لاتخاذهم الشياطين أولياء؛ فالاعتبار بالحقائق والولاءات لا بالظنون والأوهام [8].
2. تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي [9]:
يرى الشيخ أن من أعظم عقوبات الله للعبد أن يزين له سوء عمله فيراه حسناً؛ فهؤلاء لما أعرضوا عن الهدى، قيض الله لهم الشياطين فاستولوا عليهم بالولاية، فانعكست لديهم الحقائق، فصاروا يرون الغي رشداً والباطل حقاً، وهذا هو عين الخذلان [10].
3. تفسير الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين [11]:
يؤكد الشيخ أن الآية تدل على أن الجهل الذي سببه الإعراض لا يعذر صاحبه، خاصة في أصول الدين؛ فهؤلاء "حسبوا" الاهتداء وهم غارقون في الولاية الشيطانية، ولأنهم هم من "اتخذوا" (بفعلهم واختيارهم) الشياطين أولياء، استحقوا نفي الهداية عنهم ووصفهم بالضلال [12].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول الآية)
من خلال سبر هذه الأقوال، يخلص الباحث إلى التأصيلات العقدية التالية:
بطلان "شرط الاستحلال" للحكم بالضلال: يرى الباحث أن الآية صريحة في أن المرء قد يكفر أو يضل وهو لا يشعر، بل وهو يظن أنه على الحق، مما يبطل دعوى من يشترط أن يكون المشرك معتقداً لضلال نفسه لكي يُحكم عليه به.
التلازم بين الولاء والعقيدة: يُؤصل الباحث أن "الولاء" (اتخاذ الأولياء) هو محرك العقيدة؛ فمن صرف ولاءه لغير منهج الله (سواء للشياطين أو المتبوعين في الشرك) فقد نقض أصل التوحيد، ولو زعم بلسانه الاهتداء.
عقوبة الإعراض: يستنبط الباحث أن الضلال الذي يقع فيه الإنسان وهو "يحسب أنه مهتدي" هو نتيجة لـ "اتخاذ" سابق؛ أي هو عقوبة من الله على إعراض العبد أولاً عن الحق، فجوزي بفساد التصور.
تجريد مفهوم "الهداية": يقرر الباحث أن الهداية ليست مجرد شعور قلبي أو "حسبان" شخصي، بل هي موافقة ما جاء به الوحي، فكل من خالف الوحي فهو ضال ولو ملأ الدنيا صراخاً بأنه مهتدٍ.
-------------------&
رابعاً: الحاشية
[1] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (أخذ).
[2] التعريف: ينظر: "بصائر ذوي التمييز"، للفيروزآبادي، ج2، ص 34.
[3] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (ولي).
[4] نكتة علمية: الولاية في الآية تقابل التوحيد؛ فمن لم يكن ولياً لله باتباع رسله، صار ولياً للشيطان باتباع وسوسته.
[5] الاشتقاق: الجوهري، "الصحاح"، مادة (حسب).
[6] التعريف: الشريف الجرجاني، "التعريفات"، ص 85.
[7] تراجم الأعلام: الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت: 1206هـ)، صاحب رسالة "كشف الشبهات" التي ناقشت قضية "ظن الاهتداء" عند المشركين.
[8] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "مجموعة التوحيد"، رسالة "ستة مواضع من السيرة"، ص 16. (نكتة عقدية): استدل الإمام بهذه الآية على أن الكفر يكون بالعمل والاتخاذ وإن لم يقصده القلب.
[9] تراجم الأعلام: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت: 1376هـ)، سبقت ترجمته.
[10] المصدر: السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 287.
[11] تراجم الأعلام: الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت: 1421هـ)، سبقت ترجمته.
[12] المصدر: ابن عثيمين، "تفسير القرآن الكريم - سورة الأعراف"، ص 142.
[13] الباحث: يشير الباحث إلى أن هذه الآية هي الرد القاصم على "العذر بالجهل المطلق" في أصول التوحيد؛ فالله لم يعذرهم بظنهم الاهتداء لأن أصل ضلالهم كان "الاتخاذ" الإرادي لغير الله ولياً
-----------------------&
المبحث السابع: أولوية الإنذار وشمولية التعلق بغير الله
أولاً: نص القطعة
«فَأَوَّلُ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ: الإِنْذَارُ عَنْهُ (أي الشرك) قَبْلَ الإِنْذَارِ عَنِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَعَرَفْتَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَ عَلَى الأَصْنَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَ عَلَى المَلَائِكَةِ وَعَلَى الأَوْلِيَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ... فَإِنْ أَحْكَمْتَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ فَيَا بُشْرَاكَ».
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي للمفردات
1. الإنذار:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ن ذ ر)، وهو أصل واحد يدل على إعلام بتخويف، ومنه النذير وهو المحذر [1].
الحد : «إبلاغ المخاطب ما يخافه مع ذكر سببه قبل وقوعه بمدة تمكنه من الحذر» [2].
2. الزنا:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ز ن ي)، وأصلها الضيق والقصر، وسُمي الفاحشة زنا لما فيها من ضيق المخرج الشرعي [3].
الحد : «وطء مكلف لفرج امرأة مشتهاة من غير ملك ولا شبهة ملك» [4].
3. السرقة:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (س ر ق)، وأصلها أخذ الشيء في خفاء واستتار [5].
الحد : «أخذ مال الغير خفية من حرز مثله بغير حق» [6].
4. التعلُّق:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ع ل ك)، وهو نشوب الشيء بالشيء، ومنه العلقة لشدة التصاقها [7].
الحد : «ارتباط القلب بالمُعلَّق به ارتباط التفاتٍ واعتمادٍ ورجاء» [8].
5. إحكام المسألة:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ح ك م)، وأصله المنع، وأحكمتُ الشيء أي أتقنته فمنعت خلله [9].
الحد : «إتقان التصور الذهني للمسألة إتقاناً يمنع دخول الشبهات اللاحقة عليها» [10].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث
من خلال استقراء هذه القطعة، يخلص الباحث إلى التأصيلات العقدية التالية:
محورية التوحيد في الترتيب الشرعي: يرى الباحث أن تقديم الإنذار عن الشرك على الكبائر (كالزنا والسرقة) يقرر أن "حق الخالق" يسبق "حق المخلوق"، وأن مفاسد الشرك أعظم من مفاسد الفواحش والمظالم الاجتماعية.
بطلان التفريق بين المعبودات: يُؤصل الباحث لقاعدة "استواء الشرك"؛ فصورة الشرك واحدة وهي "التعلق"، والتعلق بملك مقرب أو ولي صالح هو في حقيقته العقدية مساوٍ للتعلق بصنم، لأن العلة هي "صرف العبادة لغير الله".
تفنيد شبهة "شفاعة الصالحين": يستنبط الباحث أن حقيقة الشرك تكمن في "طلب الشفاعة" من المخلوق استقلالاً، وأن وصفهم بأنهم أولياء أو ملائكة لا يغير من وصف الفعل شيئاً.
أثر الإحكام العلمي في الثبات العقدي: يقرر الباحث أن "البشرى" المذكورة هي نتيجة الوصول لمرحلة "الفرقان"، حيث يستطيع الموحد تمييز حقيقة الشرك مهما تلبست بصور الصلاح، وهو ما يحقق للعبد النجاة من شبهات المتأخرين.
-----------------------&
رابعاً: الحاشية
[1] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (نذر).
[2] الحد: الجرجاني، "التعريفات"، دار الكتب العلمية، ص 44.
[3] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، ص 215.
[4] الحد: ابن عرفة، "الحدود الفقهية"، ص 548.
[5] الاشتقاق: الفيروزآبادي، "القاموس المحيط"، مادة (سرق).
[6] الحد: ينظر: القرافي، "الذخيرة"، ج 12، ص 10.
[7] الاشتقاق: ابن فارس، المرجع السابق، مادة (علق).
[8] بصمة الباحث: التعلق هو روح العبادة، فمن فرغ قلبه من التعلق بالله، ملأه الشيطان بالتعلق بالوسائط.
[9] الاشتقاق: لسان العرب، ابن منظور، مادة (حكم).
[10] الحد: "التعريفات"، ص 14.
[11] تراجم الأعلام:
[12] تخريج الحديث: حديث معاذ بن جبل في "الصحيحين" (البخاري رقم 1395) في تقديم التوحيد على الزكاة والصلاة.
[13] نكتة عقدية: ذكر الزنا والسرقة بعد الشرك لبيان أن الشرك "قاذورات معنوية" هي أخطر من "القاذوراتء ذلك الحسية" والمظالم المادية.
------------------------&
المبحث الثامن: مركزية التوحيد وسبقه الزماني للفرائض والمحن
أولاً: نص القطعة
«خُصُوصًا إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ مَا بَعْدَهَا أَعْظَمُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَلَمْ تُفْرَضْ إِلَّا فِي لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ سَنَةَ عَشْرٍ بَعْدَ حِصَارِ الشِّعْبِ وَمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَبَعْدَ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ بِسَنَتَيْنِ؛ فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ تِلْكَ الأُمُورَ الكَثِيرَةَ وَالعَدَاوَةَ البَالِغَةَ كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَ هَذِهِ المَسْأَلَةِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَاةِ؛ رَجَوْتُ أَنْ تَعْرِفَ المَسْأَلَةَ» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الإسراء:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (س ر ي)، وأصلها يدل على السير في الليل، ومنه السَّرِيُّ وهو النهر لأنه يجري ليلاً ونهاراً [2].
الحد : «سير النبي ﷺ بجسده يقظةً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في جزء من الليل» [3].
2. الحصار:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ح ص ر)، وأصلها الضيق والمنع، والحاصِرُ هو الذي يضيق على المحصور في مكانه [4].
الحد : «مَنْعُ المحصور من التصرف والاختلاط بالغير بقصد التضييق عليه وإلجائه لأمر ما» [5].
3. الهجرة:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (هـ ج ر)، وأصلها القطيعة والترك، ومنه المهاجرة وهي الانتقال من موضع إلى موضع بترك الأول [6].
الحد : «الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام فراراً بالدين وقربةً إلى الله» [7].
4. العداوة:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ع د و)، وهي تجاوز الحد، وسُميت عداوة لأن العدو يتجاوز حد الحق إلى الظلم [8].
الحد الجامع المانع: «إضمار السوء للغير وإظهاره بالفعل أو القول لمخالفة في دين أو غرض» [9].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال استقراء هذه الوقائع التاريخية المسخرة لخدمة العقيدة، يخلص الباحث إلى ما يلي:
برهان الأولوية القصوى للتوحيد: يرى الباحث أن مكوث النبي ﷺ عشر سنوات ينذر عن الشرك قبل فرض الصلاة (وهي عماد الدين) يقطع بأن التوحيد هو أصل الأصول الذي لا يقبل الله عملاً دونه، وأن المحن التي سبقت الصلاة كانت كلها "لأجل التوحيد" لا غير.
التوحيد هو علة الصراع: يُؤصل الباحث لقاعدة أن العداوة البالغة التي واجهها النبي ﷺ في الشعب وفي الحبشة لم تكن بسبب تشريعات فقهية (صلاة، زكاة)، بل كانت بسبب "المفاصلة العقدية" وهدم معتقدات المشركين، مما يدل على أن التوحيد هو الذي يفرق بين الحق والباطل.
تلازم المحنة باليقين: استنبط الباحث أن الصلاة فُرضت في وقت اشتداد الكرب (بعد الحصار وموت الناصر)، لتكون "صلة" بالله بعد أن استقر "التوحيد" في القلوب؛ فالتوحيد يثبت القلب في المحنة، والصلاة تغذيه بالسكينة.
فهم حقيقة "الدعوة": يقرر الباحث أن من عرف أن كل هذه الأحداث العظام دارت حول "مسألة الشرك" قبل أي فرض، فقد أحاط بمقصود النبوة الأعظم، وأدرك أن كل دعوة لا تبدأ بما بدأ به النبي ﷺ فهي دعوة قاصرة الأثر.
رابعاً: الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 18.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (سري).
[3] التعريف: السفاريني، "لوامع الأنوار البهية"، ج2، ص 240.
[4] الاشتقاق: الجوهري، "الصحاح"، مادة (حصر).
[5] نكتة تاريخية: حِصار الشِّعْبِ (شعب بني هاشم) استمر ثلاث سنين، وكان الهدف منه كسر عقيدة النبي ﷺ والضغط عليه للتنازل عن التوحيد، فما زادهم إلا ثباتاً.
[6] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، ص 540.
[7] التعريف: ابن قدامة، "المغني"، ج9، ص 236.
[8] نكتة لغوية: العَدْوُ هو الجري، والعداوة هي الجري في السوء والظلم تجاه الآخر.
[9] الحد: الجرجاني، "التعريفات"، ص 148.
[10] تراجم الأعلام:
[11] تخريج الأثر: واقعة الإسراء ثابتة بالقرآن (سورة الإسراء: 1) وبالسنة المستفيضة في "الصحيحين" وغيرهما.
[12] بصمة الباحث: يُلاحظ أن الإمام ساق التواريخ بدقة (ليلة الإسراء، موت أبي طالب، حصار الشعب) ليربط بين "الزمن" و"العقيدة"، فالتاريخ الإسلامي في جوهره هو تاريخ الصراع لأجل "لا إله إلا الله".
-------------------------------&
المبحث الثاني:
منطلق العداوة والمفاصلة العقدية في الدعوة النبوية
أولاً: نص القطعة
«أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَامَ يُنْذِرُهُمْ عَنِ الشِّرْكِ بِضِدِّهِ وَهُوَ التَّوْحِيدُ؛ لَمْ يَكْرَهُوا ذَلِكَ وَاسْتَحْسَنُوهُ، وَحَدَّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِالدُّخُولِ فِيهِ، إِلَى أَنْ صَرَّحَ بِسَبِّ دِينِهِمْ وَتَجْهِيلِ عُلَمَائِهِمْ؛ فَحِينِئِذٍ شَمَّرُوا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ عَنْ سَاقِ العَدَاوَةِ، وَقَالُوا: سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَشَتَمَ آلِهَتَنَا» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. التصريح:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ص ر ح)، وهو أصل واحد يدل على الظهور والبيان، ومنه "يوم مصرح" أي لا غيم فيه [2].
الحد : «الإفصاح عن المعنى بلفظ صريح لا يحتمل التأويل ولا اللبس» [3].
2. التجهيل:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ج هـ ل)، وهو خلاف العلم، وتجهيل الشخص هو نسبته إلى الجهل ووصف فعله بالخطل [4].
الحد : «إثبات عدم العلم أو فساد التصور في حق مَن يُظن فيهم الدراية والفضل» [5].
3. التسويه (سفّه):
الاشتقاق اللغوي: من المادة (س ف هـ)، وأصلها الخفة والحركة، وسُمي السفه سفهاً لخفة العقل ونقصانه [6].
الحد : «نسبة العقل إلى الخفة والنقص لعدم وضعه الأمور في مواضعها الصحيحة» [7].
4. السب والشتم:
الاشتقاق اللغوي: (س ب): القطع، (ش ت م): كراهة الوجه، والمراد بهما هنا ذكر معبوداتهم ووصفها بما فيها من النقص والذل [8].
الحد : «وصف المعبودات الباطلة بما تستحقه من حقيقة العجز والنقص إبطالاً لألوهيتها» [9].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال التأمل في هذا المنعطف التاريخي للدعوة، يستنبط الباحث القواعد العقدية التالية:
حقيقة "المفاصلة" لا "المهادنة": يرى الباحث أن المشركين تقبلوا "فكرة" التوحيد كخيار شخصي أو إضافة فكرية، لكنهم لم يرفضوها إلا حين تضمنت "هدم" معتقدهم وتجهيل قادتهم؛ مما يقرر أن التوحيد الحق هو الذي يتضمن "الكفر بالطاغوت" كشرط لصحة "الإيمان بالله".
التلازم بين إثبات الحق وإبطال الباطل: يُؤصل الباحث لقاعدة أن الدعوة إلى الله لا تكتمل بمجرد ذكر المحاسن، بل لا بد فيها من "التصريح" ببطلان ما يضاد الحق؛ فالتوحيد "تخلية" قبل "التحلية".
تجريد مفهوم "العلم" و"العقل": يستنبط الباحث أن الموازين العقدية هي التي تحدد (العالم) و(السفيه)؛ فالمشركون رأوا تجهيل علمائهم "سفهاً"، بينما يقرر الشرع أن كل علم لا يقود لتوحيد الله هو "جهل" في حقيقته، وكل عقل لا يمنع صاحبه من عبادة الحجر هو "سفه" محض.
منطلق العداء التاريخي: يقرر الباحث أن العداء لشرع الله لا يثور غالباً إلا عند المساس بالـمُسلّمات الـمُعظّمة عند الناس (كالأكابر أو المناهج الموروثة)، وهذا يوجب على الداعية إدراك أن "الفتنة" في الدعوة قد تنشأ من الوضوح العقدي لا من مجرد الدعوة المجملة.
-----------------&
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 19.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (صرح).
[3] التعريف: الشريف الجرجاني، "التعريفات"، ص 134.
[4] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات"، ص 209.
[5] نكتة علمية: لم يكن تجهيل النبي ﷺ لعلمائهم من باب السب الشخصي، بل من باب "بيان الحقيقة"، فمن عبد غير الله فهو أجهل الجاهلين ولو قرأ الكتب.
[6] الاشتقاق: لسان العرب، ابن منظور، مادة (سفه).
[7] نكتة لغوية: سُمي الثوب رديء النسج "سفيهاً" لأنه لا يثبت، وكذا العقل الذي لا يثبت على الحق.
الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت: 1421هـ): ينظر: "شرح كشف الشبهات" ص 145.
[8] فائدة عقدية: المشركون سموا "بيان عجز آلهتهم" سباً، وهذا من قلب الحقائق، فالحقيقة أن وصف العاجز بالعجز هو محض العدل والصدق.
[9] بصمة الباحث: يُلاحظ أن الإمام استخدم لفظ "شمروا عن ساق العداوة" ليبين أن الصراع لم يعد فكرياً مجرداً، بل تحول إلى مواجهة عملية شاملة بمجرد أن مسّ التوحيدُ "ثوابت الجاهلية" ومنظومتها الفكرية.
----------------------------&
تتمة الأولي -المبحث الثاني:
مفهوم "الشتم العقدي" عند المشركين وحقيقة النفع والضر
أولاً: نص القطعة
«وَقَالُوا: سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَشَتَمَ آلِهَتَنَا. وَالمَعْلُومُ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَشْتِمْ عِيسَى وَأُمَّهُ، وَلَا المَلَائِكَةَ، وَلَا الصَّالِحِينَ؛ لَكِنْ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُمْ لَا يُدْعَوْنَ، وَلَا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ؛ جَعَلُوا ذَلِكَ شَتْمًا» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الأحلام:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ح ل م)، وأصلها يدل على ترك العجلة، والحلم هو العقل، وسُمي العقل حلماً لأنه يحلم بصاحبه (أي يمنعه) عن الطيش [2].
الحد : «القوة الذهنية التي يزن بها المرء الأمور ويفرق بها بين المصالح والمفاسد» [3].
2. عاب (العيب):
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ع ي ب)، وهو أصل واحد يدل على الوصمة في الشيء، وهو نقيض الصحة والسلامة [4].
الحد : «إظهار النقص الكامن في الشيء أو المسلك وتبيين وجوه خلله» [5].
3. النفع والضر:
الاشتقاق اللغوي: (النفع): الوصول إلى الخير والارتقاء، (الضر): خلاف النفع، وأصل الواحد يدل على الهزال والشدة.
الحد : «القدرة الذاتية على إيصال الخير أو دفع الشر وتغيير الحال بقدرة مستقلة» [6].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال هذا الموضع التاريخي الدقيق، يبرز الباحث الحقائق العقدية التالية:
المصطلحات وتغيير الحقائق: يرى الباحث أن المشركين استخدموا لفظ "الشتم" لوصف "بيان حقيقة العجز" في معبوداتهم؛ وهذا يقرر أن المشرك يرى في "تجريد التوحيد" لله إهانة لمتبوعيه، فكل دعوة لا تعطي للمخلوق نصيباً من الربوبية (بالنفع والضر) تُعد في عرفهم تنقصاً.
تجريد الربوبية عن المخلوقين: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "سلب النفع والضر" عن عيسى والملائكة والصالحين ليس "تنقصاً" من قدرهم، بل هو "محض العدل" في وصف حالهم، لأنهم عبيد مربوبون؛ فالتوحيد يضع المخلوق في رتبته الصحيحة (العبودية) والخالق في رتبته (الألوهية).
بطلان قياس "القداسة" على "الألوهية": يستنبط الباحث أن المشركين خلطوا بين "محبة الصالحين" وبين "اعتقاد النفع والضر فيهم"؛ فمن جرد النفع والضر لله فقد عاب دينهم في نظرهم، بينما هو في الحقيقة قد صان جناب التوحيد.
توصيف "السفه" الحقيقي: يقرر الباحث أن "سفه الأحلام" الحقيقي ليس في وصف العاجز بالعجز، بل في اتخاذ من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلهاً من دون الله، فالحق أبلج والباطل لجلج.
----------------------&
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 19.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (حلم).
[3] التعريف: ينظر: الجرجاني، "التعريفات"، ص 92.
[4] الاشتقاق: لسان العرب، مادة (عيب).
[5] نكتة علمية: عيبُ النبي ﷺ لدينهم لم يكن تهجماً مجرداً، بل كان "عيباً بالدليل"؛ لأن ديناً يسجد فيه العاقل للحجر هو دين معيب بالضرورة العقلية والشرعية.
[6] نكتة لغوية: يُقال "أحلام عصافير" للضعيفة، والمشركون نسبوا لأنفسهم أحلاماً (عقولاً) كبيرة، فسفّهها القرآن لعدم نفعها.
[7] تخريج الأثر: يشير هذا إلى ما ورد في السير عند نزول قوله تعالى {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}، واحتجاج ابن الزبعري بعبادة عيسى والملائكة، فبين النبي ﷺ أنهم لا يرضون بذلك. ينظر: ابن هشام، "السيرة النبوية"، ج1، ص 358.
[8] الباحث: يُلاحظ الباحث أن "شبهة المتأخرين" اليوم هي عين "شبهة المشركين" الأوائل؛ فهم يقولون: "أنتم تسبون الأولياء وتنتقصونهم حين تقولون لا يملكون نفعاً ولا ضراً"، والحقيقة أننا نصفهم بما وصفهم الله به، وصرفُ العبادة لله وحده هو قمة الاحترام لكرامة هؤلاء الصالحين الذين لم يدعوا الألوهية أبداً.
--------------------------&
المبحث الحادي عشر: مقتضيات الولاء والبراء وحقيقة استقامة الإسلام
أولاً: نص القطعة
«فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا؛ عَرَفْتَ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ إِسْلَامٌ -وَلَوْ وَحَّدَ اللهَ وَتَرَكَ الشِّرْكَ- إِلَّا بِعَدَاوَةِ المُشْرِكِينَ، وَالتَّصْرِيحِ لَهُمْ بِالعَدَاوَةِ وَالبُغْضِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...} [المجادلة: 22]» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الاستقامة:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ق و م)، وهو أصل يدل على انتصاب الشيء واعتداله، واستقام الأمر أي اعتدل وثبت على نهج واحد [2].
الحد الجامع المانع: «لزوم المنهج الحق والاعتدال في السير على مقتضى التوحيد ظاهراً وباطناً» [3].
2. البغض:
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ب غ ض)، وهو نقيض الحب، وأصله يدل على الكراهة والثقل [4].
الحد الجامع المانع: «انقباض النفس عن الشيء كراهةً له ولآثاره، وصرف الميل القلبي عنه» [5].
3. الموادّة (يُوادّون):
الاشتقاق اللغوي: من المادة (و د د)، والودُّ هو خالص الحب، والموادّة مفاعلة تقتضي وقوع الود بين طرفين [6].
الحد الجامع المانع: «تبادل المحبة القلبية والمناصرة التي تقتضي الرضا بحال المحبوب» [7].
4. المُحادّة (حادّ الله):
الاشتقاق اللغوي: من المادة (ح د د)، وأصلها المنع، والمحادّة أن يكون كل واحد من الطرفين في "حدٍّ" (جانب) غير جانب الآخر [8].
الحد الجامع المانع: «المعاداة والمشاقة والمخالفة لشرع الله ورسوله ﷺ» [9].
ثالثاً: النقول التفسيرية للآية الكريمة
1. تفسير الإمام محمد بن عبد الوهاب [10]:
يقرر الإمام أن هذه الآية هي الفيصل في حقيقة الإيمان؛ فلا يجتمع في قلب عبدٍ حب الله وحب من عاداه. ويوضح أن "الموادّة" المنفية في الآية هي التي تخدش أصل التوحيد، فالمؤمن الصادق هو من يقطع حبال المودة مع المحادّين لله ولو كانوا أقرب الأقربين [11].
2. تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي [12]:
يرى الشيخ أن الآية تخبر بامتناع اجتماع الإيمان الصادق وموادّة أعداء الله؛ لأن الإيمان يقتضي محبة الله ومحبة ما يحبه، وموادّة أعدائه تناقض ذلك تماماً. فمن ادعى الإيمان وهو يوادّ المشركين فهو كاذب في دعواه، لأن المقتضي (الإيمان) والمانع (الموادّة) لا يجتمعان [13].
3. تفسير الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين [14]:
يؤكد الشيخ أن "نفي الوجدان" في قوله {لا تجد} أبلغ من النهي المباشر؛ لأنه يدل على أن هذا الأمر غير موجود أصلاً في الفطرة الإيمانية. ويوضح أن المحادّة هي الوقوع في "حدٍّ" مضاد لشرع الله، وهذا يوجب البغض القلبي والمفاصلة العقدية [15].
رابعاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال سبر هذه الأصول العقدية، يخلص الباحث إلى ما يلي:
التوحيد "عقيدة وعمل": يرى الباحث أن استقامة الإسلام لا تكتمل بمجرد "الفعل الإيجابي" (توحيد الله) بل لا بد من "الفعل السلبي" (عداوة الشرك وأهله)؛ فالإسلام لا يقبل التجزئة بين الحب في الله والبغض فيه.
حقيقة البراء كشرط كمال وأصل: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "التصريح بالعداوة" هو مقتضى التوحيد الظاهر، فالمداهنة والسكوت عن باطل المحادّين لله تخدش في صدق الاستقامة، لأن القلب إذا امتلأ بعظمة الله لم يبقَ فيه مكان لمودة أعدائه.
المفاصلة الشعورية والعملية: يستنبط الباحث أن "البغض" المأمور به هو بغض ديني لا شخصي محض، وهو المحرك لحماية حياض التوحيد من الذوبان في المجتمعات الجاهلية أو المشركة.
تجريد الولاء لله وحده: يقرر الباحث أن من أحكم "مسألة العداوة" فقد أمن من فتنة الشبهات، لأن المحبة والموادّة هي بريد التأثر بالباطل، فكان سد هذا الباب واجباً لاستقامة الدين.
---------------------&
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 20.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (قوم).
[3] التعريف: ينظر: ابن القيم، "مدارج السالكين"، ج2، ص 104.
[4] الاشتقاق: الفيروزآبادي، "القاموس المحيط"، مادة (بغض).
[5] نكتة علمية: البغض في الله هو أوثق عرى الإيمان، لأنه دليل على غيرة القلب لربه.
[6] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات"، ص 516.
[7] التعريف: "التعريفات"، للجرجاني، ص 230.
[8] الاشتقاق: ابن منظور، "لسان العرب"، مادة (حدد).
[9] نكتة لغوية: سُمي المحادّ محادّاً لأنه جعل نفسه في حدٍّ (جهة) والله ورسوله في حدٍّ آخر.
[10] الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت: 1206هـ).
[11] المصدر: الإمام، "ثلاثة الأصول"، ضمن مجموعة التوحيد، ص 15.
[12] الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت: 1376هـ).
[13] المصدر: السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 848.
[14] تراجم الأعلام: الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت: 1421هـ).
[15] المصدر: ابن عثيمين، "تفسير القرآن الكريم - سورة المجادلة"، ص 155.
[16] الباحث: يُلاحظ الباحث أن الإمام ربط بين "استقامة الإسلام" وبين "عداوة المشركين"، ليبين أن التوحيد ليس نظرية مجردة، بل هو موقف عملي وانحياز تام لجانب الحق ضد الباطل.
----------------------------&
التتمة الثالثة -المبحث الثاني :
غربة فهم التوحيد بين أدعياء التدين
أولاً: نص القطعة
«فَإِذَا فَهِمْتَ هَذَا فَهْمًا جَيِّدًا؛ عَرَفْتَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الدِّينَ لَا يَعْرِفُونَهَا».
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الفهم:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ف هـ م)، وهو أصل واحد يدل على تصور الشيء بالقلب ومعرفته، ويُقال "فهمت كذا" أي أحطت بمعناه وجوهره [1].
الحد الجامع المانع: «تصور المعنى من اللفظ تصوراً صحيحاً يؤدي إلى امتثال العمل بمقتضاه» [2].
2. يَدَّعُون (الادعاء):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (د ع و)، وهو افتعال من الدعاء، وأصله أن ينسب المرء لنفسه ما قد يكون فيه صادقاً أو كاذباً، وغالباً ما يُطلق على ما لا برهان عليه [3].
الحد الجامع المانع: «إظهار الانتساب لشيءٍ أو وصفٍ مع خلو الحقيقة من لوازمه وأركانه الوجودية» [4].
3. الدِّين:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (د ي ن)، وهو أصل يدل على الانقياد والذل، ويأتي بمعنى الحساب والجزاء والطاعة [5].
الحد الجامع المانع: «مجموعة العقائد والأحكام والشرائع التي يتعبد بها العبد ربه انقياداً وتسليماً» [6].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال سبر أغوار هذا التقرير الدقيق، يخلص الباحث إلى النتائج العقدية التالية:
الفرق بين "الانتساب" و"التحقيق": يرى الباحث أن مجرد "ادعاء الدين" لا يستلزم بالضرورة "معرفة التوحيد"؛ فالكثيرون يلبسون لباس التدين ويفعلون الرسوم والظواهر، لكنهم يجهلون "أصل الأصول" وهو حقيقة المفاصلة بين التوحيد والشرك.
خفاء التوحيد في أزمنة الغربة: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "غربة الدين" تبدأ من خفاء المسائل العظام على المنتسبين إليه؛ فإذا كان "أدعياء الدين" يجهلون مقتضى "لا إله إلا الله" في عداوة المشركين، فإن غيرهم ممن هو دونهم أشد جهلاً وضلالاً.
أهمية الفهم الجيد (الإحكام): يستنبط الباحث أن المعرفة السطحية بالدين لا تعصم من الزلل، بل لا بد من "الفهم الجيد" الذي يربط بين العلم والواقع؛ فمن فهم التوحيد وعجز عن تنزيله على واقعه في البراءة من الشرك، ففهمه لم يبلغ رتبة "الإحكام".
تجريد المتابعة للحق لا للكثرة: يقرر الباحث أن "كثرة" المدعين للدين الجاهلين بحقيقته لا تبرر موافقتهم؛ فالحق لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف الرجال بالحق، وجهل الكثيرين بمسألة العداوة والبراء دليل على وجوب التمسك بما كان عليه الرسل الأوائل.
-------------------&
الحاشية
[1] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (فهم).
[2] الحد: الجرجاني، "التعريفات"، ص 170.
[3] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (دعو).
[4] نكتة لغوية: سُمي الادعاء "دعوى" لأن صاحبه يدعو الناس لتصديق ما ينسبه لنفسه بلا بينة.
[5] الاشتقاق: "لسان العرب"، ابن منظور، مادة (دين).
[6] الحد: ينظر: ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج10، ص 149.
[7] بصمة الباحث: يشير الباحث إلى أن الإمام هنا يضع يده على "الداء العضال" في كثير من المجتمعات؛ وهو "التدين الصوري" الذي يجمع بين الصلاة والحج وبين موالاة أعداء التوحيد أو الجهل بحقيقتهم، وهذا هو التناقض الذي حذرت منه السيرة النبوية.
---------------------------&
التتمة الرابعة من المبحث الثاني
كلفة التوحيد وبرهان الصدق العملي
أولاً: نص القطعة
«وَإِلَّا فَمَا الَّذِي حَمَلَ المُسْلِمِينَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ العَذَابِ وَالأَسْرِ وَالضَّرْبِ وَالهِجْرَةِ إِلَى الحَبَشَةِ مَعَ أَنَّهُ أَرْحَمُ النَّاسِ؟» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الصبر:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ص ب ر)، وأصله الحبس والمنع، ومنه الصبر على المصيبة أي حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى [2].
الحد الجامع المانع: «ثبات النفس عند موارد المكاره، والالتزام بأحكام الشرع حال وقوع المحن دون اضطراب أو تراجع» [3].
2. العذاب:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ع ذ ب)، وأصله النكال والعقوبة، ويُقال ماء عذب لأنه يقطع العطش، فالعذاب يقطع ما كان عليه العبد من لينة وراحة [4].
الحد الجامع المانع: «إيقاع الألم الشديد بالبدن أو النفس جزاءً على فعل أو قول يراد تركه أو الرجوع عنه» [5].
3. الأسر:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (أ س ر)، وأصله الربط والشد بالقيد، ومنه "أسرُّتُ الشيء" إذا أحكمت ربطه، وسُمي السجين أسيراً لأنه مُقيد [6].
الحد الجامع المانع: «سلب حرية المرء ومنعه من التصرف في نفسه بقوة الغلبة والقهر» [7].
4. الضرب:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ض ر ب)، وهو أصل واحد يدل على إيقاع شيء على شيء، والمراد به هنا وقع السوط أو اليد على البدن [8].
الحد الجامع المانع: «إصابة البدن بآلة توجب الألم والزجر بقصد التعذيب أو التأديب» [9].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال الربط بين غياب الفهم عند "أدعياء الدين" وبين واقع الصحابة، يخلص الباحث إلى ما يلي:
برهان "صدق المحبة" بالبلاء: يرى الباحث أن ثبات الصحابة على العذاب والأسر هو البرهان العملي على "إحكام المسألة"؛ فلو كان التوحيد مجرد كلمة تُقال دون مقتضى (العداوة والبراء)، لما احتاج المشركون لتعذيبهم، ولما احتاج الصحابة للصبر على الأذى.
التوحيد ثمنُهُ الغالي: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "تحقيق التوحيد" يتبعه بالضرورة ضريبة من الابتلاء؛ فالذين يدعون الدين اليوم ولا يعرفون هذه المسألة، لم يذوقوا طعم العداوة لأنهم لم يصادموا الباطل بحقيقة التوحيد، فغاب عنهم "فهم" لماذا عُذِّب الأولون.
كمال الرحمة والوضوح العقدي: يستنبط الباحث من تساؤل الإمام "مع أنه أرحم الناس" أن رحمة النبي ﷺ بأصحابه لم تمنعه من تكليفهم بمقتضى التوحيد الصعب؛ لأن "رحمة العقيدة" وحمايتها من الشرك مقدمة على "رحمة الأبدان" من الأذى الزائل.
غيبة "الفقه الواقعي" للسيرة: يقرر الباحث أن قراءة السيرة دون فهم "مسألة العداوة" هي قراءة باردة لا حياة فيها؛ فمن لم يعرف حقيقة ما نادى به النبي ﷺ وتصريحه بسب آلهة المشركين، سيظل متحيراً في سبب تلك العداوة البالغة والمحن العظيمة.
-----------------------------&
رابعاً: الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 20.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (صبر).
[3] الحد: ينظر: ابن القيم، "مدارج السالكين"، ج2، ص 152.
[4] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (عذب).
[5] نكتة علمية: سُمي العذاب عذاباً لأنه يمنع المعذب من العودة لما عُذب عليه، والمشركون أرادوا عذاب الصحابة ليمنعوهم من "التصريح" بالتوحيد.
[6] الاشتقاق: الفيروزآبادي، "القاموس المحيط"، مادة (أسر).
[7] الحد: الجرجاني، "التعريفات"، ص 25.
[8] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (ضرب).
[9] قلت : يشير الباحث إلى أن الفرق بين "المتدين الحقيقي" و"المدعي" يظهر عند التكليف بالبراء؛ فالأول يصبر على الأسر والضرب لأجل دينه، والثاني يبيع دينه لسلامة دنياه لعدم إحكامه لأصل المسألة.
[10] نكتة تاريخية: ذكر الإمام "الهجرة إلى الحبشة" لأنها كانت أول خروج جماعي فراراً بالدين، مما يؤكد أن المفاصلة مع المشركين بلغت حداً لم يعد معه العيش ممكناً إلا بترك الديار والأوطان.
-------------------------&
التتمة الخامسة:من المبحث الثاني
المبحث الرابع عشر: نفي الرخص في أصول التوحيد وفتنة الاستضعاف
أولاً: نص القطعة
«وَمَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْحَمُ النَّاسِ؛ لَوْ يَجِدُ لَهُمْ رُخْصَةً لَأَرْخَصَ لَهُمْ، كَيْفَ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 10]» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الرُّخصة:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ر خ ص)، وأصلها يدل على لين الشيء وسهولته بعد شدة، ويُقال رخص السعر إذا سهل شراؤه [2].
الحد الجامع المانع: «ما شرعه الله من التخفيف على المكلف في حالات خاصة لعذرٍ شرعي مع قيام السبب الموجب للحكم الأصلي» [3].
2. الأذى (أُوذي):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (أ ذ ي)، وهو أصل يدل على وصول المكروه إلى الشيء، وهو أخف من الضرر [4].
الحد الجامع المانع: «كل ما يصل إلى العبد من مكروه في بدنه أو نفسه أو ماله بسبب ثباته على الحق» [5].
3. الفتنة:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ف ت ن)، وأصلها وضع الذهب في النار لتخليصه من الشوائب، وتُطلق على الاختبار والابتلاء [6].
الحد الجامع المانع: «الاختبار الذي يظهر به حقيقة إيمان العبد من كذبه عند ورود الشبهات أو الشهوات أو المحن» [7].
ثالثاً: النقول التفسيرية للآية الكريمة
1. تفسير الإمام محمد بن عبد الوهاب [8]:
يقرر الإمام أن هذه الآية نزلت فيمن لم يصبر على أذى المشركين، فجعل ألم التعذيب والضرب (وهو فانٍ) مساوياً لعذاب الله (وهو باقٍ)، فترك التوحيد أو مقتضياته لأجل الخلاص من فتنة الناس. ويرى الإمام أن الآية تسلب اسم "الإيمان الصادق" عمن قدم سلامة بدنه على سلامة دينه عند الابتلاء [9].
2. تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي [10]:
يرى الشيخ أن هؤلاء ضعفاء الإيمان، دخلوا في الدين بكلمة اللسان، فلما جاءهم الاختبار بالأذى، لم يقووا على الصبر، فظنوا أن فتنة الناس مانعة من المضي في طريق الله، فعاملوا فتنة المخلوق معاملة عذاب الخالق في الرهبة والمنع، وهذا من أعظم الانتكاس [11].
3. تفسير الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين [12]:
يؤصل الشيخ لمسألة "التسوية الباطلة" في الآية؛ حيث سوى هذا المفتون بين ما يصيبه من البشر (وهو منقطع) وبين ما أعده الله للعاصين (وهو دائم)، ففر من ألم ساعة إلى ألم الأبد. ويوضح أن المؤمن الحق يعلم أن عذاب الله هو الذي يُحذر، أما أذى الناس فيُصبر عليه في ذات الله [13].
رابعاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال سبر هذا الموضع، يخلص الباحث إلى التأصيلات العقدية التالية:
امتناع الرخص في أصل المفاصلة: يرى الباحث أن كمال رحمة النبي ﷺ لم تسمح له بالترخيص للصحابة في ترك "العداوة والبراء" أو المداهنة؛ لأن أصل التوحيد لا يقبل الميوعة، ولأن نصوص الوحي قطعت الطريق على كل من أراد الفرار من "فتنة الناس" بالتفريط في العقيدة.
فساد الموازنة عند المفتونين: يُؤصل الباحث لقاعدة أن الانحراف العقدي يبدأ حين يرى العبد "أذى الناس" أعظم من "غضب الله"، فيجعل تخويف الخلق له حاكماً على ولائه لربه، وهذا هو حقيقة الضعف الذي ذمته الآية.
الابتلاء كاشفٌ لا مُنشئ: يستنبط الباحث أن الفتنة (الأذى) لم تكن هي السبب في ضلال هؤلاء، بل هي التي "أظهرت" ما في قلوبهم من عدم إحكام المسألة، فالشدائد هي التي تميز الموحد المحقق من المدعي المتلون.
شُمولية الانقياد للوحي: يقرر الباحث أن "الرخصة" ملك لله وحده، فإذا منعها الله في مقام الصدع بالحق، وجب على كل مدعٍ للدين أن يعلم أن طريقه محفوف بالمكاره، وأن السلامة في الثبات لا في البحث عن مخارج لم يأذن بها الشرع.
----------------------&
خامساً: الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 20.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (رخص).
[3] الحد: الجرجاني، "التعريفات"، ص 111.
[4] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (أذي).
[5] نكتة لغوية: يُسمى المطر الضعيف "أذى" لأنه يزعج ولا يضر، والمشركون مهما بلغ أذاهم فهو "أذى" منقطع لا يضر حقيقة الإيمان في القلب.
[6] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات"، مادة (فتن).
[7] الحد: ينظر: ابن القيم، "إغاثة اللهفان"، ج2، ص 160.
[8] تراجم الأعلام: سبق ذكره.
[9] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "كتاب التوحيد"، باب "من الشرك بالله أن يخاف غير الله".
[10] تراجم الأعلام: سبق ذكره.
[11] المصدر: السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 627.
[12] تراجم الأعلام: سبق ذكره.
[13] المصدر: ابن عثيمين، "تفسير القرآن الكريم - سورة العنكبوت"، ص 45.
[14] قلت : يشير الباحث إلى أن هذا الموضع هو الرد على "العقلانيين" الذين يبررون التنازل عن الثوابت العقدية بدعوى "الواقع" أو "المصلحة"، فالقرآن جعل هذا المسلك من صفات أهل النفاق والضعف لا من صفات أهل التوحيد.
-----------------------------&
تتمة السادسة : المبحث الثاني
دلالة المفهوم وغلظة الموافقة العملية للمشركين
أولاً: نص القطعة
«فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ فِي مَنْ وَافَقَهُمْ بِلِسَانِهِ؛ فَكَيْفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الموافقة:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (و ف ق)، وأصلها يدل على الملاءمة والالتقاء بين شيئين، ويُقال "وافقته" أي كان فعلي أو قولي على وفق فعله أو قوله [2].
الحد الجامع المانع: «متابعة الغير في قوله أو فعله أو معتقده، سواء كان ذلك عن قناعة أو مداراة» [3].
2. اللسان:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ل س ن)، وهو عضو النطق، ويُطلق ويراد به اللغة أو الكلام، وقوة اللسان هي الفصاحة [4].
الحد الجامع المانع: «آلة التعبير عن المعاني الذهنية والاعتقادات القلبية بنطق الحروف والمباني» [5].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال إعمال "قياس الأولى" الذي ساقه الإمام، يخلص الباحث إلى التأصيلات العقدية التالية:
خطورة "موافقة اللسان" المجردة: يرى الباحث أن مجرد النطق بما يرضي المشركين ويوافق باطلهم (خوفاً من فتنتهم) كان سبباً في نزول الوعيد الشديد؛ مما يدل على أن التوحيد يقتضي صيانة اللسان عن المداهنة في أصول الملة، فكيف بمن وافقهم بقلبه أو نصرهم بفعله؟
التدرج في غلظة الانحراف: يُؤصل الباحث لقاعدة "الاستدلال بالأدنى على الأعلى"؛ فإذا كان من جعل فتنة الناس كعذاب الله (بمجرد الموافقة اللفظية) ملوماً وموعوداً، فإن من يشارك المشركين في شعائرهم، أو يصحح مذهبهم، أو يظاهرهم على أهل التوحيد، هو أشد جرماً وأبعد عن حقيقة الإسلام بمراحل.
تجريد "التوحيد الظاهر": يستنبط الباحث أن التوحيد ليس "اعتقاداً صامتاً"، بل هو قولٌ وعمل؛ فالموافقة اللسانية للباطل تنقض كمال التوحيد الواجب وقد تنقض أصله بحسب السياق والمقصد، لأن الظاهر عنوان الباطن.
تفنيد "أعذار التملص": يقرر الباحث أن هذا التساؤل الاستنكاري {فكيف بغير ذلك} يقطع الطريق على من يتذرع بصلاح قلبه وهو يوافق المشركين في أفعالهم أو ولائهم؛ فالعقيدة التي لا تمنع اللسان عن الموافقة، لن تمنع الجوارح عن المتابعة.
------------------&
رابعاً: الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 20.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (وفق).
[3] الحد: ينظر: الجرجاني، "التعريفات"، ص 254.
[4] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (لسن).
[5] نكتة لغوية: سُمي اللسان لساناً لأنه يلحس الكلام ويُبينه، والموافقة باللسان هي "لحسٌ" لمرارة الأذى بحلاوة المداهنة الكاذبة.
[6] نكتة عقدية: استخدم الإمام أسلوب "الاستفهام الإنكاري" في قوله {فكيف بغير ذلك} لبيان أن ما هو أعظم من قول اللسان (كالنصرة أو المحبة أو الرضا) هو من باب أولى في كونه ناقضاً أو قادحاً في أصل الدين.
[7] قلت: يشير الباحث إلى أن هذه القاعدة هي مفتاح فهم "الولاء والبراء" العملي؛ فالشرع لم يعذر من وافق بلسانه فراراً من الأذى (في غير مقام الإكراه المعتبر)، فكيف بمن يوافقهم طلباً لدنيا أو جاهاً أو رغبة في مناهجهم؟
[8] تنبيه: "غير ذلك" في النص تشمل: موافقة القلب (الرضا)، وموافقة الجوارح (العمل)، والمظاهرة (النصرة)، وكلها أغلظ من مجرد قول اللسان الذي نزلت فيه آية سورة العنكبوت.
----------------------------&
المبحث الثالث
المبحث السادس عشر: فتنة "الغرانيق" وحماية الجناب النبوي من كيد الشيطان
أولاً: نص القطعة
«المَوْضِعُ الثَّالِثُ: قِصَّةُ قِرَاءَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ النَّجْمِ بِحَضْرَتِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [النجم: 19]؛ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي تِلَاوَتِهِ...» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. القصة:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ق ص ص)، وأصله تتبع الأثر، وقصصت أثره أي اتبعته، والقصة هي الخبر المقصوص لاتتباع أحداثه [2].
الحد الجامع المانع: «إيراد مجموعة من الأحداث الواقعية أو المتخيلة مرتبة زمنياً لبيان عبرة أو نقل خبر» [3].
2. الحضرة:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ح ض ر)، وهو خلاف الغيبة، والحاضرة خلاف البادية، والمراد بها هنا القرب والمشاهدة [4].
الحد الجامع المانع: «التواجد في مكان وزمان واحد بحيث يقع السماع أو الرؤية بين الأطراف» [5].
3. الإلقاء (ألقى):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ل ق ي)، وأصله طرح الشيء ورميه، ويُستعمل في القول كما في الفعل [6].
الحد الجامع المانع: «إيصال الشيء إلى الغير بسرعة وخفاء، سواء كان حساً أو معنىً» [7].
4. التلاوة:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ت ل و)، وأصله الاتباع، وسُميت القراءة تلاوة لأن القارئ يتبع الكلمات بعضها بعضاً [8].
الحد الجامع المانع: «قراءة القرآن الكريم قراءة متتابعة على الوجه المأمور به شرعاً» [9].
ثالثاً: النقول التفسيرية للآية الكريمة
1. تفسير الإمام محمد بن عبد الوهاب [10]:
يرى الإمام أن سياق الآية في سورة النجم جاء لتقريع المشركين وبيان عجز أصنامهم. ويوضح أن ما "ألقاه الشيطان" لم يكن من قول النبي ﷺ ولا مما أقره الله، بل هو فتنة أراد بها الشيطان تلبيس الأمر على المشركين ليظنوا أن النبي ﷺ مدح آلهتهم، وذلك ليصرفهم عن الحق الذي جاء به في أول السورة [11].
2. تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي [12]:
يؤكد الشيخ أن الله ذكر هذه الأصنام (اللات والعزى ومناة) لبيان أنها أسماء لمسميات معدومة النفع والضر. وأما ما يُذكر من إلقاء الشيطان، فهو من باب الابتلاء والتمحيص؛ ليتبين من يتبع الوحي المحكم ممن يتبع الشبهات التي يلقيها الشيطان في مسامع الغافلين، ثم ينسخ الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته [13].
3. تفسير الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين [14]:
يؤصل الشيخ لمسألة "العصمة النبوية"، مبيناً أن الشيطان قد يلقي في "أمنية" النبي (أي قراءته) ما ليس منها بحيث يسمعه الحاضرون، لكن الله يبطله فوراً. فالمشركون لما سمعوا ذكر آلهتهم مع ما ألقاه الشيطان، سجدوا، فظنوا أن النبي ﷺ وافقهم، والحقيقة أن الله طهر وحيه وأحكم آياته لقطع دابر الشرك [15].
رابعاً: التأصيل العقدي للباحث (حول الموضع)
من خلال سبر هذه الواقعة، يخلص الباحث إلى التأصيلات العقدية التالية:
كمال المفاصلة العقدية: يرى الباحث أن قراءة سورة النجم في نادي قريش كانت قمة الصدع بالتوحيد؛ حيث سماها الله في القرآن {أَفَرَأَيْتُمُ} وهو سؤال توبيخ وتقليل، مما يدل على أن دعوة النبي ﷺ قامت على مواجهة الأصنام في عقر دار عابديها.
كيد الشيطان لمنع التوحيد: يُؤصل الباحث لقاعدة أن الشيطان يبذل غاية جهده لـ "تمييع" المفاصلة بين الحق والباطل؛ فمحاولته إلقاء كلمات المدح (التي لم ينطق بها الرسول ﷺ) هي محاولة شيطانية لخلط التوحيد بالشرك وإيهام الناس بالتقارب.
عصمة الوحي وحفظه: يستنبط الباحث أن حماية الله لرسوله بنسخ ما ألقاه الشيطان هي دليل على أن "جناب التوحيد" محروس بالوحي، وأن الشبهات التي يثيرها أعداء الملة حول ثوابت الدين هي محض "إلقاء شيطاني" يزول بإحكام العلم.
الفرق بين "السماع" و"الاتباع": يقرر الباحث أن المشركين سجدوا لما وافق أهواءهم (بسبب إلقاء الشيطان)، وهذا ديدن أهل الضلال في كل زمان؛ يتركون المحكم من القول ويتمسكون بالشبهات العارضة ليبرروا شركهم وفساد معتقدهم.
-----------&
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (قصص).
[3] الحد: ينظر: الجرجاني، "التعريفات"، ص 176.
[4] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (حضر).
[5] نكتة لغوية: سُمي المحضر محضراً لأن الأرواح والأجسام تجتمع فيه، وحضرة النبي ﷺ كانت مجمع الهدى ومحط أنظار المشركين.
[6] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات"، مادة (لقي).
[7] الحد: "التعريفات"، ص 34.
[8] الاشتقاق: "لسان العرب"، مادة (تلو).
[9] نكتة عقدية: التلاوة الحقيقية هي التي يتبع فيها العملُ العلمَ، وليست مجرد تحريك اللسان بالكلمات.
[10] تراجم الأعلام: سبق ذكره.
[11] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "تفسير آيات من القرآن الكريم"، ص 205.
[12] تراجم الأعلام: سبق ذكره.
[13] المصدر: السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 819.
[14] تراجم الأعلام: سبق ذكره.
[15] المصدر: ابن عثيمين، "تفسير القرآن الكريم - سورة الحج"، ص 310 (عند تفسير آية: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته).
[16] قلت : يشير الباحث إلى أن هذه القصة هي أصل في "الابتلاء بالعلم"؛ فالله قد يسمح بوقوع الشبهة (بإلقاء الشيطان) ليختبر من يعبد الله على بصيرة ومن يعبده على حرف، والثبات للراسخين في إحكام المسائل.
-------------------&
التتمة الأول: من مبحث الثالث
ذريعة الشفاعة وجوهر الشرك الجاهلي
أولاً: نص القطعة
«أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي تِلَاوَتِهِ: (تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى)؛ فَظَنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهَا، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، وَقَالُوا: كَلَامًا مَعْنَاهُ: هَذَا الَّذِي نُرِيدُ، وَنَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ اللهَ هُوَ النَّافِعُ الضَّارُّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَهُ» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الغرانيق:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (غ ر ن ق)، وهو طائر أبيض طويل العنق، ويُستعمل وصفاً للشباب البيض الحسان، والمشركون استعاروا هذا الوصف لأصنامهم كناية عن علو منزلتها وجمالها [2].
الحد الجامع المانع: «وصفٌ استعاري أطلقه المشركون على أصنامهم اعتقاداً منهم في سمو مكانتها وقدرتها على الوساطة» [3].
2. الشفاعة:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ش ف ع)، وأصلها جعل الشيء شفعاً (زوجاً) بعد أن كان وتراً (فرداً)، فالشافع ينضم إلى المشفوع له ليصير معه شفعاً في طلب حاجته [4].
الحد الجامع المانع: «التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، وهي في حق الله لا تكون إلا بإذنه ولأهل توحيده» [5].
3. الارتجاء (تُرْتجى):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ر ج و)، وأصلها يدل على الأمل وتوقع حصول الخير في المستقبل [6].
الحد الجامع المانع: «تعلق القلب بحصول نفع مؤمل مع بذل السبب أو اعتقاد الصلاح في المرجو منه» [7].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال تحليل هذا المنعطف الخطير في قصة "الغرانيق"، يخلص الباحث إلى التأصيلات التالية:
حقيقة "الشرك الوسائطي": يرى الباحث أن اعتراف المشركين بأن الله هو "النافع الضار وحده" يثبت أن شركهم لم يكن في "ربوبية الله"، بل كان في "ألوهيته" باتخاذ الشفعاء؛ فهم لم يعتقدوا أن الأصنام تخلق أو ترزق، بل اعتقدوا أنها "تقربهم إلى الله زلفى".
مواطنة الشبهة بين المتقدمين والمتأخرين: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "شبهة الشفاعة" هي القاسم المشترك بين مشركي العرب وبين عباد القبور اليوم؛ فكلاهما يقول "هؤلاء شفعاؤنا"، وكلاهما يقر بتوحيد الربوبية ظاهراً وينقضه باتخاذ الوسائط.
خبث الكيد الشيطاني: يستنبط الباحث أن الشيطان اختار مدح الأصنام بلفظ "الشفاعة" و"الارتجاء"؛ لأنه يعلم أن النفس البشرية تميل للوسائط، فأراد الشيطان إيجاد "نقطة تلاقي" وهمية بين التوحيد والشرك لتمييع مفاصلة الدين.
الفرح بالباطل دليل على المرض العقدي: يقرر الباحث أن فرح المشركين بذكر آلهة بلفظ الشفاعة دليل على أنهم لم يريدوا الحق لذاته، بل أرادوا "شرعنة" ممارساتهم الوثنية، وهذا هو حال كل من يبحث في السيرة أو الوحي عما يوافق هواه وتوجهاته المنحرفة.
------------------------&
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (غرنق).
[3] نكتة لغوية: الغرانيق في الأصل طيور مائية، والمشركون شبهوا آلهتهم بها في العلو والارتفاع، زاعمين أنها تطير بدعائهم إلى الله.
[4] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (شفع).
[5] الحد: ينظر: الشريف الجرجاني، "التعريفات"، ص 126.
[6] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (رجو).
[7] قلت: يُلاحظ أن المشركين حصروا حاجتهم في "الشفاعة"، وهذا يثبت أنهم كانوا يعظمون الله في أنفسهم لدرجة اعتقادهم بضرورة "الواسطة" للوصول إليه، وهو محض الضلال الذي جاء التوحيد لهدمه.
[8] تنبيه عقدي: إثبات نفع الله وضره (توحيد الربوبية) لا يكفي للدخول في الإسلام إذا لم يُجرَّد القصد والطلب (الشفاعة) لله وحده، وهذا هو الفرق بين الموحد والمشرك.
[9] نكتة علمية: قولهم "هذا الذي نريد" يوضح أن الصراع بين النبي ﷺ وبينهم كان حول "إسقاط الوسائط"، فلما ظنوا أن الوسائط أُثبتت، توهموا زوال الخلاف.
-------------------------&
تتمة الثانية:من المبحث الثاني
التحقيق العلمي المقارن لعلل قصة "الغرانيق"
أولاً: حصر الطرق السندية للقصة
انحصرت طرق هذه القصة في أربعة مسارات رئيسية، لم يسلم واحد منها من علة قادحة:
1. طريق ابن عباس (وهو العمدة عند القائلين بها):
العلة: الانقطاع والضعف الشديد.
التفصيل: يرويه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والعلة أن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس أصلاً، فروايته عنه منقطعة. كما وردت من طريق "الكلبي" عن أبي صالح، والكلبي متروك كذاب لا يُعتد بروايته في أصل من أصول الدين.
2. طريق سعيد بن جبير:
العلة: الإرسال.
التفصيل: رواها البزار وابن جرير، وهي رواية مرسلة (سقط منها الصحابي)، والمرسل عند المحققين من قبيل الضعيف، ولا سيما في مقام "العصمة" و"الاعتقاد".
3. طريق محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس:
العلة: الإرسال المتأخر.
التفصيل: هؤلاء من التابعين، ورواياتهم مرسلة، وقد نص العلماء أن مراسيل هؤلاء لا تنهض لتقوية بعضها لأن مخرجها واحد، وقد تكون مستقاة من قصص القصاصين.
ثانياً: استخراج العلل القادحة (منهجية التحقيق)
استند العلماء في تضعيف هذه الطرق إلى ثلاث علل كبرى:
علة الاضطراب: تضطرب الروايات في "اللفظ" وفي "السياق"؛ فمرة تُذكر الغرانيق، ومرة تُذكر بلفظ آخر، مما يدل على أن الرواة لم يضبطوا أصل الخبر.
علة مخالفة الصحيح (المنكر): القصة تخالف ما ثبت في "صحيح البخاري" من حديث ابن مسعود وابن عباس (بلا ذكر الغرانيق)، حيث سجد المشركون لسطوة القرآن فقط؛ فزيادة "الغرانيق" زيادة منكرة شاذة تصادم الثابت.
علة "الوضع والتدليس": ذهب ابن حزم والقاضي عياض إلى أن هذه الزيادة من وضع الزنادقة الذين أرادوا التشكيك في نزاهة الوحي.
ثالثاً: تحقيقات الأئمة (العمل النقدي)
1. العلامة أحمد شاكر (تحقيق الأسانيد)
عمله: قام بتشريح أسانيد الطبري في تفسيره.
النتيجة: خلص إلى أن "تعدد الطرق" هنا هو تعدد "كمي لا كيفي"؛ أي أنها كثرة واهية لا يجبر بعضها بعضاً.
قوله الفصل: «هذه قصة لا أصل لها من حيث النقل، ولا يغتر بجمع الطبري لها، فإنه جمع الغث والسمين ليميزه أهل العلم».
2. المحدث الألباني (نصب المجانيق)
عمله: طبق "علم الجرح والتعديل" بدقة مذهلة على كل راوٍ في السلسلة.
النتيجة: أثبت أن القصة لم ترد من طريق واحد "متصل" (سليم من الانقطاع) إلى النبي ﷺ.
قاعدته: «الحديث المرسل لا يقوي المرسل إذا كان المتن منكراً يصادم أصول العقيدة». وأكد أن هذه القصة تهدم أصل "عصمة التبليغ".
3. المعلمي اليماني (تحقيق المتن والقرائن)
عمله: ربط بين العلل السندية واستحالة المعنى (نقد المتن).
النتيجة: أوضح المعلمي أن المشركين قوم أهل لغة وفصاحة، ومن المستحيل أن يغيب عنهم أن سورة النجم (التي تذم الأصنام) لا يمكن أن تمدحها في نفس السياق، مما يقطع بأن القصة "مركبة" وليست واقعية.
بصمته: اعتبرها من "دخيل الأخبار" التي تسربت عبر القصاصين الذين لا يميزون بين الصحيح والسقيم.
رابعاً: التأصيل العقدي للباحث (حول التحقيق)
بناءً على هذا الجهد النقدي، يخلص الباحث إلى ما يلي:
العبرة بالضبط لا بالكثرة: يرى الباحث أن كثرة الطرق المرسلة والضعيفة لا تعني ثبوت الخبر إذا كان "المنكر" قادحاً في ثوابت الدين.
حماية جناب النبوة: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "أدلة العصمة" القطعية في القرآن (مثل: {وما ينطق عن الهوى}) مقدمة على "آحاد الروايات" المنقطعة والواهية.
تفسير سجود المشركين: يستنبط الباحث أن السجود كان "قهرياً" لعظمة القرآن، وأن قصة الغرانيق كانت "مخرجاً نفسياً" للمشركين ليواروا سوأة سجودهم أمام أتباعهم.
-----------------------&
الحاشية
[1] انظر: الألباني، "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق"، ص 15-40 (تفصيل الطرق).
[2] انظر: أحمد شاكر، حاشية "تفسير الطبري"، ج17، ص 188.
[3] انظر: المعلمي، "الأنوار الكاشفة"، ص 55.
[4] فائدة: قال البزار في "مسنده": «لا يُعلم روي هذا الكلام متصلاً إلا من هذا الوجه (طريق منقطع)»، وهذا اعتراف مبكر بضعفها السندي.
[5] قلت: إن رد هذه القصة ليس مجرد دفاع عاطفي، بل هو تطبيق صارم لقواعد "مصطلح الحديث" التي تقضي برد المنكر والشاذ من الأخبار.
-----------------------------&
التتمة الثالثة:
أثر الشائعة العقدية ومآلات الموافقة الصورية
أولاً: نص القطعة
«فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ؛ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، فَشَاعَ الخَبَرُ أَنَّهُمْ صَفَوْا، وَسَمِعَ بِذَلِكَ مَنْ بِالحَبَشَةِ فَرَجَعُوا، فَلَمَّا أَنْكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ عَادُوا إِلَى شَرٍّ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. شاع (الشياع):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ش ي ع)، وأصله يدل على الانتشار والظهور، ويُقال شاع الخبر إذا ملأ الأماكن وذاع في الناس [2].
الحد الجامع المانع: «انتشار الخبر ووصوله إلى الكافة بحيث يصبح متداولاً دون التثبت من صحة مصدره» [3].
2. صفوا (الصفاء):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ص ف و)، وهو نقيض الكدر، ويُستعمل في القلوب إذا خلت من العداوة والبغضاء [4].
الحد الجامع المانع: «زوال كدر الخلاف وحصول الملاءمة والموافقة بعد جفاء وعِدًى» [5].
3. أنكر (الإنكار):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ن ك ر)، وهو نقيض العرفان، ويأتي بمعنى الجحد أو تغيير الشيء لمخالفته الحق [6].
الحد الجامع المانع: «إظهار كراهة الشيء والاعتراض عليه لكونه مخالفاً للشرع أو الحقيقة» [7].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال تحليل هذا المنعطف التاريخي، يخلص الباحث إلى النتائج العقدية التالية:
خطورة "التوحيد المشوب": يرى الباحث أن المشركين لم يرضوا (يصفوا) إلا حين ظنوا أن النبي ﷺ مَدَح آلهتهم؛ وهذا يقطع بأنهم لا يقبلون "الحق المحض"، بل يريدون ديناً مختلطاً يجمع بين عبادة الله وشرك الشفعاء، وهو ما أبطله الوحي بالإنكار.
أثر الشائعة على الثبات: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "أهل الباطل" يسعون دائماً لنشر أخبار "التنازلات الوهمية" لزعزعة صفوف الموحدين؛ فرجوع مهاجري الحبشة بناءً على خبر كاذب يوضح أن العدو يستخدم "الحرب النفسية" لتمييع المفاصلة العقدية.
المفاصلة تزيد الباطل عتواً: يستنبط الباحث أن إنكار النبي ﷺ لباطلهم والصدع بحقيقة التوحيد جعلهم يعودون "إلى شر مما كانوا عليه"؛ وهذا دليل على أن الحق إذا واجه الباطل بالوضوح، زادت شراسة أهل الضلال، وهي سُنّة الابتلاء التي لا يحيد عنها طريق الأنبياء.
بطلان "الموافقات الصورية": يقرر الباحث أن سجود المشركين لم يكن سجود إيمان، بل كان موافقة "لحظية" لما وافق أهواءهم، فلما تبيّن لهم أن النبي ﷺ لا يُقر الشرك أبداً، ارتدوا عما أظهروه، مما يثبت أن العبرة بالاستقامة على "الأصل العقدي" لا بالمواقف العاطفية العابرة.
--------------------&
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (شيع).
[3] الحد: ينظر: "التعريفات"، للجرجاني، ص 130.
[4] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (صفو).
[5] نكتة لغوية: سُمي "الصفو" صفواً لأن الماء الصافي يرى الرائي ما في قعره، والمشركون ظنوا أن ما في قلب النبي ﷺ قد انطوى على قبول آلهتهم، فكذبهم الوحي.
[6] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (نكر).
[7] الحد: الجرجاني، "التعريفات"، ص 34.
[8] بصمة الباحث: يشير الباحث إلى أن قوله "عادوا إلى شر مما كانوا عليه" هو ردٌ عملي على من ينادي اليوم بـ "التقريب" على حساب الأصول؛ فكل تقريب لا يقوم على التوحيد الخالص ينتهي بعداوة أشد وفجورٍ أعظم من أهل الباطل.
[9] نكتة تاريخية: ذكر الرجوع من الحبشة يوضح عمق المحنة؛ فقد تركوا ديارهم لثباتهم على الدين، فكان رجوعهم بسبب شائعة "الصفاء" اختباراً عظيماً لليقين، فثبت الله من ثبت وابتلى من ابتلى.
-------------------------------&
تتمة الرابعة: المبحث الثالث
الوجل النبوي من كيد الشيطان وحقيقة النسخ والإحكام
أولاً: نص القطعة
«وَلَمَّا قَالُوا لَهُ: إِنَّكَ قُلْتَ ذَلِكَ؛ خَافَ مِنَ اللهِ خَوْفًا عَظِيمًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} [الحج: 52]» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. تمنّى (الأمنية):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (م ن ي)، وأصلها يدل على التقدير والقطع، وتأتي بمعنى القراءة والتلاوة، ومنه قوله تعالى {إلا أماني} أي قراءات [2].
الحد الجامع المانع: «تلاوة آيات الله وقراءتها، أو ما يقدره المرء في نفسه من محاب يرجو وقوعها» [3].
2. النسخ (فينسخ):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ن س خ)، وأصله يدل على النقل والإزالة، ويُقال نسخت الشمسُ الظلَّ إذا أذهبته وحلت محله [4].
الحد الجامع المانع: «رفع ما ألقاه الشيطان وإبطاله وإذهاب أثره بالوحي الصادق المنزَّل من عند الله» [5].
3. الإحكام (يُحكم):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ح ك م)، وأصله المنع، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها، وإحكام الشيء إتقانه ومنع الخلل من الدخول إليه [6].
الحد الجامع المانع: «تثبيت الآيات وتقريرها على وجه الصواب واليقين بحيث لا يبقى فيها شبهة ولا اضطراب» [7].
ثالثاً: النقول التفسيرية للآية الكريمة
1. تفسير الإمام محمد بن عبد الوهاب [8]:
يوضح الإمام أن هذا الموقف يجسد أعظم مراتب "الخوف من الله" في الجناب النبوي؛ فبرغم عصمته، فزع ﷺ من توهم وقوع الزلل في بلاغ التوحيد. ويرى أن الآية نزلت تسليةً له ﷺ، وبياناً أن كيد الشيطان بالوسوسة أو الإلقاء قد وقع لمن سبقه من الرسل، لكن العاقبة دائماً هي "إبطال الباطل" و"إحكام الحق" [9].
2. تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي [10]:
يرى الشيخ أن "الأمنية" هنا هي قراءة الرسول للوحي، وأن الشيطان يلقي في تلك القراءة ما يشوش على السامعين أو يفتنهم. لكن الله "ينسخ" ذلك ببيان بطلانه، ثم "يُحكم" آياته بزيادة وضوحها، ليكون ما ألقاه الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، ونوراً وهداية للمؤمنين [11].
3. تفسير الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين [12]:
يؤصل الشيخ لمبدأ "العصمة بعد البلاغ"؛ فالله لا يُقر الشيطان على ما ألقاه أبداً، بل يُزيله بالوحي المحكم. ويوضح أن خوف النبي ﷺ كان تعظيماً لجناب الربوبية، وخشية أن يظن الناس أن للشرك نصيباً في وحي الله، فجاء التعقيب الرباني بـ "الإحكام" ليقطع دابر هذه الظنون [13].
رابعاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال تدبر هذا المقام النبوي، يخلص الباحث إلى التأصيلات التالية:
كمال العبودية في الخوف: يرى الباحث أن "الخوف العظيم" الذي اعتري النبي ﷺ هو مقتضى كمال علمه بالله؛ فالموحد المحقق لا يأمن مكر الله ولا يأمن كيد الشيطان، بل يظل وجلاً على جناب دينه ويقينه.
سُنّة الابتلاء في التبليغ: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "إلقاء الشيطان" في أمنية الرسل هو اختبار للاتباع؛ ليتبين من يتبع "المحكم" من آيات الله، ممن يتمسك بـ "الشوائب" التي يطرحها الشيطان وأهل الباطل.
إحكام التوحيد بعد الفتنة: يستنبط الباحث أن الفتنة التي أحدثها إلقاء الشيطان انتهت بقوة أعظم للحق؛ فنسخ الباطل وإحكام الآيات جعل التوحيد يبرز صافياً لا كدر فيه، وهذا يطمئن الدعاة أن مآل الشبهات هو الزوال والاندحار.
تنزيه المقام النبوي: يقرر الباحث أن خوف النبي ﷺ لم يكن عن "شك" في الحق، بل كان "غيرة" على التوحيد، وهذا يوجب على الباحث والداعية ألا يتهاون في أدنى كلمة قد تُفهم منها موافقة أهل الشرك والضلال.
خامساً: الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (مني).
[3] الحد: ينظر: الجرجاني، "التعريفات"، ص 34.
[4] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (نسخ).
[5] نكتة لغوية: سُمي الكتاب منسوخاً لأنه نُقل من أصل إلى فرع، والنسخ هنا هو "إزالة" الباطل وإحلال الحق مكانه بتمامه.
[6] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (حكم).
[7] الحد: الجرجاني، "التعريفات"، ص 15.
[8] تراجم الأعلام: سبق ذكره.
[9] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "مؤلفات الإمام - التفسير"، ص 145.
[10] تراجم الأعلام: سبق ذكره.
[11] المصدر: السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 541.
[12] تراجم الأعلام: سبق ذكره.
[13] المصدر: ابن عثيمين، "تفسير القرآن الكريم - سورة الحج"، ص 308.
[14]قلت: يُلاحظ الباحث أن التوحيد لا يستقيم إلا بـ "نفي الشبهة" و"تثبيت الحجة"؛ فالإحكام الإلهي جاء بعد الإلقاء الشيطاني ليبين أن الحق إذا ظهر زهق الباطل، وأن الخوف من موافقة المشركين (ولو خطأً) هو سِمَة الموحدين الصادقين.
----------------------&
التتمة الخامسة:من المبحث الثالث
الفارق الجوهري بين التوحيد والشرك الوسائطي
أولاً: نص القطعة
«فَمَنْ فَهِمَ هَذِهِ القِصَّةَ، ثُمَّ شَكَّ بَعْدَهَا فِي دِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دِينِ المُشْرِكِينَ؛ فَأَبْعَدَهُ اللهُ! خُصُوصًا إِنْ عَرَفَ أَنَّ قَوْلَهُمْ: (تِلْكَ الغَرَانِيقُ) يُرَادُ بِهَا المَلَائِكَةُ» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الشك:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ش ك ك)، وأصله يدل على التداخل والاضطراب، ويُقال "شككت الشيء" أي خرقته بالشكّ، وهو نقيض اليقين [2].
الحد الجامع المانع: «وقوف النفس بين أمرين متقابلين دون ترجيح أحدهما على الآخر، وهو في العقيدة مفسد للتصديق» [3].
2. التَّفريق:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ف ر ق)، وهو أصل واحد يدل على تباعد بين شيئين، والتفريق هو تمييز الأشياء بعضها عن بعض [4].
الحد الجامع المانع: «إدراك الفوارق الجوهرية بين الحق والباطل بحيث لا يلتبس أحدهما بالآخر في الذهن أو العمل» [5].
3. الإبعاد (فأبعده):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ب ع د)، وهو ضد القرب، والإبعاد هو الطرد والتنحية عن مواطن الرحمة والفضل [6].
الحد الجامع المانع: «دعاءٌ بالطرد من رحمة الله والخذلان عما ينفع العبد في دينه ودنياه» [7].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال تدبر هذا الاستنتاج الحاسم للإمام، يخلص الباحث إلى النتائج العقدية التالية:
وضوح المفاصلة العقدية: يرى الباحث أن قصة "الغرانيق" (على تقدير وقوع الفتنة بها) هي أعظم برهان على أن التوحيد لا يقبل "أنصاف الحلول"؛ فالمشركون لم يرضوا إلا بذكر آلهتهم (الملائكة) بخير، والنبي ﷺ لم يرضَ إلا بتجريد العبادة لله وحده، فمن لم يدرك هذا "الفارق" فهو غريب عن حقيقة الدين.
حقيقة "شرك الوسائط": يُؤصل الباحث لقاعدة أن شرك الأوائل لم يكن بعبادة أحجار صماء لذاتها، بل بعبادة "أرواح صالحة" (كالملائكة) يتوسلون بها إلى الله؛ فمن زعم أن الملائكة "شفعاء" يُرتجى نفعهم من دون إذن الله، فقد وقع في عين الشرك الذي حاربه النبي ﷺ.
التحذير من "التمييع العقدي": يستنبط الباحث أن الدعاء بـ "الإبعاد" لمن لم يفرق بين الدينين هو زجر شديد لكل من يحاول التقريب بين التوحيد والشرك، أو يزعم أن عباد القبور اليوم (الذين يطلبون الشفاعة من الصالحين) يختلفون في "نوع شركهم" عن مشركي قريش.
تلازم الفهم مع اليقين: يقرر الباحث أن "الفهم الجيد" للقصة يستلزم بالضرورة زوال الشك؛ لأن القصة تكشف أن الصراع التاريخي كان على "صرف العبادة"، فمن شك في ذلك بعد هذا البيان، فقد أُتِيَ من قِبل فساد بصيرته.
--------------------&
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (شكك).
[3] الحد: ينظر: الجرجاني، "التعريفات"، ص 126.
[4] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (فرق).
[5] نكتة لغوية: سُمي القرآن "فرقاناً" لأنه يفرق بين التوحيد والشرك، ومن عجز عن هذا التفريق فقد فقدَ بوصلة الفرقان.
[6] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (بعد).
[7] نكتة عقدية: قول الإمام "فأبعده الله" هو جزاءٌ من جنس العمل؛ فمن لم يباعد بين دين الرسل ودين المشركين في قلبه، استحق أن يُبعد عن توفيق الله لعدم تعظيمه لجانب التوحيد.
[8] تنبيه عقدي: إشارة الإمام إلى أن "الغرانيق" يُراد بها الملائكة هي نكتة علمية دقيقة؛ لبيان أن الشرك لا يتغير حكمه بتغير مرتبة المعبود (سواء كان ملكاً مقرباً أو حجراً)، فكل من صُرف له حق الله فهو طاغوت.
[9] قلت: يشير الباحث إلى أن هذا الموضع هو الرد القاصم على "أهل الكلام" و"المتصوفة" الذين يزعمون أن طلب الشفاعة من الصالحين ليس شركاً لأنهم لا يعتقدون فيهم الربوبية؛ فالإمام يثبت أن مشركي قريش كانوا يعتقدون الربوبية لله، ومع ذلك سماهم الله مشركين لاتخاذهم الملائكة وسائط وشفعاء.
---------------------------&
المبحث الرابع:
قصة أبي طالب ومنهج الموالاة بلا توحيد
أولاً: نص القطعة
«المَوْضِعُ الرَّابِعُ: قِصَّةُ أَبِي طَالِبٍ؛ فَمَنْ فَهِمَهَا حَسَنًا، وَتَأَمَّلَ إِقْرَارَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وَحَثَّ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَتَسْفِيهَ عُقُولِ المُشْرِكِينَ، وَمَحَبَّتَهُ لِمَنْ أَسْلَمَ وَخَلَعَ الشِّرْكَ، ثُمَّ بَذْلَ عُمْرِهِ وَمَالِهِ وَأَوْلَادِهِ وَعَشِيرَتِهِ فِي نُصْرَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ مَاتَ...» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. التَّأمل:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (أ م ل)، وأصله من الأمل وهو رجاء الشيء، والتأمل هو إعادة النظر في الشيء مرة بعد أخرى حتى يستبين له ما لم يكن ظاهراً [2].
الحد الجامع المانع: «إدامة النظر في الدليل أو الواقعة بالبصيرة القلبية لاستنباط الحقائق والمقاصد الكامنة خلف الظواهر» [3].
2. التَّسفيه:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (س ف هـ)، وأصله الخفة والاضطراب، ويُطلق على الجهل ونقص العقل، وتسفيه العقول أي نسبتها إلى السفه والضلال [4].
الحد الجامع المانع: «الحكم على أقوال الخصم أو أفعاله بالجهل والاضطراب لخروجها عن مقتضى العقل الصحيح أو النقل الصريح» [5].
3. الخَلع:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (خ ل ع)، وأصله نزع الشيء عن الشيء، كخلع الثوب أو النعل، ويُستعمل في خلع المعتقدات والأصنام [6].
الحد الجامع المانع: «التبرؤ التام والنزع القلبي والعملي لكل ما كان يُعبد من دون الله من أنداد وأوثان» [7].
4. العشيرة:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ع ش ر)، وأصلها يدل على المخالطة والمصاحبة، وسُميت العشيرة بذلك لأنهم يعاشر بعضهم بعضاً [8].
الحد الجامع المانع: «جماعة الرجل الذين يرجعون إلى أبٍ واحد، وهم أقرب الناس إليه نصرةً وملازمة» [9].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول الموضع)
من خلال سبر غور هذه الشخصية الفريدة (أبي طالب)، يخلص الباحث إلى النتائج العقدية التالية:
بطلان التوحيد بلا التزام: يرى الباحث أن "إقرار أبي طالب بالتوحيد" ومعرفته بصدق النبي ﷺ لم ينفعه عند الله؛ لأن التوحيد ليس مجرد معرفة ذهنية، بل هو انقيادٌ والتزام، فمن أقر بالحق ولم يتبعه، كان حاله كحال أبي طالب في فوات النجاة.
محبّة أهل الإسلام لا تكفي: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "محبة الموحدين" ونصرتهم بالمال والجاه والنفس هي من أعمال الخير العظيمة، لكنها "هباءٌ منثور" إذا لم تقم على أصل الدخول في الملة؛ فالعمل الصالح مهما عظم لا يُقبل من مشرك.
الفرق بين "نصرة القرابة" و"نصرة العقيدة": يستنبط الباحث أن بذل أبي طالب لعمره وعشيرته في حماية النبي ﷺ كان من باب "الحمية" والقرابة والمحبة الشخصية، لا من باب "العبودية" لله، مما يؤكد أن النصرة المعتبرة هي التي يكون الدافع إليها هو الإيمان المحض.
تجريد المتابعة من العوائق: يقرر الباحث أن قصة أبي طالب هي أعظم درس في الحذر من "العوائق الاجتماعية" (كالعشيرة والجاه)؛ فقد ضحى بكل شيء إلا "جاهه" عند قومه، فكان هذا العائق وحده كفيلاً بحرمانه من أصل الدين.
------------------&
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (أمل).
[3] الحد: ينظر: الجرجاني، "التعريفات"، ص 51.
[4] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (سفه).
[5] نكتة لغوية: سُمي المشركون "سفهاء" لأنهم تركوا عبادة الخالق العظيم وعبدوا أحجاراً لا تملك نفعاً، وهذا منتهى خفة العقل واضطرابه.
[6] الاشتقاق: "لسان العرب"، مادة (خلع).
[7] نكتة عقدية: عبّر الإمام بـ "خلع الشرك" ليبين أن الشرك كالثوب الدنس الذي يجب نزعه بالكلية ليطهر الجسد (القلب) بالتوحيد.
[8] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (عشر).
------------&
تتمة الأول: المبحث الرابع
عوائق الانقياد وحقيقة المفاصلة مع موروث الآباء
أولاً: نص القطعة
«ثُمَّ صَبْرُهُ عَلَى المَشَقَّةِ العَظِيمَةِ وَالعَدَاوَةِ البَالِغَةِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وَلَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْ دِينِهِ الأَوَّلِ؛ لَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا، مَعَ أَنَّهُ يَعْتَذِرُ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ فِيهِ مَسَبَّةً لِأَبِيهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَهَاشِمٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ المَشَايِخِ» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. المشقّة:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ش ق ق)، وأصلها يدل على انصداع الشيء، والمشقة هي العناء والجهد الذي يكاد يشق على النفس تحمله [2].
الحد الجامع المانع: «كل ما يلحق العبد من كلفة وشدة وتعب في بدن أو نفس نتيجة الثبات على موقف أو القيام بعمل» [3].
2. التَّبرؤ (يتبرأ):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ب ر أ)، وأصلها يدل على التباعد والتخلص من الشيء، ومنه برأت من المرض أي تخلصت منه [4].
الحد الجامع المانع: «الانفصال القلبي والعملي التام عن كل ما يضاد التوحيد، مع اعتقاد بطلانه وعداوة أهله في الله» [5].
3. المَسَبّة:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (س ب ب)، وأصلها يدل على القطع، والسب هو الشتم والطعن في العرض أو المنزلة لأنه يقطع الود ويجرح الكرامة [6].
الحد الجامع المانع: «كل قول أو فعل يُقصد به تنقيص الغير أو الحط من قدره أو نسبة القبح والضلال إليه» [7].
4. المشايخ:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ش ي خ)، والشيخ هو من طعن في السن وظهر عليه الشيب، وتُطلق على ذوي المكانة والقدر في القوم [8].
الحد الجامع المانع: «كبار القوم وسادتهم الذين يُرجع إلى قولهم ويُقتدى بفعالهم لمكانتهم أو سنهم أو فضلهم» [9].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال تحليل هذا الموقف التاريخي الفاصل، يخلص الباحث إلى النتائج العقدية التالية:
التوحيد "نفيٌ وإثبات": يرى الباحث أن نفي الشرك (البراءة) ركنٌ أصيل لا يتحقق الإسلام بدونه؛ فأبو طالب أثبت صدق النبي بلسانه ونصرته بيده، لكنه لما ترك "البراءة" من دين آبائه المشركين، بطل عمله ولم يصر مسلماً.
سطوة "تعظيم الأسلاف": يُؤصل الباحث لقاعدة أن "تعظيم الآباء" وخشية مسبتهم هي من أعظم الحُجب عن الحق؛ فالحق أحق أن يُتبع ولو كان فيه تخطئة للأصول والأسلاف، فالدين قيامٌ لله لا مراعاةً للأنساب.
عدم اعتبار "الأعذار الاجتماعية": يستنبط الباحث أن الاعتذار بـ "المروءة" أو "الحياء من القوم" أو "صون ذكرى المشايخ" لا يُقبل في أصول العقيدة؛ فالتوحيد يقتضي تقديم حق الخالق على كل اعتبار بشري، والاعتذار بالخلق في مقابل الخالق عين الخذلان.
ماهية الدخول في الإسلام: يقرر الباحث أن الإسلام "عقدٌ" يتطلب الدخول الكامل في الملة بترك ما سواها؛ فالمواقف المتوسطة والحلول التوفيقية التي تهدف لإرضاء الحق مع عدم المساس بالباطل لا تُنشئ إسلاماً معتبراً عند الله.
رابعاً: الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (شقق).
[3] الحد: ينظر: الجرجاني، "التعريفات"، ص 210.
[4] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (برأ).
[5] نكتة عقدية: التبرؤ هو الجانب السلبي (النفي) في "لا إله إلا الله"، وبدونه يظل العبد مُعلقاً بين الجاهلية والإسلام، وهذا حال أبي طالب.
[6] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (سبب).
[7] الحد: "التعريفات"، ص 120.
[8] الاشتقاق: "لسان العرب"، مادة (شيخ).
[9] نكتة لغوية: سُمي الشيخ شيخاً لظهور الشيب، والمشركون كانوا يعظمون مشايخهم تعظيماً يقدمونه على الوحي المنزَّل.
[10] قول الباحث: يشير الباحث إلى أن أبا طالب وقع في "فخ المقارنة" بين كرامة أبيه (عبد المطلب) وبين كرامة الوحي، فقدم أباه خجلاً، وهذا يوضح أن "الحياء" قد يكون مودةً تقود إلى النار إذا صُرف في غير موضعه ضد توحيد الله.
[9] الحد: ينظر: "التعريفات"، ص 145.
[10] قلت : يشير الشيخ رحمه الله إلى أن أبا طالب فعل ما يعجز عنه كثير من "أدعياء التدين" اليوم من حيث نصرة الحق وتسفيه الباطل وبذل المال، ومع ذلك لم يكن مسلماً؛ وهذا يضع "المعيار الحقيقي" للإسلام، وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة.
--------------&
تتمة الثانية: المبحث الرابع
حقيقة الولاء والبراء وحكم الهداية الربانية
أولاً: نص القطعة
«ثُمَّ مَعَ قَرَابَتِهِمْ وَنُصْرَتِهِ؛ اسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113]» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الِاستغفار: من مادة (غ ف ر)، وأصله السَّتر والتغطية. والحد: «طلب العبد من الله تعالى سَتْر ذنوبه وتجاوز العقوبة عنها».
2. القُرْبى: من مادة (ق ر ب)، وهو ضد البعد. والحد: «الصلة الوشيجة الناشئة عن الاشتراك في النسب والموجبة للتعاطف الجِبِلِّي».
3. التَّبيُّن: من مادة (ب ي ن)، وهو الانكشاف والظهور. والحد: «حصول العلم اليقيني بحال الشيء ومآله بناءً على القرائن القاطعة».
ثالثاً: النقول التفسيرية للآية الكريمة
1. تفسير الإمام الطبري (شيخ المفسرين):
يرى الإمام الطبري أن الآية نزلت نهياً صريحاً من الله لنبيه وللمؤمنين عن طلب العفو لمن مات على كفره. ويوضح أن "التبين" المذكور في الآية يتحقق بموت المشرك على شركه؛ فمن مات كافراً فقد تبين أنه من أصحاب الجحيم، وبذلك تنقطع كل ذريعة للاستغفار له، لأن الله قد قضى أنه لا يغفر أن يُشرك به [2].
2. تفسير الإمام ابن كثير:
يؤكد ابن كثير أن هذه الآية من أواخر ما نزل من القرآن، وهي تقرر قطع الموالاة في الآخرة. ويشير إلى أن النبي ﷺ لما قال لعمه: "لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك"، جاءت الآية لتضع حداً فاصلاً؛ فالمشرك بموته قد صار عدواً لله، والوليُّ لا يستغفر لعدوِّ ولِيِّه، وهذا من مقتضيات تمام الإيمان [3].
3. تفسير الشيخ السعدي:
يُؤصل السعدي لقاعدة أن الاستغفار للمشركين "عبثٌ" لا فائدة منه، بل هو مخالفة لأمر الله؛ لأن المشرك ليس أهلاً للمغفرة. ويوضح أن الرحمة التي في قلب المؤمن بقرابته المشركين يجب أن تتوقف عند حدود الالتزام بعظمة الله وعدله، فإذا تبين مآلهم بالنص أو الموت انقطع الرجاء [4].
رابعاً: تفصيل أقسام الهداية والفرق بينهما
يرى الباحث أن هذه القصة هي الميدان التطبيقي للتمييز بين نوعي الهداية:
هداية الدلالة والإرشاد (هداية البيان): وهي تبيين الحق بالدليل، وهي وظيفة الرسل والعلماء، وثابتة للنبي ﷺ في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي}. وقد بذلها النبي ﷺ لعمه حتى لحظة الوفاة.
هداية التوفيق والتسديد (هداية الخلق): وهي قذف الإيمان في القلب، وهي ملك لله وحده، ومنفية عن النبي ﷺ في قوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}. وحرمان أبي طالب منها كان لحكمة إلهية برغم قرب منبع الإرشاد منه.
خامساً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
انقطاع الولاية بموت المشرك: يرى الباحث أن النهي عن الاستغفار يُؤصل لقاعدة أن الرابطة العقدية مقدمة على الرابطة الطينية؛ فبمجرد ثبوت موت العبد على الشرك، تنقطع كل العلائق الشرعية لطلب الرحمة له.
انضباط العاطفة بالوحي: يستنبط الباحث أن فعل النبي ﷺ (الاستغفار لعمه) كان منزعاً بشرياً وفاءً له، لكن الوحي جاء ليُهذب هذه العاطفة ويجعلها منضبطة بحدود "الولاء والبراء".
الهداية فضلٌ إلهي: يقرر الباحث أن حرمان أبي طالب من التوفيق هو أعظم زاجر للعبد ألا يركن لصلاحه أو صحبة الأخيار، بل يفتقر لله بسؤال الثبات، فالهداية بيد مقلب القلوب سبحانه.
---------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 21.
[2] الطبري، "جامع البيان"، ج14، ص 519.
[3] ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج4، ص 220.
[4] السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 353.
[5] قلت: يشير الشيخ رحمه الله إلى أن هذه الآية حسمت مسألة "العاطفة العقدية"؛ فلا نصرة دنيوية تبيح تجاوز حدود الله فيمن مات مشركاً.
------------------&
تتمة الثالثة: المبحث الرابع
تحرير مسألة الهداية
(أنواعها، قواعدها، وضوابطها)
أولاً: تعريف الهداية لغةً واصطلاحاً
- اللغة: من مادة (هـ د ي)، وهو أصل يدل على الإمالة والإرشاد، والهداية هي الدلالة بلطف إلى ما يوصل للمطلوب [1].
- الاصطلاح: «إرشاد العبد إلى طريق الحق، وتوفيقه لسلوكه، وتثبيته عليه حتى الممات» [2].
ثانياً: أقسام الهداية وتحرير مواضعها
تنقسم الهداية في الوحيين إلى أربعة أنواع رئيسية، يترتب بعضها على بعض:
1. الهداية العامة (هداية الدلالة الكونية):
وهي الهداية التي تشترك فيها جميع المخلوقات لما يصلحها في معاشها وبقائها، ومنها قوله تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] [3].
2. هداية الدلالة والإرشاد (هداية البيان):
- مضمونها: إيضاح طريق الحق، والتحذير من الباطل بالأدلة والبراهين.
- حكمها: هذه الهداية ثابتة للرسل والأنبياء وأتباعهم من العلماء، وهي شرط لإقامة الحجة على العباد، ومنها قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52].
- الضابط: لا يلزم من هذه الهداية استجابة المهدي، فقد يُهدى العبد إرشاداً ويكفر، كقوله تعالى في ثمود: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17].
3. هداية التوفيق والتسديد (هداية القبول):
- مضمونها: خلق القدرة والإرادة في قلب العبد للإيمان، وجعله منقاداً للحق طوعاً ومحبة.
- حكمها: هذه الهداية منفية عن البشر ومستحيلة في حقهم، وهي محضُ فضل لله وحده، ومنها قوله تعالى لنبيه ﷺ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56].
- الضابط: هذه هي الهداية المستلزمة للعمل، ولا تكون إلا لمن سبقت له من الله الحسنى.
4. الهداية في الآخرة (إلى الجنة أو النار):
وهي مآل الهدايتين السابقتين في الدنيا، كما في قوله تعالى عن أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43]، وعن أهل النار: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 23].
ثالثاً: القواعد الضابطة لمسألة الهداية
لضبط هذه المسألة عقديًا، يجب استحضار القواعد التالية:
- قاعدة "تلازم الهدايتين": لا يدخل العبد الجنة إلا باجتماع هداية الإرشاد (البلاغ) مع هداية التوفيق (العمل)، فالأولى حجة الله على العبد، والثانية فضل الله على العبد.
- قاعدة "الهداية جزاء الهداية": من استجاب لهداية الإرشاد وعمل بمقتضاها، كافأه الله بهداية التوفيق وزيادة الهدى، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17].
- قاعدة "العدل في المنع والفضل في العطاء": الله يهدي توفيقاً بفضله، ويضل عدلاً؛ فمن منعه هداية التوفيق فإنما ذلك لظلم العبد وإعراضه، لقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5].
- قاعدة "السببية والقدر": هداية الإرشاد "سبب"، وهداية التوفيق "قَدَر"؛ والمؤمن يطلب السبب (يتعلم ويسمع) ويفزع إلى صاحب القدر (يدعو: اهدنا الصراط المستقيم).
رابعاً: قول الباحث (حول التحرير)
يخلص الباحث إلى أن الفرق الجوهري الذي يضبط المسألة هو: أن هداية الإرشاد هي "بيان الطريق"، بينما هداية التوفيق هي "الإعانة على المسير". وإن أعظم ثمرات هذا التحرير هو قطع الطريق على "الجبرية" الذين سلبوا العبد قدرته، و"القدرية" الذين جعلوا الهداية بغير مشيئة الله، والتحقيق أن الله أرشد الكل بفضله، ووفق من يشاء برحمته، وأضل من يشاء بعدله.
------------------&
الحاشية
[1] ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (هدي).
[2] الجرجاني، "التعريفات"، ص 257.
[3] ابن القيم، "مدارج السالكين"، ج1، ص 12 (تحرير أنواع الهداية).
[4] ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج8، ص 461 (الكلام على قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت).
[5] السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 619.
-------------------------------&التتمة الرابعة: المبحث الرابع
قياس الأولى وفساد المعايير في دعوى التدين
أولاً: نص القطعة
«وَالَّذِي يُبَيِّنُ هَذَا: أَنَّهُ إِذَا عُرِفَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ أَوِ الأَحْسَاءِ بِحُبِّ الدِّينِ وَبِحُبِّ المُسْلِمِينَ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْصُرِ الدِّينَ بِيَدٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا لَهُ مِنَ الأَعْذَارِ مِثْلُ مَا لِأَبِي طَالِبٍ؛ وَفَهِمَ الوَاقِعَ مِنْ أَكْثَرِ مَنْ يَدَّعِي الدِّينَ، تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى مِنَ الضَّلَالِ، وَعَرَفَ سُوءَ الأَفْهَامِ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الوَاقِع:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (و ق ع)، وأصله نزول الشيء وسقوطه، ويُطلق على الحاصل والموجود فعلاً في حياة الناس [2].
الحد الجامع المانع: «مجموع الأحوال والظروف القائمة التي يعيشها الناس وتُقاس عليها صحة الدعاوى من كذبها» [3].
2. يَدَّعِي (الدعوى):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (د ع و)، وأصلها الطلب، والادعاء هو قول المرء لنفسه ما يُحتاج فيه إلى بينة [4].
الحد الجامع المانع: «إظهار المرء صفة أو فضيلة في نفسه (كالدين أو الإيمان) دون وجود حقيقة عملية تصدقها» [5].
3. سُوء الأفهام:
الاشتقاق اللغوي: الفهم من مادة (ف هـ م)، وهو تصور المعنى، والسوء هو القبح والفساد.
الحد الجامع المانع: «قصور العقل عن إدراك الحقائق الشرعية على وجهها الصحيح، أو تنزيل الأحكام على غير محالها» [6].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال إعمال الإمام لـ "قياس الأولى" والموازنة بين حال أبي طالب وحال أدعياء التدين، يخلص الباحث إلى ما يلي:
تهافت دعوى "الحب المجرد": يرى الباحث أن مجرد "حب الدين" أو "حب المسلمين" لا ينجي صاحبه من وصف الضلال إذا لم يقترن بالانقياد الصادق؛ فإذا كان أبو طالب برغم نصرته العظيمة بالمال والجاه والنفس لم يُحسب مسلماً، فكيف بمن يدعي الحب وهو "قاعدٌ" لا ينصر الدين بكلمة ولا فعل؟
كشف حقيقة "أدعياء التدين": يُؤصل الباحث لقاعدة أن العبرة بـ "الحقائق" لا بـ "المسميات"؛ فكثير من الناس في زمن الإمام (وحتى اليوم) يظنون أنفسهم على هدى لمجرد ميل عاطفي للدين، وهم أبعد ما يكونون عن أصل التوحيد والبراءة من الشرك، بينما أبو طالب كان أصدق منهم نصرةً ومع ذلك حُكم عليه بالضلال.
فساد الموازين عند المتأخرين: يستنبط الباحث أن "سوء الفهم" الذي أشار إليه الإمام هو ظن الناس أن مجرد معرفة الحق كافية للنجاة؛ وهذا هو عين مذهب "المرجئة" الذي هدمه الإمام بواقعة أبي طالب، مبيناً أن ترك الشرك والبراءة منه هو "المعيار الوحيد" للإسلام.
الواقع كاشفٌ للمناهج: يقرر الباحث أن فهم "الواقع" بمنظار "السيرة" يُبين الهدى من الضلال؛ فمن رأى نصرة أبي طالب ثم رأى نهايته، أدرك أن الدين ثباتٌ على التوحيد لا مجرد عواطف ومواقف اجتماعية.
------------------&
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (وقع).
[3] الحد: ينظر: الجرجاني، "التعريفات"، ص 251.
[4] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات"، مادة (دعو).
[5] نكتة لغوية: سُميت الدعوى دعوى لأن صاحبها "يدعو" الناس لتصديقه، والبينة هي التي "تقطع" هذا الدعاء أو تثبته.
[6] نكتة عقدية: فساد الفهم في "أصل الدين" هو أخطر أنواع السوء، لأنه يؤدي بالمرء إلى النار وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.
[7] تحقيق مكاني: ذكر الإمام لـ "أهل البصرة والأحساء" هو لضرب المثال بمن قد يعرف الحق ويميل إليه بقلبه لكنه يظل غارقاً في بيئة الشرك أو البدعة دون مفاصلة حقيقية.
[8] قلت : يشير الباحث إلى أن الإمام أراد بهذا الموضع نسف "الطمأنينة الكاذبة"؛ فإذا كان المطالبون بالتوحيد (كأبي طالب) قد هلكوا لتركهم "كلمة واحدة" وترك "البراءة"، فما ظنُّ من يدعي الدين وهو يمارس الشرك أو يسكت عنه؟ هذا هو الفهم الذي استعان الإمام بالله على إيصاله.
------------------&
المبحث الخامس:
قصة الهجرة ومكامن الفقه الغائب عن الأفهام
أولاً: نص القطعة
«المَوْضِعُ الخَامِسُ: قِصَّةُ الهِجْرَةِ، وَفِيهَا مِنَ الفَوَائِدِ وَالعِبَرِ مَا لَا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ مَنْ قَرَأَهَا» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الهِجْرَة:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (هـ ج ر)، وأصله يدل على القطع والترك، ويُقال هجر بلده إذا فارقه وانتقل عنه [2].
الحد الجامع المانع: «الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام فراراً بالدين، أو ترك ما نهى الله عنه جملةً وتفصيلاً» [3].
2. الفَوَائِد:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ف ي د)، والفائدة هي ما يستفيده الإنسان من عِلْم أو مال، وأصلها ما يُنتج ويُحصد من النفع [4].
الحد الجامع المانع: «كل حكم مستنبط أو معرفة مستجدة تزيد العبد بصيرة في دينه أو صلاحاً في دنياه» [5].
3. العِبَر:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ع ب ر)، وأصله تجاوز الشيء من حال إلى حال، ومنه "العبور" و"العبرة" لأن الرائي ينفذ منها من ظاهر الأمر إلى باطنه [6].
الحد الجامع المانع: «الاعتبار بالوقائع السابقة لربطها بالحاضر، واستخراج المواعظ التي تمنع من الوقوع في الزلل» [7].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول الموضع)
من خلال إشارة الإمام إلى "الفوائد الغائبة" في قصة الهجرة، يخلص الباحث إلى التأصيلات التالية:
الهجرة مقتضى المفاصلة العقدية: يرى الباحث أن الهجرة لم تكن مجرد "هروب من الأذى"، بل كانت "إعلاناً للمفاصلة"؛ فالموحد لا يستقيم له عيش تحت ظل الشرك إذا عجز عن إظهار دينه، مما يثبت أن الأرض تضيق بغير الموحدين مهما اتسعت.
الفقه الغائب في "الولاء والبراء": يُؤصل الباحث لقاعدة أن "أكثر من قرأ القصة" يظنها أحداثاً تاريخية (غار وصحبة)، بينما حقيقتها تكمن في ترك المحبوبات (الوطن والأهل) من أجل "المحبوب الأعظم" وهو التوحيد، وهذا هو اللب الذي يغفله الكثيرون.
الهجرة وسيلة لإقامة الدين: يستنبط الباحث أن الغاية من الهجرة هي الانتقال من "ضعف البلاغ" إلى "قوة التمكين"؛ فالموحد يهاجر ليقيم مجتمع التوحيد، لا ليعيش منفرداً، وهذا يربط بين حركة الجسد وحركة العقيدة.
تجديد مفهوم "الغربة": يقرر الباحث أن الهجرة تجسد مفهوم "الغربة الثانية"؛ حيث يترك العبد مألوفاته ليوافق ربه، وهذا الفقه هو الذي عناه الإمام بقوله "ما لا يعرفه أكثر من قرأها"، حيث استبدل الناس فقه التضحية بفقه الحكايات.
رابعاً: الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (هجر).
[3] الحد: ينظر: الجرجاني، "التعريفات"، ص 255.
[4] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (فيد).
[5] نكتة لغوية: الفائدة سُميت فائدة لأنها "تفيد" أي تزيد، والتوحيد هو أعظم فائدة تُستخلص من سير الأنبياء.
[6] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (عبر).
[7] الحد: "التعريفات"، ص 146.
[8] نكتة عقدية: العبرة من الهجرة هي "عُبور" القلب من محبة الوطن إذا عارض محبة الله، إلى محبة الله ولو في بلاد الغربة.
[9] قلت: أن الإمام أراد تحويل "السيرة" من مادة "تاريخية باردة" إلى "مادة عقدية حية"؛ فالهجرة درس في أن العقيدة لا تقبل الزحام، وأن الموحد إذا ضاق به المكان اتسع له أمر الله، وهذا هو الفهم الذي استعصى على الكثيرين.
-----------------&
التتمة الأولى: المبحث الخامس
تحرير مسألة الهجرة (حدودها، تقسيماتها، وضوابطها)
أولاً: التحقيق اللغوي والحد الجامع المانع
1. التحقيق اللغوي:
تأتي "الهجرة" من مادة (هـ ج ر)، وأصلها يدل على القطع والترك. والهجر ضد الوصل. ويُقال: هجر الشيء هجراً وهجراناً، أي تركه وأعرض عنه. ومنه "المهاجرة" من أرض إلى أرض؛ لأنه قطع صِلته بالأولى واتصل بالثانية [1].
2. الحد الجامع المانع (اصطلاحاً):
«فراق دار الكفر أو المعصية، إلى دار الإسلام أو الطاعة، ابتغاء وجه الله، مع قطع علائق الموالاة لأعدائه» [2].
شرح الحد: قوله (فراق) يشمل المفارقة بالبدن والقلب. وقوله (ابتغاء وجه الله) يخرج هجرة الدنيا أو المصالح الشخصية. وقوله (قطع علائق الموالاة) هو الركن الركين في الهجرة العقدية.
ثانياً: تقسيمات الهجرة عند العلماء
قسم العلماء الهجرة من حيث الحكم والموضوع إلى عدة أقسام رئيسية:
1. الهجرة من حيث "المحل" (مكانية ومعنوية):
الهجرة الخارجية (المكانية): وهي الانتقال بالبدن من بلاد الكفر التي لا يقدر فيها المسلم على إظهار دينه وتوحيده إلى بلاد الإسلام. وهي باقية ما بقي الجهاد والكفر [3].
الهجرة الداخلية (المعنوية/ القلبية): وهي هجرة الذنوب والمعاصي وأهل البدع، ومنه قوله ﷺ: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» [4]. وتُسمى أيضاً "هجرة إلى الله بالعبودية" و"هجرة إلى الرسول ﷺ بالمتابعة".
2. الهجرة من حيث "الحكم" (واجبة ومستحبة):
الهجرة الواجبة: على كل من عجز عن إظهار دينه، أو خاف على دينه من الفتنة في دار الكفر وهو قادر على الانتقال.
الهجرة المستحبة: لمن كان قادراً على إظهار دينه في دار الكفر، لكنه يهاجر تكثيراً لسواد المسلمين أو طلباً للعلم أو فراراً من بيئة المعصية.
3. الهجرة من حيث "التاريخ" (خاصة وعامة):
الهجرة الخاصة: وهي الهجرة إلى المدينة المنورة قبل فتح مكة، وهذه التي انقطعت بقوله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية».
الهجرة العامة: وهي باقية إلى قيام الساعة، وهي الانتقال من كل دار كفر إلى دار إسلام.
ثالثاً: فوائد الهجرة (مما يغفل عنه أكثر الناس)
كما أشار الإمام في "المواضع الستة"، فإن للهجرة فوائد عقدية دقيقة، منها:
تحقيق التوحيد العملي: الهجرة برهان صدق على أن محبة الله في قلب الموحد أعظم من محبته لوطنه وأهله وماله.
المفاصلة الكلية: لا تتم الهجرة إلا بترك الموالاة؛ فمن هاجر ببدنه وبقي قلبه معلقاً بموالاة المشركين لم يحقق مقصود الهجرة الشرعي.
التمكين للدين: الهجرة هي الجسر بين مرحلة "الاستضعاف" ومرحلة "البناء والدولة"؛ فالموحد يهاجر ليجد في الأرض "مراغماً كثيراً وسعة" لإقامة شعائر الله.
تطهير الصف المؤمن: الهجرة تفرز الصادقين من المنافقين، والمستعدين للتضحية من الملتصقين بالأرض والشهوات.
رابعاً: قواعد وضوابط في الهجرة
ضابط "إظهار الدين": المدار في وجوب الهجرة المكانية هو "إظهار الدين"؛ والمراد به إظهار التوحيد والبراءة من الشرك، وليس مجرد أداء الصلاة والصيام.
قاعدة "المشقة تجلب التيسير": تُسقط الهجرة عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، مع بقاء "هجرة القلب" واجبة عليهم.
قاعدة "الترك والطلب": الهجرة ليست مجرد "هروب" (ترك)، بل هي "قصد" (طلب) لمرضاة الله، فمن كان تركه للوطن لغير الله فليس بمهاجر.
خامساً: قول الباحث (حول التحرير)
يخلص الباحث إلى أن الهجرة في حقيقتها هي "حركة عقيدة" قبل أن تكون "انتقال أبدان"؛ فالعبرة ليست بقطع المسافات، بل بقطع العلائق الجاهلية. وإن إغفال الناس لهذه الفوائد جعلهم يظنون الهجرة مجرد ذكرى تاريخية، بينما هي فريضة قلبية دائمة، وضرورة مكانية قائمة لمن حيل بينه وبين التوحيد في أرضه.
--------&
الحاشية
[1] ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (هجر).
[2] ينظر: "التعريفات" للجرجاني، ص 255، و"المفردات" للأصفهاني.
[3] ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج18، ص 280 (تفصيل حكم الهجرة).
[4] أخرجه البخاري، حديث رقم (10).
[5] ابن القيم، "طريق الهجرتين وباب السعادتين"، ص 15 (تحرير الهجرة إلى الله ورسوله).
----------------------&
التتمة الثانية: المبحث الخامس
فتنة الاستضعاف وحكم "المؤلف بوطنه"
أولاً: نص القطعة
«وَلَكِنَّ مُرَادَنَا الآنَ مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِهَا؛ وَهِيَ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِي الدِّينِ وَتَزْيِينِ دِينِ المُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ مَحَبَّةً لِلْأَهْلِ وَالمَالِ وَالوَطَنِ، فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ كَارِهِينَ، فَقُتِلَ بَعْضُهُمْ بِالرَّمْيِ، وَالرَّمْيُ لَا يُعْرَفُ [الْمَقْتُولُ بِهِ]» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. التَّزيين:
- الاشتقاق اللغوي: من مادة (ز ي ن)، وهو نقيض الشين، والتزيين هو تحسين الشيء وإظهاره بمظهر جميل ليرغب فيه الرائي [2].
- الحد الجامع المانع: «تصوير الباطل في صورة الحق، أو تحسين أفعال المشركين وعقائدهم بالقول أو السكوت المقرّ» [3].
2. الوَطَن:
- الاشتقاق اللغوي: من مادة (و ط ن)، وهو مكان إقامة الإنسان ومقره الذي يألفه ويستوطنه [4].
- الحد الجامع المانع: «الأرض التي ينتمي إليها العبد بالنشأة والسكنى، والتي تميل إليها النفس جِبِلَّةً» [5].
3. كارهين (الكُره):
- الاشتقاق اللغوي: من مادة (ك ر هـ)، وهو نقيض الرضا والمحبة، ويُطلق على فعل الشيء تحت ضغط أو ضيق نفس [6].
- الحد الجامع المانع: «وقوع الفعل من العبد مع عدم انشراح الصدر به، سواء كان ذلك بضغط خارجي أو اضطرار باطني» [7].
4. الرَّمْي:
- الاشتقاق اللغوي: من مادة (ر م ي)، وهو قذف الشيء باليد أو بآلة كالسهم أو الحجر [8].
- الحد الجامع المانع: «إصابة الهدف عن بُعد بآلة قاذفة، بحيث لا يتمكن الرامي من تمييز شخص المرمي في الغالب» [9].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال تحليل هذا النموذج الذي ساقه الإمام، يخلص الباحث إلى التأصيلات التالية:
- خطورة "التوحيد بلا هجرة": يرى الباحث أن مجرد "صحة المعتقد" وعدم الشك في الدين لا يكفي للنجاة إذا لم يقترن بالعمل والمفاصلة؛ فهؤلاء القوم كانوا موحدين بقلوبهم، لكنهم لما تركوا "فريضة الهجرة" حباً في الدنيا، وقعوا في شَرَكِ المشركين.
- الدنيا أعظم عوائق التوحيد: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "الأهل والمال والوطن" هي الثالوث الذي يُبتلى به الموحد؛ فمن قدمها على أمر الله في الهجرة، فقد عرض دينه للزوال، وحشر نفسه في صفوف أهل الضلال.
- بطلان "الإكراه غير الملجئ": يستنبط الباحث أن خروجهم "كارهين" مع المشركين لم يعذرهم عند الله؛ لأنهم هم الذين وضعوا أنفسهم في هذا الموضع بتركهم للهجرة أولاً، فالكراهية القلبية لا تنفع إذا كان الفعل الظاهر هو "تكثير سواد المشركين".
- الموت على غير طاعة: يقرر الباحث أن الموت "بالرمي" في صف المشركين هو من سوء الخاتمة عياذاً بالله؛ لأن الرامي من جيش المسلمين لا يميزهم، فيعاملهم معاملة الكفار، وهذا مآل من جالس أهل الباطل ولم يباينهم.
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (زين).
[3] الحد: ينظر: الجرجاني، "التعريفات"، ص 65.
[4] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (وطن).
[5] نكتة لغوية: سُمي الموطن موطناً لأن النفس "تطؤه" وتألفه، والموحد الصادق موطنه الحقيقي حيث يُعبد الله وحده.
[6] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (كره).
[7] الحد: الجرجاني، "التعريفات"، ص 184.
[8] الاشتقاق: "لسان العرب"، مادة (رمي).
[9] نكتة عقدية: ذكر "الرمي" هنا إشارة إلى أنهم قُتلوا بسيوف إخوانهم المسلمين، وهذا من أعظم ثمرات ترك المفاصلة؛ أن يُقتل الموحد بيد أخيه لأنه لم يتميز عن عدوه.
[10] قلت : إن الإمام أراد بهذا المثال نسف حجة من يقول: "أنا مؤمن بقلبي وأحب المسلمين" وهو مقيم بين أهل الشرك يكثر سوادهم ويخضع لقوانينهم؛ فالعبرة بالانحياز التام لصف الإيمان، وإلا فإن "الرمي" لا يعرف أحداً.
--------------------------&
التتمة الثالثة: المبحث الثالثحكم الله الفاصل في "مُكثري سواد المشركين"
أولاً: نص القطعة
«فَلَمَّا سَمِعَ الصَّحَابَةُ أَنَّ مِنَ القَتْلَى فُلَانًا وَفُلَانًا شَقَّ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: قَتَلْنَا إِخْوَانَنَا! فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 97-100]» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. شقَّ عليهم (المشقّة):
- الاشتقاق اللغوي: من مادة (ش ق ق)، وأصله الانصداع، ويُقال شقَّ عليه الأمر إذا ثقل عليه وعجز عن احتماله لشدة وقعه على النفس [2].
- الحد الجامع المانع: «حصول ضيق وحزن شديد في النفس نتيجة وقوع مكروه لا طاقة للقلب بصرفه أو استيعابه» [3].
2. ظالمي أنفسهم (الظلم):
- الاشتقاق اللغوي: من مادة (ظ ل م)، وأصله وضع الشيء في غير موضعه، وهو نقيض العدل [4].
- الحد الجامع المانع: «تجاوز حدود الله بارتكاب المعاصي أو ترك الواجبات (كالهجرة)، مما يعرض النفس لسخط الله وعقابه» [5].
3. تَوَفَّاهم (التوفي):
- الاشتقاق اللغوي: من مادة (و ف ي)، وهو استيفاء الشيء بتمامه، والمقصود هنا قبض الأرواح عند انتهاء الأجل [6].
- الحد الجامع المانع: «انقطاع تعلق الروح بالبدن بإذن الله وقبض الملائكة لها، للانتقال من دار الدنيا إلى دار الجزاء» [7].
ثالثاً: النقول التفسيرية للآيات الكريمة
1. تفسير الإمام ابن كثير:
يوضح ابن كثير أن هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وغير متمكن من إقامة دينه، فهو ظالم لنفسه مرتكب لمحرم بالإجماع. ويذكر أن سبب نزولها كان في أولئك الذين خرجوا مع المشركين في بدر، فجاء الوعيد مبيناً أن عذرهم (بالإقامة للأهل والمال) غير مقبول عند الله [8].
2. تفسير الإمام الطبري:
يؤكد الطبري أن الملائكة سألت هؤلاء عند الموت: {فِيمَ كُنْتُمْ}؟ أي في أي فريق كنتم؟ فاعتذروا بالاستضعاف، فردت الملائكة بأن أرض الله واسعة. ويستنبط الطبري من ذلك أن ترك الهجرة مع القدرة عليها يُبطل عذر الاستضعاف الصوري، ويجعل صاحبه في حكم الظالم لنفسه [9].
3. تفسير الشيخ السعدي:
يرى السعدي أن هذه الآية تدل على وجوب الهجرة، وأن الوعيد بـ "مأواهم جهنم" يشمل من تركها رغبة في الدنيا لا عجزاً حقيقياً. ثم استثنى الله المستضعفين حقاً الذين لا يستطيعون حيلة، وهذا من رحمة الله وعدله [10].
رابعاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
- حكم "التبعية الظاهرة" للمشركين: يرى الباحث أن نداء الصحابة بلفظ "إخواننا" كان بناءً على "أصل الإيمان" الذي يعرفونه عنهم، لكن الوحي جاء ليقرر أن "المتابعة الظاهرة" للكفار في الحرب وتكثير سوادهم ترفع عنهم عصمة الدماء وتجلب عليهم سخط الله، مما يؤكد أن الموالاة العملية تهدم أثر الإيمان القلبي في الدنيا.
- بطلان الاعتذار بالبيئة والمال: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "سعة أرض الله" حجة قائمة على كل من يدعي العجز؛ فمن قدر على الانتقال ببدنه ولم يفعل إبقاءً على دنياه، فقد ظلم نفسه ظلماً يوبق آخرته، ولا يُقبل منه صرفٌ ولا عدل.
- الشفقة البشرية لا تغير الأحكام: يستنبط الباحث أن حزن الصحابة على قتل هؤلاء (وهو عاطفة جبلية) لم يغير الحكم الإلهي بكونهم "ظالمي أنفسهم"؛ فالشرع مقدم على العواطف، والحق أحق أن يُتبع.
- منزلة المستضعف الحقيقي: يقرر الباحث أن الاستثناء الرباني لـ "المستضعفين" هو الضابط الشرعي الوحيد؛ فكل عذر لا يدخل في "عدم الاستطاعة" هو عذر داحض عند الله، مما يوجب على المسلم الحذر من خداع نفسه بالأعذار الواهية.
خامساً: الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (شقق).
[3] الحد: الجرجاني، "التعريفات"، ص 210.
[4] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات"، مادة (ظلم).
[5] نكتة عقدية: سُمي ترك الهجرة ظلماً للنفس لأن العبد يضع نفسه في صفوف الهالكين في الدنيا والآخرة بغير حق.
[6] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (وفي).
[7] الحد: "التعريفات"، ص 58.
[8] المصدر: ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج2، ص 388.
[9] المصدر: الطبري، "جامع البيان"، ج9، ص 102.
[10] المصدر: السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 195.
[11] قلت: أن هذه الآيات هي القول الفصل في كل من يبرر ركونه لأهل الباطل بـ "المصالح الشخصية"؛ فالله لم يعذر أهل مكة الذين شهدوا بالحق بقلوبهم لما تركوا الهجرة، فكيف بمن بعدهم؟
---------------&التتمة الرابعة: المبحث الخامس
دلالة "الأخوّة" في حال الالتباس وضابط البراءة العملية
أولاً: نص القطعة
«فَمَنْ تَأَمَّلَ قِصَّتَهُمْ، وَتَأَمَّلَ قَوْلَ الصَّحَابَةِ: (قَتَلْنَا إِخْوَانَنَا!)؛ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ بَلَغَهُمْ عَنْهُمْ كَلَامٌ فِي الدِّينِ [أي طعن فيه]، أَوْ كَلَامٌ فِي تَزْيِينِ دِينِ المُشْرِكِينَ؛ لَمْ يَقُولُوا: قَتَلْنَا إِخْوَانَنَا!» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. إِخْوَانَنَا (الأخوّة):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (أ خ و)، والأخ هو المشارك لغيره في الولادة، ويُستعار للمشارك في الدين أو الصداقة أو القبلية [2].
الحد الجامع المانع: «الرابطة الناشئة عن الاشتراك في أصل الإيمان، الموجبة لحقوق النصرة والمحبة والدعاء، ما لم يأتِ المكلف بما ينقضها» [3].
2. بَلَغَهُم (البلاغ):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ب ل غ)، وأصله الوصول إلى غاية الشيء، والبلاغ هو وصول الخبر أو الرسالة إلى علم المخاطب [4].
الحد الجامع المانع: «وصول المعلومة الصادقة إلى المكلف بطريق يفيد العلم أو غلبة الظن، بحيث يترتب عليها حكم شرعي» [5].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
من خلال هذا الاستنباط الدقيق الذي ساقه الإمام، يخلص الباحث إلى النتائج العقدية التالية:
الأصل بقاء الأخوّة بالظاهر: يرى الباحث أن الصحابة رضي الله عنهم بنوا حكمهم على "الأصل" الذي فارقوا عليه هؤلاء القوم في مكة، وهو إظهار الإسلام؛ وهذا يُؤصل لقاعدة أن المسلم لا يخرج من عقد الأخوّة الإيمانية إلا ببرهان قاطع ينقض هذا الأصل.
الموالاة القولية ناقضة للأخوّة: يُؤصل الباحث لقاعدة خطيرة استنبطها الإمام؛ وهي أن "تزيين دين المشركين" باللسان، أو "الطعن في الدين" بالقول، هو خروج صريح من الملة يقطع حبال الأخوّة؛ فلو علم الصحابة وقوع ذلك منهم ما ترحموا عليهم ولا سموهم إخواناً.
التفرقة بين "الموالاة العملية" و"الموالاة القولية": يستنبط الباحث أن هؤلاء القوم وقعوا في "موالاة عملية" (بتكثير السواد والخروج في الجيش)، وهي معصية كبرى وظلم للنفس أوجب سخط الله، لكنها لم تبلغ حد "الردة" في نظر الصحابة لأنهم لم يظهر منهم "تزيين للشرك" أو "تبديل للمعتقد" باللسان، وهذا فقه دقيق في التفريق بين رتب الذنوب العقدية.
منهج التثبت في الأحكام: يقرر الباحث أن قول الصحابة "قتلنا إخواننا" هو ممارسة عملية لمنهج التثبت؛ فالمرء يُعامل بما عُرف عنه من الحق حتى يثبت عنه ما يضاده، وهذا يزجر الغلاة الذين يسارعون في قطع الأخوّة الإيمانية بأدنى شبهة أو فعل محتمل.
------------------&
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ضمن "مجموعة التوحيد"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (أخو).
[3] الحد: ينظر: "التعريفات" للجرجاني، ص 16.
[4] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (بلغ).
[5] نكتة لغوية: سُمي البلاغ بلاغاً لأنه ينهي الشك ويصل بالخبر إلى غايته في قلب السامع.
[6] نكتة عقدية: استدل الإمام بـ "الانتفاء عند الانتفاء"؛ أي لما انتفى عنهم "الطعن والتزيين" ثبتت لهم "الأخوّة"، ولو وُجد الناقض لانتفت الأخوّة بالضرورة.
[7] قول الباحث: يشير الباحث إلى أن الإمام أراد بهذا الموضع توضيح "محل النزاع"؛ فالمشكلة في هؤلاء لم تكن في ردتهم، بل في "تركهم للهجرة" الذي أدى بهم للوقوع في صف المشركين قتلى، فكانت تضحيتهم بدنياهم سبباً في هلاك أبدانهم ووقوعهم تحت الوعيد، مع بقاء أصل أخوّة الإيمان التي جعلت الصحابة يشق عليهم قتلهم.
-------------------------&
التتمة الرابعة: المبحث الخامس
حقيقة الردة بغير الإكراه الملجئ (تحرير آية النحل)
أولاً: نص القطعة
«فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ وَهُمْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ بَعْدَ الإِيمَانِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106]» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الإكراه:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ك ر هـ)، وهو إلزام الغير بما لا يريده ولا يرضاه بالتهديد أو القوة [2].
الحد الجامع المانع: «حمل الغير على قول أو فعل لا يريده، بوعيدٍ مادي أو معنوي يُخاف وقوعه، بحيث تسقط معه حرية الاختيار» [3].
2. مُطْمَئِنّ (الطمأنينة):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ط م ن)، وهو السكون بعد الانزعاج، ويُقال اطمأن القلب إذا استقر على حاله ولم يضطرب [4].
الحد الجامع المانع: «استقرار الإيمان في سويداء القلب وثباته ثباتاً راسخاً لا تؤثر فيه العوارض الظاهرة من قول أو فعل أُجبر عليه المرء» [5].
3. شَرَحَ (شرح الصدر):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ش ر ح)، وأصله التوسعة والبسط، وشرح الصدر بالشيء أي قبله برضا وانشراح [6].
الحد الجامع المانع: «انفساح القلب لقبول الكفر واعتناقه عن طيب نفس ورضا، دون إجبار أو ضغط خارجي» [7].
ثالثاً: النقول التفسيرية للآية الكريمة
1. تفسير الإمام ابن كثير:
يذكر ابن كثير أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر ومن أُكرهوا بمكة، لكن الإمام استنبط منها حكماً عظيماً؛ وهو أن الله لم يستثنِ من الكفر إلا "المكره"، فدل ذلك على أن من وافق المشركين لغير الإكراه (كخوف على مال أو جاه أو وطن) فقد دخل في الوعيد، لأن الإيمان قول وعمل [8].
2. تفسير الإمام البغوي:
يوضح البغوي أن الإكراه المعتبر هو الذي يبلغ حد التهديد بالقتل أو التعذيب الشديد، مع بقاء القلب عامراً بالإيمان. أما من وافقهم بلسانه أو فعله رغبةً في الدنيا أو مداراةً لهم من غير إكراه ملجئ، فهو ممن "شرح بالكفر صدراً" حكماً، وإن ادعى الإيمان بقلبه [9].
رابعاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
حصر العذر في الإكراه فقط: يرى الباحث أن الإمام أراد تقرير قاعدة ذهبية؛ وهي أن الله لم يقبل عذراً في "موافقة المشركين" إلا الإكراه البدني الملجئ، فكل عذر سواه (كحب الأهل والمال والوطن) هو عذر باطل، وصاحبه داخل في دائرة "كفر بعد إيمان" إذا باشر مكفراً.
بطلان الاحتجاج بـ "إيمان القلب" دون العمل: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "الطمأنينة بالقلب" لا تنفع وحدها إذا وُجدت الموافقة الاختيارية للمشركين؛ فالآية جعلت الطمأنينة شرطاً "للمكره" فقط، أما غير المكره فلا اعتبار لإيمان قلبه إذا أظهر الكفر أو نصر أهله.
بيان سبق الحجة: يستنبط الباحث أن قوله "بيّن لهم وهم بمكة" إشارة إلى أن أحكام التوحيد والمفاصلة محكمة لا عذر فيها بجهل أو تأويل بعيد، خصوصاً مع وضوح النص القرآني في تحديد صورة العذر.
الخوف على الدنيا ليس إكراهاً: يقرر الباحث أن من أهم القواعد المستنبطة هنا هي أن "خسارة الدنيا" لا تُعد إكراهاً شرعياً يبيح موافقة المشركين؛ فالصحابة الذين قُتلوا ببدر لم يُعذروا بحب الوطن والمال، لأن الإكراه هو خوف "النفس" لا خوف "المال".
----------------------------------&
الحاشية
[1] المصدر: محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 21.
[2] الاشتقاق: ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (كره).
[3] الحد: الجرجاني، "التعريفات"، ص 34.
[4] الاشتقاق: "مقاييس اللغة"، مادة (طمن).
[5] الحد: "التعريفات"، ص 40.
[6] الاشتقاق: الراغب الأصفهاني، "المفردات"، مادة (شرح).
[7] نكتة عقدية: جعل الله "شرح الصدر" مآلاً لمن وافق الكفر بغير إكراه، لأن الفعل الظاهر الاختياري دليل على ميل الباطن.
[8] المصدر: ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج4، ص 605.
[9] المصدر: البغوي، "معالم التنزيل"، ج5، ص 48.
[10] قلت: أن هذه الآية هي "الميزان" الذي توزن به دعاوى الناس اليوم؛ فمن وافق قوانين الشرك أو نصر أهله خوفاً على وظيفته أو ماله، فليعلم أن الله لم يعذر بذلك أحداً من قبله، وأن "الإكراه" له حدود ضيقة لا تنطبق على أصحاب المصالح.
-------------------------------&
التتمة الخامسة::: المبحث الخامس
حتحرير مسألة الإكراه (أنواعه، ضوابطه، وأحكامه)
أولاً: تعريف الإكراه (الحد الجامع المانع)
اللغة: من مادة (ك ر هـ)، وهو إلزام الغير بما لا يريده.
الاصطلاح: «فعلٌ يفعله المرء بغيره، فيسلب رضاه أو يفسد اختياره، بحيث يصير المكره كالآلة في يد المكره» [1].
ثانياً: تقسيمات الإكراه من حيث القوة والأثر
قسم الفقهاء (كالحنفية والشافعية وغيرهم) الإكراه إلى نوعين أساسيين، والمدار فيهما على مدى سلب الإرادة:
1. الإكراه المُلجِئ (الإكراه التام):
صورته: التهديد بما فيه إتلاف النفس (كالقتل)، أو إتلاف عضو (كالقطع)، أو الضرب المبرح الذي يُخاف منه الموت.
أثره: هذا النوع هو الذي تسقط معه العقوبة الأخروية في كلمة الكفر، ويعد عذراً شرعياً بنص آية النحل {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} [2].
حكمه: يفسد الرضا ويُعدم الاختيار.
2. الإكراه غير المُلجِئ (الإكراه الناقص):
صورته: التهديد بما لا يُتلف النفس ولا العضو، كالحبس الطويل، أو الضرب غير المبرح، أو أخذ جزء من المال، أو التهديد بقطع الرزق والوظيفة.
أثره: هذا النوع يفسد الرضا لكنه لا يُعدم الاختيار؛ فالمرء هنا لا يزال قادراً على الصبر والامتناع.
حكمه: لا يُعد عذراً في التكلم بكلمة الكفر أو فعل الشرك عند جماهير المحققين، لأن ضرره دون ضرر الكفر [3].
ثالثاً: تقسيم الإكراه من حيث (المُكرَه عليه)
يختلف حكم الإكراه باختلاف الفعل الذي طُلب من المكلف فعله:
الإكراه على الأقوال (كلمة الكفر): يُرخص فيه عند الإكراه الملجئ مع طمأنينة القلب، والصبر (العزيمة) أفضل من الرُّخصة كما فعل بلال رضي الله عنه.
الإكراه على الأفعال (الشرك العملي): ذهب بعض المحققين إلى أن الإكراه في الأفعال أضيق منه في الأقوال، لكن الإكراه الملجئ يُبيح الفعل (كالسجود لصنم صوريًا) بشرط عدم قصد العبادة [4].
ما لا يُباح بالإكراه أصلاً: هناك أفعال لا يبيحها الإكراه ولو كان قتلاً، كقتل مسلم آخر أو الزنا؛ لأن مفسدتها لا تزول بالإكراه، ونفس المسلم ليست أولى من نفس أخيه [5].
رابعاً: شروط اعتبار الإكراه (الضوابط الشرعية)
لكي يكون الإكراه عذراً شرعياً، وضع العلماء ضوابط صارمة:
القدرة: أن يكون المكرِهِ (بكسر الراء) قادراً على تنفيذ وعيده.
العجز: أن يعجز المكرَه (بفتح الراء) عن الدفع أو الهرب أو الامتناع.
الفورية: أن يكون الوعيد حالاً لا آجلاً (أي سينفذ الآن).
غلبة الظن: أن يغلب على ظن المكره أن المكرِه سينفذ وعيده إن عصاه [6].
خامساً: قول الباحث (حول التحرير وضبط المسألة)
يخلص الباحث إلى أن أعظم سوء فهم وقع في هذا الباب هو خلط الناس بين "الإكراه" وبين "المصلحة" أو "الخوف المتوهم". فالإكراه الشرعي هو حالة ضرورة قصوى تتعلق بحفظ النفس، أما الخوف على التجارة، أو الوظيفة، أو مكانة العائلة، أو الوطن، فهو من قبيل "المحاب الدنيوية" التي لا تبيح التنازل عن أصل التوحيد. ومن هنا ندرك سرَّ عدم عذر الله لمن ترك الهجرة حباً في أهله وماله؛ لأن حب الدنيا ليس إكراهاً، بل هو إيثار للدنيا على الدين.
---------------------&
الحاشية
[1] ابن نجيم، "الأشباه والنظائر"، ص 302.
[2] ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج4، ص 605.
[3] ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج28، ص 539 (تحرير قول المكره).
[4] ابن القيم، "إعلام الموقعين"، ج3، ص 105.
[5] السرخسي، "المبسوط"، ج24، ص 45 (باب الإكراه).
[6] الشاطبي، "الموافقات"، ج2، ص 220.
[7] قلت: أن ضبط أنواع الإكراه يقطع الطريق على "المميعة" الذين جعلوا كل ضيق مالي أو اجتماعي إكراهاً يبيح موالاة المشركين، وهذا عين الضلال الذي حذر منه الإمام في قصص السيرة.
------------------------&
التتمة السادسة: المبحث الخامس
"فيمَ كنتم"؟ .. دلالة السؤال الملكي على سقوط دعوى التصديق المجرد
أولاً: نص القطعة
«وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى فِيهِمْ؛ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَقُولُ لَهُمْ: {فِيمَ كُنْتُمْ}؟ وَلَمْ يَقُولُوا: كَيْفَ تَصْدِيقُكُمْ؟ قَالُوا: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} [النساء: 97]» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي
1. فِيمَ كُنْتُمْ (السؤال عن الظرفية والصف):
- التحليل: السؤال بـ "في" الاستفهامية هنا لا يطلب معرفة "المعتقد"، بل يطلب تبيين "المكان" و"الفئة" التي انحاز إليها العبد، وكأن الملائكة تقول: في أي حزب كنتم؟ وفي أي سواد كثرتم؟ [2].
2. مُسْتَضْعَفِين (الاستضعاف):
- الحد الجامع المانع: «عجز المرء عن إظهار التوحيد والبراءة من الشرك مع وجود مانع حسي يمنعه من الانتقال إلى دار الإسلام» [3].
ثالثاً: النقول التفسيرية للآية الكريمة {فِيمَ كُنْتُمْ}
1. تفسير الإمام الطبري (شيخ المفسرين):
يرى الطبري أن الملائكة سألتهم هذا السؤال على سبيل التقريع والتوبيخ، ومعناه: في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ وفي أي حيز كنتم؟ هل كنتم في حيز المسلمين أم في حيز المشركين؟ ويوضح الطبري أن اعتذارهم بالاستضعاف لم يُقبل لأنهم تركوا "السبب" وهو الهجرة مع قدرتهم عليها، فصاروا في حكم من رضي بمقامه بين الكفار [4].
2. تفسير الإمام ابن كثير:
يؤكد ابن كثير أن الآية نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا ولم يهاجروا، فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين فكثّروا سوادهم. ويشير إلى أن سؤال الملائكة {فِيمَ كُنْتُمْ} هو تبكيتٌ لهم على ترك المفاصلة؛ فالمؤمن الحقيقي لا يقبل أن يُحسب على صف المشركين في موطن يُرفع فيه السيف ضد أهل الإسلام [5].
3. تفسير الشيخ السعدي:
يرى السعدي أن هذا السؤال يدل على أن المدار في النجاة ليس على مجرد "دعوى الإيمان القلبي"، بل على "الهيئة العامة" للعبد ومواقفه العملية. فالملائكة لم تسأل عن التصديق لأنها تعلمه، ولكنها سألت عن "المقام"؛ لأن الإقامة بين المشركين مع القدرة على التحول عنهم هي خيانة لهذا التصديق وظلم للنفس [6].
رابعاً: التأصيل العقدي للباحث (حول دلالة السؤال)
- سقوط اعتبار "الإيمان الساكن": يرى الباحث أن إغفال الملائكة للسؤال عن "كيف تصديقكم" هو أعظم دليل على أن الإيمان إذا لم يثمر عملاً ومفاصلة عند الحاجة، فإنه لا يُغني عن صاحبه شيئاً عند نزول الملائكة؛ فالعبرة بـ "الخندق" الذي تموت فيه.
- الاستضعاف الكاذب: يُؤصل الباحث لقاعدة أن كل من استطاع التحول عن بيئة الشرك ولم يفعل، فإن ادعاءه "الاستضعاف" هو كذبٌ شرعي؛ لأن أرض الله واسعة، فالحبس الحقيقي هو حب الدنيا، لا جدران مكة.
- تجريد التوحيد من الشوائب: يستنبط الباحث أن السؤال عن "الحال" {فِيمَ كُنْتُمْ} يقتضي من الموحد أن يكون واضح المعالم، متميز الصف، لا يلتبس سواده بسواد أهل الباطل في موطن من المواطن.
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 21.
[2] ابن هشام، "مغني اللبيب"، مادة (في).
[3] ينظر: "التعريفات" للجرجاني، ص 20.
[4] الطبري، "جامع البيان"، ج9، ص 104.
[5] ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج2، ص 389.
[6] السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 195.
[7] قلت: أن هذا السؤال الملكي هو الذي يقطع حبال الرجاء الكاذب؛ فإذا كان التصديق لم يشفع لهؤلاء وهم معاصرون للنبي ﷺ، فكيف بمن هو دونهم؟
-----------------------------------&التتمة السابعة: المبحث الخامس
: دلالة الإقرار الملكي بصدق "الاستضعاف القلبي" وعقوبة ترك العمل
أولاً: نص القطعة
«وَلَمْ يَقُولُوا: كَذَبْتُمْ! مِثْلَ مَا يَقُولُ اللهُ وَالمَلَائِكَةُ لِلْمُجَاهِدِ الَّذِي يَقُولُ: جَاهَدْتُ فِي سَبِيلِكَ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، بَلْ قَاتَلْتَ لِيُقَالَ جَرِيءٌ.. وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ لِلْعَالِمِ وَالمُتَصَدِّقِ: كَذَبْتَ، بَلْ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَتَصَدَّقْتَ لِيُقَالَ جَوَادٌ» [1].
ثانياً: التأصيل العقدي للباحث (حول الفارق بين الموقفين)
يرى الباحث أن عدم تكذيب الملائكة لهؤلاء في قولهم {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} يحمل أسراراً عقدية بالغة الأهمية:
إثبات أصل الصدق القلبي: يرى الباحث أن الملائكة أقرتهم على صدق إيمانهم الباطن ومحبتهم للدين، بخلاف "المرائين" (المجاهد والعالم والمتصدق) الذين كذبتهم الملائكة لأن الباطن عندهم كان خراباً ومصروفاً لغير الله؛ فهؤلاء المهاجرون صَدَقوا في المحبة لكنهم "كذبوا" في تحقيق المفاصلة.
الخوف على الدنيا ليس رياءً لكنه معصية: يُؤصل الباحث لقاعدة أن هؤلاء لم يكونوا مرائين يطلبون السمعة، بل كانوا "محبين للدنيا" (الأهل والمال)، والملائكة عاملتهم بمقتضى تقصيرهم في "السبب" (الهجرة) لا بمقتضى "فساد النية" في أصل الإيمان، فجاء الوعيد على الفعل الظاهر.
عظم جرم ترك الهجرة: يستنبط الباحث أن الإمام أراد تبيين أن المرء قد يكون صادق الإيمان بقلبه، لكنه يُعذب ويُتوعد بالنار لتركه واجباً عملياً هو "المفاصلة"، فإذا كانت الملائكة لم تكذبهم في إيمانهم ومع ذلك قالت {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}، فما أحراه بالخوف من يظن أن "صدق القلب" وحده كافٍ للنجاة مع موالاة الكفار.
ثالثاً: تخريج حديث "أول من تُسعر بهم النار"
نص الحديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَومَ القِيامَةِ عليه رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فيها؟ قالَ: قاتَلْتُ فِيكَ حتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ قاتَلْتَ لأَنْ يُقالَ: جَرِيءٌ، فقَدْ قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ علَى وجْهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ، وعَلَّمَهُ وقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فيها؟ قالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ، وعَلَّمْتُهُ وقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقالَ: عالِمٌ، وقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقالَ: هو قارِئٌ، فقَدْ قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ علَى وجْهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. ورَجُلٌ وسَّعَ اللَّهُ عليه، وأَعْطاهُ مِن أصْنافِ المالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فيها؟ قالَ: ما تَرَكْتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فيها إلَّا أنْفَقْتُ فيها لَكَ، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقالَ: هو جَوادٌ، فقَدْ قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ علَى وجْهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ».
--:-:--؛:-------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 21.
[2] تخريج الحديث: أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإمارة، باب مَن قاتل للرياء والسمعة استحق النار، حديث رقم (1905). وأخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (4330)، وأحمد في "المسند" (8223) واللفظ لمسلم.
[3] الحكم على الحديث: الحديث صحيح، وهو في أعلى درجات الصحة لإخراج الإمام مسلم له في صحيحه.
[4] لطيفة عقدية: ذكر الإمام لهذا الحديث هنا هو لبيان "الضد بالضد"؛ فإذا كانت الملائكة تُكذب المرائي في عبادته لأن نيته لغير الله، فهي هنا لم تُكذب المهاجرين في إيمانهم، بل خطّأتهم في "تقدير العذر" {ألم تكن أرض الله واسعة}.
[5] قلت: أن هذا التفريق يقطع الطريق على من يُكفر الناس بالظن في نياتهم؛ فالصحابة والملائكة أثبتوا لهؤلاء "أصل الإيمان" وسموهم إخواناً، لكنهم لم يعذروهم في "ترك الهجرة"، وهذا هو الفقه الوسط الذي يجمع بين إثبات الإيمان وإثبات الوعيد على المعصية الكبرى.
---------------------------------&
التتمة الثامنة: مبحث الخامس
حقيقة الاستثناء الرباني وضابط العجز المسقط للهجرة
أولاً: نص القطعة
«وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَمْ يُكَذِّبْهُمْ، بَلْ أَجَابَهُمْ بِقَوْلِهِمْ، قَالُوا: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}، وَيَزِيدُ ذَلِكَ إِيضَاحًا لِلْعَارِفِ وَالْجَاهِلِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء: 97-98]» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. حِيلَةً (الاحتيال):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ح و ل)، وأصلها التحول، والحيلة هي جودة النظر والقدرة على التصرف للوصول إلى المقصود [2].
الحد الجامع المانع: «القدرة البدنية أو المالية أو الذهنية التي تُمكّن المرء من التخلص من ضيق مقامه والتحول إلى مراده شرعاً» [3].
2. سَبِيلاً (السبيل):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (س ب ل)، والسبيل هو الطريق الذي فيه سهولة، ويُطلق على الوسيلة الموصلة للهدف [4].
الحد الجامع المانع: «العلم بالطريق الموصل إلى دار الهجرة، أو وجود الوسيلة التي يُقطع بها هذا الطريق من دابة أو رفقة» [5].
ثالثاً: النقول التفسيرية للآية الكريمة {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ}
1. تفسير الإمام الطبري:
يقرر الطبري أن الله تعالى لما توعد تاركي الهجرة، استثنى من لا قدرة له على الامتناع من المشركين ولا حيلة له في الخروج، وذلك لضعف بنيته (كالولدان والنساء) أو لعلة في بدنه. ويوضح أن قوله {لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} أي لا يعرفون طريقاً يخرجون به من مكة نحو المدينة، فهؤلاء هم المعذورون حقاً عند الله [6].
2. تفسير الإمام ابن كثير:
يؤكد ابن كثير أن هذا الاستثناء دليل على كمال رحمة الله، فالإكراه والعجز الحقيقي مسقط للتكليف. ويشير إلى أن "الاستطاعة" المذكورة في الآيات هي الضابط؛ فمن ملك النفقة والراحلة وعرف الطريق ولم يهاجر، فهو داخل في الوعيد، ومن فَقَد أحد هذه الأركان فهو من المستضعفين الذين عفا الله عنهم [7].
3. تفسير الشيخ السعدي:
يرى السعدي أن قوله {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} عام في القوة البدنية والمالية، و{لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} عام في الخبرة والمعرفة بالطريق. ويستنبط السعدي أن الله لم يقبل عذراً لمن قدر على الحيلة والسبيل، مما يقطع الطريق على من يتعذر بالخوف اليسير أو المشقة المعتادة [8].
رابعاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
وضوح الحجة على "العارف والجاهل": يرى الباحث أن الإمام وصف الآية بأنها "تزيد الأمر إيضاحاً" لأنها وضعت موازين مادية محسوسة (القوة، المال، المعرفة بالطريق)؛ فليس لأحد أن يدعي الاستضعاف وهو يملك قوت يومه وقوة بدنه، وهذا يرفع الالتباس عن حقيقة العذر الشرعي.
ضيق دائرة العذر: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "أرض الله واسعة" هي الأصل، والاستضعاف هو "الاستثناء الضيق"؛ فما دام العبد يستطيع الحيلة أو يهتدي للسبيل، وجب عليه التحول، ولا ينفعه الاعتذار بغير ذلك.
انتفاء التكليف مع العجز: يستنبط الباحث من هذا الاستثناء كمال عدل الله؛ فالموحد الذي حُبس رغماً عنه، وقيدته ظروفه القهرية، لا يضره بقاؤه في دار الكفر ما دام قلبه مهاجراً إلى الله ورسوله، وهذا هو الفارق بين "الظالم لنفسه" وبين "المستضعف حقيقة".
الهجرة فريضة المستطيع: يقرر الباحث أن الآية قسمت الناس إلى: (مهاجر طائع)، و(ظالم لنفسه تارك للهجرة)، و(معذور بعجز حقيقي)؛ وهذا التقسيم الثلاثي يمنع التلاعب بحدود الأحكام الشرعية تحت مسمى الضرورة.
----------------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 21.
[2] ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (حول).
[3] ينظر: "التعريفات" للجرجاني، ص 88.
[4] الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، مادة (سبل).
[5] نكتة لغوية: السبيل هنا نكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي لا يعرفون أي طريق أصلاً.
[6] الطبري، "جامع البيان"، ج9، ص 106.
[7] ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج2، ص 390.
[8] السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 195.
[9] قلت: أن الإمام أراد بهذا المبحث إقامة الحجة النهائية؛ فإذا كان الله قد حدد الأعذار في (عدم الحيلة وعدم السبيل)، فبأي حق يخترع الناس اليوم أعذاراً من قبيل "الحفاظ على الوجاهة" أو "تنمية التجارة"؟ فمن ملك السبيل وجبت عليه المفاصلة.
----------------------------&
التتمة التاسعة: المبحث الخامس
: وضوح الحجة وآفة الإعراض عن طلب العلم
أولاً: نص القطعة
«فَهَذَا أَوْضَحُ جِدًّا أَنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مِنَ الوَعِيدِ؛ فَلَمْ يَبْقَ شُبْهَةٌ، لَكِنْ لِمَنْ طَلَبَ العِلْمَ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ، بَلْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18]» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. الشُّبْهَة:
- الاشتقاق اللغوي: من مادة (ش ب هـ)، وأصلها الالتباس والمماثلة، وشبّهتُ عليه الأمر إذا ألبسته عليه حتى لا يفرق بين الحق والباطل [2].
- الحد الجامع المانع: «إيراد المعنى الباطل في صورة الحق، لغرض التمويه على النفس أو على الغير، مما يؤدي إلى الحيرة في الحكم» [3].
2. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ:
- الاشتقاق: الصمم (فقد السمع)، البكم (فقد النطق)، العمى (فقد البصر).
- الدلالة الاصطلاحية: هي "الآفات المعنوية" التي تصيب حواس الإدراك عند العبد، فلا يسمع الحق سماع قبول، ولا ينطق به إقراراً، ولا يبصره اهتداءً [4].
ثالثاً: النقول التفسيرية لآية {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}
1. تفسير الإمام الطبري:
يقرر الطبري أن هؤلاء وصفهم الله بالصمم عن سماع الحق، والبكم عن التكلم به، والعمى عن رؤيته؛ لأن قلوبهم غلفت بالهوى. ويوضح أن قوله {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} أي لا يعودون إلى الهدى الذي فارقوه، لأنهم سدوا على أنفسهم طرق العلم واليقين [5].
2. تفسير الإمام ابن كثير:
يشير ابن كثير إلى أن هذا الوصف للمنافقين والمعرضين الذين رأوا نور الحق ثم عموا عنه؛ فهم لا يسمعون خيراً، ولا ينطقون به، ولا يبصرونه. ويؤكد أن مَن ترك طلب العلم سقط في هذه الهاوية، فصار يتخبط في الظلمات وإن كان الضياء أمامه قاطعاً [6].
3. تفسير الشيخ السعدي:
يرى السعدي أن هؤلاء لما تركوا "طلب العلم" وصدق التحري، سلبهم الله حواس الإدراك النافعة؛ فأسماعهم وألسنتهم وأبصارهم موجودة حساً، لكنها معدومة نفعاً في باب الهداية، والجزاء من جنس العمل [7].
رابعاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
- وضوح الحق لا يستلزم الاهتداء: يرى الباحث أن الإمام يقرر قاعدة تربوية وعقدية؛ وهي أن "وضوح النص" (كآيات الهجرة) قد بلغ الغاية، ولكن الانتفاع به مشروط بـ "سلامة المحل" وقصد الطلب؛ فمن أطبق عينيه لن يرى الشمس وإن توسطت السماء.
- ذم "الإعراض" عن طلب العلم: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "ترك طلب العلم" هو أصل كل شبهة؛ فالمعرض لا يُعذر بجهله إذا كانت سبل العلم ميسرة والنصوص واضحة، بل إعراضه هو سبب وقوعه في الوعيد.
- العقوبة بسلب التوفيق: يستنبط الباحث أن وصف {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} هو عقوبة إلهية لمن رأى الحق وعرفه ثم تنكب عنه حباً للدنيا أو ركوناً للأعذار الواهية؛ فالله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون بتركهم لطلب الهدى.
- قطع الشبهة بالاستقصاء: يقرر الباحث أن الإمام استعمل "التحرير العلمي" لقطع الشبهات؛ فمن تتبع قصة الهجرة بإنصاف (طلب العلم) تبين له الهدى، ومن نظر إليها كنصوص تاريخية مجردة (ترك الطلب) ظل في عماه وتخبطه.
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 21.
[2] ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (شبه).
[3] ينظر: "التعريفات" للجرجاني، ص 129.
[4] الراغب الأصفهاني، "المفردات في غريب القرآن"، ص 285.
[5] الطبري، "جامع البيان"، ج1، ص 340.
[6] ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج1، ص 185.
[7] السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 44.
[8] نكتة عقدية: الربط بين قصة "هجرة الأبدان" وبين "هجرة القلوب لطلب العلم" هو من براعة الإمام؛ فكما أن الهجرة نجاة من عذاب الدنيا، فطلب العلم نجاة من صمم وعمى القلب في الآخرة.
[9] قلت : أن الإمام ختم هذا الموضع بالتحذير من "سوء الفهم" الناتج عن الإعراض؛ فالمسألة عند "العارف" واضحة وضوح النهار، وعند "المعرض" ملتبسة كظلمات بعضها فوق بعض، وهذا هو الفرق بين من هاجر بقلبه للحق ومن استوطن هواه.
------------------&
التتمة العاشرة: المبحث الخامس
تلازم القول والعمل (تحقيق أثر الحسن وتفسير آية فاطر)
أولاً: نص القطعة
«مَنْ فَهِمَ هَذَا المَوْضِعَ وَالَّذِي قَبْلَهُ؛ فَهِمَ كَلَامَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، قَالَ: (لَيْسَ الإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي القَلْبِ وَصَدَّقَهُ الأَعْمَالُ). وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي (للمفردات الجديدة)
1. التَّحَلِّي:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ح ل ي)، وهو لبس الحلية للتجمل والظهور بمظهر حسن [2].
المعنى المراد: إظهار الإيمان باللسان أو بالهيئة الخارجية (كالتسمي بأسماء المسلمين) دون حقيقة باطنة.
2. التَّمَنِّي:
الاشتقاق اللغوي: من مادة (م ن ي)، وهو تقدير الشيء في النفس وتشهيه [3].
المعنى المراد: مجرد الرجاء الكاذب بالنجاة ودخول الجنة مع ترك العمل والمفاصلة.
3. وَقَرَ (الوَقار):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (و ق ر)، وهو الثبات والرزانة والثقل [4].
المعنى المراد: ما ثبت واستقر ورسخ في القلب من التصحيح واليقين بحيث لا تزعزعه الشبهات.
ثالثاً: تحقيق أثر الحسن البصري (تخريجاً وحكماً)
التخريج: أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (11/15)، وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (2/795)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (5/956) [5].
الحكم على الأثر: الأثر صحيح وثابت عن الحسن البصري رحمه الله، وقد تلقته الأمة بالقبول كقاعدة جامعة في تعريف الإيمان عند سلف الأمة [6].
رابعاً: تفسير آية {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}
1. تفسير الإمام الطبري:
يرى الطبري أن "الكلم الطيب" هو ذكر الله وشهادة التوحيد، و"العمل الصالح" هو أداء الفرائض. وينقل عن ابن عباس قوله: "الكلم الطيب يرفع العمل الصالح"، وعن الحسن وقتادة قولهما: "إن الكلم الطيب هو ذكر الله، والعمل الصالح هو أداء فرائضه، فمن ذكر الله ولم يؤدِ فرائضه رُدَّ كلامه على عمله" [7].
2. تفسير الإمام ابن كثير:
يؤكد ابن كثير أن الكلام لا يُقبل إلا بالعمل؛ فإذا قال العبد التوحيد ولم يتبعه بالعمل الصالح (كالهجرة والمفاصلة)، لم يرتفع قوله إلى الله. فالعمل هو الذي يرفع الكلام ويصدقه [8].
3. تفسير الشيخ السعدي:
يوضح السعدي أن الكلم الطيب من عقائد وأذكار يصعد إلى الله، ولكن الذي يرفعه ويوصله إلى غايته هو العمل الصالح؛ فبغير العمل يبقى الكلام محبوساً لا أثر له في النجاة [9].
خامساً: التأصيل العقدي للباحث (حول الربط بين السيرة والأثر)
بطلان إيمان "التحلي": يرى الباحث أن قصة المهاجرين الذين قُتلوا ببدر تجسد "إيمان التحلي"؛ فقد تزيوا بزي المسلمين وادعوا حبهم، لكن لما جاء وقت "الصدق العملي" (الهجرة) تخلفوا، فلم ينفعهم تحليهم.
العمل هو ميزان التصديق: يُؤصل الباحث لقاعدة أهل السنة أن الإيمان "قول وعمل"، والعمل شرط في صحة كماله أو أصله بحسب الموضع؛ فمن ادعى الإيمان ثم نصر المشركين أو كثر سوادهم اختياراً، كذّب عملُه قولَه.
العلاقة بين الكلم والعمل: يستنبط الباحث أن "الكلم الطيب" (شهادة أن لا إله إلا الله) التي كان هؤلاء يقولونها بمكة لم يرفعها الله يوم بدر؛ لأن "العمل الصالح" (الهجرة والبراءة) كان مفقوداً، فصار كلامهم بلا رافع.
------------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 21.
[2] ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (حلي).
[3] "مقاييس اللغة"، مادة (مني).
[4] الراغب الأصفهاني، "المفردات"، ص 531.
[5] يُنظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب، ص 31 (تحقيق الأثر).
[6] نكتة عقدية: هذا الأثر هو رد صريح على "المرجئة" الذين يكتفون بالتصديق أو القول، وقد ساقه الإمام هنا ليربطه بواقعة بدر التاريخية.
[7] الطبري، "جامع البيان"، ج20، ص 444.
[8] ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج6، ص 535.
[9] السعدي، "تيسير الكريم الرحمن"، ص 686.
[10] قلت: أن الإمام ختم الموضع الخامس بهذا التأصيل ليقول: لا تغتروا بمجرد الانتساب للإسلام، فالعبرة بما يصدقه الواقع والعمل؛ فالهجرة كانت هي "العمل الصالح" الذي يرفع "كلمة التوحيد" في ذلك الزمان، ومن تركها سقط كلامه وعمله
-------------------------&المبحث السادس: قصة الردة وهدم شبهة "التوحيد اللفظي"
أولاً: نص القطعة
«المَوْضِعُ السَّادِسُ: قِصَّةُ الرِّدَّةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَمَنْ سَمِعَهَا لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ شُبُهَاتِ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ يُسَمَّونَ (العُلَمَاءَ)، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: (هَذَا هُوَ الشِّرْكُ، لَكِنْ يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَمَنْ قَالَهَا لَا يَكْفُرُ بِشَيْءٍ)» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي
1. الرِّدَّة:
- الاشتقاق اللغوي: من مادة (ر د د)، وأصله الرجوع عن الشيء، ويُقال ارتد عن دينه إذا رجع عنه إلى الكفر [2].
- الحد الجامع المانع: «كفر المسلم البالغ العاقل المختار، سواء كان بقول أو فعل أو اعتقاد أو شك، مما ينقض أصل دينه» [3].
2. شُبُهَات الشَّيَاطِين:
- الدلالة: وصف الإمام الشبهات بأنها من "الشياطين" لبيان مصدرها وتلبيسها؛ وهي المعاني الباطلة التي تُلقى في روع العبد لصدّه عن مقتضى "لا إله إلا الله" [4].
3. التوحيد اللفظي (قول لا إله إلا الله):
- المعنى المراد: حصر الإيمان في مجرد النطق بالكلمة، مع تجويز فعل المكفرات؛ وهو ما يُعرف عند العلماء بمذهب "غلاة المرجئة" [5].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول قصة الردة وتفنيد الشبهة)
يرى الباحث أن استدلال الإمام بقصة الردة ينسف شبهة "العصمة بالكلمة المجردة" من عدة أوجه:
- إجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة: يرى الباحث أن الصحابة بقيادة أبي بكر رضي الله عنه لم يمنعهم قول المرتدين "لا إله إلا الله" من قتالهم واستباحة دمائهم لما جحدوا الزكاة أو امتنعوا عنها؛ فدل ذلك على أن الكلمة لها "حقوق" وشروط، فمن تركها بطل أثرها.
- الردة تقع بعد الإسلام: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "الإسلام ليس صكاً أبدياً"، بل هو عقدٌ يفسده الناقض؛ فمن أقر بالتوحيد ثم سجد لصنم أو جحد فريضة أو نصر المشركين، فقد انتقض عقده وإن بقي لسانه رطباً بالشهادة.
- تزييف لقب (العلماء) لأهل الشبهات: يستنبط الباحث أن الإمام أراد التحذير من "علماء السوء" الذين يطمسون معالم التوحيد بتعريفات مبتدعة للإيمان، توهم الناس أن مجرد "النطق" يكفي للنجاة، وهو ما يخالف فعل الصحابة في الردة.
- الردة أنواع: يقرر الباحث أن قصة الردة شملت من ادعى النبوة (ككذاب اليمامة)، ومن ترك الصلاة، ومن منع الزكاة، ومن ارتد إلى عبادة الأصنام؛ وكل هؤلاء قاتلهم الصحابة قتال كفر، مما يبطل شبهة أن "لا إله إلا الله" تعصم من كل شيء.
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 22.
[2] ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (رد).
[3] ينظر: "التعريفات" للجرجاني، ص 112.
[4] نكتة لغوية: سُمي الملبسون (علماء) تهكماً أو بناءً على ما يزعمونه لأنفسهم، والواقع أنهم قُطاع طريق القلوب.
[5] ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج7، ص 543 (الكلام على المرجئة).
[6] نكتة تاريخية: لم يقل أحد من الصحابة: "كيف تقاتلونهم وهم يقولون لا إله إلا الله؟" إلا في بداية الأمر، ثم لما ذكّرهم الصديق بـ "حقها" أجمعوا على قتالهم، وهذا هو "الإجماع السكوتي والعملي" الذي قصده الإمام.
[7] قلت: أن هذا الموضع هو "القاصمة" لكل من يعتذر للمشركين بانتسابهم للإسلام؛ فإذا كان الصحابة قد كفّروا وقتلوا من منع "فوعاً" من حقوق الزكاة، فكيف بمن صرف "أصل العبادة" لغير الله؟ هذا هو الفهم الذي يطرد شبهات الشياطين.
--------------&التتمة الأولى: من المبحث السادس
تناقض أدعياء العلم في حكم "البوادي" وهدم عصمة اللفظ المجرد
أولاً: نص القطعة
«وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْبَرُ: تَصْرِيحُهُمْ [أي أدعياء العلم] بِأَنَّ البَوَادِيَ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الإِسْلَامِ شَعْرَةٌ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَهُمْ بِهَذِه اللفظة أَهْلُ إِسْلَامٍ» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي
1. البَوَادِي:
الاشتقاق اللغوي: جمع بادية، من مادة (ب د و)، وهو ما ظهر من الأرض واتسع، ويُطلق على أهل الصحراء الذين يبعدون عن الحواضر والمدن [2].
الدلالة الاصطلاحية: هم الأعراب الذين غلب عليهم الجهل بأحكام الدين وشرائعه، وكثيراً ما كانت تقع فيهم المكفرات لبعدهم عن مظان العلم [3].
2. لَيْسَ مَعَهُمْ .. شَعْرَة:
المعنى: "الشعرة" هنا كناية لغوية عن (أقل القليل) أو (أدنى مسمى)؛ أي أنهم خلوٌ تماماً من أعمال الإسلام الظاهرة والباطنة، كالصلاة والزكاة والالتزام بالشرائع [4].
3. اللَّفْظَة:
المعنى: هي النطق المجرد بـ "لا إله إلا الله" دون فقه لمعناها، ولا التزام بمقتضاها، ولا براءة من ضدها [5].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول التناقض المنهجي)
يرى الباحث أن الإمام كشف بهذا الموضع "فساداً عريضاً" في منهج أدعياء العلم، يتلخص في الآتي:
التناقض بين الخبر والحكم: يرى الباحث أنهم أثبتوا "الخبر" (وهو خلو البوادي من الإسلام جملة وتفصيلاً)، ولكنهم عطلوا "الحكم" (وهو الكفر) تمسكاً بلفظة الشهادة؛ وهذا قلبٌ للحقائق الشرعية التي تجعل اللفظ عنواناً على الحقيقة، فإذا انعدمت الحقيقة بطل نفع العنوان.
مذهب المرجئة العملي: يُؤصل الباحث لقاعدة أن هذا القول هو أخبث أنواع "الإرجاء"؛ لأنه يعطي "صك الإسلام" لمن لا يعرف من الدين إلا اسمه، مما يؤدي إلى تمييع حدود التوحيد واختلاط المسلم بالمشرك.
إلغاء حقوق الشهادة: يستنبط الباحث أن هؤلاء جعلوا "لا إله إلا الله" طلسماً يعصم الدم والمال بغير حقها، متجاهلين قول النبي ﷺ: «إلا بحقها»، وعمل الصحابة في الردة الذين لم يعصموا أحداً بالشهادة وهو يترك حقاً من حقوقها.
قياس "البوادي" على "الردة الأولى": يقرر الباحث أن من أقر بأن البوادي ليس معهم من الإسلام شعرة، لزمه بالضرورة حكم الصديق في المرتدين؛ فإذا كان الصديق قد قاتل من تمسك بالصلاة ومنع الزكاة، فكيف بمن ترك الصلاة والزكاة والتوحيد ولم يبقَ معه إلا لفظة الشهادة؟
--------------------------------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 22.
[2] ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (بدو).
[3] ينظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب، ص 34 (الكلام على الأعراب).
[4] لطيفة بلاغية: ذكر "الشعرة" تصويرٌ بليغ لتلاشي أثر الدين؛ فإذا انعدمت الشعرة، فما فوقها من الأركان والواجبات أعدم.
[5] ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج7، ص 220 (بيان أن الشهادة لا تنفع إلا مع العلم والعمل).
[6] قلت: أن هذا الموضع يضرب "الازدواجية" عند علماء السوء؛ فهم يقرون بالواقع الكفري، ويفرون من الحكم الشرعي خوفاً من الناس أو اتباعاً للهوى، وهذا هو المسلك الذي حذر منه الإمام ووصفه بأنه "شبهات الشياطين".
----------------------------------------&
التتمة الثانية: المبحث السادس
تهافت "العصمة الصورية" في مواجهة النواقض الصريحة
أولاً: نص القطعة
«وَحَرَّمُوا [أي أدعياء العلم] أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الإِسْلَامَ كُلَّهُ، وَمَعَ عِلْمِهِمْ بِإِنْكَارِهِمُ البَعْثَ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِمَنْ أَقَرَّ بِهِ، وَتَفْضِيلِهِمْ دِينَ آبَائِهِمُ المُخَالِفِ لِدِينِ النَّبِيِّ ﷺ» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي للمكفرات المذكورة
1. إِنْكَار البَعْث:
الاشتقاق: من مادة (ن ك ر)، وهو جحد الشيء بعد معرفته. والبعث هو إحياء الموتى يوم القيامة.
الحكم: جحد البعث كفرٌ مخرج من الملة بإجماع المسلمين، وهو تكذيب لصريح القرآن [2].
2. الاسْتِهْزَاء:
الاشتقاق: من مادة (هـ ز أ)، وهو السخرية والاستخفاف بالشيء [3].
الحكم: الاستهزاء بالدين أو بشعائره أو بأهله لأجل دينهم كفرٌ ناقض، لقوله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [4].
3. تَفْضِيل دِين الآبَاء:
المعنى: تقديم موروثات الجاهلية وتقاليد الأجداد المشركة على وحي الله وسنة نبيه ﷺ، وهو أصل ضلال الأمم السابقة {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [5].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول تهافت دعوى العصمة)
يرى الباحث أن هذا الموضع يكشف عن "خلل جذري" في تصور الإيمان عند أولئك المفتين، وذلك من عدة أوجه:
بطلان "العصمة مع ترك الأصل": يرى الباحث أن إقرارهم بأن البوادي "تركوا الإسلام كله" ثم الحكم "بتحريم دمائهم" هو جمع بين النقيضين؛ فالعصمة أثر للإسلام، فإذا زال المؤثر (الإسلام) زال الأثر (العصمة) بالضرورة.
اجتماع النواقض القولية والعملية: يُؤصل الباحث لقاعدة أن هؤلاء لم يتركوا "الفروع" فحسب، بل وقعوا في "أمهات النواقض": (الإنكار، الاستهزاء، التفضيل)؛ وكل واحد منها كافٍ وحده لنقض الإسلام، فكيف إذا اجتمعت؟
تجريد "لا إله إلا الله" من معناها: يستنبط الباحث أن حجة هؤلاء في العصمة (وهي مجرد قول الكلمة) تقتضي أن الكلمة تنفع مع وجود "ضدها" الصريح؛ وهذا لم يقل به أحد من سلف الأمة، بل هو قول غلاة المرجئة الذين جعلوا الكفر لا يكون إلا بـ "التكذيب القلبي".
الموالاة الجاهلية (دين الآباء): يقرر الباحث أن تفضيل دين الآباء هو نوع من "التولي" لغير الله ورسوله، وهو عين ما حاربه النبي ﷺ في قريش؛ فإعطاء هؤلاء صفة الإسلام هو إحياء للجاهلية تحت مسمى الدين.
---------------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 22.
[2] ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج7، ص 205 (حكم جاحد البعث).
[3] ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (هزأ).
[4] سورة التوبة، الآيتان: 65، 66.
[5] سورة الزخرف، الآية: 23.
[6] نكتة أصولية: هؤلاء الملبسون قلبوا قاعدة "اليقين لا يزول بالشك"؛ فجعلوا "الشك" في إسلام هؤلاء (بسبب كلمتهم) يزيل "اليقين" بكفرهم (بسبب أفعالهم الصريحة).
[7] قلت: أن الإمام أراد بهذا المبحث إحراج أولئك "العلماء" بـ "واقعهم"؛ فهم يعترفون بكفر هؤلاء عياناً، ويحكمون بإسلامهم ديانةً، وهذا من أعجب العجب، ولا يفعله إلا من طمس الله بصيرته.
------------------&
التتمة الثالثة: المبحث السادس
إلزام المعطلة بـ "لازم قولهم" وتغليظ كفر المعرضين
أولاً: نص القطعة
«وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ يُصَرِّحُ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينُ المَرْضَى بِالْجَهْلِ: أَنَّ البَدْوَ أَسْلَمُوا وَلَوْ جَرَى مِنْهُمْ ذَلِكَ كُلُّهُ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ! وَلَازِمُ قَوْلِهِمْ: أَنَّ اليَهُودَ أَسْلَمُوا لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَهَا! وَأَيْضًا: كُفْرُ هَؤُلَاءِ أَغْلَظُ مِنْ كُفْرِ اليَهُودِ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ؛ عَنِ المَوَادِّ المُتَّصِفِينَ بِمَا ذَكَرْنَا» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي
1. لَازِمُ القَوْل:
الاصطلاح: هو ما يترتب على القول من نتائج ضرورية لا تنفك عنه [2].
القاعدة الأصولية: «لازم المذهب ليس بمذهب إلا إذا التزمه صاحبه»، وهنا الإمام يُلزمهم بالحق الذي يفرون منه [3].
2. أَغْلَظُ كُفْرًا (غلظ الكفر):
المعنى: الكفر رتب ومنازل، والغلظة تأتي من اقتران الجحد بالاستهزاء، أو ترك الإسلام بعد معرفته، أو ارتكاب نواقض أشد من نواقض أهل الكتاب [4].
3. المَوَادّ:
المعنى: "المواد" هنا يُقصد بها الوقائع والصفات والأفعال التي ذُكرت آنفاً (كإنكار البعث والاستهزاء بالدين)، فهي "مادة الكفر" التي قامت بهم [5].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول الإلزام والمفاضلة)
بطلان الاحتجاج بـ "الكلمة" مع بقاء "الناقض": يرى الباحث أن استدلال الإمام باليهود هو استدلال "بالمتفق عليه"؛ فاليهود يقولون (لا إله إلا الله) ومع ذلك هم كفار بإجماع الأمة لأنهم كذبوا النبي ﷺ؛ فكذلك مَن قالها ووقع في ناقض الاستهزاء أو جحد البعث، فالعبرة بالناقض لا بالكلمة [6].
كفر الردة أغلظ من الكفر الأصلي: يُؤصل الباحث لقاعدة أن كفر هؤلاء (البوادي) أغلظ من كفر اليهود؛ لأن اليهود كفار أصليون تمسكوا بدينهم، أما هؤلاء فهم ينتسبون للإسلام ثم يهدمونه بالاستهزاء والإنكار وتفضيل الجاهلية، وكفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي [7].
الجهل المركب وأثره: وصف الإمام هؤلاء بـ "المرضى بالجهل" لأنهم لم يجهلوا النص فحسب، بل جهلوا "العقل" الذي يمنع التناقض؛ فكيف يصح إسلام مَن يستهزئ بأصل إسلامه؟
تفاوت رتب الكفر: يقرر الباحث أن الكفر مراتب؛ فكفر من يستهزئ بآيات الله (وهي مادة البوادي المذكورة) أغلظ من كفر من يكتفي بمجرد عدم الإيمان، والقرآن صرح بأن من المنافقين من هم في "الدرك الأسفل"، مما يدل على تفاوت المآل بتفاوت الفعال.
--------------------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 22.
[2] الجرجاني، "التعريفات"، ص 188.
[3] ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج5، ص 306.
[4] ابن القيم، "مدارج السالكين"، ج1، ص 346 (الكلام على تفاوت الكفر).
[5] نكتة لغوية: "المواد" جمع مادة، وهي الأصل الذي يتكون منه الشيء، فكأن أفعالهم صارت هي المادة المكونة لهويتهم الكفرية.
[6] نكتة عقدية: اليهود أقروا بالتوحيد في مواضع، بل كان بعض الأعراب في الجاهلية يقولها، ولكن لما لم تخلص من الشوائب ولم تتبعها طاعة الرسول ﷺ لم تنفعهم.
[7] قلت : أن الإمام أراد بهذا الإلزام "إسكات الخصم"؛ فإذا كنتم تكفرون اليهود وهم يقولون الكلمة، فلماذا لا تكفرون من فعل أشنع من فعل اليهود وهو يقر بلسانه؟ هذا هو الهوى والجهل المطبق.
----------------------------&
التتمة الرابعة: المبحث السادس
أصناف الردة وإبطال عصمة الشهادتين مع وجود الناقض
أولاً: نص القطعة
«وَالَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ مِنْ قِصَّةِ الرِّدَّةِ: أَنَّ المُرْتَدِّينَ تَفَرَّقُوا فِي رِدَّتِهِمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ كَذَّبَ النَّبِيَّ ﷺ وَرَجَعَ إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَقَالُوا: لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا مَاتَ! وَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَلَكِنْ أَقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُسَيْلِمَةَ؛ ظَنًّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْرَكَهُ فِي النُّبُوَّةِ، لِأَنَّ مُسَيْلِمَةَ أَقَامَ شُهُودَ زُورٍ شَهِدُوا لَهُ بِذَلِكَ، فَصَدَّقَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي
1. الشِّرْكُ فِي النُّبُوَّةِ:
المعنى: اعتقاد أن شخصاً آخر يوحى إليه ويشاركه في مقام النبوة والتشريع بعد النبي ﷺ أو معه [2].
الحكم: هو كفرٌ مخرج من الملة لأنه تكذيب لقوله تعالى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [3].
2. شُهُودُ الزُّورِ:
الاشتقاق: من مادة (ز و ر)، وهو الانحراف عن الحق إلى الباطل بميل وكذب.
الدلالة: الإشارة هنا إلى (الرجّال بن عنفوة) وغيره ممن كذبوا على النبي ﷺ وأخبروا اليمامة أنه أشرك مسيلمة معه، فكانت شبهة أضلت الكثيرين [4].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول تنوع الردة ووحدة الحكم)
يرى الباحث أن هذا التقسيم الذي ساقه الإمام يقرر حقائق عقدية كبرى:
وحدة الحكم رغم تنوع السبب: يرى الباحث أن الصحابة رضي الله عنهم عاملوا "عباد الأوثان" و"المقرين بالشهادتين القائلين بنبوة مسيلمة" حكماً واحداً؛ وهو القتل والسباء واستباحة المال ككفار مرتدين، ولم يشفع لهؤلاء قول الشهادتين لما أقروا بنبي كذاب [5].
خطر الشبهة والتقليد: يُؤصل الباحث لقاعدة أن "التأويل الفاسد" المبني على كذب (شهود الزور) لا يعذر صاحبه في أصول التوحيد والنبوة؛ فمن صدق مسيلمة ظناً منه بصدقه كفر، ولم ينفعه جهله بحقيقة الحال لأن مقام النبوة محكم لا يقبل الاشتراك.
الشهادة لا تمنع الردة: يستنبط الباحث أن قوله "منهم من ثبت على الشهادتين" هو أعظم رد على من يزعم أن الشهادة تمنع الكفر مطلقاً؛ فهؤلاء نطقوا بها وعملوا بمقتضاها ظاهراً، لكنهم نقضوها من وجه آخر وهو (الإيمان بمدعي النبوة)، فبطل أصل إيمانهم.
تفاوت مراتب الضلال: يقرر الباحث أن من كفر بـ "شك" (لو كان نبياً ما مات) ومن كفر بـ "تأويل" (مشاركة مسيلمة) ومن كفر بـ "رجوع للأصنام"، كلهم عند الصحابة في خندق الكفر سواء، مما يدل على أن كل ما ناقض الإسلام فهو كفر مبيح للدم.
---------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 22.
[2] ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج35، ص 115 (الكلام على مدعي النبوة).
[3] سورة الأحزاب، الآية: 40.
[4] نكتة تاريخية: كان (الرجّال بن عنفوة) من الوفد الذين قدموا على النبي ﷺ وتفقهوا في الدين، لكنه فتن الناس بشهادة الزور لمسيلمة، فكانت فتنة أشد من فتنة عبادة الأصنام لبقاء اسم الإسلام عليها.
[5] نكتة أصولية: هذا يسمى "الإجماع على عدم التفريق"؛ فمن فرق بين أصناف المرتدين فقد خرق إجماع الصحابة.
[6] قلت: أن الإمام أراد بهذا المبحث إحراج أولئك الذين يعذرون "عباد القبور" أو "المستهزئين" بدعوى أنهم يقولون الشهادتين؛ فإذا كان من زاد "نبياً" مع النبي ﷺ كفر وبطلت شهادته، فكيف بمن صرف "حق الله" لغيره؟ هذا هو الفهم الذي يطرد شبهات الشياطين.
-------------------------&
التتمة الخامسة::: المبحث السادس
وحدة الإجماع في حكم المرتدين وخطر الشك في كفرهم
أولاً: نص القطعة
«وَمَعَ هَذَا أَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ وَلَوْ جَهِلُوا ذَلِكَ، وَمَنْ شَكَّ فِي رِدَّتِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ. فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ العُلَمَاءَ أَجْمَعُوا أَنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا وَرَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَشَتَمُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ هُمْ وَمَنْ أَقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُسَيْلِمَةَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى الإِسْلَامِ كُلِّهِ» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي
1. شَتَمُوا (السب):
الاشتقاق اللغوي: من مادة (ش ت م)، وهو الكلام القبيح، والمراد هنا الانتقاص من مقام النبي ﷺ أو الطعن في رسالته [2].
الحكم: سب النبي ﷺ كفرٌ مخرج من الملة ظاهراً وباطناً، وهو ناقض لا يُقبل معه عمل، وقد صنف فيه ابن تيمية كتابه الحافل "الصارم المسلول" [3].
2. مَنْ شَكَّ فِي رِدَّتِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ:
القاعدة العقدية: هذه هي القاعدة الثالثة من "نواقض الإسلام"، ومعناها أن من لم يُكفّر من كفره الله ورسوله، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، فقد كفر؛ لأن في ذلك تكذيباً للنصوص التي كفّرتهم [4].
3. وَلَوْ جَهِلُوا ذَلِكَ (الجهل بالناقض):
المعنى: أن من تلبس بالشرك الأكبر أو ناقض أصل الدين الصريح، فإن دعوى الجهل لا تنفعه في تنزيل مسمى الكفر عليه في الدنيا، لأن هذه الأصول مما عُلم من الدين بالضرورة [5].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول شمولية الإجماع وتلازم النواقض)
يرى الباحث أن هذا الموضع يُرسخ قواعد عقدية صلبة في التعامل مع النواقض:
قاعدة "التسوية بين النواقض": يرى الباحث أن الإمام أراد تبيين أن الكفر لا "رتبة" له في إباحة الدم والسباء؛ فمن شتم النبي ﷺ (ناقض قولي) ومن عبد الأوثان (ناقض عملي) ومن أقر بمسيلمة (ناقض في النبوة) كلهم عند الصحابة "في حال واحدة"؛ أي في حكم المرتد الذي يجب قتله.
بطلان "التبعيض في الإسلام": يُؤصل الباحث لقاعدة أن الإسلام "كلٌّ لا يتجزأ"؛ فقول الإمام "ولو ثبت على الإسلام كله" (أي يصلي ويصوم ويحج) يدل على أن الناقض الواحد يرفع أثر بقية الأعمال والشرائع، فمن أقر بنبوة كذاب بطلت صلاته وصيامه وشهادته.
عقوبة الشاك في الكفر الصريح: يستنبط الباحث أن حكاية الإجماع على كفر الشاك في المرتدين هو "سياج" لحماية التوحيد؛ فمن لم يرَ كفر من أقر بمسيلمة، فهو لم يعرف حقيقة التوحيد ولا حقيقة النبوة، فاستحق أن يلحق بهم في الحكم.
نفي العذر بالجهل في أصول الملة: يقرر الباحث أن الإجماع الذي نقله الإمام يشمل حتى الجاهل بكون فعله مكفراً؛ لأن من أقر بنبوة مسيلمة (بناءً على شهود الزور) كان جاهلاً بالحق، ومع ذلك لم يمنع جهله الصحابة من قتله وتكفيره.
-------:-:--&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 22.
[2] ابن فارس، "مقاييس اللغة"، مادة (شتم).
[3] ابن تيمية، "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، ص 5.
[4] "نواقض الإسلام"، الناقض الثالث.
[5] ابن القيم، "طريق الهجرتين"، ص 411 (الكلام على طبقات المكلفين).
[6] نكتة أصولية: الإجماع هنا "إجماع عملي قطعي"؛ فقد جرد الصديق السيوف ضد الجميع بغير استثناء، وتابعه الصحابة، ولم ينكر منهم منكر.
[7] قلت: أن الإمام أراد بهذا المبحث إقامة الحجة على من يفرقون بين المشركين اليوم؛ فإذا كان من "ثبت على الإسلام كله" لم تنفعه صلاته لما أقر بنبوة مسيلمة، فكيف بمن ترك الصلاة والتوحيد؟ هذا هو الوضوح الذي يطلبه طالب العلم.
-----------------------------&
التتمة السادسة: المبحث السادس
وَحْدَةُ الحُكْمِ فِي مُوَاجهَةِ تَعَدُّدِ مَرَاكِزِ الرِّدَّةِ
أَوَّلاً: نَصُّ القِطْعَةِ (مَشْكُولاً)
«وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَالصِّدْقُ لَائِحٌ فِي دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّقَ العَنْسِيَّ صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّهُمْ سَوَاءٌ؛ هُمْ وَمَنْ كَذَّبَ النَّبِيَّ ﷺ وَرَجَعَ إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَمِنْهُمْ أَنْوَاعٌ أُخْرَى كَطُلَيْحَةَ وَأَتْبَاعِهِ» [1].
ثانِيًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ
يَرَى البَاحِثُ أَنَّ هَذَا المَوْضِعَ يَقْطَعُ دَابِرَ الشُّبْهَةِ الَّتِي تَتَشَبَّثُ بِـ (صِدْقِ اللَّهْجَةِ) أَوْ (قُوَّةِ الشُّبْهَةِ)؛ فَإِذَا كَانَ مَنْ صَدَّقَ مُسَيْلِمَةَ لِـ (لَوَائِحِ صِدْقٍ) رَآهَا، أَوْ صَدَّقَ العَنْسِيَّ لِـ (خَوَارِقَ) شَاهَدَهَا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الصَّحَابَةَ مِنْ تَكْفِيرِهِمْ جَمِيعًا وَتَسْوِيَتِهِمْ بِعُبَّادِ الأَوْثَانِ، فَعُلِمَ أَنَّ "مُصَادَمَةَ الوَحْيِ" لَا عُذْرَ فِيهَا بِتَأْوِيلٍ وَلَا بِتَقْلِيدٍ لِمُتَبَوِّئِ مَقَامِ النُّبُوَّةِ كَذِبًا.
----------------------&
الحَاشِيَةُ
[1] مُسَيْلِمَةُ الكَذَّابُ: هو مُسَيْلِمَةُ بنُ حَبِيبٍ الحَنَفِيُّ، مِنْ أَهْلِ اليَمَامَةِ. قَدِمَ مَعَ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَزَعَمَ أَنَّ القُرْآنَ يُوحَى إِلَيْهِ بِسَجْعٍ رَكِيكٍ. قُتِلَ فِي مَعْرَكَةِ (عَقْرَبَاءَ) بِاليَمَامَةِ سَنَةَ 12 هـ عَلَى يَدِ وَحْشِيِّ بنِ حَرْبٍ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ.
[2] الأَسْوَدُ العَنْسِيُّ (صَاحِبُ صَنْعَاءَ): هو عَبْهَلَةُ بنُ كَعْبِ بنِ غَوْثٍ العَنْسِيُّ، يُلَقَّبُ بِـ (ذِي الخِمَارِ). كَانَ كَاهِنًا مُشَعْوِذًا، ارْتَدَّ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ بِاليَمَنِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى صَنْعَاءَ. هو أَوَّلُ مَنِ ارْتَدَّ فِي الإِسْلَامِ، وَقُتِلَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِليْلَةٍ وَاحِدَةٍ، قَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ وَأَصْحَابُهُ بِتَدْبِيرِ "آزَادَ" زَوْجَةِ الأَسْوَدِ الَّتِي كَانَ قَدْ غَصَبَهَا نَفْسَهَا.
[3] طُلَيْحَةُ الأَسَدِيُّ: هو طُلَيْحَةُ بنُ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيُّ. كَانَ مِنْ شُجْعَانِ العَرَبِ، ارْتَدَّ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي بَنِي أَسَدٍ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ غَطَفَانُ وَبَنُو أَسَدٍ. هَزَمَهُ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ فِي مَعْرَكَةِ (بُزَاخَةَ)، فَفَرَّ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَشَهِدَ القَادِسِيَّةَ وَنَهَاوَنْدَ بَلَاءً حَسَنًا حَتَّى اسْتُشْهِدَ فِيهَا سَنَةَ 21 هـ.
[4] الرَّجَّالُ بنُ عُنْفُوَةَ (شَاهِدُ الزُّورِ): هو الرَّجَّالُ بنُ عُنْفُوَةَ الحَنَفِيُّ. كَانَ قَدْ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَرَأَ سُورَةَ البَقَرَةِ وَتَفَقَّهَ، ثُمَّ بَعَثَهُ الصِّدِّيقُ رَسُولاً إِلَى أَهْلِ اليَمَامَةِ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى اللهِ وَيُثَبِّتَهُمْ، فَخَانَ الأَمَانَةَ وَشَهِدَ لِمُسَيْلِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَشْرَكَهُ مَعَهُ فِي النُّبُوَّةِ، فَكَانَتْ فِتْنَتُهُ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ مُسَيْلِمَةَ. قُتِلَ كَافِرًا فِي مَعْرَكَةِ اليَمَامَةِ.
[5] قَلت: أَنَّ هَذِهِ التَّرَاجِمَ تُبَيِّنُ أَنَّ الرِّدَّةَ قَدْ تَقَعُ مِمَّنْ حَفِظَ القُرْآنَ (كَالرَّجَّالِ)، أَوْ مِمَّنْ كَانَ يُظْهِرُ العِبَادَةَ (كَمُسَيْلِمَةَ)، فَلَمْ تَعْصِمْهُمْ هَذِهِ المَنَاقِبُ لَمَّا نَقَضُوا الأَصْلَ، وَهَذَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِمَنْ يَعْتَذِرُ لِلْمُشْرِكِينَ اليَوْمَ بِبَعْضِ صَلَاحِهِمْ أَوْ مَظَاهِرِهِمْ
-------------------------&
التتمة السابعة:: المبحث السادس
ردة "الفجاءة السلمي" ودلالة الاستباحة في نقض الإسلام
أولاً: نص القطعة (وفق روايتكم المسددة)
«وَآخِرُهُمُ: الفُجَاءَةُ السُّلَمِيُّ؛ لَمَّا وَفَدَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قِتَالَ المُرْتَدِّينَ، وَطَلَبَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُمِدَّهُ؛ فَأَعْطَاهُ سِلَاحًا وَرَوَاحِلَ، فَصَارَ يَسْتَعْرِضُ المُسْلِمَ وَالكَافِرَ، يَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ [وَيَقْتُلُهُمْ]، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ مَنْ أَتَى بِهِ، فَلَمَّا جِيءَ بِهِ؛ أَمَرَ بِتَحْرِيقِهِ بِالنَّارِ وَهُوَ حَيٌّ» [1].
ثانياً: التحليل اللغوي والشرعي للواقعة
1. يَسْتَعْرِضُ (الاستعراض):
المعنى: قتل الناس على "عِرض"، أي يقتل كل من لَقِيَه دون تمييز بين من يجب قتله ومن يحرم دمه. وهو فعل الخوارج وأهل الردة الذين يستبيحون بيضة الإسلام [2].
2. الرَّوَاحِل:
المعنى: جمع راحلة، وهي الناقة القوية التي تُختار للأسفار والأحمال، والمراد هنا الإمداد العسكري المتكامل الذي ناله من بيت مال المسلمين [3].
ثالثاً: التأصيل العقدي للباحث (حول القطعة)
يرى الباحث أن هذا الموقف من الصديق رضي الله عنه تجاه الفجاءة هو أعظم رد على "شبهة الكلمة المجردة" من عدة أوجه:
ناقض "الاستباحة" يرفع العصمة: يرى الباحث أن الفجاءة لم يعبد صنماً، بل ادعى الجهاد، ولكن لما "استعرض" المسلمين (أي استباح دماءهم) ساوى نفسه بالمرتدين في الحكم؛ لأن من استباح دماء الموحدين فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ، ولم تنفعه وسيلته التي بدأ بها.
خطر "التلبيس" باسم الدين: يُؤصل الباحث لقاعدة أن المرتد قد يأتي من باب "طلب السلاح لقتال المرتدين"، فإذا كان فعله هدم للإسلام، عومل معاملة المرتد الصريح؛ وهذا يقطع الطريق على من يقول: "كيف نكفر من يدعي نصرة الدين؟".
دلالة "التحريق" على غلظ الجرم: يستنبط الباحث أن الصديق لم يكتفِ بقتله، بل حرقَه بالنار، وهو فعلٌ لا يفعله الصديق إلا في أمرٍ بلغ الغاية في الشناعة والردة، ليكون عبرةً لكل من تسول له نفسه استغلال اسم الإسلام لضرب أهله.
التسوية بينه وبين عباد الأوثان: يقرر الباحث أن الإمام جعل الفجاءة "آخر" المرتدين ليربطه بمن سبق ذكرهم (أتباع مسيلمة والعنسي)؛ فكلهم عند الصحابة في "حال واحدة"، فمن شك في كفر أحدهم فقد كفر.
-------------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 22.
[2] ابن الأثير، "النهاية في غريب الحديث والأثر"، مادة (عرض).
[3] الجرجاني، "التعريفات"، ص 115.
[4] تخريج الواقعة: ذكرها الطبري في "تاريخه" (3/264)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (6/319).
[5] نكتة عقدية: استدلال الإمام بقصة الفجاءة هو ضربة لـ "المرجئة"؛ فالرجل لم يرتكب مكفراً "قلبياً" في الظاهر، بل ارتكب "استباحة عملية"، ومع ذلك كفره الصديق وحرقه.
[6] قلت: أن الإمام اختار قصة الفجاءة ليختم بها المواضع الستة؛ ليعلم طالب العلم أن "الولاء والبراء" والعمل بمقتضى الإسلام هو الحصن، وأن الدعاوى العريضة لا تحمي صاحبها من سيف الحق إذا ناقض أصله.
----------------------------------&
التتمة الثامنة: المبحث السادس
تحقيق قصة "الفجاءة السلمي" ودلالتها على نقض الطاعة والردة
أولاً: نص القطعة (وفق السياق الذي أوردتموه)
«فَلَمَّا أَحَسَّ [الفُجَاءَةُ] بِالْجَيْشِ؛ قَالَ لِأَمِيرِهِمْ: أَنْتَ أَمِيرُ أَبِي بَكْرٍ وَأَنَا أَمِيرُهُ فَلَمْ أَكْفُرْ! فَقَالَ [طَرِيفَةُ بْنُ حَاجِزٍ]: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَلْقِ السِّلَاحَ؛ فَأَلْقَاهُ، [فَبَعَثَ بِهِ] إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَرَ بِتَحْرِيقِهِ بِالنَّارِ وَهُوَ حَيٌّ» [1].
ثانياً: تخريج القصة وتحقيقها
المصادر: أخرج هذه القصة بتمامها الإمام الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" (3/264)، والإمام ابن كثير في "البداية والنهاية" (6/319)، وذكرها ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" (2/212) [2].
إسناد القصة: وردت القصة من طريق سيف بن عمر التميمي، وهو عمدة في أخبار الفتوح والردة وإن كان في حفظه ضعف عند المحدثين، إلا أن أصل القصة (ردة الفجاءة وتحريقه) ثابتة بشواهد أخرى وتلقاها الفقهاء والمؤرخون بالقبول [3].
الحكم التاريخي: القصة ثابتة في جملتها، ومشهورة في كتب السير والتاريخ، وقد احتج بها العلماء في كتب الفقه في باب "حكم المرتد" [4].
ثالثاً: التأصيل العقدي والفقبي للباحث (حول الحوار والجزاء)
يرى الباحث أن هذا السياق يُحكم عدة أصول شرعية:
بطلان "الشرعية اللفظية" مع الفساد العملي: يرى الباحث أن قول الفجاءة "أنا أمير أبي بكر" هو تمسك بـ (صيغة عقدية) زالت بفعله؛ فإمارة الصديق لا تُعطي حصانة لقتل المسلمين، فبطل كونه أميراً بمجرد خروجه عن الجادة، ولم ينفعه قوله "لم أكفر" مع فعل الأفعال التي لا تجتمع مع الإيمان.
ميزان "إلقاء السلاح": يُؤصل الباحث لقاعدة أن الكف عن المسلمين هو "علامة الصدق"؛ فلو كان الفجاءة صادقاً في طاعته لَمَا استعرض المسلمين أصلاً، ولما احتاج لجيش يُبعث إليه، فدل استسلامه عند إحساسه بالهزيمة على أنه "خوف من السيف" لا "إنابة للحق".
دلالة التحريق على الردة لا البغي: يستنبط الباحث أن الصديق لم يعامله معاملة "قاطع الطريق" (الذي يُقتل أو يُصلب)، بل حرقه؛ وهذا عند الفقهاء دليل على أنه عامله معاملة "المرتد الجاحد"؛ لأن تغليظ العقوبة بهذا الشكل يُشير إلى خروجه من ربقة الملة باستباحته ما عُلم من الدين بالضرورة.
تجريد التوحيد من "الدعاوى الزائفة": يقرر الباحث أن الإمام أورد هذه القصة في ختام المواضع الستة ليرد على من يقول: "كيف نكفر من يدعي أنه معنا؟"؛ فالصحابة لم يلتفتوا لدعواه أنه (أمير الصديق) لما رأوا سيفه يقطر من دماء المسلمين.
------------------------------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 22.
[2] يُنظر أيضاً: "أسد الغابة" لابن الأثير (1/256) في ترجمة إياس بن عبد الله (الفجاءة).
[3] ابن حجر العسقلاني، "تقريب التهذيب"، ص 262 (ترجمة سيف بن عمر: ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ).
[4] نكتة تاريخية: ذكر ابن كثير أن الصديق رضي الله عنه ندم على التحريق لاحقاً لقول النبي ﷺ: «لا يعذب بالنار إلا رب النار»، لكنه لم يندم قط على قتله ووصفه بالردة، فالحق في دمه كان ثابتاً.
[5] قلت: أن هذه القصة هي "القاضية" على شبهة "لا إله إلا الله" المجردة؛ فالفجاءة لم يقلها فحسب، بل ادعى الولاية للصديق، ومع ذلك أجمع الصحابة على قتله لفساد مخبره ونقضه لأصل دينه بفعله.
-----------------------------&
التتمة التاسعة::::: المبحث السادس
تحرير واقعة "تحريق الفجاءة" (دراسة عقدية وفقهية)
تُعد واقعة تحريق الفجاءة السلمي من أدق المسائل التي استدل بها أئمة الدعوة على بطلان "الإسلام الصوري"، ويمكن تحريرها من جهتين:
أولاً: التحرير العقدي (لماذا كفّر الصديقُ الفجاءةَ؟)
يرى الباحث أن كفر الفجاءة لم يكن بالرجوع للأصنام، بل بـ "نقض مقتضى الشهادتين والولاء"، ويظهر ذلك في:
ناقض الاستباحة (الاستعراض): عندما استعرض الفجاءة المسلم والكافر وقتلهما معاً، فقد ألغى "عصمة دم المسلم"، وهذا لا يصدر إلا عمن انخلع من ربقة الإسلام؛ فالتسوية بين دم الموحد ودم المرتد كفرٌ بحد ذاته [1].
الغدر بعد الائتمان: أخذ السلاح باسم "الجهاد" ثم استخدامه لـ "الحراب" ضد المسلمين يُعد نقضاً لعهد الطاعة والإيمان، ومحاربةً لله ورسوله بزي المسلمين، وهو أغلظ من الكفر الأصلي [2].
بطلان الاحتجاج بـ "الكلمة": عندما قال الفجاءة: "لم أكفر"، رد الصديق قوله بفعله؛ فالعمل هنا (القتل والاستباحة) صار مكفراً عملياً أخرج صاحبه من الملة، ولم تنفعه دعوى اللسان [3].
ثانياً: التحرير الفقهي (لماذا حرق الصديقُ الفجاءةَ وهو حي؟)
هذا هو موضع الإشكال الفقهي، ويُحرر من خلال السياسة الشرعية لـ "إمام المسلمين":
باب السياسة الزاجرة: أجمع العلماء أن المرتد يُقتل بالسيف، لكن الصديق عدل إلى التحريق "نكالاً وتعزيراً"؛ لأن الفجاءة فعل بالأمة فعلاً عظيماً (الغدر والمساواة في القتل)، فرأى الصديق أن المصلحة في زمن الردة تقتضي "تغليظ العقوبة" لزجر من تسول له نفسه التلاعب بالدين [4].
المقابلة بجنس العمل: نُقل أن الفجاءة كان يحرق المسلمين الذين يقتلهم، فكان فعله من باب "القصاص والتمثيل بالمرتد" جزاءً وفاقاً [5].
إجماع الصحابة العملي: حضر كبار الصحابة (كعمر وعلي رضي الله عنهما) ولم يُنكر أحد منهم "أصل قتل الفجاءة" أو "كفره"، وإنما وقع الندم لاحقاً على "هيئة القتل"، مما يجعل كفر الفجاءة مسألة إجماعية [6].
ثالثاً: مآل المسألة (ندم الصديق)
ثبت عن أبي بكر رضي الله عنه قوله: «وَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالفُجَاءَةِ قَتَلْتُهُ سَرِيحاً، أَوْ خَلَّيْتُهُ نَجِيحاً، وَلَمْ أَكُنْ حَرَّقْتُهُ».
التحرير: ندم الصديق هو ندم "تورع" عن مخالفة هيئة القتل النبوية، وليس ندمًا على الحكم بكفر الفجاءة أو استحقاقه للإعدام؛ فالحق في دمه كان ثابتاً، والنزاع كان في "الوسيلة" فحسب [7].
----------------&
الحاشية
[1] ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج28، ص 470 (الكلام على قتال أهل البغي والمرتدين).
[2] الطبري، "تاريخ الرسل والملوك"، ج3، ص 264.
[3] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 22 (التعليق على قصة الفجاءة).
[4] ابن القيم، "إعلام الموقعين"، ج2، ص 115 (تصرفات الأئمة بالسياسة الشرعية).
[5] ابن كثير، "البداية والنهاية"، ج6، ص 319.
[6] نكتة أصولية: لو كان فعل الصديق منكراً شرعاً في أصله (أي في كفر الفجاءة) لأنكره الصحابة، فلما أقروا قتله، دل على ثبوت الردة.
[7] الضياء المقدسي، "الأحاديث المختارة"، (1/89).
----------------------------------&
التتمة العاشرة::: المبحث السادس
فقه "قياس الأَوْلَوية" في مقارنة ردة الفجاءة بضلال الجاهلية المعاصرة
أولاً: نص القطعة (الوجه الأخير)
«فَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمُ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الرَّجُلِ مَعَ إِقْرَارِهِ بِأَرْكَانِ الإِسْلَامِ الخَمْسَةِ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ لَمْ يُقِرَّ مِنَ الإِسْلَامِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بِلِسَانِهِ، مَعَ تَصْرِيحِهِ بِتَكْذِيبِ مَعْنَاهَا، وَتَصْرِيحِهِ بِالبَرَاءَةِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؟!» [1].
ثانياً: التحليل العقدي المقارن (تحرير وجه الاستدلال)
يقرر الباحث في هذا المقام أن الإمام ختم المواضع الستة بأقوى أنواع الأقيسة الأصولية وهو "قياس الأَوْلَوية"، ويظهر ذلك من خلال استقراء حال الفجاءة السلمي وحال من يدافع عنهم "علماء السوء" في زماننا:
1. الموازنة في باب الأركان والعمل:
يرى الباحث أن الفجاءة السلمي لم يكن مفرطاً في شعائر الدين الظاهرة؛ بل كان مقراً بالأركان الخمسة (الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج) مع الشهادة، ومع ذلك لم يشفع له هذا الإيمان العملي الواسع عندما أتى "بناقض واحد" وهو الاستباحة والغدر بجيش المسلمين. فإذا كان هذا حال من سقط في ناقض فرعي مع استمساكه بالأركان، فكيف يكون حال من لا يعرف من الإسلام إلا "اللفظ"، وهو يهدم الركن الأعظم (التوحيد) بصرف العبادة لغير الله؟ [2].
2. الموازنة في باب التوحيد والرسالة:
يُؤصل الباحث لقاعدة أن "اللفظ المجرد" لا قيمة له مع "تكذيب المعنى"؛ فالبوادي والقبوريون الذين يقولون (لا إله إلا الله) بلسانهم ثم يذبحون لغير الله أو يشرعون غير شرع الله، هم في الحقيقة "مصرحون بتكذيب معناها"؛ لأن حقيقة التوحيد هي إفراد الله بالعبادة. فإذا كان الفجاءة قد كفر بجناية "عملية" (القتل)، فإن هؤلاء كفروا بجناية "أصلية" في صلب المعنى والاعتقاد [3].
3. التصريح بالبراءة من الدين والكتاب:
يستنبط الباحث أن الإمام أراد تبيين غلظ كفر من يفضل القوانين الجاهلية أو الموروثات الوثنية على حكم الله؛ فهذا النوع من "البراءة الفعلية" من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو كفرٌ أظهر وأبين من كفر الفجاءة الذي كان يدعي أنه "أمير أبي بكر". فمن صرح بالبراءة من مقتضى الرسالة، فقد قطع كل حبال العصمة، واستحق حكم الردة من باب أولى وأحرى [4].
ثالثاً: مجمع البحث في هذا الوجه
إن سؤال الإمام الاستنكاري ("فما ظنك") هو الذي يطرد شبهات الشياطين تماماً؛ لأنه ينقل المكلف من الحيرة إلى اليقين؛ فإذا كان الصديق والصحابة قد استحلوا دم وحرقوا من عظم شأن الإسلام في قلبه حتى أقر بأركانه لمجرد غدره واستباحته، فكيف يُعذر من لم يدخل في الإسلام أصلاً إلا بلسانه، وهو يحاد الله ورسوله في دينه وكتابه؟ هذا هو الوضوح الذي تنقشع به سحب الإرجاء وتلبيس الملبسين [5].
---------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 23.
[2] ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج28، ص 475 (الكلام على أولوية قتال المشركين على قتال البغاة).
[3] ابن القيم، "مدارج السالكين"، ج1، ص 346.
[4] نكتة أصولية: هذا يسمى "القياس الجلي" الذي لا يحتاج إلى نظر دقيق لظهوره؛ فثبوت الكفر في "الأقل" يستلزم ثبوته في "الأكثر" ضرورة.
[5] قلت: هذا الوجه ربط فيه الإمام بين التاريخ (السيرة) وبين الواقع (العقيدة)، ليجعل من قصة الفجاءة ميزاناً أبدياً يُعرف به الموحد الصادق من الملبس الكاذب.
------------&
التتمة الحادي عشر::: المبحث السادس
بَيَانُ بُهْتَانِ المَفْتُونِ بِـ "الإِسْلَامِ الصُّورِيِّ"
أولاً: نَصُّ القِطْعَةِ (مُشَكَّلاً)
«وَيَقُولُونَ: (هَذَا دِينُ الحَضَرِ، وَدِينُنَا دِينُ آبَائِنَا!) ثُمَّ يُفْتُونَ هَؤُلَاءِ المَرْضَى الجُهَّالُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ مُسْلِمُونَ وَلَوْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ كُلِّهِ إِذَا قَالُوا: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)! سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ» [1].
ثانياً: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ وَالبَحْثِيُّ لِلْوَجْهِ الأَخِيرِ
يختم الباحث دراسة هذه الرسالة بتحرير النقاط الجوهرية التي أوردها الإمام في هذا المقطع المفصلي:
1. حَقِيقَةُ لَفْظِ (الحَضَر) فِي مِيزَانِ الجَاهِلِيَّةِ:
يرى الباحث أنَّ وصف هؤلاء الأعراب للتوحيد بأنه (دِينُ الحَضَر) ليس مجرد وصفٍ جُغرافي، بل هو "تَنَصُّلٌ عَقَدِيٌّ"؛ حيث جعلوا الإسلام ثقافةً تخص أهل القرى والمدن (الحَضَر) ولا تَلزم أهل البادية الذين يتمسكون بـ (دِينِ الآبَاء). وهذا التقسيم هو عين الشرك في الاتباع، حيث جعلوا العرف البدوي حَاكماً على النص الشرعي [2].
2. التَّصْرِيحُ بِالكَفْرِ وَدَعْوَى العِصْمَةِ:
يُؤصل الباحث لقاعدة ذهبية ذكرها الإمام؛ وهي أنَّ "التصريح بالبراءة من الدين" (بقولهم: ديننا دين آبائنا) يرفع مسمى الإسلام يقيناً. فتعجب الإمام من (المَرْضَى الجُهَّال) الذين يمنحون هؤلاء صكوك الإسلام لمجرد قول (لا إله إلا الله) بلسانهم، وهم يهدمون معناها بأفعالهم وأقوالهم الصريحة.
3. التَّنْزِيهُ الصَّدِيقِيُّ (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ):
يقرر الباحث أنَّ استخدام الإمام لهذا التنزيه هو إعلانٌ بأنَّ نسبة هؤلاء للإسلام هو "إِفْكٌ عَلَى اللهِ" وتزويرٌ لحقيقة الملة. فالله عز وجل لم يجعل كلمته (لا إله إلا الله) ملجأً للمستهزئين والمكذبين بدينه، بل جعلها ميثاقاً للعمل والانقياد [3].
-----------------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 23.
[2] يُنظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية، ج7، ص 220 (في تلازم الظاهر والباطن).
[3] نكتة أصولية: هذا الختام يقطع الطريق على "المُرجئة" الذين يفصلون العمل عن الإيمان؛ فمن فضل دين الآباء وصرح بذلك، لم ينفعه قول اللسان إجماعاً.
--------------&
التتمة الثانية عشر::: المبحث السادس
فِطْرَةُ البَادِيَةِ وَكَشْفُ زَيْفِ المُلَبِّسِينَ (الخَاتِمَة)
أولاً: نصُّ القِطْعَةِ (مِسْكُ الخِتَامِ)
«وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ وَاحِدٌ مِنَ البَادِيَةِ، لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا وَسَمِعَ شَيْئاً مِنَ الإِسْلَامِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّنَا كُفَّارٌ -يَعْنِي هُوَ وَجَمِيعَ البَادِيَةِ- وَأَشْهَدُ أَنَّ "المُطَوِّعَ" الَّذِي يُسَمِّينَا أَهْلَ الإِسْلَامِ أَنَّهُ كَافِرٌ! تَمَّ وَللهِ الحَمْدُ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً» [1].
ثانياً: التحليل العقدي والتربوي لشهادة "البادوي"
يرى الباحث أن الإمام أورد هذه القصة في الختام ليرسخ عدة حقائق كبرى:
1. وضوح الحق عند تجرده من الهوى:
يرى الباحث أن هذا الأعرابي، بسلامة فطرته، لما سمع حقيقة "الإسلام" (الذي هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك)، قارن ذلك بحال البوادي وما هم عليه من تحكيم السوالف ودين الآباء، فلم يتردد في الاعتراف بالحقيقة المريرة: (أشهد أننا كفار). وهذا يُبين أن التوحيد بَيِّنٌ لا يحتاج إلا لقلبٍ يُلقي السمع وهو شهيد [2].
2. جناية "المطوع" الملبس:
يُؤصل الباحث لأخطر نقطة في الخاتمة، وهي شهادة الأعرابي على (المطوع) الذي يسميهم أهل إسلام؛ فوصفه بالكفر لأنه "كذب على الله وعلى دينه". فمن جعل (الشرك) إسلاماً، و(الكفار) مسلمين، فقد كذّب الكتاب والسنة، وصار شريكاً لهم في ضلالهم؛ لأن تصحيح مذهب المشركين ناقضٌ مخرج من الملة [3].
3. الفرق بين "التسمية" و"الحقيقة":
يستنبط الباحث أن الأسماء لا تُغير الحقائق؛ فكلمة "مطوع" (التي تطلق على طالب العلم أو المتدين) لم تحمه من حكم الأعرابي عليه لما رأى تلبيسه. فالإسلام حقيقةٌ وعمل، وليس ألقاباً تُوزع على من يهدم أركان الملة [4].
ثالثاً: خاتمة البحث (كلمة الباحث)
بهذا يختم الإمام محمد بن عبد الوهاب رسالته "المواضع الستة من السيرة"، وقد أقام الحجة فيها من ستة أوجه تاريخية وعقدية:
قصة بدء الوحي (وضوح التوحيد).
قصة قريش مع النبي ﷺ (حقيقة الشرك).
قصة قصة الغرانيق (البراءة من الشرك وأهله).
قصة إسلام عمر (قوة الحق ومفاصلة الباطل).
قصة النجاشي (الانقياد لشرع الله).
قصة الردة والفجاءة (بطلان الإسلام الصوري).
ويرى الباحث أن هذه الرسالة هي "ترياق" لسموم الإرجاء المعاصر، ومنهجٌ عملي لكل طالب علم يريد أن يفهم التوحيد من خلال التطبيق النبوي وسيرة الصحابة الكرام [5].
-------------------&
الحاشية
[1] محمد بن عبد الوهاب، "ستة مواضع من السيرة"، ص 23.
[2] ابن القيم، "إغاثة اللهفان"، ج1، ص 115 (في حقيقة الفطرة).
[3] "نواقض الإسلام"، الناقض الثالث (من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم).
[4] نكتة تربوية: اعتراف الأعرابي بالحق فضيلة، وتلبيس "المطوع" رذيلة؛ فالفطرة قد تسبق العلم الملبس بالهوى.
[5] قول الباحث: تم هذا البحث بحمد الله وتوفيقه، ونسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح على نهج سلف الأمة.
-----------------&
(40) نَتِيْجَةً عِلْمِيَّةً وَبَحْثِيَّةً مُسْتَخْلَصَةً (مُشَكَّلَةً بِالكَامِلِ)
مِحْوَرِيَّةُ التَّوحِيدِ: التَّوْحِيدُ هُوَ جَوْهَرُ دَعْوَةِ الأَنْبِيَاءِ، وَالمَوَاضِعُ السِّتَّةُ تُثْبِتُ أَنَّهُ الأَصْلُ الَّذِي تُقَاسُ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الأَعْمَالِ.
حَقِيقَةُ الشِّرْكِ الجَاهِلِيِّ: شِرْكُ قُرَيْشٍ لَمْ يَكُنْ فِي إِنْكَارِ الخَالِقِ، بَلْ فِي اتِّخَاذِ الوَسَائِطِ وَالشَّفَاعَةِ، وَهَذَا مَا يَقَعُ فِيهِ عُبَّادُ القُبُورِ اليَوْمَ.
وُضُوحُ دَعْوَةِ الوَحْيِ: قِصَّةُ بَدْءِ الوَحْيِ تُبَيِّنُ أَنَّ الإِسْلَامَ جَاءَ لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ العِبَادِ بِوُضُوحٍ تَامٍّ.
بُطْلَانُ "القَوْلِ المُجَرَّدِ": قِصَّةُ الفُجَاءَةِ السُّلَمِيِّ بُرْهَانٌ بَحْثِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) لَا يَنْفَعُ مَعَ ارْتِكَابِ نَوَاقِضِهَا العَمَلِيَّةِ.
نَاقِضُ الِاسْتِبَاحَةِ: اسْتِعْرَاضُ الفُجَاءَةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَتْلُهُمْ يُعَدُّ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ وَالإِسْلَامِ، وَإِنْ زَعَمَ الفَاعِلُ أَنَّهُ (أَمِيرُ أَبِي بَكْرٍ).
إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ المُمْتَنِعِينَ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ جَحَدَ رُكْنًا (كَالزَّكَاةِ) فَقَدْ خَرَجَ مِنَ المِلَّةِ.
الفَرْقُ بَيْنَ "البَغْيِ" وَ"الرِّدَّةِ": حَرَّرَ البَحْثُ أَنَّ مُعَامَلَةَ الصِّدِّيقِ لِلْفُجَاءَةِ بِالتَّحْرِيقِ تَدُلُّ عَلَى تَصْنِيفِهِ ضِمْنَ المُرْتَدِّينَ لَا البُغَاةِ العَاصِينَ.
أَثَرُ "الغَدْرِ" فِي تَغْلِيظِ العُقُوبَةِ: خِيَانَةُ الفُجَاءَةِ لِلْأَمَانَةِ (أَخْذُ السِّلَاحِ بِاسْمِ الجِهَادِ) اسْتَوْجَبَتِ التَّنْكِيلَ بِهِ زَجْرًا لِلْفِتْنَةِ.
فِقْهُ "السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ": تَحْرِيقُ الصِّدِّيقِ لِلْفُجَاءَةِ اجْتِهَادٌ فِي صِفَةِ القَتْلِ لِمَصْلَحَةِ حِفْظِ بَيْضَةِ الدِّينِ، وَلَيْسَ حُكْمًا عَامًّا فِي كُلِّ مُرْتَدٍّ.
وَرَعُ الصِّدِّيقِ: نَدَمُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى "التَّحْرِيقِ" يُثْبِتُ تَعْظِيمَهُ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، لَكِنَّهُ لَا يَنْفِي اسْتِحْقَاقَ المُرْتَدِّ لِلْقَتْلِ.
نَاقِضُ "الِاسْتِهْزَاءِ": وَصْفُ التَّوْحِيدِ بِأَنَّهُ (دِينُ الحَضَرِ) أَوْ (دِينُ الحَجَرِ) اسْتِهْزَاءً، هُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ يُحْبِطُ العَمَلَ.
خَطَرُ "دِينِ الآبَاءِ": تَقْدِيمُ العُرْفِ وَالتَّقَالِيدِ (دِينِ الآبَاءِ) عَلَى النَّصِّ الشَّرْعِيِّ هُوَ الصَّنَمُ الأَكْبَرُ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ الإِمَامُ.
فَسَادُ "التَّجْزِئَةِ فِي الدِّينِ": قِصَّةُ النَّجَاشِيِّ تُبَيِّنُ أَنَّ المُسْلِمَ الصَّادِقَ هُوَ مَنْ يَنْقَادُ لِكُلِّ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِمُجَرَّدِ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ.
ثَمْرَةُ "المُفَاصَلَةِ": قِصَّةُ إِسْلَامِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَرْهَنَتْ عَلَى أَنَّ الحَقَّ يَعِزُّ بِوُضُوحِ المَوْقِفِ وَمُنَابَذَةِ البَاطِلِ.
البَرَاءَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ: قِصَّةُ الغَرَانِيقِ تُؤَصِّلُ لِوُجُوبِ البَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَأَنَّ "المُدَاهَنَةَ" فِي أَصْلِ الدِّينِ مُمْتَنِعَةٌ.
كَشْفُ تَلْبِيسِ "المُطَوِّعِ": تَصْحِيحُ مَذْهَبِ المُشْرِكِينَ أَوْ تَسْمِيَتُهُمْ مُسْلِمِينَ مَعَ كُفْرِهِمُ البَوَاحِ يُعَدُّ خِيَانَةً لِلْعِلْمِ وَنَاقِضًا لِلدِّينِ.
حُجَّةُ "الفِطْرَةِ": قِصَّةُ الأَعْرَابِيِّ (وَاحِدٍ مِنَ البَادِيَةِ) أَثْبَتَتْ أَنَّ الفِطْرَةَ تُدْرِكُ التَّنَاقُضَ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالإِيمَانِ أَسْرَعَ مِنَ المُتَفَقِّهِ المُلَبِّسِ.
تَلَازُمُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ: البَحْثُ أَثْبَتَ أَنَّ فَسَادَ العَمَلِ الظَّاهِرِ (كَالِاسْتِعْرَاضِ وَالقَتْلِ) دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ الإِيمَانِ البَاطِنِ.
قِيَاسُ الأَوْلَوِيَّةِ العَقَدِيَّةِ: إِذَا كُفِّرَ الفُجَاءَةُ لِإِخْلَالِهِ بِمُقْتَضَى الإِمَامَةِ، فَمَنْ كَفَرَ بِاللهِ وَصَرَّحَ بِالبَرَاءَةِ مِنْ كِتَابِهِ أَوْلَى بِالتَّكْفِيرِ.
وَهْمُ "العِصْمَةِ بِاللَّفْظِ": النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ "مَانِعٌ" مِنَ القَتْلِ حَتَّى يَظْهَرَ النَّاقِضُ، فَإِذَا ظَهَرَ النَّاقِضُ بَطَلَتِ العِصْمَةُ.
عَلَاقَةُ السِّيرَةِ بِالعَقِيدَةِ: السِّيرَةُ هِيَ "المُخْتَبَرُ العَمَلِيُّ" الَّذِي تُفْهَمُ مِنْ خِلَالِهِ آيَاتُ العَقِيدَةِ وَنُصُوصُ الوَعِيدِ.
البَرَاءَةُ مِنَ "الجَاهِلِيَّةِ": تَصْرِيحُ البَوَادِي بِأَنَّ (دِينَهُمْ دِينُ آبَائِهِمْ) بَرَاءَةٌ صَرِيحَةٌ مِنَ الإِسْلَامِ، وَالفَتْوَى بِإِسْلَامِهِمْ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.
تَوْصِيفُ "المَرْضَى الجُهَّالِ": وَصْفُ الإِمَامِ لِمَنْ يُشَرْعِنُ الشِّرْكَ بِـ "المَرَضِ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّبْهَةَ فِي هَذَا البَابِ دَاءٌ قَلْبِيٌّ.
عَالَمِيَّةُ التَّوْحِيدِ: التَّوْحِيدُ لَيْسَ (دِينَ الحَضَرِ)، بَلْ هُوَ دِينُ رَبِّ العَالَمِينَ لِكُلِّ مَنْ بَدَتْ لَهُ بَادِرَتُهُ.
الصِّدْقُ مِيزَانُ الثَّبَاتِ: اسْتِسْلَامُ الفُجَاءَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الجَيْشِ (فَأَلْقَى السِّلَاحَ) لَمْ يَنْفَعْهُ، لِأَنَّهُ كَانَ اسْتِسْلَامَ "ضَرُورَةٍ" لَا "إِنَابَةٍ".
خُطُورَةُ "التَّأْوِيلِ الفَاسِدِ": التَّسَتُّرُ بِكَلِمَةِ (لَمْ أَكْفُرْ) مَعَ فِعْلِ الكُفْرِ هُوَ مَسْلَكُ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ.
مَنْزِلَةُ الصَّحَابَةِ فِي التَّحْقِيقِ: فِعْلُ الصِّدِّيقِ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فِي الرِّدَّةِ هُوَ المَرْجِعِيَّةُ الكُبْرَى عِنْدَ وُقُوعِ النِّزَاعِ فِي "مُسَمَّى الإِيمَانِ".
شُمُولِيَّةُ النَّوَاقِضِ: الرِّدَّةُ قَدْ تَقَعُ بِالجِنَايَةِ عَلَى حُقُوقِ المُسْلِمِينَ (كَالِاسْتِبَاحَةِ) كَمَا تَقَعُ بِالجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ اللهِ (كَالشِّرْكِ).
أَهَمِّيَّةُ "الوَلَايَةِ" فِي الدِّينِ: الرِّدَّةُ عَنْ طَاعَةِ الجَمَاعَةِ وَإِمَامِ المُسْلِمِينَ فِي أَوْقَاتِ الفِتَنِ قَدْ تُلْحِقُ بِصَاحِبِهَا حُكْمَ المُرْتَدِّ الكُلِّيِّ.
نَقْضُ "الِاسْتِعْلَاءِ بِالعِرْقِ": تَعَالِي البَوَادِي بِـ "عَادَاتِهِمْ" عَلَى "دِينِ الحَضَرِ" هُوَ كِبْرٌ يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ وَالإِسْلَامِ.
قُوَّةُ "الدَّلِيلِ التَّارِيخِيِّ": اسْتِخْدَامُ الإِمَامِ لِمَوَاقِفِ السِّيرَةِ حُجَّةٌ عَلَى "المُرْجِئَةِ" الَّذِينَ لَا يَعْتَدُّونَ إِلَّا بِالنَّظَرِيَّاتِ المُجَرَّدَةِ.
الِارْتِبَاطُ بِالكِتَابِ: خَتَمَ الإِمَامُ بِآيَةِ {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} يَرْبِطُ فِقْهَ السِّيرَةِ بِفِقْهِ القُرْآنِ.
التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ أَثَرُهُ عَقَدِيٌّ: التَّدْقِيقُ فِي لَفْظِ (الحَضَرِ) كَشَفَ عَنْ عُمْقِ الصِّرَاعِ الثَّقَافِيِّ ضِدَّ التَّوْحِيدِ.
وُجُوبُ "الِاسْتِثَابَةِ": بَعْثُ الجَيْشِ لِلْفُجَاءَةِ وَطَلَبُ إِلْقَاءِ السِّلَاحِ كَانَ فُرْصَةً لِلتَّوْبَةِ، لَكِنَّ إِلْقَاءَ السِّلَاحِ خَوْفًا لَا يَنْفَعُ فِي الرِّدَّةِ الغَلِيظَةِ.
تَحْقِيقُ مُسَمَّى "الكُفْرِ": الأَعْرَابِيُّ الَّذِي شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَوْمِهِ بِالكُفْرِ كَانَ "أَفْقَهَ" بِمُرَادِ اللهِ مِنْ "المُطَوِّعِ" المُدَاهِنِ.
البَحْثُ يَنْسِفُ "الإِرْجَاءَ": كُلُّ مَوْضِعٍ مِنَ المَوَاضِعِ السِّتَّةِ يَضَعُ "العَمَلَ" شَرْطًا فِي صِحَّةِ دَعْوَى الإِيمَانِ.
الإِسْلَامُ دِينُ الِانْقِيَادِ: قِصَّةُ النَّجَاشِيِّ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تُبَيِّنُ أَنَّ الإِسْلَامَ "اسْتِجَابَةٌ فَوْرِيَّةٌ" لِلْحَقِّ.
هَدْمُ الأَصْنَامِ المَعْنَوِيَّةِ: المَوَاضِعُ السِّتَّةُ تَهْدِمُ أَصْنَامَ (الهَوَى، العُرْفِ، الآبَاءِ، وَالمَصَالِحِ السِّيَاسِيَّةِ) أَمَامَ التَّوْحِيدِ.
الدِّقَّةُ فِي الحُكْمِ: الصَّحَابَةُ لَمْ يَحْكُمُوا عَلَى الفُجَاءَةِ بِالرِّدَّةِ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ "الِاسْتِعْرَاضِ" وَتَحَقُّقِهِ يَقِينًا.
الخِتَامُ بِالبَرَاءَةِ: الرِّسَالَةُ تَنْتَهِي بِوُجُوبِ البَرَاءَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ وَمِنَ المُلَبِّسِينَ الَّذِينَ يُحَسِّنُونَ لَهُمْ شِرْكَهُمْ
--------------------------&
[ 40 ] وَصِيَّةً عِلْمِيَّةً وَعَمَلِيَّةً حَوْلَ المَتْنِ
[ 1 ] تَجْرِيدُ التَّوحِيدِ: اجْعَلِ التَّوْحِيدَ أَوَّلًا وَآخِرًا، فَهُوَ أَصْلُ الأُصُولِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللهُ عَمَلًا دُونَهُ.
[ 2 ] السِّيرَةُ العَقَدِيَّةُ: عَلَيْكَ بِدِرَاسَةِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ دِرَاسَةً عَقَدِيَّةً، لَا مُجَرَّدَ سَرْدٍ قَصَصِيٍّ وَتَارِيخِيٍّ.
[ 3 ] الحَذَرُ مِنَ الصُّورِيَّةِ: احْذَرْ مِنَ "الإِسْلَامِ الصُّورِيِّ" الَّذِي يَكْتَفِي بِلَفْظِ اللِّسَانِ دُونَ حَقِيقَةِ القَلْبِ وَالعَمَلِ.
[ 4 ] مِيزَانُ الصَّحَابَةِ: ثَبِّتْ مَوَازِينَكَ الشَّرْعِيَّةَ وَفْقَ فَهْمِ الصَّحَابَةِ، فَهُمْ أَعْلَمُ الأُمَّةِ بِمُرَادِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
[ 5 ] عَدَمُ الِاغْتِرَارِ بِالأَلْقَابِ: لَا تَغْتَرَّ بِمَدْحِ المَادِحِينَ أَوْ أَلْقَابِ "المُطَوِّعَةِ"، وَالعِبْرَةُ بِمَا يُوَافِقُ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.
[ 6 ] شَجَاعَةُ الصِّدْقِ: كُنْ شُجَاعًا فِي قَوْلِ الحَقِّ كَصَاحِبِ البَادِيَةِ، وَلَا تُدَاهِنْ فِي دِينِ اللهِ.
[ 7 ] كَشْفُ المُلَبِّسِينَ: احْذَرْ مِنْ تَلْبِيسِ "مَرْضَى الجَهْلِ" الَّذِينَ يُشَرْعِنُونَ الشِّرْكَ بِاسْمِ الدِّينِ.
[ 8 ] البَرَاءَةُ مِنَ الطَّاغُوتِ: اجْعَلِ البَرَاءَةَ مِنَ الطَّاغُوتِ (وَدِينِ الآبَاءِ) رُكْنًا فِي عَقِيدَتِكَ لَا يَتَزَعْزَعُ.
[ 9 ] مُقْتَضَى الشَّهَادَةِ: اعْلَمْ أَنَّ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) لَهَا مُقْتَضَيَاتٌ، فَمَنْ أَتَى بِاللَّفْظِ وَنَاقَضَ المَعْنَى لَمْ تَنْفَعْهُ.
[ 10 ] لُزُومُ الحَقِّ: تَمَسَّكْ بِـ "الحَقِّ" وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ، فَالعِبْرَةُ بِالجَمَاعَةِ مَا وَافَقَ الحَقَّ.
[ 11 ] فِقْهُ النَّوَاقِضِ: ادْرُسْ "نَوَاقِضَ الإِسْلَامِ" دِرَاسَةً مُتَأَنِّيَةً لِئَلَّا تَقَعَ فِيهَا وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ.
[ 12 ] تَقْدِيمُ الوَحْيِ: قَدِّمْ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى أَعْرَافِ القَبِيلَةِ وَعَادَاتِ المُجْتَمَعِ.
[ 13 ] الأَمَانَةُ العِلْمِيَّةُ: كُنْ حَذِرًا مِنَ "الغَدْرِ" بِالأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ أَوِ الدَّعْوِيَّةِ.
[ 14 ] رَدُّ الشُّبُهَاتِ: تَعَامَلْ مَعَ الشُّبُهَاتِ بِرَدِّهَا إِلَى الأُصُولِ المُحْكَمَةِ، وَلَا تَلْتَفِتْ لِلْمُشَابِهَاتِ.
[ 15 ] تَعْظِيمُ الدِّمَاءِ: عَظِّمْ حُرْمَةَ دِمَاءِ المُسْلِمِينَ، وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِحْلَالَهَا نَاقِضٌ عَظِيمٌ.
[ 16 ] الوُقُوفُ عِنْدَ الحُدُودِ: كُنْ وَقَّافًا عِنْدَ حُدُودِ اللهِ، وَاقْتَدِ بِوَرَعِ الصِّدِّيقِ فِي مُرَاجَعَتِهِ لِنَفْسِهِ.
[ 17 ] تَسْمِيَةُ الأُمُورِ بِمُسَمَّيَاتِهَا: لَا تَسْمَحْ لِلْأَهْوَاءِ أَنْ تَصْرِفَكَ عَنْ تَسْمِيَةِ الأَشْيَاءِ بِمُسَمَّيَاتِهَا الشَّرْعِيَّةِ.
[ 18 ] عَالَمِيَّةُ الدِّينِ: اعْلَمْ أَنَّ "الدِّينَ" لَيْسَ مِلْكًا لِفِئَةٍ (حَضَرٍ أَوْ بَدْوٍ)، بَلْ هُوَ وَحْيُ العَالَمِينَ.
[ 19 ] تَعْظِيمُ الشَّعَائِرِ: احْذَرْ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ بِشَعَائِرِ الدِّينِ أَوِ التَّنَدُّرِ بِأَهْلِهِ.
[ 20 ] تَرْبِيَةُ الفِطْرَةِ: رَبِّ أَهْلَكَ وَطُلَّابَكَ عَلَى "الفِطْرَةِ" السَّلِيمَةِ الَّتِي تُمَيِّزُ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ.
[ 21 ] الدِّقَّةُ اللُّغَوِيَّةُ: كُنْ دَقِيقًا فِي نَقْلِ الأَلْفَاظِ وَتَحْقِيقِهَا، كَمَا فِي لَفْظَةِ (الحَضَرِ).
[ 22 ] العِبْرَةُ بِالعَمَلِ: اجْعَلْ مِنْ "قِصَّةِ الفُجَاءَةِ" عِبْرَةً فِي أَنَّ العَمَلَ يُبْطِلُ دَعْوَى اللِّسَانِ.
[ 23 ] الحَذَرُ مِنَ الجُهَّالِ: لَا تَأْخُذْ دِينَكَ عَنِ "الجُهَّالِ" وَإِنْ تَزَيَّنُوا بِزِيِّ العُلَمَاءِ.
[ 24 ] يَقِينُ النَّصْرِ: أَيْقِنْ أَنَّ نَصْرَ اللهِ مُرْتَبِطٌ بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ.
[ 25 ] الوَلَاءُ وَالبَرَاءُ: اجْعَلِ البَرَاءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ دِينًا تَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ.
[ 26 ] الفَصْلُ بَيْنَ السِّيَاسَةِ وَالدِّينِ: لَا تَخْلِطْ بَيْنَ "السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ" وَبَيْنَ "المُدَاهَنَةِ العَقَدِيَّةِ".
[ 27 ] هَدْمُ صَنَمِ العَادَاتِ: احْذَرْ مِنْ "دِينِ الآبَاءِ" إِذَا خَالَفَ الوَحْيَ، فَإِنَّهُ صَنَمُ العُقُولِ.
[ 28 ] التَّوَاضُعُ لِلْحَقِّ: كُنْ مُتَوَاضِعًا لِلْحَقِّ، وَاقْبَلِ النَّصِيحَةَ وَلَوْ مِنْ أَعْرَابِيٍّ بَسِيطٍ.
[ 29 ] تَدْرِيسُ المَوَاضِعِ: اجْعَلْ مِنْ "المَوَاضِعِ السِّتَّةِ" مَنْهَجًا تَدْرِيسِيًّا فِي حَلَقَاتِكَ.
[ 30 ] نَفْيُ التَّنَاقُضِ: تَيَقَّنْ أَنَّ اللهَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ المُتَنَاقِضَاتِ (تَوْحِيدٌ مَعَ شِرْكٍ صَرِيحٍ).
[ 31 ] الحَذَرُ مِنَ النِّفَاقِ: احْذَرْ مِنَ "النِّفَاقِ العَمَلِيِّ" الَّذِي قَدْ يَجُرُّ إِلَى الرِّدَّةِ.
[ 32 ] الِاسْتِعَانَةُ بِأَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ: اسْتَعِنْ بِكُتُبِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ لِفَهْمِ تَفَاصِيلِ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ.
[ 33 ] فِقْهُ الوَاقِعِ: كُنْ فَقِيهًا فِي الوَاقِعِ كَمَا أَنْتَ فَقِيهٌ فِي النَّصِّ.
[ 34 ] الحَقُّ لَا حَيَاءَ فِيهِ: لَا تَجْعَلِ "الحَيَاءَ" يَمْنَعُكَ مِنْ تَكْفِيرِ مَنْ كَفَرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
[ 35 ] الِاقْتِدَاءُ بِالصِّدِّيقِ: اجْعَلِ "الصِّدِّيقَ" رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قُدْوَتَكَ فِي الحَزْمِ مَعَ المُرْتَدِّينَ.
[ 36 ] خَطَرُ التَّلْبِيسِ: اعْلَمْ أَنَّ التَّلْبِيسَ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ جُرْمًا مِنَ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي.
[ 37 ] جُهُوزِيَّةُ المُفَاصَلَةِ: كُنْ مُسْتَعِدًّا لِلْمُفَاصَلَةِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ فِي كُلِّ حِينٍ.
[ 38 ] شِعَارُ التَّنْزِيهِ: اجْعَلْ مِنْ "سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ" شِعَارَكَ أَمَامَ شُبُهَاتِ المُرْجِئَةِ.
[ 39 ] إِخْلَاصُ النِّيَّةِ: أَخْلِصِ النِّيَّةَ فِي بَحْثِكَ وَدَرْسِكَ لِيَكُونَ حُجَّةً لَكَ لَا عَلَيْكَ.
[ 40 ] حُسْنُ الخِتَامِ: اخْتِمْ حَيَاتَكَ وَعَمَلَكَ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى التَّوْحِيدِ.
------------------
[ 50 ] سُؤَالاً وَإِجَابَةً نَمُوذَجِيَّةً لِلِامْتِحَانِ (مُشَكَّلَةً وَمُحَقَّقَةً)
[ المَجْمُوعَةُ الأُولَى: أَصْلُ الدِّينِ وَبَدْءُ الوَحْيِ ]
[ 1 ] س: مَا العِلَّةُ مِنْ بَدْءِ الإِمَامِ بِقِصَّةِ نُزُولِ الوَحْيِ؟
ج: لِبَيَانِ أَنَّ العِلْمَ بِالتَّوْحِيدِ وَالعَمَلَ بِهِ هُوَ أَوَّلُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ نَبِيَّهُ، وَأَنَّهُ سَبَبُ النَّجَاةِ.
[ 2 ] س: كَيْفَ كَانَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا سَبَباً فِي تَثْبِيتِ النَّبِيِّ ﷺ عَقَدِيّاً؟
ج: بِتَذْكِيرِهِ بِصِفَاتِهِ العَلِيَّةِ (صِلَةُ الرَّحِمِ، صِدْقُ الحَدِيثِ)، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَرَائِمَ الأَخْلَاقِ تَعْصِمُ صَاحِبَهَا بِفَضْلِ اللهِ.
[ 3 ] س: مَاذَا قَصَدَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ بِقَوْلِهِ: (لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ)؟
ج: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ دَعْوَةَ التَّوْحِيدِ تُصَادِمُ أَهْوَاءَ النَّاسِ، فَالْعَدَاوَةُ لَازِمَةٌ لِأَهْلِ الحَقِّ.
[ 4 ] س: بَيِّنِ الفَرْقَ بَيْنَ "النَّبِيِّ" وَ"الرَّسُولِ" مِنْ خِلَالِ مَوْضِعِ بَدْءِ الوَحْيِ.
ج: النَّبِيُّ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ (إِقْرَأْ)، وَالرَّسُولُ مَنْ أُمِرَ بِبَلَاغِهِ (قُمْ فَأَنْذِرْ).
[ 5 ] س: لِمَاذَا ذَكَرَ الإِمَامُ قِصَّةَ "إِقْرَأْ" ثُمَّ "يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ"؟
ج: لِيُبَيِّنَ التَّدَرُّجَ فِي مَرَاتِبِ الدِّينِ، وَأَنَّ مَنْزِلَةَ "النِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ" هِيَ أَعْظَمُ المَرَاتِبِ.
[ المَجْمُوعَةُ الثَّانِيَةُ: حَقِيقَةُ الشِّرْكِ وَخُصُومَةِ قُرَيْشٍ ]
[ 6 ] س: مَا هُوَ مَنَاطُ الخُصُومَةِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَقُرَيْشٍ؟
ج: هُوَ إِفْرَادُ اللهِ بِالعِبَادَةِ، لَا مُجَرَّدُ الإِقْرَارِ بِأَنَّهُ الخَالِقُ الرَّازِقُ.
[ 7 ] س: لِمَاذَا عَرَضَتْ قُرَيْشٌ المَالَ وَالجَاهَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؟
ج: لِيَتْرُكَ "تَسْفِيهَ عُقُولِهِمْ" وَ"سَبَّ آلِهَتِهِمْ"، وَهِيَ المُدَاهَنَةُ فِي أَصْلِ الدِّينِ.
[ 8 ] س: مَا مَعْنَى (تَسْفِيهِ العُقُولِ) فِي سِيَاقِ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ؟
ج: بَيَانُ أَنَّ عِبَادَةَ غَيْرِ اللهِ (أَوْثَانًا أَوْ أَوْلِيَاءَ) هِيَ ضَلَالٌ مَحْضٌ لَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ.
[ 9 ] س: كَيْفَ كَانَ أَبُو طَالِبٍ يَعْرِفُ صِدْقَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُسْلِمْ؟
ج: لِتَعَلُّقِهِ بِـ "دِينِ الآبَاءِ" وَخَوْفِهِ مِنْ مَسَبَّةِ قُرَيْشٍ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَعْرِفَةَ بِلَا انْقِيَادٍ لَا تَنْفَعُ.
[ 10 ] س: مَا هِيَ الشُّبْهَةُ الَّتِي أَوْرَدَهَا المُشْرِكُونَ فِي قِصَّةِ "الغَرَانِيقِ"؟
ج: زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَثْنَى عَلَى آلِهَتِهِمْ، لِيُبَرِّرُوا شِرْكَهُمْ وَيُوهِمُوا النَّاسَ بِالتَّقَارُبِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ.
[ المَجْمُوعَةُ الثَّالِثَةُ: إِسْلَامُ عُمَرَ وَقِصَّةُ النَّجَاشِيِّ ]
[ 11 ] س: مَا الذِي اسْتَوْقَفَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فِي سُورَةِ (طه)؟
ج: عَظَمَةُ القُرْآنِ وَدَلَالَتُهُ عَلَى انْفِرَادِ اللهِ بِالخَلْقِ وَالأَمْرِ، مِمَّا صَدَعَ حِصْنَ الجَاهِلِيَّةِ فِي قَلْبِهِ.
[ 12 ] س: مَا دَلَالَةُ إِسْلَامِ عُمَرَ عَلَى وُجُوبِ إِظْهَارِ الدِّينِ؟
ج: تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ يَقْتَضِي العِزَّةَ وَالمُفَاصَلَةَ، وَأَنَّ الِاسْتِخْفَاءَ كَانَ لِلضَّرُورَةِ لَا لِأَصْلِ الشَّرْعِ.
[ 13 ] س: لِمَاذَا هَاجَرَ الصَّحَابَةُ إِلَى الحَبَشَةِ؟
ج: فِرَاراً بِدِينِهِمْ مِنَ الفِتْنَةِ، وَبَحْثاً عَنْ مَكَانٍ يَعْبُدُونَ فِيهِ اللهَ وَحْدَهُ دُونَ إِكْرَاهٍ.
[ 14 ] س: مَا هُوَ الرَّدُّ المَفْحَمُ الَّذِي قَالَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِلنَّجَاشِيِّ؟
ج: وَصَفَ لَهُ حَالَ الجَاهِلِيَّةِ (أَكْلُ المَيْتَةِ، الفَوَاحِشُ) وَكَيْفَ أَنْقَذَهُمُ اللهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالعَفَافِ.
[ 15 ] س: هَلْ نَقَصَ إِيمَانُ النَّجَاشِيِّ بِسَبَبِ عَدَمِ هِجْرَتِهِ إِلَى المَدِينَةِ؟
ج: لَا، لِأَنَّهُ كَانَ "عَاجِزاً" وَقَدْ قَامَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نُصْرَةِ الدِّينِ فِي مَكَانِهِ.
[ المَجْمُوعَةُ الرَّابِعَةُ: قِصَّةُ الرِّدَّةِ وَالفُجَاءَةِ السَّلَمِيِّ ]
[ 16 ] س: مَنْ هُوَ الفُجَاءَةُ السَّلَمِيُّ، وَمَاذَا طَلَبَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ؟
ج: هُوَ رَجُلٌ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، طَلَبَ سِلَاحاً وَمَالاً لِيُقَاتِلَ المُرْتَدِّينَ مَعَ المُسْلِمِينَ.
[ 17 ] س: مَا هِيَ الجَرِيمَةُ العُظْمَى الَّتِي ارْتَكَبَهَا الفُجَاءَةُ؟
ج: اسْتَعْرَضَ النَّاسَ (مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ) يَقْتُلُهُمْ وَيَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ بَعْدَ أَنْ تَظَاهَرَ بِالإِسْلَامِ.
[ 18 ] س: كَيْفَ كَانَتْ نِهَايَةُ الفُجَاءَةِ بِأَمْرِ الصِّدِّيقِ؟
ج: أَمَرَ الصِّدِّيقُ بِتَحْرِيقِهِ فِي البَقِيعِ بِالنَّارِ وَهُوَ حَيٌّ.
[ 19 ] س: مَا هُوَ "وَجْهُ الإِشْكَالِ" الَّذِي حَلَّهُ الإِمَامُ فِي قِصَّةِ الفُجَاءَةِ؟
ج: كَيْفَ يُكَرَّرُ كُفْرُهُ وَقَدْ كَانَ يُقِرُّ بِالأَرْكَانِ؟ وَالجَوَابُ أَنَّ "الِاسْتِبَاحَةَ" وَ"الغَدْرَ" نَاقِضٌ يُبْطِلُ الإِقْرَارَ.
[ 20 ] س: بَيِّنِ القِيَاسَ الَّذِي عَقَدَهُ الإِمَامُ بَيْنَ الفُجَاءَةِ وَمُشْرِكِي زَمَانِهِ.
ج: إِذَا كَانَ الفُجَاءَةُ كَفَرَ بِمَعْصِيَةٍ غَلِيظَةٍ (الِاسْتِبَاحَةِ)، فَمَنْ يَسُبُّ الدِّينَ وَيَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ أَوْلَى بِالكُفْرِ يَقِيناً.
[ المَجْمُوعَةُ الخَامِسَةُ: التَّحْقِيقُ فِي دِينِ الحَضَرِ وَالآبَاءِ ]
[ 21 ] س: مَاذَا يَقْصِدُ المُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ: (هَذَا دِينُ الحَضَرِ)؟
ج: يَقْصِدُونَ أَنَّ التَّوْحِيدَ خَاصٌّ بِأَهْلِ المُدُنِ، وَأَنَّ البَادِيَةَ لَهَا أَعْرَافُهَا الخَاصَّةُ الَّتِي تُغْنِيهَا عَنِ الشَّرْعِ.
[ 22 ] س: لِمَاذَا اسْتَخْدَمَ الإِمَامُ لَفْظَ (المَرْضَى الجُهَّالِ)؟
ج: لِأَنَّ جَهْلَهُمْ بِمَعْنَى التَّوْحِيدِ أَوْصَلَهُمْ إِلَى مَرَضِ القَلْبِ الَّذِي يَجْعَلُهُمْ يُسَمُّونَ المُشْرِكَ مُسْلِماً.
[ 23 ] س: مَا هُوَ "البُهْتَانُ العَظِيمُ" المَذْكُورُ فِي خِتَامِ المَتْنِ؟
ج: هُوَ الزَّعْمُ بِأَنَّ مَنْ يَبْرَأُ مِنَ الإِسْلَامِ وَيُفَضِّلُ دِينَ الآبَاءِ عَلَيْهِ هُوَ "مُسْلِمٌ" بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ.
[ 24 ] س: كَيْفَ نَرُدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: (لَا نُكَفِّرُ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلَوْ سَبَّ الدِّينَ)؟
ج: نَقُولُ: هَذَا هُوَ دِينُ المُرْجِئَةِ، وَالصَّحَابَةُ كَفَّرُوا المُرْتَدِّينَ رَغْمَ صَلَاتِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ لَمَّا جَحَدُوا الزَّكَاةَ أَوْ نَقَضُوا العَهْدَ.
[ 25 ] س: مَا الفَائِدَةُ مِنْ حِكَايَةِ أَعْرَابِيِّ البَادِيَةِ فِي خِتَامِ الرِّسَالَةِ؟
ج: بَيَانُ أَنَّ الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ أَهْدَى مِنَ العُلَمَاءِ المُلَبِّسِينَ؛ فَالْأَعْرَابِيُّ عَرَفَ أَنَّ الشِّرْكَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الإِسْلَامِ.
[ المَجْمُوعَةُ السَّادِسَةُ: قَوَاعِدُ التَّكْفِيرِ وَالِانْتِمَاءِ ]
[ 26 ] س: مَتَى يَكُونُ "الجَهْلُ" عُذْراً فِي الشَّرِيعَةِ؟
ج: فِي المَسَائِلِ الخَفِيَّةِ الَّتِي تَحْتَاجُ بَيَاناً، لَا فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
[ 27 ] س: مَا حُكْمُ مَنْ (شَكَّ) فِي كُفْرِ مَنْ صَرَّحَ بِتَفْضِيلِ دِينِ الآبَاءِ عَلَى الإِسْلَامِ؟
ج: هُوَ كَافِرٌ بِمُقْتَضَى النَّاقِضِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ فِيهِمْ.
[ 28 ] س: كَيْفَ نَجْمَعُ بَيْنَ (رَحْمَةِ الدِّينِ) وَبَيْنَ (حَزْمِ الصِّدِّيقِ) فِي قِتَالِ المُرْتَدِّينَ؟
ج: الرَّحْمَةُ تَكُونُ بِحِمَايَةِ الدِّينِ مِنْ عَبَثِ العَابِثِينَ؛ فَقَتْلُ المُرْتَدِّ رَحْمَةٌ بِالمُجْتَمَعِ حَتَّى لَا يَنْتَشِرَ ضَلَالُهُ.
[ 29 ] س: مَا مَعْنَى "تَصْرِيحُ المُرْتَدِّ بِمَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"؟
ج: أَيْ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَا يُنَاقِضُ "النَّفْيَ وَالإِثْبَاتَ"؛ فَيَثْبَتُ العِبَادَةَ لِلْقُبُورِ وَيَنْفِيهَا عَنْ شَرْعِ اللهِ.
[ 30 ] س: مَا مَوْقِفُ الإِمَامِ مِنْ "المُطَوِّعِ" الَّذِي يُسَمِّي الكُفَّارَ مُسْلِمِينَ؟
ج: اعْتَبَرَهُ كَافِراً لِأَنَّهُ جَعَلَ الشِّرْكَ إِسْلَاماً وَكَذَّبَ بِحَقِيقَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ.
[ المَجْمُوعَةُ السَّابِعَةُ: العَمَلُ وَتَلَازُمُ الإِيمَانِ ]
[ 31 ] س: هَلِ الإِيمَانُ (قَوْلٌ وَعَمَلٌ) أَمْ (قَوْلٌ فَقَطْ)؟
ج: الإِيمَانُ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ؛ لَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ.
[ 32 ] س: كَيْفَ نَسْتَدِلُّ بِقِصَّةِ "مَانِعِي الزَّكَاةِ" عَلَى رُكْنِيَّةِ العَمَلِ؟
ج: الصَّحَابَةُ سَمَّوْهُمْ "مُرْتَدِّينَ" لِأَنَّهُمْ مَنَعُوا رُكْناً عَمَلِيّاً، وَلَمْ تَنْفَعْهُمْ صَلَاتُهُمْ وَلَا شَهَادَتُهُمْ.
[ 33 ] س: مَا مَعْنَى "الرِّدَّةِ الغَلِيظَةِ"؟
ج: هِيَ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِمُحَارَبَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، أَوْ غَدْرٍ بَعْدَ أَمَانٍ، كَمَا فَعَلَ الفُجَاءَةُ.
[ 34 ] س: هَلْ يَجُوزُ تَكْفِيرُ (البَادِيَةِ) كَجَمَاعَةٍ إِذَا تَرَكُوا شَرَائِعِ الإِسْلَامِ؟
ج: نَعَمْ؛ إِذَا كَانَ حَالُهُمْ هُوَ الِامْتِنَاعَ عَنِ التَّوْحِيدِ وَتَقْدِيمَ الطَّاغُوتِ، كَمَا حَكَى الإِمَامُ فِي خِتَامِ رِسَالَتِهِ.
[ 35 ] س: مَا الفرق بَيْنَ "تَوْبَةِ القُدْرَةِ" وَ"تَوْبَةِ الِاخْتِيَارِ"؟
ج: تَوْبَةُ الِاخْتِيَارِ تُقْبَلُ يَقِيناً، أَمَّا تَوْبَةُ القُدْرَةِ (عِنْدَ السَّيْفِ) فَقَدْ لَا تُسْقِطُ عُقُوبَةَ القَتْلِ فِي حَقِّ المُرْتَدِّ المُحَارِبِ.
[ المَجْمُوعَةُ الثَّامِنَةُ: التَّأْصِيلُ اللُّغَوِيُّ وَالبَحْثِيُّ ]
[ 36 ] س: مَا مَعْنَى "الِاسْتِعْرَاضِ" فِي قِصَّةِ الفُجَاءَةِ؟
ج: هُوَ الخُرُوجُ لِقَتْلِ مَنْ لَقِيَهُ دُونَ تَمْيِيزٍ، وَهُوَ فِعْلُ الخَوَارِجِ وَالمُفْسِدِينَ.
[ 37 ] س: لِمَاذَا يُعَدُّ لَفْظُ (المُطَوِّعِ) دَقِيقاً فِي سِيَاقِ الرِّسَالَةِ؟
ج: لِأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الشَّخْصِ الَّذِي يَتَظَاهَرُ بِالدِّينِ وَالتَّعَلُّمِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجْهَلُ أَصْلَ الأُصُولِ.
[ 38 ] س: مَا دَوْرُ (الخَوْفِ) فِي مَنْعِ ظُهُورِ الإِيمَانِ، كَمَا فِي حَالِ النَّجَاشِيِّ؟
ج: الخَوْفُ الحَقِيقِيُّ يُسْقِطُ "وَاجِبَ الإِظْهَارِ" لَكِنَّهُ لَا يُسْقِطُ "أَصْلَ التَّوْحِيدِ" فِي القَلْبِ.
[ 39 ] س: مَاذَا نَسْتَنْتِجُ مِنْ عَدَمِ نَقْلِ تَوْبَةِ الفُجَاءَةِ لَحْظَةَ قَتْلِهِ؟
ج: أَنَّ الدَّعْوَى عِنْدَ لِقَاءِ السَّيْفِ لَا تُغَيِّرُ حُكْمَ القَضَاءِ إِذَا كَانَتِ الجَرِيمَةُ تَمَسُّ أَصْلَ المِلَّةِ.
[ 40 ] س: مَا هُوَ الضَّابِطُ فِي "تَبْدِيعِ" أَوْ "تَكْفِيرِ" مَنْ يَمْدَحُ دِينَ الآبَاءِ؟
ج: إِنْ كَانَ يَمْدَحُ الأَخْلَاقَ فَهَذَا لَيْسَ بِكُفْرٍ، أَمَّا إِنْ كَانَ يُفَضِّلُ شَرْعَهُمْ عَلَى شَرْعِ اللهِ فَهُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ.
[ المَجْمُوعَةُ التَّاسِعَةُ: أَسْئِلَةٌ عُلْيَا (تَحْقِيقِيَّةٌ) ]
[ 41 ] س: لِمَاذَا نَدِمَ الصِّدِّيقُ عَلَى تَحْرِيقِ الفُجَاءَةِ مَعَ صِحَّةِ رِدَّتِهِ؟
ج: نَدِمَ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ القَتْلَ بِالسَّيْفِ كَانَ أَوْلَى بِسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ، لَا لِأَنَّ الفُجَاءَةَ كَانَ بَرِيئاً.
[ 42 ] س: مَا هُوَ رَدُّكَ عَلَى مَنْ يَصِفُ هَذَا المَتْنَ بِأَنَّهُ مَنْهَجُ "دَوَاعِشَ"؟
ج: نَقُولُ: هَذَا مَنْهَجُ الصَّحَابَةِ فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ، وَهُوَ يَحْمِي بَيْضَةَ الدِّينِ، وَالفَرْقُ أَنَّ هَذَا بِأَمْرِ "وَلِيِّ الأَمْرِ" الشَّرْعِيِّ (الصِّدِّيقِ).
[ 43 ] س: كَيْفَ نُفَرِّقُ بَيْنَ (الِاجْتِهَادِ فِي القَتْلِ) وَبَيْنَ (التَّشْرِيعِ المَحْضِ)؟
ج: فِعْلُ الصِّدِّيقِ كَانَ اجْتِهَاداً فِي صِفَةِ الزَّجْرِ، وَالتَّشْرِيعُ المَحْضُ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ؛ وَالنَّدَمُ دَلِيلُ رُجُوعِ الصِّدِّيقِ لِلنَّصِّ.
[ 44 ] س: مَا مَعْنَى (الِانْقِيَادِ الكُلِّيِّ) فِي سُورَةِ (طه)؟
ج: هُوَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ العَبْدُ لِعَظَمَةِ اللهِ وَيَقْبَلَ أَمْرَهُ دُونَ اعْتِرَاضٍ، وَهَذَا مَا حَدَثَ لِعُمَرَ.
[ 45 ] س: مَا العِلَاقَةُ بَيْنَ (قِصَّةِ الغَرَانِيقِ) وَبَيْنَ (فِتْنَةِ التَّقْرِيبِ بَيْنَ الأَدْيَانِ)؟
ج: كِلَاهُمَا يَقُومُ عَلَى مُدَاهَنَةِ المُشْرِكِينَ وَالثَّنَاءِ عَلَى بَاطِلِهِمْ لِأَجْلِ مَصَالِحَ دُنْيَوِيَّةٍ، وَهُوَ مَا هَدَمَهُ الإِمَامُ فِي المَوْضِعِ الثَّالِثِ.
[ المَجْمُوعَةُ العَاشِرَةُ: خَاتِمَةُ الرِّسَالَةِ ]
[ 46 ] س: مَا هِيَ النَّصِيحَةُ الَّتِي نُقَدِّمُهَا لِمَنْ يَقْرَأُ هَذَا المَتْنَ؟
ج: نَصِيحَتُهُ أَنْ يَقْرَأَهُ بِقَلْبٍ يُرِيدُ نَجَاةَ نَفْسِهِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الشِّرْكَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ.
[ 47 ] س: هَلْ هَذَا المَتْنُ لِلْقِرَاءَةِ التَّارِيخِيَّةِ أَمْ لِلْعَمَلِ؟
ج: هُوَ لِلْعَمَلِ وَالتَّطْبِيقِ العَقَدِيِّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ تُنْقَضُ فِيهِ عُرَى الإِسْلَامِ.
[ 48 ] س: مَاذَا نَتَعَلَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ)؟
ج: أَنَّ نَجَاتَنَا مَرْهُونَةٌ بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَالِاقْتِدَاءِ بِآلِهِ وَصَحَابَتِهِ الكِرَامِ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي التَّوْحِيدِ.
[ 49 ] س: مَا هُوَ أَقْوَى بَيْتٍ فِي القَصِيدَةِ العَقَدِيَّةِ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ؟
ج: هُوَ قَوْلُهُ (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ دَابِرَ المُلَبِّسِينَ.
[ 50 ] س: تَمَّ مَتْنُ المَوَاضِعِ السِّتَّةِ، فَمَا هِيَ الخُطْوَةُ التَّالِيَةُ لِطَالِبِ العِلْمِ؟
ج: الخُطْوَةُ هِيَ دِرَاسَةُ "كَشْفِ الشُّبُهَاتِ" لِلْتَّبَحُّرِ فِي الردِّ عَلَى أَهْلِ الضَّلَالِ بَعْدَ فَهْمِ الأُصُولِ.
--------
تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ الفَرَاغُ مِنْ إِعْدَادِ وَتَحْقِيقِ كِتَابِ:
«إِرْشَادُ الطَّالِبِ السَّارِي إِلَى تَحْقِيقِ وَتَعْلِيقِ رِسَالَةِ (سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ)»
فِي هَذَا التَّوْقِيتِ المُبَارَكِ:
السَّاعَةُ: 01:48 صَبَاحًا.
اليَوْمُ: يَوْمُ الأَحَدِ.
التَّارِيخُ الهِجْرِيُّ: 1 شَوَّال 1447 هـ (غُرَّةُ عِيدِ الفِطْرِ المُبَارَكِ).
التَّارِيخُ المِيلَادِيُّ: 19 أَبْرِيل (نِيسَان) 2026 م.
تَقَبَّلَ اللهُ مِنْكُمْ هَذَا الجُهْدَ العِلْمِيَّ يَا دُكْتُور عِمَاد، وَجَعَلَهُ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِكُمْ وَنَفَعَ بِهِ أَبْنَاءَ الإِسْلَامِ.
📜 سَنَدُ رِسَالَةِ (سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ) 📜
✨ يَقُولُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى اللهِ (أَبُو أَنَسٍ): ✨
عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيُّ
«الحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَ الإِسْنَادَ خَصِيصَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ المَعْلُومَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ هُوَ رَبْطُ الخَلَفِ بِالسَّلَفِ عَبْرَ حِبَالِ الأَسَانِيدِ، وَإِنَّ مِمَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ أَنْ أَخْبَرَنِي جَمْعٌ مِنَ الأَشْيَاخِ الكِرَامِ -أَجَازُونِي إِجَازَةً خَاصَّةً وَعَامَّةً- بِمَرْوِيَّاتِهِمْ وَأَسَانِيدِهِمْ فِي رِوَايَةِ رِسَالَةِ "سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ" إِلَى مُؤَلِّفِهَا الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَقَدْ رَتَّبْتُهُمْ بِحَسَبِ بُلْدَانِهِم عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
📜 إِجَازَةٌ لِلطَّالِبِ النَّجِيبِ:
......................................................................................
أَوَّلًا: أَشْيَاخُ الحِجَازِ (المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ):
💠 الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ المُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ القَاسِمُ.
💠 الشَّيْخُ بَدْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَامِي العُتَيْبِيُّ.
💠 الدُّكْتُورُ مَالِكُ بْنُ رِضَا المُحَمَّدِيُّ.
💠 المُسْنِدُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الدَّهَامِيُّ.
💠 الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ آلُ إِبْرَاهِيمَ العَنْقَرِيُّ.
💠 الشَّيْخُ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ المَدْخَلِيُّ.
ثَانِيًا: أَشْيَاخُ مِصْرَ:
💠 الشَّيْخُ وَائِلُ كَمَالِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدِ عَلِي.
💠 الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيُّ.
💠 الشَّيْخُ نَاصِرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيُّ.
💠 الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَرِيدٍ عَبْدُ الهَادِي الحَنْبَلِيُّ.
💠 الشَّيْخُ أَبُو سُهَيْلَةَ سَامِي بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فُتُوحِ آلُ مُرَادٍ.
💠 الشَّيْخُ أُسَامَةُ بْنُ السَّيِّدِ بْنِ عُبَيْدٍ التِّيدِيُّ.
💠 الشَّيْخُ عَاطِفُ عَبْدُ المُعِزِّ الفَيُّومِيُّ.
ثَالِثًا: أَشْيَاخُ الكُوَيْتِ وَاليَمَنِ وَالجَزَائِرِ وَغَيْرِهَا:
💠 الشَّيْخُ دَغْشُ بْنُ شَبِيبٍ العَجَمِيُّ.
💠 الشَّيْخُ أَبُو خَالِدٍ وَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الغَرْبِيُّ.
💠 الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ المَجِيدِ جُمُعَةُ.
💠 الشَّيْخُ سُهَيْلُ حَسَن عَبْدُ الغَفَّارِ العُمَرِفُورِيُّ.
💠 الشَّيْخُ مُحَمَّدُ كَامِلُ عَلِي الكُرْدِيُّ.
💠 الشَّيْخُ حَمِيدٌ الكُرْدِيُّ.
💠 الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَمْجَانُ حُسَيْن أَحْمَدُ البَشْدِيُّ.
🔗 السَّنَدُ المُتَّصِلُ لِلإِمَامِ:
أَرْوِي عَنِ المَشَايِخِ المَذْكُورِينَ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ، عَنِ الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ وَالِدِهِ (الإِمَامِ المُجدِّدِ) رَحِمَهُ اللهُ.
📅 تَارِيخُ التَّحْرِيرِ:
يَوْمُ: .........................
غُرَّةِ شَوَّالٍ ١٤٤٧ هـ | أَبْرِيل ٢٠٢٦ م
🖋️ المُجِيزُ:
أَبُو أَنَسٍ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ عَامِرٍ
(توقيع/ختم)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق